Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ) المعنى : واذكر في الكتاب الذي أنزل عليك وهو القرآن قصة إبراهيم وخبره وقد تقدم معنى الصديق في النساء واشتقاق الصدق في البقرة فلا معنى للاعادة ومعنى الآية : اقرأ عليهم يا محمد في القرآن أمر إبراهيم فقد عرفوا أنهم من ولده فإنه كان حنيفا مسلما وما كان يتخذ الأنداد فهؤلاء لم يتخذون الأنداد وهو كما قال : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) قوله تعلى : ( إذ قال لأبيه ) وهو آزر وقد تقدم ( يا أبت ) قد تقدم القول فيه في يوسف ( لم تعبد ) أي لأي شيء تعبد : ( ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) يريد الأصنام ( يا أبت إني قد جاءني من العلم مالم يأتك ) أي من اليقين والمعرفة بالله وما يكون بعد الموت وأن من عبد غير الله عذب ( فاتبعني ) إلى ما أدعوك إليه ( أهدك صراطا سويا ) أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة ( يا أبت لا تعبد الشيطان ) أيلا تطعه فيما يأمرك به من الكفر ومن أطاع شيئا في معصية فقد عبده ( إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) ( كان ) صلة زائدة وقيل : بمعنى صار وقيل : بمعنى الحال أي هو للرحمن وعصيا وعاص بمعنى واحد قاله الكسائي ( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) أي إن مت على ما أنت عليه ويكون ( أخاف ) بمعنى أعلم ويجوز أن يكون ( أخاف ) على بابها فيكون المعنى : إني أخاف أن تموت على كفرك فيمسك العذاب ( فتكون للشيطان وليا ) أي قرينا في النار ( قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ) أي أترغب عنها إلى غيرها ( لئن لم تنته لأرجمنك ) قال الحسن : يعني بالحجارة الضحاك : بالقول أي لأشتمنك بن عباس : لأضربنك وقيل : لأظهرن أمرك ( واهجرني مليا ) قال بن عباس : أي اعتزلني سالم العرض لا يصيبك مني معرة واختاره الطبري فقوله : ( مليا ) على هذا حال من إبراهيم وقال الحسن ومجاهد : ( مليا ) دهرا طويلا ومنه قول المهلهل : فتصدعت صم الجبال لموته وبكت عليه المرملات مليا قال الكسائي : يقال هجرته مليا وملوة وملوة وملاوة وملاوة فهو على هذا القول ظرف وهو بمعنى الملاوة من الزمان وهو الطويل منه قوله تعالى : ( قال سلام عليك ) لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء الرد لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره والجمهور على أن المراد بسلامه المسألة التي هي المتاركة لا التحية قال الطبري : معناه أمنة مني لك وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام وقال النقاش : حليم خاطب سفيها كما قال : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) وقال بعضهم في معنى تسليمه : هو تحية مفارق وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها قيل لابن عيينة : هل يجوز السلام على الكافر قال : نعم قال الله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين الممتحنة وقال : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم الممتحنة الآية وقال إبراهيم لأبيه : ( سلام عليك ) قلت : الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة وفي الباب حديثان صحيحان : روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه ( خرجه البخاري ومسلم وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية وأردف وراءه أسامة بن زيد وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج وذلك قبل وقعة بدر حتى مر في مجلس فيه اخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال : لا تغبروا علينا فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فألأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء لأن ذلك إكرام والكافر ليس أهله والحديث الثاني يجوز ذلك قال الطبري : ولا يعارض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة فإنه ليس في أحدهما خلاف للآخر وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص وقال النخعي : إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام فبان بهذا أن حديث أبي هريرة ( لا تبدءوهم بالسلام ( إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءوهم بالسلام من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم أو حق صحبة أو جوار أو سفر قال الطبري : وقد روى عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب وفعله بن مسعود بدهقان صحبه في طريقه قال علقمة : فقلت له يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدءوا بالسلام قال : نعم ولكن حق الصحبة وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه فقيل له في ذلك فقال : أمرنا أن نفشي السلام وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه فقال : إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك وروى عن الحسن البصري أنه قال : إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم قلت : وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص به هذه الأمة لحديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة ( الحديث ذكره الترمذي الحكيم وقد مضى في الفاتحة بسنده وقد مضى الكلام في معنى قوله : سأستغفر لك ربي وارتفع السلام بالابتداء وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة قوله تعالى : ( إنه كان بي حفيا ) : الحفي المبالغ في البر والالطاف يقال : حفي به وتحفى إذا بره وقال الكسائي يقال : حفي بي حفاوة وحفوة وقال الفراء : ( إنه كان بي حفيا ) أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته قوله تعالى : ( وأعتزلكم ) : العزلة المفارقة وقد تقدم في الكهف بيانها وقوله : ( عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) قيل : أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه ولهذا قال : ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب ) أي آنسنا وحشته بولد عن بن عباس وغيره وقيل : ( عيسى ) يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في المستقبل وقيل : دعا لأبيه بالهداية ف ( عسى ) شك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا والأول أظهر وقوله : ( وجعلنا لهم لسان صدق عليا ) أي أثنينا عليهم ثناء حسنا لأن جميع الملل تحسن الثناء عليهم واللسان يذكر ويؤنث وقد تقدم < <
مريم : ( 51 ) واذكر في الكتاب . . . . . > > < > ( مريم 51 : 53 ) < > قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب موسى ) أي واقرأ عليهم من القرآن قصة موسى ( إنه كان مخلصا ) في عبادته غير مرائي وقرأ أهل الكوفة بفتح اللام أي أخلصناه فجعلناه مختارا ( وناديناه ) أي كلمناه ليلة الجمعة ( من جانب الطور الأيمن ) أي يمين موسى وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر قاله الطبري وغيره فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال ( وقربناه نجيا ) نصب على الحال أي كلمناه من غير وحي وقيل : أدنيناه لتقريب المنزلة حتى كلمناه وذكر وكيع وقبيصة عن سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس في قول الله عز وجل : ( وقربناه نجيا ) أي أدنى حتى سمع صرير الأقلام ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) وذلك حين سأل فقال : ( واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي ) < < مريم : ( 54 ) واذكر في الكتاب . . . . . > > < > ( مريم 54 : 55 ) <
> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إسماعيل ) اختلف فيه فقيل هو إسماعيل بن حزقيل بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم فاستعفاه ورضى بثوابه وفوض أمرهم إليه في عفوه وعقوبته والجمهور أنه إسماعيل الذبيح أبو العرب بن إبراهيم وقد قيل : إن الذبيح إسحاق والأول أظهر على ما تقدم ويأتي في والصافات إن شاء الله تعالى وخصه الله تعالى بصدق الوعد وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا له وإكراما كالتلقيب بنحو الحليم والأواه والصديق ولأنه المشهور المتواصف من خصاله الثانية صدق الوعد محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين وضده وهو الخلف مذموم وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين على ما تقدم بيانه في براءة وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد واختلف في ذلك فقيل : إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فدى هذا في قول من يرى أنه الذبيح وقيل : وعد رجلا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه وليلته فلما كان في اليوم الآخر جاء فقال له : ما زلت ها هنا في انتظارك منذ أمس وقيل : انتظره ثلاثة أيام وقد فعل مثله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثه ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره عن عبد الله بن أبي الحمساء قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام فجئت فإذا هو في مكانه فقال : ( يا فتى لقد شققت علي أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك ( لفظ أبي داود وقال يزيد الرقاشي : انتظره إسماعيل اثنين وعشرين يوما ذكره الماوردي وفي كتاب بن سلام أنه انتظره سنة وذكره الزمخشري عن بن عباس أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة وذكره القشيري قال : فلم يبرح من مكانه سنة حتى أتاه جبريل عليه السلام فقال : إن التاجر الذي سألك أن تقعد له حتى يعود هو إبليس فلا تقعد ولا كرامة له وهذا بعيد ولا يصح وقد قيل : إن إسماعيل لم يعد شيئا إلا وفى به وهذا قول صحيح وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية والله أعلم الثالثة من هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ( العدة دين ( وفي الأثر ( وأي المؤمن واجب ( أي في أخلاق المؤمنين وإنما قلنا إن ذلك ليس بواجب فرضا لاجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر أن من وعد بمال ما كان ليضرب به مع الغرماء فلذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن مع المروءة ولا يقضى به والعرب تمتدح بالوفاء وتذم بالخلف والغدر وكذلك سائر الأمم ولقد أحسن القائل : متى ما يقل حر لصاحب حاجة نعم يقضها والحر للوأى ضامن ولا خلاف أن الوفاء يستحق صاحبه الحمد والشكر وعلى الخلف الذم وقد أثنى الله تبارك وتعالى على من صدق وعده ووفى بنذره وكفى بهذا مدحا وثناء وبما خالفه ذما الرابعة قال مالك : إذا سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له نعم ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه قال مالك : ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال نعم وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء : إن العدة لا يلزم منها شيء لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها وفي البخاري ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ) وقضى بن أشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب قال البخاري : ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث بن أشوع الخامسة ( وكان رسولا نبيا ) قيل : أرسل إسماعيل إلى جرهم وكل الأنبياء كانوا إذا وعدوا صدقوا وخص إسماعيل بالذكر تشريفا له والله أعلم السادسة ( وكان يأمر أهله ) قال الحسن : يعني أمته وفي حرف بن مسعود : وكان يأمر أهله جرهم وولده بالصلاة والزكاة ( وكان عند ربه مرضيا ) أي رضيا زاكيا صالحا قال الكسائي والفراء : من قال مرضي بناه على رضيت قالا وأهل الحجاز يقولون : مرضؤ وقال الكسائي والفراء : من العرب من يقول رضوان ورضيان فرضوان على مرضؤ ورضيان على مرضى ولا يجيز البصريون أن يقولوا إلا رضوان وربوان قال أبو جعفر النحاس : سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول : يخطئون في الخط فيكتبون ربا بالياء ثم يخطئون فيما هو أشد من هذا فيقولون ربيان ولا يجوز إلا ربوان ورضوان قال الله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس < <
مريم : ( 56 ) واذكر في الكتاب . . . . . > > < > ( مريم 56 : 57 ) <
> قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ) إدريس عليه السلام أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبس المخيط وأول من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث أبي ذر الزمخشري : وقيل سمى إدريس إدريس لكثرة درسه كتاب الله تعالى وكان اسمه أخنوخ وهو غير صحيح لأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفا فامتناعه من الصرف دليل على العجمة وكذلك إبليس أعجمي وليس من الابلاس كما يزعمون ولا يعقوب من العقب ولا إسرائيل بإسرال كما زعم بن السكيت ومن لم يحقق ولم يتدرب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات يجوز أن يكون معنى إدريس عليه السلام في تلك اللغة قريبا من ذلك فحسبه الراوي مشتقا من الدرس قال الثعلبي والغزنوي وغيرهما : وهو جد نوح وهو خطأ وقد تقدم في الأعراف بيانه وكذا وقع في السيرة أن نوحا عليه السلام بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون والله تعالى أعلم وكان أول من أعطى النبوة من بني آدم وخط بالقلم بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ( ورفعناه مكانا عليا ) قال أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وغيرهما : يعني السماء الرابعة وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقاله كعب الأحبار وقال بن عباس والضحاك : يعني السماء السادسة ذكره المهدوي قلت : ووقع في البخاري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال سمعت أنس بن مالك يقول : ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة الحديث وفيه : كل سماء فيها أنبياء قد سماهم منهم إدريس في الثانية وهو وهم والصحيح أنه في السماء الرابعة كذلك رواه ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره مسلم في الصحيح وروى مالك بن صعصعة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما عرج بي إلى السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة ( خرجه مسلم أيضا وكان سبب رفعه على ما قال بن عباس وكعب وغيرهما : إنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال : يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها يعني الملك الموكل بفلك الشمس يقول إدريس : اللهم خفف عنه من ثقلها واحمل عنه من حرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس والظل ما لا يعرف فقال يا رب خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه فقال الله تعالى : أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته فقال : يا رب اجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه خلة فأذن الله له حتى أتى إدريس وكان إدريس عليه السلام يسأله فقال : أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فازداد شكرا وعبادة فقال الملك : لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فقال للملك : قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي قال نعم ثم حمله على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ثم قال لملك الموت : لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله فقال : ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت علمه أعلمته متى يموت قال : نعم ثم نظر في ديوانه فقال : إنك تسألني عن إنسان ما أراه يموت أبدا قال : وكيف قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس قال : فإني أتيتك وتركته هناك قال : انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقى من أجل إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا وقال السدي : إنه نام ذات يوم واشتد عليه حر الشمس فقام وهو منها في كرب فقال : اللهم خفف عن ملك الشمس حرها وأعنه على ثقلها فإنه يمارس نارا حامية فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور عنده سبعون ألف ملك عن يمينه ومثلها عن يساره يخدمونه ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه فقال ملك الشمس : يا رب من أين لي هذا قال : دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس ثم ذكر نحو حديث كعب قال فقال له ملك الشمس : أتريد حاجة قال : نعم وددت أني لو رأيت الجنة قال : فرفعه على جناحه ثم طار به فبينما هو في السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في السماء ينظر يمينا وشمالا فسلم عليه ملك الشمس وقال : يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه فقال ملك الموت : سبحان الله ولأي معنى رفعته هنا قال : رفعته لأريه الجنة قال : فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة قلت : يا رب وأين إدريس من السماء الرابعة فنزلت فإذا هو معك فقبض روحه فرفعها إلى الجنة ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة فذلك قوله تعالى : ( ورفعناه مكانا عليا ) قال وهب بن منبه : كان يرفع لادريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت فاستأذن ربه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة آدمي وكان إدريس عليه السلام يصوم النهار فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس وقال له : من أنت قال : أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي فقال : إن لي إليك حاجة قال : وما هي قال : أن تقبض روحي فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه فقبضه ورده إليه بعد ساعة وقال له ملك الموت ما الفائدة في قبض روحك قال : لأذوق كرب الموت فأكون له أشد استعدادا ثم قال له إدريس بعد ساعة : إن لي إليك حاجة أخرى قال : وما هي قال : أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السماوات فرأى النار فصعق فلما أفاق قال أرني الجنة فأدخله الجنة ثم قال له ملك الموت : اخرج لتعود إلى مقرك فتعلق بشجرة وقال : لا أخرج منها فبعث الله تعالى بينهما ملكا حكما فقال : مالك لا تخرج قال : لأن الله تعالى قال : كل نفس ذائقة الموت وأنا ذقته وقال وإن منكم إلا واردها وقد وردتها وقال : وما هم منها بمخرجين الحجر فكيف أخرج قال الله تبارك وتعالى لملك الموت : بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج فهو حي هنالك فذلك قوله تعالى : ( ورفعناه مكانا عليا ) قال النحاس : قول إدريس وما هم منها بمخرجين يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس ثم نزل القرآن به قال وهب بن منبه : فإدريس تارة يرتع في الجنة وتارة يعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء < <
مريم : ( 58 ) أولئك الذين أنعم . . . . . > > < > ( مريم 58 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ) يريد إدريس وحده ( وممن حملنا مع نوح ) يريد إبراهيم وحده ( ومن ذرية إبراهيم ) يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب ( و ) من ذرية ( إسرائيل ) موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى فكان لادريس ونوح شرف القرب من آدم ولابراهيم شرف القرب من نوج ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم ( وممن هدينا ) أي إلى الاسلام : ( واجتبينا ) بالايمان ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ) وقرأ شبل بن عباد المكي ( يتلى ) بالتذكير لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل ( خروا سجدا وبكيا ) وصفهم بالخشوع لله والبكاء وقد مضى في سبحان يقال بكى يبكي بكاء وبكى بكيا إلا أن الخليل قال : إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن أي ليس معه صوت كما قال الشاعر : بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل ( وسجدا ) نصب على الحال ( وبكيا ) عطف عليه الثانية في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب قال الحسن ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) في الصلاة وقال الأصم : المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها ويبكون عند ذكرها والمروى عن بن عباس أن المراد به القرآن خاصة وأنهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته قال الكيا : وفي هذا دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء ولو كان كذلك لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مختصا بإنزاله إليه الثالثة احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ قال الكيا : وهذا بعيد فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى وضم السجود إلى البكاء وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند آية مخصوصة الرابعة قال العلماء : ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق بآياتها فإن قرأ سورة السجدة الم تنزيل قال : اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وإن قرأ سجدة سبحان قال : اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وإن قرأ هذه قال : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك < < مريم : ( 59 ) فخلف من بعدهم . . . . . > > < > ( مريم 59 : 63 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ) أي أولاد سوء قال أبو عبيدة : حدثنا حجاج عن بن جريج عن مجاهد قال : ذلك عند قيام الساعة وذهاب صالحي هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنى وقد تقدم القول في ( خلف ) في الأعراف فلا معنى للاعادة الثانية قوله تعالى : ( أضاعوا الصلاة ) وقرأ عبد الله والحسن ( أضاعوا الصلوات ) على الجمع وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق بها صاحبها ولا خلاف في ذلك وقد قال عمر : ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع واختلفوا فيمن المراد بهذه الآية فقال مجاهد : النصارى خلفوا بعد اليهود وقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد أيضا وعطاء : هم قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان أي يكون في هذه الأمة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه الآية واختلفوا أيضا في معنى إضاعتها فقال القرظي : هي إضاعة كفر وجحد بها وقال القاسم بن مخيمرة وعبد الله بن مسعود : هي إضاعة أوقاتها وعدم القيام بحقوقها وهو الصحيح وأنها إذا صليت مخلى بها لا تصح ولا تجزئ لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي صلى وجاء فسلم عليه ( ارجع فصل فإنك لم تصل ( ثلاث مرات خرجه مسلم وقال حذيفة لرجل يصلي فطفف : منذ كم تصلي هذه الصلاة قال منذ أربعين عاما قال : ما صليت ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال : إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ويحسن خرجه البخاري واللفظ للنسائي وفي الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل ( يعني صلبه في الركوع والسجود قال : حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود قال الشافعي وأحمد وإسحاق : من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة قال صلى الله عليه وسلم : ( تلك الصلاة صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ( وهذا ذم لمن يفعل ذلك وقال فروة بن خالد بن سنان : استبطأ أصحاب الضحاك مرة أميرا في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب فقرأ الضحاك هذه الآية ثم قال : والله لأن أدعها أحب إلي من أن أضيعها وجملة القول في هذا الباب أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع كما أن من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه ولا دين لمن لا صلاة له وقال الحسن : عطلوا المساجد واشتغلوا بالصنائع والأسباب ( واتبعوا الشهوات ) أي اللذات والمعاصي الثالثة روى الترمذي وأبو داود عن أنس بن حكيم الضبي أنه أتى المدينة فلقي أبا هريرة فقال له : يا فتى ألا أحدثك حديثا لعل الله تعالى أن ينفعك به قلت : بلى قال : ( إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة وإن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلك ( قال يونس : وأحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ أبي داود وقال : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا داود بن أبي هند عن زرارة بن أوفى عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى قال : ( ثم الزكاة مثل ذلك ( ( ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك ( وأخرجه النسائي عن همام عن الحسن عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر قال همام : لا أدري هذا من كلام قتادة أو من الرواية فإن انتقص من فريضته شيء قال انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل به ما نقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك ( خالفه أبو العوام فرواه عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن وجدت تامة كتبت تامة وإن كان انتقص منها شيء قال انظروا هل تجدون له من تطوع يكمل ما ضيع من فريضته من تطوعه ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك ( قال النسائي : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا النضر بن شميل قال أنبأنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن يحيى بن يعمر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أكملها وإلا قال الله عز وجل انظروا لعبدي من تطوع فإن وجد له تطوع قال أكملوا به الفريضة ( قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب ( التمهيد ) : أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها أو لم يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك وأما من تركها أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فرضها وهو ذاكر له فلا تكمل له فريضة من تطوعه والله أعلم وقد روى من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم ( قال أبو عمر : وهذا لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه أنه خرج من صلاة كان قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة قلت : فينبغي للانسان أن يحسن فرضه ونفله حتى يكون له نفل يجده زائدا على فرضه يقربه من ربه كما قال سبحانه وتعالى : وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه الحديث فأما إذا كان نفل يكمل به الفرض فحكمه في المعنى حكم الفرض ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى وأولى ألا يحسن التنفل لا جرم تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل لخفته عندهم وتهاونهم به حتى كأنه غير معتد به ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ويظن به العلم تنفله كذلك بل فرضه إذ ينقره نقر الديك لعدم معرفته بالحديث فكيف بالجهال الذين لا يعلمون وقد قال العلماء : ولا يجزئ ركوع ولا سجود ولا وقوف بعد الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا وهذا هو الصحيح في الأثر وعليه جمهور العلماء وأهل النظر وهذه رواية بن وهب وأبي مصعب عن مالك وقد مضى هذا المعنى في البقرة وإذا كان هذا فكيف يكمل بذلك التنفل ما نقص من هذا الفرض على سبيل الجهل والسهو بل كل ذلك غير صحيح ولا مقبول لأنه وقع على غير المطلوب والله أعلم قوله تعال : ( واتبعوا الشهوات ) وعن علي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى : ( واتبعوا الشهوات ) هو من بني المشيد وركب المنظور ولبس المشهور قلت : الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه وفي الصحيح : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وما ذكر عن علي رضي الله عنه جزء من هذا قوله تعالى : ( فسوف يلقون غيا ) قال بن زيد : شرا أو ضلالا أو خيبة قال : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لايعدم على الغي لائما وقال عبد الله بن مسعود : هو واد في جهنم والتقدير عند أهل اللغة فسوف يلقون هذا الغي كما قال جل ذكره : ( ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) والأظهر أن الغي اسم للوادي سمى به لأن الغاوين يصيرون إليه قال كعب : يظهر في آخر الزمان قوم بأيديهم سياط كأذناب البقر ثم قرأ ( فسوف يلقون غيا ) أي هلاكا وضلالا في جهنم وعنه : غي واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا فيه بئر يسمى البهيم كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البر فتسعر بها جهنم وقال بن عباس : غي واد في جهنم وأن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصر على الزنى ولشارب الخمر المدمن عليه ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور ولامرأة أدخلت على زوجها ولدا ليس منه قوله تعالى : ( إلا من تاب ) أي من تضييع الصلاة واتباع الشهوات فرجع إلى طاعة ربه ( وآمن ) به ( وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ) قرأ أبو جعفر وشيبة وبن كثير وبن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر ( يدخلون ) بفتح الخاء وفتح الياء الباقون ( ولا يظلمون شيئا ) أي لا ينقص من أعمالهم الصالحة شيء إلا أنهم يكتب لهم بكل حسنة عشر إلى سبعمائة ( جنات عدن ) بدلا من الجنة فانتصبت قال أبو إسحاق الزجاج : ويجوز ( جنات عدن ) على الابتداء قال أبو حاتم : ولولا الخط لكان ( جنة عدن ) لأن قبله ( يدخلون الجنة ) ( التي وعد الرحمن عباده بالغيب ) أي من عبده وحفظ عهده بالغيب وقيل : آمنوا بالجنة ولم يروها ( إنه كان وعدا مأتيا ) ( مأتيا ) مفعول من الاتيان وكل ما وصل إليك فقد وصلت إليه تقول : أتت علي ستون سنة وأتيت على ستين سنة ووصل إلي من فلان خير ووصلت منه إلى خير وقال القتبي : ( مأتيا ) بمعنى آت فهو مفعول بمعنى فاعل و ( مأتيا ) مهموز لأنه من أتى يأتي ومن خفف الهمزة جعلها ألفا وقال الطبري : الوعد ها هنا الموعود وهو الجنة أي يأتيها أولياؤه ( لا يسمعون فيها لغوا ) أي في الجنة واللغو معناه الباطل من الكلام والفحش منه والفضول وما لا ينتفع به ومنه الحديث : ( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والامام يخطب فقد لغوت ويروى ( لغيت ) وهي لغة أبي هريرة كما قال الشاعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم قال بن عباس : اللغو كل ما لم يكن فيه ذكر الله تعالى أي كلامهم في الجنة حمد الله وتسبيحه ( إلا سلاما ) أي لكن يسمعون سلاما فهو من الاستثناء المنقطع يعني سلام بعضهم على بعض وسلام الملك عليهم قاله مقاتل وغيره والسلام اسم جامع للخير والمعنى أنهم لا يسمعون فيها إلا ما يحبون قوله تعالى : ( ولهم فيها رزقهم بكرة وعشيا ) أي لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا أي في قدر هذين الوقتين إذ لا بكرة ثم ولا عشيا كقوله تعالى : غدوها شهر ورواحها شهر سبأ أي قدر شهر قال معناه بن عباس وبن جريج وغيرهما وقيل : عرفهم اعتدال أحوال أهل الجنة وكان أهنأ النعمة عند العرب التمكين من المطعم والمشرب بكرة وعشيا قال يحيى بن أبي كثير وقتادة : كانت العرب في زمانها من وجد غداء وعشاء معا فذلك هو الناعم فنزلت وقيل : أي رزقهم فيها غير منقطع كما قال : لا مقطوعة ولا ممنوعة الواقعة وهو كما تقول : أنا أصبح وأمسى في ذكرك أي ذكرى لك دائم ويحتمل أن تكون البكرة قبل تشاغلهم بلذاتهم والعشي بعد فراغهم من لذاتهم لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال وهذا يرجع إلى القول الأول وروى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن أبي أويس قال قال مالك بن أنس : طعام المؤمنين في اليوم مرتان وتلا قول الله عز وجل : ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) ثم قال : وعوض الله عز وجل المؤمنين في الصيام السحور بدلا من الغداء ليقووا به على عبادة ربهم وقيل : إنما ذكر ذلك لأن صفة الغداء وهيئته تختلف عن صفة العشاء وهيئته وهذا لا يعرفه إلا الملوك وكذلك يكون في الجنة رزق الغداء غير رزق العشاء تتلون عليهم النعم ليزدادوا تنعما وغبطة وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا قال رجل : يا رسول الله هل في الجنة من ليل قال : ( وما هيجك على هذا ( قال سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) فقلت : الليل بين البكرة والعشي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة ( وهذا في غاية البيان لمعنى الآية وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وقال العلماء : ليس في الجنة ليل ولا نهار وإنما هم في نور أبدا إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ذكره أبو الفرج الجوزي والمهدوي وغيرهما قوله تعالى : ( تلك الجنة التي ) أي هذه الجنة التي وصفنا أحوال أهلها ( نورث ) بالتخفيف وقرأ يعقوب ( نورث ) بفتح الواو وتشديد الراء والاختيار التخفيف لقوله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب ) ( من عبادنا من كان تقيا ) قال بن عباس : أي من اتقاني وعمل بطاعتي وقيل : هو على التقديم والتأخير تقديره : نورث من كان تقيا من عبادنا < <
مريم : ( 64 ) وما نتنزل إلا . . . . . > > < > ( مريم 64 : 65 ) <
> روى الترمذي عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ( قال : فنزلت هذه الآية ( وما نتنزل إلا بأمر بك ) إلى آخر الآية قال هذا حديث حسن غريب ورواه البخاري : حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عمر بن ذر قال سمعت أبي يحدث عن سعيد بن جبير عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : ( ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) ( الآية قال : كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد : أبطأ الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال : ( ما الذي أبطأك ( قال : كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون رواجبكم ولا تستاكون قال مجاهد : فنزلت الآية في هذا وقال مجاهد أيضا وقتادة وعكرمة والضحاك ومقاتل والكلبي : احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيبهم ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوا عنه قال عكرمة : فأبطأ عليه أربعون يوما وقال مجاهد : اثنتي عشرة ليلة وقيل : خمسة عشر يوما وقيل : ثلاثة عشر وقيل : ثلاثة أيام فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك ( فقال جبريل عليه السلام : إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت الآية : ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) وأنزل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى الضحى ذكره الثعلبي والواحدي والقشيري وغيرهم وقيل : هو إخبار من أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها : وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ربك وعلى هذا تكون الآية متصلة بما قبل وعلى ما ذكرنا من الأقوال قيل : تكون غير متصلة بما قبلها والقرآن سور ثم السور تشتمل على جمل وقد تنفصل جملة عن جملة ( وما نتنزل ) أي قال الله تعالى : قل يا جبريل ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) وهذا يحتمل وجهين : أحدهما إنا إذا أمرنا نزلنا عليك الثاني إذا أمرك ربك نزلنا عليك فيكون الأمر على الأول متوجها إلى النزول وعلى الوجه الثاني متوجها إلى التنزيل وقوله تعالى : ( له ) أي لله ( ما بين أيدينا ) أي علم ما بين أيدينا ( وما خلفنا وما بين ذلك ) قال بن عباس وبن جريج : ما مضى أمامنا من أمر الدنيا وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة ( وما بين ذلك ) من البرزخ وقال قتادة ومقاتل : ( له ما بين أيدينا ) من أمر الآخرة ( وما خلفنا ) ما مضى من الدنيا ( وما بين ذلك ) ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة الأخفش : ( ما بين أيدينا ) ما كان قبل أن نخلق ( وما خلفنا ) ما يكون بعد أن نموت ( وما بين ذلك ) ما يكون منذ خلقنا إلى أن نموت وقيل : ( ما بين أيدينا ) من الثواب والعقاب وأمور الآخرة ( وما خلفنا ) ما مضى من أعمالنا في الدنيا ( وما بين ذلك ) أي ما يكون من هذا الوقت إلى يوم القيامة ويحتمل خامسا : ( ما بين أيدينا ) السماء ( وما خلفنا ) الأرض ( وما بين ذلك ) أي ما بين السماء والأرض وقال بن عباس في رواية : ( له ما بين أيدينا ) يريد الدنيا إلى الأرض ( وما خلفنا ) يريد السماوات وهذا على عكس ما قبله ( وما بين ذلك ) يريد الهواء ذكر الأول الماوردي والثاني القشيري الزمخشري : وقيل ما مضى من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها ولم يقل : ما بين ذينك لأن المراد ما بين ما ذكرنا كما قال : لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك أي بين ما ذكرنا ( وما كان ربك نسيا ) أي ناسيا إذا شاء أن يرسل إليك أرسل وقيل : المعنى لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي وقيل المعنى أنه عالم بجميع الأشياء متقدمها ومتأخرها ولا ينسى شيئا منها قوله تعالى : ( رب السماوات والأرض وما بينهما ) أي ربهما وخالقهما وخالق ما بينهما ومالكهما ومالك ما بينهما فكما إليه تدبير الأزمان كذلك إليه تدبير الأعيان ( فاعبده ) أي وحده لذلك وفي هذا دلالة على أن اكتسابات الخلق مفعولة لله تعالى كما يقوله أهل الحق وهو القول الحق لأن الرب في هذا الموضع لا يمكن حمله على معنى من معانيه إلا على المالك وإذا ثبت أنه مالك ما بين السماء والأرض دخل في ذلك اكتساب الخلق ووجبت عبادته لما ثبت أنه المالك على الاطلاق وحقيقة العبادة الطاعة بغاية الخضوع ولا يستحقها أحد سوى المالك المعبود ( واصطبر لعبادته ) أي لطاعته ولا تحزن لتأخير الوحي عنك بل اشتغل بما أمرت به وأصل اصطبر اصتبر فثقل الجمع بين التاء والصاد لاختلافهما فأبدل من التاء طاء كما تقول من الصوم : اصطام ( هل تعلم له سميا ) قال بن عباس : يريد هل تعلم له ولدا أي نظيرا أو مثلا أو شبيها يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن وقاله مجاهد مأخوذ من المساماة وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن بن عباس قال : هل تعلم له أحدا سمى الرحمن قال النحاس : وهذا أجل إسناد علمته روى في هذا الحرف وهو قول صحيح لا يقال الرحمن إلا لله قلت : وقد مضى هذا مبينا في البسملة والحمد لله روى بن أبي نجيح عن مجاهد هل تعلم له سميا ) قال : مثلا بن المسيب : عدلا قتادة والكلبي : هل تعلم أحدا يسمى الله تعالى غير الله أو يقال له الله إلا الله وهل بمعنى لا أى لا تعلم والله تعالى أعلم بن أبي ربيعة فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعثهما فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم < <
مريم : ( 66 ) ويقول الإنسان أئذا . . . . . > > < > ( مريم 66 : 72 ) <
> قوله تعالى : ( ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا ) الإنسان هنا أبي بن خلف وجد عظاما بالية ففتتها بيده وقال : زعم محمد أنا نبعث بعد الموت قاله الكلبي ذكره الواحدي والثعلبي والقشيري وقال المهدوي : نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه وهو قول بن عباس واللام في ( لسوف أخرج حيا ) للتأكيد كأنه قيل له : إذا ما مت لسوف تبعث حيا فقال : ( أئذا ما مت لسوف أخرج حيا ) قال ذلك منكرا فجاءت اللام في الجواب كما كانت في القول الأول ولو كان مبتدئا لم تدخل اللام لأنها للتأكيد والايجاب وهو منكر للبعث وقرأ بن ذكوان ( إذا ما مت ) على الخبر والباقون بالاستفهام على أصولهم بالهمز وقرأ الحسن وأبو حيوة ( لسوف أخرج حيا ) قاله استهزاء لأنهم لا يصدقون بالبعث والإنسان ها هنا الكافر قوله تعالى : ( أولا يذكر الإنسان ) أي أولا يذكر هذا القائل ( أنا خلقناه من قبل ) أي من قبل سؤاله وقوله هذا القول ( ولم يك شيئا ) فالاعادة مثل الابتداء فلم يناقض وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما وأهل مكة وأبو عمر وأبو جعفر ( أولا يذكر ) وقرأ شيبة ونافع وعاصم ( أولا يذكر ) بالتخفيف والاختيار التشديد وأصله يتذكر لقوله تعالى : إنما يتذكر أولو الألباب وأخواتها وفي حرف أبي ( أولا يتذكر ) وهذه القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخط المصحف ومعنى ( يتذكر ) يتفكر ومعنى ( يذكر ) يتنبه ويعلم قاله النحاس قوله تعالى : ( فوربك لنحشرنهم ) أقسم بنفسه بعد إقامة الحجة بأنه يحشرهم من قبورهم إلى المعاد كما يحشر المؤمنين ( والشياطين ) أي ولنحشرن الشياطين قرناء لهم قيل : يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة كما قال : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم الزمخشري : والواو في ( والشياطين ) يجوز أن تكون للعطف وبمعنى مع وهي بمعنى مع أوقع والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم يقرنون كل كافر مع شيطان في سلسلة فإن قلت هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين قلت : إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة فإن قلت : هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء قلت : لم يفرق بينهم في المحشر وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم فيزدادوا لذلك غبطة وسرورا إلى سرور ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم فتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم فإن قلت : ما معنى إحضارهم جثيا قلت : أما إذا فسر الإنسان بالخصوص فالمعنى أنهم يعتلون من المحشر إلى شاطيء جهنم عتلا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو قال الله تعالى : وترى كل أمة جاثية الجاثية على الحالة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات من تجاثي أهلها على الركب لما في ذلك من الاستيفاز والقلق وإطلاق الحبا خلاف الطمأنينة أو لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثوا وإن فسر بالعموم فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطيء جهنم على أن ( جثيا ) حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب ويقال : إن معنى ( لنحضرنهم حول جهنم جثيا ) أي جثيا على ركبهم عن مجاهد وقتادة أي أنهم لشدة ما هم فيه لا يقدرون على القيام و ( حول جهنم ) يجوز أن يكون داخلها كما تقول : جلس القوم حول البيت أي داخله مطيفين به فقوله : ( حول جهنم ) على هذا يجوز أن يكون بعد الدخول ويجوز أن يكون قبل الدخول و ( جثيا ) جمع جاث يقال : جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا على فعول فيهما وأجثاه غيره وقوم جثي أيضا مثل جلس جلوسا وقوم جلوس وجثى أيضا بكسر الجيم لما بعدها من الكسر وقال بن عباس : ( جثيا ) جماعات وقال مقاتل : جمعا جمعا وهو على هذا التأويل جمع جثوة وجثوة وجثوة ثلاث لغات وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع فأهل الخمر على حدة وأهل الزنى على حدة وهكذا قال طرفة : ترى جثوتين من تراب عليها صفائح صم من صفيح منضد وقال الحسن والضحاك : جاثية على الركب وهو على هذا التأويل جمع جاث على ما تقدم وذلك لضيق المكان أي لا يمكنهم أن يجلسوا جلوسا تاما وقيل : جثيا على ركبهم للتخاصم كقوله تعالى : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون وقال الكميت : هم تركوا سراتهم جثيا وهم دون السراة مقرنينا قوله تعالى : ( ثم لننزعن من كل شيعة ) أي لنستخرجن من كل أمة وأهل دين ( أيهم أشد على الرحمن عتيا ) النحاس : وهذه آية مشكلة في الأعراب لأن القراء كلهم يقرؤون ( أيهم ) بالرفع إلا هارون القارئ الأعور فإن سيبويه حكى عنه ( ثم لننزعن من كل شيعة أيهم ) بالنصب أوقع على أيهم لننزعن قال أبو إسحاق في رفع ( أيهم ) ثلاثة أقوال قال الخليل بن أحمد حكاه عنه سيبويه : إنه مرفوع على الحكاية والمعنى : ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال من أجل عتوه أيهم أشد على الرحمن عتيا وأنشد الخليل فقال : ولقد أبيت من الفتاة بمنزل فأبيت لا حرج ولا محروم أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم وقال أبو جعفر النحاس : ورأيت أبا إسحاق يختار هذا القول ويستحسنه قال : لأنه معنى قول أهل التفسير وزعم أن معنى ( ثم لننزعن من كل شيعة ) ثم لننزعن من كل فرقة الأعتى فالاعتى كأنه يبتدأ بالتعذيب بأشدهم عتيا ثم الذي يليه وهذا نص كلام أبي إسحاق في معنى الآية وقال يونس : ( لننزعن ) بمنزلة الأفعال التي تلغى ورفع ( أيهم ) على الابتداء المهدوي : والفعل الذي هو ( لننزعن ) عند يونس معلق قال أبو علي : معنى ذلك أنه يعمل في موضع ( أيهم أشد ) لا أنه ملغى ولا يعلق عند الخليل وسيبويه مثل ( لننزعن ) إنما يعلق بأفعال الشك وشبهها ما لم يتحقق وقوعه وقال سيبويه : ( أيهم ) مبني على الضم لأنها خالفت أخواتها في الحذف لأنك لو قلت : رأيت الذي أفضل ومن أفضل كان قبيحا حتى تقول من هو أفضل والحذف في ( أيهم ) جائز قال أبو جعفر : وما علمت أحدا من النحويين إلا وقد خطأ سيبويه في هذا وسمعت أبا إسحاق يقول : ما يبين لي أن سيبويه غلط في كتابه إلا في موضعين هذا أحدهما قال : وقد علمنا أن سيبويه أعرب أيا وهي مفردة لأنها تضاف فكيف يبينها وهي مضافة ولم يذكر أبو إسحاق فيما علمت إلا هذه الثلاثة الأقوال أبو علي : إنما وجب البناء على مذهب سيبويه لأنه حذف منه ما يتعرف به وهو الضمير مع افتقار إليه كما حذف في من قبل ومن بعد ما يتعرفان به مع افتقار المضاف إلى المضاف إليه لأن الصلة تبين الموصول وتوضحه كما أن المضاف إليه يبين المضاف ويخصصه قال أبو جعفر : وفيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة التي ذكرها أبو إسحاق قال الكسائي : ( لننزعن ) واقعة على المعنى كما تقول : لبست من الثياب وأكلت من الطعام ولم يقع ( لننزعن ) على ( أيهم ) فينصبها زاد المهدوي : وإنما الفعل عنده واقع على موضع ( من كل شيعة ) وقوله : ( أيهم أشد ) جملة مستأنفة مرتفعة بالابتداء ولا يرى سيبويه زيادة ( من ) في الواجب وقال الفراء : المعنى ثم لننزعن بالنداء ومعنى ( لننزعن ) لننادين المهدوي : ونادى فعل يعلق إذا كان بعده جملة كظننت فتعمل في المعنى ولا تعمل في اللفظ قال أبو جعفر : وحكى أبو بكر بن شقير أن بعض الكوفيين يقول في ( أيهم ) معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها والمعنى : ثم لننزعن من كل فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا كما تقول : ضربت القوم أيهم غضب والمعنى إن غضبوا أو لم يغضبوا قال أبو جعفر : فهذه ستة أقوال وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال : ( أيهم ) متعلق ( بشيعة ) فهو مرفوع بالابتداء والمعنى : ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم أي من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد على الرحمن عتيا وهذا قول حسن وقد حكى الكسائي أن التشايع التعاون و ( عتيا ) نصب على البيان ( ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ) أي أحق بدخول النار يقال صلى يصلي صليا نحو مضى الشيء يمضي مضيا إذا ذهب وهوى يهوى هويا وقال الجوهري : ويقال صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الاحراق قلت : أصليته بالألف وصليته تصلية وقريء ويصلى سعيرا ومن خفف فهو من قولهم : صلى فلان بالنار ( بالكسر ) يصلى صليا احترق قال الله تعالى : ( هم أولى بها صليا ) قال العجاج : والله لولا النار أن نصلاها ويقال أيضا صلي بالأمر إذا قاسى حره وشدته قال الطهوي : ولا تبلى بسالتهم وإن هم صلوا بالحرب حينا بعد حين واصطليت بالنار وتصليت بها قال أبو زبيد : وقد تصليت حر حربهم كما تصلى المقرور من قرس وفلان لا يصطلي بناره إذا كان شجاعا لا يطاق قوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإن منكم ) هذا قسم والواو يتضمنه ويفسره حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم ( قال الزهري : كأنه يريد هذه الآية : ( وإن منكم إلا واردها ) ذكره أبو داود الطيالسي فقوله : ( إلا ) تحلة القسم يخرج في التفسير المسند لأن القسم المذكور في هذا الحديث معناه عند أهل العلم قوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها ) وقد قيل : إن المراد بالقسم قوله تعالى : والذاريات ذروا إلى قوله : إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع الذاريات والأول أشهر والمعنى متقارب الثانية واختلف الناس في الورود فقيل : الورود الدخول روى عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) ( أسنده أبو عمر في كتاب التمهيد وهو قول بن عباس وخالد بن معدان وبن جريج وغيرهم وروى عن يونس أنه كان يقرأ ( وإن منكم إلا واردها ) الورود الدخول على التفسير للورود فغلط فيه بعض الرواة فألحقه بالقرآن وفي مسند الدارمي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فمنهم كلمح البصر ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب المجد في رحله ثم كشد الرجل في مشيته ( وروى عن بن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي : أما أنا وأنت فلا بد أن نردها أما أنا فينجيني الله منها وأما أنت فما أظنه ينجيك لتكذيبك وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر وقد بيناه في التذكرة وقالت فرقة : الورود الممر على الصراط وروى عن بن عباس وبن مسعود وكعب الأحبار والسدي ورواه السدي عن بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقاله الحسن أيضا قال : ليس الورود الدخول إنما تقول : وردت البصرة ولم أدخلها قال : فالورود أن يمروا على الصراط قال أبو بكر الأنباري : وقد بنى على مذهب الحسن قوم من أهل اللغة واحتجوا بقول الله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون قالوا : فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده منها وكان هؤلاء يقرؤون ( ثم ) بفتح الثاء ( ننجي الذين اتقوا ) واحتج عليهم الآخرون أهل المقالة الأولى بأن معنى قوله : أولئك عنها مبعدون عن العذاب فيها والاحراق بها قالوا : فمن دخلها وهو لا يشعر بها ولا يحس منها وجعا ولا ألما فهو مبعد عنها في الحقيقة ويستدلون بقوله تعالى : ( ثم ننجي الذين اتقوا ) بضم الثاء ف ( ثم ) تدل على نجاء بعد الدخول قلت : وفي صحيح مسلم ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون اللهم سلم سلم ( قيل : يا رسول الله وما الجسر قال : ( دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم ( الحديث وبه احتج من قال : إن الجواز على الصراط هو الورود الذي تضمنته هذه الآية لا الدخول فيها وقالت فرقة : بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه ويصار بهم إلى الجنة ( ونذر الظالمين ) أي يؤمر بهم إلى النار قال الله تعالى : ولما ورد ماء مدين أي أشرف عليه لا أنه دخله وقال زهير : فلما وردن الماء زرقا جمامه وضعن عصى الحاضر المتخيم وروت حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية ( قالت فقلت : يا رسول الله وأين قول الله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فمه ( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) أخرجه مسلم من حديث أم مبشر قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة الحديث ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقال مجاهد ورود المؤمنين النار هو الحمى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا وهي حظ المؤمن من النار فلا يردها روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضا من وعك به فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبشر فإن الله تبارك وتعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظة من النار أسنده أبو عمر قال : حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن أبي صالح الأشعري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضا فذكره وفي الحديث ( الحمى حظ المؤمن من النار ( وقالت فرقة : الورود النظر اليها في القبر فينجى منها الفائز ويصلاها من قدر عليه دخولها ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من رحمة الله تعالى واحتجوا بحديث بن عمر : ( إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ( الحديث وروى وكيع عن شعبة عن عبد الله بن السائب عن رجل عن بن عباس أنه قال في قول الله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها ) قال : هذا خطاب للكفار وروى عنه أنه كان يقرأ ( وإن منهم ) ردا على الآيات التي قبلها في الكفار : قوله ( فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وإن منهم ) وكذلك قرأ عكرمة وجماعة وعليها فلا شعب في هذه القراءة وقالت فرقة : المراد ب منكم ) الكفرة والمعنى : قل لهم يا محمد وهذا التأويل أيضا سهل التناول والكاف في ( منكم ) راجعة إلى الهاء في ( لنحشرنهم والشياطين ) ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ) فلا ينكر رجوع الكاف إلى الهاء فقد عرف ذلك في قوله عز وجل : وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا الإنسان معناه كان لهم فرجعت الكاف إلى الهاء وقال الأكثر : المخاطب العالم كله ولا بد من ورود الجميع وعليه نشأ الخلاف في الورود وقد بينا أقوال العلماء فيه وظاهر الورود الدخول لقوله عليه الصلاة والسلام : ( فتمسه النار ( لأن المسيس حقيقته في اللغة المماسة إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين وينجون منها سالمين قال خالد بن معدان : إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا ألم يقل ربنا : إنا نرد النار فيقال : لقد وردتموها فألقيتموها رمادا قلت : وهذا القول يجمع شتات الأقوال فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها فقد أبعد عنها ونجي منها نجانا الله تعالى منها بفضله وكرمه وجعلنا ممن وردها فدخلها سالما وخرج منها غانما فإن قيل : فهل يدخل الأنبياء النار قلنا : لا نطلق هذا ولكن نقول : إن الخلق جميعا يردونها كما دل عليه حديث جابر أول الباب فالعصاة يدخلونها بجرائمهم والأولياء والسعداء لشفاعتهم فبين الدخولين بؤن وقال بن الأنباري محتجا لمصحف عثمان وقراءة العامة : جائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب كما قال : وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا الإنسان فأبدل الكاف من الهاء وقد تقدم هذا المعنى في يونس الثالثة الاستثناء في قوله عليه السلام : ( إلا تحلة القسم ( يحتمل أن يكون استثناء منقطعا : لكن تحلة القسم وهذا معروف في كلام العرب والمعنى ألا تمسه النار أصلا وتم الكلام هنا ثم ابتدأ ( إلا تحلة القسم ( أي لكن تحلة القسم لا بد منها في قوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها ) وهو الجواز على الصراط أو الرؤية أو الدخول دخول سلامة فلا يكون في ذلك شيء من مسيس لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار ( والجنة الوقاية والستر ومن وقي النار وستر عنها فلن تمسه أصلا ولو مسته لما كان موقى الرابعة هذا الحديث يفسر الأول لأن فيه ذكر الحسبة ولذلك جعله مالك بأثره مفسرا له ويقيد هذا الحديث الثاني أيضا ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابا من النار أو دخل الجنة ( فقوله عليه السلام : ( لم يبلغوا الحنث ( ومعناه عند أهل العلم لم يبلغوا الحلم ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة والله أعلم لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم وهذا إجماع من العلماء في أن أطفال المسلمين في الجنة ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذت من الجبرية فجعلتهم في المشيئة وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم الغلط إلى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد الثقات العدول وأن قوله عليه الصلاة والسلام : ( الشقي من شقى في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه وأن الملك ينزل فيكتب أجله وعمله ورزقه ( الحديث مخصوص وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمه ولم يشق بدليل الأحاديث والاجماع وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله تعالى عنها : ( يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم ( ساقط ضعيف مردود بالاجماع والآثار وطلحة بن يحيى الذي يرويه ضعيف لا يحتج به وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرج عليه وقد روى شعبة عن معاوية بن قرة بن إياس المزني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من الانصار مات له بن صغير فوجد عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما يسرك ألا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته يستفتح لك ( فقالوا : يا رسول الله أله خاصة أم للمسلمين عامة قال : ( بل للمسلمين عامة ( قال أبو عمر : هذا حديث ثابت صحيح يعنى ما ذكرناه مع إجماع الجمهور وهو يعارض حديث يحيى ويدفعه قال أبو عمر : والوجه عندي في هذا الحديث وما أشبهه من الآثار أنها لمن حافظ على أداء فرائضه واجتنب الكبائر وصبر واحتسب في مصيبته فإن الخطاب لم يتوجه في ذلك العصر إلا إلى قوم الأغلب من أمرهم ما وصفنا وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وذكر النقاش عن بعضهم أنه قال : نسخ قوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها ) قوله : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وهذا ضعيف وهذا ليس موضع نسخ وقد بينا أنه إذا لم تمسه النار فقد أبعد عنها وفي الخبر : تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي الخامسة قوله تعالى : ( كان على ربك حتما مقضيا ) الحتم ايجاب القضاء أي كان ذلك حتما ( مقضيا ) أي قضاه الله تعالى عليكم وقال بن مسعود : أي قسما واجبا قوله تعالى : ( ثم ننجي الذين اتقوا ) أي نخلصهم ( ونذر الظالمين فيها جثيا ) وهذا مما يدل على أن الورود الدخول لأنه لم يقل : وندخل الظالمين وقد مضى هذا المعنى مستوفى والمذهب أن صاحب الكبيرة وإن دخلها فإنه يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو وقالت المرجئة : لا يدخل وقالت الوعيدية : يخلد وقد مضى بيان هذا في غير موضع وقرأ عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة ( ثم ننجي ) مخففة من أنجى وهي قراءة حميد ويعقوب والكسائي وثقل الباقون وقرأ بن أبي ليلى ( ثمه ) بفتح الثاء أي هناك و ( ثم ) ظرف إلا أنه مبني لأنه غير محصل فبنى كما بنى ذا والهاء يجوز أن تكون لبيان الحركة فتحذف في الوصل ويجوز أن تكون لتأنيث البقعة فتثبت في الوصل تاء < <
مريم : ( 73 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . > > < > ( مريم 73 : 75 ) <
> قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) أي على الكفار الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى : ( أئذا ما مت لسوف أخرج حيا مريم ) وقال فيهم : ( ونذر الظالمين فيها جثياأي هؤلاء إذا قرئ عليهم القرآن تعززوا بالدنيا وقالوا : فما بالنا إن كنا على باطل أكثر أموالا وأعز نفرا وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحق في دينه وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا ولا في المسلمين غنيا ولم يعلموا أن الله تعالى نحى أولياءه عن الاغترار بالدنيا وفرط الميل إليها و ( بينات ) معناه مرتلات الألفاظ ملخصة المعاني مبينات المقاصد إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو ظاهرات الاعجاز تحدى بها فلم يقدر على معارضتها أو حججا وبراهين والوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله تعالى : وهو الحق مصدقا لأن آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججا ( قال الذين كفروا ) يريد مشركي قريش النضر بن الحرث وأصحابه ( للذين آمنوا ) يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون خير ثيابهم فقالوا للمؤمنين : ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) قرأ بن كثير وبن محيصن وحميد وشبل بن عباد ( مقاما ) بضم الميم وهو موضع الاقامة ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الاقامة الباقون ( مقاما ) بالفتح أي منزلا ومسكنا وقيل : المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة أي أي الفريقين أكثر جاها وأنصارا ( وأحسن نديا ) أي مجلسا عن بن عباس وعنه أيضا المنظر وهو المجلس في اللغة وهو النادي ومنه دار الندوة لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم وناداه جالسه في النادي قال : أنادى به آل الوليد وجعفرا والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدثهم وكذلك الندوة والنادي والمنتدى والمتندى فإن تفرق القوم فليس بندى قاله الجوهري قوله تعالى : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) أي من أمة وجماعة ( هم أحسن أثاثا ) أي متاعا كثيرا قال : وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل والأثاث متاع البيت وقيل : هو ما جد من الفرش والخرثى ما لبس منها وأنشد الحسن بن علي الطوسي فقال : تقادم العهد من أم الوليد بنا دهرا وصار أثاث البيت خرثيا وقال بن عباس : هيئة مقاتل : ثيابا ( ورئيا ) أي منظرا حسنا وفيه خمس قراءات : قرأ أهل المدينة ( وريا ) بغير همز وقرأ أهل الكوفة ( ورئيا ) بالهمز وحكى يعقوب أن طلحة قرأ ( وريا ) بياء واحدة مخففة وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس : ( هم أحسن أثاثا وزيا ) بالزاي فهذه أربع قراءات قال أبو إسحاق : ويجوز ( هم أحسن أثاثا وريئا ) بياء بعدها همزة النحاس : وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة وفيها تقريران : أحدهما أن تكون من رأيت ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء وأدغمت الياء في الياء وكان هذا حسنا لتتفق رؤوس الآيات لأنها غير مهموزات وعلى هذا قال بن عباس : الرئي المنظر فالمعنى : هم أحسن أثاثا ولباسا والوجه الثاني أن جلودهم مرتوية من النعمة فلا يجوز الهمز على هذا وفي رواية ورش عن نافع وبن ذكوان عن بن عامر ( ورئيا ) بالهمز تكون على الوجه الأول وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل وقراءة طلحة بن مصرف ( وريا ) بياء واحدة مخففة أحسبها غلطا وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها الهمز فقلبت الهمزة ياء ثم حذفت إحدى اليائين المهدوي : ويجوز أن يكون ( ريئا ) فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت وقد قرأ بعضهم ( وريا ) على القلب وهي القراءة الخامسة وحكى سيبويه راء بمعنى رأى الجوهري : من همزه جعله من المنظر من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي فقال : أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذي الرئى الجميل من الأثاث ومن لم يهمز إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رويت ألوانهم وجلودهم ريا أي امتلات وحسنت وأما قراءة بن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكي ويزيد البربري ( وزيا ) بالزاي فهو الهيئة والحسن ويجوز أن يكون من زويت أي جمعت فيكون أصلها زويا فقلبت الواو ياء ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( زويت لي الأرض ( أي جمعت أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله تعالى فليعش هؤلاء ما شاؤوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عمروا أو العذاب العاجل يأخذهم الله تعالى به قوله تعالى : ( قل من كان في الضلالة ) أي في الكفر ( فليمدد له الرحمن مدا ) أي فليدعه في طغيان جهله وكفره فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر أي من كان في الضلالة مده الرحمن مدا حتى يطول اغتراره فيكون ذلك أشد لعقابه نظيره : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقوله : ونذرهم في طغيانهم يعمهون ومثله كثير أي فليعش ما شاء وليوسع لنفسه في العمر فمصيره إلى الموت والعقاب وهذا غاية في التهديد والوعيد وقيل : هذا دعاء أمر به النبي صلى الله عليه وسلم تقول : من سرق مالي فليقطع الله تعالى يده فهو دعاء على السارق وهو جواب الشرط وعلى هذا فليس قوله : ( فليمدد ) خبرا قوله تعالى : ( حتى إذا رأوا ما يوعدون ) قال ( رأوا ) لأن لفظ ( من ) يصلح للواحد والجمع و ( إذا ) مع الماضي بمعنى المستقبل أي حتى يروا ما يوعدون والعذاب هنا إما أن يكون بنصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار ( فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ) أي تنكشف حينئذ الحقائق وهذا رد لقولهم : ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) < <
مريم : ( 76 ) ويزيد الله الذين . . . . . > > < > ( مريم 76 ) < > قوله تعالى : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) أي ويثبت الله المؤمنين على الهدى ويزيدهم في النصرة وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم وقيل : يزيدهم هدى بتصديقهم بالناسخ والمنسوخ الذي كفر به غيرهم قال معناه الكلبي ومقاتل ويحتمل ثالثا أي ( ويزيد الله الذين اهتدوا ) إلى الطاعة ( هدى ) إلى الجنة والمعنى متقارب وقد تقدم القول في معنى زيادة الأعمال وزيادة الايمان والهدى في آل عمران وغيرها ( والباقيات الصالحات ) تقدم في الكهف القول فيها ( خير عند ربك ثوابا ) أي جزاء : ( وخير مردا ) أي في الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا و ( المرد ) مصدر كالرد أي وخير ردا على عاملها بالثواب يقال : هذا أرد عليك أي أنفع لك وقيل : ( خير مردا ) أي مرجعا فكل أحد يرد إلى عمله الذي عمله < < مريم : ( 77 ) أفرأيت الذي كفر . . . . . > > < > ( مريم 77 : 80 ) <
> قوله تعالى : ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا ) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن خباب قال كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد قال : فقلت له لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث قال : وإني لمبعوث من بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد قال وكيع : كذا قال الأعمش فنزلت هذه الآية ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ) إلى قوله : ( ويأتينا فردا ) في رواية قال : كنت قينا في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل عملا فأتيته أتقاضاه خرجه البخاري أيضا وقال الكلبي ومقاتل : كان خباب قينا فصاغ للعاص حليا ثم تقاضاه أجرته فقال العاص : ما عندي اليوم ما أقضيك فقال خباب : لست بمفارقك حتى تقضيني فقال العاص يا خباب مالك ما كنت هكذا وأن كنت لحسن الطلب فقال خباب : إني كنت على دينك فأما اليوم فأنا على دين الاسلام مفارق لدينك قال : أولستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا قال خباب : بلى قال : فأخرني حتى أقضيك في الجنة استهزاء فوالله لئن كان ما تقول حقا إني لأقضيك فيها فوالله لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها مني فأنزل الله تعالى : ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا ) يعني العاص بن وائل الآيات ( أطلع الغيب ) قال بن عباس : أنظر في اللوح المحفوظ وقال مجاهد : أعلم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا ( أم اتخذ عند الرحمن عهدا ) قال قتادة والثوري : أي عملا صالحا وقيل : هو التوحيد وقيل : هو من الوعد وقال الكلبي : عاهد الله تعالى أن يدخله الجنة ( كلا ) رد عليه أي لم يكن ذلك لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدا وتم الكلام عند قوله : ( كلا ) وقال الحسن : إن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة والأول أصح لأنه مدون في الصحاح وقرأ حمزة والكسائي ( وولدا ) بضم الواو والباقون بفتحها واختلف في الضم والفتح على وجهين : أحدهما أنهما لغتان معناهما واحد يقال ولد وولد كما يقال عدم وعدم وقال الحرث بن حلزة : ولقد رأيت معاشرا قد ثمروا مالا وولدا وقال آخر : فليت فلانا كان في بطن أمه وليت فلانا كان ولد حمار والثاني أن قيسا تجعل الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا قال الماوردي : وفي قوله تعالى : ( لأوتين مالا وولدا ) وجهان : أحدهما أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله تعالى على طاعته وعبادته قاله الكلبي الثاني أنه أراد في الدنيا وهو قول الجمهور وفيه وجهان محتملان : أحدهما إن أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي لأوتين مالا وولدا الثاني ولو كنت على باطل لما أوتيت مالا وولدا قلت : قول الكلبي أشبه بظاهر الأحاديث بل نصها يدل على ذلك قال مسروق : سمعت خباب بن الأرت يقول : جئت العاصي بن وائل السهمي أتقاضاه حقا لي عنده فقال : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت : لا حتى تموت ثم تبعث قال : وإني لميت ثم مبعوث فقلت : نعم فقال : إن لي هناك مالا وولدا فأقضيك فنزلت هذه الآية قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح قوله تعالى : ( اطلع الغيب ) ألفه ألف استفهام لمجيء ( أم ) بعدها ومعناه التوبيخ وأصله أاطلع فحذفت الألف الثانية لأنها ألف وصل فإن قيل : فهلا أتوا بمدة بعد الألف فقالوا : آطلع كما قالوا : آلله خير آلذكرين حرم قيل له : كان الأصل في هذا أالله أالذكرين فأبدلوا من الألف الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر وذلك أنهم لو قالوا : الله خير بلا مد لالتبس الاستفهام بالخبر ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله : ( أطلع ) لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة وذلك أنك تقول في الاستفهام : أطلع أفترى أصطفى أستغفرت بفتح الألف وتقول في الخبر : اطلع افترى اصطفى استغفرت لهم بالكسر فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر قوله تعالى : ( كلا ) في النصف الأول ذكر ( كلا ) وإنما جاء ذكره في النصف الثاني وهو يكون بمعنيين : أحدهما بمعنى حقا والثاني بمعنى لا فإذا كانت بمعنى حقا جاز الوقف على ما قبله ثم تبتدئ ( كلا ) أي حقا وإذا كانت بمعنى لا كان الوقف على ( كلا ) جائزا كما في هذه الآية لأن المعنى : لا ليس الأمر كذا ويجوز أن تقف على قوله : ( عهدا ) وتبتدئ ( كلا ) أي حقا ( سنكتب ما يقول ) وكذا قوله تعالى : لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا يجوز الوقف على ( كلا ) وعلى تركت وقوله : ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا الشعراء الوقف على ( كلا ) لأن المعنى لا وليس الأمر كما تظن فاذهبا فليس للحق في هذا المعنى موضع وقال الفراء : ( كلا ) بمنزلة سوف لأنها صلة وهي حرف رد فكأنها نعم ولا في الاكتفاء قال : وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقولك : كلا ورب الكعبة لا تقف على كلا لأنه بمنزلة إي ورب الكعبة قال الله تعالى : كلا والقمر فالوقف على كلا قبيح لأنه صلة لليمين وكان أبو جعفر محمد بن سعدان يقول في ( كلا ) مثل قول الفراء وقال الأخفش : معنى كلا الردع والزجر وقال أبو بكر بن الأنباري : وسمعت أبا العباس يقول : لا يوقف على ( كلا ) في جميع القرآن لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها والقول الأول هو قول أهل التفسير قوله تعالى : ( سنكتب ما يقول ) أي سنحفظ عليه قوله فنجازيه به في الآخرة ( ونمد له من العذاب مدا ) أي سنزيده عذابا فوق عذاب ( ونرثه ما يقول ) أي نسلبه ما أعطيناه في الدنيا من مال وولد وقال بن عباس وغيره : أي نرثه المال والولد بعد إهلاكنا إياه وقيل : نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد ونجعله لغيره من المسلمين ( ويأتينا فردا ) أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره < <
مريم : ( 81 ) واتخذوا من دون . . . . . > > < > ( مريم 81 : 82 ) < > قوله تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ) يعني مشركي قريش و ( عزا ) معناه أعوانا ومنعة يعني أولادا والعز المطر الجود أيضا قاله الهروي وظاهر الكلام أن ( عزا ) راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله ووحد لأنه بمعنى المصدر أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله فقال الله تعالى : ( كلا ) أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا بل يكفرون بعبادتهم أي ينكرون أنهم عبدوا الأصنام أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها كما قال : تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وذلك أن الأصنام جمادات لا تعلم العبادة ( ويكونون عليهم ضدا ) أي أعوانا في خصومتهم وتكذيبهم عن مجاهد والضحاك : يكونون لهم أعداء بن زيد : يكونون عليهم بلاء فتحشر آلهتهم وتركب لهم عقول فتنطق وتقول : يا رب عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك وكلا هنا يحتمل أن تكون بمعنى لا ويحتمل أن تكون بمعنى حقا أي حقا ( سيكفرون بعبادتهم ) وقرأ أبو نهيك : ( كلا سيكفرون ) بالتنوين وروى عنه مع ذلك ضم الكاف وفتحها قال المهدوي : ( كلا ) ردع وزجر وتنبيه ورد لكلام متقدم وقد تقع لتحقيق ما بعدها والتنبيه عليه كقوله : كلا إن الإنسان ليطغى العلق فلا يوقف عليها على هذا ويوقف عليها في المعنى الأول فإن صلح فيها المعنيان جميعا جاز الوقف عليها والابتداء بها فمن نون ( كلا ) من قوله : ( كلا سيكفرون بعبادتهم ) مع فتح الكاف فهو مصدر كل ونصبه بفعل مضمر والمعنى كل هذا الرأي والاعتقاد كلا يعني اتخاذهم الآلهة ( ليكونوا لهم عزا ) فيوقف على هذا على ( عزا ) وعلى ( كلا ) وكذلك في قراءة الجماعة لأنها تصلح للرد لما قبلها والتحقيق لما بعدها ومن روى ضم الكاف مع التنوين فهو منصوب أيضا بفعل مضمر كأنه قال : سيكفرون ( كلا سيكفرون بعبادتهم ) يعني الآلهة قلت : فتحصل في ( كلا ) أربعة معان : التحقيق وهو أن تكون بمعنى حقا والنفي والتنبيه وصلة للقسم ولا يوقف منها إلا على الأول وقال الكسائي ( لا ) تنفي فحسب و ( كلا ) تنفي شيئا وتثبت شيئا فإذا قيل : أكلت تمرا قلت : كلا إني أكلت عسلا لا تمرا ففي هذه الكلمة نفي ما قبلها وتحقق ما بعدها والضد يكون واحدا ويكون جمعا كالعدو والرسول وقيل : وقع الضد موقع المصدر أي ويكونون عليهم عونا فلهذا لم يجمع وهذا في مقابلة قوله : ( ليكونوا لهم عزا ) والعز مصدر فكذلك ما وقع في مقابلته ثم قيل : الآية في عبدة الأصنام فأجرى الأصنام مجرى من يعقل جريا على توهم الكفرة وقيل : فيمن عبد المسيح أو الملأئكة أو الجن أو الشياطين فالله تعالى أعلم < < مريم : ( 83 ) ألم تر أنا . . . . . > > < > ( مريم 83 : 87 ) <
> قوله تعالى : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) أي سلطناهم عليهم بالاغواء وذلك حين قال لابليس : واستفزز من استطعت منهم بصوتك وقيل : ( أرسلنا ) أي خلينا يقال : أرسلت البعير أي خليته أي خلينا الشياطين وإياهم ولم نعصمهم من القبول منهم الزجاج : قيضنا ( تؤزهم أزا ) قال بن عباس : تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية وعنه : تغريهم إغراء بالشر : امض امض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار حكى الأول الثعلبي والثاني الماوردي والمعنى واحد الضحاك : تغويهم إغواء مجاهد : تشليهم إشلاء وأصله الحركة والغليان ومنه الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( قام إلى الصلاة ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء ( وائتزت القدر ائتزازا اشتد غليانها والأز التهييج والاغراء قال الله تعالى : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) أي تغريهم على المعاصي والاز الاختلاط وقد أززت الشيء أؤزه أزا أي ضممت بعضه إلى بعض قاله الجوهري قوله تعالى : ( فلا تعجل عليهم ) أي تطلب العذاب لهم ( إنما نعد لهم عدا ) قال الكلبي : آجالهم يعني الأيام والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء أجل العذاب وقال الضحاك : الأنفاس بن عباس : أي نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم وقيل : الخطوات وقيل : اللذات وقيل : اللحظات وقيل : الساعات وقال قطرب : نعد أعمالهم عدا وقيل : لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثما روي : أن المأمون قرأ هذه السورة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى بن السماك أن يعظه فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد وقيل في هذا المعنى : حياتك أنفاس تعد فكلما مضى نفس منك انتقصت به جزءا يميتك ما يحييك في كل ليلة ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا ويقال : إن أنفاس بن آدم بين اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس : اثنا عشر ألف نفس في اليوم واثنا عشر ألفا في الليلة والله أعلم فهي تعد وتحصى إحصاء ولها عدد معلوم وليس لها مدد فما أسرع ما تنفد قوله تعالى : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) في الكلام حذف أي إلى جنة الرحمن ودار كرامته كقوله : إني ذاهب إلى ربي سيهدين وكما في الخبر ( من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ( والوفد اسم للوافدين كما يقال : صوم وفطر وزور فهو جمع الوافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب وهو من وفد يفد وفدا ووفودا ووفادة إذا خرج إلى ملك في فتح أو أمر خطير الجوهري : يقال وفد فلان على الأمير أي ورد رسولا فهو وافد والجمع وفد مثل صاحب وصحب وجمع الوفد وفاد ووفود والاسم الوفادة وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته وفي التفسير : ( وفدا ) أي ركبانا على نجائب طاعتهم وهذا لأن الوافد في الغالب يكون راكبا والوفد الركبان ووحد لأنه مصدر بن جريج : وفدا على النجائب وقال عمرو بن قيس الملائي : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح فيقول هل تعرفني فيقول لا إلا إن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك فيقول : كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم وتلا ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح فيقول : هل تعرفني فيقول : لا إلا إن الله قد قبح صورتك وأنتن ريحك فيقول : كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك وتلا وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ) ولا يصح من قبل إسناده قاله بن العربي في سراج المريدين وذكر هذا الخبر في تفسيره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري عن بن عباس بلفظه ومعناه وقال أيضا عن بن عباس : من كان يحب الخيل وفد إلى الله تعالى على خيل لا تروث ولا تبول لجمها من الياقوت الأحمر ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض وسروجها من السندس والإستبرق ومن كان يحب ركوب الابل فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول أزمتها من الياقوت والزبرجد ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من ياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال وقال أيضا عن علي رضي الله عنه : ولما نزلت الآية قال علي رضي الله عنه : يا رسول الله إني قد رأيت الملوك ووفودهم فلم ار وفدا إلا ركبانا فما وفد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما إنهم لا يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقا ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم ينظر الخلائق إلى مثلها رحالها الذهب وزمامها الزبرجد فيركبونها حتى يقرعوا باب الجنة ( ولفظ الثعلبي في هذا الخبر عن علي أبين وقال علي لما نزلت هذه الآية قلت : يا رسول الله إني رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفدا إلا ركبانا قال : ( يا علي إذا كان المنصرف من بين يدي الله تعالى تلقت الملائكة المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزمتها الذهب على كل مركب حلة لا تساويها الدنيا فيلبس كل مؤمن حلة ثم تسير بهم مراكبهم فتهوى بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ( قلت : وهذا الخبر ينص على أنهم لا يركبون ولا يلبسون إلا من الموقف وأما إذا خرجوا من القبور فمشاة حفاة عراة غرلا إلى الموقف بدليل حديث بن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : ( يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا ( الحديث خرجه البخاري ومسلم وسيأتي بكماله في سورة المؤمنين إن شاء الله تعالى وتقدم في آل عمران من حديث عبد الله بن أنيس بمعناه والحمد لله تعالى ولا يبعد أن تحصل الحالتان للسعداء فيكون حديث بن عباس مخصوصا والله أعلم وقال أبو هريرة : ( وفدا ) على الابل بن عباس : ركبانا يؤتون بنوق من الجنة عليها رحائل من الذهب وسروجها وأزمتها من الزبرجد فيحشرون عليها وقال علي : ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها من ذهب ونجب سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن حركوها طارت وقيل : يفدون على ما يحبون من إبل أو خيل أو سفن على ما تقدم عن بن عباس والله أعلم وقيل : إنما قال ( وفدا ) لأن من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبشارات وينتظرون الجوائز فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب ( ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) السوق الحث على السير و ( وردا ) عطاشا قاله بن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما والحسن والأخفش والفراء وبن الأعرابي : حفاة مشاة وقيل : أفواجا وقال الأزهري : أي مشاة عطاشا كالابل ترد الماء فيقال : جاء ورد بني فلان القشيري : وقوله ( وردا ) يدل على العطش لأن الماء إنما يورد في الغالب للعطش وفي التفسير : مشاة عطاشا تتقطع أعناقهم من العطش وإذا كان سوق المجرمين إلى النار فحشر المتقين إلى الجنة وقيل : ( وردا ) أي الورود كقولك : جئتك إكراما لك أي لاكرامك أي نسوقهم لورود النار قلت : ولا تناقض بين هذه الأقوال فيساقون عطاشا حفاة مشاة أفواجا قال بن عرفة : الورد القوم يردون الماء فسمى العطاش وردا لطلبهم ورود الماء كما تقول : قوم صوم أي صيام وقوم زور أي زوار فهو اسم على لفظ المصدر وأحدهم وارد والورد أيضا الجماعة التي ترد الماء من طير وإبل والورد الماء الذي يورد وهذا من باب الايماء بالشيء إلى الشيء والورد الجزء من القرآن يقال : قرأت وردي والورد يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت فظاهره لفظ مشترك وقال الشاعر يصف قليبا : يطمو إذا الورد عليه التكا أي الوراد الذين يردون الماء قوله تعالى : ( لا يملكون الشفاعة ) أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد ( إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا ) وهم المسلمون فيملكون الشفاعة فهو استثناء الشيء من غير جنسه أي لكن ( من اتخذ عند الرحمن عهدا ) يشفع ف من ) في موضع نصب على هذا وقيل : هو في موضع رفع على البدل من الواو في ( يملكون ) أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة ( إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) فإنه يملك وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا و ( المجرمين ) في قوله : ( ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) يعم الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم لا يملكون الشفاعة إلا العصاة المؤمنون فإنهم يملكونها بأن يشفع فيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فيقول يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي ( خرجه مسلم بمعناه وقد تقدم وتظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيشفعون وعلى القول الأول يكون الكلام متصلا بقوله : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ) فلا تقبل غدا شفاعة عبدة الأصنام لأحد ولا شفاعة الأصنام لأحد ولا يملكون شفاعة أحد لهم أي لا تنفعهم شفاعة كما قال : فما تنفعهم شفاعة الشافعين وقيل : أي نحشر المتقين والمجرمين ولا يملك أحد شفاعة ( إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) أي إذا أذن له الله في الشفاعة كما قال : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وهذا العهد هو الذي قال ( أم اتخذ عند الرحمن عهدا ) وهو لفظ جامع للايمان وجميع الصالحات التي يصل بها صاحبها إلى حيز من يشفع وقال بن عباس : العهد لا إله إلا الله وقال مقاتل وبن عباس أيضا : لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله وتبرأ من الحول والقوة إلا لله ولا يرجو إلا الله تعالى وقال بن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه : ( أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا ( قيل : يا رسول الله وما ذاك قال : ( يقول عند كل صباح ومساء اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعا ووضعها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد فيقوم فيدخل الجنة < <
مريم : ( 88 ) وقالوا اتخذ الرحمن . . . . . > > < > ( مريم 88 : 95 ) <
> قوله تعالى : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) يعني اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم وخلف : ( ولدا ) بضم الواو وإسكان اللام في أربعة مواضع : من هذه السورة قوله تعالى : ( لأوتين مالا وولدا ) وقد تقدم وقوله : ( أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) وفي سورة نوح : ماله وولده نوح ووافقهم في نوح خاصة بن كثير ومجاهد وحميد وأبو عمرو ويعقوب والباقون في الكل بالفتح في الواو واللام وهما لغتان مثل العرب والعرب والعجم والعجم قال : ولقد رأيت معاشرا قد ثمروا مالا وولدا وقال آخر : وليت فلانا كان في بطن أمه وليت فلانا كان ولد حمار وقال في معنى ذلك النابغة : مهلا فداء لك الأقوام كلهم وما أثمر من مال ومن ولد ففتح وقيس يجعلون الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا قال الجوهري : الولد قد يكون واحدا وجمعا وكذلك الولد بالضم ومن أمثال بني أسد : ولدك من دمي عقبيك وقد يكون الولد جمع الولد مثل أسد وأسد : والولد بالكسر لغة في الولد النحاس : وفرق أبو عبيدة بينهما فزعم أن الولد يكون للأهل والولد جميعا قال أبو جعفر : وهذا قول مردود لا يعرفه أحد من أهل اللغة ولا يكون الولد والولد إلا ولد الرجل وولد ولده إلا أن ولدا أكثر في كلام العرب كما قال : مهلا فداء لك الأقوام كلهم وما أثمر من مال ومن ولد قال أبو جعفر وسمعت محمد بن الوليد يقول : يجوز أن يكون ولد جمع ولد كما يقال وثن ووثن وأسد وأسد ويجوز أن يكون ولد وولد بمعنى واحد كما يقال عجم وعجم وعرب وعرب كما تقدم قوله تعالى : ( لقد جئتم شيئا إدا ) أي منكرا عظيما عن بن عباس ومجاهد وغيرهما قال الجوهري : الإد والإدة الداهية والأمر الفظيع ومنه قوله تعالى : ( لقد جئتم شيئا إدا ) وكذلك الآد مثل فاعل وجمع الإدة إدد وأدت فلانا داهية تؤده أدا ( بالفتح ) والإد أيضا الشدة والأد الغلبة والقوة قال الراجز : نضون عني شدة وأدا من بعد ما كنت صملا جلدا انتهى كلامه وقرأ أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن السلمي ( أدا ) بفتح الهمزة النحاس : يقال أد يؤد أدا فهو آد والاسم الإد إذا جاء بشيء عظيم منكر وقال الراجز : قد لقي الأقران مني نكرا داهية دهياء إدا إمرا عن غير النحاس الثعلبي : وفيه ثلاث لغات ( إدا ) بالكسر وهي قراءة العامة و ( أدا ) بالفتح وهي قراءة السلمي و ( آد ) مثل ماد وهي لغة لبعض العرب رويت عن بن عباس وأبي العالية وكأنها مأخوذة من الثقل يقال : آده الحمل يئوده أودا أثقله قوله تعالى : ( تكاد السماوات ) قراءة العامة هنا وفي الشورى بالتاء وقراءة نافع ويحيى والكسائي ( يكاد ) بالياء لتقدم الفعل ( يتفطرن منه ) أي يتشققن وقرأ نافع وبن كثير وحفص وغيرهم بتاء بعد الياء وشد الطاء من التفطر هنا وفي الشورى ووافقهم حمزة وبن عامر في الشورى وقرأ هنا ( ينفطرن ) من الانفطار : وكذلك قرأها أبو عمرو وأبو بكر والمفضل في السورتين وهي اختيار أبي عبيد لقوله تعالى : إذا السماء انفطرت الإنفطار وقوله : السماء منفطر به وقوله : ( وتنشق الأرض ) أي تتصدع ( وتخر الجبال هدا ) قال بن عباس : هدما أي تسقط بصوت شديد وفي الحديث ( اللهم إني أعوذ بك من الهد والهدة ( قال شمر قال أحمد بن غياث المروزي : الهد الهدم والهدة الخسوف وقال الليث : هو الهدم الشديد كحائط يهد بمرة يقال : هدني الأمر وهد ركني أي كسرني وبلغ مني قاله الهروي الجوهري : وهد البناء يهده هدا كسره وضعضعه وهدته المصيبة أي أوهنت ركنه وانهد الجبل انكسر الأصمعي : والهد الرجل الضعيف يقول الرجل للرجل إذا أوعده : إني لغير هد أي غير ضعيف وقال بن الأعرابي : الهد من الرجال الجواد الكريم وأما الجبان الضعيف فهو الهد بالكسر وأنشد : ليسوا بهدين في الحروب إذا تعقد فوق الحراقف النطق والهدة صوت وقع الحائط ونحوه تقول منه : هد يهد بالكسر هديدا والهاد صوت يسمعه أهل الساحل يأتيهم من قبل البحر له دوي في الأرض وربما كانت منه الزلزلة ودويه هديده النحاس : ( هدا ) : مصدر لأن معنى ( تخر ) تهد وقال غيره : حال أي مهدودة : ( أن دعوا للرحمن ولدا ) ( أن ) في موضع نصب عند الفراء بمعنى لأن دعوا ومن أن دعوا فموضع ( أن ) نصب بسقوط الخافض وزعم الفراء أن الكسائي قال : هي في موضع خفض بتقدير الخافض وذكر بن المبارك : حدثنا مسعر عن واصل عن عون بن عبد الله قال قال عبد الله بن مسعود : إن الجبل ليقول للجبل يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر لله فإن قال نعم سر به ثم قرأ عبد الله ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) الآية قال : أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير قال : وحدثني عوف عن غالب بن عجرد قال حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال : إن الله تعالى لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة وكان لهم منها منفعة فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم تلك الكلمة العظيمة قولهم : اتخذ الرحمن ولدا فلما قالوها اقشعرت الأرض وشاك الشجر وقال بن عباس : اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان فصار من ذلك الشوك في الحيتان وفي الأشجار الشوك وقال بن عباس أيضا وكعب : فزعت السماوات والأرض والجبال وجميع المخلوقات إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة فاستعرت جهنم وشاك الشجر واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا : اتخذ الله ولدا وقال محمد بن كعب : لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة لقوله تعالى : ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا ) قال بن العربي : وصدق فإنه قول عظيم سبق به القضاء والقدر ولولا أن الباري تبارك وتعالى لا يضعه كفر الكافر ولا يرفعه إيمان المؤمن ولا يزيد هذا في ملكه كما لا ينقص ذلك من ملكه لما جرى شيء من هذا على الألسنة ولكنه القدوس الحكيم الحليم فلم يبال بعد ذلك بما يقول المبطلون قوله تعالى : ( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) نفي عن نفسه سبحانه وتعالى الولد لأن الولد يقتضى الجنسية والحدوث على ما بيناه في البقرة أي لا يليق به ذلك ولا يوصف به ولا يجوز في حقه لأنه لا يكون ولد إلا من والد يكون له والد وأصل والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس قال : في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة ما ينبغي دونها سهل ولا جبل ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) ( إن ) نافية بمعنى ما أي ما كل من في السماوات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقترا له بالعبودية خاضعا ذليلا كما قال : وكل أتوه داخرين أي صاغرين أذلاء أي الخلق كلهم عبيده فكيف يكون واحد منهم ولدا له عز وجل تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا و ( آتي ) بالياء في الخط والأصل التنوين فحذف استخفافا وأضيف الثانية في هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد خلافا لمن قال : إنه يشتريه فيملكه ولا يعتق عليه إلا إذا أعتقه وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الأولاد والملك فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات عتق عليه ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل الولدية والعبدية في طرفي تقابل فنفى أحدهما وأثبت الآخر ولو اجتمعا لما كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها وفي الحديث الصحيح ( لا يجزئ ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ( خرجه مسلم فإذا لم يملك الأب ابنه مع مرتبته عليه فالابن بعدم ملك الأب أولى لقصوره عنه الثالثة ذهب إسحاق بن راهويه في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام : ( من أعتق شركا له في عبد ( أن المراد به ذكور العبيد دون إناثهم فلا يكمل على من أعتق شركا في أنثى وهو على خلاف ما ذهب إليه الجمهور من السلف ومن بعدهم فإنهم لم يفرقوا بين الذكر والأنثى لأن لفظ العبد يراد به الجنس كما قال تعالى : ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا ) فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبد قطعا وتمسك إسحاق بأنه حكى عبدة في المؤنث الرابعة روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله تبارك وتعالى كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( وقد تقدم في البقرة وغيرها وإعادته في مثل هذا الموضع حسن جدا
قوله تعالى : ( لقد أحصاهم ) أي علم عددهم ( وعدهم عدا ) تأكيد أي فلا يخفى عليه أحد منهم قلت : ووقع لنا في أسمائه سبحانه المحصي أعني في السنة من حديث أبي هريرة خرجه الترمذي واشتقاق هذا الفعل يدل عليه وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني : ومنها المحصي ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط الأوراق فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق وقد قال : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير الملك ووقع في تفسير بن عباس أن معنى ( لقد أحصاهم وعدهم عدا ) يريد أقروا له بالعبودية وشهدوا له بالربوبية قوله تعالى : ( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) أي واحدا لا ناصر له ولا مال معه ينفعه كما قال تعالى : يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم الشعراء فلا ينفعه إلا ما قدم من عمل وقال : ( وكلهم آتيه ) على لفظ كل وعلى المعنى آتوه وقال القشيري : وفيه إشارة إلى أنكم لا ترضون لأنفسكم باستعباد أولادكم والكل عبيده فكيف رضيتم له ما لا ترضون لأنفسكم وقد رد عليهم في مثل هذا في أنهم لا يرضون لأنفسهم بالبنات ويقولون : الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك وقولهم : الأصنام بنات الله وقال : فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم < < مريم : ( 96 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > < > ( مريم 96 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ) أي صدقوا ( وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) أي حبا في قلوب عباده كما رواه الترمذي من حديث سعد وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه قال فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى ( سيجعل لهم الرحمن ودا ) وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إني أبغضت فلانا فينادي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض ( قال هذا حديث حسن صحيح وخرجه البخاري ومسلم بمعناه ومالك في الموطأ وفي نوادر الأصول وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي قال حدثنا أبو مالك الجنبي عن جويبر عن الضحاك عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أعطى المؤمن الألفة والملاحة والمحبة في صدور الصالحين والملائكة المقربين ثم تلا ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) ( واختلف فيمن نزلت فقيل في علي رضي الله تعالى عنه روى البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب : ( قل يا علي اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في قلوب المؤمنين مودة ( فنزلت الآية ذكره الثعلبي وقال بن عباس : نزلت في عبد الرحمن بن عوف جعل الله تعالى له في قلوب العباد مودة لا يلقاه مؤمن إلا وقره ولا مشرك ولا منافق إلا عظمه وكان هرم بن حيان يقول : ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الايمان إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم وقيل : يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة قلت : إذا كان محبوبا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنا تقيا ولا يرضى إلا خالصا نقيا جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل عليه السلام فقال إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل عليه السلام وقال إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض ( < <
Preguntas
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?