İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
ثم قال تعالى: {كم تركوا من جنات} وهي البساتين {وعيون وزروع} والمراد بها الأنهار والآبار، {ومقام كريم} وهي المساكن الكريمة الأنيقة والأماكن الحسنة. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: {ومقام كريم} المنابر. وقال ابن لهيعة، عن وهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلله له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وقال في قوله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين} قال:، كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعا، ما بين أسوان إلى رشيد، وكان له تسعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى، متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعا، لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها. {ونعمة كانوا فيها فاكهين} أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل، كما قال تعالى: {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 59] وقال في موضع آخر : {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] . وقال هاهنا: {كذلك وأورثناها قوما آخرين} وهم بنو إسرائيل، كما تقدم. وقوله: {فما بكت عليهم السماء والأرض} أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله فيها فقدتهم؛ فلهذا استحقوا ألا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم، وعتوهم وعنادهم. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني يزيد الرقاشي، حدثني أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه" وتلا هذه الآية: {فما بكت عليهم السماء والأرض} وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم. ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب، ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم . ورواه ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي. وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن طلحة، حدثني عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا. ألا لا غربة على مؤمن ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فما بكت عليهم السماء والأرض} ثم قال: "إنهما لا يبكيان على الكافر" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري-حدثنا العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل عليا رضي الله عنه: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، إنه ليس [من] عبد إلا له مصلى في الأرض، ومصعد عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في السماء، ثم قرأ علي، رضي الله عنه {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن منهال، عن سعيد بن جبير قال: أتى ابن عباس رجل فقال: يا أبا عباس أرأيت قول الله: {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه بكى عليه، وإذا فقد مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض . وروى العوفي، عن ابن عباس، نحو هذا. وقال سفيان الثوري، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس [رضي الله عنهما] قال: كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحا. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغير واحد. وقال مجاهد أيضا: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا، قال: فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد، كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟ وقال قتادة: كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد السلام بن عاصم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا المستورد بن سابق، عن عبيد المكتب، عن إبراهيم قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين قلت لعبيد: أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه حيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء السماء؟ قلت لا قال: تحمر وتصير وردة كالدهان، إن يحيى بن زكريا لما قتل احمرت السماء وقطرت دما. وإن حسين بن علي لما قتل احمرت السماء. وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو -زنيج-حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل حسين بن علي، رضي الله عنهما، احمرت آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: واحمرارها بكاؤها. وهكذا قال السدي الكبير. وقال عطاء الخراساني: بكاؤها: أن تحمر أطرافها. وذكروا أيضا في مقتل الحسين أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط، وأنه كسفت الشمس، واحمر الأفق، وسقطت حجارة. وفي كل من ذلك نظر، والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم، ليعظموا الأمر -ولا شك أنه عظيم-ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه، وقد وقع ما هو أعظم من [ذلك] -قتل الحسين رضي الله عنه-ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب، وهو أفضل منه بالإجماع ولم يقع [شيء من] ذلك، وعثمان بن عفان قتل محصورا مظلوما، ولم يكن شيء من ذلك. وعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم خسفت الشمس فقال الناس: [الشمس] خسفت لموت إبراهيم، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته . وقوله: {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين} يمتن عليهم تعالى بذلك، حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله لهم، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة. وقوله: {من فرعون إنه كان عاليا [من المسرفين] } أي: مستكبرا جبارا عنيدا، كقوله: {إن فرعون علا في الأرض [وجعل أهلها شيعا] } [القصص: 4] . وقوله: {فاستكبروا وكانوا قوما عالين} [المؤمنون: 46] ، [وقوله {فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} ] [العنكبوت: 39] ، [فكان فرعون] سرفا في أمره، سخيف الرأي على نفسه.
وقوله: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} قال مجاهد: {اخترناهم على علم على العالمين} على من هم بين ظهريه. وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك. وكان يقال: إن لكل زمان عالما. وهذه كقوله تعالى: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144] أي: أهل زمانه، وكقوله لمريم: {واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] أي: في زمانها؛ فإن خديجة أفضل منها، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، أو مساوية لها في الفضل، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وقوله: {وآتيناهم من الآيات} أي: [من] الحجج والبراهين وخوارق العادات {ما فيه بلاء مبين} أي: اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به. {إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين } يقول تعالى منكرا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد، وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور. ويحتجون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا، فإن كان البعث حقا {فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} وهذه حجة باطلة وشبهة فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في هذه الدار، [بل] بعد انقضائها وذهابها وفراغها يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، يوم تكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا. ثم قال تعالى متهددا لهم، ومتوعدا ومنذرا لهم بأسه الذي لا يرد، كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين والمنكرين للبعث وكقوم تبع -وهم سبأ-حيث أهلكهم الله وخرب بلادهم، وشردهم في البلاد، وفرقهم شذر مذر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ، وهي مصدرة بإنكار المشركين للمعاد. وكذلك هاهنا شبههم بأولئك، وقد كانوا عربا من قحطان كما أن هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حمير -وهم سبأ-كلما ملك فيهم رجل سموه تبعا، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس. ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه وهو الذي مصر الحيرة فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يقرونه بالليل، فاستحيا منهم وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة؛ فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهياه [عن ذلك] أيضا، وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناية إبراهيم الخليل وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها ، وكساها الملاء والوصائل والحبير. ثم كر راجعا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى، عليه السلام، فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح، عليه السلام، فتهود معه عامة أهل اليمن. وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة، أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا وما لم نذكر . وذكر أنه ملك دمشق، وأنه كان إذا استعرض الخيل صفت له من دمشق إلى اليمن، ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تبع لعينا كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيا كان أم ملكا؟ " وقال غيره: "أعزيرا كان نبيا أم لا؟ ". وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن حماد الظهراني، عن عبد الرزاق .
قال الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق . ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، مرفوعا: "عزير لا أدري أنبيا كان أم لا؟ ولا أدري ألعين تبع أم لا؟ " . ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته، كما سيأتي. وكأنه -والله أعلم- كان كافرا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح، عليه السلام، وحج البيت في زمن الجرهميين، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ستة آلاف بدنة وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن. وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر، من طرق متعددة مطولة مبسوطة، عن أبي بن كعب وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس وكعب الأحبار. وإليه المرجع في ذلك كله، وإلى عبد الله بن سلام أيضا، وهو أثبت وأكبر وأعلم. وكذا روى قصته وهب بن منبه، ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تبع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن تبعا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما مات عادوا بعده إلى عبادة الأصنام والنيران، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ، وقد بسطنا قصتهم هنالك، ولله الحمد والمنة. وقال سعيد بن جبير: كسا تبع الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه. وتبع هذا هو تبع الأوسط، واسمه أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو من سبعمائة عام. وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي آخر في الزمان ، اسمه أحمد، قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة. وكانوا يتوارثونه ويروونه خلفا عن سلف. وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وهو: شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه وفرجت عن صدره كل غم وذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: "هذا قبر حبى ولميس -وروي: حبى وتماضر-ابنتي تبع ماتتا، وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. وقد ذكرنا في "سورة سبأ" شعر سبأ في ذلك أيضا. قال قتادة: ذكر لنا أن كعبا كان يقول في تبع: نعت نعت الرجل الصالح، ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، قال: وكانت عائشة تقول: لا تسبوا تبعا؛ فإنه قد كان رجلا صالحا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي زرعة -يعني عمرو بن جابر الحضرمي-قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا تبعا؛ فإنه قد كان أسلم". ورواه الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، به . وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بزة، حدثنا مؤمل ابن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا تبعا؛ فإنه قد أسلم" . وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أدري، تبع نبيا كان أم غير نبي" . وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر: "لا أدري تبع كان لعينا أم لا؟ ". فالله أعلم.
ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى البدي ، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفا. وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمران أبو الهذيل، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال: قال عطاء بن أبي رباح: لا تسبوا تبعا؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سبه . {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم } يقول تعالى مخبرا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل، كقوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] ، وقال {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 115، 116] . ثم قال: {إن يوم الفصل} وهو يوم القيامة، يفصل الله فيه بين الخلائق، فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين. وقوله: {ميقاتهم أجمعين} أي: يجمعهم كلهم أولهم وآخرهم. {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} أي: لا ينفع قريب قريبا، كقوله: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101] ، وكقوله {ولا يسأل حميم حميما. يبصرونهم} [المعارج: 10، 11] أي: لا يسأل أخا له عن حاله وهو يراه عيانا. وقوله: {ولا هم ينصرون} أي: لا ينصر القريب قريبه، ولا يأتيه نصره من خارج. ثم قال: {إلا من رحم الله} أي: لا ينفع يومئذ إلا من رحمه الله، عز وجل، لخلقه {إنه هو العزيز الرحيم} أي: هو عزيز ذو رحمة واسعة. {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون } يقول تعالى مخبرا عما يعذب به [عباده] الكافرين الجاحدين للقائه: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} والأثيم أي: في قوله وفعله، وهو الكافر. وذكر غير واحد أنه أبو جهل، ولا شك في دخوله في هذه الآية، ولكن ليست خاصة به. قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم عن همام بن الحارث، أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} فقال: طعام اليتيم فقال أبو الدرداء قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر. أي: ليس له طعام غيرها. قال مجاهد: ولو وقعت منها قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. وقد تقدم نحوه مرفوعا. وقوله: {كالمهل} قالوا: كعكر الزيت {يغلي في البطون. كغلي الحميم} أي: من حرارتها ورداءتها. وقوله: {خذوه فاعتلوه} أي: [خذوا] الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية {خذوه} ابتدره سبعون ألفا منهم. {فاعتلوه} أي: سوقوه سحبا ودفعا في ظهره. قال مجاهد: {خذوه فاعتلوه} أي: خذوه فادفعوه. وقال الفرزدق: ليس الكرام بناحليك أباهم حتى ترد إلى عطية تعتل {إلى سواء الجحيم} أي: وسطها. {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} كقوله {يصب من فوق رءوسهم الحميم. يصهر به ما في بطونهم والجلود} [الحج: 19، 20] . وقد تقدم أن الملك يضربه بمقمعة من حديد، تفتح دماغه، ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه، حتى تمرق من كعبيه -أعاذنا الله تعالى من ذلك. وقوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} أي: قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ. وقال الضحاك عن ابن عباس: أي لست بعزيز ولا كريم.
وقد قال الأموي في مغازيه: حدثنا أسباط، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل -لعنه الله-فقال: "إن الله تعالى أمرني أن أقول لك: {أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى} [القيامة: 34، 35] قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء. ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. قال: فقتله الله تعالى يوم بدر وأذله وعيره بكلمته، وأنزل: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} . وقوله: {إن هذا ما كنتم به تمترون} ، كقوله {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا. هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} [الطور: 13 -15] ، ؛ ولهذا قال هاهنا: {إن هذا ما كنتم به تمترون} {إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب إنهم مرتقبون } لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر [حال] السعداء -ولهذا سمي القرآن مثاني-فقال: {إن المتقين} أي: لله في الدنيا {في مقام أمين} أي: في الآخرة وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده، وسائر الآفات والمصائب. {في جنات وعيون} وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجر الزقوم، وشرب الحميم. وقوله تعالى: {يلبسون من سندس وإستبرق} وهو: رفيع الحرير، كالقمصان ونحوها {وإستبرق} وهو ما فيه بريق ولمعان وذلك كالرياش، وما يلبس على أعالي القماش، {متقابلين} أي: على السرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره. وقوله: {كذلك وزوجناهم بحور عين} أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحور العين الحسان اللاتي {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} [الرحمن: 56، 74] {كأنهن الياقوت والمرجان} [الرحمن: 58] {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نوح بن حبيب، حدثنا نصر بن مزاحم العطار، حدثنا عمر بن سعد، عن رجل عن أنس -رفعه نوح-قال: لو أن حوراء بزقت في بحر لجي، لعذب ذلك الماء لعذوبة ريقها . وقوله: {يدعون فيها بكل فاكهة آمنين} أي: مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه، بل يحضر إليهم كلما أرادوا. وقوله: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} هذا استثناء يؤكد النفي، فإنه استثناء منقطع ومعناه: أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت" وقد تقدم الحديث في سورة مريم . وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي مسلم الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة، رضي الله عنهما، قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقال لأهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا". رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به . هكذا يقول أبو إسحاق وأهل العراق "أبو مسلم الأغر"، وأهل المدينة يقولون: "أبو عبد الله الأغر" . وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج -هو ابن حجاج -عن عبادة ، عن عبيد الله بن عمرو، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اتقى الله دخل الجنة، ينعم فيها ولا يبأس، ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه" .
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سليمان بن عبيد الله الرقي، حدثنا مصعب بن إبراهيم، حدثنا عمران بن الربيع الكوفي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، رضي الله عنه، قال: سئل نبي الله صلى الله عليه وسلم: أينام أهل الجنة؟ فقال: "النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون" . وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن المغيرة، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون" . وقال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قيل: يا رسول الله، هل ينام أهل الجنة؟ قال: "لا النوم أخو الموت" ثم قال: "لا نعلم أحدا أسنده عن ابن المنكدر، عن جابر إلا الثوري، ولا عن الثوري، إلا الفريابي" هكذا قال، وقد تقدم خلاف ذلك، والله أعلم. وقوله: {ووقاهم عذاب الجحيم} أي: مع هذا النعيم العظيم المقيم قد وقاهم، وسلمهم ونجاهم وزحزحهم من العذاب الأليم في دركات الجحيم، فحصل لهم المطلوب، ونجاهم من المرهوب؛ ولهذا قال: {فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم} أي: إنما كان هذا بفضله عليهم وإحسانه إليهم كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" . وقوله: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} أي: إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلا واضحا بينا جليا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها {لعلهم يتذكرون} أي: يتفهمون ويعملون. ثم لما كان مع هذا البيان والوضوح من الناس من كفر وخالف وعاند، قال الله تعالى لرسوله مسليا له وواعدا له بالنصر، ومتوعدا لمن كذبه بالعطب والهلاك: {فارتقب} أي: انتظر {إنهم مرتقبون} أي: فسيعلمون لمن يكون النصر والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعكم من المؤمنين، كما قال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [المجادلة: 21] ، وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر: 51، 52] . آخر تفسير سورة الدخان، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة تفسير سورة الجاثية وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون } يرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات الأرض، وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع من الملائكة والجن والإنس، والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل الله تعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقا؛ لأن به يحصل الرزق، {فأحيا به الأرض بعد موتها} أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء. وقوله: {وتصريف الرياح} أي: جنوبا وشآما ، ودبورا وصبا، بحرية وبرية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح، ومنها ما هو عقيم [لا ينتج] .
وقال أولا {لآيات للمؤمنين} ، ثم {يوقنون} ثم {يعقلون} وهو ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى. وهذه الآيات شبيهة بآية "البقرة" وهي قوله: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] . وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا عن وهب بن منبه أثرا طويلا غريبا في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة. {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم } يقول تعالى: هذه آيات الله -يعني القرآن بما فيه من الحجج والبينات- {نتلوها عليك بالحق} أي: متضمنة الحق من الحق، فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟! ثم قال: {ويل لكل أفاك أثيم} أي: أفاك في قوله كذاب، حلاف مهين أثيم في فعله وقيله كافر بآيات الله؛ ولهذا قال: {يسمع آيات الله تتلى عليه} أي: تقرأ عليه {ثم يصر} أي: على كفره وجحوده استكبارا وعنادا {كأن لم يسمعها} أي: كأنه ما سمعها، {فبشره بعذاب أليم} [أي] فأخبره أن له عند الله يوم القيامة عذابا أليما موجعا. {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا} أي: إذا حفظ شيئا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوا، {أولئك لهم عذاب مهين} أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به؛ ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو . ثم فسر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: {من ورائهم جهنم} أي: كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة، {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا} أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم، {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي: ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئا، {ولهم عذاب عظيم} ثم قال تعالى: {هذا هدى} يعني القرآن {والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم} وهو المؤلم الموجع. {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون } يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر {لتجري الفلك} ، وهي السفن فيه بأمره تعالى، فإنه هو الذي أمر البحر أن يحملها {ولتبتغوا من فضله} أي: في المتاجر والمكاسب، {ولعلكم تشكرون} أي: على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية. ثم قال تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض} أي: من الكواكب والجبال، والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به، أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه؛ ولهذا قال: {جميعا منه} أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [النحل: 53] . وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} كل شيء هو من الله، وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه، ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفرياني، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عمرو قال: مم خلق الخلق؟ قال: من النور والنار، والظلمة والثرى. قال وائت ابن عباس فاسأله. فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله: مم خلق ذلك كله؟ فرجع إليه فسأله، فتلا {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} هذا أثر غريب، وفيه نكارة. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} وقوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} أي: يصفحوا عنهم ويحملوا الأذى منهم. وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك لتأليف قلوبهم ، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس، وقتادة. وقال مجاهد [في قوله] {لا يرجون أيام الله} لا يبالون نعم الله. وقوله: {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} أي: إذا صفحوا عنهم في الدنيا، فإن الله مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة؛ ولهذا قال: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون} أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم [عليه] فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها. {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم، وجعله الملك فيهم؛ ولهذا قال: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات} أي: من المآكل والمشارب، {وفضلناهم على العالمين} أي: في زمانهم. {وآتيناهم بينات من الأمر} أي: حججا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة، وإنما كان ذلك بغيا منهم على بعضهم بعضا، {إن ربك} يا محمد {يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} أي: سيفصل بينهم بحكمه العدل. وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم؛ ولهذا قال: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها} أي: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين، وقال هاهنا: {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} أي: وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم بعضا، فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارا ودمارا وهلاكا، {والله ولي المتقين} ، وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. ثم قال: {هذا بصائر للناس} يعني: القرآن {وهدى ورحمة لقوم يوقنون} {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون } {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون، كما قال: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] وقال هاهنا: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} أي: عملوها وكسبوها {أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم} أي: نساويهم بهم في الدنيا والآخرة! {ساء ما يحكمون} أي: ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة، وفي هذه الدار.
قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا بكير بن عثمان التنوخي، حدثنا الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد الباجي ، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: إن الله بنى دينه على أربعة أركان، فمن صبر عليهن ولم يعمل بهن لقي الله [وهو] من الفاسقين. قيل: وما هن يا أبا ذر؟ قال: يسلم حلال الله لله، وحرام الله لله، وأمر الله لله، ونهي الله لله، لا يؤتمن عليهن إلا الله. قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "كما أنه لا يجتنى من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار" . هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" أنهم وجدوا حجرا بمكة في أس الكعبة مكتوب عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب . وقد روى الطبراني من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن مسروق ، أن تميما الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} ؛ ولهذا قال تعالى: {ساء ما يحكمون} ، وقال {وخلق الله السموات والأرض بالحق} أي: بالعدل، {ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} . ثم قال [تعالى] {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنا فعله، ومهما رآه قبيحا تركه: وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين. وعن مالك فيما روي عنه من التفسير: لا يهوى شيئا إلا عبده. وقوله: {وأضله الله على علم} يحتمل قولين: أحدها وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس. {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} أي: فلا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها؛ ولهذا قال: {فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} كقوله: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186] . {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} أي: ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون وما ثم معاد ولا قيامة وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، ويقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا {وما يهلكنا إلا الدهر} قال الله تعالى: {وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} أي: يتوهمون ويتخيلون. فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح، وأبو داود، والنسائي، من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره" وفي رواية: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" .
وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدا فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا، يميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} قال: "ويسبون الدهر، فقال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" . وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن شريح بن النعمان، عن ابن عيينة مثله: ثم روي عن يونس، عن ابن وهب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار". وأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي، من حديث يونس بن زيد، به . وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول: وادهراه. وأنا الدهر" . قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله، عليه الصلاة والسلام: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر": كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر. فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله [عز وجل] فكأنهم إنما سبوا، الله عز وجل؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه، ويسندون إليه تلك الأفعال. هذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد، والله أعلم. وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى، أخذا من هذا الحديث. . وقوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي: إذا استدل عليهم وبين لهم الحق، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها، {ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقا. قال الله تعالى: {قل الله يحييكم} أي: كما تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود، {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [البقرة: 28] أي: الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى.. {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم 27] ، {ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} أي: إنما يجمعكم ليوم القيامة لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا: {ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} {يوم يجمعكم ليوم الجمع} [التغابن: 9] {لأي يوم أجلت. ليوم الفصل} [المرسلات: 12، 13] ، {وما نؤخره إلا لأجل معدود} [هود: 104] وقال هاهنا: {ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} أي: لا شك فيه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: فلهذا ينكرون المعاد، ويستبعدون قيام الأجساد، قال الله تعالى: {إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا} [المعارج: 6، 7] أي: يرون وقوعه بعيدا، والمؤمنون يرون ذلك سهلا قريبا. {ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، الحاكم فيهما في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: {ويوم تقوم الساعة} أي: يوم القيامة {يخسر المبطلون} وهم الكافرون بالله الجاحدون بما أنزله على رسله من الآيات البينات والدلائل الواضحات. وقال ابن أبي حاتم: قدم سفيان الثوري المدينة، فسمع المعافري يتكلم ببعض ما يضحك به الناس. فقال له: يا شيخ، أما علمت أن لله يوما يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تعرف في المعافري حتى لحق بالله، عز وجل. ذكره ابن أبي حاتم.
ثم قال: {وترى كل أمة جاثية} أي: على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال: إن هذا [يكون] إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل، ويقول: نفسي، نفسي، نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي، وحتى أن عيسى ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك [اليوم] مريم التي ولدتني. قال مجاهد، وكعب الأحبار، والحسن البصري: {كل أمة جاثية} أي: على الركب. وقال عكرمة: {جاثية} متميزة على ناحيتها، وليس على الركب. والأول أولى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عبد الله بن باباه ، أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: "كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم" . وقال إسماعيل بن رافع المديني ، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، مرفوعا في حديث الصورة : فيتميز الناس وتجثو الأمم، وهي التي يقول الله: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها} . وهذا فيه جمع بين القولين: ولا منافاة، والله أعلم. وقوله: {كل أمة تدعى إلى كتابها} يعني: كتاب أعمالها، كقوله: {ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء} [الزمر: 69] ؛ ولهذا قال: {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر. بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره} [القيامة: 13 -15] . ثم قال: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص ، كقوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] . وقوله: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} أي: إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم. قال ابن عباس وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيديهم مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القدم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا، ثم قرأ: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} . {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } {وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } . يخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة، فقال: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحات ، وهي الخالصة الموافقة للشرع، {فيدخلهم ربهم في رحمته} ، وهي الجنة، كما ثبت في الصحيح أن الله قال للجنة: "أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء" . {ذلك هو الفوز المبين} أي: البين الواضح. ثم قال: {وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم} أي: يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا: أما قرئت عليكم آيات الرحمن فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عند سماعها، {وكنتم قوما مجرمين} أي: في أفعالكم، مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟
{وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها} أي: إذا قال لكم المؤمنون ذلك، {قلتم ما ندري ما الساعة} أي: لا نعرفها، {إن نظن إلا ظنا} أي: إن نتوهم وقوعها إلا توهما، أي مرجوحا ؛ ولهذا قال: {وما نحن بمستيقنين} أي: بمتحققين، قال الله تعالى: {وبدا لهم سيئات ما عملوا} أي: وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة، {وحاق بهم} أي: أحاط بهم {ما كانوا به يستهزئون} أي: من العذاب والنكال، {وقيل اليوم ننساكم} أي: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم {كما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: فلم تعملوا له لأنكم لم تصدقوا به، {ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: "ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، يا رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني" . قال الله تعالى: {ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا} أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريا، تسخرون وتستهزئون بها، {وغرتكم الحياة الدنيا} أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها، فأصبحتم من الخاسرين؛ ولهذا قال: {فاليوم لا يخرجون منها} أي: من النار {ولا هم يستعتبون} أي: لا يطلب منهم العتبى، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب. ثم لما ذكر حكمه في المؤمنين والكافرين قال: {فلله الحمد رب السموات ورب الأرض} أي: المالك لهما وما فيهما؛ ولهذا قال: {رب العالمين} . ثم قال: {وله الكبرياء في السموات والأرض} قال مجاهد: يعني السلطان. أي: هو العظيم الممجد، الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه. وقد ورد في الحديث الصحيح: "يقول الله تعالى العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما أسكنته ناري". ورواه مسلم من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه . وقوله: {وهو العزيز} أي: الذي لا يغالب ولا يمانع، {الحكيم} في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس، لا إله إلا هو . آخر تفسير سورة الجاثية [ولله الحمد والمنة] تفسير سورة الأحقاف وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون } {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } . يخبر تعالى أنه نزل الكتاب على عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال: {ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي: لا على وجه العبث والباطل، {وأجل مسمى} أي: إلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص. قوله: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} أي: لاهون عما يراد بهم، وقد أنزل إليهم كتابا وأرسل إليهم رسول، وهم معرضون عن ذلك كله، أي: وسيعلمون غب ذلك.
ثم قال: {قل} أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: {أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض} أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض، {أم لهم شرك في السموات} أي: ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض، وما يملكون من قطمير، إن الملك والتصرف كله إلا الله، عز وجل، فكيف تعبدون معه غيره، وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: {ائتوني بكتاب من قبل هذا} أي: هاتوا كتابا من كتب الله المنزلة على الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام، يأمركم بعبادة هذه الأصنام، {أو أثارة من علم} أي: دليل بين على هذا المسلك الذي سلكتموه {إن كنتم صادقين} أي: لا دليل لكم نقليا ولا عقليا على ذلك؛ ولهذا قرأ آخرون: "أو أثرة من علم" أي: أو علم صحيح يأثرونه عن أحد ممن قبلهم، كما قال مجاهد في قوله: {أو أثارة من علم} أو أحد يأثر علما. وقال العوفي، عن ابن عباس: أو بينة من الأمر. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثنا صفوان بن سليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أو أثرة من علم" قال: "الخط" . وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم. وقال الحسن البصري: {أو أثارة} شيء يستخرجه فيثيره. وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو بكر بن عياش أيضا: {أو أثارة من علم} يعني الخط. وقال قتادة: {أو أثارة من علم} خاصة من علم. وكل هذه الأقوال متقاربة، وهي راجعة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله وأكرمه، وأحسن مثواه. وقوله: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون} أي: لا أضل ممن يدعو أصناما، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجارة صم. وقوله: {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} ، كقوله تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] أي: سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم، وقال الخليل: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] . {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين } . يقول تعالى مخبرا عن المشركين في كفرهم وعنادهم: أنهم إذا تتلى عليهم آيات الله بينات، أي: في حال بيانها ووضوحها وجلائها، يقولون: {هذا سحر مبين} أي: سحر واضح، وقد كذبوا وافتروا وضلوا وكفروا {أم يقولون افتراه} يعنون: محمدا صلى الله عليه وسلم. قال الله [تعالى] {قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا} أي: لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني -وليس كذلك- لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض، لا أنتم ولا غيركم أن يجيرني منه، كقوله: {قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته} [الجن: 22، 23] ، وقال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44 -47] ؛ ولهذا قال هاهنا: {قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم} ، هذا تهديد لهم، ووعيد أكيد، وترهيب شديد.
وقوله: {وهو الغفور الرحيم} ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة، أي: ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغفر [لكم] ورحم. وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما} [الفرقان: 5، 6] . وقوله: {قل ما كنت بدعا من الرسل} أي: لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: {قل ما كنت بدعا من الرسل} ما أنا بأول رسول. ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك. وقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: نزل بعدها {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] . وهكذا قال عكرمة، والحسن، وقتادة: إنها منسوخة بقوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ، قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بين الله ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} [الفتح: 5] . هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} : ما أدري بماذا أومر، وبماذا أنهى بعد هذا؟ وقال أبو بكر الهذلي، عن الحسن البصري في قوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال: أما في الآخرة فمعاذ الله، قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء [من] قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟ وهذا القول هو الذي عول عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به، صلوات الله وسلامه عليه، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يئول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا: أيؤمنون أم يكفرون، فيعذبون فيستأصلون بكفرهم ؟ فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء -وهي امرأة من نسائهم-أخبرته -وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم-قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون. فاشتكى عثمان عندنا فمرضناه، حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك أن الله أكرمه؟ " فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي! " قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدا بعده أبدا. وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينا تجري، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك عمله". فقد انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم ، وفي لفظ له: "ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به" . وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها: "فأحزنني ذلك". وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم، كالعشرة، وابن سلام، والغميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء.
وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: إنما أتبع ما ينزله الله علي من الوحي، {وما أنا إلا نذير مبين} أي: بين النذارة، وأمري ظاهر لكل ذي لب وعقل. {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون } . يقول تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: {أرأيتم إن كان} هذا القرآن {من عند الله وكفرتم به} أي: ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله علي لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه، {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} أي: وقد شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به. وقوله: {فآمن} أي: هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته {واستكبرتم} أنتم: عن اتباعه. وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه، وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سلام وغير، ه فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام. وهذه كقوله: {وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} [القصص: 53] ، وقال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} [الإسراء: 107، 108] . قال مسروق، والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة. رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم، واختاره ابن جرير. وقال مالك، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} رواه البخاري ومسلم والنسائي، من حديث مالك، به . وكذا قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وهلال بن يساف، والسدي، والثوري، ومالك بن أنس، وابن زيد؛ أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن سلام. وقوله تعالى: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه} أي: قالوا عن المؤمنين بالقرآن: لو كان القرآن خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه . يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا، وأخطئوا خطأ بينا، كما قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} [الأنعام: 53] أي: يتعجبون: كيف اهتدى هؤلاء دوننا؛ ولهذا قالوا: {لو كان خيرا ما سبقونا إليه} وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها . وقوله: {وإذ لم يهتدوا به} أي: بالقرآن {فسيقولون هذا إفك} أي: كذب {قديم} أي: مأثور عن الأقدمين، فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بطر الحق، وغمط الناس" . ثم قال: {ومن قبله كتاب موسى} وهو التوراة {إماما ورحمة وهذا كتاب} يعني: القرآن {مصدق} أي: لما قبله من الكتب {لسانا عربيا} أي: فصيحا بينا واضحا، {لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين} أي: مشتمل على النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين.
وقوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} تقدم تفسيرها في سورة "حم، السجدة". وقوله: {فلا خوف عليهم} أي: فيما يستقبلون، {ولا هم يحزنون} على ما خلفوا، {أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون} أي: الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم. {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون } . لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن، كقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء:23] وقال: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال هاهنا: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا} أي: أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين، فلا آكل طعاما، ولا أشرب شرابا حتى تكفر بالله. فامتنعت من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} الآية [العنكبوت: 8] . ورواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث شعبة بإسناده، نحوه وأطول منه . {حملته أمه كرها} أي: قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا، من وحام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، {ووضعته كرها} أي: بمشقة أيضا من الطلق وشدته، {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقد استدل علي، رضي الله عنه، بهذه الآية مع التي في لقمان: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] ، وقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] ، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح. ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم. قال محمد بن إسحاق بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟! فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله غيره قط، فيقضي الله في ما شاء. فلما أتي بها عثمان أمر برجمها، فبلغ ذلك عليا فأتاه، فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له [علي] أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقال: { [يرضعن أولادهن] حولين كاملين} ، فلم نجده بقى إلا ستة أشهر، قال: فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها، قال: فقال بعجة: فوالله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه. فلما رآه أبوه قال: ابني إني والله لا أشك فيه، قال: وأبلاه الله بهذه القرحة قرحة الأكلة، فما زالت تأكله حتى مات . رواه ابن أبي حاتم، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله: {فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا}
{حتى إذا بلغ أشده} أي: قوي وشب وارتجل {وبلغ أربعين سنة} أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه. ويقال: إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين. قال أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بلغت الأربعين، فخذ حذرك. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله القواريري، حدثنا عزرة بن قيس الأزدي -وكان قد بلغ مائة سنة-حدثنا أبو الحسن السلولي عنه وزادني قال: قال محمد بن عمرو بن عثمان، عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه الله في أهل بيته، وكتب في السماء: أسير الله في أرضه" . وقد روي هذا من غير هذا الوجه، وهو في مسند الإمام أحمد . وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أمية بدمشق: تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركتها حياء من الله، عز وجل. وما أحسن قول الشاعر: صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه فلما علاه قال للباطل: ابطل {قال رب أوزعني} أي: ألهمني {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه} أي: في المستقبل، {وأصلح لي في ذريتي} أي: نسلي وعقبي، {إني تبت إليك وإني من المسلمين} وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله، عز وجل، ويعزم عليها. وقد روى أبو داود في سننه، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: "اللهم، ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتممها علينا" . قال الله تعالى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم} أي: هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم، فيغفر لهم الكثير من الزلل، ويتقبل منهم اليسير من العمل، {في أصحاب الجنة} أي: هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وعد الله من تاب إليه وأناب؛ ولهذا قال: {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الروح الأمين، عليه السلام، قال: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ، فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة" قال: فدخلت على يزداد فحدث بمثل هذا الحديث قال: قلت: فإن ذهبت الحسنة؟ قال: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} . وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان، بإسناده مثله -وزاد عن الروح الأمين. قال: قال الرب، جل جلاله: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ... فذكره، وهو حديث غريب، وإسناد جيد لا بأس به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد، حدثنا عمرو بن عاصم الكلائي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن يوسف بن سعد ، عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر علي على أهل البصرة، فقال لي يوما: لقد شهدت أمير المؤمنين عليا، وعنده عمارا وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر، فذكروا عثمان فنالوا منه، وكان علي، رضي الله عنه، على السرير، ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم فسألوه، فقال علي: كان عثمان من الذين قال الله: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} قال: والله عثمان وأصحاب عثمان -قالها ثلاثا-قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله لسمعت هذا من علي؟ قال: آلله لسمعت هذا من علي، رضي الله عنه. {والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } . لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارين بهما وما لهم عنده من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: {والذي قال لوالديه أف لكما} -وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه. وروى العوفي، عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق. وفي صحة هذا نظر، والله أعلم. وقال ابن جريج، عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر. وهذا أيضا قاله ابن جريج. وقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر. وقاله السدي. وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: {أف لكما} عقهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد الله بن المديني قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان، فقال: إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحدا من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: أف لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك؟ قال: وسمعتهما عائشة فقالت: يا مروان، أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبت، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها،فجعل يكلمها حتى انصرف . وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة، رضي الله عنها، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه: {والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي} فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري .
طريق أخرى: قال النسائي: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: {والذي قال لوالديه أف لكما} الآية، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان! والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله . وقوله: {أتعدانني أن أخرج} أي: [أن] أبعث {وقد خلت القرون من قبلي} أن قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر، {وهما يستغيثان الله} أي: يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما: {ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين} قال الله [تعالى] {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} أي: دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وقوله: {أولئك} بعد قوله: {والذي قال} دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك. وقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه، المكذب بالبعث. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة سهل بن داود، من طريق هشام بن عمار: حدثنا حماد بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن الزبرقان الحلبي، عن سليمان بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة لعنهم الله من فوق عرشه، وأمنت عليهم الملائكة: مضل المساكين -قال خالد: الذي يهوي بيده إلى المسكين فيقول: هلم أعطيك، فإذا جاءه قال: ليس معي شيء-والذي يقول للمكفوف: اتق الدابة، وليس بين يديه شيء. والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها، والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا" . غريب جدا. وقوله: {ولكل درجات مما عملوا} أي: لكل عذاب بحسب عمله، {وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون} أي: لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات النار تذهب سفالا ودرجات الجنة تذهب علوا. وقوله: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} أي: يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا. وقد تورع [أمير المؤمنين] عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن كثير من طيبات المآكل والمشارب، وتنزه عنها، ويقول: [إني] أخاف أن أكون كالذين قال الله تعالى لهم وقرعهم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} وقال أبو مجلز: ليتفقدن أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا، فيقال لهم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} وقوله: {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} فجوزوا من جنس عملهم، فكما نعموا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة والمنازل في الدركات المفظعة، أجارنا الله من ذلك كله. {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين } . يقول تعالى مسليا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه: {واذكر أخا عاد} وهو هود، عليه السلام، بعثه الله إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف -جمع حقف وهو: الجبل من الرمل-قاله ابن زيد. وقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار. وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: الأحقاف: واد بحضرموت، يدعى برهوت، تلقى فيه أرواح الكفار. وقال قتادة: ذكر لنا أن عادا كانوا حيا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر.
Preguntas
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué es el zakat y quién está obligado a pagarlo?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?