İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
{يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: هل امتلأت؟ وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو سبحانه يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى وهي تقول: {هل من مزيد} أي: هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث: قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى في النار، وتقول: هل من مزيد، حتى يضع قدمه فيها، فتقول قط قط" . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم في فضول الجنة" . ثم رواه مسلم من حديث قتادة، بنحوه . ورواه أبان العطار وسليمان التيمي، عن قتادة، بنحوه . حديث آخر: قال البخاري: حدثنا محمد بن موسى القطان، حدثنا أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى بن مهدي، حدثنا عوف، عن محمد عن أبي هريرة -رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان-: "يقال لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد، فيضع الرب، عز وجل، قدمه عليها ، فتقول: قط قط" . رواه أيوب وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين، به . طريق أخرى: قال البخاري: وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله، عز وجل، للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا آخر" . حديث آخر: قال مسلم في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى بينهما، فقال للجنة: إنما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها" انفرد به مسلم دون البخاري من هذا الوجه. والله، سبحانه وتعالى، أعلم. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى، عن أبي سعيد بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا حسن وروح قالا حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف. وقالت الجنة: أي رب، يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين. فيقول الله، عز وجل، للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء. وقال للجنة: أنت رحمتي، وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فيلقى في النار أهلها فتقول: هل من مزيد؟ قال: ويلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ ويلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يأتيها عز وجل، فيضع قدمه عليها، فتزوى وتقول: قدني، قدني. وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء الله أن يبقى، فينشئ الله لها خلقا ما يشاء" .
حديث آخر: وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يعرفني الله، عز وجل، نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى بها عني، ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط -مضروب بين ظهراني جهنم-فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو، وهي الأعمال. وجهنم تسأل المزيد، حتى يضع فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط! وأنا على الحوض". قيل: وما الحوض يا رسول الله؟ قال: "والذي نفسي بيده، إن شرابه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك. وآنيته أكثر من عدد النجوم، لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدا، ولا يصرف فيروى أبدا" . وهذا القول هو اختيار ابن جرير. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الحماني عن نضر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس، {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} قال: ما امتلأت، قال: تقول: وهل في من مكان يزاد في. وكذا روى الحكم بن أبان عن عكرمة: {وتقول هل من مزيد} : وهل في مدخل واحد، قد امتلأت. [و] قال الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم أنه سمع مجاهدا يقول: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: قد امتلأت فتقول: هل [في] من مزيد؟ وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا. فعند هؤلاء أن قوله تعالى: {هل امتلأت} ، إنما هو بعد ما يضع عليها قدمه، فتنزوي وتقول حينئذ: هل بقي في [من] مزيد؟ يسع شيئا. قال العوفي، عن ابن عباس: وذلك حين لا يبقى فيها موضع [يسع] إبرة. فالله أعلم. وقوله: {وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد} : قال قتادة، وأبو مالك، والسدي: {أزلفت} أدنيت وقربت من المتقين، {غير بعيد} وذلك يوم القيامة، وليس ببعيد؛ لأنه واقع لا محالة، وكل ما هو آت آت. {هذا ما توعدون لكل أواب} أي: رجاع تائب مقلع، {حفيظ} أي: يحفظ العهد فلا ينقضه و [لا] ينكثه. وقال عبيد بن عمير: الأواب: الحفيظ الذي لا يجلس مجلسا [فيقوم] حتى يستغفر الله، عز وجل. {من خشي الرحمن بالغيب} أي: من خاف الله في سره حيث لا يراه أحد إلا الله. كقوله [عليه السلام] ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه". {وجاء بقلب منيب} أي: ولقي الله يوم القيامة بقلب سليم منيب إليه خاضع لديه. {ادخلوها} أي: الجنة {بسلام} ، قال قتادة: سلموا من عذاب الله، وسلم عليهم ملائكة الله. وقوله: {ذلك يوم الخلود} أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدا، ولا يظعنون أبدا، ولا يبغون عنها حولا. وقوله: {لهم ما يشاءون فيها} أي: مهما اختاروا وجدوا من أي أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة قال: من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم. قال كثير: لئن أشهدني الله ذلك لأقولن: أمطرينا جواري مزينات. وفي الحديث عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "إنك لتشتهي الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويا" . وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن عامر الأحول، عن أبي الصديق ، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة". ورواه الترمذي وابن ماجه، عن بندار، عن معاذ بن هشام، به وقال الترمذي: حسن غريب، وزاد "كما يشتهي".
وقوله: {ولدينا مزيد} كقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] . وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي: أنها النظر إلى وجه الله الكريم. وقد روى البزار وابن أبي حاتم، من حديث شريك القاضي، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك في قوله عز وجل: {ولدينا مزيد} قال: يظهر لهم الرب، عز وجل، في كل جمعة . وقد رواه الإمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعا فقال في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك يقول: أتى جبرائيل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هذه؟ " فقال: هذه الجمعة، فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل، وما يوم المزيد؟ " قال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثب المسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور، عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله عز وجل: أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم. فيقولون: ربنا، نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم علي ما تمنيتم، ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة". [و] هكذا أورده الإمام الشافعي في كتاب "الجمعة" من الأم ، وله طرق عن أنس بن مالك، رضي الله عنه. وقد أورد ابن جرير هذا من رواية عثمان بن عمير، عن أنس بأبسط من هذا وذكر هاهنا أثرا مطولا عن أنس بن مالك موقوفا وفيه غرائب كثيرة . وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل في الجنة ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب. فتسلم عليه، فيرد السلام، فيسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد. وإنه ليكون عليها سبعون حلة، أدناها مثل النعمان، من طوبى، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" . وهكذا رواه عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، به . {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود } يقول تعالى: وكم أهلكنا قبل هؤلاء المنكرين : {من قرن هم أشد منهم بطشا} أي: كانوا أكثر منهم وأشد قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها؛ ولهذا قال هاهنا: {فنقبوا في البلاد} قال ابن عباس: أثروا فيها. وقال مجاهد: {فنقبوا في البلاد} : ضربوا في الأرض. وقال قتادة: فساروا في البلاد، أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم أنتم فيها ويقال لمن طوف في البلاد: نقب فيها. قال امرؤ القيس: لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
وقوله: {هل من محيص} أي: هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما جمعوه ورد عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل؟ فأنتم أيضا لا مفر لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص. وقوله: {إن في ذلك لذكرى} أي: لعبرة {لمن كان له قلب} أي: لب يعي به. وقال مجاهد: عقل {أو ألقى السمع وهو شهيد} أي: استمع الكلام فوعاه، وتعقله بقلبه وتفهمه بلبه. وقال مجاهد: {أو ألقى السمع} يعني: لا يحدث نفسه بغيره، {وهو شهيد} وقال: شاهد بالقلب . وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه: إذا استمع بأذنيه وهو شاهد يقول غير غائب. وهكذا قال الثوري وغير واحد. وقوله: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} : فيه تقرير المعاد؛ لأن من قدر على خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى. وقال قتادة: قالت اليهود -عليهم لعائن الله-: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه: {وما مسنا من لغوب} أي: من إعياء ولا نصب ولا تعب، كما قال في الآية الأخرى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] ، وكما قال: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر:57] وقال {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها} [النازعات: 27] . وقوله: {فاصبر على ما يقولون} يعني: المكذبين، اصبر عليهم واهجرهم هجرا جميلا {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} ، وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته حولا ثم نسخ في حق الأمة وجوبه. ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر، فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر، لا تضامون فيه، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا" ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة، من حديث إسماعيل، به . وقوله: {ومن الليل فسبحه} أي: فصل له، كقوله: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] . {وأدبار السجود} قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة. ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق! قال: "أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين". قال: فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. قال: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" . والقول الثاني: أن المراد بقوله: {وأدبار السجود} هما الركعتان بعد المغرب، روي ذلك عن عمر وعلي، وابنه الحسن وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وبه يقول مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي والحسن، وقتادة وغيرهم. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر. وقال عبد الرحمن: دبر كل صلاة.
ورواه أبو داود والنسائي، من حديث سفيان الثوري، به . زاد النسائي: ومطرف، عن أبي إسحاق، به . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن فضيل، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: بت ليلة عند رسول صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين، اللتين قبل الفجر. ثم خرج إلى الصلاة فقال: "يا ابن عباس، ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود". ورواه الترمذي عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن فضيل، به . وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحديث ابن عباس، وأنه بات في بيت خالته ميمونة وصلى تلك الليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة، ثابت في الصحيحين وغيرهما، فأما هذه الزيادة فغريبة [و] لا تعرف إلا من هذا الوجه، ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس موقوفا عليه، والله أعلم. {واستمع يوم ينادي المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } يقول تعالى: {واستمع} يا محمد {يوم ينادي المناد من مكان قريب} قال قتادة: قال كعب الأحبار: يأمر الله [تعالى] ملكا أن ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. {يوم يسمعون الصيحة بالحق} يعني: النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون. {ذلك يوم الخروج} أي: من الأجداث. {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير} أي: هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقوله: {يوم تشقق الأرض عنهم سراعا} : وذلك أن الله تعالى ينزل مطرا من السماء تنبت به أجساد الخلائق في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله إسرافيل فينفخ في الصور، وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور، فإذا نفخ إسرافيل فيه خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله، عز وجل: وعزتي وجلالي، لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ وتنشق الأرض عنهم، فيقومون إلى موقف الحساب سراعا، مبادرين إلى أمر الله، عز وجل، {مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر} [القمر: 8] ، وقال الله تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] ، وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" . وقوله: {ذلك حشر علينا يسير} أي: تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا، كما قال تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] ، وقال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير} [لقمان: 28] . وقوله: {نحن أعلم بما يقولون} أي: نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهيدنك ذلك، كقوله [تعالى] : {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 97 -99] . وقوله: {وما أنت عليهم بجبار} أي: ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك ما كلفت به. وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك: {وما أنت عليهم بجبار} أي: لا تتجبر عليهم. والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال: ولا تكن جبارا عليهم، وإنما قال: {وما أنت عليهم بجبار} بمعنى: وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ. قال الفراء: سمعت العرب تقول: جبر فلان فلانا على كذا ، بمعنى أجبره .
ثم قال تعالى: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} أي: بلغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله [تعالى] : {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] ، وقوله: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 21، 22] ، {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] ، {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: 56] ، ولهذا قال هاهنا: {وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} كان قتادة يقول: اللهم، اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يا بار، يا رحيم. آخر تفسير سورة (ق) ، والحمد لله وحده، وحسبنا الله ونعم الوكيل تفسير سورة الذاريات وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } {والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون } قال شعبة بن الحجاج، عن سماك، عن خالد بن عرعرة أنه سمع عليا وشعبة أيضا، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، سمع عليا. وثبت أيضا من غير وجه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة عن رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك. فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى: {والذاريات ذروا} ؟ قال: الريح [قال] : {فالحاملات وقرا} ؟ قال: السحاب. [قال] : {فالجاريات يسرا} ؟ قال: السفن. [قال] : {فالمقسمات أمرا} ؟ قال: الملائكة . وقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن {الذاريات ذروا} ؟ فقال: هي الرياح، ولولا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن {المقسمات أمرا} قال: هي الملائكة، ولولا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن {الجاريات يسرا} قال: هي السفن، ولولا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مائة، وجعل في بيت، فلما برأ [دعا به و] ضربه مائة أخرى، وحمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: امنع الناس من مجالسته. فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا. فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا صدق، فخل بينه وبين مجالسة الناس. قال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث . قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر ، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا، والله أعلم. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة . وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك. وقد قيل: إن المراد بالذاريات: الريح كما تقدم وبالحاملات وقرا: السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل: وأسلمت نفسي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا
فأما الجاريات يسرا، فالمشهور عن الجمهور -كما تقدم-: أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جريا سهلا. وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرا في أفلاكها، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمرا الملائكة فوق ذلك، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية. وهذا قسم من الله عز جل على وقوع المعاد؛ ولهذا قال: {إنما توعدون لصادق} أي: لخبر صدق، {وإن الدين} ، وهو: الحساب {لواقع} أي: لكائن لا محالة. ثم قال: {والسماء ذات الحبك} قال ابن عباس: ذات البهاء والجمال والحسن والاستواء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو مالك ، وأبو صالح، والسدي، وقتادة، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، وغيرهم. وقال الضحاك، والمنهال بن عمرو، وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع إذا ضربته الريح، فينسج بعضه بعضا طرائق [طرائق] ، فذلك الحبك. قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حبك حبك" يعني بالحبك: الجعودة . وعن أبي صالح: {ذات الحبك} : الشدة. وقال خصيف: {ذات الحبك} : ذات الصفافة. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: {ذات الحبك} : حبكت بالنجوم. وقال قتادة: عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن عمرو: {والسماء ذات الحبك} : يعني: السماء السابعة. وكأنه -والله أعلم-أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات. وقوله: {إنكم لفي قول مختلف} أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع. وقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف، [يعني] ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به. {يؤفك عنه من أفك} أي: إنما يروج على من هو ضال في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال غمر، لا فهم له، كما قال تعالى: {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم} [الصافات: 161 -163] . قال ابن عباس، والسدي: {يؤفك عنه من أفك} : يضل عنه من ضل. وقال مجاهد: {يؤفك عنه من أفك} يؤفن عنه من أفن. وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به. وقوله: {قتل الخراصون} قال مجاهد: الكذابون. قال: وهي مثل التي في عبس: {قتل الإنسان ما أكفره} [عبس: 17] ، والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {قتل الخراصون} أي: لعن المرتابون. وهكذا كان معاذ، رضي الله عنه، يقول في خطبه: هلك المرتابون. وقال قتادة: الخراصون أهل الغرة والظنون. وقوله: {الذين هم في غمرة ساهون} : قال ابن عباس وغير واحد: في الكفر والشك غافلون لاهون. {يسألون أيان يوم الدين} : وإنما يقولون هذا تكذيبا وعنادا وشكا واستبعادا. قال الله تعالى: {يوم هم على النار يفتنون} . قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد: {يفتنون} : يعذبون [قال مجاهد] : كما يفتن الذهب على النار. وقال جماعة آخرون كمجاهد أيضا، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، وسفيان الثوري: {يفتنون} : يحرقون. {ذوقوا فتنتكم} : قال مجاهد: حريقكم. وقال غيره: عذابكم. {هذا الذي كنتم به تستعجلون} : أي: يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا.
{إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون } يقول تعالى مخبرا عن المتقين لله، عز وجل: إنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال، والحريق والأغلال. وقوله: {آخذين ما آتاهم ربهم} : قال ابن جرير: أي عاملين بما آتاهم الله من الفرائض. {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي: قبل أن يفرض عليهم الفرائض. كانوا محسنين في الأعمال أيضا. ثم روى عن ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي عمر، عن مسلم البطين، عن ابن عباس في قوله: {آخذين ما آتاهم ربهم} قال: من الفرائض، {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} : قبل الفرائض يعملون. وهذا الإسناد ضعيف، ولا يصح عن ابن عباس. وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي عمر البزار، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله: {آخذين} حال من قوله: {في جنات وعيون} : فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذون ما آتاهم ربهم ، أي: من النعيم والسرور والغبطة. وقوله : {إنهم كانوا قبل ذلك} أي: في الدار الدنيا {محسنين} ، كقوله: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} [الحاقة: 24] ثم إنه تعالى بين إحسانهم في العمل فقال: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} ، اختلف المفسرون في ذلك على قولين: أحدهما: أن "ما" نافية، تقديره: كانوا قليلا من الليل لا يهجعونه. قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا. وقال قتادة، عن مطرف بن عبد الله: قل ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله، عز وجل، إما من أولها وإما من أوسطها. وقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون. وكذا قال قتادة. وقال أنس بن مالك، وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وقال أبو جعفر الباقر، كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة. والقول الثاني: أن "ما" مصدرية، تقديره: كانوا قليلا من الليل هجوعهم ونومهم. واختاره ابن جرير. وقال الحسن البصري: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} : كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر. وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} : كانوا لا ينامون إلا قليلا ثم يقول: لست من أهل هذه الآية. وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول: عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وعرضت عملي على عمل أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم يكذبون بكتاب الله وبرسل الله، يكذبون بالبعث بعد الموت، فوجدت من خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله قوما فقال: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} ، ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم. فقال له أبي: طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ. وقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل. فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: "يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" .
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها". فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما، والناس نيام" . وقال معمر في قوله: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} : كان الزهري والحسن يقولان: كانوا كثيرا من الليل ما يصلون. وقال ابن عباس، وإبراهيم النخعي: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} : ما ينامون. وقال الضحاك: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا} ثم ابتدأ فقال: {من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} . وقوله عز وجل: {وبالأسحار هم يستغفرون} . قال مجاهد، وغير واحد: يصلون. وقال آخرون: قاموا الليل، وأخروا الاستغفار إلى الأسحار. كما قال تعالى: {والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران: 17] ، فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر" . وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارا عن يعقوب: أنه قال لبنيه: {سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف 98] قالوا: أخرهم إلى وقت السحر. وقوله: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} : لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال: {وفي أموالهم حق} أي: جزء مقسوم قد أفرزوه {للسائل والمحروم} ، أما السائل فمعروف، وهو الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للسائل حق وإن جاء على فرس". ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري، به ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب . وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعا . وأما {المحروم} ، فقال ابن عباس، ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم. يعني: لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حرفة يتقوت منها. وقالت أم المؤمنين عائشة: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه. وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله له ذلك. وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة: هذا المحروم. وقال ابن عباس أيضا، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، ونافع -مولى ابن عمر-وعطاء بن أبي رباح {المحروم} : المحارف. وقال قتادة، والزهري: {المحروم} : الذي لا يسأل الناس شيئا، قال الزهري وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه". وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر . وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم، فيرضخ له. وقال محمد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز في طريق مكة فجاء كلب فانتزع عمر كتف شاة فرمى بها إليه، وقال: يقولون: إنه المحروم. وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم. واختار ابن جرير أن المحروم: [هو] الذي لا مال له بأي سبب كان، قد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها. وقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا، فجاء قوم لم يشهدوا الغنيمة فنزلت هذه الآية: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} .
وهذا يقتضي أن هذه مدنية، وليس كذلك، بل هي مكية شاملة لما بعدها. وقوله: {وفي الأرض آيات للموقنين} أي: فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال، والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات، والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه؛ ولهذا قال: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} : قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة. ثم قال: {وفي السماء رزقكم} يعني: المطر، {وما توعدون} يعني: الجنة. قاله ابن عباس، ومجاهد وغير واحد. وقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} فقال: ألا إني أرى رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة فمكث [فيها] ثلاثا لا يصيب شيئا، فلما أن كان في اليوم الثالث إذا هو بدوخلة من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الموت بينهما . وقوله: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء، كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون. وكان معاذ، رضي الله عنه، إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك هاهنا. قال مسدد، عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا". ورواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، فذكره مرسلا . {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم } هذه القصة قد تقدمت في سورة "هود" و "الحجر" أيضا. وقوله: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} أي: الذين أرصد لهم الكرامة. وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل. وقوله: {قالوا سلاما قال سلام} : الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرده أفضل من التسليم؛ ولهذا قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] ، فالخليل اختار الأفضل. وقوله: {قوم منكرون} : وذلك أن الملائكة وهم: جبريل وإسرافيل وميكائيل قدموا عليه في صور شبان حسان عليهم مهابة عظيمة؛ ولهذا قال: {قوم منكرون} . وقوله: {فراغ إلى أهله} أي: انسل خفية في سرعة، {فجاء بعجل سمين} أي: من خيار ماله. وفي الآية الأخرى: {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} [هود: 69] أي: مشوي على الرضف، {فقربه إليهم} أي: أدناه منهم، {قال ألا تأكلون} : تلطف في العبارة وعرض حسن. وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة؛ فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال: "نأتيكم بطعام؟ " بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم، لم يضعه، وقال: اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: {ألا تأكلون} على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل .
وقوله: {فأوجس منهم خيفة} : هذا محال على ما تقدم في القصة في السورة الأخرى، وهو قوله: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت} [هود: 70، 71] أي: استبشرت بهلاكهم؛ لتمردهم وعتوهم على الله، فعند ذلك بشرتها الملائكة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} [هود 72، 73] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وبشروه بغلام عليم} ، فالبشارة له هي بشارة لها؛ لأن الولد منهما، فكل منهما بشر به. وقوله: {فأقبلت امرأته في صرة} أي: في صرخة عظيمة ورنة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم والثوري والسدي وهي قولها: {يا ويلتا} {فصكت وجهها} أي: ضربت بيدها على جبينها، قاله مجاهد وابن سابط. وقال ابن عباس: لطمت، أي تعجبا كما تتعجب النساء من الأمر الغريب، {وقالت عجوز عقيم} أي: كيف ألد وأنا عجوز [عقيم] ، وقد كنت في حال الصبا عقيما لا أحبل؟. {قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم} أي: عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله. {قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم } قال الله مخبرا عن إبراهيم، عليه السلام: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} [هود: 74 -76] . وقال هاهنا: {قال فما خطبكم أيها المرسلون} أي: ما شأنكم وفيم جئتم؟. {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} يعنون قوم لوط. {لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة} أي: معلمة {عند ربك للمسرفين} أي: مكتتبة عنده بأسمائهم، كل حجر عليه اسم صاحبه، فقال في سورة العنكبوت: {قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} [العنكبوت: 32] .وقال هاهنا: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} ، وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته. {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} احتج بهذه [الآية] من ذهب إلى رأي المعتزلة، ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام؛ لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين. وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم لا ينعكس، فاتفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال. وقوله: {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} أي: جعلناها عبرة، لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين، {للذين يخافون العذاب الأليم} {وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين } يقول تعالى: {وفي موسى} [آية] {إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين} أي: بدليل باهر وحجة قاطعة، {فتولى بركنه} أي: فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين، استكبارا وعنادا. وقال مجاهد: تعزز بأصحابه. وقال قتادة: غلب عدو الله على قومه. وقال ابن زيد: {فتولى بركنه} أي: بجموعه التي معه، ثم قرأ: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} [هود: 80] .
والمعنى الأول قوي كقوله: {ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله} [الحج: 9] أي: معرض عن الحق مستكبر، {وقال ساحر أو مجنون} أي: لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرا، أو مجنونا. قال الله تعالى: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم} أي: ألقيناهم في اليم، وهو البحر، {وهو مليم} أي: وهو ملوم كافر جاحد فاجر معاند. ثم قال: {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} أي: المفسدة التي لا تنتج شيئا. قاله الضحاك، وقتادة، وغيرهما. ولهذا قال: {ما تذر من شيء أتت عليه} أي: مما تفسده الريح {إلا جعلته كالرميم} أي: كالشيء الهالك البالي. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، حدثني عبد الله -يعني: ابن عياش -القتباني، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الريح مسخرة من الثانية -يعني من الأرض الثانية-فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا، قال: أي رب، أرسل عليهم [من] الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار: لا إذا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل [عليهم] بقدر خاتم. فهي التي يقول الله في كتابه: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} هذا الحديث رفعه منكر ، والأقرب أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو، من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم. قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله: {إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} قالوا: هي الجنوب. وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" . {وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين} قال ابن جرير: يعني إلى وقت فناء آجالكم. والظاهر أن هذه كقوله: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} [فصلت: 17] . وهكذا قال هاهنا: {وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون} ، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار {فما استطاعوا من قيام} أي: من هرب ولا نهوض، {وما كانوا منتصرين} أي: ولا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه. وقوله: {وقوم نوح من قبل} أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء {إنهم كانوا قوما فاسقين} وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة، من سور متعددة. {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين } يقول تعالى منبها على خلق العالم العلوي والسفلي: {والسماء بنيناها} أي: جعلناها سقفا [محفوظا] رفيعا {بأيد} أي: بقوة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والثوري، وغير واحد، {وإنا لموسعون} ، أي: قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد، حتى استقلت كما هي. {والأرض فرشناها} أي: جعلناها فراشا للمخلوقات، {فنعم الماهدون} أي: وجعلناها مهدا لأهلها. {ومن كل شيء خلقنا زوجين} أي: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات [جن وإنس، ذكور وإناث] والنباتات، ولهذا قال: {لعلكم تذكرون} أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له. {ففروا إلى الله} أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أموركم عليه، {إني لكم منه نذير مبين} . {ولا تجعلوا مع الله إلها آخر} أي: [و] لا تشركوا به شيئا، {إني لكم منه نذير مبين} .
{كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون } يقول تعالى مسليا نبيه صلى الله عليه وسلم: وكما قال لك هؤلاء المشركون، قال المكذبون الأولون لرسلهم: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} !. قال الله تعالى: {أتواصوا به} أي: أوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة؟ " {بل هم قوم طاغون} أي: لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: {فتول عنهم} أي: فأعرض عنهم يا محمد، {فما أنت بملوم} يعني: فما نلومك على ذلك. {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} أي: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة. ثم قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إلا ليعبدون} أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن جريج: إلا ليعرفون. وقال الربيع بن أنس: {إلا ليعبدون} أي: إلا للعبادة. وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع، {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك. وقال الضحاك: المراد بذلك المؤمنون. وقوله: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين". ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حسن صحيح . ومعنى الآية: أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عمران -يعني ابن زائدة بن نشيط-عن أبيه، عن أبي خالد -هو الوالبي-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: "يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك". ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زائدة، وقال الترمذي: حسن غريب . وقد روى الإمام أحمد عن وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن سلام أبي شرحبيل، سمعت حبة وسواء ابني خالد يقولان: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعمل عملا أو يبني بناء -وقال أبو معاوية: يصلح شيئا-فأعناه عليه، فلما فرغ دعا لنا وقال: "لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يعطيه الله ويرزقه" . و [قد ورد] في بعض الكتب الإلهية: "يقول الله تعالى: ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني؛ فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء". وقوله: {فإن للذين ظلموا ذنوبا} أي: نصيبا من العذاب، {مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون} أي: فلا يستعجلون ذلك، فإنه واقع [بهم] لا محالة. {فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون} يعني: يوم القيامة. آخر تفسير سورة الذاريات تفسير سورة الطور وهي مكية قال مالك، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا -أو قراءة- منه. أخرجاه من طريق مالك وقال البخاري:
حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة"، فطفت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور . بسم الله الرحمن الرحيم {والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون } {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون } يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة: أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم. فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا، إنما يقال له: جبل. {وكتاب مسطور} قيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا؛ ولهذا قال: {في رق منشور والبيت المعمور} . ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء -بعد مجاوزته إلى السماء السابعة-: "ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم" يعني: يتعبدون فيه ويطوفون، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم كذلك ذاك البيت، هو كعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وجد إبراهيم الخليل، عليه السلام، مسندا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة. والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في السماء السابعة بيت يقال له: "المعمور"؛ بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: "الحيوان" يدخله جبريل كل يوم، فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدا، ويولي عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة". هذا حديث غريب جدا، تفرد به روح بن جناح هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر هذا الحديث عليه جماعة من الحفاظ منهم: الجوزجاني، والعقيلي، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وغيرهم. قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد، ولا الزهري وقال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة؛ أن رجلا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: "الضراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، لا يعودون فيه أبدا وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، عن سماك وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك، ثم رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن طلق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور، قال: مسجد في السماء يقال له: "الضراح"، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا. ورواه من حديث أبي الطفيل، عن علي بمثله.
وقال العوفي عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش، تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد من السلف. وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: "هل تدرون ما البيت المعمور؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خر لخر عليها، يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم". وزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم: الحن ، من قبيلة إبليس ، فالله أعلم. وقوله: {والسقف المرفوع} : قال سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي: {والسقف المرفوع} يعني: السماء، قال سفيان: ثم تلا {وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون} [الأنبياء: 32] . وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن جريج، وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه، وهو يراد مع غيره كما قاله الجمهور. وقوله: {والبحر المسجور} : قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش، الذي ينزل [الله] منه المطر الذي يحيي به الأجساد في قبورها يوم معادها. وقال الجمهور: هو هذا البحر. واختلف في معنى قوله: {المسجور} ، فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله: {وإذا البحار سجرت} [التكوير: 6] أي: أضرمت فتصير نارا تتأجج، محيطة بأهل الموقف. رواه سعيد بن المسيب’ عن علي بن أبي طالب، وروي عن ابن عباس. وبه يقول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهم. وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم. وعن سعيد بن جبير: {والبحر المسجور} يعني: المرسل. وقال قتادة: { [والبحر] المسجور} المملوء. واختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء. وقيل: المراد به الفارغ، قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرمة، عن ابن عباس في قوله: {والبحر المسجور} قال: الفارغ؛ خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت: "إن الحوض مسجور"، تعني: فارغا. رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء. وقيل: المراد بالمسجور: الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا يغمرها فيغرق أهلها. قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، رحمه الله، في مسنده، فإنه قال: حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل" . وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد -وهو ابن هارون-عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت، فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي رءوس الجبال، فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل". فيه رجل مبهم لم يسم . وقوله: {إن عذاب ربك لواقع} : هذا هو المقسم عليه، أي: الواقع بالكافرين، كما قال في الآية الأخرى: {ما له من دافع} أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك.
قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يعس المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: {والطور} حتى بلغ {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} قال: قسم -ورب الكعبة- حق. فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، رضي الله عنه . وقال الإمام أبو عبيد في "فضائل القرآن": حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن: أن عمر قرأ: {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} ، فربا لها ربوة عيد منها عشرين يوما . وقوله: {يوم تمور السماء مورا} : قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكا. وعن ابن عباس: هو تشققها، وقال مجاهد: تدور دورا. وقال الضحاك: استدارتها وتحريكها لأمر الله، وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى: كأن مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل {وتسير الجبال سيرا} أي: تذهب فتصير هباء منبثا، وتنسف نسفا. {فويل يومئذ للمكذبين} أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم، وعقابه لهم. {الذين هم في خوض يلعبون} أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل، ويتخذون دينهم هزوا ولعبا. {يوم يدعون} أي: يدفعون ويساقون، {إلى نار جهنم دعا} : وقال مجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب، والضحاك، والسدي، والثوري: يدفعون فيها دفعا. {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعا وتوبيخا. {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها} أي: ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} أي: سواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها ، {إنما تجزون ما كنتم تعملون} أي: ولا يظلم الله أحدا، بل يجازي كلا بعمله. {إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين } يخبر تعالى عن حال السعداء فقال: {إن المتقين في جنات ونعيم} ، وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال. {فاكهين بما آتاهم ربهم} أي: يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم، من أصناف الملاذ، من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك، {ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} أي: وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقوله: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} ، كقوله: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} [الحاقة: 24] . أي هذا بذاك، تفضلا منه وإحسانا. وقوله: {متكئين على سرر مصفوفة} قال الثوري، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: السرر في الحجال. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو؛ أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه". وحدثنا أبي، حدثنا هدبة بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة، عنده من أزواجه وخدمه وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن: قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا. ومعنى {مصفوفة} أي: وجوه بعضهم إلى بعض، كقوله: {على سرر متقابلين} [الصافات: 44] . {وزوجناهم بحور عين} أي: وجعلناهم قرينات صالحات، وزوجات حسانا من الحور العين. وقال مجاهد: {وزوجناهم} : أنكحناهم بحور عين، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته.
{والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم } يخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل، بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك؛ ولهذا قال: {ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} قال الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه ثم قرأ: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري، به. وكذا رواه ابن جرير من حديث شعبة عن عمرو بن مرة به . ورواه البزار، عن سهل بن بحر ، عن الحسن بن حماد الوراق، عن قيس بن الربيع، عن عمرو بن مرة، عن سعيد، عن ابن عباس مرفوعا، فذكره، ثم قال: وقد رواه الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد عن ابن عباس موقوفا . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي، أخبرني محمد بن شعيب أخبرني شيبان، أخبرني ليث، عن حبيب بن أبي ثابت الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله، عز وجل: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} قال: هم ذرية المؤمن، يموتون على الإيمان: فإن كانت منازل آبائهم، أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوا شيئا. وقال الحافظ الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -أظنه عن النبي صلى الله عليه وسلم-قال: "إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك. فيقول: يا رب، قد عملت لي ولهم. فيؤمر بإلحاقهم به، وقرأ ابن عباس {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان} الآية . وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول: والذين أدرك ذريتهم الإيمان فعملوا بطاعتي، ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم. وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذاك مفسر أصرح من هذا. وهكذا يقول الشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وأبو صالح، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد. وهو اختيار ابن جرير. وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا حمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي قال: سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم، عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هما في النار". فلما رأى الكراهة في وجهها قال: "لو رأيت مكانهما لأبغضتهما". قالت: يا رسول الله، فولدي منك. قال: " في الجنة". قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الآية] . هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب، أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك" .
إسناده صحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه، ولكن له شاهد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" وقوله: {كل امرئ بما كسب رهين} لما أخبر عن مقام الفضل، وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد، بل {كل امرئ بما كسب رهين} أي: مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس، سواء كان أبا أو ابنا، كما قال: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين} [المدثر: 38 -41] . وقوله: {وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون} أي: وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى، مما يستطاب ويشتهى. وقوله {يتنازعون فيها كأسا} أي: يتعاطون فيها كأسا، أي: من الخمر. قاله الضحاك. {لا لغو فيها ولا تأثيم} أي: لا يتكلمون عنها بكلام لاغ أي: هذيان ولا إثم أي: فحش، كما تتكلم به الشربة من أهل الدنيا. وقال ابن عباس: اللغو: الباطل. والتأثيم: الكذب. وقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون. وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان. فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، فنفى عنها -كما تقدم-صداع الرأس، ووجع البطن، وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة المتضمن هذيانا وفحشا، وأخبر بحسن منظرها، وطيب طعمها ومخبرها فقال: {بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} [الصافات: 46، 47] ، وقال {لا يصدعون عنها ولا ينزفون} [الواقعة: 19] ، وقال هاهنا: {يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم} وقوله: {ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون} : إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة كأنهم اللؤلؤ الرطب، المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم، كما قال {يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين} [الواقعة: 17، 18] . وقوله: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} أي: أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحادث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم. {قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} أي: قد كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه، {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} أي: فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف. {إنا كنا من قبل ندعوه} أي: نتضرع إليه فاستجاب [الله] لنا وأعطانا سؤلنا، {إنه هو البر الرحيم} وقد ورد في هذا المقام حديث، رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده فقال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن دينار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدثان، فيتكئ هذا ويتكئ هذا، فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان، تدري أي يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله -عز وجل- فغفر لنا". ثم قال البزار: لا نعرفه يروى إلا بهذا الإسناد . قلت: وسعيد بن دينار الدمشقي قال أبو حاتم: هو مجهول، وشيخه الربيع بن صبيح قد تكلم فيه غير واحد من جهة حفظه، وهو رجل صالح ثقة في نفسه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة؛ أنها قرأت هذه الآية: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} فقالت: اللهم من علينا وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم. قيل للأعمش: في الصلاة؟ قال: نعم .
{فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } {أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } يقول تعالى آمرا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، بأن يبلغ رسالته إلى عباده، وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه. ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والفجور فقال: {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} أي: لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار قريش. والكاهن: الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء، {ولا مجنون} : وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس. ثم قال تعالى منكرا عليهم في قولهم في الرسول، صلوات الله وسلامه عليه: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} أي: قوارع الدهر. والمنون: الموت: يقولون: ننظره ونصبر عليه حتى يأتيه الموت فنستريح منه ومن شأنه، قال الله تعالى: {قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} أي: انتظروا فإني منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. قال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن قريشا لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك، كما هلك من هلك قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم. فأنزل الله في ذلك من قولهم: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} . ثم قال تعالى: {أم تأمرهم أحلامهم بهذا} أي: عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقوال الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور؟ {أم هم قوم طاغون} أي: ولكن هم قوم ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك. وقوله: {أم يقولون تقوله} أي: اختلقه وافتراه من عند نفسه، يعنون القرآن: قال الله: {بل لا يؤمنون} أي: كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة. {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} أي: إن كانوا صادقين في قولهم: "تقوله وافتراه" فليأتوا بمثل ما جاء به محمد [صلى الله عليه وسلم] من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس، ما جاءوا بمثله، ولا بعشر سور [من] مثله، ولا بسورة من مثله. {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين أم له البنات ولكم البنون أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون } هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} أي: أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا. قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال: حدثوني عن الزهري، عن محمد بن جبير ابن مطعم، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون. أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون} كاد قلبي أن يطير . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق، عن الزهري، به . وجبير بن مطعم كان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركا، وكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك.
ثم قال تعالى: {أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون} أي: أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده، لا شريك له. ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك، {أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون} أي: أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن، {أم هم المسيطرون} أي: المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك، بل الله، عز وجل، هو المالك المتصرف الفعال لما يريد. وقوله: {أم لهم سلم يستمعون فيه} أي: مرقاة إلى الملأ الأعلى، {فليأت مستمعهم بسلطان مبين} أي: فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة. على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، أي: وليس لهم سبيل إلى ذلك، فليسوا على شيء، ولا لهم دليل. ثم قال منكرا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات، وجعلهم الملائكة إناثا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، بحيث إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله، وعبدوهم مع الله، فقال: {أم له البنات ولكم البنون} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، {أم تسألهم أجرا} أي: أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله؟ أي: لست تسألهم على ذلك شيئا، {فهم من مغرم مثقلون} أي: فهم من أدنى شيء يتبرمون منه، ويثقلهم ويشق عليهم، {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} أي: ليس الأمر كذلك، فإنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله، {أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون} يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بقولهم هذا في الرسول وفي الدين غرور الناس وكيد الرسول وأصحابه، فكيدهم إنما يرجع وباله على أنفسهم، فالذين كفروا هم المكيدون، {أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون} . وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله. ثم نزه نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون، فقال: {سبحان الله عما يشركون} {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم } يقول تعالى مخبرا عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس: {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا} أي: عليهم يعذبون به، لما صدقوا ولما أيقنوا، بل يقولون: هذا {سحاب مركوم} أي: متراكم. وهذه كقوله تعالى: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 14، 15] . قال الله تعالى: {فذرهم} أي: دعهم -يا محمد- {حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} ، وذلك يوم القيامة، {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا} أي: لا ينفعهم كيدهم ومكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجدي عنهم يوم القيامة شيئا، {ولا هم ينصرون} ثم قال: {وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك} أي: قبل ذلك في الدار الدنيا، كقوله: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} [السجدة: 21] ، ولهذا قال: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: نعذبهم في الدنيا، ونبتليهم فيها بالمصائب، لعلهم يرجعون وينيبون ، فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلي عنهم مما كانوا فيه، عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه، كما جاء في بعض الأحاديث: "إن المنافق إذا مرض وعوفي مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أرسلوه" . وفي الأثر الإلهي: كم أعصيك ولا تعاقبني؟ قال الله: يا عبدي، كم أعافيك وأنت لا تدري؟ وقوله: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} أي: اصبر على أذاهم ولا تبالهم، فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس. وقوله: {وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال الضحاك: أي إلى الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وقد روي مثله عن الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما.
Preguntas
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué es el zakat y quién está obligado a pagarlo?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?