Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Sección V02/P282–V02/P283

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. ورواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الكبائر: كل ما وعد الله عليه النار كبيرة. وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن ابن عباس كان يقول: كل ما نهى الله عنه كبيرة. وقد ذكرت الطرفة [فيه] قال: هي النظرة. وقال أيضا: حدثنا أحمد بن حازم، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن معدان، عن أبي الوليد قال: سألت ابن عباس عن الكبائر فقال هي كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة. أقوال التابعين قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد قال: سألت عبيدة عن الكبائر، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان. قال: ويقولون: أعرابية بعد هجرة. قال ابن عون: فقلت لمحمد: فالسحر؟ قال: إن البهتان يجمع شرا كبيرا . وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير قال: الكبائر سبع، ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله: الإشراك بالله منهن: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح} [الحج:31] و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء: 10] {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] و {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] والفرار من الزحف: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا [فلا تولوهم الأدبار] } [الأنفال: 15] ، والتعرب بعد الهجرة: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} [محمد: 25] ، وقتل المؤمن: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} الآية [النساء: 93] . وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي إسحاق، عن عبيد، بنحوه. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء -يعني ابن أبي رباح-قال: الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل الربا وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن مغيرة قال: كان يقال شتم أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، من الكبائر. قلت: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة، وهو رواية عن مالك بن أنس، رحمه الله: وقال محمد بن سيرين: ما أظن أحدا ينتقص أبا بكر، وعمر، وهو يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه الترمذي. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، قال زيد بن أسلم في قول الله عز وجل: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} من الكبائر: الشرك، والكفر بآيات الله ورسوله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعا لله ولدا أو صاحبة، ومثل ذلك من الأعمال، والقول الذي لا يصلح معه عمل، وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل فإن الله يغفر السيئات بالحسنات. وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} الآية: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر. وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا".

Sección V02/P283–V02/P285

وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس، وعن جابر مرفوعا: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف، إلا ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفردا به من هذا الوجه، عن عباس العنبري، عن عبد الرزاق ثم قال: هذا حديث حسن صحيح وفي الصحيح شاهد لمعناه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الشفاعة: "أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المتلوثين". وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة فمن قائل: هي ما عليه حد في الشرع. ومنهم من قال: هي ما عليه وعيد لخصوصه من الكتاب والسنة. وقيل غير ذلك. قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي، في كتابه الشرح الكبير الشهير، في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة، رضي الله [تعالى] عنهم، فمن بعدهم في الكبائر، وفي الفرق بينها وبين الصغائر، ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه: أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد. والثاني: أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة. وهذا أكثر ما يوجد لهم، وهو وإلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر. والثالث: قال إمام الحرمين في "الإرشاد" وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة. والرابع: ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة: كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حدا من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب في الشهادة، والرواية، واليمين. هذا ما ذكره على سبيل الضبط. ثم قال: وفصل القاضي الروياني فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق، والزنا، واللواط، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبا، والقذف. وزاد في "الشامل" على السبع المذكورة: شهادة الزور. وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها، بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم عمدا، وسب أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله ويقال: الوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن. ومما يعد من الكبائر: الظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة. ثم قال الرافعي: وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال. قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات، منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي الذي بلغ نحوا من سبعين كبيرة، وإذا قيل: إن الكبيرة [هى] ما توعد الشارع عليها بالنار بخصوصها، كما قال ابن عباس، وغيره، وتتبع ذلك، اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل: كل ما نهى الله [تعالى] عنه فكثير جدا، والله [تعالى] أعلم. {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما } قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث. فأنزل الله عز وجل: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة أنها قالت: قلت: يا رسول الله ... فذكره، وقال: غريب ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن أم سلمة قالت ...

Sección V02/P285–V02/P286

ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث! فنزلت: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} ثم نزلت: {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} [آل عمران: 195] . ثم قال ابن أبي حاتم: وكذا روى سفيان بن عيينة، يعني عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ. وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح، عن الثوري، وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله ... وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك. وروى ابن جرير من حديث ابن جريج، عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا أنزلت في أم سلمة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن شيخ من أهل مكة قال: نزلت هذه الآية في قول النساء: ليتنا الرجال فنجاهد كما يجاهدون ونغزو في سبيل الله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر -يعني ابن أبي المغيرة-عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في] قوله [ {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، فنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة. فأنزل الله هذه الآية: {ولا تتمنوا} فإنه عدل مني، وأنا صنعته. وقال السدي: قوله: في الآية {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان. وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا فأبى الله ذلك، ولكن قال لهم: سلوني من فضلي قال: ليس بعرض الدنيا. وقد روي عن قتادة نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} قال ولا يتمنى الرجل فيقول: "ليت لو أن لي مال فلان وأهله! " فنهى الله عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله. وكذا قال محمد بن سيرين والحسن والضحاك وعطاء نحو ذلك وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله. فهما في الأجر سواء" فإن هذا شيء غير ما نهت الآية عنه، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا، فقال: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} أي: في الأمور الدنيوية، وكذا الدينية أيضا لحديث أم سلمة، وابن عباس. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح: نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالا فيغزون. رواه ابن جرير. ثم قال: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} أي: كل له جزاء على عمله بحسبه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهو قول ابن جرير. وقيل: المراد بذلك في الميراث، أي: كل يرث بحسبه. رواه الترمذي عن ابن عباس: ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم فقال: {واسألوا الله من فضله} ] أي [ لا تتمنوا ما فضل به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، والتمني لا يجدي شيئا، ولكن سلوني من فضلي أعطكم؛ فإني كريم وهاب.

Sección V02/P286–V02/P288

وقد روى الترمذي، وابن مردويه من حديث حماد بن واقد: سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج". ثم قال الترمذي: كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع، عن إسرائيل. ثم رواه من حديث قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباده إليه الذي يحب الفرج" . ثم قال: {إن الله كان بكل شيء عليما} أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه؛ ولهذا قال: {إن الله كان بكل شيء عليما} {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا } قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والسدي، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم في قوله: {ولكل جعلنا موالي} أي: ورثة. وعن ابن عباس في رواية: أي عصبة. قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس: مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تظهرن لنا ما كان مدفونا قال: ويعني بقوله: {مما ترك الوالدان والأقربون} من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم -أيها الناس-جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. وقوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة -أنتم وهم-فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة. قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ولكل جعلنا موالي} قال: ورثة، {والذين عقدت أيمانكم} كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه؛ للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي} نسخت، ثم قال: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له. ثم قال البخاري: سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس عن طلحة . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {والذين عقدت أيمانكم [فآتوهم نصيبهم] } الآية، قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه؛ بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت هذه الآية: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} نسخت. ثم قال: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج -وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس قال: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: ترثني وأرثك وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام". فنسختها هذه الآية: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال:75] . ثم قال: وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والشعبي، وسليمان بن يسار، وعكرمة، والسدي، والضحاك، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: هم الحلفاء.

Sección V02/P288–V02/P289

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس -ورفعه-قال: "ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدة وشدة" . وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وحدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل عن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم وإني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة" هذا لفظ ابن جرير . وقال ابن جرير أيضا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "شهدت حلف المطيبين، وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وأنا أنكثه". قال الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يصب الإسلام حلفا إلا زاده شدة". قال: "ولا حلف في الإسلام". وقد ألف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار. وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، بتمامه . وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرني مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف، قال: فقال: "ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام". وكذا رواه أحمد عن هشيم . وحدثنا أبو كريب حدثنا وكيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جدعان، عن جدته، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" . وحدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح قام خطيبا في الناس فقال: "يا أيها الناس، ما كان من حلف في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام". ثم رواه من حديث حسين المعلم، وعبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، به . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة". وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد، وهو أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناده، مثله. ورواه أبو داود عن عثمان عن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة، ثلاثتهم عن زكريا -وهو ابن أبي زائدة -بإسناده، مثله. ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر، به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، به . وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، قال: مغيرة أخبرني، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف، فقال: "ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام". وكذا رواه شعبة، عن مغيرة -وهو ابن مقسم-عن أبيه، به.

Sección V02/P289–V02/P291

وقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع، مع ابن ابنها موسى بن سعد -وكانت يتيمة في حجر أبي بكر -فقرأت عليها {والذين عقدت أيمانكم} فقالت: لا ولكن: {والذين عقدت أيمانكم} قالت: إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف أمر الله أن يؤتيه نصيبه. رواه ابن أبي حاتم، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعقود والعهود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك تقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، رحمه الله. والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه؛ ولهذا قال تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} أي: ورثه من أقربائه من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه العصبة، وقوله: {والذين عقدت أيمانكم} أي: قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم، أي من الميراث، فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له. وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الماضي أيضا، فلا توارث به، كما قال ابن أبي حاتم. حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {فآتوهم نصيبهم} قال: من النصرة والنصيحة والرفادة، ويوصى له، وقد ذهب الميراث. ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي أسامة وكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {والذين عقدت أيمانكم} قال: كان الرجل يعاقد الرجل، أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] . يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف. وهذا نص غير واحد من السلف: أنها منسوخة بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} وقال سعيد بن جبير: {فآتوهم نصيبهم} أي: من الميراث. قال: وعاقد أبو بكر مولى فورثه. رواه ابن جرير. وقال الزهري عن سعيد بن المسيب: أنزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم، يورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبا في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة وأبى الله للمدعين ميراثا ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية. رواه ابن جرير. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {فآتوهم نصيبهم} أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث -حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا منسوخة. وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث، كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، حتى نسخ ذلك، فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة ؟! والله أعلم.

Sección V02/P291–V02/P293

{الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا } يقول تعالى: {الرجال قوامون على النساء} أي: الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت {بما فضل الله بعضهم على بعض} أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة؛ ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه وكذا منصب القضاء وغير ذلك. {وبما أنفقوا من أموالهم} أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها، كما قال] الله [ تعالى: {وللرجال عليهن درجة} الآية [البقرة: 228] . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {الرجال قوامون على النساء} يعني: أمراء عليها أي تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله. وكذا قال مقاتل، والسدي، والضحاك. وقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعديه على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القصاص"، فأنزل الله عز وجل: {الرجال قوامون على النساء} الآية، فرجعت بغير قصاص. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من طرق، عنه. وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة، وابن جريج والسدي، أورد ذلك كله ابن جرير. وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال: حدثنا أحمد بن علي النسائي، حدثنا محمد بن عبد الله الهاشمي، حدثنا محمد بن محمد الأشعث، حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: أتى النبي رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله، إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلك له". فأنزل الله: {الرجال قوامون على النساء [بما فضل الله بعضهم على بعض] } أي: قوامون على النساء في الأدب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أردت أمرا وأراد الله غيره" . وقال الشعبي في هذه الآية: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جلدت. وقوله: {فالصالحات} أي: من النساء {قانتات} قال ابن عباس وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهن {حافظات للغيب} . قال السدي وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله. وقوله: {بما حفظ الله} أي: المحفوظ من حفظه. قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثنا أبو معشر، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك". قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {الرجال قوامون على النساء} إلى آخرها. ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، به مثله سواء . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر: أن ابن قارظ أخبره: أن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها وحفظت فرجها؛ وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت". تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ عن عبد الرحمن بن عوف .

Sección V02/P293–V02/P294

وقوله تعالى {واللاتي تخافون نشوزهن} أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن. والنشوز: هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له. فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها" وروى البخاري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح" ورواه مسلم، ولفظه: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح" ؛ ولهذا قال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن} . وقوله: {واهجروهن في المضاجع} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجران هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون -منهم: السدي، والضحاك، وعكرمة، وابن عباس في رواية-: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها. وقال علي بن أبي طلحة أيضا، عن ابن عباس: يعظها، فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد. وقال مجاهد، والشعبي، وإبراهيم، ومحمد بن كعب، ومقسم، وقتادة: الهجر: هو أن لا يضاجعها. وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع" قال حماد: يعني النكاح . وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله، ما حق امرأة أحدنا؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" . وقوله: {واضربوهن} أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في حجة الوداع: "واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" . وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضربا غير مبرح. قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر. قال الفقهاء: هو ألا يكسر فيها عضوا ولا يؤثر فيها شيئا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضرب ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت وإلا فقد حل لك منها الفدية. وقال سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تضربوا إماء الله". فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت النساء على أزواجهن. فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه . وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود -يعني أبا داود الطيالسي-حدثنا أبو عوانة، عن داود الأودي، عن عبد الرحمن المسلي عن الأشعث بن قيس، قال ضفت عمر، فتناول امرأته فضربها، وقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثا حفظتهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر ... ونسي الثالثة. وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، عن داود الأودي، به .

Sección V02/P294–V02/P296

وقوله: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} أي: فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها. وقوله: {إن الله كان عليا كبيرا} تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن. {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا } ذكر [تعالى] الحال الأول، وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة، ثم ذكر الحال الثاني وهو: إذا كان النفور من الزوجين فقال تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} قال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق وتشوف الشارع إلى التوفيق؛ ولهذا قال: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله عز وجل، أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل، ورجلا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء، حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما . وقال: أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة، أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: تصير إلي وأنفق عليك. فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة؟ قال: على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان، فذكرت له ذلك فضحك وأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما. فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف. فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا، جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي. وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال علي: كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله، عز وجل، لك وعليك. رواه ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير، عن يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي، مثله. ورواه من وجه آخر، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي، به . وهذا مذهب جمهور العلماء: أن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة، حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاث فعلا. وهو رواية عن مالك. وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق، وكذا قال قتادة، وزيد بن أسلم. وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود، ومأخذهم قوله تعالى: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} ولم يذكر التفريق. وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف.

Sección V02/P296–V02/P297

وقد اختلف الأئمة في الحكمين: هل هما منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين: فالجمهور على الأول؛ لقوله تعالى: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. الثاني منهما، بقول علي، رضي الله عنه، للزوج -حين قال: أما الفرقة فلا- قال: كذبت، حتى تقر بما أقرت به، قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، والله أعلم. قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين -إذا اختلف قولهما-فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا: هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضا . {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "أتدري ما حق الله على العباد ؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"، ثم قال: "أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ألا يعذبهم" ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله، سبحانه، جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيرا ما يقرن الله، سبحانه، بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان:14] وكقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] . ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، كما جاء في الحديث: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة" . ثم قال: {واليتامى} وذلك لأنهم قد فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم. ثم قال: {والمساكين} وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم. وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة. وقوله: {والجار ذي القربى والجار الجنب} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {والجار ذي القربى} يعني الذي بينك وبينه قرابة، {والجار الجنب} الذي ليس بينك وبينه قرابة. وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وميمون بن مهران، والضحاك، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان، وقتادة. وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله: {والجار ذي القربى} يعني المسلم {والجار الجنب} يعني اليهودي والنصراني رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقال جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود: {والجار ذي القربى} يعني المرأة. وقال مجاهد أيضا في قوله: {والجار الجنب} يعني الرفيق في السفر. وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فنذكر منها ما تيسر، والله المستعان: الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمر بن محمد بن زيد: أنه سمع أباه محمدا يحدث، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". أخرجاه في الصحيح من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، به . الحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" .

Sección V02/P297–V02/P299

وروى أبو داود والترمذي نحوه، من حديث سفيان بن عيينة، عن بشير أبي إسماعيل -زاد الترمذي: وداود بن شابور -كلاهما عن مجاهد، به ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه وقد روي عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث الثالث عنه: قال أحمد أيضا: حدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره". ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح -به، وقال: [حديث] حسن غريب . الحديث الرابع: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشبع الرجل دون جاره". تفرد به أحمد . الحديث الخامس: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ["ما تقولون في الزنا؟ " قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم] لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". قال: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره". تفرد به أحمد وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" . الحديث السادس: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة -قال الأنصاري: لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: "ولقد رأيته؟ " قلت: نعم. قال: "أتدري من هو؟ " قلت: لا. قال: "ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. ثم قال: أما إنك لو سلمت عليه، رد عليك السلام" . الحديث السابع: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا أبو بكر -يعني المدني-عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل من العوالي ورسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام يصليان حيث يصلى على الجنائز، فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله، من هذا الرجل الذي رأيت معك؟ قال: "وقد رأيته؟ " قال: نعم. قال: "لقد رأيت خيرا كثيرا، هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رئيت أنه سيورثه". تفرد به من هذا الوجه وهو شاهد للذي قبله. الحديث الثامن: قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضل عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقا، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار. وأما الذي له حقان فجار مسلم، له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق، فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم".

Sección V02/P299–V02/P301

قال البزار: لا نعلم أحدا روى عن عبد الرحمن بن الفضيل إلا ابن أبي فديك . الحديث التاسع: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران، عن طلحة بن عبد الله، عن عائشة؛ أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابا". ورواه البخاري من حديث شعبة، به . وقوله: {والصاحب بالجنب} قال الثوري، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود قالا هي المرأة. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، والحسن، وسعيد بن جبير -في إحدى الروايات-نحو ذلك. وقال ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وقتادة: هو الرفيق في السفر. وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح. وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر. وأما {ابن السبيل} فعن ابن عباس وجماعة هو: الضيف. وقال مجاهد، وأبو جعفر الباقر، والحسن، والضحاك، ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازا في السفر. وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف: المار في الطريق، فهما سواء. وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان. وقوله: {وما ملكت أيمانكم} وصية بالأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس، ولهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت يقول: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم". فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه . وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقه". ورواه النسائي من حديث بقية، وإسناده صحيح ولله الحمد. وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم" رواه مسلم . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". رواه مسلم أيضا . وعنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه". أخرجاه ولفظه للبخاري ولمسلم فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده أكلة أو أكلتين". وعن أبي ذر، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم، فأعينوهم". أخرجاه . وقوله: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} أي: مختالا في نفسه، معجبا متكبرا، فخورا على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض. قال مجاهد في قوله: {إن الله لا يحب من كان مختالا} يعني: متكبرا {فخورا} يعني: يعد ما أعطي، وهو لا يشكر الله، عز وجل. يعني: يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه، وهو قليل الشكر لله على ذلك. وقال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهروي قال: لا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا -وتلا {وما ملكت أيمانكم [إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا] } ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيا -وتلا {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا} [مريم: 32] . وروى ابن أبي حاتم، عن العوام بن حوشب، مثله في المختال الفخور. وقال:

Sección V02/P301–V02/P302

حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته فقلت: يا أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم: "إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة"؟ قال: أجل، فلا إخالني أكذب على خليلي، ثلاثا. قلت: من الثلاثة الذين يبغض الله؟ قال: المختال الفخور، أوليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل؟ ثم قرأ الآية: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} [النساء: 36] . وحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب عن خالد، عن أبي تميمة عن رجل من بلهجيم قال: قلت يا رسول الله، أوصني. قال: "إياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة" . {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما } يقول تعالى ذاما الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به -من بر الوالدين، والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم من الأرقاء -ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأي داء أدوأ من البخل؟ ". وقال: "إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا" . وقوله: {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} فالبخيل جحود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه ولا تبين، لا في أكله ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود. وإنه على ذلك لشهيد} [العاديات: 6، 7] أي: بحاله وشمائله، {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات: 8] وقال هاهنا: {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} ولهذا توعدهم بقوله: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه. وفي الحديث: "إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه" وفي الدعاء النبوي: "واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها -ويروى: قائليها-وأتممها علينا" . وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقاله مجاهد وغير واحد. ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى؛ فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا الآية التي بعدها، وهي قوله: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} فذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الذي فيه الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار، وهم: العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت؛ إنما أردت أن يقال: جواد فقد قيل. أي: فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك. وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعدي: "إن أباك رام أمرا فبلغه". وفي حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عبد الله بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه، وإعتاقه؟ فقال: "لا إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".

Sección V02/P302–V02/P304

ولهذا قال: {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا] } أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان؛ فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسن لهم القبائح {ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا} ولهذا قال الشاعر عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي ثم قال تعالى: {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله [وكان الله بهم عليما] } أي: وأي شيء يكرثهم لو سلكوا الطريق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله، ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملا وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها. وقوله: {وكان الله بهم عليما} أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي، الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذا بالله من ذلك [بلطفه الجزيل] . {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيم فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا } يخبر تعالى أنه لا يظلم عبدا من عباده يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها به ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى {ونضع الموازين القسط [ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين] } [الأنبياء: 47] وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله [إن الله لطيف خبير] } [لقمان: 16] وقال تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} وفي الصحيحين، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: فيقول الله عز وجل: "ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار". وفي لفظ: "أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقا كثيرا" ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن شئتم: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة [وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما] } . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة عن عبد الله بن السائب، عن زاذان قال: قال عبد الله بن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رءوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أخيها أو زوجها. ثم قرأ: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون:101] فيغفر الله من حقه ما يشاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس فينادي: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: رب، فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟ قال: خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر طلبته فإن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة، ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} قال: ادخل الجنة؛ وإن كان عبدا شقيا قال الملك: رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير؟ فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار. ورواه ابن جرير من وجه آخر، عن زاذان -به نحوه. ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.

Sección V02/P304–V02/P305

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثتا أبو نعيم، حدثنا فضيل -يعني ابن مرزوق-عن عطية العوفي، حدثني عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه الآية في الأعراب: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] قال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل من ذلك: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} . وحدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله {وإن تك حسنة يضاعفها} فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة، ولا يخرج من النار أبدا. وقد استدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" . وقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في سننه حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة" . وقال أبو هريرة، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة والضحاك، في قوله: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} يعني: الجنة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة-عن علي بن زيد، عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال: فقضي أني انطلقت حاجا أو معتمرا، فلقيته فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعطى عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة" قال أبو هريرة: لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل يعطيه ألفي ألف حسنة" ثم تلا {يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} فمن يقدره قدره . رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا يزيد، حدثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان قال: أتيت أبا هريرة فقلت له: بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة؟ قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعت -يعني النبي صلى الله عليه وسلم-كذا قال أبي -يقول: "إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة" . علي بن زيد في أحاديثه نكارة، فالله أعلم. وقوله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} يقول تعالى -مخبرا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه: فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة وحين يجيء من كل أمة بشهيد -يعني الأنبياء عليهم السلام؟ كما قال تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء [وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون] } [الزمر: 69] وقال تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم [وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين] } [النحل: 89] . قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم "اقرأ علي" قلت: يا رسول الله، آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال: "حسبك الآن" فإذا عيناه تذرفان. ورواه هو ومسلم أيضا من حديث الأعمش، به وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود، فهو مقطوع به عنه. ورواه أحمد من طريق أبي حيان، وأبي رزين، عنه.

Sección V02/P305–V02/P306

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه قال -وكان أبي ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم قارئا فقرأ، فأتى على هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: "يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره؟ " . وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه عن عبد الله -هو ابن مسعود- {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شهيد عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم". وأما ما ذكره أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة" حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته: قال: أخبرنا ابن المبارك، أخبرنارجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو، حدثه أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} فإنه أثر، وفيه انقطاع، فإن فيه رجلا مبهما لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه. وقد قبله القرطبي فقال بعد إيراده: [قد تقدم] أن الأعمال تعرض على الله كل يوم اثنين وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة. قال: ولا تعارض، فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء، عليهم السلام. وقوله {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه [ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا] } وقوله {ولا يكتمون الله حديثا} أخبر عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: أتى رجل ابن عباس فقال: سمعت الله، عز وجل، يقول -يعني إخبارا عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا-: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] وقال في الآية الأخرى: {ولا يكتمون الله حديثا} فقال ابن العباس: أما قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: تعالوا فلنجحد، فقالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم {ولا يكتمون الله حديثا}

Sección V02/P306–V02/P308

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف علي في القرآن. قال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك. ولكن اختلاف. قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك. قال: أسمع الله يقول: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] وقال {ولا يكتمون الله حديثا} ؛ فقد كتموا! فقال ابن عباس: أما قوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، جحد المشركون، فقالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} ؛ رجاء أن يغفر لهم. فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك: {يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا} وقال جويبر عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس، قول الله: {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا} وقوله {والله ربنا ما كنا مشركين} ؟ فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت ألقي على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد. فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نقل فيسألهم فيقولون: {والله ربنا ما كنا مشركين} قال: فيختم على أفواههم، وتستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم {ولا يكتمون الله حديثا} رواه ابن جرير. {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا } ينهى تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر، الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محلها -وهي المساجد-للجنب، إلا أن يكون مجتازا من باب إلى باب من غير مكث وقد كان هذا قبل تحريم الخمر، كما دل الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة، عند قوله [تعالى] {يسألونك عن الخمر والميسر [قل فيهما إثم كبير] } الآية [البقرة: 219] ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية، تلاها عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات فلما نزل قوله [تعالى] {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90، 91] فقال عمر: انتهينا، انتهينا. وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو -وهو ابن شرحبيل-عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث وفيه: فنزلت الآية التي في] سورة [ النساء: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادي: ألا يقربن الصلاة سكران. لفظ أبي داود. وذكروا في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم . حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت في أربع آيات: صنع رجل من الأنصار طعاما، فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا فرفع رجل لحي بعير ففزر بها أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل أن تحرم الخمر، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الآية.

Sección V02/P308–V02/P310

والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة. ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه، من طرق عن سماك به . سبب آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثنا أبو جعفر عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلانا -قال: فقرأ: قل يا أيها الكافرون، ما أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون. [قال] فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} هكذا رواه ابن أبي حاتم، وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن عبد الرحمن الدشتكي، به، وقال: حسن صحيح . وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي؛ أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: {قل [يا] أيها الكافرون} فخلط فيها، فنزلت: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} . وهكذا رواه أبو داود والنسائي، من حديث الثوري، به. ورواه ابن جرير أيضا، عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الله السلمي قال: كان علي في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عبد الرحمن بن عوف، فطعموا فآتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فحضرت الصلاة فقدموا عليا فقرأ بهم: {قل يا أيها الكافرون} فلم يقرأها كما ينبغي، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب -وهو أبو عبد الرحمن السلمي؛ أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا، فدعا نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون. أعبد ما تعبدون. وأنتم عابدون ما أعبد. وأنا عابد ما عبدتم. لكم دينكم ولي دين. فأنزل الله، عز وجل، هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} . وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [حتى تعلموا ما تقولون] } وذلك أن رجالا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى، قبل أن تحرم الخمر، فقال الله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الآية. رواه ابن جرير. وكذا قال أبو رزين ومجاهد. وقال عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر. وقال الضحاك في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب. قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب؛ لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف . وهذا حاصل ما قاله. وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام، دون السكران الذي لا يدري ما يقال له؛ فإن الفهم شرط التكليف. وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية؛ لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما، والله أعلم. وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك. وقوله: {حتى تعلموا ما تقولون} هذا أحسن ما يقال في حد السكران: إنه الذي لا يدري ما يقول فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها، وقد قال الإمام أحمد:

Sección V02/P310–V02/P311

حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فلينصرف فليتم حتى يعلم ما يقول. انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب، به وفي بعض ألفاظ الحديث فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه. وقوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس في قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل، قال: تمر به مرا ولا تجلس. ثم قال: وروي عن عبد الله بن مسعود، وأنس، وأبي عبيدة، وسعيد بن المسيب، وأبي الضحى، وعطاء، ومجاهد، ومسروق، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، وأبي مالك، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة وعكرمة، والحسن البصري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن شهاب، وقتادة، نحو ذلك. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن قول الله عز وجل {ولا جنبا إلا عابري سبيل} أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيردون الماء ولا يجدون ممرا إلا في المسجد، فأنزل الله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب، رحمه الله، ما ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر" . وهذا قاله في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، علما منه أن أبا بكر، رضي الله عنه، سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه، رضي الله عنه. ومن روى: "إلا باب علي" كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ، والصحيح. ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضا في معناه؛ إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث. ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور وإلا فلا. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ناوليني الخمرة من المسجد" فقلت: إني حائض. فقال: "إن حيضتك ليست في يدك". وله عن أبي هريرة مثله ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها والله أعلم. وروى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة العامري، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة] رضي الله عنها [ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" قال أبو مسلم الخطابي: ضعف هذا الحديث جماعة وقالوا: أفلت مجهول. لكن رواه ابن ماجه من حديث أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، به. قال أبو زرعة الرازي: يقولون: جسرة عن أم سلمة. والصحيح جسرة عن عائشة. فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي، من حديث سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي، لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. إنه حديث ضعيف لا يثبت؛ فإن سالما هذا متروك، وشيخه عطية ضعيف والله أعلم. قول آخر في معنى الآية: قال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرني ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} قال: لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء فيصلي حتى يجد الماء.

Sección V02/P311–V02/P313

ثم رواه من وجه آخر، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي بن أبي طالب، فذكره. قال: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وسعيد بن جبير، والضحاك، نحو ذلك. وقد روى ابن جرير من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله أو عن زر بن حبيش -عن علي فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز، عن ابن عباس، فذكره. ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد، والحسن بن مسلم، والحكم بن عتيبة وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن، مثل ذلك، وروي من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: كنا نسمع أنه في السفر. ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك فإن ذلك خير" . ثم قال ابن جرير -بعد حكايته القولين-: والأولى قول من قال: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} إلا مجتازي طريق فيه. وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: أو {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } [المائدة: 6] إلى آخره. فكان معلوما بذلك أن قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} لو كان معنيا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} معنى مفهوم، وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل. قال: والعابر السبيل: المجتاز مرا وقطعا. يقال منه: "عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا" ومنه قيل: "عبر فلان النهر" إذا قطعه وجاوزه. ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار: هي عبر أسفار وعبر أسفار؛ لقوتها على قطع الأسفار. وهذا الذي نصره هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا، والله أعلم. وقوله: {حتى تغتسلوا} دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقة. وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك؛ قال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد -هو الدراوردي-عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، فالله أعلم. وقوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء. ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض لعموم الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس عن خصيف عن مجاهد في قوله: {وإن كنتم مرضى} قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية. هذا مرسل. والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير. وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر.

Preguntas

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm · 34 · Qur'an & Sunnah