İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
ثم قال تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما} وهذه هي الحالة الثالثة، وهي حالة الفراق، وقد أخبر تعالى أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه، بأن يعوضه بها من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه: {وكان الله واسعا حكيما} أي: واسع الفضل عظيم المن، حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه. {ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا } يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الحاكم فيهما؛ ولهذا قال: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم} أي: وصيناكم بما وصيناهم به، من تقوى الله، عز وجل، بعبادته وحده لا شريك له. ثم قال: {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض [وكان الله غنيا حميدا] } كما قال تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لقومه: {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] ، وقال {فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} [التغابن: 6] أي: غني عن عباده، {حميد} أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه. وقوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء. وقوله: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، وكما قال [تعالى] {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] . وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره! وقال تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز} [إبراهيم: 19، 20] أي: ما هو عليه بممتنع. وقوله: {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} أي: يا من ليس همه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك، كما قال تعالى: {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أولئك لهم نصيب مما كسبوا [والله سريع الحساب] } [البقرة: 200-202] ، وقال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه [ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب] } [الشورى:20] ، وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض [وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا] } [الإسراء: 18-21] . وقد زعم ابن جرير أن المعنى في هذه الآية: {من كان يريد ثواب الدنيا} أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك، {فعند الله ثواب الدنيا} وهو ما حصل لهم من المغانم وغيرها مع المسلمين. وقوله: {والآخرة} أي: وعند الله ثواب الآخرة، وهو ما ادخره لهم من العقوبة في نار جهنم. وجعلها كقوله: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها [نوف إليهم أعمالهم فيها] وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 15، 16] .
ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر؛ فإن قوله {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا؛ ولهذا قال: {وكان الله سميعا بصيرا} {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه. وقوله: {شهداء لله} كما قال {وأقيموا الشهادة لله} أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان؛ ولهذا قال: {ولو على أنفسكم} أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه، وإن كان مضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا من كل أمر يضيق عليه. وقوله: {أو الوالدين والأقربين} أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد. وقوله: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} أي: لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم، على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة، لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم. فقالوا: "بهذا قامت السماوات والأرض". وسيأتي الحديث مسندا في سورة المائدة، إن شاء الله [تعالى] . وقوله: {وإن تلووا أو تعرضوا} قال مجاهد وغير واحد من السلف: {تلووا} أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها، "واللي" هو: التحريف وتعمد الكذب، قال الله تعالى: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب [لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون] } [آل عمران: 78] . و "الإعراض" هو: كتمان الشهادة وتركها، قال الله تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة:283] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". ولهذا توعدهم الله بقوله: {فإن الله كان بما تعملون خبيرا} أي: وسيجازيكم بذلك. {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا } يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه. كما يقول المؤمن في كل صلاة: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] أي: بصرنا فيه، وزدنا هدى، وثبتنا عليه. فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} [الحديد: 28] .
وقوله: {والكتاب الذي نزل على رسوله} يعني: القرآن {والكتاب الذي أنزل من قبل} وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن: {نزل} ؛ لأنه نزل مفرقا منجما على الوقائع، بحسب ما يحتاج إليه العباد إليه في معادهم ومعاشهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة؛ ولهذا قال: {والكتاب الذي أنزل من قبل} ثم قال {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} أي: فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد. {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا } يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه ثم رجع، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا، ولا طريقا إلى الهدى؛ ولهذا قال: {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {ثم ازدادوا كفرا} قال: تمموا على كفرهم حتى ماتوا. وكذا قال مجاهد. وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى، عن عامر الشعبي، عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: يستتاب المرتد، ثلاثا، ثم تلا هذه الآية: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} ثم قال: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} يعني: أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة. قال الله تعالى منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: {أيبتغون عندهم العزة} ؟ ثم أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له، ولمن جعلها له. كما قال في الآية الأخرى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] ، وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 8] . والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب أن يذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نسي، عن أبي ريحانة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا، فهو عاشرهم في النار". تفرد به أحمد وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري. اسمه شمعون بالمعجمة، فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم. وقوله [تعالى] {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. فلهذا قال تعالى: {إنكم إذا مثلهم} [أي] في المأثم، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" .
والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك، هو قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم [حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين] } [الأنعام: 68] قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في الأنعام. يعني نسخ قوله: {إنكم إذا مثلهم} لقوله {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون} [الأنعام: 69] . وقوله: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} أي: كما أشركوهم في الكفر، كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال. وشراب الحميم والغسلين لا الزلال. {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر عليهم، وذهاب ملتهم {. فإن كان لكم فتح من الله} أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة {قالوا ألم نكن معكم} ؟ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة {وإن كان للكافرين نصيب} أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة {قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين} ؟ أي: ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم خبالا وتخذيلا حتى انتصرتم عليهم. وقال السدي: {نستحوذ عليكم} نغلب عليكم، كقوله: {استحوذ عليهم الشيطان} [المجادلة: 19] وهذا أيضا تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء؛ ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وقلة إيقانهم. قال الله تعالى: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} أي: بما يعلمه منكم -أيها المنافقون-من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرا في الحياة الدنيا، لما له [تعالى] في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور. وقوله: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن ذر، عن يسيع الكندي قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فقال: كيف هذه الآية: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} ؟ فقال علي، رضي الله عنه: ادنه ادنه، ثم قال: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} وكذا روى ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} قال: ذاك يوم القيامة. وكذا روى السدي عن أبي مالك الأشجعي: يعني يوم القيامة. وقال السدي: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي: حجة. ويحتمل أن يكون المراد: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي: في الدنيا، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا [ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار] } [غافر: 51، 52] . وعلى هذا فيكون ردا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين، خوفا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم [يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم] نادمين} [المائدة: 52] . وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم من الكافر لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال؛ لقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}
{إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا} [البقرة: 9] وقال هاهنا: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} ولا شك أن الله تعالى لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا، فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر عنهم تعالى أنهم يوم القيامة يحلفون له: أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، فقال تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم [ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون] } [المجادلة: 18] . وقوله: {وهو خادعهم} أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة كما قال تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم [قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم] وبئس المصير } . [الحديد: 13-15] وقد ورد في الحديث: "من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به" وفي حديث آخر: "إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار" عياذا بالله من ذلك. وقوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى [يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا] } هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى ابن مردويه، من طريق عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله [تعالى] وإن الله أمامه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} وروي من غير هذا الوجه، عن ابن عباس، نحوه. فقوله تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} هذه صفة ظواهرهم، كما قال: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} [التوبة: 54] ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: {يراءون الناس} أي: لا إخلاص لهم [ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة لهم] ؛ ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون غالبا فيها كصلاة العشاء وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " . وفي رواية: "والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار" . وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد -هو بن أبي بكر المقدمي -حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة، استهان بها ربه عز وجل"
وقوله: {ولا يذكرون الله إلا قليلا} أي: في صلاتهم لا يخشعون [فيها] ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون. وقد روى الإمام مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا". وكذا رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث إسماعيل بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: حسن صحيح . وقوله: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا، ولا مع الكافرين ظاهرا وباطنا، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} الآية [البقرة: 20] . قال مجاهد: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {ولا إلى هؤلاء} يعني: اليهود. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، ولا تدري أيتهما تتبع". تفرد به مسلم. وقد رواه عن محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب، فوقف به على ابن عمر، ولم يرفعه، قال: حدثنا به عبد الوهاب مرتين كذلك . قلت: وقد رواه الإمام أحمد، عن إسحاق بن يوسف بن عبيد الله، به مرفوعا. وكذا رواه إسماعيل بن عياش وعلي بن عاصم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن عبدة، عن عبد الله، به مرفوعا. ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله -أو عبد الله بن عمر-عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. ورواه أيضا صخر بن جويرية، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله . وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا الهذيل بن بلال، عن ابن عبيد، عن أبيه: أنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه، فقال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربضين من الغنم، إن أتت هؤلاء نطحتها، وإن أتت هؤلاء نطحتها" فقال له ابن عمر: كذبت. فأثنى القوم على أبي خيرا -أو معروفا-فقال ابن عمر: لا أظن صاحبكم إلا كما تقولون، ولكني شاهد نبي الله إذ قال: كالشاة بين الغنمين. فقال: هو سواء. فقال: هكذا سمعته . وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بينما عبيد بن عمير يقص، وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المنافق كالشاة بين ربضين، إذا أتت هؤلاء نطحتها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها". فقال ابن عمر: ليس كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كشاة بين غنمين". قال: فاحتفظ الشيخ وغضب، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردد ذلك عليك . طريق أخرى: عن ابن عمر، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عثمان بن بودويه، عن يعفر بن زوذي قال: سمعت عبيد بن عمير وهو يقص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين". فقال ابن عمر: ويلكم. لا تكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنما قال صلى الله عليه وسلم: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين" .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد، فدفع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخر حتى إذا أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك. أين تذهب؟ إلى الهلكة؟ ارجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم إلى النجاة. فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاءه سيل فأغرقه، فالذي عبر المؤمن، والذي غرق المنافق: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} والذي مكث الكافر وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا شعبة عن قتادة: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلا للمؤمن وللمنافق وللكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إلي، فإني أخشى عليك. وناداه المؤمن: أن هلم إلي، فإني عندي وعندي؛ يحصى له ما عنده. فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى أذى فغرقه. وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة، حتى أتى عليه الموت وهو كذلك. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين، رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف، ثم رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف". ولهذا قال تعالى: {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} أي: ومن صرفه عن طريق الهدى {فلن تجد له وليا مرشدا} فإنه: {من يضلل الله فلا هادي له} والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي لهم، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما } ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 28] أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه. ولهذا قال هاهنا: {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قوله: {سلطانا مبينا} [قال] كل سلطان في القرآن حجة. وهذا إسناد صحيح. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والسدي والنضر بن عربي. ثم أخبر تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} أي: يوم القيامة، جزاء على كفرهم الغليظ. قال الوالبي عن ابن عباس: {في الدرك الأسفل من النار} أي: في أسفل النار. وقال غيره: النار دركات، كما أن الجنة درجات. "وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال: في توابيت ترتج عليهم. كذا رواه ابن جرير، عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان، به. ورواه ابن أبي حاتم، عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال: في توابيت من نار تطبق عليهم. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم، ومعنى قوله: (مبهمة) أي: مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن: أن ابن مسعود سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت من نار، فتطبق عليهم في أسفل درك من النار. {ولن تجد لهم نصيرا} أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب. ثم أخبر تعالى أن من تاب [منهم] في الدنيا تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله} أي: بدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قل. قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أخلص دينك، يكفك القليل من العمل" . {فأولئك مع المؤمنين} أي: في زمرتهم يوم القيامة {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} ثم قال مخبرا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم، فقال: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله، {وكان الله شاكرا عليما} أي: من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء. {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا } قال [علي] بن أبي طلحة عن ابن عباس: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: {إلا من ظلم} وإن صبر فهو خير له. وقال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة قالت: سرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تسبخي عنه" . وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه. وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه. وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه؛ لقوله: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] . وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما، ما لم يعتد المظلوم" . وقال عبد الرزاق: أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال: ضاف رجل رجلا فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: "ضفت فلانا فلم يؤد إلي حق ضيافتي". فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، حين لم يؤد الآخر إليه حق ضيافته. وقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال: قال هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: "أساء ضيافتي، ولم يحسن". وفي رواية هو الضيف المحول رحله، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.
وكذا روي عن غير واحد، عن مجاهد، نحو هذا. وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي، من طريق الليث بن سعد -والترمذي من حديث ابن لهيعة-كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟ قال: "إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث، عن سعيد بن المهاجر، عن المقدام أبي كريمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما مسلم ضاف قوما، فأصبح الضيف محروما، فإن حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله". تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد أيضا: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، حدثني منصور، عن الشعبي عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه، إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه". ثم رواه أيضا عن غندر عن شعبة. وعن زياد بن عبد الله البكائي. عن وكيع، وأبي نعيم، عن سفيان الثوري -ثلاثتهم عن منصور، به. وكذا رواه أبو داود من حديث أبي عوانة، عن منصور، به . ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار. حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارا يؤذيني، فقال له: "أخرج متاعك فضعه على الطريق". فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فجعل كل من مر به قال: مالك؟ قال: جاري يؤذيني. فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه! قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، وقال لا أوذيك أبدا". وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان به . ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله: {إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} أي: إن تظهروا -أيها الناس-خيرا، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم. ولهذا قال: {إن الله كان عفوا قديرا} ؛ ولهذا ورد في الأثر: أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي الحديث الصحيح: "ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله" . {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما }
يتوعد [تبارك و] تعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية. فاليهود -عليهم لعائن الله- آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم، والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له زرادشت، ثم كفروا بشرعه، فرفع من بين أظهرهم، والله أعلم. والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء، فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله} فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} أي: في الإيمان {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} أي: طريقا ومسلكا. ثم أخبر تعالى عنهم، فقال: {أولئك هم الكافرون حقا} أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه، لو نظروا حق النظر في نبوته. وقوله: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} أي: كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] في الدنيا والآخرة. وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم} يعني بذلك: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله [وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير] } [البقرة: 285] . ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: {أولئك سوف يؤتيهم أجورهم} على ما آمنوا بالله ورسله {وكان الله غفورا رحيما} أي: لذنوبهم أي: إن كان لبعضهم ذنوب. {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } قال محمد بن كعب القرظي، والسدي، وقتادة: سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء. كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة. قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان، بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة "سبحان": {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90، 93] الآيات. ولهذا قال تعالى: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم. وهذا مفسر في سورة "البقرة" حيث يقول تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} [البقرة: 55، 56] .
وقوله تعالى: {ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات} أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى، عليه السلام، في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون] } [الأعراف: 138، 139] . ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة "الأعراف"، وفي سورة "طه" بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، عز وجل، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه: أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضا ثم أحياهم الله، عز وجل، فقال الله عز وجل {فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا} ثم قال تعالى: {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، عليه السلام، ورفع الله على رؤوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة [واذكروا ما فيه لعلكم تتقون] } [الأعراف: 171] . {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا} أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس سجدا، وهم يقولون: حطة. أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتى تهنا في التيه أربعين سنة. فدخلوا يزحفون على استاههم، وهم يقولون: حنطة في شعرة. {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم، ما دام مشروعا لهم {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} أي: شديدا، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب مناهي الله، عز وجل، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر [إذ يعدون في السبت] } [الأعراف: 163-166] الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال، في سورة "سبحان" عند قوله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} [الإسراء: 101] ، وفيه: "وعليكم -خاصة يهود-أن لا تعدوا في السبت". {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } وهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على أيدي الأنبياء، عليهم السلام. قوله {وقتلهم الأنبياء بغير حق} وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جما غفيرا من الأنبياء [بغير حق] عليهم السلام. وقولهم: {قلوبنا غلف} قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، وغير واحد: أي في غطاء. وهذا كقول المشركين: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه [وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون] } [فصلت: 5] . وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم، أي: أوعية للعلم قد حوته وحصلته. رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وقد تقدم نظيره في سورة البقرة.
قال الله تعالى: {بل طبع الله عليها بكفرهم} فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله [تعالى] بل هو مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة. {فلا يؤمنون إلا قليلا} أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان وقلة الإيمان. {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "يعني أنهم رموها بالزنا". وكذا قال السدي، وجويبر، ومحمد بن إسحاق وغير واحد. وهو ظاهر من الآية: أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية، وقد حملت بولدها من ذلك -زاد بعضهم: وهي حائض -فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. وقولهم: {إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} أي هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} [الحجر: 6] . وكان من خبر اليهود -عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه-أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن الله، عز وجل، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، عليه السلام، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه، عليهما السلام، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان -وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان-وأنهوا إليه: أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه. فغضب الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه على الناس. فلما وصل الكتاب امتثل متولي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، عليه السلام، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا عشر أو ثلاثة عشر -وقيل: سبعة عشر نفرا-وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه، أو خروجه عليهم قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب -فقال: أنت هو-وألقى الله عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت، وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال [الله] تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي [ومطهرك من الذين كفروا] } الآية [آل عمران: 55] . فلما رفع خرج أولئك النفر فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، فأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم.
وهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى -وهو أصدق القائلين، ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون-: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} أي: رأوا شبهه فظنوه إياه؛ ولهذا قال: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن [وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه] } يعني بذلك: من ادعى قتله من اليهود، ومن سلمه من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر. ولهذا قال: {وما قتلوه يقينا} أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين. {بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما} أي منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه {حكيما} أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه -وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين- يعني: فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن بي. ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال: أنت هو ذاك. فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم صلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء، ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية، بنحوه وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، وهو رفيقي في الجنة؟
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتي عيسى وعنده سبعة عشر من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليه صورهم الله، عز وجل، كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا. ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا. فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا. فخرج إليهم وقال: أنا عيسى -وقد صوره الله على صورة عيسى-فأخذوه وقتلوه وصلبوه. فمن ثم شبه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وهذا سياق غريب جدا .قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع، فليس مني ولا أنا منه. فأقروه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة، مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض، كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها فتدعون لي الله، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟ قالوا: والله ما ندري ما لنا. لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمرا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالراعي وتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه. ثم قال: الحق، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، وأخذوا شمعون أحد الحواريين، وقالوا: هذا من أصحابه. فجحد وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه، ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون، له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا. ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى عليه السلام، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شبه لهم فأمرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقدوا الذي كان باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق، وقتل نفسه فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام كاد يتبعهم، يقال له: يحيى، قال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه، فلينذرهم وليدعهم. سياق غريب جدا .
ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلا منهم، يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت -فيما ذكر لي-فظعه ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول -فيما يزعمون-"اللهم إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من خلقك فاصرفها عني" وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دما. فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى، عليه السلام، فلما أيقن أنهم داخلون عليه قال لأصحابه من الحواريين -وكانوا اثني عشر رجلا فطرس ويعقوب بن زبدي ويحنس أخو يعقوب، وأنداربيس، وفيلبس، وأبرثلما ومنى وتوماس، ويعقوب بن حلفيا، وتداوسيس، وقثانيا ويودس زكريا يوطا. قال ابن حميد: قال سلمة، قال ابن إسحاق: وكان [فيهم فيما] ذكر لي رجل اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلا سوى عيسى، عليه السلام، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى [عليه السلام] قال: فلا أدري ما هو؟ من هؤلاء الاثني عشر، أو كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل [حين دخلوا] وهم ثلاثة عشر. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيا فأسلم: أن عيسى حين جاءه من الله {إني متوفيك ورافعك إلي} قال: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يشبه للقوم في صورتي، فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس: أنا، يا روح الله. قال: فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورفع عيسى، عليه السلام، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشبه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم وأحصوا عدتهم. فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى، فيما يرون وأصحابه، وفقدوا رجلا من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهما على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبله، وهو الذي أقبل، فخذوه. فلما دخلوا وقد رفع عيسى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكل أنه عيسى، فأكب عليه فقبله فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذي شبه لهم، فصلبوه وهو يقول: "إني لست بصاحبكم. أنا الذي دللتكم عليه". والله أعلم أي ذلك كان . وقال ابن جرير، عن مجاهد: صلبوا رجلا شبهوه بعيسى، ورفع الله، عز وجل، عيسى إلى السماء حيا. واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه. وقوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} يعني بعيسى {قبل موته} يعني: قبل موت عيسى-يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم، عليه السلام. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى ابن مريم. وقال العوفي عن ابن عباس مثل ذلك . وقال أبو مالك في قوله: {إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، عليه السلام، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} يعني: اليهود خاصة. وقال الحسن البصري: يعني النجاشي وأصحابه. ورواهما ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: وحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى. والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشر قال: سمعت رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله، [عز وجل] {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: "قبل موت عيسى. إن الله رفع إليه عيسى [إليه] وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاما يؤمن به البر والفاجر". وكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع، إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} قبل موت الكتابي. ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى. حدثني المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إلا ليؤمنن به قبل موته} كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته -قبل موت صاحب الكتاب-وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى. حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو نميلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح. حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: هي في قراءة أبي: {قبل موتهم} ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى. قيل لابن عباس: أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهوي. فقيل: أرأيت إن ضربت عنق أحد منهم؟ قال: يلجلج بها لسانه. وكذا روى سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى، عليه السلام، وإن ضرب بالسيف تكلم به، قال: وإن هوى تكلم [به] وهو يهوي. وكذا روى أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي هارون الغنوي عن عكرمة، عن ابن عباس. فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد، وعكرمة، ومحمد بن سيرين. وبه يقول الضحاك وجويبر، والسدي، وحكاه عن ابن عباس، ونقل قراءة أبي بن كعب: "قبل موتهم". وقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: {إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت. وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي. ذكر من قال ذلك: حدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن حميد قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته}
ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى، عليه السلام، إلا آمن به قبل موته، أي قبل موت عيسى، عليه السلام، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير، رحمه [الله] هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة -التي سنوردها إن شاء الله قريبا-فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية -يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف-فأخبرت هذه الآية الكريمة أن يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} أي: قبل موت عيسى، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب. {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض. فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما [الصلاة و] والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره يتجلي له ما كان جاهلا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في [أول] هذه السورة: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن [ولا الذين يموتون وهم كفار] } الآية [النساء: 18] وقال تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده [وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا] } الآيتين [غافر: 84، 85] وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول، حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح، ممن كفر بهما -يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته. فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلما، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردى من شاهق أو ضرب بسيف أو افترسه سبع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى" فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه، والله أعلم. ومن تأهل هذا جيدا وأمعن النظر، اتضح له أن هذا، وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، عليه السلام، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه وتضادت وتعاكست وتناقضت، وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء اليهود وأفرط هؤلاء النصارى: تنقصه اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه بما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عن قول هؤلاء وهؤلاء علوا كبيرا، وتنزه وتقدس لا إله إلا هو. ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة، وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له:
قال البخاري، رحمه الله، في كتاب ذكر الأنبياء، من صحيحه المتلقى بالقبول: (نزول عيسى ابن مريم-عليه السلام) : حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} وكذا رواه مسلم عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد كلاهما، عن يعقوب، به وأخرجه البخاري ومسلم، أيضا، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، به وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري به ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يكون فيكم ابن مريم حكما عدلا يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل} موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات . طريق أخرى عن أبي هريرة: قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليهلن عيسى ابن مريم بفج الروحاء بالحج أو العمرة أو ليثنينهما جميعا". وكذا رواه مسلم منفردا به من حديث سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به . وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان -هو ابن حسين-عن الزهري، عن حنظلة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما" قال: وتلا أبو هريرة: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته [ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا] } فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة. وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين عن الزهري، به . طريق أخرى: قال البخاري: حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري؛ أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنتم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم، وإمامكم منكم؟ " تابعه عقيل والأوزاعي. وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، وعن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهري، به. وأخرجه مسلم من رواية يونس والأوزاعي وابن أبي ذئب، به . طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون".
وكذا رواه أبو داود، عن هدبة بن خالد، عن همام بن يحيى. رواه ابن جرير -ولم يورد عند هذه الآية سواه-عن بشر بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة -كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم-وهو مولى أم برثن -صاحب السقاية، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وقال: فيقاتل الناس على الإسلام . وقد روى البخاري، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي" . ثم روى عن محمد بن سنان: عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. . حديث آخر: قال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا معلى بن منصور، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق -أو بدابق-فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قال الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثه أفضل الشهداء عند الله [عز وجل] ويفتح الثلث لا يفتنون أبدا فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم. فيخرجون، وذلك باطل. فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال: يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم فأمهم فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته" . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، عليه السلام، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي -عز وجل-أن الدجال خارج قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرا فتعال فاقتله: قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إلي يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى نقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي -عز وجل-أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلا أو نهارا. رواه ابن ماجه، عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، به نحوه .
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة؛ لنعرض عليه مصحفا لنا على مصحفه، فلما حضرت الجمعة أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد فجلسنا إلى رجل، فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص فقمنا إليه، فجلسنا فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام. فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهلهم ثلاث فرق: فرقة تقيم تقول: نشامه ننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم. ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان وأكثر من معه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه وننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغرب الشام وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق فيبعثون سرحا لهم، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد، حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السحر: "يا أيها الناس، أتاكم الغوث ثلاثا" فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم، عليه السلام، عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: روح الله، تقدم صل. فيقول: هذه الأمة أمراء، بعضهم على بعض. فيتقدم أميرهم فيصلي، فإذا قضى صلاته أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته فيقتله وينهزم أصحابه، فليس يومئذ شيء يواري أحدا، حتى إن الشجرة لتقول: يا مؤمن، هذا كافر. ويقول الحجر: يا مؤمن، هذا كافر". تفرد به أحمد من هذا الوجه . حديث آخر: قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه المشهورة: حدثنا علي بن محمد، حدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال، وحذرناه، فكان من قوله أن قال: "لم تكن فتنة في الأرض، منذ ذرأ الله ذرية آدم، عليه السلام، أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال. وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم، فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل [امرئ] حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينا ويعيث شمالا".
Preguntas
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué es el zakat y quién está obligado a pagarlo?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?