İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وهو كما قال ابن جرير، وكان سياق الآية يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال، أي: في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى. وتقدير الكلام: فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه، ولرد به إلى الطريق؛ ولهذا قال: {قل إن هدى الله هو الهدى} كما قال: {ومن يهد الله فما له من مضل} [الزمر: 37] ، وقال: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين} [النحل: 37] ، وقوله {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} أي: نخلص له العباد وحده لا شريك له. {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، {وهو الذي إليه تحشرون} أي: يوم القيامة. {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} أي: بالعدل، فهو خالقهما ومالكهما، والمدبر لهما ولمن فيهما. وقوله: {ويوم يقول كن فيكون} يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله: {كن} فيكون عن أمره كلمح البصر، أو هو أقرب. {ويوم} منصوب إما على العطف على قوله: {واتقوه} وتقديره: واتقوا يوم يقول كن فيكون، وإما على قوله: {خلق السماوات والأرض} أي: وخلق يوم يقول كن فيكون. فذكر بدء الخلق وإعادته، وهذا مناسب. وإما على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول كن فيكون. وقوله: {قوله الحق وله الملك} جملتان محلهما الجر، على أنهما صفتان لرب العالمين. وقوله: {يوم ينفخ في الصور} يحتمل أن يكون بدلا من قوله: {ويوم يقول كن فيكون} {يوم ينفخ في الصور} ويحتمل أن يكون ظرفا لقوله: {وله الملك يوم ينفخ في الصور} كقوله {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر: 16] ، وكقوله {الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا} [الفرقان: 26] ، وما أشبه ذلك. واختلف المفسرون في قوله: {يوم ينفخ في الصور} فقال بعضهم: المراد بالصور هاهنا جمع "صورة" أي: يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير: كما يقال سور -لسور البلد هو جمع سورة. والصحيح أن المراد بالصور: "القرن" الذي ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ". وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه. وقد روينا حديث الصور بطوله، من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني، في كتابه "الطوالات" قال: حدثنا أحمد بن الحسن المصري الأيلي، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في طائفة من أصحابه، فقال: "إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخصا بصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر". قلت: يا رسول الله، وما الصور؟ قال "القرن". قلت: كيف هو؟ قال: "عظيم، والذي بعثني بالحق، إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض. ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين. يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول. انفخ، فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات [وأهل] الأرض إلا من شاء الله. ويأمره فيديمها ويطيلها ولا يفتر، وهي كقول الله: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} [ص: 15] ، فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب، فتكون سرابا".
ثم ترتج الأرض بأهلها رجة فتكون كالسفينة المرمية في البحر، تضربها الأمواج، تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق بالعرش، ترجرجه الرياح، وهي التي يقول {يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة} [النازعات: 6 -8] ، فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين ما لهم من أمر الله من عاصم، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله تعالى: {يوم التناد} [غافر: 32] . فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء، فإذا هي كالمهل، ثم انشقت فانتشرت نجومها، وانخسف شمسها وقمرها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك" قال أبو هريرة: يا رسول الله، من استثنى الله، عز وجل، حين يقول: {ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [النمل: 87] ، قال: "أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند الله يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه"، قال: وهو الذي يقول الله، عز وجل: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} [الحج: 1، 2] ، فيكونون في ذلك العذاب ما شاء الله، إلا أنه يطول. ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات [وأهل] الأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء ملك الموت إلى الجبار، عز وجل، فيقول: يا رب، قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت. فيقول الله -وهو أعلم بمن بقي -: فمن بقي؟ فيقول: يا رب، بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، وبقيت أنا. فيقول الله، عز وجل: ليمت جبريل وميكائيل. فينطق الله العرش فيقول: يا رب، يموت جبريل وميكائيل!! فيقول: اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان. ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار [عز وجل] فيقول يا رب، قد مات جبريل وميكائيل. فيقول الله [عز وجل] -وهو أعلم بمن بقي -: فمن تبقى؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة عرشك، وبقيت أنا. فيقول الله، [عز وجل] ليمت حملة عرشي. فيموتوا، ويأمر الله العرش. فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب، قد مات حملة عرشك. فيقول الله -وهو أعلم بمن بقي -:: فمن بقي؟ فيقول: يا رب، بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا. فيقول الله [عز وجل] أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت. فيموت. فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد [الصمد] الذي لم يلد ولم يولد، كان آخرا كما كان أولا طوى السموات والأرض طي السجل للكتب ثم دحاهما ثم يلقفهما ثلاث مرات، ثم يقول: أنا الجبار، أنا الجبار، أنا الجبار ثلاثا. ثم هتف بصوته: {لمن الملك اليوم} ثلاث مرات، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه: {لله الواحد القهار} [غافر: 16] ، يقول الله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48] ، فيبسطهما ويسطحهما، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه: 107] .
ثم يزجر الله الخلق زجرة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله [عز وجل] عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوما، حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث -أو: كنبات البقل -حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله، عز وجل: ليحيا حملة عرشي، فيحيون. ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور، فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحيا جبريل وميكائيل، فيحيان، ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعا ثم يلقيها في الصور. ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول [الله] وعزتي وجلالي، ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعا إلى ربكم تنسلون {مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر} [القمر: 8] حفاة عراة [غلفا] غرلا فتقفون موقفا واحدا مقداره سبعون عاما، لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دما وتعرقون حتى يلجمكم العرق، أو يبلغ الأذقان، وتقولون من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فتقولون من أحق بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا؟ فيأتون آدم، فيطلبون ذلك إليه فيأبى، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك. فيستقرءون الأنبياء نبيا نبيا، كلما جاءوا نبيا، أبى عليهم". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حتى يأتوني، فأنطلق إلى الفحص فأخر ساجدا" قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال: "قدام العرش حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي، ويرفعني، فيقول لي: يا محمد فأقول: نعم يا رب. فيقول الله، عز وجل: ما شأنك؟ وهو أعلم، فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك، فاقض بينهم. قال [الله] قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذ سمعنا حسا من السماء شديدا، فهالنا فنزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا وهو آت. ثم ينزل [من] أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا وهو آت. ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار، عز وجل، في ظلل من الغمام والملائكة، فيحمل عرشه يومئذ ثمانية -وهم اليوم أربعة -أقدامهم في تخوم الأرض السفلى، والأرض والسموات إلى حجزتهم والعرش على مناكبهم، لهم زجل في تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي العرش والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى، الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه، ثم يهتف بصوته يا معشر الجن والإنس، إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إلي، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ثم يأمر الله جهنم، فيخرج منها عنق [مظلم] ساطع، ثم يقول: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون} -أو: بها تكذبون -شك أبو عاصم - {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 60 -64] فيميز الله الناس وتجثو الأمم. يقول الله تعالى: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون} [الجاثية: 28] فيقضي الله، عز وجل، بين خلقه، إلا الثقلين الجن والإنس، فيقضي بين الوحش والبهائم، حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى قال الله [لها] كوني ترابا. فعند ذلك يقول الكافر: {يا ليتني كنت ترابا} [النبأ: 40] ثم يقضي الله [عز وجل] بين العباد، فكان أول ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، عز وجل، ويأمر الله [عز وجل] كل قتيل فيحمل رأسه تشخب أو داجه يقول: يا رب، فيم قتلني هذا؟ فيقول -وهو أعلم -: فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك. فيقول الله له: صدقت. فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة. ويأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه، فيقول: يا رب، [فيم] قتلني هذا؟ فيقول -وهو أعلم -: لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب، قتلتهم لتكون العزة لك ولي. فيقول: تعست. ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه. ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها [الله] للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء. فإذا فرغ الله من ذلك، ناد مناد يسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله. فلا يبقى أحد عبد من دون الله إلا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم. ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم إلى النار، وهو الذي يقول [تعالى] {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون} [الأنبياء: 99] . فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته، فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فينصرف عنهم، وهو الله الذي يأتيهم فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يأتيهم فيقول: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم، فيخرون سجدا على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر. ثم يأذن الله لهم فيرفعون، ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم كحد الشفرة -أو: كحد السيف -عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان، دون جسر دحض مزلة، فيمرون كطرف العين، أو كلمح البرق، أو كمر الريح، أو كجياد الخيل، أو كجياد الركاب، أو كجياد الرجال. فناج سالم، وناج مخدوش، ومكردس على وجهه في جهنم.
فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، عليه السلام، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا؟ فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح، فإنه أول رسل الله. فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول عليكم بإبراهيم، فإن الله اتخذه خليلا. فيؤتى إبراهيم، فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بموسى فإن الله قربه نجيا، وكلمه وأنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى، فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول: لست بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم. فيؤتى عيسى ابن مريم، فيطلب ذلك إليه، فيقول: ما أنا بصاحبكم، ولكن عليكم بمحمد". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيأتوني -ولي عند ربي ثلاث شفاعات [وعدنهن] -فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب، فأستفتح فيفتح لي، فأحيى ويرحب بي. فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا، فيأذن الله لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد، واشفع تشفع، وسل تعطه. فإذا رفعت رأسي يقول الله -وهو أعلم -: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة، فيقول الله: قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفسي بيده، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة، سبعين مما ينشئ الله، عز وجل، وثنتين آدميتين من ولد آدم، لهما فضل على من أنشأ الله، لعبادتهما الله في الدنيا. فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، عليها سبعون زوجا من سندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، ثم ينظر إلى يده من صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبدها له مرآة، وكبده لها مرآة. فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره، وما تشتكي قبلها. فبينا هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل، إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن لك أزواجا غيرها. فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما أتى واحدة [له] قالت: له والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، ولا في الجنة شيء أحب إلي منك.
وإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذ جسده كله، إلا وجهه حرم الله صورته عليها". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأقول يا رب، من وقع في النار من أمتي. فيقول: أخرجوا من عرفتم، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد. ثم يأذن الله في الشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة الدينار إيمانا. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يشفع الله فيقول: أخرجوا من [وجدتم] في قلبه إيمانا ثلثي دينار. ثم يقول: ثلث دينار. ثم يقول: ربع دينار. ثم يقول: قيراطا. ثم يقول: حبة من خردل. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرا قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس ليتطاول مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له، ثم يقول: بقيت وأنا أرحم الراحمين. فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، كأنهم حمم، فيلقون على نهر يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ما يلقى الشمس منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث، حتى يكونوا أمثال الذر، مكتوب في رقابهم: "الجهنميون عتقاء الرحمن"، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب، ما عملوا خيرا لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله، وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: ربنا امح عنا هذا الكتاب، فيمحوه الله، عز وجل، عنهم". هذا حديث [مشهور] وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه، فغريب جدا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقا واحدا، فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم. {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } قال الضحاك، عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، إنما كان اسمه تارح. رواه ابن أبي حاتم. وقال أيضا: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم شبيب، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} يعني بآزر: الصنم، وأبو إبراهيم اسمه تارح، وأمه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر، وهي سرية إبراهيم. وهكذا قال غير واحد من علماء النسب: إن اسمه تارح. وقال مجاهد والسدي: آزر: اسم صنم. قلت: كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم، فالله أعلم وقال ابن جرير: وقال آخرون: "هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه: معوج" ولم يسنده ولا حكاه عن أحد.
وقد قال ابن أبي حاتم: ذكر عن معتمر بن سليمان، سمعت أبي يقرأ: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قال: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم، عليه السلام. ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر. ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح، ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان، كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبا وهذا الذي قاله جيد قوي، والله أعلم. واختلف القراء في أداء قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} فحكى ابن جرير عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني أنهما كانا يقرآن: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة} معناه: يا آزر، أتتخذ أصناما آلهة. وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف، وهو بدل من قوله: {لأبيه} أو عطف بيان، وهو أشبه. وعلى قول من جعله نعتا لا ينصرف أيضا كأحمر وأسود. فأما من زعم أنه منصوب لكونه معمولا لقوله: {أتتخذ أصناما} تقديره: يا أبت، أتتخذ آزر أصناما آلهة، فإنه قول بعيد في اللغة؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله؛ لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير وغيره. وهو مشهور في قواعد العربية. والمقصود أن إبراهيم، عليه السلام، وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها، ونهاه فلم ينته، كما قال: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة} أي: أتتأله لصنم تعبده من دون الله، {إني أراك وقومك} أي: السالكين مسلكك {في ضلال مبين} أي: تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل صحيح. وقال تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} [مريم: 41 -48] ، فكان إبراهيم، عليه السلام، يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك، رجع عن الاستغفار له، وتبرأ منه، كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114] . وثبت في الصحيح: أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة فيقول له أبوه: يا بني، اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي رب، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك. فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار وقوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} أي: تبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله، عز وجل، في ملكه وخلقه، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} [يونس: 101] ، وقال {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} [الأعراف: 185] ، وقال {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} [سبأ: 9] .
فأما ما حكاه ابن جرير وغيره، عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والسدي، وغيرهم قالوا -واللفظ لمجاهد -: فرجت له السموات، فنظر إلى ما فيهن، حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن -وزاد غيره -: فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي فيدعوا عليهم، فقال الله له: إني أرحم بعبادي منك، لعلهم أن يتوبوا ويراجعوا. وقد روى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين، عن معاذ، وعلي [بن أبي طالب] ولكن لا يصح إسنادهما، والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} فإنه تعالى جلا له الأمر؛ سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله: إنك لا تستطيع هذا. فرده [الله] -كما كان قبل ذلك -فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره، حتى رأى ذلك عيانا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، عن معاذ بن جبل [رضي الله عنه] في حديث المنام: "أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت ... " وذكر الحديث وقوله: {وليكون من الموقنين} قيل: "الواو" زائدة، تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، كقوله: { [وكذلك] نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} [الأنعام: 55] . وقيل: بل هي على بابها، أي نريه ذلك ليكون عالما وموقنا. وقوله: {فلما جن عليه الليل} أي: تغشاه وستره {رأى كوكبا} أي: نجما، {قال هذا ربي فلما أفل} أي: غاب. قال محمد بن إسحاق بن يسار: "الأفول" الذهاب. وقال ابن جرير: يقال: أفل النجم يأفل ويأفل أفولا وأفلا إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة. مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم، ولا بالآفلات الدوالك ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى: أين غبت عنا؟ قال: {قال لا أحب الآفلين} قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول، {فلما رأى القمر بازغا} أي: طالعا {قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} أي: هذا المنير الطالع ربي {هذا أكبر} أي: جرما من النجم ومن القمر، وأكثر إضاءة.: {فلما أفلت} أي: غابت، {قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي} أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي {للذي فطر السماوات والأرض} أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق. {حنيفا} أي في حال كوني حنيفا، أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد؛ ولهذا قال: {وما أنا من المشركين} وقد اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله: {لئن لم يهدني ربي [لأكونن من القوم الضالين] } وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه النمرود بن كنعان، لما أن قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكك على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ. فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك. وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف.
والحق أن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صورة الملائكة السماوية، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشترى، وزحل، وأشدهن إضاءة وأشرقهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة. فبين أولا أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. ومثل هذه لا تصلح للإلهية. ثم انتقل إلى القمر. فبين فيه مثل ما بين في النجم. ثم انتقل إلى الشمس كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، {قال يا قوم إني بريء مما تشركون} أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة، فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون، {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} أي: إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم [الخليل] ناظرا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} الآيات [الأنبياء: 51، 52] ، وقال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل: 120 -123] ، وقال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [الأنعام: 161] . وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة" وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء" وقال الله في كتابه العزيز: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، وقال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] ومعناه على أحد القولين، كقوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} كما سيأتي بيانه. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل -الذي جعله الله {أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} [النحل: 120] ناظرا في هذا المقام؟! بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولا ريب. ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى
{وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم } يقول تعالى: وجادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه من القول، قال {قال أتحاجوني في الله وقد هدان} أي: تجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه؟ فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة؟! وقوله: {ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} أي: ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئا، وأنا لا أخافها، ولا أباليها، فإن كان لها صنع، فكيدوني بها [جميعا] ولا تنظرون، بل عاجلوني بذلك. وقوله: {إلا أن يشاء ربي شيئا} استثناء منقطع. أي لا يضر ولا ينفع إلا الله، عز وجل. {وسع ربي كل شيء علما} أي: أحاط علمه بجميع الأشياء، فلا تخفى عليه خافية. {أفلا تتذكرون} أي: فيما بينته لكم فتعتبرون أن هذه الآلهة باطلة، فتزجروا عن عبادتها؟ وهذه الحجة نظير ما احتج به نبي الله هود، عليه السلام، على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه، حيث يقول: {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها [إن ربي على صراط مستقيم] } [هود: 53 -56] . وقوله: {وكيف أخاف ما أشركتم} أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدون من دون الله {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} ؟ قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي حجة وهذا كما قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] وقال {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} [النجم: 23] . وقوله: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} أي: فأي الطائفتين أصوب؟ الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل، أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟ قال الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك، له، ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون! ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} إنما هو الشرك"
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس كما تظنون، إنما قال [لقمان] لابنه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} وحدثنا عمر بن شبة النمري، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: "بشرك". قال: وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي نحو ذلك. وقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا محمد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قيل لي: أنت منهم" وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كأن هذا الراكب إياكم يريد". فانتهى إلينا الرجل، فسلم فرددنا عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "من أين أقبلت؟ " قال: من أهلي وولدي وعشيرتي. قال: "فأين تريد؟ "، قال: أريد رسول الله. قال: "فقد أصبته". قال: يا رسول الله، علمني ما الإيمان؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". قال: قد أقررت. قال: ثم إن بعيره دخلت يده في جحر جرذان، فهوى بعيره وهوى الرجل، فوقع على هامته فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "علي بالرجل". فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه، فقالا يا رسول الله، قبض الرجل! قال: فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعا"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا من الذين قال الله، عز وجل: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} ثم قال: "دونكم أخاكم". قال: فاحتملناه إلى الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على شفير القبر فقال: "الحدوا ولا تشقوا، فإن اللحد لنا والشق لغيرنا" ثم رواه أحمد عن أسود بن عامر، عن عبد الحميد بن جعفر الفراء، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، فذكر نحوه، وقال فيه: "هذا ممن عمل قليلا وأجر كثيرا"
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا مهران بن أبي عمر، حدثنا علي بن عبد الأعلى عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، فاعرض علي. فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل فازدحمنا حوله، فدخل خف بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي، فانكسرت عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق والذي بعثني بالحق، لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي ويأخذ من قولي، وما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض، أسمعتم بالذي عمل قليلا وأجر كثيرا هذا منهم! أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟ فإن هذا منهم" [وروى ابن مردويه من حديث محمد ابن معلى -وكان نزل الري -حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي داود عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعطي فشكر ومنع فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر" وسكت، قالوا: يا رسول الله ما له؟ قال ": {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ] وقوله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} أي: وجهنا حجته على قومه. قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن [إن كنتم تعلمون] } وقد صدقه الله، وحكم له بالأمن والهداية فقال: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ثم قال بعد ذلك كله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} قرئ بالإضافة وبلا إضافة، كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى. وقوله: {إن ربك حكيم عليم} أي: حكيم في أفعاله وأقواله {عليم} أي: بمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] ؛؛ ولهذا قال هاهنا: {إن ربك حكيم عليم} {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين }
يخبر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق، بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته "سارة" من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} [هود: 72، 73] ، وبشروه مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلا وعقبا، كما قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات: 112] ، وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71] أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم "يعقوب"، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم، عليه السلام، حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله، عز وجل، عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال [تعالى] {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا} [مريم: 49] ، وقال هاهنا: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا} وقوله: {ونوحا هدينا من قبل} أي: من قبله، هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح، عليه السلام، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به -وهم الذين صحبوه في السفينة -جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وكذلك الخليل إبراهيم، عليه السلام، لم يبعث الله، عز وجل، بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} الآية [العنكبوت: 27] ، وقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} [الحديد: 26] ، وقال تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] . وقوله في هذه الآية الكريمة: {ومن ذريته} أي: وهدينا من ذريته {داود وسليمان} الآية، وعود الضمير إلى "نوح"؛ لأنه أقرب المذكورين، ظاهر. وهو اختيار ابن جرير، ولا إشكال عليه. وعوده إلى "إبراهيم"؛ لأنه الذي سبق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل على ذلك "لوط"، فإنه ليس من ذرية "إبراهيم"، بل هو ابن أخيه مادان بن آزر؛ اللهم إلا أن يقال: إنه دخل في الذرية تغليبا، كما في قوله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] ، فإسماعيل عمه، ودخل في آبائه تغليبا. [وكما قال في قوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} [الحجر: 30، 31] فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذم على المخالفة؛ لأنه كان قد تشبه بهم، فعومل معاملتهم، ودخل معهم تغليبا، وكان من الجن وطبيعتهم النار والملائكة من النور] وفي ذكر "عيسى"، عليه السلام، في ذرية "إبراهيم" أو "نوح"، على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجال؛ لأن "عيسى"، عليه السلام، إنما ينسب إلى "إبراهيم"، عليه السلام، بأمه "مريم" عليها السلام، فإنه لا أب له.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا سهل بن يحيى العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا علي ابن عابس عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم، تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: {ومن ذريته داود وسليمان} حتى بلغ {ويحيى وعيسى} ؟ قال: بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم، وليس له أب؟ قال: صدقت. فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأجانب وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيه أيضا، لما ثبت في صحيح البخاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" فسماه ابنا، فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز. وقوله: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} ذكر أصولهم وفروعهم. وذوي طبقتهم، وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم؛ ولهذا قال: {واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} ثم قال: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم، {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كما قال [تعالى] {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} الآية [الزمر: 65] ، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله [تعالى] {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] ، وكقوله {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} [الأنبياء: 17] وكقوله {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار} [الزمر: 4] . وقوله: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} أي: أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم، ولطفا منا بالخليقة، {فإن يكفر بها} أي: بالنبوة. ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب، والحكم، والنبوة. وقوله: {هؤلاء} يعني: أهل مكة. قاله ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والضحاك، وقتادة، والسدي. {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} أي: إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، ومليين وكتابيين، فقد وكلنا بها قوما {آخرين} يعني: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، {ليسوا بها بكافرين} أي: لا يجحدون شيئا منها، ولا يردون منها حرفا واحدا، بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه. ثم قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: {أولئك} يعني: الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه {الذين هدى الله} أي: هم أهل الهداية لا غيرهم، {فبهداهم اقتده} أي: اقتد واتبع. وإذا كان هذا أمرا للرسول صلى الله عليه وسلم، فأمته تبع له فيما يشرعه [لهم] ويأمرهم به. قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول، أن مجاهدا أخبره، أنه سأل ابن عباس: أفي (ص) سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا {ووهبنا له إسحاق} إلى قوله: {فبهداهم اقتده} ثم قال: هو منهم -زاد يزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، وسهل بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد قال: قلت لابن عباس، فقال: نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدي بهم وقوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا} أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن {أجرا} أي: أجرة، ولا أريد منكم شيئا، {إن هو إلا ذكرى للعالمين} أي: يتذكرون به فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.
{وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون } يقول تعالى: وما عظموا الله حق تعظيمه، إذ كذبوا رسله إليهم، قال ابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش. واختاره ابن جرير، وقيل: نزلت في طائفة من اليهود؛ وقيل: في فنحاص رجل منهم، وقيل: في مالك بن الصيف. {قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} والأول هو الأظهر؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش -والعرب قاطبة -كانوا يبعدون إرسال رسول من البشر، كما قال [تعالى] {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس [وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم] } [يونس: 2] ، وقال تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} [الإسراء: 94، 95] ، وقال هاهنا: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} قال الله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} ؟ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة: {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} يعني: التوراة التي قد علمتم -وكل أحد -أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورا وهدى للناس، أي: ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات. وقوله: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} أي: يجعلها حملتها قراطيس، أي: قطعا يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ما يحرفون ويبدلون ويتأولون، ويقولون: {هذا من عند الله} [البقرة: 79] ، أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند الله؛ ولهذا قال: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} وقوله: {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} أي: ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك أنتم ولا آباؤكم. قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب. وقال مجاهد: هذه للمسلمين. وقوله: {قل الله} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي: قل: الله أنزله. وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض المتأخرين، من أن معنى {قل الله} أي: لا يكون خطاب لهم إلا هذه الكلمة، كلمة: "الله". وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرا بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها. وقوله: {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} أي: ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين فسوف يعلمون ألهم العاقبة، أم لعباد الله المتقين؟.
وقوله: {وهذا كتاب} يعني: القرآن {أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى} يعني: مكة {ومن حولها} من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم، كما قال في الآية الأخرى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] ، وقال {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وقال {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] ، وقال {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] ، وقال {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} [آل عمران: 20] ، وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي" وذكر منهن: "وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة" ؛ ولهذا قال: {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} أي: كل من آمن بالله واليوم الآخر آمن بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن، {وهم على صلاتهم يحافظون} أي: يقومون بما افترض عليهم، من أداء الصلوات في أوقاتها. {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } يقول تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فجعل له شريكا أو ولدا، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يكن أرسله؛ ولهذا قال تعالى: {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب [لعنه الله] {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} يعني: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول، كما قال تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا [إن هذا إلا أساطير الأولين] } [الأنفال: 31] ، قال الله: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} أي: في سكراته وغمراته وكرباته، {والملائكة باسطو أيديهم} أي: بالضرب كما قال: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني [ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك] } الآية [المائدة: 28] ، وقال: {ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} الآية [الممتحنة: 2] . وقال الضحاك، وأبو صالح: {باسطو أيديهم} أي: بالعذاب. وكما قال [تعالى] {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} [الأنفال: 50] ؛ ولهذا قال: {والملائكة باسطو أيديهم} أي: بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم؛ ولهذا يقولون لهم: {أخرجوا أنفسكم} وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال، والأغلال والسلاسل، والجحيم والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق [وكنتم عن آياته تستكبرون] } أي: اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله. وقد وردت أحاديث [متواترة] في كيفية احتضار المؤمن والكافر، وهي مقررة عند قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] . وقد ذكر ابن مردويه هاهنا حديثا مطولا جدا من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا، فالله أعلم وقوله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} أي: يقال لهم يوم معادهم هذا، كما قال {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} [الكهف: 48] ، أي: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.
وقوله: {وتركتم ما خولناكم} أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا {وراء ظهوركم} وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس". وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج فيقول الله، عز وجل، [له] أين ما جمعت؟ فيقول يا رب، جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول: فأين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئا، وتلا هذه الآية: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في [الدار] الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أن تلك تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب، عز وجل، على رءوس الخلائق: {أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} [الأنعام: 22] وقيل لهم {أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون} [الشعراء: 92، 93] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} أي: في العبادة، لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم. ثم قال تعالى: {لقد تقطع بينكم} قرئ بالرفع، أي شملكم، وقرئ بالنصب، أي: لقد انقطع ما بينكم من الوصلات والأسباب والوسائل {وضل عنكم} أي: وذهب عنكم {ما كنتم تزعمون} من رجاء الأصنام، كما قال: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 166، 167] ، وقال تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101] ، وقال {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] ، وقال {وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} الآية [القصص: 64] ، وقال تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا} إلى قوله: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 22 -24] ، والآيات في هذا كثيرة جدا. {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي: يشقه في الثرى فتنبت الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى؛ ولهذا فسر [قوله] {فالق الحب والنوى} بقوله {يخرج الحي من الميت} أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت، كما قال: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون [وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض] ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 33 -36] . وقوله: {ومخرج الميت من الحي} معطوف على {فالق الحب والنوى} ثم فسره ثم عطف عليه قوله: {ومخرج الميت من الحي} وقد عبروا عن هذا [وهذا] بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، من قائل: يخرج الولد الصالح من الكافر، والكافر من الصالح، وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها. ثم قال: {ذلكم الله} أي: فاعل هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له {فأنى تؤفكون} أي: فكيف تصرفون من الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون مع الله غيره.
وقوله: {فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا} أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة: {وجعل الظلمات والنور} فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بدآدئه وظلام رواقه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، كما قال [تعالى] {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} [الأعراف: 54] ، فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح وقابل ذلك بقوله: {وجاعل الليل سكنا} أي: ساجيا مظلما تسكن فيه الأشياء، كما قال: {والضحى والليل إذا سجى} [الضحى: 1، 2] ، وقال {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} [الليل: 1، 2] ، وقال {والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها} [الشمس: 3، 4] . وقال صهيب الرومي [رضي الله عنه] لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب، إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {والشمس والقمر حسبانا} أي: يجريان بحساب مقنن مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا، كما قال [تعالى] {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل [لتعلموا عدد السنين والحساب] } الآية [يونس: 5] ، وكما قال: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] ، وقال {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} [الأعراف: 54] . وقوله: {ذلك تقدير العزيز العليم} أي: الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف العليم بكل شيء، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر، يختم الكلام بالعزة والعلم، كما ذكر في هذه الآية، وكما في قوله: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} [يس: 37، 38] . ولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن في أول سورة {حم} السجدة، قال: {وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم} [فصلت: 12] . وقوله: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله: أن الله جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر. وقوله: {قد فصلنا الآيات} أي: قد بيناها ووضحناها {لقوم يعلمون} أي: يعقلون ويعرفون الحق ويجتنبون الباطل. {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } يقول تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} يعني: آدم عليه السلام، كما قال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء: 1] . وقوله: {فمستقر} اختلفوا في معنى ذلك، فعن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي عبد الرحمن السلمي، وقيس بن أبي حازم ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك وقتادة والسدي، وعطاء الخراساني: {فمستقر} أي: في الأرحام قالوا -أو: أكثرهم -: {ومستودع} أي: في الأصلاب. وعن ابن مسعود وطائفة عكس ذلك. وعن ابن مسعود أيضا وطائفة: فمستقر في الدنيا، ومستودع حيث يموت. وقال سعيد بن جبير: {فمستقر} في الأرحام وعلى ظهر الأرض، وحيث يموت. وقال الحسن البصري: المستقر الذي [قد] مات فاستقر به عمله. وعن ابن مسعود: ومستودع في الدار الآخرة. والقول الأول هو الأظهر، والله أعلم. وقوله: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي: يفهمون ويعون كلام الله ومعناه.
وقوله: {وهو الذي أنزل من السماء ماء} أي بقدر مباركا، رزقا للعباد وغياثا للخلائق، رحمة من الله لخلقه {فأخرجنا به نبات كل شيء} كما قال {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30] {فأخرجنا منه خضرا} أي: زرعا وشجرا أخضر، ثم بعد ذلك يخلق فيه الحب والثمر؛ ولهذا قال: {نخرج منه حبا متراكبا} أي: يركب بعضه بعضا، كالسنابل ونحوها {ومن النخل من طلعها قنوان} أي: جمع قنو وهي عذوق الرطب {دانية} أي: قريبة من المتناول، كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: {قنوان دانية} يعني بالقنوان الدانية: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. رواه ابن جرير. قال ابن جرير: وأهل الحجاز يقولون: قنوان، وقيس يقولون: قنوان، وقال امرؤ القيس: فأثت أعاليه وآدت أصوله ... ومال بقنوان من البسر أحمرا ... قال: وتميم يقولون قنيان بالياء -قال: وهي جمع قنو، كما أن صنوان جمع صنو وقوله: {وجنات من أعناب} أي: ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف عند أهل الحجاز، وربما كانا خيار الثمار في الدنيا، كما امتن تعالى بهما على عباده، في قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] ، وكان ذلك قبل تحريم الخمر. وقال: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب} [يس: 34] . وقوله: {والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} قال قتادة وغيره: يتشابه في الورق، قريب الشكل بعضه من بعض، ويتخالف في الثمار شكلا وطعما وطبعا. وقوله: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} أي: نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي، وقتادة، وغيرهم. أي: فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطبا صار عنبا ورطبا وغير ذلك، مما خلق تعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كما قال تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل [إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون] } [الرعد: 4] ولهذا قال هاهنا {إن في ذلكم لآيات} أي: دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته {لقوم يؤمنون} أي: يصدقون به، ويتبعون رسله. {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون } هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا في عبادة الله أن عبدوا الجن، فجعلوهم شركاء الله في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم. فإن قيل: فكيف عبدت الجن وإنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم إنما عبدوا الأصنام عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك، كما قال تعالى: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء: 117 -120] ، وقال تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني [وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا] } [الكهف: 50] ، وقال إبراهيم لأبيه: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} [مريم: 44] ، وقال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يس: 60، 61] ، وتقول الملائكة يوم القيامة: {سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 41] ، ولهذا قال تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم} أي: وقد خلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، كما قال إبراهيم [عليه السلام] {أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 95، 96] . ومعنى الآية: أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق وحده؛ فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} ينبه به تعالى على ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولدا، كما يزعم من قاله من اليهود في العزير، ومن قال من النصارى في المسيح وكما قال المشركون من العرب في الملائكة: إنها بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ومعنى قوله [تعالى] {وخرقوا} أي: واختلقوا وائتفكوا، وتخرصوا وكذبوا، كما قاله علماء السلف. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وخرقوا} يعني: أنهم تخرصوا. وقال العوفي عنه: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} قال: جعلوا له بنين وبنات. وقال مجاهد: {وخرقوا له بنين وبنات} قال: كذبوا. وكذا قال الحسن. وقال الضحاك: وضعوا، وقال السدي: قطعوا. قال ابن جرير: فتأويل الكلام إذا: وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا ظهير {وخرقوا له بنين وبنات} يقول: وتخرصوا لله كذبا، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبغي إن كان إلها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك. ولهذا قال تعالى: {سبحانه وتعالى عما يصفون} أي: تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد، والنظراء والشركاء. {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } {بديع السماوات والأرض} أي: مبدع السموات والآرض وخالقهما ومنشئهما و [محدثها] على غير مثال سبق، كما قال مجاهد والسدي. ومنه سميت البدعة بدعة؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف. {أنى يكون له ولد} أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والولد إنما يكون متولدا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد، كما قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا [تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا ] وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} [مريم: 88 -95] . {وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه؟ وهو الذي لا نظير له فأنى يكون له ولد؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } يقول تعالى: {ذلكم الله ربكم} أي: الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة، {لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل {وهو على كل شيء وكيل} أي: حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار. وقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} فيه أقوال للأئمة من السلف: أحدها: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة كما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب. [وفي رواية: على الله] فإن الله يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق. ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة غير وجه وقد خالفها ابن عباس، فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين. والمسألة تذكر في أول "سورة النجم" إن شاء الله [تعالى]
Preguntas
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué es el zakat y quién está obligado a pagarlo?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?