İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقال آخرون: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين -إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن -حتى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلف منه. حكاه ابن جرير -أيضا-، وهو ضعيف أيضا؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك -أيضا-لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك. ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه. وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه [تركب] من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 1، 2] . {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} [آل عمران: 1-3] . {المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 1، 2] . {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم} [إبراهيم: 1] {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} [السجدة: 1، 2] . {حم تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 1، 2] . {حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} [الشورى: 1-3] ، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم. وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته. وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب المغازي، حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، قال: مر أبو ياسر بن أخطب، في رجال من يهود، برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه [هدى للمتقين] } [البقرة: 1، 2] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال: تعلمون -والله-لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عليه: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقالوا: يا محمد، ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: {الم ذلك الكتاب لا [ريب] } ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلى". فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: "نعم". قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام حيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي، إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ فقال: "نعم"، قال: ما ذاك؟ قال: "المص"، قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون ، فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة. هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال: "نعم" قال: ما ذاك ؟ قال: "الر". قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان. فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: "نعم"، قال: ماذا؟ قال: "المر". قال: فهذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان، ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب، ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين . فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] .
فهذا مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرر فأتم وأعظم والله أعلم. {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } قال ابن جريج: قال ابن عباس: "ذلك الكتاب": هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج: أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم. و {الكتاب} القرآن. ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل، كما حكاه ابن جرير وغيره، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم له به. والريب: الشك، قال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا ريب فيه} لا شك فيه. وقاله أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافا. [وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل: بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب ... واستعمل -أيضا-في الحاجة كما قال بعضهم : قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا] ومعنى الكلام: أن هذا الكتاب -وهو القرآن-لا شك فيه أنه نزل من عند الله، كما قال تعالى في السجدة: {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} [السجدة: 1، 2] . [وقال بعضهم: هذا خبر ومعناه النهي، أي: لا ترتابوا فيه] . ومن القراء من يقف على قوله: {لا ريب} ويبتدئ بقوله: {فيه هدى للمتقين} والوقف على قوله تعالى: {لا ريب فيه} أولى للآية التي ذكرنا، ولأنه يصير قوله: {هدى} صفة للقرآن، وذلك أبلغ من كون: {فيه هدى} . و {هدى} يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعا على النعت، ومنصوبا على الحال. وخصت الهداية للمتقين. كما قال: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] . {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار، كما قال: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] . وقد قال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هدى للمتقين} يعني: نورا للمتقين. وقال الشعبي: هدى من الضلالة. وقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين. وكل ذلك صحيح. وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هدى للمتقين} قال: هم المؤمنون . وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {للمتقين} أي: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: {للمتقين} قال: المؤمنين الذين يتقون الشرك بي، ويعملون بطاعتي. وقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري، قوله: {للمتقين} قال: اتقوا ما حرم الله عليهم، وأدوا ما افترض عليهم.
وقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن المتقين، قال: فأجبته. فقال [لي] سل عنها الكلبي، فسألته فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم. قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنه كذلك. ولم ينكره. وقال قتادة {للمتقين} هم الذين نعتهم الله بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} الآية والتي بعدها [البقرة: 3، 4] . واختار ابن جرير: أن الآية تعم ذلك كله، وهو كما قال. وقد روى الترمذي وابن ماجه، من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل، عن عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس . ثم قال الترمذي: حسن غريب . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان، يعني الرازي، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة، قال: كنت جالسا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل، يقال له: أبو عفيف، من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة، فيمرون إلى الجنة . وأصل التقوى: التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية. قال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد وقال الآخر: فألقت قناعا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم وقد قيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى وأنشد أبو الدرداء يوما: يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" . {الذين يؤمنون بالغيب } قال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: الإيمان التصديق. وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس، {يؤمنون} يصدقون. وقال معمر عن الزهري: الإيمان العمل. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: {يؤمنون} يخشون. قال ابن جرير وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادا وعملا قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] ، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} [يوسف: 17] ، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال؛ كقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الانشقاق: 25، والتين: 6] ، فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
ومنهم من فسره بالخشية، لقوله تعالى: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب} [الملك: 12] ، وقوله: {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} [ق: 33] ، والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] . وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد. قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: {يؤمنون بالغيب} قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة بن دعامة. وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة، وأمر النار، وما ذكر في القرآن. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {بالغيب} قال: بما جاء منه، يعني: من الله تعالى. وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، قال: الغيب القرآن. وقال عطاء بن أبي رباح: من آمن بالله فقد آمن بالغيب. وقال إسماعيل بن أبي خالد: {يؤمنون بالغيب} قال: بغيب الإسلام. وقال زيد بن أسلم: {الذين يؤمنون بالغيب} قال: بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا، فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقوا به، قال: فقال عبد الله: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} إلى قوله: {المفلحون} [البقرة: 1-5] . وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من طرق، عن الأعمش، به . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [الإمام] أحمد، حدثنا أبو المغيرة، أخبرنا الأوزاعي، حدثني أسيد بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز، قال: قلت لأبي جمعة: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، أحدثك حديثا جيدا: تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: "نعم"، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" . طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن صالح بن جبير، قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس، ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقا؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: هات رحمك الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم أجرا منا؟ آمنا بك واتبعناك، قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا" مرتين . ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، بنحوه . وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث، كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا مطلقا.
وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ ". قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ ". قالوا: فالنبيون. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ ". قالوا: فنحن. قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ". قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها" . قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث. قلت: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله أو نحوه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعا ، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، حدثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته تويلة بنت أسلم، قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء ، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب" . هذا حديث غريب من هذا الوجه. {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون 3} قال ابن عباس: أي: يقيمون الصلاة بفروضها. وقال الضحاك، عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها. وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا إقامتها. وقال علي بن أبي طلحة، وغيره عن ابن عباس: {ومما رزقناهم ينفقون} قال: زكاة أموالهم. وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {ومما رزقناهم ينفقون} قال: هي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال جويبر، عن الضحاك: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهن الصدقات، هن الناسخات المثبتات. وقال قتادة: {ومما رزقناهم ينفقون} فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها. واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم: أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين، زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته، من أهل أو عيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه. قلت: كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه؛ والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" . والأحاديث في هذا كثيرة.
وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء، قال الأعشى: لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما وقال أيضا وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك. وقال الآخر -وهو الأعشى أيضا-: تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها، وأنواعها [المشروعة] المشهورة. وقال ابن جرير: وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل ربه من حاجته . [وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب، ومنه سمي المصلي؛ وهو الثاني للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر، وقيل: هي مشتقة من الصلى، وهو الملازمة للشيء من قوله: {لا يصلاها} أي: يلزمها ويدوم فيها {إلا الأشقى} [الليل: 15] وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوم، كما أن المصلي يقوم عوجه بالصلاة: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم] . وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه، إن شاء الله. {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } قال ابن عباس: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} أي: يصدقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم {وبالآخرة هم يوقنون} أي: بالبعث والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان. وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا، وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هاهنا: هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير: أحدهما : أن الموصوفين أولا هم الموصوفون ثانيا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم، قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة. والثاني: هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى} [الأعلى: 1-5] وكما قال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد. والثالث: أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيا بقوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} الآية مؤمنو أهل الكتاب، نقله السدي في تفسيره، عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، واختاره ابن جرير، ويستشهد لما قال بقوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} الآية [آل عمران: 199] ، وبقوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون} [القصص: 52-54] . وثبت في الصحيحين، من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها" . وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: منافق وكافر، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى عربي وكتابي.
قلت: والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري، عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير واحد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين، فهذه الآيات الأربع عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي، وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من قبله من الرسل والإيقان بالآخرة، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك، كما قال: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} الآية [النساء: 136] . وقال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد} الآية [العنكبوت:46] . وقال تعالى: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم} [النساء: 47] وقال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} [المائدة: 68] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك، فقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} الآية [البقرة: 285] وقال: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم} [النساء: 152] وغير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه. لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم مفصلا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان، بما تقدم مجملا كما جاء في الصحيح: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، ولكن قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم" ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم [قد] يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم، والله أعلم. {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } يقول الله تعالى: {أولئك} أي: المتصفون بما تقدم: من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل الله إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة، وهو يستلزم الاستعداد لها من العمل بالصالحات وترك المحرمات. {على هدى} أي: نور وبيان وبصيرة من الله تعالى. {وأولئك هم المفلحون} أي: في الدنيا والآخرة. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {أولئك على هدى من ربهم} أي: على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم، {وأولئك هم المفلحون} أي: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا. وقال ابن جرير: وأما معنى قوله: {أولئك على هدى من ربهم} فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم وتأويل قوله: {وأولئك هم المفلحون} أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب .
وقد حكى ابن جرير قولا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} الآية، على ما تقدم من الخلاف. [قال] وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} منقطعا مما قبله، وأن يكون مرفوعا على الابتداء وخبره { [أولئك على هدى من ربهم و] أولئك هم المفلحون} واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب، لما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الذين يؤمنون بالغيب، فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة، والإشارة عائدة عليهم، والله أعلم. وقد نقل هذا عن مجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، رحمهم الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم واسمه سليمان بن عبد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له: يا رسول الله، إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس، أو كما قال. قال: فقال: "أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال:" {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه} " إلى قوله تعالى: {المفلحون} هؤلاء أهل الجنة". قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء. ثم قال:" {إن الذين كفروا سواء عليهم} " إلى قوله: {عظيم} هؤلاء أهل النار". قالوا: لسنا هم يا رسول الله. قال: "أجل " . {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } يقول تعالى: {إن الذين كفروا} أي: غطوا الحق وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] وقال في حق المعاندين من أهل الكتاب: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك} الآية [البقرة: 145] أي: إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يهمدنك ذلك؛ {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] ، و {إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} [هود: 12] . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {إن الذين كفروا} أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟!
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها} [إبراهيم: 28، 29] . والمعنى الذي ذكرناه أولا وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة، أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها، والله أعلم. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا، فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، حدثني عبد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل: يا رسول الله، إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نيأس، فقال: "ألا أخبركم"، ثم قال: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هؤلاء أهل النار". قالوا: لسنا منهم يا رسول الله؟ قال: "أجل" . [وقوله: {لا يؤمنون} محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله: {لا يؤمنون} ويحتمل أن يكون {لا يؤمنون} خبرا لأن تقديره: إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} جملة معترضة، والله أعلم] . {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } قال السدي: {ختم الله} أي: طبع الله، وقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه؛ فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون. وقال ابن جريج: قال مجاهد: {ختم الله على قلوبهم} قال: نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم، قال ابن جريج: الختم على القلب والسمع. قال ابن جريج: وحدثني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشد من ذلك كله. وقال الأعمش: أرانا مجاهد بيده فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه -يعني: الكف-فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم. وقال بأصبع أخرى، فإذا أذنب ضم. وقال بأصبع أخرى وهكذا، حتى ضم أصابعه كلها، ثم قال : يطبع عليه بطابع. وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك: الرين. ورواه ابن جرير: عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه. قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما معنى قوله: {ختم الله على قلوبهم} إخبار من الله عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلانا لأصم عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا. قال: وهذا لا يصح؛ لأن الله قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم. (قلت) : وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدا، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده -تعالى الله عنه في اعتقاده-ولو فهم قوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وقوله {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علما بهذا لما قال ما قال، والله أعلم.
قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال: {بل طبع الله عليها بكفرهم} وذكر حديث تقليب القلوب: "ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك"، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفاء فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا" الحديث. قال والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما حدثنا به محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14] . وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي، عن قتيبة، عن الليث بن سعد، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به . وقال الترمذي: حسن صحيح. ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحله رباطه [عنها] . واعلم أن الوقف التام على قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} ، وقوله {وعلى أبصارهم غشاوة} جملة تامة، فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة -وهي الغطاء-تكون على البصر، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون، ويقول: وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون. قال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد حدثنا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} والغشاوة على أبصارهم. وقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، يعني ابن داود، وهو سنيد، حدثني حجاج، وهو ابن محمد الأعور، حدثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} [الشورى: 24] ، وقال {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} [الجاثية: 23] . قال ابن جرير: ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوة} يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع، على محل {وعلى سمعهم} كقوله تعالى: {وحور عين} [الواقعة: 22] ، وقول الشاعر: علفتها تبنا وماء باردا حتى شتت همالة عيناها وقال الآخر: ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا تقديره: وسقيتها ماء باردا، ومعتقلا رمحا.
لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور، تعريفا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضا، فقال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون لله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون } النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه. وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق، بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مستكرها، وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام، على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام، رضي الله عنه، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان، عليه الصلاة والسلام، وادع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته، وأعلى الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي بن سلول، وكان رأسا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا، واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد، لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرها، بل يهاجر ويترك ماله، وولده، وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} يعني: المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. وكذا فسرها بالمنافقين أبو العالية، والحسن، وقتادة، والسدي. ولهذا نبه الله، سبحانه، على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار، أن يظن بأهل الفجور خير، فقال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} أي: يقولون ذلك قولا ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] أي: إنما يقولون ذلك إذا جاؤوك فقط، لا في نفس الأمر؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها؛ كما أكدوا قولهم: {آمنا بالله وباليوم الآخر} وليس الأمر كذلك، كما أكذبهم الله في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم، بقوله: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] ، وبقوله {وما هم بمؤمنين}
وقوله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا} أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} [المجادلة: 18] ؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] . ومن القراء من قرأ: "وما يخادعون إلا أنفسهم"، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد. قال ابن جرير: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ قيل: لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية، لينجو مما هو له خائف، مخادعا، فكذلك المنافق، سمي مخادعا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية، مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهر، مستبطن، وذلك من فعله -وإن كان خداعا للمؤمنين في عاجل الدنيا-فهو لنفسه بذلك من فعله خادع، لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها حياض عطبها، ومجرعها بها كأس عذابها، ومزيرها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك خديعته نفسه، ظنا منه -مع إساءته إليها في أمر معادها-أنه إليها محسن، كما قال تعالى: {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} إعلاما منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم، وشكهم وتكذيبهم، غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون . وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا علي بن المبارك، فيما كتب إلي، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا محمد بن ثور، عن ابن جريج، في قوله تعالى: {يخادعون الله} قال: يظهرون "لا إله إلا الله" يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك . وقال سعيد، عن قتادة: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق يصدق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله، يصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هب معها. {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } قال السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: {في قلوبهم مرض} قال: شك، {فزادهم الله مرضا} قال: شكا. وقال [محمد] بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس [في قوله] {: في قلوبهم مرض} قال: شك. وكذلك قال مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة. وعن عكرمة، وطاوس: {في قلوبهم مرض} يعني: الرياء. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {في قلوبهم مرض} قال: نفاق {فزادهم الله مرضا} قال: نفاقا، وهذا كالأول. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {في قلوبهم مرض} قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضا في الأجساد، وهم المنافقون. والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام {فزادهم الله مرضا} قال: زادهم رجسا، وقرأ: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 124، 125] قال: شرا إلى شرهم وضلالة إلى ضلالتهم. وهذا الذي قاله عبد الرحمن، رحمه الله، حسن، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضا: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] .
وقوله {بما كانوا يكذبون} وقرئ: "يكذبون"، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة يكذبون بالحق يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه، عليه السلام، عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين: أنه قال لعمر: "أكره أن يتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه" ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمدا يقتل أصحابه، قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بشر اعتقادهم. قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون. ومنها: ما قال مالك، رحمه الله: إنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه. قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام، قال: ومنها ما قال الشافعي: إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله. ويؤيد هذا قوله، عليه الصلاة والسلام، في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، عز وجل" . ومعنى هذا: أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرا، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله} الآية [الحديد: 14] ، فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث، ومنها ما قاله بعضهم: أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف من شرهم مع وجوده، عليه السلام، بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون، قال مالك: المنافق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزنديق اليوم. قلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا. أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا أو يتكرر منه ارتداده أم لا أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام. (تنبيه) قول من قال: كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلماء الليل عند عقبة هناك؛ عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة. ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها والله أعلم.
فأما غير هؤلاء فقد قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} الآية، وقال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم وإنما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين ومع هذا لما مات [صلى عليه] صلى الله عليه وسلم وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه فقال: "إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه" وفي رواية في الصحيح "إني خيرت فاخترت" وفي رواية "لو أني أعلم لو زدت على السبعين يغفر الله له لزدت". {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون } قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الطيب الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} أما لا تفسدوا في الأرض، قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية. وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: يعني: لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة. وقال ابن جريج، عن مجاهد: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: إذا ركبوا معصية الله، فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى، مصلحون. وقد قال وكيع، وعيسى بن يونس، وعثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن سلمان الفارسي: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} قال سلمان: لم يجئ أهل هذه الآية بعد. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان، في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء بعد . قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد . قال ابن جرير: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها .
وهذا الذي قاله حسن، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} [الأنفال: 73] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} [النساء: 144] ثم قال: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا} [النساء: 145] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غر المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حالته الأولى لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛ ولهذا قال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادا. {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } يقول [الله] تعالى: وإذا قيل للمنافقين: {آمنوا كما آمن الناس} أي: كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك، مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} يعنون -لعنهم الله-أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم، قاله أبو العالية والسدي في تفسيره، بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة، وبه يقول الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء!! والسفهاء: جمع سفيه، كما أن الحكماء جمع حكيم [والحلماء جمع حليم] والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء، في قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5] قال عامة علماء السلف: هم النساء والصبيان. وقد تولى الله، سبحانه، جوابهم في هذه المواطن كلها، فقال {ألا إنهم هم السفهاء} فأكد وحصر السفاهة فيهم. {ولكن لا يعلمون} يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى. {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } يقول [الله] تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: {آمنا} أي: أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، {وإذا خلوا إلى شياطينهم} يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم. فضمن {خلوا} معنى انصرفوا؛ لتعديته بإلى، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال: "إلى" هنا بمعنى "مع"، والأول أحسن، وعليه يدور كلام ابن جرير. وقال السدي عن أبي مالك: {خلوا} يعني: مضوا، و {شياطينهم} يعني: سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين. قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، عن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} يعني: هم رؤوسهم من الكفر. وقال الضحاك عن ابن عباس: وإذا خلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينهم.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول. وقال مجاهد: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين. وقال قتادة: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: إلى رؤوسهم، وقادتهم في الشرك، والشر. وبنحو ذلك فسره أبو مالك، وأبو العالية والسدي، والربيع بن أنس. قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، وتكون الشياطين من الإنس والجن، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112] . وفي المسند عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن". فقلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم" . وقوله تعالى: {قالوا إنا معكم} قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أي إنا على مثل ما أنتم عليه {إنما نحن مستهزئون} أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم. وقال الضحاك، عن ابن عباس: قالوا إنما نحن مستهزئون ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك قال الربيع بن أنس، وقتادة. وقوله تعالى جوابا لهم ومقابلة على صنيعهم: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} وقال ابن جرير: أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة، في قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} الآية [الحديد: 13] ، وقوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} [آل عمران: 178] . قال: فهذا وما أشبهه، من استهزاء الله، تعالى ذكره، وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين، وأهل الشرك به عند قائل هذا القول، ومتأول هذا التأويل. قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به. قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك. ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه، قالوا: وكذلك قوله: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54] و {الله يستهزئ بهم} على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى: أن المكر والهزء حاق بهم. وقال آخرون: قوله: {إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم} وقوله {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] ، وقوله {فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] و {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم جزاء الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة: 194] ، فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما. قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك. قال: وقال آخرون: إن معنى ذلك: أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم، في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنما نحن بما يظهر لهم -من قولنا لهم: صدقنا بمحمد، عليه السلام، وما جاء به مستهزئون؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنكال . ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله، عز وجل، بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} قال: يسخر بهم للنقمة منهم. وقوله تعالى: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} قال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة [قالوا] يمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد: يزيدهم. قال ابن جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] . والطغيان: هو المجاوزة في الشيء. كما قال: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} [الحاقة: 11] ، وقال الضحاك، عن ابن عباس: {في طغيانهم يعمهون} في كفرهم يترددون. وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، ومجاهد، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم. قال ابن جرير: والعمه: الضلال، يقال: عمه فلان يعمه عمها وعموها: إذا ضل. قال: وقوله: {في طغيانهم يعمهون} في ضلالهم وكفرهم الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه، يترددون [حيارى] ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشدا، ولا يهتدون سبيلا. [وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب، وقد يستعمل العمى في القلب -أيضا-: قال الله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] ويقال: عمه الرجل يعمه عموها فهو عمه وعامه، وجمعه عمه، وذهبت إبله العمهاء: إذا لم يدر أين ذهبت . {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين } قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وقال [محمد] بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي: الكفر بالإيمان. وقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا. وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى [أي: الكفر بالإيمان] . وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] . وحاصل قول المفسرين فيما تقدم: أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي بذلوا الهدى ثمنا للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى فيهم: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم} [المنافقون: 3] ، أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى، كما يكون حال فريق آخر منهم، فإنهم أنواع وأقسام؛ ولهذا قال تعالى: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، {وما كانوا مهتدين} أي: راشدين في صنيعهم ذلك. قال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} قد -والله-رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، بمثله سواء. {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون } [يقال: مثل ومثل ومثيل -أيضا-والجمع أمثال، قال الله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] .
وتقدير هذا المثل: أن الله سبحانه، شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم. وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال: والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين. وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] . والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، رحمه الله، هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} [المنافقون: 3] ؛ فلهذا وجه [ابن جرير] هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة. قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: {رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} [الأحزاب: 19] أي: كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] وقال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] ، وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع، في قوله تعالى: {فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون} وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} أي: ذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان {وتركهم في ظلمات} وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق، {لا يبصرون} لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك {صم} لا يسمعون خيرا {بكم} لا يتكلمون بما ينفعهم {عمي} في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة. ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه: قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: {فلما أضاءت ما حوله} زعم أن ناسا دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد نارا، فأضاءت ما حوله من قذى، أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و [عرف] الخير والشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وقال مجاهد: {فلما أضاءت ما حوله} أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين، والهدى.
وقال عطاء الخرساني في قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} قال: هذا مثل المنافق، يبصر أحيانا ويعرف أحيانا، ثم يدركه عمى القلب. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة، والحسن والسدي، والربيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون. وقال العوفي، عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: أما النور: فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأما الظلمة: فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى، ثم نزع منهم، فعتوا بعد ذلك. وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز، كما سلب صاحب النار ضوءه. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة. وقال الضحاك [في قوله] {ذهب الله بنورهم} أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله} فهي لا إله إلا الله؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وقال سعيد، عن قتادة في هذه الآية: إن المعنى: أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت، سلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله . {وتركهم في ظلمات} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وتركهم في ظلمات} يقول: في عذاب إذا ماتوا. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وتركهم في ظلمات} أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق. وقال السدي في تفسيره بسنده: {وتركهم في ظلمات} فكانت الظلمة نفاقهم. وقال الحسن البصري: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} فذلك حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق به قول: لا إله إلا الله . {صم بكم عمي} قال السدي بسنده: {صم بكم عمي} فهم خرس عمي . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {صم بكم عمي} يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه، وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة. {فهم لا يرجعون} قال ابن عباس: أي لا يرجعون إلى هدى، وكذلك قال الربيع بن أنس. وقال السدي بسنده: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} إلى الإسلام. وقال قتادة: {فهم لا يرجعون} أي لا يتوبون ولا هم يذكرون. {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير }
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم {كصيب} والصيب: المطر، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والسدي، والربيع بن أنس. وقال الضحاك: هو السحاب. والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق. {ورعد} وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: {يحسبون كل صيحة عليهم [هم العدو] } [المنافقون: 4] وقال: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون} [التوبة: 56، 57] . والبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان؛ ولهذا قال: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين} أي: ولا يجدي عنهم حذرهم شيئا؛ لأن الله محيط [بهم] بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال: {هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط} [البروج: 17-20] . [والصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم صاعقة، وحكى بعضهم صاعقة وصعقة وصاقعة، ونقل عن الحسن البصري أنه: قرأ "من الصواقع حذر الموت" بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم: يحكوك بالمثقولة القواطع شفق البرق عن الصواقع قال النحاس: وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة، حكى ذلك. ثم قال: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين. وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي لشدة ضوء الحق، {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {كلما أضاء لهم مشوا فيه} يقول: كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به [وإن أصابته فتنة] } الآية [الحج: 11] . وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} أي: يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر {قاموا} أي: متحيرين. وهكذا قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده، عن الصحابة وهو أصح وأظهر. والله أعلم. وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء له أخرى، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى. ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخلص من المنافقين، الذين قال تعالى فيهم: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} [الحديد: 13] وقال في حق المؤمنين: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات} الآية [الحديد: 12] ، وقال تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} [التحريم: 8] . ذكر الحديث الوارد في ذلك:
Preguntas
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué es el zakat y quién está obligado a pagarlo?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?