Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Sección V04/P322–V04/P324

وقال قتادة: استوت عليه شهرا حتى نزلوا منها، قال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح، عليه السلام، على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت، وصارت رمادا . وقال الضحاك: الجودي: جبل بالموصل: وقال بعضهم: هو الطور. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا محمد بن عبيد، عن توبة بن سالم قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية حين يدخل من أبواب كندة على يمينك فسألته إنك لكثير الصلاة هاهنا يوم الجمعة:! قال: بلغني أن سفينة نوح أرست من هاهنا. وقال علباء بن أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما، وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون، ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح، عليه السلام، أن الماء قد نضب، فهبط إلى أسفل الجودي، فابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربي. فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، وكان نوح عليه السلام يعبر عنهم. وقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي. وقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائة وخمسين واستقرت بهم على الجودي شهرا، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير . وأنهم صاموا يومهم ذاك ، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شبيل، عن أبي هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود، وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال: ما هذا الصوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى، عليهما السلام، شكرا لله عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم". فصام، وقال لأصحابه: "من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه، ومن كان أصاب من غذاء أهله، فليتم بقية يومه" وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في الصحيح . وقوله: {وقيل بعدا للقوم الظالمين} أي: هلاكا وخسارا لهم وبعدا من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم، فلم يبق لهم بقية. وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن قائد -مولى عبيد الله بن أبي رافع -أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أخبره: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبي"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان نوح، عليه السلام، مكث في قومه ألف سنة [إلا خمسين عاما] ، يعني وغرس مائة سنة الشجر، فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة في البر، فكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون. فلما فرغ ونبع الماء، وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت إلى الجبل، حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء [ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء] خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي" . وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار، ومجاهد بن جبر قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.

Sección V04/P324–V04/P326

{ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين } {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } هذا سؤال استعلام وكشف من نوح، عليه السلام، عن حال ولده الذي غرق، {فقال رب إن ابني من أهلي} أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} أي: الذين وعدت إنجاءهم ؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك؛ ولهذا قال: {وأهلك إلا من سبق عليه القول} [هود: 40] ، فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحا، عليه السلام. وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه، وإنما كان ابن زنية ، ويحكى القول بأنه ليس بابنه، وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد، والحسن، وعبيد بن عمير، وأبي جعفر الباقر، وابن جريج، واحتج بعضهم بقوله: {إنه عمل غير صالح} وبقوله: {فخانتاهما} [التحريم: 10] ، فممن قاله الحسن البصري، احتج بهاتين الآيتين. وبعضهم يقول: كان ابن امرأته. وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا، لكونه كان ربيبا عنده، فالله أعلم. وقال ابن عباس، وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط، قال: وقوله: {إنه ليس من أهلك} أي: الذين وعدتك نجاتهم . وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة ولهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} إلى قوله {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} [النور: 11-15] . وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة: في بعض الحروف: "إنه عمل عملا غير صالح"، والخيانة تكون على غير باب. وقد ورد في الحديث أن رسول الله قرأ بذلك، فقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: "إنه عمل غير صالح"، وسمعته يقول : {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} ولا يبالي {إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53] . وقال أحمد أيضا: حدثنا وكيع، حدثنا هارون النحوي، عن ثابت البناني، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة أن رسول الله قرأها: "إنه عمل غير صالح" . أعاده أحمد أيضا في مسنده . أم سلمة هي أم المؤمنين والظاهر -والله أعلم -أنها أسماء بنت يزيد، فإنها تكنى بذلك أيضا . وقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة قال: سمعت ابن عباس -سئل -وهو إلى جنب الكعبة -عن قول الله: {فخانتاهما} [التحريم:10] ، قال: أما وإنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف. ثم قرأ: {إنه عمل غير صالح} قال ابن عيينة: وأخبرني عمار الدهبي أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح، إن الله لا يكذب! قال تعالى: {ونادى نوح ابنه} قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط .

Sección V04/P326–V04/P328

وكذا روي عن مجاهد أيضا، وعكرمة، والضحاك، وميمون بن مهران وثابت بن الحجاج، وهو اختيار أبي جعفر بن جرير، وهو الصواب [الذي] لا شك فيه. [وقوله] : {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } يخبر تعالى عما قيل لنوح، عليه السلام، حين أرست السفينة على الجودي، من السلام عليه، وعلى من معه من المؤمنين، وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة، كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. وقال محمد بن إسحاق: ولما أراد أن يكف الطوفان أرسل ريحا على وجه الأرض، فسكن الماء، وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب السماء، يقول الله تعالى : {وقيل يا أرض ابلعي ماءك [ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين] } فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك على الجودي، فيما يزعم أهل التوراة، في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، وفي أول يوم من الشهر العاشر، رئي رءوس الجبال. فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما، فتح نوح كوة الفلك التي ركب فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء، فلم يرجع إليه. فأرسل الحمامة فرجعت إليه، لم تجد لرجليها موضعا، فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها. ثم مضى سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له. فرجعت حين أمست، وفي فيها ورق زيتون فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض. ثم مكث سبعة أيام، فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برزت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة، ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين، برز وجه الأرض، وظهر اليبس وكشف نوح غطاء الفلك ورأى وجه الأرض، وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين، في سبع وعشرين ليلة منه {قيل يا نوح اهبط بسلام منا [وبركات عليك وعلى أمم ممن معك] } [إلى آخر] الآية . {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } يقول تعالى لنبيه [ورسوله محمد] صلى الله عليه وسلم . هذه القصة وأشباهها {من أنباء الغيب} يعني: من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها [وجليتها] ، كأنك شاهدها ، {نوحيها إليك} أي: نعلمك بها وحيا منا إليك، {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} أي: لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها، حتى يقول من يكذبك: إنك تعلمتها منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح، كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك، فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك، وأذاهم لك، فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، كما فعلنا [بإخوانك] بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم، {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا [في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار] } [غافر:51، 52] ، وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون [وإن جندنا لهم الغالبون] } [الصافات:171 -173] ، وقال تعالى: {فاصبر إن العاقبة للمتقين} . {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين }

Sección V04/P328–V04/P329

يقول تعالى: ولقد أرسلنا، {إلى عاد أخاهم هودا} آمرا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيا لهم عن [عبادة] الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه [على ذلك وأجره] من الله الذي فطره {أفلا تعقلون} من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة . ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون [من الأعمال السابقة] ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره وحفظ [عليه] شأنه [وقوته] ؛ ولهذا قال: {يرسل السماء عليكم مدرارا} [نوح:11] ، و [كما جاء] وفي الحديث: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب". {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين } {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم } يخبر تعالى [إخبارا عن قوم هود] أنهم قالوا لنبيهم: {ما جئتنا ببينة} أي: بحجة [ولا دلالة] [ولا] وبرهان على ما تدعيه، {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك} أي: بمجرد قولك: "اتركوهم" نتركهم، {وما نحن لك بمؤمنين} [أي] بمصدقين، {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها {قال إني أشهد الله واشهدوا} [أي أنتم أيضا] {أني بريء مما تشركون من دونه} . يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام، {فكيدوني جميعا} أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقا، [ف ذروها تكيدني] ، {ثم لا تنظرون} أي: طرفة عين [واحدة] . وقوله: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} أي: [هي] تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم. قال الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه قال في قوله تعالى: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} قال: فيأخذ بنواصي عباده فيلقى المؤمن حتى يكون له أشفق من الوالد لولده ويقال للكافر: {ما غرك بربك الكريم} [الانفطار: 6] . وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر، ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له، الذي بيده الملك، وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. {فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } يقول لهم [رسولهم] هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها، {ويستخلف ربي قوما غيركم} يعبدونه وحده لا يشركون به [شيئا] ولا يبالي بكم: فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم، {إن ربي على كل شيء حفيظ} أي: شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم ويجزيهم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

Sección V04/P329–V04/P331

{ولما جاء أمرنا} وهو [ما أرسل الله عليهم من] الريح العقيم [التي لا تمر بشيء إلا جعلته كالرميم] فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى [من بينهم رسولهم] هودا وأتباعه [المؤمنين] من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه. {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم} [أي] كفروا بها، وعصوا رسل الله، وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء، لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به، فعاد كفروا بهود، فنزل كفرهم [به] منزلة من كفر بجميع الرسل، {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} تركوا اتباع رسولهم الرشيد، واتبعوا أمر كل جبار عنيد. فلهذا أتبعوا في هذه الدنيا لعنة من الله ومن عباده المؤمنين كلما ذكروا وينادى عليهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ، {ألا إن عادا كفروا ربهم [ألا بعدا لعاد قوم هود] } . قال السدي: ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه. {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب } يقول تعالى: ولقد أرسلنا {إلى ثمود} وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد، فبعث الله منهم {أخاهم صالحا} فأمرهم بعبادة الله وحده [لا شريك له الخالق الرازق] ؛ ولهذا قال: {هو أنشأكم من الأرض} أي: ابتدأ خلقكم منها، [من الأرض التي] خلق منها أباكم آدم، {واستعمركم فيها} أي: جعلكم [فيها] عمارا تعمرونها وتستغلونها، لسالف ذنوبكم، {ثم توبوا إليه} فيما تستقبلونه؛ {إن ربي قريب مجيب} كما قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} الآية [البقرة: 186] . {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب } {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير } يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح، عليه السلام، وبين قومه، وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم: {قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت! {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} وما كان عليه أسلافنا، {وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب} أي: [في] شك كثير . {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان [من الله] ، {وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته} وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني {غير تخسير} أي: خسارة. {ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود } وتقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة "الأعراف" بما أغنى عن إعادته ها هنا، وبالله التوفيق. {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } {قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } يقول تعالى: {ولما جاءت رسلنا} وهم الملائكة، إبراهيم بالبشرى، قيل: تبشره بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط. ويشهد للأول قوله تعالى: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} [هود: 74] ، {قالوا سلاما قال سلام} أي: عليكم.

Sección V04/P331–V04/P333

قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيوه به؛ لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام . {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} أي: ذهب سريعا، فأتاهم بالضيافة، وهو عجل: فتى البقر، حنيذ: [وهو] مشوي [شيا ناضجا] على الرضف، وهي الحجارة المحماة. هذا معنى ما روي عن ابن عباس [ومجاهد] وقتادة [والضحاك، والسدي] وغير واحد، كما قال في الآية الأخرى: {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون} [الذاريات:26، 27] . وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة. وقوله: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} تنكرهم، {وأوجس منهم خيفة} وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه؛ فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به، فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم، {وأوجس منهم خيفة} . قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم [إبراهيم] أجلهم، {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} فذبحه ثم شواه في الرضف . [فهو الحنيد حين شواه] وأتاهم به فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول: "وامرأته قائمة وهو جالس" في قراءة ابن مسعود: "فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن. قال فإن لهذا ثمنا. قالوا وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا"، {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم، وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء، [إنا] نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا نصر بن علي، [حدثنا] نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورفائيل. قال نوح بن قيس: فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم، فقرب إليهم العجل، مسحه جبريل بجناحه، فقام يدرج حتى لحق بأمه، وأم العجل في الدار. وقوله تعالى إخبارا عن الملائكة: {قالوا لا تخف [إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت] } أي قالوا: لا تخف منا، إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم . فضحكت سارة استبشارا [منها] بهلاكهم، لكثرة فسادهم، وغلظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس. وقال قتادة: ضحكت [امرأته] وعجبت [من] أن قوما يأتيهم العذاب وهم في غفلة [فضحكت من ذلك وعجبت فبشرناها بإسحاق] . وقوله: {ومن وراء إسحاق يعقوب} قال العوفي، عن ابن عباس: {فضحكت} أي: حاضت. وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط، وقول الكلبي إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم -ضعيفان جدا، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما، فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم. وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق. وهذا مخالف لهذا السياق، فإن البشارة صريحة مرتبة على. {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل؛ فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال في آية البقرة: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] . ومن هاهنا استدل من استدل بهذه الآية، على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده. ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد.

Sección V04/P333–V04/P335

{قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا [إن هذا لشيء عجيب] } حكى قولها في هذه الآية، كما حكى فعلها في الآية الأخرى، فإنها: {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز} وفي الذاريات: {فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم} [الذاريات: 29] ، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب. {قالوا أتعجبين من أمر الله} أي: قالت الملائكة لها، لا تعجبي من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئا أن يقول له: "كن" فيكون، فلا تعجبي من هذا، وإن كنت عجوزا [كبيرة] عقيما، وبعلك [وهو زوجها الخليل عليه السلام، وإن كان] شيخا كبيرا، فإن الله على ما يشاء قدير. {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود، ممجد في صفاته وذاته؛ ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على [إبراهيم و] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" . {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } يخبر تعالى عن [خليله] إبراهيم، عليه السلام، أنه لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوجس من الملائكة خيفة، حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد [وطابت نفسه] وأخبروه بهلاك قوم لوط، أخذ يقول كما قال [عنه] سعيد بن جبير في الآية قال: لما جاءه جبريل ومن معه، قالوا له {إنا مهلكو أهل هذه القرية [إن أهلها كانوا ظالمين] } [العنكبوت: 31] ، قال لهم [إبراهيم] أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا: لا. قال: ثلاثون؟ قالوا لا حتى بلغ خمسة قالوا: لا. قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عليه السلام عند ذلك: {إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته} الآية [العنكبوت:32] ، فسكت عنهم واطمأنت نفسه. وقال قتادة وغيره قريبا من هذا -زاد ابن إسحاق: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب، قالوا: {نحن أعلم بمن فيها [لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين] } [العنكبوت:32] . وقوله: {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} مدح إبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها [في سورة براءة] . وقوله: {يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك [وإنهم آتيهم عذاب غير مردود] } أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء، وحقت عليهم الكلمة بالهلاك، وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين. {ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد } يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم، وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة. فانطلقوا من عنده، فأتوا لوطا عليه السلام، وهو -على ما قيل -في أرض له [يعمرها] وقيل: [بل كان] في منزله، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون، على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله [واختبارا] وله الحكمة والحجة البالغة، [فنزلوا عليه] فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم، وخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم أحد من قومه، فينالهم بسوء، {وقال هذا يوم عصيب} . قال ابن عباس [ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق] وغير واحد [من الأئمة] شديد بلاؤه وذلك أنه علم أنه سيدافع [قومه] عنهم، ويشق عليه ذلك.

Sección V04/P335–V04/P337

وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له [يعمل فيها] فتضيفوه فاستحيا منهم، فانطلق أمامهم وقال لهم في أثناء الطريق، كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم، حتى كرره أربع مرات قال قتادة: وقد كانوا أمروا ألا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك. وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدون نصف النهار، ولقوا بنت لوط تستقي [من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى رثيا والصغرى زغرتا] فقالوا [لها] يا جارية، هل من منزل؟ فقالت [لهم] مكانكم حتى آتيكم، وفرقت عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه، أدرك فتيانا على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم [هي] أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم، و [قد] كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا: خل عنا فلنضف الرجال. فجاء بهم، فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته فأخبرت قومها [فقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط] ، فجاءوا يهرعون إليه. وقوله: {يهرعون إليه} أي: يسرعون ويهرولون [في مشيتهم ويجمرون] من فرحهم بذلك [وروي في هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة وشمر بن عطية وسفيان بن عيينة] . وقوله: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} أي: لم يزل هذا من سجيتهم [إلى وقت آخر] حتى أخذوا وهم على ذلك الحال. وقوله: {قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد [للرجال والنساء] ، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 165، 166] ، وقوله في الآية الأخرى: {قالوا أولم ننهك عن العالمين} [الحجر:70] أي: ألم ننهك عن ضيافة الرجال {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر:71، 72] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبي أبو أمته. وكذا روي عن قتادة، وغير واحد. وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحا. وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم، هن بناته، وهو أب لهم ويقال في بعض القراءات النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم. وكذا روي عن الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. وقوله: {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي} أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم ، {أليس منكم رجل رشيد} أي: [ليس منكم رجل] فيه خير، يقبل ما آمره به، ويترك ما أنهاه عنه؟ {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} أي: إنك تعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن، {وإنك لتعلم ما نريد} أي: ليس لنا غرض إلا في الذكور، وأنت تعلم ذلك، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟ قال السدي: {وإنك لتعلم ما نريد} إنما نريد الرجال. {قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } يقول تعالى مخبرا عن نبيه لوط، عليه السلام: إن لوطا توعدهم بقوله : {لو أن لي بكم قوة [أو آوي إلى ركن شديد] } أي: لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل [من العذاب والنقمة وإحلال البأس بكم] بنفسي وعشيرتي، ولهذا ورد في الحديث، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -يعني: الله عز وجل -فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه" .

Sección V04/P337–V04/P339

[وروي من حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا ومن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به، ومن حديث ابن لهيعة عن أبي يونس سمع أبا هريرة به وأرسله الحسن وقتادة] . فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسل الله إليه، و [وبشروه] أنهم لا وصول لهم إليه [ولا خلوص] {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل، وأن يتبع أدبارهم، أي: يكون ساقة لأهله، {ولا يلتفت منكم أحد} أي: إذا سمعت ما نزل بهم، ولا تهولنكم تلك الأصوات المزعجة، ولكن استمروا ذاهبين [كما أنتم] . {إلا امرأتك} قال الأكثرون: هو استثناء من المثبت وهو قوله: {فأسر بأهلك} تقديره {إلا امرأتك} وكذلك قرأها ابن مسعود ونصب هؤلاء امرأتك؛ لأنه من مثبت ، فوجب نصبه عندهم. وقال آخرون من القراء والنحاة: هو استثناء من قوله: {ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} فجوزوا الرفع والنصب، وذكر هؤلاء [وغيرهم من الإسرائيليات] أنها خرجت معهم، وأنها لما سمعت الوجبة التفتت وقالت واقوماه. فجاءها حجر من السماء فقتلها . ثم قربوا له هلاك قومه تبشيرا له؛ لأنه قال لهم: "أهلكوهم الساعة"، فقالوا: {إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} هذا وقوم لوط وقوف على الباب وعكوف قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب، ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه، وهم لا يقبلون منه، بل يتوعدونه، فعند ذلك خرج عليهم جبريل، عليه السلام، فضرب وجوههم بجناحه، فطمس أعينهم، فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق، كما قال تعالى: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر [ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر] } [القمر:37 -39] . وقال معمر، عن قتادة، عن حذيفة بن اليمان قال: كان إبراهيم، عليه السلام، يأتي قوم لوط، فيقول: أنهاكم الله أن تعرضوا لعقوبته؟ فلم يطيعوه، حتى إذا بلغ الكتاب أجله [لمحل عذابهم وسطوات الرب بهم قال] انتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة فقالوا: إنا ضيوفك الليلة، وكان الله قد عهد إلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة، ذكر ما يعمل قومه من الشر [والدواهي العظام] ، فمشى معهم ساعة، ثم التفت إليهم فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرا منهم. أين أذهب بكم؟ إلى قومي وهم [من] أشر خلق الله، فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال: احفظوها هذه واحدة. ثم مشى معهم ساعة، فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم، إن قومي أشر خلق الله. فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال: احفظوا، هاتان اثنتان، فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال إن قومي أشر من خلق الله؟ أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم. فقال جبريل للملائكة: احفظوا، هذه ثلاث، قد حق العذاب. فلما دخلوا ذهبت عجوز السوء فصعدت فلوحت بثوبها، فأتاها الفساق يهرعون سراعا، قالوا: ما عندك؟ قالت: ضيف لوطا قوم ما رأيت قط أحسن وجوها منهم، ولا أطيب ريحا منهم. فهرعوا يسارعون إلى الباب، فعالجهم لوط على الباب، فدافعوه طويلا هو داخل وهم خارج، يناشدهم الله ويقول: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} فقام الملك فلز بالباب -يقول فسده -واستأذن جبريل في عقوبتهم، فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه. ولجبريل جناحان، وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثنايا، أجلى الجبين، ورأسه حبك حبك مثل المرجان وهو اللؤلؤ، كأنه الثلج، ورجلاه إلى الخضرة. فقال يا لوط: {إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} امض يا لوط عن الباب ودعني وإياهم، فتنحى لوط عن الباب، فخرج إليهم، فنشر جناحه، فضرب به وجوههم ضربة شدخ أعينهم، فصاروا عميا لا يعرفون الطريق [ولا يهتدون بيوتهم] ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} .

Sección V04/P339–V04/P341

وروي عن محمد بن كعب [القرظي] وقتادة، والسدي نحو هذا. {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد } يقول تعالى: {فلما جاء أمرنا} وكان ذلك عند طلوع الشمس، {جعلنا عاليها} وهي [قريتهم العظيمة وهي] سدوم [ومعاملتها] {سافلها} كقوله { [والمؤتفكة أهوى] فغشاها ما غشى} [النجم:53، 54] أي: أمطرنا عليها حجارة من "سجيل" وهي بالفارسية: حجارة من طين، قاله ابن عباس وغيره. وقال بعضهم: أي من "سنك" وهو الحجر، و"كل" وهو الطين، وقد قال في الآية الأخرى: {حجارة من طين} [الذاريات:33] أي: مستحجرة قوية شديدة. وقال بعضهم: مشوية، [وقال بعضهم: مطبوخة قوية صلبة] وقال البخاري. "سجيل": الشديد الكبير. سجيل وسجين واحد، اللام والنون أختان، وقال تميم بن مقبل: ورجلة يضربون البيض ضاحية ضربا تواصت به الأبطال سجينا وقوله: {منضود} قال بعضهم: منضودة في السماء، أي: معدة لذلك. وقال آخرون: {منضود} أي: يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم. وقوله: {مسومة} أي معلمة مختومة، عليها أسماء أصحابها، كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه. وقال قتادة وعكرمة: {مسومة} [أي] مطوقة، بها نضح من حمرة. وذكروا أنها نزلت على أهل البلد، وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث، إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس، فدمره، فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد، حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد. وقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم [وقال] وكان حملهم على خوافي جناحه الأيمن. قال: ولما قلبها كان أول ما سقط منها شذانها . وقال قتادة: بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى، ثم ألوى بها إلى جو السماء، حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم، ثم دمر بعضها على بعض، ثم أتبع شذاذ القوم سخرا -قال: وذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى، في كل قرية مائة ألف -وفي رواية: [كانوا] ثلاث قرى، الكبرى منها سدوم. قال: وبلغنا أن إبراهيم، عليه السلام، كان يشرف على سدوم، ويقول: سدوم، يوم، ما لك؟. وفي رواية عن قتادة وغيره: بلغنا أن جبريل عليه السلام، لما أصبح نشر جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها، وجميع ما فيها، فضمها في جناحه، فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها، فأرسلها إلى الأرض منكوسة، ودمدم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل. وقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات: "سدوم"، وهي العظمى، و"صعبة" و"صعوة" و"عثرة" و"دوما"، احتملها جبريل بجناحه، ثم صعد بها، حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها، وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى: {جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات. وقال السدي: لما أصبح قوم لوط، نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء، حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم، وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك قوله {والمؤتفكة أهوى} [النجم: 53] ، ومن لم يمت حين سقط للأرض، أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذا في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله عز وجل: {وأمطرنا عليهم} أي: في القرى حجارة من سجيل. هكذا قال السدي. وقوله: {وما هي من الظالمين ببعيد} أي: وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم، ببعيد عنه. وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس مرفوعا " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به" . وذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إلى أن اللائط يقتل، سواء كان محصنا أو غير محصن، عملا بهذا الحديث.

Sección V04/P341–V04/P343

وذهب الإمام أبو حنيفة [رحمه الله إلى] أنه يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين -وهم قبيلة من العرب، كانوا يسكنون بين الحجاز والشام، قريبا من بلاد معان، في بلد يعرف بهم، يقال لها "مدين" فأرسل الله إليهم شعيبا، وكان من أشرفهم نسبا. ولهذا قال: {أخاهم شعيبا} يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده، وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان {إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} أي: في معيشتكم ورزقكم فأخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله، {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} أي: في الدار الآخرة. {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ } ينهاهم أولا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العيث في الأرض بالفساد، وقد كانوا يقطعون الطريق. وقوله: {بقية الله خير لكم} قال ابن عباس: رزق الله خير لكم. وقال الحسن: رزق الله خير [لكم] من بخسكم الناس. وقال الربيع بن أنس: وصية الله خير لكم. وقال مجاهد: طاعة الله [خير لكم] . وقال قتادة: حظكم من الله خير لكم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "الهلاك" في العذاب، و"البقية" في الرحمة. وقال أبو جعفر بن جرير: {بقية الله خير لكم} أي: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان {خير لكم} أي: من أخذ أموال الناس قال: وقد روي هذا عن ابن عباس. قلت: ويشبه قوله تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة:100] . وقوله: {وما أنا عليكم بحفيظ} أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك لله عز وجل. لا تفعلوه ليراكم الناس، بل لله عز وجل. {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد } يقولون له على سبيل التهكم، قبحهم الله: {أصلاتك} ، قال الأعمش: أي: قرآنك {تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} أي: الأوثان والأصنام، {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} فنترك التطفيف على قولك، هي أموالنا نفعل فيها ما نريد. [قال الحسن] في قوله: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} إي والله، إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم. وقال الثوري في قوله: {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} يعنون الزكاة. وقولهم: {إنك لأنت الحليم الرشيد} قال ابن عباس، وميمون بن مهران، وابن جريج، وابن أسلم، وابن جرير: يقولون ذلك -أعداء الله -على سبيل الاستهزاء، قبحهم الله ولعنهم عن رحمته، وقد فعل. {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } يقول لهم أرأيتم يا قوم {إن كنت على بينة من ربي} أي: على بصيرة فيما أدعو إليه، {ورزقني منه رزقا حسنا} قيل: أراد النبوة. وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين. وقال الثوري: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} أي: لا أنهاكم عن شيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم، كما قال قتادة في قوله: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركبه {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} أي: فيما آمركم وأنهاكم، إنما مرادي إصلاحكم جهدي وطاقتي، {وما توفيقي} أي: في إصابة الحق فيما أريده {إلا بالله عليه توكلت} في جميع أموري، {وإليه أنيب} أي: أرجع، قاله مجاهد وغيره.

Sección V04/P343–V04/P345

قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه: أن أخاه مالكا قال: يا معاوية، إن محمدا أخذ جيراني، فانطلق إليه، فإنه قد كلمك وعرفك، فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني، فقد كانوا أسلموا. فأعرض عنه. [فقام متمعطا] فقال: أما والله لئن فعلت إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. وجعلت أجره وهو يتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تقول؟ " فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك. إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: "أو قد قالوها -أو قائلهم -ولئن فعلت ذلك ما ذاك إلا علي، وما عليهم من ذلك من شيء، أرسلوا له جيرانه . وقال أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ناسا من قومي في تهمة فحبسهم، فجاء رجل من قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقال: يا محمد، علام تحبس جيرتي؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم [عنه] فقال: إن ناسا ليقولون: إنك تنهى عن الشيء وتستخلي به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يقول؟ " قال: فجعلت أعرض بينهما الكلام مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدا، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به حتى فهمها، فقال: "أو قد قالوها -أو: قائلها منهم -والله لو فعلت لكان علي وما كان عليهم، خلوا له عن جيرانه" . ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه" . هذا إسناد صحيح، وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم، افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل: اللهم، إني أسألك من فضلك" . ومعناه -والله أعلم -: مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه، {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم [عنه] } . وقال قتادة، عن عزرة عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق، أن امرأة جاءت ابن مسعود قالت أتنهى عن الواصلة؟ قال: نعم. فقالت [المرأة] فلعله في بعض نسائك؟ فقال: ما حفظت إذا وصية العبد الصالح: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} . وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن أبي سليمان العتبي قال: كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي، فيكتب في آخرها: وما كانت من ذلك إلا كما قال العبد الصالح: {وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} . {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود } يقول لهم: {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي} أي: لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط من النقمة والعذاب. قال قتادة: {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي} يقول: لا يحملنكم فراقي. وقال السدي: عداوتي، على أن تتمادوا في الضلال والكفر، فيصيبكم من العذاب ما أصابهم.

Sección V04/P345–V04/P347

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا ابن أبي غنية، حدثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته، وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان؛ إذ أشرف علينا من داره فقال: {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح} يا قوم، لا تقتلوني، إنكم إن تقتلوني كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه. وقوله: {وما قوم لوط منكم ببعيد} [قيل: المراد في الزمان، كما قال قتادة في قوله: {وما قوم لوط منكم ببعيد} يعني] إنما أهلكوا بين أيديكم بالأمس، وقيل: في المكان، ويحتمل الأمران، {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} أي: استغفروه من سالف الذنوب، وتوبوا فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، {إن ربي رحيم ودود} أي: لمن تاب وأناب. {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط } يقولون: {يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} أي: ما نفهم ولا نعقل كثيرا من قولك، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب. {وإنا لنراك فينا ضعيفا} . قال سعيد بن جبير، والثوري: كان ضرير البصر. قال الثوري: وكان يقال له: خطيب الأنبياء. [وقال السدي: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} قال: أنت واحد] . [وقال أبو روق: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} يعنون: ذليلا؛ لأن عشيرتك ليسوا على دينك، فأنت ذليل ضعيف] . {ولولا رهطك} أي: قومك وعشيرتك؛ لولا معزة قومك علينا لرجمناك، قيل بالحجارة، وقيل: لسببناك، {وما أنت علينا بعزيز} أي: ليس لك عندنا معزة. {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} يقول: أتتركوني لأجل قومي، ولا تتركوني إعظاما لجناب الله أن تنالوا نبيه بمساءة. وقد اتخذتم جانب الله {وراءكم ظهريا} أي: نبذتموه خلفكم، لا تطيعونه ولا تعظمونه، {إن ربي بما تعملون محيط} أي: هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها. {ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } لما يئس نبي الله شعيب من استجابة قومه له، قال: يا قوم، {اعملوا على مكانتكم} أي: على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد شديد، {إني عامل} على طريقتي ومنهجي {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} أي: في الدار الآخرة، {ومن هو كاذب} أي: مني ومنكم، {وارتقبوا} أي: انتظروا {إني معكم رقيب} . قال الله تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا} وهم قومه، {الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} وقوله {جاثمين} أي: هامدين لا حراك بهم. وذكر هاهنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة، اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها. وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} [الأعراف:88] ، ناسب أن يذكر هناك الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيهم منها، وهاهنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسب ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا: {فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} [الشعراء:189] ، قال {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء:189] ، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرا دائما. وقوله: {كأن لم يغنوا فيها} أي: يعيشوا في دارهم قبل ذلك، {ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار، وشبيها بهم في الكفر وقطع الطريق، وكانوا عربا شبههم.

Sección V04/P347–V04/P349

{ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد } {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود } يقول تعالى مخبرا عن إرسال موسى، عليه السلام، بآياته وبيناته، وحججه ودلائله الباهرة القاطعة إلى فرعون لعنه الله، وهو ملك ديار مصر على أمة القبط، {فاتبعوا أمر فرعون} أي: مسلكه ومنهجه وطريقته في الغي والضلال، {وما أمر فرعون برشيد} أي: ليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال، وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه في الدنيا، وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم، فأوردهم إياها، وشربوا من حياض رداها، وله في ذلك الحظ الأوفر، من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} [المزمل:16] ، وقال تعالى: {فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [النازعات:21 -26] ، وقال تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم المعاد، كما قال تعالى: { [قال] لكل ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] ، وقال تعالى إخبارا عن الكفرة إنهم يقولون في النار: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 67، 68] . وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار" . وقوله: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} أي: أتبعناهم زيادة على ما جازيناهم من عذاب النار لعنة في هذه الحياة الدنيا، {ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} . قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة، فتلك لعنتان. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {بئس الرفد المرفود} قال: لعنة الدنيا والآخرة، وكذا قال الضحاك، وقتادة، وهكذا قوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [القصص:41، 42] ، وقال تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر:46] . {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب } لما ذكر تعالى خبر هؤلاء الأنبياء، وما جرى لهم مع أممهم، وكيف أهلك الكافرين ونجى المؤمنين قال: {ذلك من أنباء القرى} أي: من أخبارها {نقصه عليك منها قائم} أي: عامر، {وحصيد} أي: هالك دائر، {وما ظلمناهم} أي: إذ أهلكناهم، {ولكن ظلموا أنفسهم} أي: بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم، {فما أغنت عنهم آلهتهم} أي: أصنامهم وأوثانهم التي كانوا يعبدونها ويدعونها، {من دون الله من شيء} أي: ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإهلاكهم، {وما زادوهم غير تتبيب} . قال مجاهد، وقتادة، وغيرهما: أي غير تخسير، وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها فبهذا أصابهم ما أصابهم، وخسروا بهم، في الدنيا والآخرة. {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بنظائرهم وأشباههم وأمثالهم، {إن أخذه أليم شديد} وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} . {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد }

Sección V04/P349–V04/P350

واعتبارا على صدق موعودنا في الدار الآخرة، {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر:51] ، وقال تعالى: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} [إبراهيم:13، 14] . وقال تعالى: {ذلك يوم مجموع له الناس} أي: أولهم وآخرهم، فلا يبقى منهم أحد، كما قال: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} [الكهف:47] . {وذلك يوم مشهود} أي: يوم عظيم تحضره الملائكة كلهم، ويجتمع فيه الرسل جميعهم، وتحشر فيه الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيهم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها. وقوله: {وما نؤخره إلا لأجل معدود} أي: ما نؤخر إقامة يوم القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله وقضاؤه وقدره، في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقضت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم من ذرية آدم، أقام الله الساعة؛ ولهذا قال: {وما نؤخره إلا لأجل معدود} أي: لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها، {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} يقول: يوم يأتي هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا يتكلم أحد [يومئذ] إلا بإذن الله تعالى، كما قال تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ:38] ، وقال تعالى: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} [طه:108] ، وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: "ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم . وقوله: {فمنهم شقي وسعيد} أي: فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد، كما قال: {فريق في الجنة وفريق في السعير} [الشورى:7] . وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيان، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا سليمان بن سفيان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنه، قال: لما نزلت {فمنهم شقي وسعيد} سألت النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله، علام نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: "على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له" . ثم بين تعالى حال الأشقياء وحال السعداء، فقال: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد } يقول تعالى: {لهم فيها زفير وشهيق} قال ابن عباس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر أي: تنفسهم زفير، وأخذهم النفس شهيق، لما هم فيه من العذاب، عياذا بالله من ذلك. {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت: "هذا دائم دوام السموات والأرض"، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار، وما سمر ابنا سمير، وما لألأت العفر بأذنابها. يعنون بذلك كلمة: "أبدا"، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم، فقال: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} . قلت: ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض: الجنس؛ لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض، كما قال تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم:48] ؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله: {ما دامت السماوات والأرض} قال: تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: {ما دامت السماوات والأرض} قال: لكل جنة سماء وأرض. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرض أرضا، والسماء سماء. وقوله: {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} كقوله تعالى: {النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 128] .

Sección V04/P350–V04/P352

وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء، على أقوال كثيرة، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه "زاد المسير" وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان، والضحاك، وقتادة، وأبي سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها. وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة. وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود ، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد، من الصحابة. وعن أبي مجلز، والشعبي، وغيرهما من التابعين. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة -أقوال غريبة. وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير، عن أبي أمامة صدى بن عجلان الباهلي، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه. وقال السدي: هي منسوخة بقوله: {خالدين فيها أبدا} [النساء:57] . {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } يقول تعالى: {وأما الذين سعدوا} وهم أتباع الرسل، {ففي الجنة} أي: فمأواهم الجنة، {خالدين فيها} أي: ماكثين مقيمين فيها أبدا، {ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} معنى الاستثناء هاهنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم، ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم [دائما] ، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس. وقال الضحاك، والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار، ثم أخرجوا منها. وعقب ذلك بقوله: {عطاء غير مجذوذ} أي: غير مقطوع -قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية وغير واحد، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعا، أو لبسا، أو شيئا بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع. كما بين هنا أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته، وأنه بعدله وحكمته عذبهم؛ ولهذا قال: {إن ربك فعال لما يريد} [هود:107] كما قال {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء:23] ، وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله: {عطاء غير مجذوذ} . يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت . وفي الصحيحين أيضا: "فيقال يا أهل الجنة، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا" . {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير } يقول تعالى: {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء} المشركون، إنه باطل وجهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء فيعذب كافرهم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة. قال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر.

Sección V04/P352–V04/P354

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص. ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب، فاختلف الناس فيه، فمن مؤمن به، ومن كافر به، فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة، فلا يغيظنك تكذيبهم لك، ولا يهيدنك ذلك. {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم، لقضى الله بينهم. ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة، أنه لا يعذب أحدا إلا بعدم قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه، كما قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء:15] ؛ فإنه قد قال في الآية الأخرى: {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فاصبر على ما يقولون} [طه:129، 130] . ثم أخبر أن الكافرين في شك -مما جاءهم به الرسول -قوي، فقال {وإنهم لفي شك منه مريب} . ثم أخبرنا تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فقال: {وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير} أي: عليم بأعمالهم جميعها، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها. وفي هذه الآية قراءات كثيرة، ويرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه، كما في قوله تعالى: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} [يس:32] . {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان، وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك. وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء. وقوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تدهنوا وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك. وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم. وقال ابن جريج، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم، {فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} أي: ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم، ولا ناصر يخلصكم من عذابه. {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وأقم الصلاة طرفي النهار} قال: يعني الصبح والمغرب وكذا قال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال الحسن -في رواية -وقتادة، والضحاك، وغيرهم: هي الصبح والعصر. وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره. وكذا قال محمد بن كعب القرظي، والضحاك في رواية عنه. وقوله: {وزلفا من الليل} قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم: يعني صلاة العشاء. وقال الحسن -في رواية ابن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عنه: {وزلفا من الليل} يعني المغرب والعشاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هما زلفتا الليل: المغرب والعشاء" . وكذا قال مجاهد، ومحمد بن كعب، وقتادة، والضحاك: إنها صلاة المغرب والعشاء. وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء؛ فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمة، وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضا، في قول، والله أعلم.

Sección V04/P354–V04/P355

وقوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} يقول: إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني عنه أحد استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر -أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يذنب ذنبا، فيتوضأ ويصلي ركعتين، إلا غفر له" . وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان: أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله يتوضأ، وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه" . وروى الإمام أحمد، وأبو جعفر بن جرير، من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد: أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء أظنه سيكون فيه قدر مد، فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات" . وفي الصحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرا غمرا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقي من درنه شيئا؟ " قالوا: لا يا رسول الله: قال: "وكذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الذنوب والخطايا" . وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد قالا حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر: أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" . وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، أن أبا رهم السمعي كان يحدث: أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة" وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "جعلت الصلوات كفارات لما بينهن؛ فإن الله قال: {إن الحسنات يذهبن السيئات} . وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود؛ أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} فقال الرجل: إلى هذا يا رسول الله؟ قال: "لجميع أمتي كلهم". هكذا رواه في كتاب الصلاة، وأخرجه في التفسير عن مسدد، عن يزيد بن زريع، بنحوه ورواه مسلم، وأحمد، وأهل السنن إلا أبا داود، من طرق عن أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن بن مل، به .

Sección V04/P355–V04/P357

وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير -وهذا لفظه - من طرق: عن سماك بن حرب: أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت. فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه، لو ستر على نفسه. فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره ثم قال: "ردوه علي". فردوه عليه، فقرأ عليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} فقال معاذ -وفي رواية عمر -: يا رسول الله، أله وحده، أم للناس كافة؟ فقال: "بل للناس كافة" . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب. فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه". قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله ؟ قال: "غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا حراما فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" . وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كان فلان ابن معتب رجلا من الأنصار، فقال: يا رسول الله، دخلت على امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله، إلا أني لم أجامعها فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجيبه، حتى نزلت هذه الآية: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} فدعاه رسول الله، فقرأها عليه . وعن ابن عباس: أنه عمرو بن غزية الأنصاري التمار. وقال مقاتل: هو أبو نفيل عامر بن قيس الأنصاري، وذكر الخطيب البغدادي أنه أبو اليسر: كعب بن عمرو. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وعفان قالا حدثنا حماد -يعني: ابن سلمة -عن علي بن زيد -قال عفان: أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس؛ أن رجلا أتى عمر قال امرأة جاءت تبايعه، فأدخلتها الدولج، فأصبت منها ما دون الجماع، فقال: ويحك. لعلها مغيبة في سبيل الله؟ قال: أجل. قال: فائت أبا بكر فاسأله قال: فأتاه فسأله، فقال: لعلها مغيبة في سبيل الله؟ فقال مثل قول عمر، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل ذلك، قال: "فلعلها مغيبة في سبيل الله". ونزل القرآن: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} إلى آخر الآية، فقال: يا رسول الله، ألي خاصة أم للناس عامة؟ فضرب -يعني: عمر -صدره بيده وقال: لا ولا نعمة عين، بل للناس عامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق عمر" .

Sección V04/P357–V04/P358

وروى الإمام أبو جعفر بن جرير من حديث قيس بن الربيع، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرا، فقلت: إن في البيت تمرا أطيب وأجود من هذا، فدخلت، فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت عمر فسألته، فقال: اتق الله، واستر على نفسك، ولا تخبرن أحدا. فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته، فقال: اتق الله، واستر على نفسك، ولا تخبرن أحدا. قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: "أخلفت رجلا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ " حتى ظننت أني من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ. فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، فنزل جبريل، فقال: " [أين] أبو اليسر؟ ". فجئت، فقرأ علي: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} إلى {ذكرى للذاكرين} فقال إنسان: يا رسول الله، أله خاصة أم للناس عامة؟ قال " للناس عامة" . وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل؛ أنه كان قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصاب منها، غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "توضأ وضوءا حسنا، ثم قم فصل" قال: فأنزل الله عز وجل هذه الآية، يعني قوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} فقال معاذ: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: "بل للمسلمين عامة". ورواه ابن جرير من طرق، عن عبد الملك بن عمير، به . وقال عبد الرزاق: أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة؛ أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادما حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع، فقال له: "استغفر ربك، وصل أربع ركعات". قال: وتلا عليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} الآية . وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني عمرو بن الحارث حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن سليم بن عامر؛ أنه سمع أبا أمامة يقول: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أقم في حد الله -مرة أو ثنتين -فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: "أين هذا الرجل القائل: أقم في حد الله؟ " قال: أنا ذا: قال: "أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا؟ " قال: نعم. قال: "فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك، ولا تعد". وأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم : {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} .

Preguntas

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm · 68 · Qur'an & Sunnah