Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
قلنا : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { أو اوى } بالنصب بإضمار أن ، كأنه قيل لو أن لي بكم قوة أو آويا . واعلم أن قوله : { لو أن لى بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد } لا بد من حمل كل واحد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة ، وفيه وجوه : الأول : المراد بقوله : { لو أن لى بكم قوة } كونه بنفسه قادرا على الدفع وكونه متمكنا إما بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم ، والمراد بقوله : / { أو اوى إلى ركن شديد } هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ليأمن من شرهم بواسطته . الثالث : أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع ، ثم استدرك على نفسه وقال : بلى الأولى أن آوى إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله تعالى ، وعلى هذا التقدير فقوله : { أو اوى إلى ركن شديد } كلام منفصل عما قبله ولا تعلق له به ، وبهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على الاسم ، ولذلك قال النبي عليه السلام : ( رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد ) . ! 7 < { قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من اليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } . > 7 ! < < هود : ( 81 ) قالوا يا لوط . . . . . > > اعلم أن قوله تعالى مخبرا عن لوط عليه السلام أنه قال : { لو أن لى بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد } ( هود : 80 ) يدل على أنه كان في غاية القلق والحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حق أضيافه ، فلما رأت الملائكة تلك الحالة بشروه بأنواع من البشارات : أحدها : أنهم رسل الله . وثانيها : أن الكفار لا يصلون إلى ما هموا به . وثالثها : أنه تعالى يهلكهم . ورابعها : أنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب . وخامسها : إن ركنك شديد وإن ناصرك هو الله تعالى فحصل له هذه البشارات ، وروي أن جبريل عليه السلام قال له إن قومك لن يصلوا إليك فافتح الباب فدخلوا فضرب جبريل عليه السلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم ، وذلك قوله تعالى : { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم } ( القمر : 37 ) ومعنى قوله : { لن يصلوا إليك } أي بسوء ومكروه فإنا نحول بينهم وبين ذلك . ثم قال : { فأسر بأهلك } قرأ نافع وابن كثير { فأسر } موصولة والباقون بقطع الألف وهما لغتان ، يقال سريت بالليل وأسريت وأنشد حسان : أسرت إليك ولم تكن تسري / فجاء باللغتين فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله سبحانه وتعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) ومن وصل فحجته قوله : { واليل إذا يسر } ( الفجر : 4 ) والسرى السير في الليل . يقال : سرى يسري إذا سار بالليل وأسرى بفلان إذا سير به بالليل ، والقطع من الليل بعضه وهو مثل القطعة ، يريد اخرجوا ليلا لتسبقوا نزول العذاب الذي موعده الصبح . قال نافع بن الأزرق لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما : أخبرني عن قول الله { بقطع من اليل } قال هو آخر الليل سحر ، وقال قتادة : بعد طائفة من الليل ، وقال آخرون هو نصف الليل فإنه في ذلك الوقت قطع بنصفين .
ثم قال : { ولا يلتفت منكم أحد } نهى من معه عن الالتفات والالتفات نظر الإنسان إلى ما وراءه ، والظاهر أن المراد أنه كان لهم في البلدة أموال وأقمشة وأصدقاء ، فالملائكة أمروهم بأن يخرجوا ويتركوا تلك الأشياء ولا يلتفتوا إليها ألبتة ، وكان المراد منه قطع القلب عن تلك الأشياء وقد يراد منه الانصراف أيضا . كقوله تعالى : { قالوا أجئتنا لتلفتنا } ( يونس : 78 ) أي لتصرفنا ، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله : { ولا يلتفت منكم أحد } النهي عن التخلف . ثم قال : { إلا امرأتك } قرأ ابن كثير وأبو عمر { إلا امرأتك } بالرفع والباقون بالنصب . قال الواحدي : من نصب وهو الاختيار فقد جعلها مستثناة من الأهل على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة عبدالله { فأسر بأهلك إلا امرأتك } فأسقط قوله : { ولا يلتفت منكم أحد } من هذا الموضع ، وأما الذين رفعوا فالتقدير { ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك } . فإن قيل : فهذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم أحد إلا زيد كان ذلك أمرا لزيد بالقيام . وأجاب أبو بكر الأنباري عنه فقال : معنى { إلا } ههنا الاستثناء المنقطع على معنى / لا يلتفت منكم أحد ، لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم ، وإذا ان هذا الاستثناء منقطعا كان التفاتها معصية ويتأكد ما ذكرنا بما روي عن قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هذا العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأصابها حجر فأهلكها . واعلم أن القراءة بالرفع أقوى ، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع أهله لكن على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطا بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة مع الهالكين وأما القراءة بالنصب فإنها أقوى من وجه آخر ، وذلك لأن مع القراءة بالنصب يبقى الاستثناء متصلا / ومع القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعا . ثم بين الله تعالى أنهم قالوا : إنه مصيبها ما أصابهم . والمراد أنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم . ثم قالوا : { إن موعدهم الصبح } روى أنهم لما قالوا لوط عليه السلام : { إن موعدهم الصبح } قال أريد أعجل من ذلك بل الساعة فقالوا : { أليس الصبح بقريب } قال المفسرون إن لوطا عليه السلام لما سمع هذا الكلام خرج بأهله في الليل . ! 7 < { فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد } . > 7 < هود : ( 82 - 83 ) فلما جاء أمرنا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في الأمر وجهان : الأول : أن المراد من هذا الأمر ما هو ضد النهي ويدل عليه وجوه : الأول : أن لفظ الأمر حقيقة في هذا المعنى مجاز في غيره دفعا للاشتراك . الثاني : أن الأمر لا يمكن حمله ههنا على العذاب ، وذلك لأنه تعالى قال : { فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها } وهذا الجعل هو العذاب ، فدلت هذه الآية على أن هذا الأمر شرط والعذاب جزاء ، والشرط غير الجزاء ، فهذا الأمر غير العذاب ، وكل من قال بذلك قال إنه هو الأمر الذي هو ضد النهي . والثالث : أنه تعالى قال : قبل هذه الآية { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } ( هود : 70 ) فدل هذا على أنهم كانوا مأمورين من عند الله تعالى بالذهاب إلى قوم لوط وبإيصال هذا العذاب إليهم .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمر جمعا من الملائكة بأن يخربوا تلك المدائن في وقت معين ، فلما جاء ذلك الوقت أقدموا على ذلك العمل ، فكان قوله : { فلما جاء أمرنا } إشارة إلى ذلك التكليف . فإن قيل : لو كان الأمر كذلك ، لوجب أن يقال : فلما جاء أمرنا جعلوا عاليها سافلها ، لأن الفعل صدر عن ذلك المأمور . قلنا : هذا لا يلزم على مذهبنا ، لأن فعل العبد فعل الله تعالى عندنا . وأيضا أن الذي وقع منهم إنما وقع بأمر الله تعالى وبقدرته ، فلم يبعد إضافته إلى الله عز وجل ، لأن الفعل كما تحسن إضافته إلى المباشر ، فقد تحسن أيضا إضافته إلى السبب . / القول الثاني : أن يكون المراد من الأمر ههنا قوله تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) وقد تقدم تفسير ذلك الأمر . القول الثالث : أن يكون المراد من الأمر العذاب وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الإضمار ، والمعنى : ولما جاء وقت عذابنا جعلنا عاليها سافلها . المسألة الثانية : اعلم أن ذلك العذاب قد وصفه الله تعالى في هذه الآية بنوعين من الوصف فالأول : قوله : { جعلنا عاليها سافلها } روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك ، ولم تنكفىء لهم جرة ولم ينكب لهم إناء ، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض . واعلم أن هذا العمل كان معجزة قاهرة من وجهين : أحدهما : أن قلع الأرض وإصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق للعادات . والثاني : أن ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض بحيث لم تتحرك سائر القرى المحيطة بها ألبتة ، ولم تصل الآفة إلى لوط عليه السلام وأهله مع قرب مكانهم من ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضا . الثاني : قوله : { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } واختلفوا في السجيل على وجوه : الأول : أنه فارسي معرب وأصله سنككل وأنه شيء مركب من الحجر والطين بشرط أن يكون في غاية الصلابة ، قال الأزهري : لماعربته العرب صار عربيا وقد عربت حروفا كثيرة كالديباج والديوان والاستبرق . والثاني : سجيل ، أي مثل السجل وهو الدلو العظيم . والثالث : سجيل ، أي شديد من الحجارة . الرابع : مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته وهو فعيل منه . الخامس : من أسجلته ، أي أعطيته تقديره مثل العطية في الإدرار ، وقيل : كان كتب عليها أسامي المعذبين . السادس : وهو من السجل وهو الكتاب تقديره من مكتوب في الأزل أي كتب الله أن يعذبهم بها / والسجيل أخذ من السجل وهو الدلو العظيمة لأنه يتضمن أحكاما كثيرة ، وقيل : مأخوذ من المساجلة وهي المفاخرة . والسابع : من سجيل أي من جهنم أبدلت النون لاما ، والثامن : من السماء الدنيا ، وتسمى سجيلا عن أبي زيد ، والتاسع : السجيل الطين ، لقوله تعالى : { حجارة من طين } ( الذاريات : 33 ) وهو قول عكرمة وقتادة . قال الحسن كان أصل الحجر هو من الطين ، إلا أنه صلب بمرور الزمان ، والعاشر : سجيل موضع الحجارة ، وهي جبال مخصوصة ، ومنه قوله تعالى : { من جبال فيها من برد } ( النور : 43 ) . واعلم أنه تعالى وصف تلك الحجارة بصفات : فالصفة الأولى : كونها من سجيل ، وقد سبق ذكره .
/ الصفة الثانية : قوله تعالى : { منضود } قال الواحدي : هو مفعول من النضد ، وهو موضع الشيء بعضه على بعض ، وفيه وجوه : الأول : أن تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض في النزول فأتى به على سبيل المبالغة . والثاني : أن كل حجر فإن ما فيه من الأجزاء منضود بعضها ببعض ، وملتصق بعضها ببعض . والثالث : أنه تعالى كان قد خلقها في معادنها ونضد بعضها فوق بعض ، وأعدها لإهلاك الظلمة . واعلم أن قوله : { منضود } صفة للسجيل . الصفة الثالثة : مسومة ، وهذه الصفة صفة للأحجار ومعناها المعلمة ، وقد مضى الكلام فيه في تفسير قوله : { والخيل المسومة } ( آل عمران : 14 ) واختلفوا في كيفية تلك العلامة على وجوه : الأول : قال الحسن والسدي : كان عليها أمثال الخواتيم . الثاني : قال ابن صالح : رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع . الثالث : قال ابن جريج : كان عليها سيما لا تشارك حجارة الأرض ، وتدل على أنه تعالى إنما خلقها للعذاب . الرابع : قال الربيع : مكتوب على كل حجر اسم من رمى به . ثم قال تعالى : { عند ربك } أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو . ثم قال : { وما هى من الظالمين ببعيد } يعني به كفار مكة ، والمقصود أنه تعالى يرميهم بها . عن أنس أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن هذا فقال : يعني عن ظالمي أمتك ، ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة . وقيل : الضمير في قوله : { وما هى } للقرى . أي وما تلك القرى التي وقعت فيها هذه الواقعة من كفار مكة ببعيد ، وذلك لأن القرى كانت في الشأم ، وهي قريب من مكة . ! 7 < { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إنىأراكم بخير وإنىأخاف عليكم عذاب يوم محيط وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا فى الا رض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ومآ أنا عليكم بحفيظ } . > 7 < هود : ( 84 - 86 ) وإلى مدين أخاهم . . . . . > > / اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة . واعلم أن مدين اسم ابن لإبراهيم عليه السلام ، ثم صار اسما للقبيلة ، وكثير من المفسرين يذهب إلى أن مدين اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم عليه السلام والمعنى على هذا التقدير : وأرسلنا إلى أهل مدين فحذف الأهل .
واعلم أنا بينا أن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة إلى التوحيد ، فلهذا قال شعيب عليه السلام : { مالكم من إلاه غيره } ثم إنهم بعد الدعوة إلى التوحيد يشرعون في الأهم ثم الأهم ، ولما كان المعتاد من أهل مدين البخس في المكيال والميزان ، دعاهم إلى ترك هذه العادة فقال : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } والنقص فيه على وجهين : أحدهما : أن يكون الإيفاء من قبلهم فينقصون من قدره . والآخر : أن يكون لهم الاستيفاء فيأخذون أزيد من الواجب وذلك يوجب نقصان حق الغير ، وفي القسمين حصل النقصان في حق الغير . ثم قال : { إنى أراكم بخير } وفيه وجهان : الأول : أنه حذرهم من غلاء السعر وزوال النعمة إن لم يتوبوا فكأنه قال : اتركوا هذا التطفيف وإلا أزال الله عنكم ما حصل عندكم من الخير والراحة . والثاني : أن يكون التقدير أنه تعالى أتاكم بالخير الكثير والمال والرخص والسعة فلا حاجة بكم إلى هذا التطفيف . ثم قال : { وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط } وفيه أبحاث : البحث الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أخاف أي أعلم حصول عذاب يوم محيط وقال آخرون : بل المراد هو الخوف ، لأنه يجوز أن يتركوا ذلك العمل خشية أن يحصل لهم العذاب ولما كان هذا التخويف قائما فالحاصل هو الظن لاالعلم . البحث الثاني : أنه تعالى توعدهم بعذاب يحيط بهم بحيث لا يخرج منه أحد ، والمحيط من صفة اليوم في الظاهر ، وفي المعنى من صفة العذاب وذلك مجاز مشهور كقوله : { هاذا يوم عصيب } ( هود : 77 ) . البحث الثالث : اختلفوا في المراد بهذا العذاب فقال بعضهم : هو عذاب يوم القيامة ، لأنه اليوم الذي نصب لإحاطة العذاب بالمعذبين ، وقال بعضهم : بل يدخل فيه عذاب الدنيا والآخرة / وقال بعضهم : بل المراد منه عذاب الاستئصال في الدنيا كما في حق سائر الأنبياء والأقرب دخول كل عذاب فيه وإحاطة العذاب بهم كإحاطة الدائرة بما في داخلها فينالهم من كل وجه وذلك مبالغة في الوعد كقوله : { وأحيط بثمره } ( الكهف : 42 ) ثم قال : { محيط وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } . فإن قيل : وقع التكرير في هذه الآية من ثلاثة أوجه لأنه قال أولا { ولا تنقصوا المكيال والميزان } ثم قال : { أوفوا المكيال والميزان } وهذا عين الأول . ثم قال : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } وهذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : إن فيه وجوها : الوجه الأول : أن القوم كانوا مصرين على ذلك العمل فاحتج في المنع منه إلى المبالغة والتأكيد / والتكرير يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام .
والوجه الثاني : أن قوله : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } نهي عن التنقيص وقوله : { أوفوا المكيال والميزان } أمر بإيفاء العدل ، والنهي عن ضد الشيء مغاير للأمر به ، وليس لقائل أن يقول : النهي عن ضد الشيء أمر به ، فكان التكرير لازما من هذا الوجه ، لأنا نقول : الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى جمع بين الأمر والشيء ، وبين النهي عن ضده للمبالغة ، كما تقول : صل قرابتك ولا تقطعهم ، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد . الثاني : أن نقول لا نسلم أن الأمر كما ذكرتم لأنه يجوز أن ينهى عن التنقيص وينهى أيضا عن أصل المعاملة ، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر بإيفاء الحق ، ليدل ذلك على أنه تعالى لم يمنع عن المعاملات ولم ينه عن المبايعات ، وإنما منع من التطفيف ، وذلك لأن طائفة من الناس يقولون إن المبايعات لا تنفك عن التطفيف ومنع الحقوق فكانت المبايعات محرمة بالكلية ، فلأجل إبطال هذا الخيال ، منع تعالى في الآية الأولى من التطفيف وفي الآية الأخرى أمر بالإيفاء ، وأما قوله ثالثا : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } فليس بتكرير لأنه تعالى خص المنع في الآية السابقة بالنقصان في المكيال والميزان . ثم إنه تعالى عم الحكم في جميع الأشياء فظهر بهذا البيان أنها غير مكررة ، بل في كل واحد منها فائدة زائدة . والوجه الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } وفي الثانية قال : { أوفوا المكيال والميزان } والإيفاء عبارة عن الإتيان به على سبيل الكمال والتمام ، لا يحصل ذلك إلا إذا أعطى قدرا زائدا على الحق ، ولهذا المعنى قال الفقهاء : إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من أجزاء الرأس . فالحاصل : أنه تعالى في الآية الأولى نهى عن النقصان ، وفي الآية الثانية أمر بإعطاء قدر من الزيادة ولا يحصل الجزم واليقين بأداء الواجب / إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة فكأنه تعالى نهى أولا عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصا لتحصل له تلك الزيادة ، وفي الثاني أمر بالسعي في تنقيص مال نفسه ليخرج باليقين عن العهدة وقوله : { بالقسط } يعني بالعدل ومعناه الأمر بإيفاء الحق بحيث يحصل معه اليقين بالخروج عن العهدة فالأمر بإيتاء الزيادة على ذلك غير حاصل . ثم قال : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } والبخس هو النقص في كل الأشياء ، وقد ذكرنا أن الآية الأولى دلت على المنع من النقص في المكيال والميزان ، وهذه الآية دلت على المنع من النقص في كل الاشياء . ثم قال : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } . فإن قيل : العثو الفساد التام فقوله : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } جار مجرى أن يقال : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين .
قلنا : فيه وجوه : الأول : أن من سعى في إيصال الضرر إلى الغير فقد حمل ذلك الغير على السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } معناه ولا تسعوا في إفساد مصالح الغير فإن ذلك في الحقيقة سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم . والثاني : أن يكون المراد من قوله : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } مصالح دنياكم وآخرتكم . والثالث : ولا تعثوا في الأرض مفسدين مصالح الأديان . ثم قال : { بقيت الله خير لكم } قرىء تقية الله وهي تقواه ومراقبته التي تصرف عن المعاصي . ثم نقول المعنى : ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف يعني المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق البخس والتطفيف وقال الحسن : بقية الله أي طاعة الله خير لكم من ذلك القدر القليل ، لأن ثواب الطاعة يبقى أبدا ، وقال قتادة : حظكم من ربكم خير لكم ، وأقول المراد من هذه البقية إما المال الذي يبقى عليه في الدنيا ، وإما ثواب الله ، وأما كونه تعالى راضيا عنه والكل خير من قدر التطفيف ، أما المال الباقي فلأن الناس إذا عرفوا إنسانا بالصدق والأمانة والبعد عن الخيانة اعتمدوا عليه ورجعوا في كل المعاملات إليه فيفتح عليه باب الرزق ، وإذا عرفوه بالخيانة والمكر انصرفوا عنه ولم يخالطوه ألبتة فتضيق أبواب الرزق عليه ، وأما إن حملنا هذه البقية على الثواب فالأمر ظاهر ، لأن كل الدنيا تفنى وتنقرض وثواب الله باق ، وأما إن حملناه على حصول رضا الله تعالى فالأمر فيه ظاهر ، فثبت بهذا البرهان أن بقية الله خير . ثم قال : { إن كنتم مؤمنين } وإنما شرط الإيمان في كونه خيرا لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين مقرين بالثواب والعقاب عرفوا أن السعي في تحصيل الثواب وفي الحذر من العقاب خير لهم من السعي في تحصيل ذلك القليل . واعلم أن المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذه الآية تدل بظاهرها على أن من لم يحترز / عن هذا التطفيف فإنه لا يكون مؤمنا . ثم قال تعالى : { وما أنا عليكم بحفيظ } وفيه وجهان : الأول : أن يكون المعنى : إني نصحتكم وأرشدتكم إلى الخير { وما أنا عليكم بحفيظ } أي لا قدرة لي على منعكم عن هذا العمل القبيح . الثاني : أنه قد أشار فيما تقدم إلى أن الاشتغال بالبخس والتطفيف يوجب زوال نعمة الله تعالى فقال : { وما أنا عليكم بحفيظ } يعني لو لم تتركوا هذا العمل القبيح لزالت نعم الله عنكم وأنا لا أقدر على حفظها عليكم في تلك الحالة . ! 7 < { قالوا ياشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل فىأموالنا ما نشؤا إنك لانت الحليم الرشيد } . > 7 < هود : ( 87 ) قالوا يا شعيب . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { أصلاتك } بغير واو . والباقون { ياشعيب أصلواتك } على الجمع . المسألة الثانية : اعلم أن شعيبا عليه السلام أمرهم بشيئين ، بالتوحيد وترك البخس فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة ، فقوله : { أن نترك ما يعبد ءاباؤنا } إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد وقوله : { قالوا ياشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما } إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس . أما الأول : فقد أشاروا فيه إلى التمسك بطريقة التقليد ، لأنهم استبعدوا منه أن يأمرهم بترك عبادة ما كان يعبد آباؤهم يعني الطريقة التي أخذناها من آبائنا وأسلافنا كيف نتركها ، وذلك تمسك بمحض التقليد .
المسألة الثالثة : في لفظ الصلاة وههنا قولان : الأول : المراد منه الدين والإيمان ، لأن الصلاة أظهر شعار الدين فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين ، أو نقول : الصلاة أصلها من الإتباع ومنه أخذ المصلي من الخيل الذي يتلو السابق لأن رأسه يكون على صلوى السابق وهما ناحيتا الفخذين والمراد : دينك يأمرك بذلك . والثاني : أن المراد منه هذه الأعمال المخصوصة ، روي أن شعيبا كان كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم : أصلاتك تأمرك السخرية والهزؤ ، وكما أنك إذا رأيت معتوها يطالع كتبا ثم يذكر كلاما فاسدا فيقال له : هذا من مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزؤ والسخرية فكذا ههنا . / فإن قيل : تقدير الآية : أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء وهم إنما ذكروا هذا الكلام على سبيل الإنكار ، وهم ما كانوا ينكرون كونهم فاعلين في أموالهم ما يشاؤن ، فكيف وجه التأويل . قلنا : فيه وجهان : الأول : التقدير : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نترك فعل ما نشاء ، وعلى هذا فقوله : { أو أن نفعل } معطوف على ما في قوله : { ما يعبد ءاباؤنا } والثاني : أن تجعل الصلاة آمرة وناهية والتقدير : أصلواتك تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان وتنهاك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، وقرأ ابن أبي عبلة { أو أن تفعل فى أموالنا ما تشاء } بتاء الخطاب فيهما وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس والاقتناع بالحلال القليل وأنه خير من الحرام الكثير . ثم قال تعالى حكاية عنهم : { إنك لانت الحليم الرشيد } وفيه وجوه : الوجه الأول : أن يكون المعنى إنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية به ، كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك . والوجه الثاني : أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك وعند قومك بالحلم والرشد . والوجه الثالث : أنه عليه السلام كان مشهورا عندهم بأنه حليم رشيد ، فلما أمرهم بمفارقة طريقتهم قالوا له : إنك لأنت الحليم الرشيد المعروف الطريقة في هذا الباب ، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا ، والمقصود استبعاد مثل هذا العمل ممن كان موصوفا بالحلم والرشد وهذا الوجه أصوب الوجوه . ! 7 < { قال ياقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقنى منه رزقا حسنا ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقىإلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وياقوم لا يجرمنكم شقاقىأن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود } . > 7 < هود : ( 88 - 90 ) قال يا قوم . . . . . > > /في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عن شعيب عليه السلام ما ذكره في الجواب عن كلماتهم فالأول قوله : { قال ياقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقنى منه } وفيه وجوه : الأول : أن قوله : { إن كنت على بينة من ربى } إشارة إلى ما آتاه الله تعالى من العلم والهداية والدين والنبوة وقوله : { ورزقنى منه رزقا حسنا } إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال ، فإنه يروى أن شعيبا عليه السلام كان كثير المال .
واعلم أن جواب إن الشرطية محذوف والتقدير : أنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية وهي البينة والسعادات الجسمانية وهي المال والرزق الحسن فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه وأن أخالفه في أمره ونهيه ، وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم وذلك لأنهم قالوا له : { إنك لانت الحليم الرشيد } فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا فكأنه قال إنما أقدمت على هذا العمل ، لأن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو أمرني بهذا التبليغ والرسالة ، فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف أمره وتكليفه . الثاني : أن يكون التقدير كأنه يقول لما ثبت عندي أن الاشتغال بعبادة غير الله والاشتغال بالبخس والتطفيف عمل منكر ، ثم أنا رجل أريد إصلاح أحوالكم ولا أحتاج إلى أموالكم لأجل أن الله تعالى آتاني رزقا حسنا فهل يسعني مع هذه الأحوال أن أخون في وحي الله تعالى وفي حكمه . الثالث : قوله : { إن كنت على بينة من ربى } أي ما حصل عنده من المعجزة وقوله : { ورزقنى منه رزقا حسنا } المراد أنه لا يسألهم أجرا ولا جعلا وهو الذي ذكره سائر الأنبياء من قولهم : { لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على رب العالمين } . المسألة الثانية : قوله : { ورزقنى منه رزقا حسنا } يدل على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند الله تعالى وبإعانته وأنه لا مدخل للكسب فيه ، وفيه تنبيه على أن الإعزاز من الله تعالى والإذلال من الله تعالى ، وإذا كان الكل من الله تعالى فأنا لا أبالي بمخالفتكم ولا أفرح بموافقتكم ، وإنما أكون على تقرير دين الله تعالى وإيضاح شرائع الله تعالى . / وأما الوجه الثاني : من الأجوبة التي ذكرها شعيب عليه السلام فقوله : { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } قال صاحب ( الكشاف ) : يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده ، ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه . فيقول : خالفني إلى الماء ، يريد أنه قد ذهب إليه واردا وأنا ذهب عنه صادرا ، ومنه قوله : { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم فهذا بيان اللغة / وتحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا بأنه حليم رشيد ، وذلك يدل على كمال العقل ، وكمال العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح ، فكأنه عليه السلام قال لهم لما اعترفتم بكمال عقلي فاعلموا أن الذي اختاره عقلي لنفسي لا بد وأن يكون أصوب الطرق وأصلحها والدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع حاصلهما إلى جزأين ، التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى وأنا مواظب عليهما غير تارك لهما في شيء من الأحوال ألبتة فلما اعترفتم لي بالحلم والرشد وترون أني لا أترك هذه الطريقة ، فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق ، وأشرف الأديان والشرائع . وأما الوجه الثالث : من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله : { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } والمعنى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي ، وقوله : { ما استطعت } فيه وجوه : الأول : أنه ظرف والتقدير : مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهدا . والثاني : أنه بدل من الإصلاح ، أي المقدار الذي استطعت منه . والثالث : أن يكون مفعولا له أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه .
واعلم أن المقصود من هذا الكلام أن القوم كانوا قد أقروا بأنه حليم رشيد ، وإما أقروا له بذلك لأنه كان مشهورا فيما بين الخلق بهذه الصفة ، فكأنه عليه السلام قال لهم إنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح وإزالة الفساد والخصومة ، فلما أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس ، فاعلموا أنه دين حق وأنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة وإثارة الفتنة ، فإنكم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلح والصلاح بقدر طاقتي ، وذلك هو الإبلاغ والإنذار ، وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه ، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله : { وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } وبين بهذا أن توكله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق الله تعالى وهدايته . واعلم أن قوله عليه السلام توكلت إشارة إلى محض التوحيد ، لأن قوله عليه السلام توكلت يفيد / الحصر ، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى وكيف وكل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته فإن بذاته ، ولا يحصل إلا بإيجاده وتكوينه ، وإذا كان كذلك لم يجز التوكل إلا على الله تعالى وأعظم مراتب معرفة المبدأ هو الذي ذكرناه ، وأما قوله : { وإليه أنيب } فهو إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضا يفيد الحصر لأن قوله : { وإليه أنيب } يدل على أنه لا مرجع للخلق إلا إلى الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيب عليه السلام قال : ( ذاك خطيب الأنبياء ) لحسن مراجعته في كلامه بين قومه . وأما الوجه الرابع : من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله : { أنيب وياقوم لا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم } قال صاحب ( الكشاف ) : جرم مثل كسب في تعديته تارة إلى مفعول واحد وأخرى إلى مفعولين يقال جرم ذنبا وكسبه وجرمه ذنبا وكسبه إياه ، ومنه قوله تعالى : { لا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم } أي لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب ، وقرأ ابن كثير { يجرمنكم } بضم الياء من أجرمته ذنبا إذا جعلته جارما له أي كاسبا له . وهو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول واحد ، وعلى هذا فلا فرق بين جرمته ذنبا وأجرمته إياه ، والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما إلا أن المشهورة أفصح لفظا كما أن كسبه مالا أفصح من أكسبه . إذا عرفت هذا فنقول : المراد من الآية لا تكسبنكم معاداتكم إياي أي يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح عليه السلام من الغرق / ولقوم عود من الريح العقيم ولقوم صالح من الرجفة ، ولقوم لوط من الخسف . وأما قوله : { وما قوم لوط منكم ببعيد } ففيه وجهان : الأول : أن المراد نفي البعد في المكان لأن بلاد قوم لوط عليه السلام قريبة من مدين ، والثاني : أن المراد نفي البعد في الزمان لأن إهلاك قوم لوط عليه السلام أقرب الإهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب عليه السلام ، وعلى هذين التقديرين فإن القرب في المكان وفي الزمان يفيد زيادة المعرفة وكمال الوقوف على الأحوال فكأنه يقول اعتبروا بأحوالهم واحذروا من مخالفة الله تعالى ومنازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب . فإن قيل : لم قال : { وما قوم لوط منكم ببعيد } وكان الواجب أن يقال ببعيدين ؟ أجاب عنه صاحب ( الكشاف ) من وجهين : الأول : أن يكون التقدير ما إهلاكهم شيء بعيد . الثاني : أنه يجوز أن يسوى في قريب وبعيد وكثير وقليل بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما .
/ وأما الوجه الخامس : من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله : واستغفروا ربكم من عبادة الأوثان ثم توبوا إليه عن البخس والنقصان إن ربي رحيم بأوليائه ودود . قال أبو بكر الأنباري : الودود في أسماء الله تعالى المحب لعباده ، من قولهم وددت الرجل أوده ، وقال الأزهري في ( كتاب شرح أسماء الله تعالى ) ويجوز أن يكون ودود فعولا بمعنى مفعول كركوب وحلوب ، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لكثرة إفضاله وإحسانه على الخلق . واعلم أن هذا الترتيب الذي راعاه شعيب عليه السلام في ذكر هذه الوجوه الخمسة ترتيب لطيف وذلك لأنه بين أولا أن ظهور البينة له وكثرة إنعام الله تعالى عليه في الظاهر والباطن يمنعه عن الخيانة في وحي الله تعالى ويصده عن التهاون في تكاليفه . ثم بين ثانيا أنه مواظب على العمل بهذه الدعوة ولو كانت باطلة لما اشتغل هو بها مع اعترافكم بكونه حليما رشيدا ، ثم بين صحته بطريق آخر وهو أنه كان معروفا بتحصيل موجبات الصلاح وإخفاء موجبات الفتن ، فلو كانت هذه الدعوة باطلة لمااشتغل بها ، ثم لما بين صحة طريقته أشار إلى نفي المعارض وقال لا ينبغي أن تحملكم عداوتي على مذهب ودين تقعون بسببه في العذاب الشديد من الله تعالى ، كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين ، ثم إنه لما صحح مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكره أولا وهو التوحيد والمنع من البخس بقوله : { ثم توبوا إليه } ثم بين لهم أن سبق الكفر والمعصية منهم لا ينبغي أن يمنعهم من الإيمان والطاعة لأنه تعالى رحيم ودود يقبل الإيمان والتوبة من الكافر والفاسق لأن رحمته وحبه لهم يوجب ذلك ، وهذا التقرير في غاية الكمال . ! 7 < { قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك ومآ أنت علينا بعزيز } . > 7 ! < < هود : ( 91 ) قالوا يا شعيب . . . . . > > اعلم أنه عليه السلام لما بالغ في التقرير والبيان ، أجابوه بكلمات فاسدة . فالأول : قولهم : { قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } وفيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : أنه عليه السلام كان يخاطبهم بلسانهم ، فلم قالوا : { ما نفقه } والعلماء ذكروا عنه أنواعا من الجوابات : فالأول : أن المراد : ما نفهم كثيرا مما تقول ، لأنهم / كانوا لا يلقون إليه أفهامهم لشدة نفرتهم عن كلامه وهو كقوله : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } ( الأنعام : 25 ) الثاني : أنهم فهموه بقلوبهم ولكنهم ما أقاموا له وزنا ، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذ لم يعبأ بحديثه : ما أدري ما تقول . الثالث : أن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم في صحة التوحيد والنبوة والبعث ، وما يجب من ترك الظلم والسرقة ، فقولهم : { ما نفقه } أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة هذه المطالب . المسألة الثانية : من الناس من قال : الفقه اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه واحتجوا بهذه الآية وهي قوله : { ما نفقه كثيرا مما تقول } فأضاف الفقه إلى القول ثم صار اسما لنوع معين من علوم الدين ، ومنهم من قال : إنه اسم لمطلق الفهم . يقال : أوتي فلان فقها في الدين ، أي فهما . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) أي يفهمه تأويله .
والنوع الثاني : من الأشياء التي ذكروها قولهم : { وإنا لنراك فينا ضعيفا } وفيه وجهان : الأول : أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه ، والثاني : أن الضعيف هو الأعمى بلغة حمير . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه : الأول : أنه ترك للظاهر من غير دليل ، والثاني : أن قوله : { فينا } يبطل هذا الوجه ؛ ألا ترى أنه لو قال : إنا لنراك أعمى فينا كان فاسدا ، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم ، الثالث : أنهم قالوا بعد ذلك { ولولا رهطك لرجمناك } فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطه ، ولما كان المراد بالقوة التي أثبتوها للرهط هي النصرة ، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النصرة ، والذين حملوا اللفظ على ضعف البصر لعلهم إنما حملوه عليه ، لأنه سبب للضعف . واعلم أن أصحابنا يحوزون العمى على الأنبياء ، إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى لما بيناه . وأما المعتزلة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال : إنه لا يجوز لكونه متعبدا فإنه لا يمكنه الاحتراز عن النجاسات ، ولأنه ينحل بجواز كونه حاكما وشاهدا ، فلأن يمنع من النبوة كان أولى ، والكلام فيه لا يليق بهذه الآية ، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها على هذا المعنى . والنوع الثالث : من الأشياء التي ذكروها قولهم : { ولولا رهطك لرجمناك } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الرهط من الثلاثة إلى العشرة ، وقيل إلى السبعة ، وقد كان رهطه على ملتهم . قالوا لولا حرمة رهطك عندنا بسبب كونهم على ملتنا لرجمناك ، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا أنه لا حرمة له عندهم ، ولا وقع له في صدورهم ، وأنهم إنما لم يقتلوه / لأجل احترامهم رهطه . المسألة الثانية : الرجم في اللغة عبارة عن الرمي ، وذلك قد يكون بالحجارة عند قصد القتل ، ولما كان هذا الرجم سببا للقتل لا جرم سموا القتل رجما / وقد يكون بالقول الذي هو القذف ، كقوله : { رجما بالغيب } ( الكهف : 22 ) وقوله : { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } ( سبأ : 53 ) وقد يكون بالشتم واللعن ، ومنه قوله : { الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) وقد يكون بالطرد كقوله : { رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) . إذا عرفت هذا ففي الآية وجهان : الأول : { لرجمناك } لقتلناك . الثاني : لشتمناك وطردناك . النوع الرابع : من الأشياء التي ذكروها قولهم : { وما أنت علينا بعزيز } ومعناه أنك لما لم تكن علينا عزيزا سهل علينا الإقدام على قتلك وإيذائك . واعلم أن كل هذه الوجوه التي ذكروها ليست دافعا لما قرره شعيب عليه السلام من الدلائل والبينات ، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسفاهة . ! 7 < { قال ياقوم أرهطىأعز عليكم من الله واتخذتموه ورآءكم ظهريا إن ربى بما تعملون محيط وياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إنى معكم رقيب } . > 7 < هود : ( 92 - 93 ) قال يا قوم . . . . . > > اعلم أن الكفار لما خوفوا شعيبا عليه السلام بالقتل والإيذاء ، حكى الله تعالى عنه ما ذكره في هذا المقام ، وهو نوعان من الكلام :
النوع الأول : قوله : { قال ياقوم أرهطى أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربى بما تعملون محيط } والمعنى : أن القوم زعموا أنهم تركوا إيذاءه رعاية لجانب قومه . فقال : أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي ، والله تعالى أولى أن يتبع أمره ، فكأنه يقول : حفظتكم / إياي رعاية لأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي . وأما قوله : { واتخذتموه وراءكم ظهريا } فالمعنى : أنكم نسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به . قال صاحب ( الكشاف ) : والظهري منسوب إلى الظهر ، والكسر من تغيرات النسب ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس إمسي بكسر الهمزة ، وقوله : { إن ربى بما تعملون محيط } يعني أنه عالم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها . والنوع الثاني : قوله : { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل } والمكانة الحالة يتمكن بها صاحبها من عمله ، والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلي فإني أيضا عامل بقدر ما آتاني الله تعالى من القدرة . ثم قال : { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : لقائل أن يقول لم لم يقل { فسوف تعلمون } والجواب : إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، وإما بحذف الفاء فإنه يجعله جوابا عن سؤال مقدر والتدير : أنه لما قال : { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل } فكأنهم قالوا فماذا يكون بعد ذلك ؟ فقال : { سوف تعلمون } فظهر أن حذف حرف الفاء ههنا أكمل في باب الفظاعة والتهويل . ثم قال { وارتقبوا إنى معكم رقيب } والمعنى : فانتظروا العاقبة إني معكم رقيب أي منتظر ، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم ، أو بمعنى المراقب كالعشير والنديم ، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع . ! 7 < { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيهآ ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } . > 7 < هود : ( 94 - 95 ) ولما جاء أمرنا . . . . . > > روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم ، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم / وقوله : { ولما جاء أمرنا } يحتمل أن يكون المراد منه ولما جاء وقت أمرنا ملكا من الملائكة بتلك الصيحة ، ويحتمل أن يكون المراد من الأمر العقاب ، وعلى التقديرين فأخبر الله أنه نجى شعيبا ومن معه من المؤمنين برحمة منه وفيه وجهان : الأول : أنه تعالى إنما خلصه من ذلك العذاب لمحض رحمته ، تنبيها على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا بفضل الله ورحمته . والثاني : أن يكون المراد من الرحمة الإيمان والطاعة وسائر الأعمال الصالحة وهي أيضا ما حصلت إلا بتوفيق الله تعالى ، ثم وصف كيفية ذلك العذاب فقال : { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } وإنما ذكر الصيحة بالألف واللام إشارة إلى المعهود السابق وهي صيحة جبريل عليه السلام { فأصبحوا فى ديارهم جاثمين } والجاثم الملازم لمكانه الذي لا يتحول عنه يعني أن جبريل عليه السلام لما صاح بهم تلك الصيحة زهق روح كل واحد منهم بحيث يقع في مكانه ميتا { كأن لم يغنوا فيها } أي كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين .
ثم قال تعالى : { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } . وقد تقدم تفسير هذه اللفظة وإنما قاس حالهم على ثمود لما ذكرنا أنه تعالى عذبهم مثل عذاب ثمود . ! 7 < { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملإيه فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا فى هاذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود } . > 7 < هود : ( 96 - 99 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . > > واعلم أن هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي آخر القصص من هذه السورة ، أما قوله : { بآياتنا وسلطان مبين } ففيه وجوه : الأول : أن المراد من الآيات التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام ، ومن السلطان المبين المعجزات القاهرة الباهرة / والتقدير : ولقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف وأيدناه بمعجزات قاهرة وبينات باهرة الثاني : أن الآيات هي المعجزات والبينات وهو كقوله : { إن عندكم من سلطان بهاذا } ( يونس : 68 ) وقوله : { ما أنزل الله بها من سلطان } ( النجم : 23 ) وعلى هذا التقدير ففي الآية وجهان : الأول : أن هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته . الثاني : أن يراد السلطان المبين العصا ، لأنه أشهرها وذلك لأنه تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات ، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات والأنفس . ومنهم من أبدل نقص الثمرات والأنفس بإظلال الجبل وفلق البحر ، واختلفوا في أن الحجة لم سميت بالسلطان . فقال بعض المحققين : لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه عند النظر كما يقهر السلطان غيره ، فلهذا توصف الحجة بأنها سلطان ، وقال الزجاج : السلطان هو الحجة والسلطان سمي سلطانا لأنه حجة الله في أرضه واشتقاقه من السليط والسليط ما يضاء به ومن هذا قيل للزيت السليط وفيه قول ثالث : وهو أن السلطان مشتق من التسليط ، والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية والملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة والمكنة ، إلا أن سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك ، لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ولأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء وسلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة . فإن قيل : إذا حملتم الآيات المذكورة في قوله : { بئاياتنا } على المعجزات والسلطان أيضا على الدلائل والمبين أيضا معناه كونه سببا للظهور فما الفرق بين هذه المراتب الثلاثة ؟ قلنا : الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن ، وبين الدلائل التي تفيد اليقين وأما السلطان فهو اسم لما يفيد القطع واليقين ، إلا أنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس ، وبين الدلائل التي لم تتأكد بالحس ، وأما الدليل القاطع الذي تأكد بالحس فهو السلطان المبين ، ولما كانت معجزات موسى عليه السلام هكذا لا جرم وصفها الله بأنها سلطان مبين . ثم قال : { إلى فرعون } يعني وأرسلنا موسى بآياتنا بمثل هذه الآيات إلى فرعون وملائه ، أي جماعته . ثم قال : { وملإيه فاتبعوا أمر فرعون } ويحتمل أن يكون المراد أمره إياهم بالكفر بموسى ومعجزاته ويحتمل أن يكون المراد من الأمر الطريق والشأن . ثم قال تعالى : { وما أمر فرعون برشيد } أي بمرشد إلى خير ، وقيل رشيد أي ذي رشد .
واعلم أن بعد طريق فرعون من الرشد كان ظاهرا لأنه كان دهريا نافيا للصانع والمعاد وكان يقول : لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية / لمصلحة العالم وأنكر أن يكون الرشد في عبادة الله ومعرفته فلما كان هو نافيا لهذين الأمرين كان خاليا عن الرشد بالكلية / ثم إنه تعالى ذكر صفته وصفة قومه فقال : { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار } وفيه بحثان : البحث الأول : من حيث اللغة يقال : قدم فلان فلانا بمعنى تقدمه ، ومنه قادمة الرجل كما يقال قدمه بمعنى تقدمه ، ومنه مقدمة الجيش . والبحث الثاني : من حيث المعنى وهو أن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال حال ما كانوا في الدنيا وكذلك مقدمهم إلى النار وهم يتبعونه ، أو يقال كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم في البحر وأغرقهم فكذلك يتقدمهم يوم القيامة فيدخلهم النار ويحرقهم ، ويجوز أيضا أن يريد بقوله : { وما أمر فرعون برشيد } أي وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله : { يقدم قومه } تفسيرا لذلك ، وأيضاحا له ، أي كيف يكون أمره رشيدا مع أن عاقبته هكذا . فإن قيل : لم لم يقل : يقدم قومه فيوردهم النار ؟ بل قال : يقدم قومه فأوردهم النار بلفظ الماضي . قلنا : لأن الماضي قد وقع ودخل في الوجود فلا سبيل ألبتة إلى دفعه ، فإذا عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل على غاية المبالغة ، ثم قال : { وبئس الورد المورود } وفيه بحثان : البحث الأول : لفظ ( النار ) مؤنث ، فكان ينبغي أن يقال : وبئست الورد المورود إلا أن لفظ ( الورد ) مذكر ، فكان التذكير والتأنيث جائزين كما تقول : نعم المنزل دارك ، ونعمت المنزل دارك ، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار هكذا قاله الواحدي . البحث الثاني : الورد قد يكون بمعنى الورود فيكون مصدرا وقد يكون بمعنى الوارد . قال تعالى : { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } ( مريم : 86 ) وقد يكون بمعنى المورود عليه كالماء الذي يورد عليه . قال صاحب ( الكشاف ) : الورد المورود الذي حصل وروده . فشبه الله تعالى فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردين إلى الماء ، ثم قال بئس الورد الذي يوردونه النار ، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد ، والنار ضده . ثم قال : { وأتبعوا فى هاذه لعنة ويوم القيامة } والمعنى أنهم أتبعوا في هذه الدنيا لعنة وفي يوم القيامة أيضا ، ومعناه أن اللعن من الله ومن الملائكة والأنبياء ملتصق بهم في الدنيا وفي الآخرة لا يزول عنهم ، ونظيره قوله في سورة القصص : { وأتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين } ( القصص : 42 ) . / ثم قال : { بئس الرفد المرفود } والرفد هو العطية وأصله الذي يعين على المطلوب سأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله : { بئس الرفد المرفود } قال هو اللعنة بعد اللعنة . قال قتادة : ترادفت عليهم لعنتان من الله تعالى لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به . ! 7 < { ذالك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم وحصيد وما ظلمناهم ولاكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جآء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب } . > 7 < هود : ( 100 - 101 ) ذلك من أنباء . . . . . > >
اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال : { ذالك من أنباء القرى نقصه عليك } والفائدة في ذكرها أمور : أولها : أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للإنسان الكامل ، وذلك إنما يكون في غاية الندرة . فأما إذا ذكرت الدلائل ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية إلى العقول . الوجه الثاني : أنه تعالى خلط بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي كان الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بها ويذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل وشبهاتهم في دفعها ، ثم يذكر عقيبهما أجوبة الأنبياء عنها ثم يذكر عقيبها أنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب الدنيا وبقي عليهم اللعن والعقاب في الدنيا وفي الآخرة ، فكان ذكر هذه القصص سببا لإيصال الدلائل والجوابات عن الشبهات إلى قلوب المنكرين ، وسببا لإزالة القسوة والغلظة عن قلوبهم ، فثبت أن أحسن الطرق في الدعوة إلى الله تعالى ما ذكرناه . الفائدة الثالثة : أنه عليه السلام كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب ، ولا تلمذ لأحد وذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة كما قررناه . الفائدة الرابعة : إن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم أن عاقبة الصديق والزنديق والموافق والمنافق إلى ترك الدنيا والخروج عنها ، إلا أن المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا ، والثواب الجزيل في الآخرة ، والكافر يخرج من الدنيا مع اللعن في الدنيا / والعقاب في الآخرة ، فإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع ، فلا بد وأن يلين القلب وتخضع النفس وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال ، فهذا كلام جليل في فوائد ذكر هذه القصص . أما قوله : { ذالك من أنباء القرى } ففيه أبحاث : البحث الأول : أو قوله : { ذالك } إشارة إلى الغائب ، والمراد منه ههنا الإشارة إلى هذه القصص التي تقدمت ، وهي حاضرة ، إلا أن الجواب عنه ما تقدم في قوله : { ذالك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) . البحث الثاني : أن لفظ ( ذلك ) يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة لقوله تعالى : { لا فارض ولا بكر عوان بين ذالك } ( البقرة : 68 ) وأيضا يحتمل أن يكون المراد ذلك الذي ذكرناه هو كذا وكذا . البحث الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : ( ذلك ) مبتدأ { من أنباء القرى } خبر { نقصه عليك } خبر بعد خبر أي ذلك المذكور بعض أنبار القرى مقصوص عليك . ثم قال : { منها قائم وحصيد } والضمير في قوله : { منها } يعود إلى القرى شبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقه وما عفا منها وبطر بالحصيد ، والمعنى أن تلك القرى بعضها بقي منه شيء وبعضها هلك وما بقي منه أثر ألبتة . ثم قال تعالى : { وما ظلمناهم ولاكن ظلموا أنفسهم } وفيه وجوه : الأول : وما ظلمناهم بالعذاب والإهلاك ، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية . الثاني : أن الذي نزل بالقوم ليس بظلم من الله بل هو عدل وحكمة ، لأجل أن القوم أولا ظلموا أنفسهم بسبب إقدامهم على الكفر والمعاصي فاستوجبوا لأجل تلك الأعمال من الله ذلك العذاب . الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد وما نقصناهم من النعيم في الدنيا والرزق / ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله تعالى . ثم قال : { فما أغنت عنهم ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شىء } أي ما نفعتهم تلك الآلهة في شيء ألبتة .
ثم قال : { وما زادوهم غير تتبيب } قال ابن عباس رضي الله عنهما : غير تخسير . يقال : تب إذا خسر وتببه غيره إذا أوقعه في الخسران ، والمعنى أن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ثم إنه تعالى أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع ولا دفع ضر ، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده ، وهو أن ذلك / الإعتقاد زال عنهم به منافع الدنيا والآخرة وجلب إليهم مضار الدنيا والآخرة ، فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران . ! 7 < { وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد إن فى ذالك لآية لمن خاف عذاب الا خرة ذالك يوم مجموع له الناس وذالك يوم مشهود وما نؤخره إلا لاجل معدود } . > 7 < هود : ( 102 - 104 ) وكذلك أخذ ربك . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم والجحدري : { إذ أخذ القرى } بألف واحدة ، وقرأ الباقون بألفين . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما أخبر الرسول عليه السلام في كتابه بما فعل بأمم من تقدم من الأنبياء لما خالفوا الرسل وردوا عليهم من عذاب الاستئصال ، وبين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا قال بعده : { وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة } فبين أن عذابه ليس بمقتصر على من تقدم ، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك وقوله : { وهى ظالمة } الضمير فيه عائد إلى القرى وهو في الحقيقة عائد إلى أهلها ، ونظيره قوله : { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة } ( الأنبياء : 11 ) وقوله : { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } ( القصص : 58 ) . واعلم أنه تعالى لما بين كيفية أخذ الأمم المتقدمة ثم بين أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيدا وتقوية فقال : { إن أخذه أليم شديد } فوصف ذلك العذاب بالإيلام وبالشدة ، ولا منغصة في الدنيا إلا الألم ، ولا تشديد في الدنيا وفي الآخرة ، وفي الوهم والعقل إلا تشديد الألم . واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد ولا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام / مختصة بأولئك المتقدمين ، لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال : { وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة } فبين أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي ، فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد . ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لآية لمن خاف عذاب الاخرة } قال القفال : تقرير هذا الكلام أن يقال : إن هؤلاء إنما عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم بالله ، فإذا عذبوا في الدنيا على ذلك وهي دار العمل ، فلأن يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء كان أولى .
واعلم أن كثيرا ممن تنبه لهذا البحث من المفسرين عولوا على هذا الوجه ، بل هو ضعيف وذلك لأن على هذا الوجه الذي ذكره القفال يكون ظهور عذاب الاستئصال في الدنيا دليلا على أن القول بالقيامة والبعث والنشر حق وصدق ، وظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال ، وهذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال ، لأن القفال يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلا للعلم بأن القيامة حق ، فبطل ما ذكره القفال والأصوب عندي أن يقال : العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم بأن المدبر لوجود هذه السموات والأرضين فاعل مختار لا موجب بالذات وما لم يعرف الإنسان أن إله العالم فاعل مختار وقادر على كل الممكنات وأن جميع الحوادث الواقعة في السموات والأرضين لا تحصل إلا بتكوينه وقضائه ، لا يمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال ، وذلك لأن الذين يزعمون أن المؤثر في وجود هذا العالم موجب بالذات لا فاعل مختار ، يزعمون أن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء مثل الغرق والحرق والخسف والمسخ والصيحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب واتصال بعضها ببعض / وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يكون حصولها دليلا على صدق الأنبياء ، فأما الذي يؤمن بالقيامة ، فلا يتم ذلك الإيمان إلا إذا اعتقد أنه إله العالم فاعل مختار وأنه عالم بجميع الجزئيات ، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بأن حدوث هذه الحوادث الهائلة والوقائع العظيمة إنما كان بسبب أن إله العالم خلقها وأوجدها وأنها ليست بسبب طوالع الكواكب وقراناتها ، وحينئذ ينتفع بسماع هذه القصص ، ويستدل بها على صدق الأنبياء ، فثبت بهذا صحة قوله : { إن فى ذالك لآية لمن خاف عذاب الاخرة } . ثم قال تعالى : { ذالك يوم مجموع له الناس وذالك يوم مشهود } . واعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين : أحدهما : أنه يوم مجموع له الناس ، والمعنى أن خلق الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون . والثاني : أنه يوم مشهود قال ابن عباس رضي الله عنهما يشهده البر والفاجر . وقال آخرون يشهده أهل السماء / وأهل الأرض ، والمراد من الشهود الحضور ، والمقصود من ذكره أنه ربما وقع في قلب إنسان أنهم لما جمعوا في ذلك الوقت لم يعرف كل أحد إلا واقعة نفسه ، فبين تعالى أن تلك الوقائع تصير معلومة للكل بسبب المحاسبة والمساءلة . ثم قال تعالى : { وما نؤخره إلا لاجل معدود } والمعنى أن تأخير الآخرة وإفناء الدنيا موقوف على أجل معدود وكل ماله عدد فهو متناه وكل ما كان متناهيا فإنه لا بد وأن يفنى ، فيلزم أن يقال إن تأخير الآخرة سينتهي إلى وقت لا بد وأن يقيم الله القيامة فيه ، وأن تخرب الدنيا فيه ، وكل ما هو آت قريب . ! 7 < { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والا رض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والا رض إلا ما شآء ربك عطآء غير مجذوذ } . > 7 < هود : ( 105 - 108 ) يوم يأت لا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة { يأت } بحذف الياء والباقون بإثبات الياء . قال صاحب ( الكشاف ) : وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل ، ونحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل وسيبويه .
المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : فاعل يأتي هو الله تعالى كقوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } ( البقرة : 210 ) وقوله : { أو يأتى ربك } ( الأنعام : 158 ) ويعضده قراءة من قرأ { وما } بالياء أقول لا يعجبني هذا التأويل ، لأن قوله : { حكيم هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } حكاه الله تعالى عن أقوام والظاهر أنهم هم اليهود ، وذلك ليس فيه حجة وكذا قوله : { أو يأتى ربك } أما ههنا فهو صريح كلام الله تعالى وإسناد فعل الإتيان إليه مشكل . فإن قالوا : فما قولك في قوله تعالى : { وجاء ربك } . قلنا : هناك تأويلات ، وأيضا فهو صريح ، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه بل الواجب أن يقال : المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم ، فحذف الله تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف . المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : العامل في انتصاب الظرف هو قوله : { لا تكلم } أو إضمار اذكر . أما قوله : { لا تكلم نفس إلا بإذنه } ففيه حذف ، والتقدير : لا تكلم نفس فيه إلا بإذن الله تعالى . فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى : { يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها } ( النحل : 111 ) ومنها أنهم يكذبون ويحلفون بالله عليه وهو قولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) ومنها قوله تعالى : { وقفوهم إنهم } ( الصافات : 24 ) ومنها قوله : { هاذا يوم لا ينطقون ولا يؤذون لهم فيعتذرون } ( المرسلات : 35 ) . والجواب من وجهين : الأول : أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على الجوابات الحقية الصحيحة . الثاني : أن ذلك اليوم يوم طويل وله مواقف ، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام ، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم . أما قوله : { فمنهم شقى وسعيد } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الضمير في قوله : { فمنهم } لأهل الموقف ولم يذكر لأنه معلوم ولأن قوله : { لا تكلم نفس إلا بإذنه } يدل عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله : { مجموع له الناس } ( هود : 103 ) . المسألة الثانية : قوله : { فمنهم شقى وسعيد } يدل ظاهره على أن أهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين . / فإن قيل : أليس في الناس مجانين وأطفال وهم خارجون عن هذين القسمين ؟ قلنا : المراد من يحشر ممن أطلق للحساب وهم لا يخرجون عن هذين القسمين . فإن قيل : قد احتج القاضي بهذه الآية على فساد ما يقال إن أهل الأعراف لا في الجنة ولا في النار فما قولكم فيه ؟ قلنا : لما سلم أن الأطفال والمجانين خارجون عن هذين القسمين لأنهم لا يحاسبون فلم لا يجوز أيضا أن يقال : إن أصحاب الأعراف خارجون عنه لأنهم أيضا لا يحاسبون ، لأن الله تعالى علم من حالهم أن ثوابهم يساوي عذابهم ، فلا فائدة في حسابهم . فإن قيل : القاضي استدل بهذه الآية أيضا على أن كل من حضر عرصة القيامة فإنه لا بد وأن يكون ثوابه زائدا أو يكون عقابه زائدا ، فأما من كان ثوابه مساويا لعقابه فإنه وإن كان جائزا في العقل ، إلا أن هذا النص دل على أنه غير موجود .
قلنا : الكلام فيه ما سبق من أن السعيد هو الذي يكون من أهل الثواب ، والشقي هو الذي يكون من أهل العقاب ، وتخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم الثالث ، والدليل على ذلك : أن أكثر الآيات مشتملة على ذكر المؤمن والكافر فقط ، وليس فيه ذكر ثالث لا يكون لا مؤمنا ولا كافرا مع أن القاضي أثبته ، فإذا لم يلزم من عدم ذكر ذلك الثالث عدمه فكذلك لا يلزم من ذكر هذا الثالث عدمه . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيد وعلى بعضهم بأنه شقي ، ومن حكم الله عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه ، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذبا وعلمه جاهلا وذلك محال فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا وأن الشقي لا ينقلب سعيدا ، وتقرير هذا الدليل مر في هذا الكتاب مرارا لا تحصى . وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : لما نزل قوله تعالى : { فمنهم شقى وسعيد } قلت يا رسول الله فعلى ماذا نعمل على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه ؟ فقال : ( على شيء قد فرغ منه يا عمر وجفت به الأقلام وجرت به الأقدار ، ولكن كل ميسر لما خلق له ) وقالت المعتزلة : نقل عن الحسن أنه قال : فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله . قلنا : الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات وأيضا فلا نزاع أنه إنما شقي بعمله وإنما سعد بعمله ولكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء الله وقدره كان الدليل الذي ذكرناه باقيا . / واعلم أنه تعالى لما قسم أهل القيامة إلى هذين القسمين شرح حال كل واحد منهما فقال : { فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في الفرق بين الزفير والشهيق وجوها : الوجه الأول : قال الليث : الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ولم يخرجه ، والشهيق أن يخرج ذلك النفس ، وقال الفراء : يقال للفرس إنه عظيم الزفرة أي عظيم البطن وأقول إن الإنسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل القلب فإذا انحصر الروح قويت الحرارة وعظمت وعند ذلك يحتاج الإنسان إلى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء كثيرا باردا حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة ، فلهذا السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال الهواء في داخل البدن وحينئذ يرتفع صدره وينتفخ جنباه ، ولما كانت الحرارة الغريزية والروح الحيواني محصورا داخل القلب استولت البرودة على الأعضاء الخارجة فربما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهواء الكثير المستنشق فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصرا في الصدر ويقرب من أن يختنق الإنسان منه وحينئذ تجتهد الطبيعة في إخراج ذلك الهواء فعلى قياس قول الأطباء الزفير هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه ، والشهيق هو إخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطبيعة في إخراجه وكل واحدة من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم . الوجه الثاني : في الفرق بين الزفير والشهيق . قال بعضهم : الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق . وأما الشهيق فهو بمنزلة آخر صوت الحمار . الوجه الثالث : قال الحسن : قد ذكرنا أن الزفير عبارة عن الارتفاع . فنقول : الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى درجات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من جهنم ، وذلك قوله تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } فارتفاعهم في النار هو الزفير وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?