Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V18/P049–V18/P050

الوجه الرابع : قال أبو مسلم : الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس ، والشهيق هوا لذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن ، وربما تبعهما الغشية ، وربما حصل عقيبه الموت . الوجه الخامس : قال أبو العالية : الزفير في الحلق والشهيق في الصدر . / الوجه السادس : قال قوم : الزفير الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف . الوجه السابع : قال ابن عباس رضي الله عنهما : { لهم فيها زفير وشهيق } يريد ندامة ونفسا عالية وبكاء لا ينقطع وحزنا لا يندفع . الوجه الثامن : الزفير مشعر بالقوة ، والشهيق بالضعف على ما قررناه بحسب اللغة . إذا عرفت هذا فنقول : لم يبعد أن يكون المراد من الزفير قوة ميلهم إلى عالم الدنيا وإلى اللذات الجسدانية ، والمراد من الشهيق ضعفهم عن الاستسعاد بعالم الروحانيات والاستكمال بالأنوار الإلهية والمعارج القدسية . ثم قال تعالى : { خالدين فيها ما دامت السماوات والارض إلا إن ربك } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية ، واحتجوا بالقرآن والمعقول . أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { ما دامت السماوات والارض } دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض ، ثم توافقنا على أن مدة بقاء السموات والأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة . الثاني : أن قوله : { إلا ما شاء ربك } استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء ومما تمسكوا به أيضا قوله تعالى في سورة عم يتساءلون : { لابثين فيها أحقابا } ( النبأ : 23 ) بين تعالى أن لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقابا معدودة . وأما العقل فوجهان : الأول : أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز . الثاني : أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحا بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لكونه متعاليا عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض ولا إلى غيره ، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم ، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز ، وأما الجمهور الأعظم من الأمة ، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية . أما قوله : { خالدين فيها ما دامت السماوات والارض } فذكروا عنه جوابين : الأول : قالوا المراد سموات الآخرة وأرضها . قالوا والدليل على أن في الآخرة سماء وأرضا قوله تعالى : { يوم تبدل الارض غير الارض } ( إبراهيم : 48 ) وقوله : { وعده وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء } ( الزمر : 74 ) وأيضا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم ، وذلك / هو الأرض والسموات .

Section V18/P050–V18/P051

ولقائل أن يقول : التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوما مقررا فيشبه به غيره تأكيدا لثبوت الحكم في المشبه ووجود السموات والأرض في الآخرة غير معلوم وبتقدير أن يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى ألبتة غير معلوم / فإذا كان أصل وجودهما مجهولا لأكثر الخلق ودوامهما أيضا مجهولا للأكثر ، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلاما عديم الفائدة ، أقصى ما في الباب أن يقال : لما ثبت بالقرآن وجود سموات وأرض في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به ، وحينئذ يحسن التشبيه ، إلا أنا نقول : لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة ودوام أرضهم هو السمع ، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر ، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع ، وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل ، فكذا ههنا . والوجه الثاني : في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم ما دامت السموات والأرض ، ونظيره أيضا قولهم ما اختلف الليل والنهار ، وما طما البحر ، وما أقام الجبل ، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد ، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع . ولقائل أن يقول : هل تسلمون أن قول القائل : خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات ، أو تقولون إنه لا يدل على هذا المعنى ، فإن كان الأول ، فالإشكال لازم ، لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السموات ، ثم ثبت أنه لا بد من فناء السموات فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب ، وأما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع بقاء كونهم في النار بعد فناء السموات والأرض ، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب ألبتة ، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع . واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر ، وهو أن المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرض دائمتين ، كان كونهم في النار باقيا فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط : ألا ترى أنا نقول : إن كان هذا إنسانا فهو حيوان . / فإن قلنا : لكنه إنسان فإنه ينتج أنه حيوان ، أما إذا قلنا لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان ، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئا ، فكذا ههنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم ، فإذا قلنا لكن السموات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلا ، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لم يلزم عدم دوام عقابهم . فإن قالوا : فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أو لم تبق لم يبق لهذا التشبيه فائدة ؟ قلنا بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهرا دهرا ، وزمانا لا يحيط العقل بطوله وامتداده ، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر ، وهذا الجواب الذي قررته جواب حق ولكنه إنما يفهمه إنسان ألف شيئا من المعقولات . وأما الشبهة الثانية : وهي التمسك بقوله تعالى : { إلا ما شاء ربك } فقد ذكروا فيه أنواعا من الأجوبة .

Section V18/P051–V18/P052

الوجه الأول : في الجواب وهو الذي ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء . قالوا هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله ألبتة ، كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه ، فكذا ههنا وطولوا في تقرير هذا الجواب ، وفي ضرب الأمثلة فيه ، وحاصله ما ذكرناه . ولقائل أن يقول : هذا ضعيف لأنه إذا قال : لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، معناه : لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب ، وهذا لا يدل ألبتة على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله : { خالدين فيها ما دامت السماوات والارض إلا ما شاء ربك } فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك / فههنا اللفظ يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزما ، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام . الوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إن كلمة { إلا } ههنا وردت بمعنى : سوى . والمعنى أنه تعالى لما قال : { خالدين فيها ما دامت السماوات والارض } فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السموات والأرض في الدنيا ، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولا في خلودهم ماليس عند العرب أطول منه ، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله : { إلا ما شاء ربك } المعنى : إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها . الوجه الثالث : في الجواب وهو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون / في النار ، وقال أبو بكر الأصم المراد إلا ما شاء ربك وهو حال كونهم في القبر ، أو المراد إلا ما شاء ربك حال عمرهم في الدنيا وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة ، والمعنى : خالدين فيها بمقدار مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو مقدار وقوفهم للحساب ثم يصيرون إلى النار . الوجه الرابع : في الجواب قالوا : الاستثناء يرجع إلى قوله : { لهم فيها زفير وشهيق } ( هود : 106 ) وتقريره أن نقول : قوله : { لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها } يفيد حصول الزفير والشهيق مع الخلود فإذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل وقت لا يحصل فيه هذا المجموع لكنه ثبت في المعقولات أنه كما ينتفي المجموع بانتفاء جميع أجزائه فكذلك ينتفي بانتفاء فرد واحد من أجزائه فإذا انتهوا آخر الأمر إلى أن يصيروا ساكنين هامدين خامدين فحينئذ لم يبق لهم زفير وشهيق فانتفى أحد أجزاء ذلك المجموع فحينئذ يصح ذلك الاستثناء من غير حاجة إلى الحكم بانقطاع كونهم في النار . الوجه الخامس : في الجواب أن يحمل هذا الاستثناء على أن أهل العذاب لا يكونون أبدا في النار ، بل قد ينقلون إلى البرد والزمهرير وسائر أنواع العذاب وذلك يكفي في صحة هذا الاستثناء . الوجه السادس : في الجواب قال قوم : هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار ، لأن قوله : { فأما الذين شقوا ففى النار } يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم ، ثم قوله : { إلا ما شاء ربك } يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع . ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم ، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء ، ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال : الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة ، وهذا كلام قوي في هذا الباب .

Section V18/P052–V18/P054

فإن قيل : فهذا الوجه إنما يتعين إذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها ، فما الدليل على فسادها ، وأيضا فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء ، فإنه تعالى قال : { وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والارض ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } . قلنا : إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع وعيد الكفار ، ثم إذا أردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا في أنه تعالى يخرج الفساق من أهل الصلاة من النار . قلنا : أما حمل كلمة ( إلا ) على سوى فهو عدول عن الظاهر ، وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد أيضا ، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار ، ومن المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات الحصول في النار ، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار ، وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وامتنع حصول الاستثناء . وأما قوله الاستثناء عائد / إلى الزفير والشهيق فهذا أيضا ترك للظاهر ، فلم يبق للآية محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه ، وأما قوله المراد من الاستثناء نقله من النار إلى الزمهرير . فنقول : لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض . والأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار إلى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مرارا فبطل هذا الوجه ، وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول : أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال : إن أحدا يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار ، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات . أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع ، فوجب إجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال : { إن ربك فعال لما يريد } وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار ، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد وليس لأحد علي حكم ألبتة . ثم قال : { وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والارض إلا ما شاء ربك } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { سعدوا } بضم السين والباقون بفتحها وإنما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد ولأن سعد لا يتعدى وأسعد يتعدى وسعد وأسعد بمعنى ومنه المسعود من أسماء الرجال . المسألة الثانية : الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه المذكورة فيما تقدم وههنا وجه آخر وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى العرش وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى . قال الله تعالى : { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله } ( التوبة : 72 ) وقوله : { عطاء غير مجذوذ } فيه مسألتان : المسألة الأولى : جذه يجذه جذا إذا قطعه وجذ الله دابرهم ، فقوله : { غير مجذوذ } أي غير مقطوع ، ونظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة { لا مقطوعة ولا ممنوعة } ( الواقعة : 33 ) . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة ، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان ولم يذكر ذلك في جانب الأشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو الانقطاع ، فهذا تمام الكلام في هذه الآية .

Section V18/P054–V18/P055

! 7 < { فلا تك فى مرية مما يعبد هاؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد ءاباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } . > 7 ! / < < هود : ( 109 ) فلا تك في . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول عليه الصلاة والسلام أحوال الكفار من قومه فقال : { فلا تك فى مرية } والمعنى : فلا تكن ، إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال ، ولأن النون إذا وقع على طرف الكلام لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوه ، والمعنى : فلا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع . ثم قال تعالى : { ما يعبدون إلا كما يعبد ءاباؤهم من قبل } والمراد أنهم أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل والتقليد . ثم قال : { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } فيحتمل أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم أي ما يخصهم من العذاب . ويحتمل أن يكون المراد أنهم وإن كفروا وأعرضوا عن الحق فإنا موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية . ويحتمل أيضا أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم من إزالة العذر وإزاحة العلل وإظهار الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب ، ويحتمل أيضا أن يكون الكل مرادا . ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم لفى شك منه مريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير } . > 7 < هود : ( 110 - 111 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد ، بين أيضا إصرارهم على إنكار نبوته عليه السلام وتكذيبهم بكتابه ، وبين تعالى أن هؤلاء الكفار كانوا على / هذه السيرة الفاسدة مع كل الأنبياء عليهم السلام وضرب لذلك مثلا ؛ وهو أنه لما أنزل التوراة على موسى عليه السلام اختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره آخرون ، وذلك يدل على أن عادة الخلق هكذا . ثم قال تعالى : { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم } وفيه وجوه : الأول : أن المراد : ولولا ما تقدم من حكم الله تعالى بتأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لكان الذي يستحقه هؤلاء الكفار عند عظيم كفرهم إنزال عذاب الاستئصال عليهم لكن المتقدم من قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم . الثاني : لولا كلمة سبقت من ربك وهي أن الله تعالى إنما يحكم بين المختلفين يوم القيامة وإلا لكان من الواجب تمييز المحق عن المبطل في دار الدنيا . الثالث : { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي أن رحمته سبقت غضبه وأن إحسانه راجح على قهره وإلا لقضى بينهم ولما قرر تعالى هذا المعنى قال : { وإنهم لفى شك منه مريب } يعني أن كفار قومك لفي شك من هذا القرآن مريب . ثم قال تعالى : { وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى أن من عجلت عقوبته ومن أخرت ومن صدق الرسل ومن كذب فحالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة ، فجمعت الآية الوعد والوعيد فإن توفية جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفية جزاء المعاصي وعيد عظيم ، وقوله تعالى : { إنه بما يعملون خبير } توكيد الوعد والوعيد ، فإنه لما كان عالما بجميع المعلومات كان عالما بمقادير الطاعات والمعاصي فكان عالما بالقدر اللائق بكل عمل من الجزاء ، فحينئذ لا يضيع شيء من الحقوق والأجزية وذلك نهاية البيان .

Section V18/P055–V18/P056

المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو والكسائي وإن مشددة النون { لما } خفيفة قال أبو علي : اللام في { لما } هي التي تقتضيه إن وذلك لأن حرف إن يقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله : { إن الله لغفور رحيم } ( النحل : 18 ) وقوله : { إن فى ذلك لآية } ( الحجر : 77 ) واللام الثانية هي التي تجيء بعد القسم كقولك والله لتفعلن ولما اجتمع لامان دخلت ما لتفصل بينهما فكلمة ما على هذا التقدير زائدة ، وقال الفراء : ما موصولة بمعنى من وبقية التقرير كما تقدم ومثله : { وإن منكم لمن ليبطئن } ( النساء : 72 ) . والقراءة الثانية : في هذه الآية قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم { وإن كلا لما } مخففتان والسبب فيه أنهم أعملوا إن مخففة كما تعمل مشددة لأن كلمة إن تشبه الفعل فكما يجوز أعمال الفعل تاما ومحذوفا في قولك لم يكن زيد قائما ولم يك زيد قائما فكذلك أن وإن . / والقراءة الثالثة : قرأ حمزة وابن عامر وحفص : { وإن كلا لما } ( الفجر : 19 ) مشددتان ، قالوا : وأحسن ما قيل فيه إن أصل لما بالتنوين كقوله : { أكلا لما } والمعنى أن كلا ملمومين أي مجموعين كأنه قيل : وإن كلا جميعا . المسألة الثالثة : سمعت بعض الأفاضل قال : إنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات : أولها : كلمة { ءان } وهي للتأكيد . وثانيها : كلمة ( كل ) وهي أيضا للتأكيد . وثالثها : اللام الداخلة على خبر { ءان } وهي تفيد التأكيد أيضا . ورابعها : حرف { ما } إذا جعلناه على قول الفراء موصولا . وخامسها : القسم المضمر ، فإن تقدير الكلام وإن جميعهم والله ليوفينهم . وسادسها : اللام الثانية الداخلة على جواب القسم . وسابعها : النون المؤكدة في قوله { ليوفينهم } فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر ثم أردفه بقوله : { إنه بما يعملون خبير } وهو من أعظم المؤكدات . ! 7 < { فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أوليآء ثم لا تنصرون } . > 7 < هود : ( 112 - 113 ) فاستقم كما أمرت . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعلى لما أطنب في شرح الوعد والوعيد قال لرسوله : { فاستقم كما أمرت } وهذ الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال ، سواء كان مختصا به أو كان متعلقا بتبليغ الوحي وبيان الشرائع ، ولا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جدا وأنا أضرب لذلك مثالا يقرب صعوبة هذا المعنى إلى العقل السليم ، وهو أن الخط المستقيم الذي يفصل بين الظل وبين الضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض ، إلا أن عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه ، فإنه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس ، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه .

Section V18/P056–V18/P057

/ إذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية ، فأولها : معرفة الله تعالى وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العبد مصونا في طرف الإثبات عن التشبيه ، وفي طرف النفي عن التعطيل في غاية الصعوبة ، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك ، وأيضا فالقوة الغضبية والقوة الشهوانية حصل لكل واحدة منهما طرفا إفراط وتفريط وهما مذمومان ، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين ، والوقوف عليه صعب ثم العمل به أصعب ، فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة ، بتقدير معرفته فالبقاء عليه والعمل به أصعب ، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن عباس : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( شيبتني هود وأخواتها ، وعن بعضهم قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له : روي عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فقال : ( نعم ) فقلت : وبأي آية ؟ فقال بقوله : { فاستقم كما أمرت } . المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة وذلك لأن القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله : { فاستقم كما أمرت } ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب اعتبارها وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به وعندي أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله : { فاستقم كما أمرت } والعمل بالقياس انحراف عنه ، ثم قال : { ومن تاب معك } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : من في محل الرفع من وجوه : الأول : أن يكون عطفا على الضمير المستتر في قوله : { فاستقم } وأغنى الوصل بالجار عن تأكيده بضمير المتصل في صحة العطف أي فاستقم أنت وهم . والثاني : أن يكون عطفا على الضمير فى أمرت . والثالث : أن يكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم . المسألة الثانية : أن الكافر والفاسق يجب عليهما الرجوع عن الكفر والفسق ففي تلك الحالة لا يصح اشتغالهما بالاستقامة ، وأما التائب عن الكفر والفسق فإنه يصح منه الاشتغال بالاستقامة على مناهج دين الله تعالى والبقاء على طريق عبودية الله تعالى ، ثم قال : { ولا تطغوا } ومعنى الطغيان أن يجاوز المقدار . قال ابن عباس : يريد تواضعوا لله تعالى ولا تتكبروا على أحد وقيل ولا تطغوا في القرآن فتحلوا حرامه وتحرموا حلاله / وقيل : لا تتجاوزوا ما أمرتم به وحد لكم ، وقيل : ولا تعدلوا عن طريق شكره والتواضع له عند عظم نعمه عليكم والأولى دخول الكل فيه ، ثم قال : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } والركون هو السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة ونقيضه / النفور عنه ، وقرأ العامة بفتح التاء والكاف والماضي من هذا ركن كعلم وفيه لغة أخرى ركن يركن قال الأزهري : وليست بفصيحة . قال المحققون : الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم وتحسين تلك الطريقة وتزيينها عندهم وعند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون ، ومعنى قوله : { فتمسكم النار } أي أنكم إن ركنتم إليهم فهذه عاقبة الركون ، ثم قال : { لهم من دون الله من أولياء } أي ليس لكم أولياء يخلصونكم من عذاب الله . ثم قال : { ثم لا تنصرون } والمراد لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة .

Section V18/P057–V18/P058

واعلم أن الله تعالى حكم بأن من ركن إلى الظلمة لا بد وأن تمسه النار وإذا كان كذلك فكيف يكون حال الظالم في نفسه . ! 7 < { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذالك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . > 7 < هود : ( 114 - 115 ) وأقم الصلاة طرفي . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أمره بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة وذلك يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : رأيت في بعض ( كتب القاضي أبي بكر الباقلاني ) أن الخوارج تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الواجب ليس إلا الفجر والعشاء من وجهين . الوجه الأول : أنهما واقعان على طرفي النهار والله تعالى أوجب إقامة الصلاة طرفي النهار ، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا . فإن قيل : قوله : { وزلفا من اليل } يوجب صلوات أخرى . قلنا : لا نسلم فإن طرفي النهار موصوفان بكونهما زلفا من الليل فإن ما لا يكون نهارا يكون ليلا غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف إلا أن ذلك كثير في القرآن والشعر . الوجه الثاني : أنه تعالى قال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } وهذا يشعر بأن من صلى طرفي النهار كان إقامتهما كفارة لكل ذنب سواهما فبتقدير أن يقال إن سائر الصلوات واجبة إلا / أن إقامتهما يجب أن تكون كفارة لترك سائر الصلوات . واعلم أن هذا القول باطل بإجماع الأمة فلا يلتفت إليه . المسألة الثانية : كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار والأقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار وهي الفجر والعصر ، وذلك لأن أحد طرفي النهار طلوع الشمس والطرف الثاني منه غروب الشمس فالطرف الأول هو صلاة الفجر والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله : { وزلفا من اليل } فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر . إذا عرفت هذا كانت الآية دليلا على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن التنوير بالفجر أفضل ، وفي أن تأخير العصر أفضل وذلك لأن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار وبينا أن طرفي النهار هما الزمان الأول لطلوع الشمس ، والزمان الثاني لغروبها ، وأجمعت الأمة على أن إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة ، فقد تعذر العمل بظاهر هذه الآية ، فوجب حمله على المجاز ، وهو أن يكون المراد : أقم الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار ، لأن ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه ، وإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ ، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس ، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظل كل شيء مثله ، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى ، فثبت أن ظاهر هذه الآية يقوي قول أبي حنيفة في هاتين المسألتين .

Section V18/P058–V18/P059

وأما قوله : { وزلفا من اليل } فهو يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث زلف من الليل ، لأن أقل الجمع ثلاثة وللمغرب والعشاء وقتان ، فيجب الحكم بوجوب الوتر حتى يحصل زلف ثلاثة يجب إيقاع الصلاة فيها ، وإذا ثبت وجوب الوتر في حق النبي صلى الله عليه وسلم وجب في حق غيره لقوله تعالى : { واتبعوه } ( سبأ : 20 ) ونظير هذه الآية بعينها قوله سبحانه وتعالى : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ( طه : 30 ) فالذي هو قبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر ، والذي هو قبل غروبها هو صلاة العصر . ثم قال تعالى : { ومن ءاناء اليل فسبح } وهو نطير قوله : { وزلفا من اليل } . المسألة الثالثة : قال المفسرون : نزلت هذه الآية في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما تقولون في رجل أصاب من امرأة محرمة كلما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ليتوضأ وضوءا حسنا ثم ليقم وليصل ) فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقيل / للنبي عليه الصلاة والسلام : هذا له خاصة ، فقال : ( بل هو للناس عامة ) وقوله : { وزلفا من اليل } قال الليث : زلفة من أول الليل طائفة ، والجمع الزلف . قال الواحدي : وأصل الكلمة من الزلفى والزلفى هي القربى ، يقال : أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب . المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { زلفا } بضمتين و { زلفا } بإسكان اللام وزلفى بوزن قربى فالزلف جمع زلفة كظلم جمع ظلمة والزلف بالسكون نحو بسرة وبسر والزلف بضمتين نحو : يسر في يسر ، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من نحو : يسر في يسر ، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل ، وقيل في تفسير قوله : { النهار وزلفا من اليل } وقربا من الليل ، ثم قال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الحسنات قولان : الأول : قال ابن عباس : المعنى أن الصلوات الخمس كفارات لسائر الذنوب بشرط الاجتناب عن الكبائر . والثاني : روي عن مجاهد أن الحسنات هي قول العبد سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . المسألة الثانية : احتج من قال إن المعصية لا تضر مع الإيمان بهذه الآية وذلك لأن الإيمان أشرف الحسنات وأجلها وأفضلها . ودلت الآية على أن الحسنات يذهبن السيئات ، فالإيمان الذي هو أعلى الحسنات درجة يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان فلأن يقوى على المعصية التي هي أقل السيئات درجة كان أولى ، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكلية فلا أقل من أن يفيد إزالة العذاب الدائم المؤبد . ثم قال تعالى : { ذالك ذكرى للذكرين } فقوله : { ذالك } إشارة إلى قوله : { فاستقم كما أمرت } إلى آخرها { ذكرى للذكرين } عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشدين . ثم قال : { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } قيل على الصلاة وهو كقوله : { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها } ( طه : 132 ) . ! 7 < { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد فى الا رض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه وكانوا مجرمين } . > 7 ! < < هود : ( 116 ) فلولا كان من . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال بين أن السبب فيه أمران :

Section V18/P059–V18/P060

السبب الأول : أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض . فقال تعالى : { فلولا كان من القرون } والمعنى فهلا كان ، وحكي عن الخليل أنه قال كل ما كان في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا إلا التي في الصافات . قال صاحب ( الكشاف ) : وما صحت هذه الرواية عنه بدليل قوله تعالى في غير الصافات { لولا أن تداركه نعمة ن ربه لنبذ بالعراء } ( القلم : 49 ) { لولا رجال مؤمنون } ( الفتح : 25 ) { لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } ( الإسراء : 74 ) ، وقوله : { أولوا بقية } فالمعنى أولو فضل وخير ، وسمي الفضل والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله ، فصار هذا اللفظ مثلا في الجودة يقال فلان من بقية القيوم أي من خيارهم ومنه قولهم في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا ، ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذو بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله تعالى وقرىء { أولوا بقية } بوزن لقية من بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره ، والبقية المرة من مصدره ، والمعنى فلولا كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله تعالى . ثم قال : { إلا قليلا } ولا يمكن جعله استثناء متصلا لأنه على هذا التقدير يكون ذلك ترغيبا لأولي البقية في النهي عن الفساد إلا القليل من الناجين منهم كما تقول هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم تريد استثناء الصلحاء من المرغبين في قراءة القرآن . وإذا ثبت هذا قلنا : إنه استثناء منقطع ، والتقدير : لكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهواعن الفساد وسائرهم تاركون للنهي . والسبب الثاني : لنزول عذاب الاستئصال قوله : { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } والترفه النعمة وصبي مترف إذا كان منعم البدن ، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة المعيشة وأراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتبعوا طلب الشهوات واللذات واشتغلوا بتحصيل الرياسات وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا } أي واتبعوا حراما أترفوا فيه ، ثم قال : { وكانوا مجرمين } ومعناه ظاهر . ! 7 < { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذالك خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } . > 7 < هود : ( 117 - 119 ) وما كان ربك . . . . . > > اعلم أنه تعالى بين أنه ما أهلك أهل القرى إلا بظلم وفيه وجوه : الوجه الأول : أن المراد من الظلم ههنا الشرك قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) والمعنى أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر ، بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم . ولهذا قال الفقهاء إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة . وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح . ويقال في الأثر الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ، فمعنى الآية : { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } أي لا يهلكهم بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعامل بعضهم بعضا على الصلاح والسداد . وهذا تأويل أهل السنة لهذه الآية ، قالوا : والدليل عليه أن قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب إنما نزل عليهم عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق .

Section V18/P060–V18/P061

والوجه الثاني : في التأويل وهو الذي تختاره المعتزلة هو أنه تعالى لو أهلكهم حال كونهم مصلحين لما كان متعاليا عن الظلم فلا جرم لا يفعل ذلك بل إنما يهلكهم لأجل سوء أفعالهم . ثم قال تعالى : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار وقد سبق الكلام عليه . ثم قال تعالى : { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك } والمراد افتراق الناس في الأديان والأخلاق والأفعال . / واعلم أنه لا سبيل إلى استقصاء مذاهب العالم في هذا الموضع ومن أراد ذلك فليطالع كتابنا الذي سميناه ( بالرياض المونقة ) إلا أنا نذكر ههنا تقسيما جامعا للمذاهب . فنقول : الناس فريقان منهم من أقر بالعلوم الحسية كعلمنا بأن النار حارة والشمس مضيئة والعلوم البديهية كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ، ومنهم من أنكرهما ، والمنكرون هم السفسطائية ، والمقرون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم ، وهم فريقان : منهم من سلم أنه يمكن تركيب تلك العلوم البديهية بحيث يستنتج منها نتائج علمية نظرية ، ومنهم من أنكره ، وهم الذين ينكرون أيضا النظر إلى العلوم ، وهم قليلون ، والأولون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم ، وهم فريقان : منهم من لا يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلا وهم الأقلون ، ومنهم من يثبت له مبدأ وهؤلاء فريقان : منهم من يقول : ذلك المبدأ موجب بالذات ، وهم جمهور الفلاسفة في هذا الزمان ، ومنهم من يقول : إنه فاعل مختار وهم أكثر أهل العالم ، ثم هؤلاء فريقان : منهم من يقول : إنه ما أرسل رسولا إلى العباد ، ومنهم من يقول : إنه أرسل الرسول ، فالأولون هم البراهمة . والقسم الثاني أرباب الشرائع والأديان ، وهم المسلمون والنصارى واليهود والمجوس ، وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا حد لها ولا حصر ، والعقول مضطربة ، والمطالب غامضة ، ومنازعات الوهم والخيال غير منقطعة ، ولما حسن من بقراط أن يقول في صناعة الطب العمر قصير ، والصناعة طويلة ، والقضاء عسر ، والتجربة خطر ، فلأن يحسن ذكره في هذه المطالب العالية والمباحث الغامضة / كان ذلك أولى . فإن قيل : إنكم حملتم قوله تعالى : { ولا يزالون مختلفين } على الاختلاف في الأديان ، فما الدليل عليه ، ولم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال . قلنا : الدليل عليه أن ما قبل هذه الآية هو قوله : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } فيجب حمل هذا الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمة واحدة ، وما بعد هذه الآية هو قوله : { إلا من رحم ربك } فيجب حمل هذا الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه قوله : { إلا من رحم ربك } وذلك ليس إلا ما قلنا . ثم قال تعالى : { إلا من رحم ربك } احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى ، وذلك لأن هذه الآية تدل على أن زوال الاختلاف في الدين لا يحصل إلا لمن خصه الله برحمته ، وتلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وإزاحة العذر ، فإن كل ذلك حاصل في حق الكفار ، فلم يبق إلا أن / يقال : تلك الرحمة هو أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة . قال القاضي معناه : إلا من رحم ربك بأن يصير من أهل الجنة والثواب ، فيرحمه الله بالثواب ، ويحتمل إلا من رحمة الله بألطافه ، فصار مؤمنا بألطافه وتسهيله ، وهذان الجوابان في غاية الضعف .

Section V18/P061–V18/P062

أما الأول : فلأن قوله : { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك } يفيد أن ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة ، فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية مجرى السبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف ، والثواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف ، فالاختلاف جار مجرى المسبب له ، ومجرى المعلول ، فحمل هذه الرحمة على الثواب بعيد . وأما الثاني : وهو حمل هذه الرحمة على الألطاف فنقول : جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضا في حق الكافر ، وهذه الرحمة أمر مختص به المؤمن ، فوجب أن يكون شيئا زائدا على تلك الألطاف ، وأيضا فحصول تلك الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أو لا يوجبه ، فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان ، فلم يك لطفا فيه ، وإن أوجب الرجحان فقد بينا في ( الكتب العقلية ) أنه متى حصل الرجحان فقد وجب ، وحينئذ يكون حصول الإيمان من الله ، ومما يدل على أن حصول الإيمان لا يكون إلا بخلق الله ، أنه ما لم يتميز الإيمان عن الكفر ، والعلم عن الجهل ، امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم ، وإنما يحصل هذا الامتياز إذا علم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقا للمعتقد وكون الآخر ليس كذلك ، وإنما يصح حصول هذا العلم ، أن لو عرف أن ذلك المعتقد في نفسه كيف يكون ، وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد إلى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالما ، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محال فثبت أن زوال الاختلاف في الدين وحصول العلم والهداية لا يحصل إلا بخلق الله تعالى وهو المطلوب . ثم قال تعالى : { ولذالك خلقهم } وفيه ثلاثة أقوال : القول الأول : قال ابن عباس : وللرحمة خلقهم ، وهذا اختيار جمهور المعتزلة . قالوا : ولا يجوز أن يقال : وللاختلاف خلقهم ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما ، وأقرب المذكورين ههنا هو الرحمة ، والاختلاف أبعدهما . والثاني : أنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك الإيمان ، لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه ، إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف . الثالث : إذا فسرنا الآية بهذا المعنى ، كان مطابقا لقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) . / فإن قيل : لو كان المراد وللرحمة خلقهم لقال : ولتلك خلقهم ولم يقل : ولذلك خلقهم . قلنا : إن تأنيث الرحمة ليس تأنيثا حقيقيا ، فكان محمولا على الفضل والغفران كقوله : { هاذا رحمة من ربى } ( الكهف : 98 ) وقوله : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } ( الأعراف : 56 ) . والقول الثاني : أن المراد وللاختلاف خلقهم .

Section V18/P062–V18/P063

والقول الثالث : وهو المختار أنه خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف . روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا ، وأهل العذاب لأن يختلفوا ، وخلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا ، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه : الأول : الدلائل القاطعة الدالة على أن العلم والجهل لا يمكن حصولهما في العبد إلا بتخليق الله تعالى . الثاني : أن يقال : إنه تعالى لما حكم على البعض بكونهم مختلفين وعلى الآخرين بأنهم من أهل الرحمة وعلم ذلك امتنع انقلاب ذلك ، وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وهو محال . الثالث : أنه تعالى قال بعده : { وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقواما للهداية والجنة ، وأقواما آخرين للضلالة والنار ، وذلك يقوي هذا التأويل . ! 7 < { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجآءك فى هاذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } . > 7 < هود : ( 120 ) وكلا نقص عليك . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة ذكر في هذه الآية نوعين من الفائدة . الفائدة الأولى : تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى ، وذلك لأن الإنسان إذا ابتلى بمحنة وبلية فإذا رأى له فيه مشاركا خف ذلك على قلبه ، كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت ، فإذا سمع الرسول هذه القصص ، وعلم أن حال جميع الأنبياء صلوات الله عليهم مع أتباعهم هكذا ، سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه . والفائدة الثانية : قوله : { وجاءك فى هاذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } وفي قوله : { فى هاذه } وجوه : أحدها : في هذه السورة . وثانيها : في هذه الآية . وثالثها : في هذه الدنيا ، وهذا بعيد غير لائق بهذا الموضع . / واعلم أنه لا يلزم من تخصيص هذ السورة بمجيء الحق فيها أن يكون حال سائر السور بخلاف ذلك ، لاحتمال أن يكون الحق المذكور في هذه السورة أكمل حالا مما ذكر في سائر السور ، ولو لم يكن فيها إلا قوله : { فاستقم كما أمرت } ( هود : 112 ) لكان الأمر كما ذكرنا ، ثم إنه تعالى بين أنه جاء في هذه السورة أمور ثلاثة الحق والموعظة والذكرى . أما الحق : فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة . وأما الذكرى : فهي إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال الباقية الصالحة . وأما الموعظة : فهي إشارة إلى التنفير من الدنيا وتقبيح أحوالها في الدار الآخرة ، والمذكرة لما هنالك من السعادة والشقاوة ، وذلك لأن الروح إنما جاء من ذلك العالم إلا أنه لاستغراقه في محبة الجسد في هذا العالم نسي أحوال ذلك العالم فالكلام الإلهي يذكره أحوال ذلك العالم ، فلهذا السبب صح إطلاق لفظ الذكر عليه . ثم ههنا دقيقة أخرى عجيبة : وهي أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل ومن موجب ، وقابلها هو القلب ، والقلب ما لم يكن كامل الاستعداد لقبول تلك المعارف الإلهية والتجليات القدسية ، لم يحصل الانتفاع بسماع الدلائل ، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر إصلاح القلب ، وهو تثبيت الفؤاد ، ثم لما ذكر صلاح حال القابل ، أردفه بذكر الموجب ، وهو مجيء هذه السورة المشتملة على الحق والموعظة والذكرى ، وهذا الترتيب في غاية الشرف والجلالة . ! 7 < { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ولله غيب السماوات والا رض وإليه يرجع الا مر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون } . > 7 <

Section V18/P063–V18/P064

هود : ( 121 - 123 ) وقل للذين لا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بلغ الغاية في الأعذار والإنذار ، والترغيب والترهيب ، أتبع ذلك بأن قال للرسول : { وقل للذين لا يؤمنون } ولم تؤثر فيهم هذه البيانات البالغة { اعملوا على مكانتكم إنا عاملون } وهذا عين ما حكاه الله تعالى عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه ، والمعنى : افعلوا كل ما تقدرون / عليه في حقي من الشر ، فنحن أيضا عاملون . وقوله : { اعملوا } وإن كانت صيغته صيغة الأمر ، إلا أن المراد منها التهديد ، كقوله تعالى لإبليس : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ( الإسراء : 64 ) وكقوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( الكهف : 29 ) وانتظروا ما يعدكم الشيطان من الخذلان فإنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان . قال ابن عباس رضي الله عنهما : { وانتظروا } الهلاك فإنا منتظرون لكم العذاب . ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة المقدسة فقال : { ولله غيب السماوات والارض } . واعلم أن مجموع مايحتاج الإنسان إلى معرفته أمور ثلاثة . وهي : الماضي والحاضر والمستقبل . أما الماضي فهو أن يعرف الموجود الذي كان موجودا قبله ، وذلك الموجود المتقدم عليه هو الذي نقله من العدم إلى الوجود ، وذلك هو الإله تعالى وتقدس . واعلم أن حقيقة ذات الإله وكنه هويته غير معلومة للبشر ألبتة ، وإنما المعلوم للبشر صفاته ، ثم إن صفاته قسمان : صفات الجلال ، وصفات الإكرام . أما صفات الجلال ، فهي سلوب ، كقولنا : إنه ليس بجوهر ولا جسم ، ولا كذا ولا كذا . وهذه السلوب في الحقيقة ليست صفات الكمال ، لأن السلوب عدم ، والعدم المحض والنفي الصرف ، لا كمال فيه ، فقولنا لا تأخذه سنة ولا نوم إنما أفاد الكلام لدلالته على العلم المحيط الدائم المبرأ عن التغير ولولا ذلك كان عدم النوم ليس يدل على كمال أصلا ، ألا ترى أن الميت والجماد لا تأخذه سنة ولا نوم وقوله : { وهو يطعم ولا يطعم } ( الأنعام : 14 ) إنما أفاد ، الجلال والكمال والكبرياء ، لأن قوله : { ولا يطعم } يفيد كونه واجب الوجود لذاته غنيا عن الطعام والشراب بل عن كل ما سواه ، فثبت أن صفات الكمال والعز والعلو هي الصفات الثبوتية ، وأشرف الصفات الثبوتية الدالة على الكمال والجلال صفتان : العلم والقدرة ، فلهذا السبب وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بهما في معرض التعظيم والثناء والمدح . أما صفة العلم فقوله : { ولله غيب السماوات والارض } والمراد أن علمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات والمعدومات والموجودات والحاضرات والغائبات ، وتمام البيان والشرح في دلالة هذا اللفظ على نهاية الكمال ما ذكرناه في تفسير قوله سبحانه وتعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) وأما صفة القدرة ، فقوله : { وإليه يرجع الامر كله } والمراد أن مرجع الكل إليه ، وإنما يكون كذلك لو كان مصدر الكل ومبدأ الكل هو هو والذي يكون مبدأ لجميع الممكنات وإليه يكون مرجع كل المحدثات والكائنات ، كان عظيم القدرة نافذ المشيئة قهارا للعدم بالوجود والتحصيل جبارا له بالقوة والفعل والتكميل / فهذان الوصفان هما المذكوران في شرح جلال المبدأ ونعت كبريائه .

Section V18/P064–V18/P066

/ والمرتبة الثانية : من المراتب التي يجب على الإنسان كونه عالما بها أن يعرف ما هو مهم له في زمان حياته في الدنيا ، وما ذلك إلا تكميل النفس بالمعارف الروحانية والجلايا القدسية ، وهذه المرتبة لها بداية ونهاية . أما بدايتها فالاشتغال بالعبادات الجسدانية والروحانية . أما العبادات الجسدانية ، فأفضل الحركات الصلاة ، وأكمل السكنات الصيام ، وأنفع البر الصدقة . وأما العبادة الروحانية فهي : الفكر ، والتأمل في عجائب صنع الله تعالى في ملكوت السموات والأرض ، كما قال تعالى : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض } ( آل عمران : 191 ) وأما نهاية هذه المرتبة ، فالانتهاء من الأسباب إلى مسببها ، وقطع النظر عن كل الممكنات والمبدعات ، وتوجيه حدقة العقل إلى نور عالم الجلال ، واستغراق الروح في أضواء عالم الكبرياء ، ومن وصل إلى هذه الدرجة رأى كل ما سواه مهرولا تائها في ساحة كبريائه هالكا فانيا في فناء سناء أسمائه . وحاصل الكلام : أن أول درجات السير إلى الله تعالى هو عبودية الله ، وآخرها التوكل على الله ، فلهذا السبب قال : { فاعبده وتوكل عليه } . والمرتبة الثالثة : من المراتب المهمة لكل عامل معرفة المستقبل وهو أنه يعرف كيف يصير حاله بعد انقضاء هذه الحياة الجسمانية ، وهل لأعماله أثر في السعادة والشقاوة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وما ربك بغافل عما تعملون } والمقصود أنه لا يضيع طاعات المطيعين ولا يهمل أحوال المتمردين الجاحدين ، وذلك بأن يحضروا في موقف القيامة ويحاسبوا على النقير والقطمير ويعاتبوا في الصغير والكبير ، ثم يحصل عاقبة الأمر فريق في الجنة وفريق في السعير ، فظهر أن هذه الآية وافية بالإشارة إلى جميع المطالب العلوية ، والمقاصد القدسية ، وأنه ليس وراءها للعقول مرتقى ولا للخواطر منتهى والله الهادي للصواب ، تمت السورة بحمد الله وعونه ، وقد وجد بخط المصنف رضي الله عنه في النسخة المنتقل منها ثم تفسير هذه السورة قبل طلوع الصبح ليلة الاثنين من شهر رجب ختمه الله بالخير والبركة سنة إحدى وستمائة ، وقد كان لي ولد صالح حسن السيرة فتوفى في الغربة في عنفوان شبابه ، وكان قلبي كالمحترق لذلك السبب ، فأنا أنشد الله إخواني في الدين وشركائي في طلب اليقين وكل من نظر في هذا الكتاب وانتفع به أن يذكر ذلك الشاب بالرحمة والمغفرة ، وأن يذكر هذا المسكين بالدعاء وهو يقول : { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } ( آل عمران : 8 ) وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة يوسف ) 1 < > مكية ، إلا الآيات : 1 و 2 و 3 و 7 ، فمدنية وآياتها : 111 ، نزلت بعد سورة هود ! 7 < { الر تلك ءايات الكتاب المبين إنآ أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } . > 7 < يوسف : ( 1 - 2 ) الر تلك آيات . . . . . > > وقد ذكرنا في أول سورة يونس تفسير : { الر تلك ءايات الكتاب الحكيم } ( يونس : 1 ) فقوله : { تلك } إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة { الر } هي { الكتاب المبين إنا } وهو القرآن ، وإنما وصف القررن بكونه مبينا لوجوه : الأول : أن القرآن معجزة قاهرة وآية بينة لمحمد صلى الله عليه وسلم . والثاني : أنه بين فيه الهدى والرشد ، والحلال والحرام ، ولما بينت هذه الأشياء فيه كان الكتاب مبينا لهذه الأشياء . الثالث : أنه بينت فيه قصص الأولين وشرحت فيه أحوال المتقدمين . ثم قال : { إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وفيه مسائل :

Section V18/P066–V18/P067

المسألة الأولى : روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين ، سلوا محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ، وعن كيفية قصة يوسف ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وذكر فيها أنه / تعالى عبر عن هذه القصة بألفاظ عربية ، ليتمكنوا من فهمها ويقدروا على تحصيل المعرفة بها . والتقدير : إنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه قرآنا عربيا ، وسمى بعض القرآن قرآنا ، لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض . المسألة الثانية : احتج الجبائي بهذه الآية على كون القرآن مخلوقا من ثلاثة أوجه : الأول : أن قوله : { إنا أنزلناه } يدل عليه ، فإن القديم لا يجوز تنزيله وإنزاله وتحويله من حال إلى حال ، الثاني : أنه تعالى وصفه بكونه عربيا والقديم لا يكون عربيا ولا فارسيا . الثالث : أنه لما قال : { إنا أنزلناه قرانا عربيا } دل على أنه تعالى كان قادرا على أن ينزله لا عربيا ، وذلك يدل على حدوثه . الرابع : أن قوله : { تلك ءايات الكتاب } يدل على أنه مركب من الآيات والكلمات ، وكل ما كان مركبا كان محدثا . والجواب عن هذه الوجوه بأسرها أن نقول : إنها تدل على أن المركب من الحروف والكلمات والألفاظ والعبارات محدث وذلك لا نزاع فيه ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر فسقط هذا الاستدلال . المسأل الثالثة : احتج الجبائي بقوله : { لعلكم تعقلون } فقال : كلمة ( لعل ) يجب حملها على الجزم والتقدير : إنا أنزلناه قرآنا عربيا لتعقلوا معانيه في أمر الدين ، إذ لا يجوز أن يراد بلعلكم تعقلون ؟ الشك لأنه على الله محال ، فثبت أن المراد أنه أنزله لإرادة أن يعرفوا دلائله ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من كل العباد أن يعقلوا توحيده وأمر دينه ، من عرف منهم ، ومن لم يعرف ، بخلاف قول المجبرة . والجواب : هب أن الأمر ما ذكرتم إلا أنه يدل على أنه تعالى أنزل هذه السورة ، وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة ولكن لم قلتم إنها تدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح . ! 7 < { نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هاذا القرءان وإن كنت من قبله لمن الغافلين } . > 7 ! < < يوسف : ( 3 ) نحن نقص عليك . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : روى سعيد بن جبير أنه تعالى لما أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم / وكان يتلوه على قومه ، فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فنزلت هذه السورة فتلاها عليهم فقالوا لو حدثتنا فنزل : { الله نزل أحسن الحديث كتابا } ( الزمر : 23 ) فقالوا لو ذكرتنا فنزل : { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } ( الحديد : 16 ) .

Section V18/P067–V18/P068

المسألة الثانية : القصص اتباع الخبر بعضه بعضا وأصله في اللغة المتابعة قال تعالى : { وقالت لاخته قصيه } ( القصص : 11 ) أي اتبعي أثره وقال تعالى : { فارتدا علىءاثارهما قصصا } ( الكهف : 64 ) أي اتباعا وإنما سميت الحكاية قصصا لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا كما يقال تلا القرآن إذا قرأه لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية والقصص في هذه الآية يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص يقال قص الحديث يقصه قصا وقصصا إذا طرده وساقه كما يقال أرسله يرسله إرسالا ويجوز أن يكون من باب تسمية المفعول بالمصدر كقولك هذا قدرة الله تعالى أي مقدوره وهذا الكتاب علم فلان أي معلومه وهذا رجاؤنا أي مرجونا فإن حملناه على المصدر كان المعنى نقص عليك أحسن الاقتصاص ، وعلى هذا التقدير فالحسن يعود إلى حسن البيان لا إلى القصة والمراد من هذا الحسن كون هذه الألفاظ فصيحة بالغة في الفصاحة إلى حد الإعجاز ألا ترى أن هذه القصة مذكورة في كتب التواريخ مع أن شيئا منها لا يشابه هذه السورة في الفصاحة والبلاغة وإن حملناه على المفعول كان معنى كونه أحسن القصص لما فيه من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها فإن إحدى الفوائد التي في هذه القصة أنه لا دافع لقضاء الله تعالى ولا مانع من قدر الله تعالى وأنه تعالى إذا قضى للإنسان بخير ومكرمة فلو أن أهل العالم اجتمعوا عليه لم يقدروا على دفعه . والفائدة الثانية : دلالتها على أن الحسد سبب للخذلان والنقصان . والفائدة الثالثة : أن الصبر مفتاح الفرج كما في حق يعقوب عليه السلام فإنه لما صبر فاز بمقصوده ، وكذلك في حق يوسف عليه السلام . فأما قوله : { بما أوحينا إليك هاذا القرءان } فالمعنى بوحينا إليك هذا القرآن ، وهذا التقدير إن جعلنا ( ما ) مع الفعل بمنزلة المصدر . ثم قال : { وإن كنت من قبله } يريد من قبل أن نوحي إليك { لمن الغافلين } عن قصة يوسف وإخوته ، لأنه عليه السلام إنما علم ذلك بالوحي ، ومنهم من قال : المراد أنه كان من الغافلين عن الدين والشريعة قبل ذلك كما قال تعالى : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) . ! 7 < { إذ قال يوسف لابيه ياأبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين } . > 7 ! / < < يوسف : ( 4 ) إذ قال يوسف . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقدير الآية : اذكر { إذ قال يوسف } قال صاحب ( الكشاف ) : الصحيح أنه اسم عبراني ، لأنه لو كان عربيا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف ، وقرأ بعضهم { يوسف } بكسر السين { ويوسف } بفتحها . وأيضا روى في يونس هذه اللغات الثلاث ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ) . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر { يا أبت } بفتح التاء في جميع القرآن ، والباقون بكسر التاء . أما الفتح فوجهه أنه كان في الأصل يا أبتاه على سبيل الندبة ، فحذفت الألف والهاء . وأما الكسر فأصله يا أبي ، فحذفت الياء واكتفى بالكسرة عنها ثم أدخل هاء الوقف فقال : { يا أبت } ثم كثر استعماله حتى صار كأنه من نفس الكلمة فأدخلوا عليه الإضافة ، وهذا قول ثعلب وابن الأنباري . واعلم أن النحويين طولوا في هذه المسألة ، ومن أراد كلامهم فليطالع ( كتبهم ) .

Section V18/P068–V18/P070

المسألة الثالثة : أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر سجدت له ، وكان له أحد عشر نفرا من الأخوة ، ففسر الكواكب بالأخوة ، والشمس والقمر بالأب والأم ، والسجود بتواضعهم له ودخولهم تحت أمره ، وإنما حملنا قوله : { لابيه ياأبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا } على الرؤيا لوجهين : الأول : أن الكواكب لا تسجد في الحقيقة ، فوجب حمل هذا الكلام على الرؤيا . والثاني : قول يعقوب عليه السلام : { لا تقصص رءياك على إخوتك } ( يوسف : 5 ) وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله : { رأيتهم لى ساجدين } فقوله : { ساجدين } لا يليق إلا بالعقلاء ، والكواكب جمادات ، فكيف جازت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات . قلنا : إن جماعة من الفلاسفة الذين يزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة احتجوا بهذه الآية ، وكذلك احتجوا بقوله تعالى : { وكل فى فلك يسبحون } ( الأنبياء : 33 ) والجمع بالواو والنون مختص بالعقلاء . وقال / الواحدي : إنه تعالى لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل ، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ( الأعراف : 198 ) وكما في قوله : { نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) . السؤال الثاني : قال : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } ثم أعاد لفظ الرؤيا مرة ثانية ، وقال : { رأيتهم لى ساجدين } فما الفائدة في هذا التكرير ؟ الجواب : قال القفال رحمه الله : ذكر الرؤية الأولى لتدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر ، والثانية لتدل على مشاهدة كونها ساجدة له ، وقال بعضهم : إنه لما قال : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } فكأنه قيل له : كيف رأيت ؟ فقال : رأيتهم لي ساجدين ، وقال آخرون : يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤية ، وهذا القائل لم يبين أن أيهما يحمل على الرؤيا وأيهما الرؤيا فذكر قولا مجملا غير مبين . السؤال الثالث : لم أخر الشمس والقمر ؟ قلنا : أخرهما لفضلهما على الكواكب ، لأن التخصيص بالذكر يدل على مزيد الشرف كما في قوله : { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) . السؤال الرابع : المراد بالسجود نفس السجود أو التواضع كما في قوله : ترى الأكم فيه سجدا للحوافر قلنا : كلاهما محتمل ، والأصل في الكلام حمله على حقيقته ولا مانع أن يرى في المنام أن الشمس والقمر والكواكب سجدت له . السؤال الخامس : متى رأى يوسف عليه السلام هذه الرؤيا ؟ قلنا : لا شك أنه رآها حال الصغر ، فأما ذلك الزمان بعينه فلا يعلم إلا بالأخبار . قال وهب : رأى يوسف عليه السلام وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها فذكر ذلك لأبيه فقال إياك أن تذكر هذا لأخوتك ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال لا تذكرها لهم فيكيدوا لك كيدا . وقيل : كان بين رؤيا يوسف ومصير أخوته إليه أربعون سنة وقيل : ثمانون سنة . واعلم أن الحكماء يقولون إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب ، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين . قالوا : والسبب في ذلك أن رحمة الله تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول / الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل ، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدما على ظهوره بزمان طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر وأتم .

Section V18/P070–V18/P071

السؤال السادس : قال بعضهم : المراد من الشمس والقمر أبوه وخالته فما السبب فيه ؟ قلنا : إنما قالوا ذلك من حيث ورد في الخبر أن والدته توفيت وما دخلت عليه حال ما كان بمصر قالوا : ولو كان المراد من الشمس والقمر أباه وأمه لما ماتت لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام لا بد وأن تكون وحيا وهذه الحجة غير قوية لأن يوسف عليه السلام ما كان في ذلك الوقت من الأنبياء . السؤال السابع : وما تلك الكواكب ؟ قلنا : روى صاحب ( الكشاف ) أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام وأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام لليهودي : ( إن أخبرتك هل تسلم ) قال نعم قال : ( جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلت من السماء وسجدت له ) فقال اليهودي : أي والله إنها لأسماؤها . واعلم أن كثيرا من هذه الأسماء غير مذكور في الكتب المصنفة في صورة الكواكب والله أعلم بحقيقة الحال . ! 7 < { قال يابنى لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين وكذالك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الا حاديث ويتم نعمته عليك وعلىءال يعقوب كمآ أتمهآ على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم } . > 7 < يوسف : ( 5 - 6 ) قال يا بني . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حفص { أو بنى } بفتح الياء والباقون بالكسر . / المسألة الثانية : أن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف وأخيه فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك المعنى ليعقوب عليه السلام بالأمارات الكثيرة فلما ذكر يوسف عليه السلام هذه الرؤيا وكان تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فقال لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها فيكيدوا لك كيدا . المسألة الثالثة : قال الواحدي : الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا والشورى إلا أنه لما صار اسما لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء . قال صاحب ( الكشاف ) : الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقطة فلا جرم فرق بينهما بحرفي التأنيث ، كما قيل : القربة والقربى وقرىء روياك بقلب الهمزة واوا وسمع الكسائي يقرأ رياك ورياك بالإدغام وضم الراء وكسرها وهي ضعيفة . ثم قال تعالى : { فيكيدوا لك كيدا } وهو منصوب بإضمار أن والمعنى إن قصصتها عليهم كادوك . فإن قيل : فلم لم يقل فيكيدوك كما قال : { فكيدونى } ( هود : 55 ) . قلنا : هذه اللام تأكيد للصلة كقوله { للرؤيا تعبرون } ، وكقولك نصحتك ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك ، وقيل هي من صلة الكيد على معنى فيكيدوا كيدا لك . قال أهل التحقيق : وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بتعبير الرؤيا وإلا لم يعلموا من هذه الرؤيا ما يوجب حقدا وغضبا .

Section V18/P071–V18/P072

ثم قال : { إن الشيطان للإنسان عدو مبين } والسبب في هذا الكلام أنهم لو أقدموا على الكيد لكان ذلك مضافا إلى الشيطان ونظيره قول موسى عليه السلام هذا من عمل الشيطان ، ثم إن يعقوب عليه السلام قصد بهذه النصيحة تعبير تلك الرؤيا وذكروا أمورا : أولها : قوله : { وكذالك يجتبيك ربك } يعني وكما اجتباك بمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبر شأن كذلك يجتبيك لأمور عظام . قال الزجاج : الاجتباء مشتق من جبيت الشيء إذا خلصته لنفسك ومنه جبيت الماء في الحوض ، واختلفوا في المراد بهذا الاجتباء ، فقال الحسن : يجتبيك ربك بالنبوة ، وقال آخرون : المراد منه إعلاء الدرجة وتعظيم المرتبة فأما تعيين النبوة فلا دلالة في اللفظ عليه . وثانيها : قوله : { ويعلمك من تأويل الاحاديث } وفيه وجوه : الأول : المراد منه تعبير الرؤيا سماه تأويلا لأنه يؤل أمره إلى ما رآه في المنام يعني تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم . قالوا : إنه عليه السلام كان في علم التعبير غاية ، والثاني : تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدمين ، كما أن الواحد من علماء زماننا يشتغل بتفسير القرآن وتأويله ، وتأويل الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والثالث : الأحاديث جمع حديث ، / والحديث هو الحادث ، وتأويلها مآلها ، ومآل الحوادث إلى قدرة الله تعالى وتكوينه وحكمته ، والمراد من تأويل الأحاديث كيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات الروحانية والجسمانية على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته ، وثالثها : قوله : { ويتم نعمته عليك وعلىءال يعقوب } . واعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة ههنا بالنبوة أيضا وإلا لزم التكرار ، بل يفسر إتمام النعمة ههنا بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة . أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والحشم وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد . وأما سعادات الآخرة : فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى . وأما من فسر الاجتباء بنيل الدرجات العالية ، فههنا يفسر إتمام النعمة بالنبوة ويتأكيد هذا بأمور : الأول : أن إتمام النعمة عبارة عما به تصير النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان . وما ذاك في حق البشر إلا بالنبوة ، فإن جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة ناقص بالنسبة إلى كمال النبوة ، فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس إلا النبوة ، والثاني : قوله : { كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } ومعلوم أن النعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحق عن سائر البشر ليس إلا النبوة ، فوجب أن يكون المراد بإتمام النعمة هو النبوة . واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء ، وذلك لأنه قال : { ويتم نعمته عليك وعلىءال يعقوب } وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب ، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو النبوة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبناءه فوجب أن لا يبقى معمولا به في حق أولاده . وأيضا أن يوسف عليه السلام قال : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا } وكان تأويله أحد عشر نفسا لهم فضل وكمال ويستضيء بعلمهم ودينهم أهل الأرض ، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدى وذلك يقتضي أن يكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلا . فإن قيل : كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف عليه السلام ؟ قلنا : ذاك وقع قبل النبوة ، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها .

Questions

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 172 · Qur'an & Sunnah