Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V01/P054–V01/P055

جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل فجوابه : أن الهاء عائدة إلى مذكور متقدم وقال ابن جني : وأنا أجيز أن تكون الهاء في قوله ربه عائدة على عدي خلافا للجماعة ثم ذكر كلاما طويلا غير ملخص وأقول : الأولى في تقريره أن يقال : الفعل من حيث أنه فعل كان غنيا عن المفعول لكن الفعل المتعدي لا يستغني عن المفعول وذلك لأن الفاعل هو المؤثر والمفعول هو القابل والفعل مفتقر إليهما ولا تقدم لأحدهما على الآخر أقصى ما في الباب أن يقال أن الفاعل مؤثر والمؤثر أشرف من القابل فالفاعل متقدم على المفعول من هذا الوجه لأنا بينا أن الفعل المتعدي مفتقر إلى المؤثر وإلى القابل معا وإذا ثبت هذا فكما جاز تقديم الفاعل على المفعول وجب أيضا جواز تقديم المفعول على الفاعل . القسم الثاني : وهو أن يتقدم المفعول على الفاعل في الصورة لا في المعنى ؛ وهو كقولك ضرب غلامه زيد : فغلامه مفعول وزيد فاعل ومرتبة المفعول بعد مرتبة الفاعل إلا أنه وإن تقدم في اللفظ لكنه متأخر في المعنى . والقسم الثالث : وهو أن يقع في المعنى لا في الصورة كقوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات [ البقرة : 124 ] فههنا الإضمار قبل الذكر غير حاصل في الصورة لكنه حاصل في المعنى لأن الفاعل مقدم في المعنى ومتى صرح بتقديمه لزم الإضمار قبل الذكر . < > المسألة الخامسة : < > الفاعل قد يكون مظهرا كقولك : ضرب زيد وقد يكون مضمرا بارزا كقولك : ضربت وضربنا ومضمرا مستكنا كقولك : زيد ضرب فتنوي في ضرب فاعلا وتجعل الجملة خبرا عن زيد ومن إضمار الفاعل قولك : إذا كان غدا فأتني أي : إذا كان ما نحن عليه غدا . < > المسألة السادسة : < > الفعل قد يكون مضمرا يقال : من فعل ؟ فتقول : زيد والتقدير فعل زيد ومنه : قوله تعالى : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [ التوبة : 6 ] والتقدير : وإن استجارك أحد من المشركين . < > المسألة السابعة : < > إذا جاء فعلان معطوفا أحدهما على الآخر وجاء بعدهما اسم صالح ؛ لأن يكون معمولا لهما ؛ فهذا على قسمين ؛ لأن الفعلين : إما أن يقتضيا عملين متشابهين أو مختلفين وعلى التقديرين فإما أن يكون الاسم المذكور بعدهما واحدا أو أكثر فهذه أقسام أربعة : القسم الأول : أن يذكر فعلان يقتضيان عملا واحدا ويكون المذكور بعدهما اسما واحدا كقولك : قام وقعد زيد فزعم الفراء أن الفعلين جميعا عاملان في زيد والمشهور أنه لا يجوز ؛ لأنه يلزم تعليل الحكم الواحد بعلتين ممتنع في المؤثرات أما في المعرفات ؛ فجائز وأجيب عنه بأن المعرف يوجب المعرفة فيعود الأمر إلى اجتماع المؤثرين في الأثر الواحد . القسم الثاني : إذا كان الاسم غير مفرد وهو كقولك : قام وقعد أخواك فههنا : إما أن ترفعه بالفعل الأول أو بالفعل الثاني فإن رفعته بالأول قلت : قام وقعدا أخواك ؛ لأن التقدير : قام أخواك وقعدا أما إذا أعملت الثاني جعلت في الفعل الأول ضمير الفاعل ؛ لأن الفعل لا يخلو من فاعل مضمر أو مظهر تقول : قاما وقعد أخواك وعند البصريين إعمال الثاني أولى وعند الكوفيين إعمال الأول أولى حجة البصريين أن إعمالهما معا ممتنع فلا بد من إعمال أحدهما والقرب مرجح فإعمال الأقرب أولى وحجة الكوفيين إذا أعملنا الأقرب وجب إسناد الفعل المتقدم إلى الضمير ويلزم حصول الإضمار قبل الذكر وذلك أولى بوجوب الاحتراز عنه . القسم الثالث : ما إذا اقتضى الفعلان تأثيرين متناقضين وكان الاسم المذكور بعدهما مفردا فيقول البصريون : إن إعمال الأقرب أولى خلافا للكوفيين حجة البصريين وجوه ؛ الأول : قوله - تعالى - آتوني أفرغ عليه قطرا [ الكهف : 96 ] فحصل ههنا فعلان كل واحد منهما يقتضي مفعولا : فإما أن يكون الناصب لقوله قطرا هو قوله آتوني أو أفرغ والأول باطل وإلا صار التقدير : آتوني قطرا وحينئذ كان يجب أن يقال : أفرغه عليه ولما لم يكن كذلك علمنا أن الناصب لقولك : قطرا هو قوله : أفرغ ؛ الثاني : قوله تعالى : ^ { هاؤم اقرؤا كتابيه } ^ [ الحاقة : 19 ] فلو كان العامل هو الأبعد لقيل : هاؤم اقرؤه وأجاب الكوفيون عن هذين الدليلين بأنهما يدلان على جواز إعمال الأقرب وذلك لا نزاع فيه وإنما النزاع في أنا نجوز إعمال الأبعد وأنتم تمنعونه وليس في الآية ما يدل على المنع الحجة الثالثة للبصريين أنه يقال : ما جاءني من أحد فالفعل رافع والحرف جار ثم يرجح الجار لأنه هو الأقرب . الحجة الرابعة : أن اهمالهما وإعمالهما لا يجوز ولا بد من الترجيح والقرب مرجح فأعمال الأقرب أولى . واحتج الكوفيون بوجوه : الأول أنا بينا أن الاسم المذكور بعد الفعلين إذا كان مثنى أو مجموعا فإعمال الثاني يوجب في الأول الإضمار قبل الذكر وأنه لا يجوز فوجب القول بإعمال الأول هناك فإذا كان الاسم مفردا وجب أن يكون الأمر كذلك طردا للباب . الثاني : أن الفعل الأول وجد معمولا خاليا عن العائق لأن الفعل لا بد له من مفعول والفعل الثاني وجد المعمول بعد أن عمل الأول فيه وعمل الأول فيه عائق عن عمل الثاني فيه ومعلوم أن إعمال الخالي عن العائق أولى من إعمال العامل المقرون بالعائق . القسم الرابع : إذا كان الاسم المذكور بعد الفعلين مثنى أو مجموعا فإن أعملت الفعل الثاني قلت ضربت وضربني الزيدان وضربت وضربني الزيدون وإن أعملت الأول قلت ضربت وضرباني الزيدين وضربت وضربوني الزيدين . <

Section V01/P055–V01/P057

> المسألة الثامنة : < > قول امرئ القيس : فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي فقوله كفاني ولم أطلب ليسا متوجهين إلى شيء واحد لأن قوله كفاني موجه إلى قليل من المال وقوله ولم أطلب غير موجه إلى قليل من المال وإلا لصار التقدير فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة لم أطلب قليلا من المال وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيلزم حينئذ أنه ما سعى لأدنى معيشة ومع ذلك فقد طلب قليلا من المال وهذا متناقض فثبت أن المعنى ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك وعلى هذا التقدير فالفعلان غير موجهين إلى شيء واحد . ولنكتف بهذا القدر من علم العربية قبل الخوض في التفسير . القسم الثاني : من هذا الكتاب المشتمل على تفسير ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) في المباحث النقلية والعقلية وفيه أبواب : - < > الباب الأول < > < > في المسائل الفقهية المستنبطة من قولنا ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) < > < > المسألة الأولى : < > اتفق الأكثرون على أن وقت قراءة الاستعاذ قبل قراءة الفاتحة وعن النخعي أنه بعدها وهو قول داود الأصفهاني وإحدى الروايتين عن ابن سيرين وهؤلاء قالوا : الرجل إذا قرأ سورة الفاتحة بتمامها وقال ( آمين ) فبعد ذلك يقول : أعوذ بالله والأولون احتجوا بما روى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : الله أكبر كبيرا ثلاث مرات والحمد لله كثيرا ثلاث مرات وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات ثم قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه . واحتج المخالف على صحة قوله بقوله سبحانه : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ النحل : 98 ] دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط وذكر الاستعاذة جزاء والجزاء متأخر عن الشرط فوجب أن تكون الاستعاذة متأخره عن قراءة القرآن ثم قالوا : وهذا موافق لما في العقل لأن من قرأ القرآن فقد استوجب الثواب العظيم فلو دخله العجب في آداء تلك الطاعة سقط ذلك الثواب لقوله عليه الصلاة والسلام ثلاث مهلكات وذكر منها إعجاب المرء بنفسه ؛ فلهذا السبب أمره الله سبحانه وتعالى بأن يستعيذ من الشيطان لئلا يحمله الشيطان بعد قراءة القرآن على عمل يحبط ثواب تلك الطاعة . قالوا : ولا يجوز أن يقال : إن المراد من قوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ كما في قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : 6 ] والمعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة لأنه يقال : ترك الظاهر في موضع الدليل لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل . أما جمهور الفقهاء فقالوا : لا شك أن قوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ [ النحل : 98 ] يحتمل أن يكون المراد منه إذا أردت وإذا ثبت الاحتمال وجب حمل اللفظ عليه توفيقا بين هذه الآية وبين الخبر الذي رويناه ومما يقوي ذلك من المناسبات العقلية أن المقصود من الاستعاذة نفي وساوس الشيطان عند القراءة قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان [ الحج : 52 ] وإنما أمر تعالى بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذا السبب . وأقول : ههنا قول ثالث : وهو أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر وبعدها بمقتضى القرآن جمعا بين الدليلين بقدر الإمكان . < > المسألة الثانية : <

Section V01/P057–V01/P058

> قال عطاء : الاستعاذة واجبة لكل قراءة سواء كانت في الصلاة أو في غيرها وقال ابن سيرين : إذا تعوذ الرجل مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب وقال الباقون : إنها غير واجبة . حجة الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة ولقائل أن يقول : إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم وجوبها . واحتج عطاء على وجوب الاستعاذة بوجوه : الأول : أنه عليه السلام واظب عليه فيكون واجبا لقوله تعالى : واتبعوه [ الأعراف : 158 ] . الثاني : أن قوله تعالى : فاستعذ أمر وهو للوجوب ثم إنه يجب القول بوجوبه عند كل القراءات لأنه تعالى قال : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله [ النحل : 98 ] وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل والحكم يتكرر لأجل تكرر العلة . الثالث : أنه تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم لأن قوله فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم مشعر بذلك ودفع شر الشيطان واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة . الرابع : أن طريقة الاحتياط توجب الاستعاذة فهذا ما لخصناه في هذه المسألة . < > المسألة الثالثة : < > التعوذ مستحب قبل القراءة عند الأكثرين وقال مالك لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ في قيام شهر رمضان لنا الآية التي تلوناها والخبر الذي رويناه وكلاهما يفيد الوجوب فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندب . < > المسألة الرابعة : < > قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : روي أن عبد الله بن عمر لما قرأ أسر بالتعوذ وعن أبي هريرة أنه جهر ثم قال : فإن جهر به جاز وإن أسر به أيضا جاز وقال في الإملاء : ويجهر بالتعوذ فإن أسر لم يضر بين أن الجهر عنده أولى وأقول : الاستعاذة إنما تقرأ بعد الافتتاح وقبل الفاتحة فإن ألحقناها بما قبلها لزم الإسرار وإن ألحقناها بالفاتحة لزم الجهر إلا أن المشابهة بينها وبين الافتتاح أتم لكون كل واحد منهما نافلة عند الفقهاء ولأن الجهر كيفية وجودية والإخفاء عبارة عن عدم تلك الكيفية والأصل هو العدم . < > المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : قيل إنه يتعوذ في كل ركعة ثم قال : والذي أقوله إنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى وأقول : له أن يحتج عليه بأن الأصل هو العدم وما لأجله أمرنا بذكر الاستعاذة هو قوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وكلمة إذا لا تفيد العموم ولقائل أن يقول : قد ذكرنا أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على العلية فيلزم أن يتكرر الحكم بتكرر العلة والله أعلم . < > المسألة السادسة : < > أنه تعالى قال في سورة النحل : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ النحل : 98 ] وقال في سورة أخرى : إنه هو السميع العليم [ الأنفال : 61 ] وفي سورة ثالثة إنه سميع عليم [ الأعراف : 200 ] فلهذا السبب اختلف العلماء فقال الشافعي : واجب أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو قول أبي حنيفة قالوا : لأن هذا النظم موافق لقوله تعالى : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وموافق أيضا لظاهر الخبر الذي رويناه عن جبير بن مطعم وقال أحمد : الأولى أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم جمعا بين الآيتين وقال بعض أصحابنا الأولى أن يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم لأن هذا أيضا جمع بين الآيتين وروى البيهقي في كتاب السنن عن أبي سعيد الخدري أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثلاثا وقال :

Section V01/P058–V01/P059

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقال الثوري والأوزاعي : الأولى أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم وروى الضحاك عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على محمد عليه الصلاة والسلام قال : قل يا محمد : استعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال : قل : ^ { بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق } ^ [ العلق : 1 ] . وبالجملة فالاستعاذة تطهر القلب عن كل ما يكون مانعا من الاستغراق في الله والتسمية توجه القلب إلى هيبة جلال الله والله الهادي . < > المسألة السابعة : < > التعوذ في الصلاة لأجل القراءة أم لأجل الصلاة ؟ عند أبي حنيفة ومحمد أنه لأجل القراءة وعند أبي يوسف أنه لأجل الصلاة ويتفرع على هذا الأصل فرعان : الفرع الأول : أن المؤتم هل يتعوذ خلف الإمام أم لا ؟ عندهما لا يتعوذ لأنه لا يقرأ وعنده يتعوذ وجه قولهما قوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ النحل : 98 ] علق الاستعاذة على القراءة ولا قراءة على المقتدي فلا يتعوذ ووجه أبي يوسف أن التعوذ لو كان للقراءة لكان يتكرر بتكرر القراءة ولما لم يكن كذلك بل كرر بتكرر الصلاة دل على أنها للصلاة لا للقراءة الفرع الثاني : إذا افتتح صلاة العيد فقال : سبحانك اللهم وبحمدك هل يقول : أعوذ بالله ثم يكبر أم لا ؟ عندهما أنه يكبر التكبيرات ثم يتعوذ عند القراءة وعند أبي يوسف يقدم التعوذ على التكبيرات . وبقي من مسائل الفاتحة أشياء نذكرها ههنا : - < > المسألة الثامنة : < > السنة أن يقرأ القرآن على الترتيل لقوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا [ المزمل : 4 ] والترتيل هو أن يذكر الحروف والكلمات مبينة ظاهرة والفائدة فيه أنه إذا وقعت القراءة على هذا الوجه فهم من نفسه معاني تلك الألفاظ وأفهم غيره تلك المعاني وإذا قرأها بالسرعة لم يفهم ولم يفهم فكان الترتيل أولى فقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا قال أبو سليمان الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة يقال للقارئ : اقرأ وارق في الدرج على عدد ما كنت تقرأ من القرآن فمن استوفى قراءة جميع آي القرآن استولى على أقصى الجنة . < > المسألة التاسعة : < > إذا قرأ القرآن فالسنة أن يجيد في القراءة روى أبو داود عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم . < > المسألة العاشرة : < > المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء لا يبطل الصلاة ويدل على أن المشابهة حاصلة بينهما جدا والتمييز عسر فوجب أن يسقط التكليف بالفرق بيان المشابهة من وجوه : الأول : أنهما من الحروف المجهورة والثاني : أنهما من الحروف الرخوة والثالث : أنهما من الحروف المطبقة والرابع : أن الظاء وإن كان مخرجه من بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ومخرج الضاد من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس إلا أنه حصل في الضاد انبساط لأجل رخاوتها وبهذا السبب يقرب مخرجه من مخرج الظاء والخامس : أن النطق بحرف الضاد مخصوص بالعرب قال عليه الصلاة والسلام : أنا أفصح من نطق بالضاد فثبت بما ذكرنا أن المشابهة بين الضاد والظاء شديدة وأن التمييز عسر وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان هذا الفرق معتبرا لوقع السؤال عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أزمنة الصحابة لا سيما عند دخول العجم في الإسلام فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذه المسألة البتة علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليس في محل التكليف . < > المسألة الحادية عشرة : <

Section V01/P059–V01/P060

> اختلفوا في أن اللام المغلظة هل هي من اللغات الفصيحة أم لا ؟ وبتقدير أن يثبت كونها من اللغات الفصيحة لكنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تغليظها حال كونها مكسورة لأن الانتقال من الكسرة إلى التلفظ باللام المغلظة ثقيل على اللسان فوجب نفيه عن هذه اللغة . < > المسألة الثانية عشرة : < > اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة مثل قولهم الحمد لله بكسر الدال من الحمد أو بضم اللام من لله لأن الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقا لأنها لو كانت من القرآن لوجب بلوغها في الشهرة إلى حد التواتر ولما لم يكن كذلك علمنا أنها ليست من القرآن إلا أنا عدلنا عن هذا الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع . < > المسألة الثالثة عشرة : < > اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالنقل المتواتر وفيه إشكال : وذلك لأنا نقول : هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله تعالى قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها في الجواز وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير لكنا نرى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة ويحمل الناس عليها ويمنعهم من غيرها فوجب أن يلزم في حقهم ما ذكرناه وأما إن قلنا إن هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع واليقين وذلك باطل بالإجماع ولقائل أن يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ولا خلاف بين الأمة فيه وتجويز القراءة بكل واحد منها وبعضها من باب الآحاد وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليته عن كونه قطعيا والله أعلم . < > الباب الثاني < > < > في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) < > اعلم أن الكلام في هذا الباب يتعلق بأركان خمسة : الاستعاذة والمستعيذ والمستعاذ به والمستعاذ منه والشيء الذي لأجله تحصل الاستعاذة . < > الركن الأول : < > في الاستعاذة وفيه مسائل : - < > المسألة الأولى : <

Section V01/P060–V01/P061

> في تفسير قولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بحسب اللغة فنقول : قوله ( أعوذ ) مشتق من العوذ وله معنيان : أحدهما : الالتجاء والاستجارة والثاني : الالتصاق يقال أطيب اللحم عوذه وهو ما التصق منه بالعظم فعلى الوجه الأول معنى قوله أعوذ بالله أي : ألتجئ إلى رحمة الله تعالى وعصمته وعلى الوجه الثاني معناه ألتصق نفسي بفضل الله وبرحمته . وأما الشيطان ففيه قولان : الأول أنه مشتق من الشطن وهو البعد يقال : شطن دارك أي بعد فلا جرم سمي كل متمرد من جن وإنس ودابة شيطانا لبعده من الرشاد والسداد قال الله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن [ الأنعام : 112 ] فجعل من الإنس شياطين وركب عمر برذونا فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال : ما حملتموني إلا على شيطان . والقول الثاني أن الشيطان مأخوذ من قوله شاط يشيط إذا بطل ولما كان كل متمرد كالباطل في نفسه بسبب كونه مبطلا لوجوه مصالح نفسه سمي شيطانا . وأما الرجيم فمعناه المرجوم فهو فعيل بمعنى مفعول . كقولهم : كف خضيب أي مخضوب ورجل لعين أي ملعون ثم في كونه مرجوما وجهان : الأول : أن كونه مرجوما كونه ملعونا من قبل الله تعالى قال الله تعالى : اخرج منها فإنك رجيم [ الحجر : 34 ] واللعن يسمى رجما وحكى الله تعالى عن والد إبراهيم عليه السلام أنه قال له : لئن لم تنته لأرجمنك [ مريم : 46 ] قيل عنى به الرجم بالقول وحكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين [ الشعراء : 116 ] وفي سورة يس لئن لم تنتهوا لنرجمنكم [ يس : 18 ] والوجه الثاني أن الشيطان إنما وصف بكونه مرجوما لأنه تعالى أمر الملائكة برمي الشياطين بالشهب والثواقب طردا لهم من السموات ثم وصف بذلك كل شرير متمرد . وأما قوله : إنه هو السميع العليم [ الأنفال : 61 ] ففيه وجهان الأول : أن الغرض من الاستعاذة الاحتراز من شر الوسوسة ومعلوم أن الوسوسة كأنها حروف خفية في قلب الإنسان ولا يطلع عليها أحد فكأن العبد يقول : يا من هو على هذه الصفة التي يسمع بها كل مسموع ويعلم كل سر خفي أنت تسمع وسوسة الشيطان وتعلم غرضه فيها وأنت القادر على دفعها عني فادفعها عني بفضلك فلهذا السبب كان ذكر السميع العليم أولى بهذا الموضع من سائر الأذكار الثاني : أنه إنما تعين هذا الذكر بهذا الموضع اقتداء بلفظ القرآن وهو قوله تعالى : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم [ : 200 ] وقال في حم السجدة : إنه هو السميع العليم [ فصلت : 36 ] . < > المسألة الثانية : <

Section V01/P061

> في البحث العقلي عن ماهية الاستعاذة : اعلم أن الاستعاذة لا تتم إلا بعلم وحال وعمل أما العلم فهو كون العبد عالما بكونه عاجزا عن جلب المنافع الدينية والدنيوية وعن دفع جميع المضار الدينية والدنيوية وأن الله تعالى قادر على إيجاد جميع المنافع الدينية والدنيوية وعلى دفع جميع المضار الدينية والدنيوية قدرة لا يقدر أحد سواه على دفعها عنه . فإذا حصل هذا العلم في القلب تولد عن هذا العلم حصول حالة في القلب وهي انكسار وتواضع ويعبر عن تلك الحالة بالتضرع إلى الله تعالى والخضوع له ثم إن حصول تلك الحالة في القلب يوجب حصول صفة أخرى في القلب وصفة في اللسان أما الصفة الحاصلة في القلب فهي أن يصير العبد مريدا لأن يصونه تعالى عن الآفات ويخصه بإفاضة الخيرات والحسنات وأما الصفة التي في اللسان فهي أن يصير العبد طالبا لهذا المعنى بلسانه من الله تعالى وذلك الطلب هو الاستعاذة وهو قوله ( أعوذ بالله ) إذا عرفت ما ذكرنا يظهر لك أن الركن الأعظم في الاستعاذة هو علمه بالله وعلمه بنفسه وأما علمه بالله فهو أن يعلم كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع المعلومات فإنه لو لم يكن الأمر كذلك لجاز أن لا يكون الله عالما به ولا بأحواله فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثا ولا بد أن يعلم كونه قادرا على جميع الممكنات وإلا فربما كان عاجزا عن تحصيل مراد البعد ولا بد أن يعلم أيضا كونه جوادا مطلقا إذ لو كان البخل عليه جائزا لما كان في الاستعاذة فائدة ولا بد أيضا وأن يعلم أنه لا يقدر أحد سوى الله تعالى على أن يعينه على مقاصده إذ لو جاز أن يكون غير الله يعينه على مقاصده لم تكن الرغبة قوية في الاستعاذة بالله وذلك لا يتم إلا بالتوحيد المطلق وأعني بالتوحيد المطلق أن يعلم أن مدبر العالم واحد وأن يعلم أيضا أن العبد غير مستقل بأفعال نفسه إذ لو كان مستقلا بأفعال نفسه لم يكن في الاستعاذة بالغير فائدة فثبت بما ذكرنا أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية وذلة العبودية لا يصح منه أن يقول : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ومن الناس من يقول : لا حاجة في هذا الذكر إلى العلم بهذه المقدمات بل الإنسان إذا جوز كون الأمر كذلك حسن منه أن يقول : أعوذ بالله على سبيل الإجمال وهذا ضعيف جدا لأن إبراهيم عليه السلام عاب أباه في قوله : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [ مريم : 42 ] فبتقدير أن لا يكون الإله عالما بكل المعلومات قادرا على جميع المقدورات كان سؤاله سؤالا لمن لا يسمع ولا يبصر وكان داخلا تحت ما جعله إبراهيم عليه السلام عيبا على أبيه . وأما علم العبد بحال نفسه فلا بد وان يعلم عجزه وقصوره عن رعاية مصالح نفسه على سبيل التمام وأن يعلم أيضا أنه بتقدير أن يعلم تلك المصالح بحسب الكيفية والكمية لكنه لا يمكنه تحصيلها عند عدمها ولا إبقاؤها عند وجودها .

Section V01/P061–V01/P062

إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا حصلت هذه العلوم في قلب العبد وصار مشاهدا لها متيقنا فيها وجب أن يحصل في قلبه تلك الحالة المسماة بالانكسار والخضوع وحينئذ يحصل في قلبه الطلب وفي لسانه اللفظ الدال على ذلك الطلب وذلك هو قوله : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) والذي يدل على كون الإنسان عاجزا عن تحصيل مصالح نفسه في الدنيا والآخرة أن الصادر عن الإنسان إما العمل وإما العلم وهو في كلا البابين في الحقيقة في غاية العجز أما العلم فما أشد الحاجة في تحصيله إلى الاستعاذة بالله وفي الاحتراز عن حصول ضده إلى الاستعاذة بالله ويدل عليه وجوه : - الحجة الأولى : أنا كم رأينا من الأكياس المحققين بقوا في شبهة واحدة طول عمرهم ولم يعرفوا الجواب عنها بل أصروا عليها وظنوها علما يقينيا وبرهانا جليا ثم بعد انقضاء أعمارهم جاء بعدهم من تنبه لوجه الغلط فيها وأظهر للناس وجه فسادها وإذا جاز ذلك على بعض الناس جاز على الكل مثله ولولا هذا السبب لما وقع بين أهل العلم اختلاف في الأديان والمذاهب وإذا كان الأمر كذلك فلولا إعانة الله وفضله وإرشاده وإلا فمن ذا الذي يتخلص بسفينة فكره من أمواج الضلالات ودياجي الظلمات ؟ الحجة الثانية : أن كل أحد إنما يقصد أن يحصل له الدين الحق والاعتقاد الصحيح وإن أحدا لا يرضى لنفسه بالجهل والكفر فلو كان الأمر بحسب سعيه وإرادته لوجب كون الكل محقين صادقين وحيث لم يكن الأمر كذلك بل نجد المحقين في جنب المبطلين كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود علمنا أنه لا خلاص من ظلمات الضلالات إلا بإعانة إله الأرض والسموات . الحجة الثالثة : أن القضية التي توقف الإنسان في صحتها وفسادها فإنه لا سبيل له إلى الجزم بها إلا إذا دخل فيما بينهما الحد الأوسط فنقول : ذلك الحد الأوسط إن كان حاضرا في عقله كان القياس منعقدا والنتيجة لازمة . فحينئذ لا يكون العقل متوقفا في تلك القضية بل يكون جازما بها وقد فرضناه متوقفا فيها هذا خلف وأما إن قلنا إن ذلك الحد الأوسط غير حاضر في عقله فهل يمكنه طلبه أو لا يمكنه طلبه ؟ والأول باطل لأنه إن كان لا يعرفه بعينه فكيف يطلبه ؟ لأن طلب الشيء بعينه إنما يمكن بعد الشعور به وإن كان يعرفه بعينه فالعلم به حاضر في ذهنه فكيف يطلب تحصيل الحاصل ؟ وأما إن كان لا يمكنه طلبه فحينئذ يكون عاجزا عن تحصيل الطريق الذي يتخلص به من ذلك التوقف ويخرج من ظلمة تلك الحيرة وهذا يدل على كون العبد في غاية الحيرة والدهشة .

Section V01/P062–V01/P063

الحجة الرابعة : أنه تعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين [ المؤمنون : 97 ] فهذه الاستعاذة مطلقة غير مقيدة بحالة مخصوصة فهذا بيان كمال عجز العبد عن تحصيل العقائد والعلوم وأما عجز العبد عن الأعمال الظاهرة التي يجر بها النفع إلى نفسه ويدفع بها الضرر عن نفسه فهذا أيضا كذلك ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن هذا البدن يشبه الجحيم وانكشف لهم أنه جلس على باب هذا الجحيم تسعة عشر نوعا من الزبانية وهي الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبع وكل واحد من هذه التسعة عشر فهو واحد بحسب الجنس إلا أنه يدخل تحت كل واحد منها أعداد لا نهاية لها بحسب الشخص والعدد واعتبر ذلك بالقوة الباصرة فإن الأشياء التي تقوى القوة الباصرة على إدراكها أمور غير متناهية ويحصل من إبصار كل واحد منها أثر خاص في القلب وذلك الأثر يجر القلب من أوج عالم الروحانيات إلى حضيض عالم الجسمانيات وإذا عرفت هذا ظهر أن مع كثرة هذه العوائق والعلائق أنه لا خلاص للقلب من هذه الظلمات إلا بإعانة الله تعالى وإغاثته ولما ثبت أنه لا نهاية لجهات نقصانات العبد ولا نهاية لكمال رحمة الله وقدرته وحكمته ثبت أن الاستعاذة بالله واجبة في كل الأوقات فلهذا السبب يجب علينا في أول كل قول وعمل ومبدأ كل لفظة ولحظة أن نقول : ^ { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } ^ . الحجة الخامسة : أن اللذات الحاصلة في هذه الحياة العاجلة قسمان : أحدهما : اللذات الحسية والثاني : اللذات الخيالية وهي لذة الرياسة وفي كل واحد من هذين القسمين الإنسان إذا لم يمكن أن يمارس تحصيل تلك اللذات ولم يزاولها لم يكن له شعور بها وإذا كان عديم الشعور بها كان قليل الرغبة فيها ثم إذا مارسها ووقف عليها التذ بها وإذا حصل الالتذاذ بها قويت رغبته فيها وكلما اجتهد الإنسان حتى وصل إلى مقام آخر في تحصيل اللذات والطيبات وصل في شدة الرغبة وقوة الحرص إلى مقام آخر أعلى مما كان قبل ذلك فالحاصل أن الإنسان كلما كان أكثر فوزا بالمطالب كان أعظم حرصا وأشد رغبة في تحصيل الزائد عليها وإذا كان لا نهاية لمراتب الكمالات فكذلك لا نهاية لدرجات الحرص وكما أنه لا يمكن تحصيل الكمالات التي لا نهاية لها فكذلك لا يمكن إزالة ألم الشوق والحرص عن القلب فثبت أن هذا مرض لا قدرة للعبد على علاجه ووجب الرجوع فيه إلى الرحيم الكريم الناصر لعباده فيقال : ^ { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } ^ . الحجة السادسة : في تقرير ما ذكرناه قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وقوله : ^ { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة : 45 ] وقول موسى لقومه : ^ { استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين } ^ [ الأعراف : 128 ] وفي بعض الكتب الإلهية أن الله تعالى يقول : وعزتي وجلالي لأقطعن امل كل مؤمل غيري باليأس ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس ولأخيبنه من قربي ولأبعدنه من وصلي ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويرجو غيري ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني . <

Section V01/P063

> المسألة الثالثة : <

Section V01/P063–V01/P064

> في أن الاستعاذة كيف تصح على مذهب أهل الجبر ومذهب القدرية قالت المعتزلة : قوله : ( أعوذ بالله ) يبطل القول بالجبر من وجوه : - الأول : أن قوله : { أعوذ بالله } اعتراف بكون العبد فاعلا لتلك الاستعاذة ولو كان خالق الأعمال هو الله تعالى لامتنع كون العبد فاعلا لأن تحصيل الحاصل محال وأيضا فإذا خلقه الله في العبد امتنع دفعه وإذا لم يخلقه الله فيه امتنع تحصيله فثبت أن قوله : ( أعوذ بالله ) اعتراف بكون العبد موجدا لأفعال نفسه . والثاني : أن الاستعاذة إنما تحسن من الله تعالى إذا لم يكن الله تعالى خالقا للأمور التي منها يستعاذ أما إذا كان الفاعل لها هو الله تعالى امتنع أن يستعاذ بالله منها لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد استعاذ بالله من الله في عين ما يفعله الله . والثالث : أن الاستعاذة بالله من المعاصي تدل على أن العبد غير راض بها ولو كانت المعاصي تحصل بتخليق الله تعالى وقضائه وحكمه وجب على العبد كونه راضيا بها ؛ لما ثبت بالإجماع أن الرضا بقضاء الله واجب . والرابع : أن الاستعاذة بالله من الشيطان إنما تعقل وتحسن لو كانت تلك الوسوسة فعلا للشيطان أما إذا كانت فعلا لله ولم يكن للشيطان في وجودها أثر البتة فكيف يستعاذ من شر الشيطان بل الواجب أن يستعاذ على هذا التقدير من شر الله تعالى لأنه لا شر إلا من قبله . الخامس : أن الشيطان يقول : إذا كنت ما فعلت شيئا أصلا وأنت يا إله الخلق علمت صدور الوسوسة عني ولا قدرة لي على مخالفة قدرتك وحكمت بها علي ولا قدر لي على مخالفة حكمك ثم قلت : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة : 286 ] وقلت : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] وقلت : وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] فمع هذه الأعذار الظاهرة والأسباب القوية كيف يجوز في حكمتك ورحمتك أن تذمني وتلعنني ؟ السادس : جعلتني مرجوما ملعونا بسبب جرم صدر مني أو لا بسبب جرم صدر مني ؟ فإن كان الأول ؛ فقد بطل الجبر وإن كان الثاني ؛ فهذا محض الظلم وأنت قلت : { وما الله يريد ظلما للعباد } [ غافر : 31 ] فكيف يليق هذا بك ؟ فإن قال قائل : هذه الإشكالات إنما تلزم على قول من يقول بالجبر وأنا لا أقول بالجبر ولا بالقدر ؛ بل أقول : الحق حالة متوسطة بين الجبر والقدر وهو الكسب . فنقول : هذا ضعيف ؛ لأنه إما أن يكون لقدرة العبد أثر في الفعل على سبيل الاستقلال أو لا يكون فإن كان الأول ؛ فهو تمام القول بالاعتزال وإن كان الثاني فهو الجبر المحض والسؤالات المذكورة واردة على هذا القول فكيف يعقل حصول الواسطة .

Section V01/P064–V01/P065

قال أهل السنة والجماعة : أما الإشكالات التي ألزمتموها علينا ؛ فهي بأسرها واردة عليكم من وجهين : الأول : أن قدرة العبد إما أن تكون معينة لأحد الطرفين أو كانت صالحة للطرفين معا فإن كان الأول فالجبر لازم وإن كان الثاني فرجحان أحد الطرفين على الآخر إما أن يتوقف على المرجح أو لا يتوقف فإن كان الأول ؛ ففاعل ذلك المرجح إن كان هو العبد عاد التقسيم الأول فيه وإن كان هو الله تعالى فعندما يفعل ذلك المرجح يصير الفعل واجب الوقوع وعندما لا يفعله يصير الفعل ممتنع الوقوع وحينئذ يلزمكم كل ما ذكرتموه وأما الثاني : وهو أن يقال : إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يتوقف على مرجح ؛ فهذا باطل ؛ لوجهين : الأول : أنه لو جاز ذلك لبطل الاستدلال بترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر على وجود المرجح والثاني : أن على هذا التقدير يكون ذلك الرجحان واقعا على سبيل الاتفاق ولا يكون صادرا عن العبد وإذا كان الأمر كذلك ؛ فقد عاد الجبر المحض فثبت بهذا البيان أن كل ما أوردتموه علينا ؛ فهو وارد عليكم . الوجه الثاني : في السؤال : أنكم سلمتم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ووقوع الشيء على خلاف علمه يقتضي انقلاب علمه جهلا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فكان كل ما أوردتموه علينا في القضاء والقدر لازما عليكم في العلم لزوما لا جواب عنه . ثم قال أهل السنة والجماعة : قوله : ^ { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } ^ يبطل القول بالقدر من وجوه : الأول : أن المطلوب من قولك : ^ { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } ^ إما أن يكون هو أن يمنع الله الشيطان من عمل الوسوسة منعا بالنهي والتحذير أو على سبيل القهر والجبر أما الأول فقد فعله ولما فعله كان طلبه من الله محالا ؛ لأن تحصيل الحاصل محال وأما الثاني فهو غير جائز ؛ لأن الإلجاء ينافي كون الشياطين مكلفين وقد ثبت كونهم مكلفين أجابت المعتزلة عنه فقالوا : المطلوب بالاستعاذة فعل الألطاف التي تدعو المكلف إلى فعل الحسن وترك القبيح لا يقال : فتلك الألطاف فعل الله بأسرها فما الفائدة في الطلب ؛ لأنا نقول : إن من الألطاف ما لا يحسن فعله إلا عند هذا الدعاء فلو لم يتقدم هذا الدعاء لم يحسن فعله أجاب أهل السنة عن هذا السؤال : بأن فعل تلك الألطاف إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك أو لا أثر فيه فإن كان الأول فعند حصول الترجيح يصير الفعل واجب الوقوع والدليل عليه أن عند حصول رجحان جانب الوجود لو حصل العدم فحينئذ يلزم أن يحصل عند رجحان جانب الوجود رجحان جانب العدم وهو جمع بين النقيضين وهو محال فثبت أن عند حصول الرجحان يحصل الوجوب وذلك يبطل القول بالاعتزال وأما إن لم يحصل بحسب فعل تلك الألطاف رجحان طرف الوجود لم يكن لفعلها البتة أثر فيكون فعلها عبثا محضا وذلك في حق الله تعالى محال . الوجه الثاني : أن يقال : إن الله تعالى إما أن يكون مريدا لصلاح حال العبد أو لا يكون فإن كان الحق هو الأول فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد أو لا يتوقع فإن توقع منه إفساد العبد مع أن الله تعالى مريد إصلاح حال العبد فلم خلقه ولم سلطه على العبد ؟ وأما إن كان لا يتوقع من الشيطان إفساد العبد فأي حاجة للعبد إلى الاستعاذة منه ؟ وأما إذا قيل : إن الله تعالى لا يريد ما هو صلاح حال العبد فالاستعاذة بالله كيف تفيد الاعتصام من شر الشيطان .

Section V01/P065–V01/P066

الوجه الثالث : أن الشيطان إما أن يكون مجبورا على فعل الشر أو يكون قادرا على فعل الشر والخير معا فإن كان الأول فقد أجبره الله على الشر وذلك يقدح في قولهم : إنه تعالى لا يريد إلا الصلاح والخير وإن كان الثاني - وهو أنه قادر على فعل الشر والخير - ؛ فهنا يمتنع أن يترجح فعل الخير على فعل الشر إلا بمرجح وذلك المرجح يكون من الله تعالى وإذا كان كذلك فأي فائدة في الاستعاذة ؟ الوجه الرابع : هب أن البشر إنما وقعوا في المعاصي بسبب وسوسة الشيطان فالشيطان كيف وقع في المعاصي ؟ فإن قلنا إنه وقع فيها بوسوسة شيطان آخر لزم التسلسل وإن قلنا : وقع الشيطان في المعاصي لا لأجل شيطان آخر فلم لا يجوز مثله في البشر ؟ وعلى هذا التقدير ؛ فلا فائدة في الاستعاذة من الشيطان وإن قلنا : إنه تعالى سلط الشيطان على البشر ولم يسلط على الشيطان شيطانا آخر ؛ فهذا حيف على البشر وتخصيص له بمزيد الثقل والإضرار وذلك ينافي كون الإله ريحما ناصرا لعباده . الوجه الخامس : أن الفعل المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع ؛ فهو واجب الوقوع فلا فائدة في الاستعاذة منه وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع ؛ فلا فائدة في الاستعاذة منه . واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله : { أعوذ بالله } إلا أن ينكشف للعبد أن الكل من الله وبالله وحاصل الكلام فيه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم : أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . الركن الثاني : المستعاذ به : واعلم أن هذا ورد في القرآن والأخبار على وجهين : أحدهما أن يقال : أعوذ بالله والثاني أن يقال أعوذ بكلمات الله أما قوله أعوذ بالله فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة الله وسيأتي ذلك في تفسير بسم الله وأما قوله : أعوذ بكلمات الله التامات ؛ فاعلم أن المراد بكلمات الله هو قوله تعالى : ^ { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ^ [ النحل : 40 ] والمراد من قوله : { كن } نفاذ قدرته في الممكنات وسريان مشيئته في الكائنات بحيث يمتنع أن يعرض له عائق ومانع ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة بالله إلا لكونه موصوفا بتلك القدرة القاهرة والمشيئة النافذة وأيضا فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على سبيل الحركة والخروج من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا وأما الروحانيات ؛ فإنما يحصل تكونها الآن الذي لا ينقسم فلهذه المشابهة سميت نفاذ قدرته بالكلمة وأيضا ثبت في علم المعقولات أن عالم الأرواح مستول على عالم الأجسام وإنما هي المدبرات لأمور هذا العالم كما قال تعالى : فالمدبرات أمرا [ النازعات : 5 ] فقوله :

Section V01/P066–V01/P067

أعوذ بكلمات الله التامات استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة الطاهرة الطيبة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة فالمراد بكلمات الله التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة . ثم ههنا دقيقة وهي أن قوله : أعوذ بكلمات الله التامات إنما يحسن ذكره إذا كان قد بقي في نظره التفات إلى غير الله وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد وتوغل في قعر الحقائق وصار بحيث لا يرى في الوجود أحدا إلا الله تعالى ؛ لم يستعذ إلا بالله ولم يلتجئ إلا إلى الله ولم يعول إلا على الله فلا جرم يقول : أعوذ بالله و أعوذ من الله بالله كما قال عليه السلام وأعوذ بك منك واعلم أن في هذا المقام يكون العبد مشتغلا أيضا بغير الله لأن الاستعاذة لا بد وأن تكون لطلب أو لهرب وذلك اشتغال بغير الله تعالى فإذا ترقى العبد عن هذا المقام وفني عن نفسه وفني أيضا عن فنائه عن نفسه فههنا يترقى عن مقام قوله أعوذ بالله ويصير مستغرقا في نور قوله { بسم الله } ألا ترى أنه عليه السلام لما قال وأعوذ بك منك ترقى عن هذا المقام فقال أنت كما أثنيت على نفسك . الركن الثالث من أركان هذا الباب : المستعيذ : واعلم أن قوله { أعوذ بالله } أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك وهذا غير مختص بشخص معين فهو أمر على سبيل العموم ؛ لأنه تعالى حكى ذلك عن الأنبياء والأولياء وذلك يدل على أن كل مخلوق يجب أن يكون مستعيذا بالله فالأول : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم [ هود : 47 ] فعند هذا أعطاه الله خلعتين : السلام والبركات وهو قوله تعالى : قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك [ هود : 48 ] والثاني : حكى عن يوسف عليه السلام أن المرأة لما راودته قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي [ يوسف : 23 ] فأعطاه الله تعالى خلعتين صرف السوء والفحشاء حيث قال : لنصرف عنه السوء والفحشاء [ يوسف : 24 ] والثالث : فخذ أحدنا مكانه [ يوسف : 78 ] فقال : معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده [ يوسف : 79 ] فأكرمه الله تعالى بقوله : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا [ يوسف : 100 ] الرابع : حكى الله عن موسى عليه السلام أنه لما أمر قومه بذبح البقرة قال قومه : أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين [ البقرة : 67 ] فأعطاه الله خلعتين إزالة التهمة وإحياء القتيل فقال : فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته [ البقرة : 73 ] الخامس : أن القوم لما خوفوه بالقتل قال : وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون [ الدخان : 20 ] وقال في آية أخرى : إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب [ غافر : 27 ] فأعطاه الله تعالى مراده فأفنى عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم والسادس : أن أم مريم قالت : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم [ آل عمران : 36 ] فوجدت الخلعة والقبول وهو قوله فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا [ آل عمران : 37 ] والسابع : أن مريم عليها السلام لما رأت جبريل في صورة بشر يقصدها في الخلوة قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا [ مريم : 18 ] فوجدت نعمتين ولدا من غير أب وتنزيه الله إياها بلسان ذلك الولد عن السوء وهو قوله : إني عبد الله [ مريم : 30 ] الثامن : أن الله تعالى أمر محمدا عليه الصلاة والسلام بالاستعاذة مرة بعد أخرى فقال : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون [ المؤمنون : 97 ] وقال : قل أعوذ برب الفلق [ الفلق : 1 ] و قل أعوذ برب الناس [ الناس : 1 ] والتاسع : قال في سورة الأعراف : ^ { خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } ^ [ الأعراف : 199 ] وقال في حم السجدة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [ فصلت : 34 ] إلى أن قال وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم [ فصلت : 36 ] فهذه الآيات دالة على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا أبدا في الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن . وأما الأخبار فكثيرة : الخبر الأول : عن معاذ بن جبل قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأغرقا فيه : فقال عليه السلام

Section V01/P067–V01/P068

: إني لأعلم كلمة لو قالاها لذهب عنهما ذلك وهي قوله ^ { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } ^ وأقول هذا المعنى مقرر في العقل من وجوه : الأول : أن الإنسان يعلم أن علمه بمصالح هذا العالم ومفاسده قليل جدا وأنه إنما يمكنه أن يعرف ذلك القليل بمدد العقل وعند الغضب يزول العقل فكل ما يفعله ويقوله لم يكن على القانون الجيد فإذا استحضر في عقله هذا صار هذا المعنى مانعا له عن الاقدام على تلك الأفعال وتلك الأقوال وحاملا له على أن يرجع إلى الله تعالى في تحصيل الخيرات ودفع الآفات فلا جرم يقول أعوذ بالله . الثاني : أن الإنسان غير عالم قطعا بأن الحق من جانبه ولا من جانب خصمه فإذا علم ذلك يقول : أفوض هذه الواقعة إلى الله تعالى فإذا كان الحق من جانبي فالله يستوفيه من خصمي وإن كان الحق من جانب خصمي فالأولى أن لا أظلمه وعند هذا يفوض تلك الحكومة إلى الله ويقول أعوذ بالله . الثالث : أن الإنسان إنما يغضب إذا أحس من نفسه بفرط قوة وشدة بواسطتها يقوى على قهر الخصم فإذا استحضر في عقله أن إله العالم أقوى وأقدر مني ثم إني عصيته مرات وكرات وأنه بفضله تجاوز عني فالأولى لي أن أتجاوز عن هذا المغضوب عليه فإذا أحضر في عقله هذا المعنى ترك الخصومة والمنازعة وقال أعوذ بالله وكل هذه المعاني مستنبطة من قوله تعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [ الأعراف : 201 ] والمعنى أنه إذا تذكر هذه الأسرار والمعاني أبصر طريق الرشد فترك النزاع والدفاع ورضي بقضاء الله تعالى . < > والخبر الثاني : < > روى معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ؛ وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة . قلت : وتقريره من جانب العقل أن قوله : { أعوذ بالله } مشاهدة لكمال عجز النفس وغاية قصورها والآيات الثلاث من آخر سورة الحشر مشاهدة لكمال الله وجلاله وعظمته وكمال الحال في مقام العبودية لا يحصل إلا بهذين المقامين . < > الخبر الثالث : < > روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من استعاذ في اليوم عشر مرات وكل الله تعالى به ملكا يذود عنه الشيطان . قلت : والسبب فيه أنه لما قال { أعوذ بالله } وعرف معناه عرف منه نقصان قدرته ونقصان علمه وإذا عرف ذلك من نفسه لم يلتفت إلى ما تأمره به النفس ولم يقدم على الأعمال التي تدعوه نفسه إليها والشيطان الأكبر هو النفس فثبت أن قراءة هذه الكلمة تذود الشيطان عن الإنسان . < > والخبر الرابع : < > عن خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من ذلك المنزل . قلت : والسبب فيه أنه ثبت في العلوم العقلية أن كثرة الأشخاص الروحانية فوق كثرة الأشخاص الجسمانية وأن السموات مملوءة من الأرواح الطاهرة كما قال عليه الصلاة والسلام أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو قاعد وكذلك الأثير والهواء مملوءة من الأرواح وبعضها طاهرة مشرقة خيرة وبعضها كدرة مؤذية شريرة فإذا قال الرجل أعوذ بكلمات الله التامات فقد استعاذ بتلك الأرواح الطاهرة من شر تلك الأرواح الخبيثة وأيضا كلمات الله هي قوله كن وهي عبارة عن القدرة النافذة ومن استعاذ بقدرة الله لم يضره شيء . < > والخبر الخامس : <

Section V01/P068

> عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا فزع أحدكم من النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه عقابه وشر عباده ومن شر همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها لا تضر وكان عبد الله بن عمر يعلمها من بلغ من عبيده ومن لم يبلغ كتبها في صك ثم علقها في عنقه . < > والخبر السادس : < > عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقول : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ويقول : كان أبي إبراهيم عليه السلام يعوذ بها إسماعيل وإسحق عليهما السلام . < > الخبر السابع : < > أنه عليه الصلاة والسلام كان يعظم أمر الاستعاذة حتى أنه لما تزوج امرأة ودخل بها فقالت أعوذ بالله منك فقال عليه الصلاة والسلام : عذت بمعاذ فالحقي بأهلك . واعلم أن الرجل المستبصر بنور الله لا التفات له إلى القائل وإنما التفاته إلى القول فلما ذكرت تلك المرأة كلمة أعوذ بالله بقي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم مشتغلا بتلك الكلمة ولم يلتفت إلى أنها قالت تلك الكلمة عن قصد أم لا . < > والخبر الثامن : < > روى الحسن قال : بينما رجل يضرب مملوكا له فجعل المملوك يقول { أعوذ بالله } إذ جاء نبي الله فقال : أعوذ برسول الله فأمسك عنه فقال عليه السلام : عائذ الله أحق أن يمسك عنك فقال : فإني أشهدك يا رسول الله أنه حر لوجه الله فقال عليه الصلاة والسلام : أما والذي نفسي بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار . < > والخبر التاسع : < > قال سويد : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول على المنبر : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فلا أحب أن أترك ذلك ما بقيت . < > والخبر العاشر : < > قوله عليه الصلاة والسلام أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك . الركن الرابع من أركان هذا الباب : الكلام في المستعاذ منه وهو الشيطان والمقصود من الاستعاذة دفع شر الشيطان واعلم أن شر الشيطان إما أن يكون بالوسوسة أو بغيرها كما ذكره في قول الله تعالى : ^ { كما يقول الذي يتخبطه الشيطان من المس } ^ [ البقرة : 275 ] وفي هذا الباب مسائل غامضة دقيقة من العقليات ومن علوم المكاشفات . < > المسألة الأولى : <

Section V01/P068–V01/P069

> اختلف الثاني في وجود الجن والشياطين فمن الناس من أنكر الجن والشياطين واعلم أنه لا بد أولا من البحث عن ماهية الجن والشياطين فنقول : أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل الناس والبهائم بل القول المحصل فيه قولان : الأول أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة والقول الثاني : أن كثيرا من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية ثم هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية وهي الملائكة المقربون كما قال الله تعالى : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون [ الأنبياء : 19 ] ويليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام وأشرفها حملة العرش كما قال تعالى : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [ الحاقة : 17 ] والمرتبة الثانية الحافون حول العرش كما قال تعالى : وترى الملائكة حافين من حول العرش [ الزمر : 75 ] والمرتبة الثالثة ملائكة الكرسي والمرتبة الرابعة ملائكة السموات طبقة طبقة والمرتبة الخامسة ملائكة كرة الأثير والمرتبة السادسة ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم والمرتبة السابعة ملائكة كرة الزمهرير والمرتبة الثامنة مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار والمرتبة التاسعة مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال والمرتبة العاشرة مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية الموجودة في هذا العالم . واعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن وقد تكون كدرة سفلية شريرة شقية وهي المسماة بالشياطين . واحتج المنكرون لوجود الجن والشياطين بوجوه : الحجة الأولى : أن الشيطان لو كان موجودا لكان إما أن يكون جسما كثيفا أو لطيفا والقسمان باطلان فيبطل القول بوجوده وإنما قلنا أنه يمتنع أن يكون جسما كثيفا لأنه لو كان كذلك لوجب أن يراه كل من كان سليم الحس إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة ونحن لا نراها لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئة ورعود وبروق مع أنا لا نشاهد شيئا منها ومن جوز ذلك كان خارجا عن العقل وإنما قلنا إنه لا يجوز كونها أجساما لطيفة وذلك لأنه لو كان كذلك لوجب أن تتمزق أو تتفرق عند هبوب الرياح العاصفة القوية وأيضا يلزم أن لا يكون لها قوة وقدرة على الأعمال الشاقة ومثبتو الجن ينسبون إليها الأعمال الشاقة ولما بطل القسمان ثبت فساد القول بالجن . الحجة الثانية : أن هذه الأشخاص المسماة بالجن إذا كانوا حاضرين في هذا العالم مخالطين للبشر فالظاهر الغالب أن يصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة إما صداقة وإما عداوة فإن حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضار بسبب تلك العداوة إلا أنا لا نرى أثرا لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة وهؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثرا من هذا الجن وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء وسمعت واحدا ممن تاب على تلك الصنعة قال إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الأيام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها ثم إني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثرا ولا خبرا .

Section V01/P069–V01/P071

الحجة الثالثة : أن الطريق إلى معرفة الأشياء إما الحس وإما الخبر وإما الدليل : أما الحس فلم يدل على وجود هذه الأشياء ؛ لأن وجودها إما بالصورة أو الصوت فإذا كنا لا نرى صورة ولا سمعنا صوتا فكيف يمكننا أن ندعي الإحساس بها والذين يقولون إنا أبصرناها أو سمعنا أصواتها فهم طائفتان : المجانين الذين يتخيلون أشياء بسبب خلل أمزجتهم فيظنون أنهم رأوا والكذابون المخرفون وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة إخبار الأنبياء والرسل فباطل لأن هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء فإن على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال إن كل ما تأتي به الأنبياء من المعجزات إنما حصل بإعانة الجن والشياطين وكل فرع أدى إلى إبطال الأصل كان باطلا مثاله إذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الإنسان فلم لا يجوز أن يقال : إن حنين الجذع إنما كان لأجل أن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين ولم لا يجوز أن يقال إن الناقة إنما تكلمت مع الرسول عليه السلام لأن الشيطان دخل في بطنها وتكلم ولم لا يجوز أن يقال إن الشجرة إنما انقلعت من أصلها لأن الشيطان اقتلعها فثبت أن القول بإثبات الجن والشياطين يوجب القول ببطلان نبوة الأنبياء عليهم السلام وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة الدليل والنظر فهو متعذر لأنا لا نعرف دليلا عقليا يدل على وجود الجن والشياطين فثبت أنه لا سبيل لنا إلى العلم بوجود هذه الأشياء فوجب أن يكون القول بوجود هذه لأشياء باطلا فهذه جملة شبه منكري الجن والشياطين . والجواب عن الأولى : بأنا نقول : إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن يقال أنه جوهر مجرد عن الجسمية . واعلم أن القائلين بهذا القول فرق : الأولى الذين قالوا : النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة وقد تكون شريرة فإن كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفوس المفارقة وتعلق بذلك البدن نفس شديدة المشابهة لتلك النفس المفارقة فحينئذ يحدث لتلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها فإن كان النفسان من النفوس الطاهرة المشرفة الخيرة كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاما وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة فهذا هو الكلام في الإلهام والوسوسة على قول هؤلاء . الفريق الثاني : الذين قالوا : الجن والشياطين جواهر مجردة عن الجسمية وعلائقها وجنسها مخالف لجنس النفوس الناطقة البشرية ثم إن ذلك الجنس يندرج فيه أنواع أيضا فإن كانت طاهرة نورانية فهي الملائكة الأرضية وهم المسمون بصالحي الجن وإن كانت خبيثة شريرة فهي الشياطين المؤذية إذا عرفت هذا فنقول : الجنسية علة الضم فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم إليها تلك الأرواح الطاهرة النورانية وتعينها على أعمالها التي هي من أبواب الخير والبر والتقوى والنفوس البشرية الخبيثة الكدرة تنضم إليها تلك الأرواح الخبيثة الشريرة وتعينها على أعمالها التي هي من باب الشر والإثم والعدوان .

Section V01/P071–V01/P072

الفريق الثالث : وهم الذين ينكرون وجود الأرواح السفلية ولكنهم أثبتوا وجود الأرواح المجردة الفلكية وزعموا أن تلك الأرواح أرواح عالية قاهرة قوية وهي مختلفة بجواهرها وماهياتها فكما أن لكل روح من الأرواح البشرية بدنا معينا فكذلك لكل روح من الأرواح الفلكية بدن معين وهو ذلك الفلك المعين وكما أن الروح البشرية تتعلق أولا بالقلب ثم بواسطته يتعدى أثر ذلك الروح إلى كل البدن فكذلك الروح الفلكي يتعلق أولا بالكواكب ثم بواسطة ذلك التعلق يتعدى أثر ذلك الروح إلى كلية ذلك الفلك وإلى كلية العالم وكما أنه يتولد في القلب والدماغ أرواح لطيفة وتلك الأرواح تتأدى في الشرايين والأعصاب إلى أجزاء البدن ويصل بهذا الطريق قوة الحياة والحس والحركة إلى كل جزء من أجزاء الأعضاء فكذلك ينبعث من جرم الكواكب خطوط شعاعية تتصل بجوانب العالم وتتادى قوة تلك الكواكب بواسطة تلك الخطوط الشعاعية إلى أجزاء هذا العالم وكما أن بواسطة الأرواح الفائضة من القلب والدماغ إلى أجزاء البدن يحصل في كل جزء من اجزاء ذلك البدن قوى مختلفة وهي الغاذية والنامية والمولدة والحساسة - فتكون هذه القوى كالنتائج والأولاد لجوهر النفس المدبرة لكلية البدن فكذلك بواسطة الخطوط الشعاعية المنبثة من الكواكب الواصلة إلى أجزاء هذا العالم تحدث في تلك الأجزاء نفوس مخصوصة مثل نفس زيد ونفس عمرو وهذا النفوس كالأولاد لتلك النفوس الفلكية ولما كانت النفوس الفلكية مختلفة في جواهرها وماهياتها فكذلك النفوس المتولدة من نفس فلك زحل مثلا طائفة والنفوس المتولدة من نفس فلك المشتري طائفة أخرى فتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل متجانسة متشاركة ويحصل بينها محبة ومودة وتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل مخالفة بالطبع والماهية للنفوس المنتسبة إلى روح المشتري وإذا عرفت هذا فنقول : قالوا : إن العلة تكون أقوى من المعلول فلكل طائفة من النفوس البشرية طبيعة خاصة وهي تكون معلولة لروح من تلك الأرواح الفلكية وتلك الطبيعة تكون في الروح الفلكي أقوى وأعلى بكثير منها في هذه الأرواح البشرية وتلك الأرواح الفلكية بالنسبة إلى تلك الطائفة من الأرواح البشرية كالأب المشفق والسلطان الرحيم فلهذا السبب تلك الأرواح الفلكية تعين أولادها على مصالحها وتهديها تارة في النوم على سبيل الرؤيا وأخرى في اليقظة على سبيل الإلهام ثم إذا اتفق لبعض هذه النفوس البشرية قوة قوية من جنس تلك الخاصية وقوي اتصاله بالروح الفلكي الذي هو أصله ومعدنه ظهرت عليه أفعال عجيبة وأعمال خارقة للعادات فهذا تفصيل مذاهب من يثبت الجن والشياطين ويزعم أنها موجودات ليست أجساما ولا جسمانية . واعلم أن قوما من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية . واعلم أن هذا باطل لوجهين : الأول : أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه إنسان وليس بفرس والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما فههنا شيء واحد هو مدرك للكلي وهو النفس فيلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس . الثاني : هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية فلم لا يجوز أن يقال : إن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم إنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان فهذا تمام الكلام في شرح هذا المذاهب . وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا : الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار وهذان المعنيان أعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض والأشياء المختلفة بالماهية لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم فلم لا يجوز أن يقال : الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة وإن كانت مشتركة في قبول الحجمية والمقدار ؟ وإذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يقال : أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الأعمال الشاقة لذواتها وهي غير قابلة للتفرق والتمزق ؟

Section V01/P072

وإذا كان الأمر كذلك فتلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها والأجسام الكثيفة لا تفرقها أليس أن الفلاسفة قالوا : إن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر ؟ فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها وإنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة والدليل لم يقم على إبطالها فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها . وأما الجواب عن الشبهة الثانية : أنه لا يجب حصول تلك الصداقة والعداوة مع كل واحد وكل واحد لا يعرف إلا حال نفسه أما حال غيره فإنه لا يعلمها فبقي هذا الأمر في حيز الاحتمال . وأما الجواب عن الشبهة الثالثة فهو أنا نقول : لا نسلم أن القول بوجود الجن والملائكة يوجب الطعن في نبوة الأنبياء عليهم السلام وسيظهر الجواب عن الأجوبة التي ذكرتموها فيما بعد ذلك فهذا آخر الكلام في الجواب عن الشبهات . <

Questions