Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V01/P072–V01/P073

> المسألة الثانية : < > اعلم أن القرآن والإخبار يدلان على وجود الجن والشياطين أما القرآن فآيات : الآية الأولى قوله تعالى : ^ { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم } ^ [ الأحقاف : 29 ] وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن وعلى أنهم أنذروا قومهم والآية الثانية قوله تعالى : ^ { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ^ [ البقرة : 102 ] والآية الثالثة قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام : ^ { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا } ^ [ سبأ : 13 ] وقال تعالى : ^ { والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد } ^ [ ص : ] وقال تعالى : ^ { ولسليمان الريح } ^ إلى قوله تعالى : ^ { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه } ^ [ سبأ : 12 ] والآية الرابعة قوله تعالى : ^ { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض } ^ [ الرحمن : 33 ] والآية الخامسة قوله تعالى : ^ { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد } ^ [ الصافات : 6 ] وأما الأخبار فكثيرة : < > الخبر الأول : < > روى مالك في الموطأ عن صيفي بن أفلح عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري قال : فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته قال : فسمعت تحريكا تحت سريره في بيته فإذا هي حية فقمت لأقتلها فأشار أبو سعيد أن اجلس فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال : ترى هذا البيت ؟ فقلت : نعم فقال إنه كان فيه فتى حديث عهد بعرس وساق الحديث إلى أن قال : فرأى امرأته واقفة بين الناس فأدركته غيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها بسبب الغيرة فقالت : لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك فدخل فإذا هو بحية مطوقة على فراشه فركز فيها رمحه فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتا فما ندري أيهما كان أسرع موتا الفتى أم الحية فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بالمدينة جنا قد أسلموا فمن بدا لكم منهم فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان . < > الخبر الثاني : < > روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد : قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رآه فقال جبريل عليه السلام : ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه قل : أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما نزل إلى الأرض وشر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن . < > والخبر الثالث : < > روى مالك أيضا في الموطأ أن كعب الأحبار كان يقول : أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسمائه كلها ما قد علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ . والخبر الرابع :

Section V01/P073–V01/P074

روى أيضا مالك أن خالد بن الوليد قال : يا رسول الله إني أروع في منامي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل : أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وان يحضرون . < > والخبر الخامس : < > ما اشتهر وبلغ مبلغ التواتر من خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وقراءته عليهم ودعوته إياهم إلى الإسلام . < > والخبر السادس : < > روى القاضي أبو بكر في الهداية أن عيسى ابن مريم عليهما السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على قلبه فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه . < > والخبر السابع : < > قوله عليه السلام : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم وقال ما منكم أحد إلا وله شيطان قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم والأحاديث في ذلك كثيرة والقدر الذي ذكرناه كاف . < > المسألة الثالثة : < > في بيان أن الجن مخلوق من النار : والدليل عليه قوله تعالى : والجان خلقناه من قبل من نار السموم [ الحجر : 27 ] وقال تعالى حاكيا عن إبليس لعنه الله أنه قال خلقتني من نار وخلقته من طين واعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد ألا ترى أن الأطباء قالوا المتعلق الأول للنفس هو القلب والروح وهما في غاية السخونة وقال جالينوس : إني بقرت مرة بطن قرد فأدخلت يدي في بطنه وأدخلت أصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة بل تزيد ونقول : أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية وقال بعضهم : الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوءة من الروحانيات . < > المسالة الرابعة : < > ذكروا قولين في أنهم لما سموا بالجن الأول : أن لفظ الجن مأخوذ من الاستتار ومنه الجنة لاستتار أرضها بالأشجار ومنه الجنة لكونها ساترة للإنسان ومنه الجن لاستتارهم عن العيون ومنه المجنون لاستتار عقله ومنه الجنين لاستتاره في البطن ومنه قوله تعالى : اتخذوا أيمانهم جنة [ المنافقون : 2 ] أي وقاية وسترا واعلم أن على هذا القول يلزم أن تكون الملائكة من الجن لاستتارهم عن العيون إلا أن يقال : إن هذا من باب تقييد المطلق بسبب العرف . والقول الثاني : أنهم سموا بهذا الاسم لأنهم كانوا في أول أمرهم خزان الجنة والقول الأول أقوى . < > المسألة الخامسة : < > اعلم أن طوائف المكلفين أربعة : الملائكة والإنس والجن والشياطين واختلفوا في الجن والشياطين فقيل : الشياطين جنس والجن جنس آخر كما أن الإنسان جنس والفرس جنس آخر وقيل : الجن منهم أخيار ومنهم أشرار والشياطين اسم لأشرار الجن . < > المسألة السادسة : < > المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر وأنكر أكثر المعتزلة ذلك أما المثبتون فقد احتجوا بوجوه : الأول : أنه إن كان الجن عبارة عن موجود ليس بجسم ولا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادرا على النفوذ في باطنه أنه يقدر على التصرف في باطنه وذلك غير مستبعد وإن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه كان نفاذه في باطن بني آدم أيضا غير ممتنع قياسا على النفس وغيره . الثاني : قوله تعالى : لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس [ البقرة : 275 ] . الثالث : قوله عليه السلام

Section V01/P074–V01/P075

إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم . أما المنكرون فقد احتجوا بأمور : الأول : قوله تعالى حكاية عن إبليس : ^ { لعنه الله وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } ^ [ إبراهيم : 22 ] صرح بأنه ما كان له على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد وهو إلقاء الوسوسة والدعوة إلى الباطل . الثاني : لا شك أن الأنبياء والعلماء المحققين يدعون الناس إلى لعن الشيطان والبراءة منه فوجب أن تكون العداوة بين الشياطين وبينهم أعظم أنواع العداوة فلو كانوا قادرين على النفوذ في بواطن البشر وعلى إيصال البلاء والشر إليهم لوجب أن يكون تضرر الأنبياء والعلماء منهم أشد من تضرر كل أحد ولما لم يكن كذلك علمنا أنه باطل . < > المسألة السابعة : < > اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وأما الجن والشياطين فإنهم يأكلون ويشربون قال عليه السلام في الروث والعظم إنه زاد إخوانكم من الجن وأيضا فإنهم يتوالدون قال تعالى : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني [ الكهف : 50 ] . < > المسألة الثامنة : < > في كيفية الوسوسة بناء على ما ورد في الآثار : ذكروا أنه يغوص في باطن الإنسان ويضع رأسه على حبة قلبه ويلقي إليه الوسوسة واحتجوا عليه بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع وقال عليه السلام لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات . ومن الناس من قال : هذه الأخبار لا بد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ظواهرها واحتج عليه بوجوه : الأول : أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال ؛ لأنه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام . الثاني : ما ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه وبين أهل الدين فلو قدر على هذا النفوذ فلم لا يخصهم بمزيد الضرر ؟ الثالث : أن الشيطان مخلوق من النار فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن ومعلوم أنه لا يحس بذلك . الرابع : أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الفسق فلا نجد منه أثرا ولا فائدة وبالجملة فلا نرى لا من عداوتهم ضررا ولا من صداقتهم نفعا . وأجاب مثبتو الشياطين عن السؤال الأول بان على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل وعلى القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء والهواء فالسؤال أيضا زائل وعن الثاني لا يبعد أن يقال : إن الله وملائكته يمنعونهم عن إيذاء علماء البشر وعن الثالث أنه لما جاز أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم [ الأنبياء : 69 ] فلم لا يجوز مثله ههنا وعن الرابع أن الشياطين مختارون ولعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض . < > المسألة التاسعة : <

Section V01/P075–V01/P076

> في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب الإحياء قال : القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب أو مثل هدف ترمي إليه السهام من كل جانب أو مثل مرآة منصوبة تجتاز عليها الأشخاص فتتراءى فيها صورة بعد صورة أو مثل حوض تنصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة واعلم أن مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس وإما من البواطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة في مزاج الإنسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب وكذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب وأما إذا منع الإنسان عن الإدراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال فالقلب دائما في التغير والتأثر من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار وأعني بها إدراكات وعلوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر ونما تسمي خواطر من حيث أنها تخطر بالخيال بعد أن كان القلب غافلا عنها فالخواطر هي المحركات للإرادات والإرادات محركة للأعضاء ثم هذه الخواطر المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة - وإلى ما ينفع - أعني ما ينفع في العاقبة - فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما والمذموم يسمى وسواسا ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب والتسلسل محال فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود وهذا ملخص كلام الشيخ الغزالي بعد حذف التطويلات منه . < > المسألة العاشرة : < > في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي : اعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح فنقول : لا بد قبل الخوض في المقصود من تقديم مقدمات . < > المقدمة الأولى : < > لا شك أن ههنا مطلوبا ومهروبا . وكل مطلوب فإما أن يكون مطلوبا لذاته أو لغيره ولا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوبا لغيره . وأن يكون كل مهروب مهروبا عنه لغيره وإلا لزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان فثبت أنه لا بد من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوبا لذاته وبوجود شيء يكون مهروبا عنه لذاته . < > المقدمة الثانية : < > إن الاستقراء دل على أن المطلوب بالذات هو اللذة والسرور والمطلوب بالتبع ما يكون وسيلة إليهما والمهروب عنه بالذات هو الألم والحزن والمهروب عنه بالتبع ما يكون وسيلة إليهما . < > المقدمة الثالثة : < > إن اللذيذ عند كل قوة من القوى النفسانية شيء آخر فاللذيذ عند القوة الباصرة شيء واللذيذ عند القوة السامعة شيء آخر واللذيذ عند القوة الشهوانية شيء ثالث واللذيذ عند القوة الغضبية شيء رابع واللذيذ عند القوة العاقلة شيء خامس . < > المقدمة الرابعة : < > القوة الباصرة إذا أدركت موجودا في الخارج لزم من حصول ذلك الإدراك البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي وعند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه لذيذا أو مؤلما خاليا عنهما فإن حصل العلم بكونه لذيذا ترتب على حصول هذا العلم أو الإعتقاد حصول الميل إلى تحصيله وإن حصل العلم بكونه مؤلما ترتب على هذا العلم والاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه والفرار منه فإن لم يحصل العلم بكونه مؤلما ولا بكونه لذيذا لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار عنه ولا رغبة إلى تحصيله . < > المقدمة الخامسة : <

Section V01/P076–V01/P077

> إن العلم بكونه لذيذا إنما يوجب حصول الميل والرغبة في تحصيله إذا حصل ذلك العلم خاليا عن المعارض والمعاوق فأما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك الاقتضاء مثاله إذا رأينا طعاما لذيذا فعلمنا بكونه لذيذا إنما يؤثر في الإقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضرر زائد أما إذا اعتقدنا أنه حصل فيه ضرر زائد فعند هذا يعتبر العقل كيفية المعارضة والترجيح فأيهما غلب على ظنه أنه أرجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان ومثال آخر لهذا المعنى : أن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يلقي نفسه من السطح العالي إلا أنه إنما يقدم على هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم أعظم منه أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد كونه لذيذا أو مؤلما إنما يوجب الرغبة والنفرة إذا خلا ذلك الإعتقاد عن المعارض . < > المقدمة السادسة : < > في بيان أن التقرير الذي بيناه على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب مرتبة ترتيبا ذاتيا لزوميا عقليا وذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو القوى الموجودة في العضلات إلا أن هذه القوى صالحة للفعل وللترك فامتنع صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك وللترك بدلا عن الفعل إلا بضميمة تنضم إليها وهي الإرادات ثم إن تلك الإرادات إنما توجد وتحدث لأجل العلم بكونها لذيذة أو مؤلمة ثم إن تلك العلوم إن حصلت بفعل الإنسان عاد البحث الأول فيه ولزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان وإما الانتهاء إلى علوم وإدراكات وتصورات تحصل في جوهر النفس من الأسباب الخارجة وهي إما الاتصالات الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي وهو أن الله تعالى يخلق تلك الاعتقادات أو العلوم في القلب فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن الحيوان . إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشيطان ونفاة الوسوسة قالوا : ثبت أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو هذه القوى المذكورة في العضلات والأوتار فثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل والترك إلا عند انضمام الميل والإرادة إليها وثبت أن تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشيء لذيذا أو مؤلما وثبت أن حصول ذلك الشعور لا بد وأن يكون بخلق الله تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه وثبت أن ترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبل أمر لازم لزوما ذاتيا واجبا فإنه إذا أحس بالشيء وعرف كونه ملائما مال طبعه إليه وإذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب فإذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة فلو قدرنا شيطانا من الخارج وفرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر ؛ لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل وإن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل فعلمنا أن القول بوجود الشيطان وبوجود الوسوسة قول باطل بل الحق أن نقول : إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالإلهام وإن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة هذا تمام الكلام في تقرير الإشكال . والجواب : أن كل ما ذكرتموه حق وصدق إلا أنه لا يبعد أن يكون الإنسان غافلا عن الشيء فإذا ذكره الشيطان ذلك الشيء تذكره ثم عند التذكر يترتب الميل عليه ويترتب الفعل على حصول ذلك الميل فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر وإليه الإشارة بقوله تعالى حاكيا عن إبليس أنه قال وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي [ إبراهيم : 22 ] إلا أنه بقي لقائل أن يقول : فالإنسان إنما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وإن كان عمل ذلك الشيطان ليس لأجل شيطان آخر يثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه لحصول ذلك الإعتقاد في قلبه ولا بد لذلك الإعتقاد الحادث من سبب وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى وعند هذا يظهر أن الكل من الله تعالى فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق وصار حاصل الكلام ما قاله سيد الرسل عليه الصلاة والسلام وهو قوله

Section V01/P077–V01/P079

أعوذ بك منك والله أعلم . < > المسألة الحادية عشرة : < > اعلم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتا خفية وحروفا خفية فكأن متكلما يتكلم معه ومخاطبا يخاطبه فهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة إن تلك الأشياء ليست حروفا ولا أصواتا وإنما هي تخيلات الحروف والأصوات وتخيل الشيء عبارة عن حضور رسمه ومثاله في الخيال وهذا كما أنا إذا تخيلنا صور الجبال والبحار والأشخاص فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب بل الموجود في العقل والقلب صورها وأمثلتها ورسومها وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة فإنا إذا أحسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لأجل أنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فإن ذلك محال وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وأمثلتها وصورها وإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك فهذا قول جمهور الفلاسفة ولقائل أن يقول : هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحرف والكلمة في الماهية أو لا ؟ فإن حصلت المساواة فقد عاد الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء وإن كان الحق هو الثاني - وهو أن الحاصل في الخيال شيء آخر مخالف للمبصرات والمسموعات - فحينئذ يعود السؤال وهو : أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات وكيف نجد من أنفسنا هذه الكلمة والعبارات وجدانا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل وألفاظ متعاقبة عل الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات حقيقة . واعلم أن القائلين بهذا القول قالوا : فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر وإما شيء آخر روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الإنسان سواء قيل إن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك وإما أن يقال : خالق تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى . أما القسم الأول - وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الإنسان - فهذا قول باطل لأن الذي يحصل باختيار الإنسان يكون قادرا على تركه فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد دفعها أو تركها لقدر عليه ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره وأما القسم الثاني - وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر - فهو ظاهر الفساد ولما بطل هذان القسمان بقي الثالث - وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى . أما الذين قالوا إن الله تعالى لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا إن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين وأما الذين قالوا إنه لا يقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى . واعلم أن الثنوية يقولون : للعالم إلهان أحدهما خير وعسكره الملائكة والثاني شرير وعسكره الشياطين وهما يتنازعان أبدا كل شيء في هذا العالم فلكل واحد منهما تعلق به والخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله والخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان واعلم أن القول بإثبات الإلهين قول باطل فاسد على ما ثبت فساده بالدلائل فهذا منتهى القول في هذا الباب < > المسألة الثانية عشرة : <

Section V01/P079–V01/P080

> من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الإحياء وعلى الإماتة وعلى خلق الأجسام وعلى تغيير الأشخاص عن صورتها الأصلية وخلقتها الأولية ومنهم من أنكر هذه الأحوال وقال : أنه لا قدرة لها على شيء من هذه الأحوال . أما أصحابنا قد أقاموا الدلالة على أن القدرة على الإيجاد والتكوين والإحداث ليست إلا لله فبطلت هذه المذاهب بالكلية . وأما المعتزلة فقد سلموا أن الإنسان قادر على إيجاد بعض الحوادث فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه الشياطين لا قدرة لها على خلق الأجسام والحياة ودليلهم أن قالوا الشيطان جسم وكل جسم فإنه قادر بالقدرة والقدرة لا تصلح لإيجاد الأجسام فهذه مقدمات ثلاث : المقدمة الأولى أن الشيطان جسم وقد بنوا هذه المقدمة على أن ما سوى الله تعالى إما متحيز وإما حال في المتحيز وليس لهم في إثبات هذه المقدمة شبهة فضلا عن حجة وأما المقدمة الثانية - وهي قولهم الجسم إنما يكون قادرا بالقدرة - فقد بنوا هذا على أن الأجسام مما تستلزم مماثلة فلو كان شيء منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته وبناء هذه المقدمة على تماثل الأجسام وأما المقدمة الثالثة - وهي قولهم هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الأجسام فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام - وهذا أيضا ضعيف لأنه يقال لهم لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا وتكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام فإنه لا يلزم من عدم وجود الشيء في الحال امتناع وجوده ؟ فهذا إتمام الكلام في هذه المسألة . < > المسألة الثالثة عشرة : < > اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب ؟ وقد بين الله تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا يعلمون موته وذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب ومن الناس من يقول أنهم يعلمون الغيب ثم اختلفوا فقال بعضهم أن فيهم من يصعد إلى السموات أو يقرب منها ويخبر ببعض الغيوب على ألسنة الملائكة ومنهم من قال : لهم طرق أخرى في معرفة الغيوب لا يعلمها إلا الله واعلم أن فتح الباب في أمثال هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون والحسبانات والعالم بحقائقها هو الله تعالى . الركن الخامس من أركان مباحث الاستعاذة المطالب التي لأجلها يستعاذ : اعلم أنا قد بينا أن حاجات العبد غير متناهية فلا خير من الخيرات إلا وهو محتاج إلى تحصيله ولا شر من الشرور إلا وهو محتاج إلى دفعه وإبطاله فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول دفع جميع الشرور الروحانية والجسمانية وكلها أمور غير متناهية ونحن ننبه على معاقدها فنقول : الشرور إما أن تكون من باب الاعتقادات الحاصلة في القلوب وإما أن تكون من باب الأعمال الموجودة في الأبدان أما القسم الأول فيدخل فيه جميع العقائد الباطلة . واعلم أن أقسام المعلومات غير متناهية كل واحد منها يمكن أن يعتقد اعتقادا صوابا صحيحا ويمكن أن يعتقد اعتقادا فاسدا خطأ ويدخل في هذه الجملة مذاهب فرق الضلال في العالم وهي اثنتان وسبعون فرقة من هذه الأمة وسبعامائة أو أكثر خارج عن هذه الأمة فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها وأما ما يتعلق بالأعمال البدنية فهي على قسمين : منها ما يفيد المضار الدينية ومنها ما يفيد المضار الدنيوية فأما المضار الدينية فكل ما نهى الله عنه في جميع أقسام التكاليف وضبطها كالمعتذر وقوله ( أعوذ بالله ) يتناول كلها وأما ما يتعلق بالمضار الدنيوية فهو جميع الآلام والأسقام والحرق والغرق والفقر والزمانة والعمى وأنواعها تقرب أن تكون غير متناهية فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها . والحاصل أن قوله ( أعوذ بالله ) يتناول ثلاثة أقسام وكل واحد منها يجري مجرى ما لا نهاية له أولها الجهل ولما كانت أقسام المعلومات غير متناهية كانت أنواع الجهالات غير متناهية فالعبد يستعذ بالله منها ويدخل في هذه الجملة مذاهب أهل الكفر وأهل البدعة على كثرتها وثانيها الفسق ولما كانت أنواع التكاليف كثيرة جدا وكتب الأحلام محتوية عليها كان قوله : ( أعوذ بالله ) متناولا لكلها وثالثها المكروهات والآفات والمخافات ولما كانت أقسامها وأنواعها غير متناهية كان قوله ( أعوذ بالله ) متناولا لكلها ومن أراد أن يحيط بها فليطالع كتب الطب حتى يعرف في ذلك لكل واحد من الأعضاء أنواعا من الآلام والأسقام ويجب على العاقل أنه إذا أراد أن يقول ( أعوذ بالله ) فإنه يستحضر في ذهنه هذه الأجناس الثلاثة وتقسيم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواعها وأنواع أنواعها ويبالغ في ذلك التقسيم والتفصيل ثم إذا استحضر تلك الأنواع التي لا حد لها ولا عد لها في خياله ثم عرف أن قدرة جميع الخلائق لا تفي بدفع هذه الأقسام على كثرتها فحينئذ يحمله طبعه وعقله على أن يلتجئ إلى القادر على دفع ما لا نهاية له من المقدورات فيقول عند ذلك أعوذ بالله القادر على كل المقدورات من جميع أقسام الآفات والمخافات ولنقتصر على هذا القدر من المباحث في هذا الباب والله الهادي . <

Section V01/P080–V01/P081

> الباب الثالث < > < > في اللطائف المستنبطة من قولنا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم < > < > النكتة الأولى : < > في قوله { أعوذ بالله } عروج من الخلق إلى الخالق ومن الممكن إلى الواجب : وهذا هو الطريق المتعين في أول الأمر لأن في أول الأمر لا طريق إلى معرفته إلا بأن يستدل باحتياج الخلق على وجود الحق الغني القادر فقوله { أعوذ } إشارة إلى الحاجة التامة فإنه لولا الاحتياج لما كان في الاستعاذة فائدة وقوله { بالله } إشارة إلى الغنى التام للحق فقول العبد { أعوذ } إقرار على نفسه بالفقر والحاجة وقوله { بالله } إقرار بأمرين أحدهما بان الحق قادر على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات والثاني أن غيره غير موصوف بهذه الصفة فلا دافع للحاجات إلا هو ولا معطي للخيرات إلا هو فعند مشاهدة هذه الحالة يفر العبد من نفسه ومن كل شيء سوى الحق فيشاهد في هذا الفرار سر قوله : ففروا إلى الله [ الذاريات : 50 ] وهذه الحالة تحصل عند قوله { أعوذ } ثم إذا وصل إلى غيبة الحق وصار غريقا في نور جلال الحق شاهد قوله : قل الله ثم ذرهم فعند ذلك يقول { أعوذ بالله } . < > النكتة الثانية : < > أن قوله { أعوذ بالله } اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب وهذا يدل على أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار ثم من الكلمات النبوية قوله عليه الصلاة والسلام من عرف نفسه فقد عرف ربه والمعنى من عرف نفسه بالضعف والقصور عرف ربه بأنه هو القادر على كل مقدور ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالفضل والعدل ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالكمال والجلال . < > النكتة الثالثة : < > أن الإقدام على الطاعات لا يتيسر إلا بعد الفرار من الشيطان وذلك هو الاستعاذة بالله إلا أن هذه الاستعاذة نوع من أنواع الطاعة فإن كان الإقدام على الطاعة يوجب تقديم الاستعاذة عليها افتقرت الاستعاذة إلى تقديم استعاذة أخرى ولزم التسلسل وإن كان الإقدام على الطاعة لا يحوج إلى تقديم الاستعاذة عليها لم يكن في الاستعاذة فائدة فكأنه قيل له : الإقدام على الطاعة لا يتم إلا بتقديم الاستعاذة عليها وذلك يوجب الإتيان بما لا نهاية له وذلك ليس في وسعك إلا أنك إذا عرفت هذه الحالة فقد شاهدت عجزك واعترفت بقصورك فأنا أعينك على الطاعة وأعلمك كيفية الخوض فيها فقل { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . < > النكتة الرابعة : < > أن سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك ثم إن أجل الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن لأن من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن وتفكر في وعده ووعيده وآياته وبيناته ازدادت رغبته في الطاعات ورهبته عن المحرمات ؛ فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات فلا جرم كان سعي الشيطان في الصد عنه أبلغ وكان احتياج العبد إلى من يصونه عن شر الشيطان أشد فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة . < > النكتة الخامسة : < > الشيطان عدو الإنسان كما قال تعالى : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [ فاطر : 6 ] والرحمن مولى الإنسان وخالقة ومصلح مهماته ثم إن الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العدو فاجتهد في أن يتحرى مرضاة مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العدو فلما وصل الحضرة وشاهد أنواع البهجة والكرامة نسي العدو وأقبل بالكلية على خدمة الحبيب فالمقام الأول هو الفرار وهو قوله : { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } والمقام الثاني هو الاستقرار في حضرة الملك الجبار فهو قوله { بسم الله الرحمن الرحيم } . < > النكتة السادسة : <

Section V01/P081–V01/P082

> قال تعالى لا يمسه إلا المطهرون فالقلب لما تعلق بغير الله واللسان لما جرى بذكر غير الله حصل فيه نوع من اللوث فلا بد من استعمال الطهور فلما قال { أعوذ بالله } حصل الطهور فعند ذلك يستعد للصلاة الحقيقية وهي ذكر الله تعالى فقال { بسم الله } . < > النكتة السابعة : < > قال أرباب الإشارات : لك عدوان أحدهما ظاهر والآخر باطن وأنت مأمور بمحاربتهما قال تعالى في العدو الظاهر : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله [ التوبة : 29 ] وقال في العدو الباطن ^ { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } [ فاطر : 6 ] فكأنه تعالى قال : إذا حاربت عدوك الظاهر كان مددك الملك كما قال تعالى : ^ { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } ^ [ آل عمران : 125 ] وإذا حاربت عدوك الباطن كان مددك الملك كما قال تعالى : ^ { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ^ [ الإسراء : 65 ] وأيضا فمحاربة العدو الباطن أولى من محاربة العدو الظاهر ؛ لأن العدو الظاهر إن وجد فرصة ففي متاع الدنيا والعدو الباطن إن وجد فرصة ففي الدين واليقين وأيضا فالعدو الظاهر إن غلبنا كنا مأجورين والعدو الباطن إن غلبنا كنا مفتونين وأيضا فمن قتله العدو الظاهر كان شهيدا ومن قتله العدو الباطن كان طريدا فكان الاحتراز عن شر العدو الباطن أولى وذلك لا يكون إلا بأن يقول الرجل بقلبه ولسانه { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . < > النكتة الثامنة : < > أن قلب المؤمن أشرف البقاع فلا تجد ديارا طيبة ولا بساتين عامرة ولا رياضا ناضرة إلا وقلب المؤمن أشرف منها بل قلب المؤمن كالمرآة في الصفاء بل فوق المرآة لأن المرآة إن عرض عليها حجاب لم ير فيها شيء وقلب المؤمن لا يحجبه السموات السبع والكرسي والعرش كما قال تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [ فاطر : 10 ] بل القلب مع جميع هذه الحجب يطالع جلال الربوبية ويحيط علما بالصفات الصمدية ومما يدل على أن القلب أشرف البقاع وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام قال القبر روضة من رياض الجنة وما ذاك إلا أنه صار مكان عبد صالح ميت فإذا كان القلب سريرا لمعرفة الله وعرشا لإلهيته وجب أن يكون القلب أشرف البقاع الثاني : كأن الله تعالى يقول : يا عبدي قلبك بستاني وجنتي بستانك فلما لم تبخل علي ببستانك بل أنزلت معرفتي فيه فكيف أبخل ببستاني عليك وكيف أمنعك منه ؟ الثالث : أنه تعالى حكى كيفية نزول العبد في بستان الجنة فقال : في مقعد صدق عند مليك مقتدر [ القمر : 55 ] ولم يقل عند المليك فقط كأنه قال : أنا في ذلك اليوم أكون مليكا مقتدرا وعبيدي يكونون ملوكا إلا أنهم يكونون تحت قدرتي . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : كأنه تعالى يقول : يا عبدي إني جعلت جنتي لك وأنت جعلت جنتك لي لكنك ما انصفتني فهل رأيت جنتي الآن وهل دخلتها ؟ فيقول العبد : لا يا رب فيقول تعالى : وهل دخلت جنتك ؟ فلا بد وأن يقول العبد : نعم يا رب فيقول تعالى : إنك بعد ما دخلت جنتي ولكن لما قرب دخولك أخرجت الشيطان من جنتي لأجل نزولك وقلت له اخرج منها مذؤوما مدحورا فأخرجت عدوك قبل نزولك وأما أنت فبعد نزولي في بستانك سبعين سنة كيف يليق بك أن لا تخرج عدوي ولا تطرده فعند ذلك يجيب العبد ويقول : إلهي أنت قادر على إخراجه من جنتك وأما أنا فعاجز ضعيف ولا أقدر على إخراجه فيقول الله تعالى : العاجز إذا دخل في حماية الملك القاهر صار قويا فادخل في حمايتي حتى تقدر على إخراج العدو من جنة قلبك فقل { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . فإن قيل : فإذا كان القلب بستان الله فلماذا لا يخرج الشيطان منه ؟ قلنا قال أهل الإشارة : كانه تعالى يقول للعبد أنت الذي أنزلت سلطان المعرفة في حجرة قلبك ومن أراد أن ينزل سلطانا في حجرة نفسه وجب عليه أن يكنس تلك الحجرة وأن ينظفها ولا يجب على السلطان تلك الأعمال فنظف أنت حجرة قلبك من لوث الوسوسة فقل { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . <

Section V01/P082–V01/P083

> النكتة التاسعة : < > كأنه تعالى يقول يا عبدي ما أنصفتني أتدري لأي شيء تكدر ما بيني وبين الشيطان ؛ إنه كان يعبدني مثل عباده الملائكة وكان في الظاهر مقرا بإلهيتي وإنما تكدر ما بيني وبينه لأني أمرته بالسجود لأبيك آدم فامتنع فلما تكبر نفيته عن خدمتي وهو في الحقيقة ما عادى أباك إنما امتنع من خدمتي ثم إنه يعاديك منذ سبعين سنة وأنت تحبه وهو يخالفك في كل الخيرات وأنت توافقه في كل المرادات فاترك هذه الطريقة المذمومة وأظهر عداوته فقل : { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . < > النكتة العاشرة : < > أما إن نظرت إلى قصة أبيك فإنه أقسم بأنه له من الناصحين ثم كان عاقبة ذلك الأمر أنه سعى في إخراجه من الجنة وأما في حقك فإنه أقسم بأنه يضلك ويغويك فقال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ ص : 82 ] فإذا كانت هذه معاملته مع من أقسم أنه ناصحه فكيف تكون معاملته مع من أقسم أنه يضله ويغويه . < > النكتة الحادية عشرة : < > إنما قال : { أعوذ بالله } ولم يذكر اسما آخر بل ذكر قوله : { الله } لأن هذا الاسم أبلغ في كونه زاجرا عن المعاصي من سائر الأسماء والصفات لأن الإله هو المستحق للعبادة ولا يكون كذلك إلا إذا كان قادرا عليما حكيما فقوله : { أعوذ بالله } جار مجرى أن يقول أعوذ بالقادر العليم الحكيم وهذه الصفات هي النهاية في الزجر وذلك لأن السارق يعلم قدرة السلطان وقد يسرق ماله لأن السارق عالم بأن ذلك السلطان وإن كان قادرا إلا أنه غير عالم فالقدرة وحدها غير كافية في الزجر بل لا بد معها من العلم وأيضا فالقدرة والعلم لا يكفيان في حصول الزجر لأن الملك إذا رأى منكرا إلا أنه لا ينهي عن المنكر لم يكن حضوره مانعا منه أما إذا حصلت القدرة وحصل العلم وحصلت الحكمة المانعة من القبائح فههنا يحصل الزجر الكامل ؛ فإذا قال العبد { أعوذ بالله } فكأنه قال أعوذ بالقادر العليم الحكيم الذي لا يرضى بشيء من المنكرات فلا جرم يحصل الزجر التام . < > النكتة الثانية عشرة : < > لما قال العبد { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } دل ذلك على أنه لا يرضى بأن يجاور الشيطان وإنما لم يرض بذلك لأن الشيطان عاص وعصيانه لا يضر هذا المسلم في الحقيقة فإذا كان العبد لا يرضى بجوار العاصي فبأن لا يرضى بجوار عين المعصية أولى . < > النكتة الثالثة عشرة : < > الشيطان اسم والرجيم صفة ثم إنه تعالى لم يقتصر على الاسم بل ذكر الصفة فكأنه تعالى يقول إن هذا الشيطان بقي في الخدمة ألوفا من السنين فهل سمعت أنه ضرنا أو فعل ما يسوءنا ؟ ثم إنا مع ذلك رجمناه حتى طردناه وأما أنت فلو جلس هذا الشيطان معك لحظة واحدة لألقاك في النار الخالدة فكيف لا تشتغل بطرده ولعنه فقل { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . < > النكتة الرابعة عشرة : < > لقائل أن يقول : لم لم يقل أعوذ بالملائكة مع أن أدون ملك من الملائكة يكفي في دفع الشيطان ؟ فما السبب في أن جعل ذكر هذا الكلب في مقابلة ذكر الله تعالى ؟ وجوابه كأنه تعالى يقول : عبدي إنه يراك وأنت لا تراه بدليل قوله تعالى : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم [ الأعراف : 27 ] وإنما نفذ كيده لأنه يراكم وأنتم لا ترونه فتمسكوا بمن يرى الشيطان ولا يراه الشيطان وهو الله سبحانه وتعالى فقولوا { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . < > النكتة الخامسة عشرة : <

Section V01/P083–V01/P084

> أدخل الألف واللام في الشيطان ليكون تعريفا للجنس ؛ لأن الشياطين كثيرة مرئية وغير مرئية بل المرئي ربما كان أشد حكي عن بعض المذكرين أنه قال في مجلسه : إن الرجل إذا أراد أن يتصدق فإنه يأتيه سبعون شيطانا فيتعلقون بيديه ورجليه وقلبه ويمنعونه من الصدقة فلما سمع بعض القوم ذلك فقال : إني أقاتل هؤلاء السبعين وخرج من المسجد وأتى المنزل وملأ ذيله من الحنطة وأراد أن يخرج ويتصدق به فوثبت زوجته وجعلت تنازعه وتحاربه حتى أخرجت ذلك من ذيله فرجع الرجل خائبا إلى المسجد فقال المذكر : ماذا عملت ؟ فقال : هزمت السبعين فجاءت أمهم فهزمتني . وأما إن جعلنا الألف واللام للعهد فهو أيضا جائز لأن جميع المعاصي برضى هذا الشيطان والراضي يجري مجرى الفاعل له وإذا استبعدت ذلك فاعرفه بالمسألة الشرعية فإن عند أبي حنيفة قراءة الإمام قراءة للمقتدي من حيث رضي بها وسكت خلفه . < > النكتة السادسة عشرة : < > الشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد فحكم عليه بكونه بعيدا وأما المطيع فقريب قال الله تعالى : ^ { واسجد واقترب } [ العلق : 19 ] والله قريب منك قال الله تعالى ^ { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ^ [ البقرة : 186 ] وأما الرجيم فهو المرجوم بمعنى كونه مرميا بسهم اللعن والشقاوة وأما أنت فموصول بحبل السعادة قال الله تعالى : ^ { وألزمهم كلمة التقوى } ^ [ الفتح : 26 ] فدل هذا على أنه جعل الشيطان بعيدا مرجوما وجعلك قريبا موصولا ثم إنه تعالى أخبر إنه لا يجعل الشيطان الذي هو بعيد قريبا لأنه تعالى قال : ^ { ولن تجد لسنة الله تحويلا } ^ [ فاطر : 43 ] فاعرف أنه لما جعلك قريبا فإنه لا يطردك ولا يبعدك عن فضله ورحمته . < > النكتة السابعة عشرة : < > قال جعفر الصادق : إنه لا بد قبل القراءة من التعوذ وأما سائر الطاعات فإنه لا يتعوذ فيها والحكمة فيه أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة والنميمة فأمر الله تعالى العبد بالتعوذ ليصير لسانه طاهرا فيقرأ بلسان طاهر كلاما أنزل من رب طيب طاهر . < > النكتة الثامنة عشرة : < > كأنه تعالى يقول : إنه شيطان رجيم وأنا رحمن رحيم فابعد عن الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم . < > النكتة التاسعة عشرة : < > الشيطان عدوك وأنت عنه غافل غائب قال تعالى : ^ { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } ^ [ الأعراف : 27 ] فعلى هذا لك عدو غائب ولك حبيب غالب لقوله تعالى : ^ { والله غالب على أمره } ^ [ يوسف : 21 ] فإذا قصدك العدو الغائب فافزع إلى الحبيب الغالب والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده . < > الباب الرابع < > < > في المسائل الملتحقة بقوله ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) < > < > المسألة الأولى : < > فرق بين أن يقال أعوذ بالله وبين أن يقال بالله أعوذ فإن الأول لا يفيد الحصر والثاني يفيده فلم ورد الأمر بالأول دون الثاني مع أنا بينا أن الثاني أكمل وأيضا جاء قوله الحمد لله وجاء قوله لله الحمد وأما هنا فقد جاء أعوذ بالله وما جاء قوله بالله أعوذ فما الفرق ؟ < > المسألة الثانية : <

Section V01/P084–V01/P085

> قوله { أعوذ بالله } لفظه الخبر ومعناه الدعاء والتقدير : اللهم أعذني ألا ترى أنه قال : ^ { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } ^ [ آل عمران : 36 ] كقوله أستغفر الله أي اللهم اغفر لي والدليل عليه أن قوله { أعوذ بالله } إخبار عن فعله وهذا القدر لا فائدة فيه إنما الفائدة في أن يعيذه الله فما السبب في أنه قال أعوذ بالله ولم يقل أعذني ؟ والجواب أن بين الرب وبين العبد عهدا كما قال تعالى : ^ { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } ^ [ النحل : 91 ] وقال ^ { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } ^ [ البقرة : 40 ] فكأن العبد يقول أنا مع لؤم الإنسانية ونقص البشرية وفيت بعهد عبوديتي حيث قلت : أعوذ بالله فأنت مع نهاية الكرم وغاية الفضل والرحمة أولى بأن تفي بعهد الربوبية فتقول : إني أعيذك من الشيطان الرجيم . المسألة ج : أعوذ فعل مضارع وهو يصلح للحال والاستقبال فهل هو حقيقة فيهما ؟ والحق أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال وإنما يختص به بحرف السين وسوف . ( د ) لم وقع الاشتراك بين الحاضر والمستقبل ولم يقع بين الحاضر والماضي ؟ ( ه ) كيف المشابهة بين المضارع وبين الاسم . ( و ) كيف العامل فيه ولا شك أنه معمول فما هو . ( ز ) قوله { أعوذ } يدل على أن العبد مستعيذ في الحال وفي كل المستقبل وهو الكمال فهل يدل على أن هذه الاستعاذة باقية في الجنة . ( ح ) قوله { أعوذ } حكاية عن النفس ولا بد من الأربعة المذكورة في قوله أتين [ الأحزاب : 33 ] . أما المباحث العقلية المتعلقة بالباء في قوله أعوذ بالله فهي كثيرة ( أ ) الباء في قوله بالله باء الإلصاق وفيه مسائل : < > المسألة الأولى : < > البصريون يسمونه باء الألصاق والكوفيون يسمونه باء الآلة ويسميه قوم باء التضمين واعلم أن حاصل الكلام أن هذه الباء متعلقة بفعل لا محالة ؛ والفائدة فيه أنه لا يمكن إلصاق ذلك الفعل بنفسه إلا بواسطة الشيء الذي دخل عليه هذا الباء فهو باء الإلصاق لكونه سببا للإلصاق وباء الآلة لكونه داخلا على الشيء الذي هو آلة . < > المسألة الثانية : < > اتفقوا على أنه لا بد فيه من إضمار فعل فإنك إذا قلت بالقلم لم يكن ذلك كلاما مفيدا بل لا بد وأن تقول كتبت بالقلم وذلك يدل على أن هذه الحرف متعلق بمضمر ونظيره قوله بالله لأفعلن ومعناه أحلف بالله لأفعلن فحذف أحلف لدلالة الكلام عليه فكذا ههنا ويقول الرجل لمن يستأذنه في سفره : على اسم الله أي سر على اسم الله . < > المسألة الثالثة : < > لما ثبت أنه لا بد من الإضمار فنقول : الحذف في هذا المقام أفصح والسبب فيه أنه لو وقع التصريح بذلك المضمر لاختص قوله أعوذ بالله بذلك الحكم المعين أما عند الحذف فإنه يذهب الوهم كل مذهب ويقع في الخاطر أن جميع المهمات لا تتم إلا بواسطة الاستعاذة بالله وإلا عند الابتداء باسم الله ونظيره أنه قال الله أكبر ولم يقل فإنه أكبر من الشيء الفلاني لأجل ما ذكرناه من إفادة العموم فكذا هنا . < > المسألة الرابعة : < > قال سيبويه لم يكن لهذه الباء عمل إلا الكسر فكسرت لهذا السبب فإن قيل : كاف التشبيه ليس لها عمل إلا الكسر ثم إنها ليست مكسورة بل مفتوحة قلنا : كاف التشبيه قائم مقام الاسم وهو في العمل ضعيف أما الحرف فلا وجود له إلا بحسب هذا الأثر فكان فيه كلاما قويا . < > المسألة الخامسة : <

Section V01/P085–V01/P086

> الباء قد تكون أصلية كقوله تعالى : قل ما كنت بدعا من الرسل [ الأحقاف : 9 ] وقد تكون زائدة وهي على أربعة أوجه أحدها للإلصاق وهي كقوله { أعوذ بالله } وقوله { بسم الله } وثانيها للتبعيض عند الشافعي رضي الله عنه وثالثها لتأكيد النفي كقوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد [ فصلت : 46 ] ورابعها للتعدية كقوله تعالى ^ { ذهب الله بنورهم } [ البقرة : 17 ] أي أذهب نورهم وخامسها الباء بمعنى في قال : حل بأعدائك ما حل بي أي : حل في أعدائك وأما باء القسم وهو قوله بالله فهو من جنس باء الإلصاق . < > المسألة السادسة : < > قال بعضهم : الباء في قوله : ^ { وامسحوا برؤوسكم } ^ [ المائدة : 6 ] زائدة والتقدير : وامسحوا رؤسكم وقال الشافعي رضي الله عنه إنها تفيد التبعيض حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه الأول أن هذه الباء إما أن تكون لغوا أو مفيدا والأول باطل ؛ لأن الحكم بأن كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين لغو في غاية البعد وذلك لأن المقصود من الكلام إظهار الفائدة فحمله على اللغو على خلاف الأصل فثبت أنه يفيد فائدة زائدة وكل من قال بذلك قال إن تلك الفائدة هي التبعيض الثاني أن الفرق بين قوله مسحت بيدي المنديل وبين قوله مسحت يدي بالمنديل يكفي في صحة صدقه ما إذا مسح يده بجزء من أجزاء المنديل . الثالث : أن بعض أهل اللغة قال : الباء قد تكون للتبعيض وأنكره بعضهم لكن رواية الإثبات راجحة فثبت أن الباء تفيد التبعيض ومقدار ذلك البعض غير مذكور فوجب أن تفيد أي مقدار يسمى بعضا فوجب الاكتفاء بمسح أقل جزء من الرأس وهذا هو قول الشافعي والإشكال عليه أنه تعالى قال : ^ { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ^ [ النساء : 43 ] فوجب أن يكون مسح أقل جزء من أجزاء الوجه واليد كافيا في التيمم وعند الشافعي لا بد فيه من الإتمام وله أن يجيب فيقول : مقتضى هذا النص الاكتفاء في التيمم بأقل جزء من الأجزاء إلا أن عند الشافعي الزيادة على النص ليست نسخا فأوجبنا الإتمام لسائر الدلائل وفي مسح الرأس لم يوجد دليل يدل على وجوب الإتمام فاكتفينا بالقدر المذكور في هذا النص . < > المسألة السابعة : <

Section V01/P086–V01/P087

> فرع أصحاب أبي حنيفة على باء الإلصاق مسائل : إحداها قال محمد في الزيادات : إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق بمشيئة الله تعالى لا يقع الطلاق وهو كقوله : أنت طالق إن شاء الله ولو قال : لمشيئة الله يقع لأنه أخرجه مخرج التعليل وكذلك أنت طالق بإرادة الله لا يقع الطلاق ولو قال لإرادة الله يقع أما إذا قال : أنت طالق بعلم الله أو لعلم الله فإنه يقع الطلاق في الوجهين ولا بد من الفرق وثانيها قال في كتاب الأيمان لو قال لامرأته : إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت طالق فإنها تحتاج في كل مرة إلى إذنه ولو قال : إن خرجت إلا أن آذن لك فأذن لها مرة كفى ولا بد من الفرق وثالثها لو قال لامرأته : طلقي نفسك ثلاثا بألف فطلقت نفسها واحدة وقعت بثلث الألف وذلك أن الباء ههنا تدل على البدلية فيوزع البدل على المبدل فصار بإزاء كل طلقة ثلث الألف ولو قال : طلقي نفسك ثلاثا على ألف فطلقت نفسها واحدة لم يقع شيء عند أبي حنيفة لأن لفظة على كلمة شرط ولم يوجد الشرط وعند صاحبيه تقع واحدة بثلث الألف . قلت : وههنا مسائل كثيرة متعلقة بالباء . ( أ ) قال أبو حنيفة : الثمن إنما يتميز عن المثمن بدخول حرف الباء عليه فإذا قال : بعت كذا بكذا فالذي دخل عليه الباء هو الثمن فقط وعلى هذا الفرق بنى مسألة البيع الفاسد فإنه قال : إذا قال : بعت هذا الكرباس بمن من الخمر صح البيع وانعقد فاسدا وإذا قال بعت هذا الخمر بهذا الكرباس لم يصح والفرق أن في الصورة الأولى الخمر ثمن وفي الصورة الثانية الخمر مثمن وجعل الخمر ثمنا جائزا اما جعله مثمنا فإنه لا يجوز . ( ب ) قال الشافعي : إذا قال بعت منك هذا الثوب بهذا الدرهم تعين ذلك الدرهم وعند أبي حنيفة لا يتعين . ( ج ) قال الله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [ التوبة : 111 ] فجعل الجنة ثمنا للنفس والمال . ومن أصول الفقه مسائل ( أ ) الباء تدل على السببية قال الله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله [ الأنفال : 13 ] ههنا الباء دلت على السببية وقيل : إنه لا يصح لأنه لا يجوز إدخال لفظ الباء على السبب فيقال ثبت هذا الحكم بهذا السبب . ( ب ) إذا قلنا الباء تفيد السببية فما الفرق بين باء السببية وبين لام السببية ؟ لا بد من بيانه . ( ج ) الباء في قوله

Section V01/P087–V01/P088

سبحانك اللهم وبحمدك لا بد من البحث عنه فإنه لا يدري أن هذه الباء بماذا تتعلق وكذلك البحث عن قوله : ونحن نسبح بحمدك [ البقرة : 30 ] فإنه يجب البحث عن هذه الباء . ( د ) قيل : كل العلوم مندرج في الكتب الأربعة وعلومها في القرآن وعلوم القرآن في الفاتحة وعلوم الفاتحة في ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وعلومها في الباء من بسم الله قلت لأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب وهذا الباء باء الإلصاق فهو يلصق العبد بالرب فهو كمال المقصود . النوع الثالث من مباحث هذا الباب مباحث حروف الجر : فإن هذه الكلمة اشتملت على نوعين منها أحدهما الباء ؛ وثانيهما لفظ من فنقول : في لفظ من مباحث : - ( أ ) أنك تقول أخذت المال من ابنك فتكسر النون ثم تقول أخذت المال من الرجل فتفتح النون فههنا اختلف آخر هذه الكلمة وإذا اختلفت الأحوال دلت على اختصاص كل حالة بهذه الحركة فههنا اختلف آخر هذه الكلمة باختلاف العوامل فإنه لا معنى للعامل إلا الأمر الدال على استحقاق هذه الحركات فوجب كون هذه الكلمة معربة . ( ب ) كلمة من وردت على وجوه أربعة : ابتداء الغاية والتبعيض والتبيين والزيادة . ( ج ) قال المبرد : الأصل هو ابتداء الغاية والبواقي مفرعة عليه وقال آخرون : الأصل هو التبعيض والبواقي مفرعة عليه . ( د ) أنكر بعضهم كونها زائدة وأما قوله تعالى : يغفر لكم من ذنوبكم [ آل عمران : 31 ] فقد بينوا أنه يفيد فائدة زائدة فكأنه قال يغفر لكم بعض ذنوبكم ومن غفر كل بعض منه فقد غفر كله . ( ه ) الفرق بين من وبين عن لا بد من ذكره قال الشيطان ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم [ الأعراف : 17 ] وفيه سؤالان : الأول : لم خص الأولين بلفظ من والثالث والرابع بلفظ عن . الثاني : لما ذكر الشيطان لفظ من ولفظ عن فلم جاءت الاستعاذة بلفظ من فقال { أعوذ بالله من الشيطان } ولم يقل عن الشيطان . < > النوع الرابع : < > من مباحث هذا الباب : - ( أ ) الشيطان مبالغة في الشيطنة كما أن الرحمن مبالغة في الرحمة والرجيم في حق الشيطان فعيل بمعنى مفعول كما أن الرحيم في حق الله تعالى فعيل بمعنى فاعل إذا عرفت هذا فهذه الكلمة تقتضي الفرار من الشيطان الرجيم إلى الرحمن الرحيم وهذا يقتضي المساواة بينهما وهذا ينشأ عنه قول الثنوية الذين يقولون إن الله وإبليس أخوان إلا أن الله هو الأخ الكريم الرحيم الفاضل وإبليس هو الأخ اللئيم الخسيس المؤذي فالعاقل يفر من هذا الشرير إلى ذلك الخير . ( ب ) الإله هل هو رحيم كريم ؟ فإن كان رحيما كريما فلم خلق الشيطان الرجيم وسلطه على العباد وإن لم يكن رحيما كريما فأي فائدة في الرجوع إليه والاستعاذة به من شر الشيطان . ( ج ) الملائكة في السموات هل يقولون { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } فإن ذكروه فإنما يستعيذون من شرور أنفسهم لا من شرور الشيطان . ( د ) أهل الجنة في الجنة هل يقولون أعوذ بالله . ( ه ) الأنبياء والصديقون لم يقولون { أعوذ بالله } مع أن الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم في قوله فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ ص : 82 ] . ( و ) الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم إلا في مجرد الدعوة حيث قال : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم [ إبراهيم : 22 ] وأما الإنسان فهو الذي ألقى نفسه في البلاء فكانت استعاذة الإنسان من شر نفسه أهم وألزم من استعاذته من شر الشيطان فلم بدأ بالجانب الأضعف وترك الجانب الأهم ؟ <

Section V01/P088–V01/P089

> الكتاب الثاني < > < > في مباحث بسم الله الرحمن الرحيم وفيه أبواب < > < > الباب الأول < > < > في مسائل جارية مجرى المقدمات وفيه مسائل < > < > المسألة الأولى : < > قد بينا أن الباء من { بسم الله الرحمن الرحيم } < < الفاتحة : ( 1 ) بسم الله الرحمن . . . . . > > متعلقة بمضمر فنقول : هذا المضمر يحتمل أن يكون اسما وأن يكون فعلا وعلى التقديرين فيجوز أن يكون متقدما وأن يكون متأخرا فهذه أقسام أربعة أما إذا كان متقدما وكان فعلا فكقولك : أبدأ باسم الله وأما إذا كان متقدما وكان اسما فكقولك : ابتداء الكلام باسم الله وأما إذا كان متأخرا وكان فعلا فكقولك : باسم الله أبدا وأما إذا كان متأخرا وكان اسما فكقولك : باسم الله ابتدائي . ويجب البحث ههنا عن شيئين : الأول : أن التقديم أولى أم التأخير ؟ فنقول كلاهما وارد في القرآن أما التقديم فكقوله ^ { باسم الله مجراها ومرساها } ^ وأما التأخير فكقوله ^ { اقرأ باسم ربك العلق : 1 ] وأقول : التقديم عندي أولى ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قديم الوجود لذاته فيكون وجوده سابقا على غيره والسابق بالذات يستحق السبق في الذكر الثاني : قال تعالى : ^ { هو الأول والآخر } ^ [ الحديد : 3 ] وقال : ^ { لله الأمر من قبل ومن بعد } ^ [ الروم : 4 ] الثالث : أن التقديم في الذكر أدخل في التعظيم الرابع : أنه قال : ^ { إياك نعبد } ^ فههنا الفعل متأخر عن الاسم فوجب أن يكون في قوله { بسم الله } كذلك فيكون التقدير باسم الله أبتدئ الخامس : سمعت الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رضي الله عنه يقول : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : حضر الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير الميهني مع الأستاذ أبي القاسم القشيري فقال الأستاذ القشيري : المحققون فإنهم ما رأوا شيئا إلا وكانوا قد رأوا الله قبله قلت : وتحقيق الكلام أن الانتقال من المخلوق إلى الخالق إشارة إلى برهان الآن والنزول من الخالق إلى المخلوق برهان اللم ومعلوم أن برهان اللم أشرف وإذا ثبت هذا فمن أضمر الفعل أولا فكأنه انتقل من رؤية فعله إلى رؤية وجوب الاستعانة باسم الله ومن قال : باسم الله ثم أضمر الفعل ثانيا فكأنه رأى وجوب الاستعانة بالله ثم نزل منه إلى أحوال نفسه . < > المسألة الثانية : < > إضمار الفعل أولى أم إضمار الاسم قال الشيخ أبو بكر الرازي : نسق تلاوة القرآن يدل على أن المضمر هو الفعل وهو الأمر لأنه تعالى قال : ^ { إياك نعبد وإياك نستعين } ^ والتقدير : قولوا إياك نعبد وإياك نستعين فكذلك قوله : { بسم الله الرحمن الرحيم } التقدير : قولوا بسم الله وأقول : لقائل أن يقول : بل إضمار الاسم أولى ؛ لأنا إذا قلنا : تقدير الكلام بسم الله ابتداء كل شيء كان هذا إخبارا عن كونه مبدأ في ذاته لجميع الحوادث وخالقا لجميع الكائنات سواء قاله قائل أو لم يقله وسواء ذكره ذاكر أو لم يذكره ولا شك أن هذا الاحتمال أولى وتمام الكلام فيه يجيء في بيان أن يقال : قولوا الحمد لله أو الأولى أن يقال : الحمد لله ؛ لأنه إخبار عن كونه في نفسه مستحقا للحمد سواء قاله قائل أو لم يقله . < > المسألة الثالثة : <

Section V01/P089–V01/P090

> الجر يحصل بشيئين : أحدهما بالحرف كما في قوله : باسم والثاني بالإضافة كما في الله من قوله : باسم الله وأما الجر الحاصل في لفظ الرحمن الرحيم ؛ فإنما حصل لكون الوصف تابعا للموصوف في الإعراب فههنا أبحاث : أحدها أن حروف الجر لم اقتضت الجر ؟ وثانيها أن الإضافة لم اقتضت الجر وثالثها : أن اقتضاء الحرف أقوى أو اقتضاء الإضافة ورابعها : أن الإضافة على كم قسم تقع قالوا إضاقة الشيء إلى نفسه محال فبقي أن تقع الإضافة بين الجزء والكل أو بين الشيء والخارج عن ذات الشيء المنفصل عنه أما القسم الأول فنحو باب حديد وخاتم ذهب ؛ لأن ذلك الباب بعض الحديد وذلك الخاتم بعض الذهب وأما القسم الثاني ؛ فكقولك : غلام زيد ؛ فإن المضاف إليه مغاير للمضاف بالكلية وأما أقسام النسب والإضافات ؛ فكأنها خارجة عن الضبط والتعديد ؛ فإن أنواع النسب غير متناهية . < > المسألة الرابعة : < > كون الاسم اسما للشيء نسبة بين اللفظة المخصوصة التي هي الاسم وبين الذات المخصوصة التي هي المسمى وتلك النسبة معناها : أن الناس اصطلحوا على جعل تلك اللفظة المخصوصة معرفة لذلك الشيء المخصوص فكأنهم قالوا متى سمعتم هذه اللفظة منا فافهموا أنا أردنا بها ذلك المعنى الفلاني فلما حصلت هذه النسبة بين الاسم وبين المسمى لا جرم صحت إضافة الاسم إلى المسمى ؛ فهذا هو المراد من إضافة الاسم إلى الله تعالى . < > المسألة الخامسة : < > قال أبو عبيد : ذكر الاسم في قوله : بسم الله صلة زائدة والتقدير : بالله قال : وإنما ذكر لفظة الاسم إما للتبرك وإما ليكون فرقا بينه وبين القسم وأقول : والمراد من قوله : بسم الله قوله : ابدءوا ببسم الله وكلام أبي عبيد ضعيف ؛ لأنا لما أمرنا بالابتداء ؛ فهذا الأمر إنما يتناول فعلا من أفعالنا وذلك الفعل هو لفظنا وقولنا فوجب أن يكون المراد ابدأ بذكر الله والمراد : ابدأ ببسم الله وأيضا فالفائدة فيه أنه كما أن ذات الله تعالى أشرف الذوات ؛ فكذلك ذكره أشرف الأذكار واسمه أشرف الأسماء فكما أنه في الوجود سابق على كل ما سواه وجب أن يكون ذكره سابقا على كل الأذكار وأن يكون اسمه سابقا على كل الأسماء وعلى هذا التقدير ؛ فقد حصل في لفظ الاسم هذه الفوائد الجليلة . < > الباب الثاني < > < > فيما يتعلق بهذه الكلمة من القراءة والكتابة < > أما المباحث المتعلقة بالقراءة فكثيرة : < > المسألة الأولى : < > أجمعوا على أن الوقف على قوله بسم ناقص قبيح وعلى قوله بسم الله أو على قوله بسم الله الرحمن كاف صحيح وعلى قوله بسم الله الرحمن الرحيم تام . واعلم أن الوقف لا بد وأن يقع على أحد هذه الأوجه الثلاثة وهو أن يكون ناقصا أو كافيا أو كاملا فالوقف على كل كلام لا يفهم بنفسه ناقص والوقف على كل كلام مفهوم المعاني إلا أن ما بعده يكون متعلقا بما قبله يكون كافيا والوقف على كل كلام تام ويكون ما بعده منقطعا عنه يكون وقفا تاما . ثم لقائل أن يقول : قوله الحمد لله رب العالمين كلام تام إلا أن قوله الرحمن الرحيم ملك متعلق بما قبله لأنها صفات والصفات تابعة للموصوفات فإن جاز قطع الصفة عن الموصوف وجعلها وحدها آية فلم لم يقولوا بسم الله الرحمن آية ؟ ثم يقولوا الرحيم آية ثانية وإن لم يجز ذلك فكيف جعلوا الرحمن الرحيم آية مستقلة فهذا الإشكال لا بد من جوابه . < > المسألة الثانية : <

Section V01/P090–V01/P091

> أطبق القراء على ترك تغليظ اللام في قوله بسم الله وفي قوله الحمد لله والسبب فيه أن الانتقال من الكسرة إلى اللام المفخمة ثقيل ؛ لأن الكسرة توجب التسفل واللام المفخمة حرف مستعل والانتقال من التسفل إلى التصعد ثقيل وإنما استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من هذه الكلمة في حال كونها مرفوعة أو منصوبة كقوله الله لطيف بعباده [ الشورى : 19 ] وقوله قل هو الله أحد [ الإخلاص : 1 ] وقوله : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم [ التوبة : 111 ] . < > المسألة الثالثة : < > قالوا المقصود من هذا التفخيم أمران : الأول : الفرق بينه وبين لفظ اللاة في الذكر الثاني أن التفخيم مشعر بالتعظيم وهذا اللفظ يستحق المبالغة في التعظيم الثالث أن اللام الرقيقة إنما تذكر بطرف اللسان وأما هذه اللام المغلظة فإنما تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر فوجب أن يكون أدخل في الثواب ؛ وأيضا جاء في التوراة يا موسى أجب ربك بكل قلبك فههنا كان الإنسان يذكر ربه بكل لسانه وهو يدل على أنه يذكره بكل قلبه فلا جرم كان هذا أدخل في التعظيم . < > المسألة الرابعة : < > لقائل أن يقول : نسبة اللام الرقيقة إلى اللام الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء وكنسبة السين إلى الصاد فإن الدال تذكر بطرف اللسان والطاء تذكر بكل اللسان وكذلك السين تذكر بطرف اللسان والصاد تذكر بكل اللسان فثبت أن نسبة اللام الرقيقة إلى اللام الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء وكنسبة السين إلى الصاد ثم أنا رأينا أن القوم قالوا الدال حرف والطاء حرف آخر وكذلك السين حرف والصاد حرف آخر فكان الواجب أيضا أن يقولوا : اللام الرقيقة حرف واللام الغليظة حرف آخر وأنهم ما فعلوا ذلك ولا بد من الفرق . < > المسألة الخامسة : < > تشديد اللام من قولك الله للإدغام فإنه حصل هناك لامان الأولى لام التعريف وهي ساكنة والثانية لام الأصل وهي متحركة وإذا التقى حرفان مثلان من الحروف كلها وكان أول الحرفين ساكنا والثاني متحركا أدغم الساكن في المتحرك ضرورة سواء كانا في كلمتين أو كلمة واحدة أما في الكلمتين فكما في قوله : ^ { فما ربحت تجارتهم وما بكم من نعمة ما لهم من الله } ^ [ البقرة : 16 ] وأما في الكلمة الواحدة فكما في هذه الكلمة . واعلم أن الألف واللام والواو والياء إن كانت ساكنة امتنع اجتماع مثلين فامتنع الإدغام لهذا السبب وإن كانت متحركة واجتمع فيها مثلان كان الإدغام جائزا . < > المسألة السادسة : < > لأرباب الإشارات والمجاهدات ههنا دقيقة وهي أن لام التعريف ولام الأصل من لفظة الله اجتمعا فأدغم أحدهما في الثاني فسقط لام المعرفة وبقي لام لفظة الله وهذا كالتنبيه على أن المعرفة إذا حصلت إلى حضرة المعروف سقطت المعرفة وفنيت وبطلت وبقي المعروف الأزلي كما كان من غير زيادة ولا نقصان . < > المسألة السابعة : < > لا يجوز حذف الألف من قولنا الله في اللفظ وجاز ذلك في ضرورة الشعر عند الوقف عليه قال بعضهم : أقبل سيل جاء من عند الله يجود جود الجنة المغله انتهى ويتفرع على هذا البحث مسائل في الشريعة : إحداها : أنه عند الحلف لو قال بله فهل ينعقد يمينه أم لا قال بعضهم : لا ؛ لأن قوله بله اسم للرطوبة فلا ينعقد اليمين وقال آخرون ينعقد اليمين به لأنه بحسب أصل اللغة جائز وقد نوى به الحلف فوجب أن تنعقد ثانيها : لو ذكره على هذه الصفة عند الذبيحة هل يصح ذلك أم لا وثالثها : لو ذكر قوله الله في قوله الله أكبر هل تنعقد الصلاة به أم لا ؟ < > المسألة الثامنة : < > لم يقرأ أحد الله بالإمالة إلا قتيبة في بعض الروايات انتهى . < > المسألة التاسعة : <

Section V01/P091–V01/P092

> تشديد الراء من قوله الرحمن الرحيم لأجل إدغام لام التعريف في الراء ولا خلاف بين القراء في لزوم إدغام لام التعريف في اللام وفي ثلاثة عشر حرفا سواه وهي : الصاد والضاد والسين والشين والدال والذال والراء والزاي والطاء والظاء والتاء والثاء والنون انتهى كقوله تعالى : التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر [ التوبة : 112 ] والعلة الموجبة لجواز هذا الإدغام قرب المخرج فإن اللام وكل هذه الحروف المذكورة مخرجها من طرف اللسان وما يقرب منه فحسن الإدغام ولا خلاف بين القراء في امتناع إدغام لام التعريف فيما عدا هذه الثلاثة عشر كقوله : العابدون الحامدون الآمرون بالمعروف كلها بالإظهار وإنما لم يجز الإدغام فيها لبعد المخرج فإنه إذا بعد مخرج الحرف الأول عن مخرج الحرف الثاني ثقل النطق بهما دفعة فوجب تمييز كل واحد منهما عن الاخر بخلاف الحرفين اللذين يقرب مخرجاهما لأن التمييز بينهما مشكل صعب . < > المسألة العاشرة : < > أجمعوا على أنه لا يمال لفظ الرحمن وفي جواز إمالته قولان للنحويين أحدهما : أنه يجوز ولعله قول سيبويه وعلة جوازه انكسار النون بعد الألف والقول الثاني وهو الأظهر عند النحويين أنه لا يجوز . < > المسألة الحادية عشرة : < > أجمعوا على أن إعراب الرحمن الرحيم هو الجر لكونهما صفتين للمجرور الأول إلا أن الرفع والنصب جائزان فيهما بحسب النحو أما الرفع فعلى تقدير بسم الله هو الرحمن الرحيم وأما النصب فعلى تقدير بسم الله أعني الرحمن الرحيم . النوع الثاني من مباحث هذا الباب ما يتعلق بالخط وفيه مسائل : < > المسألة الأولى : < > طولوا الباء من بسم الله وما طولوها في سائر المواضع وذكروا في الفرق وجهين : الأول : أنه لما حذفت ألف الوصل بعد الباء طولوا هذه الباء ليدل طولها على الألف المحذوفة التي بعدها ألا ترى أنهم لما كتبوا اقرأ باسم ربك [ العلق : 1 ] بالألف ردوا الباء إلى صفتها الأصلية الثاني : قال القتيبي : إنما طولوا الباء لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم وكان عمر بن عبد العزيز يقول لكتابه : طولوا الباء وأظهروا السين ودوروا الميم ؛ تعظيما لكتاب الله . < > المسألة الثانية : < > قال أهل الإشارة والباء حرف منخفض في الصورة فلما اتصل بكتبه لفظ الله ارتفعت واستعلت فنرجو أن القلب لما اتصل بخدمة الله عز وجل أن يرتفع حاله ويعلو شأنه . < > المسألة الثالثة : < > حذفوا ألف اسم من قوله بسم الله وأثبتوه في قوله : اقرأ باسم ربك والفرق من وجهين : الأول : أن كلمة بسم الله مذكورة في أكثر الأوقات عند أكثر الأفعال فلأجل التخفيف حذفوا الألف بخلاف سائر المواضع فإن ذكرها قليل . الثاني : قال الخليل : إنما حذفت الألف في قوله بسم الله لأنها إنما دخلت بسبب أن الابتداء بالسين الساكنة غير ممكن فلما دخلت الباء على الاسم نابت عن الألف فسقطت في الخط وإنما لم تسقط في قوله اقرأ باسم ربك لأن الباء لا تنوب عن الألف في هذا الموضع كما في بسم الله لأنه يمكن حذف الباء من اقرأ باسم ربك مع بقاء المعنى صحيحا فإنك لو قلت اقرأ اسم ربك صح المعنى أما لو حذفت الباء من بسم الله لم يصح المعنى فظهر الفرق . < > المسألة الرابعة : <

Section V01/P092–V01/P094

> كتبوا لفظة الله بلامين وكتبوا لفظة الذي بلام واحدة مع استوائهما في اللفظ وفي كثرة الدوران على الألسنة وفي لزوم التعريف والفرق من وجوه : الأول أن قولنا الله اسم معرب متصرف تصرف الأسماء فأبقوا كتابته على الأصل أما قولنا الذي فهو مبني لأجل أنه ناقص ؛ لأنه لا يفيد إلا مع صلته فهو كبعض الكلمة ومعلوم أن بعض الكلمة يكون مبنيا فأدخلوا فيه النقصان لهذا السبب ألا ترى أنهم كتبوا قولهم اللذان بلامين لأن التثنية أخرجته عن مشابهة الحروف فإن الحرف لا يثنى . الثاني : أن قولنا الله لو كتب بلام واحدة لالتبس بقوله إله وهذا الالتباس غير حاصل في قولنا الذي . الثالث : أن تفخيم ذكر الله في اللفظ واجب فكذا في الخط والحذف ينافي التفخيم وأما قولنا الذي فلا تفخيم له في المعنى فتركوا أيضا تفخيمه في الخط . < > المسألة الخامسة : < > إنما حذفوا الألف قبل الهاء من قولنا الله في الخط لكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة بالصورة عند الكتابة وهو مثل كراهتهم اجتماع الحروف المتماثلة في اللفظ عند القراءة . < > المسألة السادسة : < > قالوا : الأصل في قولنا الله الإله وهي ستة حروف فلما أبدلوه بقولهم الله بقيت أربعة أحرف في الخط همزة ولامان وهاء ؛ فالهمزة من أقصى الحلق واللام من طرف اللسان والهاء من أقصى الحلق وهو إشارة إلى حالة عجيبة فإن أقصى الحلق مبدأ التلفظ بالحروف ثم لا يزال يترقى قليلا إلى أن يصل إلى طرف اللسان ثم يعود إلى الهاء الذي هو في داخل الحلق ومحل الروح فكذلك العبد يبتدىء من أول حالته التي هي حالة النكرة والجهالة ويترقى قليلا في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار أخذ يرجع قليلا قليلا حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد فهو إشارة إلى ما قيل : النهاية رجوع إلى البداية . < > المسألة السابعة : < > إنما جاز حذف الألف قبل النون من الرحمن في الخط على سبيل التخفيف ولو كتب بالألف حسن ولا يجوز حذف الياء من الرحيم لأن حذف الألف من الرحم لا يخل بالكلمة ولا يحصل فيها التباس بخلاف حذف الياء من الرحيم . < > الباب الثالث < > < > من هذا الكتاب في مباحث الاسم وهي نوعان < > أحدهما : ما يتعلق من المباحث النقلية بالاسم والثاني : ما يتعلق من المباحث العقلية بالاسم . النوع الأول : وفيه مسائل : < > المسألة الأولى : < > في هذا اللفظ لغتان مشهورتان تقول العرب : هذا اسمه وسمه قال : باسم الذي في كل سورة سمه . وقيل : فيه لغتان غيرهما سم وسم قال الكسائي : إن العرب تقول تارة إسم بكسر الألف وأخرى بضمه فإذا طرحوا الألف قال الذين لغتهم كسر الألف سم وقال الذين لغتهم ضم الألف سم وقال ثعلب : من جعل أصله من سما يسمى قال إسم وسم ومن جعل أصله من سما يسمو قال اسم وسم وقال المبرد : سمعت العرب تقول اسمه واسمه وسمه وسمه وسماه . < > المسألة الثانية : < > أجمعوا على أن تصغير الاسم سمي وجمعه أسماء وأسامي . < > المسألة الثالثة : < > في اشتقاقه قولان : قال البصريون : هو مشتق من سما يسمو إذا علا وظهر فاسم الشيء ما علاه حتى ظهر ذلك الشيء به وأقول : اللفظ معرف للمعنى ومعرف الشيء متقدم في المعلومية على المعرف فلا جرم كان الاسم عاليا على المعنى ومتقدما عليه وقال الكوفيون : هو مشتق من وسم يسم سمة والسمة العلامة فالاسم كالعلامة المعرفة للمسمى حجة البصريين لو كان اشتقاق الاسم من السمة لكان تصغيره وسيما وجمعه أوساما . < > المسألة الرابعة : <

Questions

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 4 · Qur'an & Sunnah