Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثالثة : اعلم أن حاصل هذه الشبهة أن الذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله : أنا هو هذا الجسم المبني بهذه البنية المخصوصة ، فإذا مات الإنسان فقد بطل مزاجه وفسد تركيبه فتمتنع إعادته لوجوه أحدها : أنه لا يكون الإنسان العائد هو الإنسان الأول إلا إذا دخل التركيب الأول في الوجود مرة أخرى ، وذلك قول بإعادة عين ما عدم أولا ، وهذا محال لأن الذي عدم لم يبق له عين ولا ذات ولا خصوصية ، فإذا دخل شيء آخر في الوجود استحال أيقال بأن العائد هو عين ما فني أولا وثانيها : أن تلك الأجزاء تصير ترابا وتتفرق وتختلط بأجزاء كل الأرض وكل المياه وكل الهواء فتميز تلك الأجزاء بأعيانها عن كل هذه الأشياء محال وثالثها : أن الأجزاء الترابية باردة يابسة قشفة فتولد الإنسان الذي لا بد وأن يكون حارا رطبا في مزاجه عنها محال ، هذا تمام تقرير كلام هؤلاء الذين احتجوا على إنكار البعث بقولهم : { أءذا كنا عظاما نخرة } والجواب : عن هذه الشبهة من وجوه أولها : وهو الأقوى : لا نسلم أن المشار إليه لكل أحد بقوله : أنا هو هذا الهيكل ، ثم إن الذي يدل على فساده وجهان الأول : أن أجزاء هذا الهيكل في الزوبان والتبدل ، والذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا ليس في التبدل والمتبدل مغاير لما هو غير متبدل والثاني : أن الإنسان قد يعرف أنه هو حال كونه غافلا عن أعضائه الظاهرة والباطنة / والمشعور به مغاير لما هو غير مشعور به وإلا لاجتمع النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال ، فثبت أن المشار إليه لكل أحد بقوله : أنا ليس هو هذا الهيكل ، ثم ههنا ثلاث احتمالات أحدها : أن يكون ذلك الشيء موجودا قائما بنفسه ليس بجسم ولا بجسماني على ما هو مذهب طائفة عظيمة من الفلاسفة ومن المسلمين وثانيها : أن يكون جسما مخالفا بالماهية لهذه الأجسام القابلة للإنحلال والفساد سارية فيها سريان النار في الفحم وسريان الدهن في السمسم وسريان ماء الورد / في جرم الورد فإذا فسد هذا الهيكل تقلصت تلك الأجزاء وبقيت حية مدركة عاقلة ، إما في الشقاوة أو في السعادة وثالثها : أن يقال : إنه جسم مساو لهذه الأجسام في الماهية إلا أن الله تعالى خصها بالبقاء والاستمرار من أول حال تكون شخص في الوجود إلى آخر عمره ، وأما سائر الأجزاء المتبدلة تارة بالزيادة وأخرى بالنقصان فهي غير داخلة في المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل تلك الأجزاء . وتبقى حية ، إما في السعادة أو في الشقاوة ، وإذا ظهرت هذه الاحتمالات ثبت أنه لا يلزم من فساد البدن وتفرق أجزائه فساد ما هو الإنسان حقيقة ، وهذا مقام حسن متين تنقطع به جميع شبهات منكري البعث . وعلى هذا التقدير لا يكون لصيرورة العظام نخرة بالية متفرقة تأثير في دفع الحشر والنشر ألبتة ، سلمنا على سبيل المسامحة أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل ، فلم قلتم : إن الإعادة ممتنعة ؟ قوله ؟ ( أولا ) : المعدوم لا يعاد : قلنا : أليس أن حال عدمه لم يمتنع عندكم صحة الحكم عليه بأنه يمتنع عوده ، فلم لا يجوز أن لا يمتنع على قولنا أيضا صحة الحكم عليه بالعود ، قول : ثانيا : الأجزاء القليلة مختلطة بأجزاء العناصر الأربعة ، قلنا لكن ثبت أن خالق العالم عام بجميع الجزئيات ، وقادر على كل الممكنات فيصح منه جمعها بأعيانها . وإعادة الحياة إليها . قوله : ثالثا : الأجسام القشفة اليابسة لا تقبل الحياة . قلنا : نرى السمندل ، يعيش في النار ، والنعامة تبتلع الحديدة المحماة ، والحيات الكبار العظام متولدة في الثلوج ، فبطل الاعتماد على الاستقراء ، والله الهادي إلى الصدق والصواب .
! 7 < { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } . > 7 ! < < النازعات : ( 12 ) قالوا تلك إذا . . . . . > > النوع الثالث : من الكلمات التي حكاها الله تعالى عن منكري البعث { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } والمعنى كرة منسوبة إلى الخسران ، كقولك تجارة رابحة ، أو خاسر أصحابها ، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا ، وهذا منهم استهزاء . ! 7 < { فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } . > 7 ! واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه الكلمات قال : { فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } < < النازعات : ( 13 ) فإنما هي زجرة . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله : { فإذا هم } متعلق بمحذوف معناه لا تستصعبوها فإنما هي زجرة واحدة ، يعني لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فإنها سهلة هينة في قدرته . المسألة الثانية : يقال : زجر البعير إذا صاح عليه ، والمراد من هذه الصيحة النفخة الثانية وهي صيحة إسرافيل ، قال المفسرون : يحيهم الله في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق } ( ص : 15 ) . المسألة الثالثة : الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لوجهين الأول : أن / سالكها لا ينام خوفا منها الثاني : أن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة جارية الماء ، وعندي فيه وجه ثالث : وهي أن الأرض إنما تسمى ساهرة لأن من شدة الخوف فيها يطير النوم من الإنسان ، فتلك الأرض التي يجتمع الكفار فيها في موقف القيامة يكونون فيها في أشد الخوف ، فسميت تلك الأرض ساهرة لهذا السبب ، ثم اختلفوا من وجه آخر فقال بعضهم : هي أرض الدنيا ، وقال آخرون : هي أرض الآخرة لأنهم عند الزجرة والصيحة ينقلون أفواجا إلى أرض الآخرة ولعل هذا الوجه أقرب . ! 7 < { هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى } . > 7 ! < < النازعات : ( 15 ) هل أتاك حديث . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها من وجهين : الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث حتى انتهوا في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء في قولهم : { تلك إذا كرة خاسرة } ( النازعات : 12 ) وكان ذلك يشق على محمد صلى الله عليه وسلم فذكر قصة موسى عليه السلام ، وبين أنه تحمل المشقة الكثيرة في دعوة فرعون ليكون ذلك كالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم الثاني : أن فرعون كان أقوى من كفار قريش وأكثر جمعا وأشد شوكة ، فلما تمرد على موسى أخذه الله نكال الآخرة والأولى ، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك إن أصروا أخذهم الله وجعلهم نكالا . المسألة الثانية : قوله : { هل أتاك } يحتمل أن يكون معناه أليس قد { أتاك حديث موسى } هذا إن كان قد أتاه ذلك قبل هذا الكلام ، أما إن لم يكن قد أتاه فقد يجوز أن يقال : { هل أتاك } كذا ، أم أنا أخبرك به فإن فيه عبرة لمن يخشى .
المسألة الثالثة : الوادي المقدس المبارك المطهر ، وفي قوله : { طوى } وجوه : أحدها : أنه اسم وادي بالشام وهو عند الطور الذي أقسم الله به في قوله : { والطور وكتاب مسطور } ( الطور : 2 , 1 ) وقوله : { وناديناه من جانب الطور الايمن } ( مريم : 52 ) والثاني : أنه بمعنى يا رجل بالعبرانية ، فكأنه قال : يا رجل اذهب إلى فرعون ، وهو قول ابن عباس والثالث : أن يكون قوله : { طوى } أي ناداه { طوى } من الليلة { اذهب إلى فرعون } لأنك تقول جئتك بعد { طوى } أي بعد ساعة من الليل والرابع : أن يكون المعنى بالوادي المقدس الذي طوى أي بورك فيه مرتين . المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { طوى } بضم الطاء غير منون ، وقرأ / الباقون بضم الطاء منونا ، وروي عن أبي عمرو . طوى بكسر الطاء ، وطوى مثل ثنى ، وهما اسمان للشيء المثنى ، والطي بمعنى الثني ، أي ثنيت في البركة والتقديس ، قال القراء : { طوى } واد بين المدينة ومصر ، فمن صرفه قال : هو ذكر سمينا به ذكرا ، ومن لم يصرفه جعله معدولا عن جهته كعمر وزفر ، ثم قال : والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيرا ، أي لم أجد اسما من الواو والياء عدل عن فاعلة إلى فعل غير { طوى } . المسألة الخامسة : تقدير الآية : إذ ناداه ربه وقال اذهب إلى فرعون ، وفي قراءة عبدالله أن اذهب ، لأن في النداء معنى القول . وأما أن ذلك النداء كان بإسماع الكلام القديم ، أو بإسماع الحرف والصوت ، وإن كان على هذا الوجه فكيف عرف موسى أنه كلام الله . فكل ذلك قد تقدم في سورة طه . المسألة السادسة : أن سائر الآيات تدل على أنه تعالى في أول ما نادى موسى عليه السلام ذكر له أشياء كثيرة ، كقوله في سورة طه : { نودى ياموسى موسى إنى أنا ربك } إلى قوله : { لنريك من ءاياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 24 , 23 ) فدل ذلك على أن قوله ههنا : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } من جملة ما ناداه به ربه ، لا أنه كل ما ناداه به ، وأيضا ليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى فرعون فقط ، بل إلى كل من كان في ذلك الطرف ، إلا أنه خصه بالذكر ، لأن دعوته جارية مجرى دعوة كل ذلك القوم . المسألة السابعة : الطغيان مجاوزة الحد ، ثم إنه تعالى لم يبين أنه تعدى في أي شيء / فلهذا قال بعض المفسرين : معناه أنه تكبر على الله وكفر به ، وقال آخرون : إنه طغى على بني إسرائيل ، والأولى عندي الجمع بين الأمرين ، فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به ، وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم ، وكما أن كمال العبودية ليس إلا صدق المعاملة مع الخالق ومع الخلق ، فكذا كمال الطغيان ليس إلا الجمع بين سوء المعاملة مع الخالق ومع الخلق . واعلم أنه تعالى لما بعثه إلى فرعون لقنه كلامين ليخاطبه بهما : ! 7 < { فقل هل لك إلى أن تزكى } . > 7 ! فالأول : قول تعالى : { فقل هل لك إلى أن تزكى } < < النازعات : ( 18 ) فقل هل لك . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال هل لك في كذا ، وهل لك إلى كذا ، كما تقول : هل ترغب فيه ، وهل ترغب إليه ، قال الواحدي : المبتدأ محذوف في اللفظ مراد في المعنى ، والتقدير : هل لك إلى تزكى حاجة أو إربه ، قال الشاعر : فهل لكم فيها إلي فإنني بصير بما أعيا النطاسي حذيما ويحتمل أن يكون التقدير : هل لك سبيل إلى أن تزكى . / المسألة الثانية : الزكي الطاهر من العيوب كلها ، قال : { أقتلت نفسا زكية } ( الكهف : 74 ) وقال : { قد أفلح من زكاها } ( الشمس : 9 ) وهذه الكلمة جامعة لكل ما يدعوه إليه ، لأن المراد هل لك إلى أن تفعل ما تصير به زاكيا عن كل مالا ينبغي ، وذلك بجمع كل ما يتصل بالتوحيد والشرائع . المسألة الثالثة : فيه قراءتان : التشديد على إدغام تاء التفعل في الزاي لتقاربهما والتخفيف . المسألة الرابعة : المعتزلة تمسكوا به في إبطال كون الله تعالى خالقا لفعل العبد بهذه الآية ، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير ، أي لك سبيل إلى أن تزكى ، ولو كان ذلك بفعل الله تعالى لانقلب الكلام على موسى ، والجواب عن أمثاله تقدم . المسأة الخامسة : أنه لما قال لهما : { فقولا له قولا لينا } ( طه : 44 ) فكأنه تعالى رتب لهما ذلك الكلام اللين الرقيق ، وهذا يدل على أنه لا بد في الدعوة إلى الله من اللين والرفق وترك الغلظة ، ولهذا قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) ويدل على أن الذين يخاشنون الناس ويبالغون في التعصب ، كأنهم على ضد ما أمر الله به أنبياءه ورسله . ! 7 < { وأهديك إلى ربك فتخشى } . > 7 < النازعات : ( 19 ) وأهديك إلى ربك . . . . . > > ثم قال تعالى : { وأهديك إلى ربك فتخشى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : القائلون بأن معرفة الله لا تستفاد إلا من الهادي تمسكوا بهذه الآية ، وقالوا : إنها صريحة في أنه يهديه إلى معرفة الله ، ثم قالوا : ومما يدل على أن هذا هو المقصود الأعظم من بعثة الرسل ؛ أمران الأول : أن قوله : { هل لك إلى أن تزكى } يتناول جميع الأمور التي لا بد للمبعوث إليه منها ، فيدخل فيه هذه الهداية فلما أعاده بعد ذلك علم أنه هو المقصود الأعظم من البعثة والثاني : أن موسى ختم كلامه عليه ، وذلك ينبه أيضا على أنه أشرف المقاصد من البعثة والجواب : أنا لا نمنع أن يكون للتنبيه والإشارة معونة في الكشف عن الحق إنما النزاع في إنكم تقولون : يستحيل حصوله إلا من المعلم ونحن لا نحل ذلك . المسألة الثانية : دلت الآية على أن معرفة الله مقدمة على طاعته ، لأنه ذكر الهداية وجعل الخشية مؤخرة عنها ومفرعة عليها ، ونظيره قوله تعالى في أول النحل : { أن أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون } ( النحل : 2 ) وفي طه : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا فاعبدنى } ( طه : 14 ) . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة . قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) أي العلماء به ، ودلت الآية على أن الخشية ملاك الخيرات ، لأن من خشى الله أتى منه كل خير ، ومن أمن اجترأ على كل شر ، ومنه قوله عليه السلام ( من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ) .
! 7 < { فأراه الا ية الكبرى } . > 7 ! / < < النازعات : ( 20 ) فأراه الآية الكبرى > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الفاء في { فأراه } معطوف على محذوف معلوم ، يعني فذهب فأراه ، كقوله : { فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت } ( البقرة : 60 ) أي فضرب فانفجرت . المسألة الثانية : اختلفوا في الآية الكبرى على ثلاثة أقوال : الأول : قال مقاتل والكلبي : هي اليد ، لقوله في طه : { وأدخل يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } ( النمل : 12 ) آية أخرى { لنريك من ءاياتنا الكبرى } ( طه : 23 ) القول الثاني : قال عطاء : هي العصا ، لأنه ليس في اليد إلا انقلاب لونه إلى لون آخر ، وهذا المعنى كان حاصلا في العصا ، لأنها لما انقبلت حية فلا بد وأن يكون قد تغير اللون الأول ، فإذا كل ما في اليد فهو حاصل في العصا ، ثم حصل في العصا أمور أخرى أزيد من ذلك ، منها حصول الحياة في الجرم الجمادى ، ومنها تزايد أجزائه وأجسامه ، ومنها حصول القدرة الكبيرة والقوة الشديدة ، ومنها أنها كانت ابتلعت أشياء كثيرة وكأنها فنيت ، ومنها زوال الحياة والقدرة عنها ، وفناء تلك الأجزاء التي حصل عظمها ، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين بهما صارت العصا حية ، وكل واحد من هذه الوجوه كان معجزا مستقلا في نفسه ، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصاوالقول الثالث : في هذه المسألة قول مجاهد : وهو أن المراد من الآية الكبرى مجموع اليد والعصا ، وذلك لأن سائر الآيات دلت على أن أول ما أظهر موسى عليه السلام لفرعون هو العصا ، ثم أتبعه باليد ، فوجب أن يكون المراد من الآية الكبرى مجموعهما . ! 7 < { فكذب وعصى } . > 7 ! أحدها : قوله تعالى : { فكذب وعصى } < < النازعات : ( 21 ) فكذب وعصى > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : معنى قوله : { فكذب } أنه كذب بدلالة ذلك المعجز على صدقه . واعلم أن القدح في دلالة المعجزة على الصدق إما لاعتقاد أنه يمكن معارضته ، أو لأنه وإن امتنعت معارضته لكنه ليس فعلا لله بل لغيره ، إما فعل جنى أو فعل ملك ، أو إن كان فعلا لله تعالى لكنه ما فعله لغرض التصديق ، أو إن كان فعله لغرض التصديق لكنه لا يلزم صدق المدعى ، فإنه لا يقبح من الله شيء ألبتة ، فهذه مجامع الطعن في دلالة المعجز على الصدق ، وما بعد الآية يدل على أن فرعون إنما منع من دلالته عن الصدق لاعتقاده أنه يمكن معارضته بدليل قوله : { فحشر فنادى } ( النازعات : 23 ) وهو كقوله : { فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين } ( الشعرا : 53 ) . المسألة الثانية : في الآية سؤال وهو أن كل أحد يعلم أن كل من كذب الله فقد عصى ، فما الفائدة في قوله : { فكذب وعصى } ؟ والجواب : كذب بالقلب واللسان ، وعصى بأن أظهر التمرد والتجبر . / المسألة الثالثة : هذا الذي وصفه الله تعالى به من التكذيب والمعصية مغاير لما كان حاصلا قبل ذلك ، لأن تكذيبه لموسى عليها لسلام وقد دعاه وأظهر هذه المعجزة . يوفى على ما تقدم من التكذيب ومعصيته بترك القبول منه ، والحال هذه مخالفة لمعصيته من قبل ذلك . ! 7 < { ثم أدبر يسعى } . > 7 ! < < النازعات : ( 22 ) ثم أدبر يسعى
> > وثانيها : قوله : { ثم أدبر يسعى } وفيه وجوه أحدها : أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوبا يسعى يسرع في مشيه ، قال الحسن كان رجلا طياشا خفيفا وثانيها : تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته وثالثها : أن يكون المعنى ، ثم أقبل يسعى ، كما يقال : فلان أقبل يفعل كذا ، بمعنى أنشأ يفعل ، فوضع أدبر فوضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال . ! 7 < { فحشر فنادى فقال أنا ربكم الا على } . > 7 < النازعات : ( 23 - 24 ) فحشر فنادى > > وثالثها : قوله : { فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى } فحشر فجمع السحرة كقوله : { فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين } ( الشعراء : 53 ) فنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه ، أو أمر مناديا فنادى في الناس بذلك ، وقيل قام فيهم خطيبا فقال تلك الكلمة ، وعن ابن عباس كلمته الأولى : { ما علمت لكم من إلاه غيرى } ( القصص : 38 ) والآخرة : { أنا ربكم الاعلى } . واعلم أنا بينا في سورة ( طه ) أنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان في نفسه كونه خالقا للسموات والأرض والجبال والنبات والحيوان والإنسان ، فإن العلم بفساد ذلك ضروري ، فمن تشكك فيه كان مجنونا ، ولو كان مجنونا لما جاز من الله بعثة الأنبياء والرسل إليه ، بل الرجل كان دهريا منكرا للصانع والحشر والنشر ، وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي إلا لي ، فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم ، وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي ، أو يبعث إليكم رسولا ، قال القاضي : وقد كان الأليق به بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية ، أن لا يقول هذا القول . لأن عند ظهور الذلة والعجز ، كيف يليق أن يقول : { أنا ربكم الاعلى } فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول . ! 7 < { فأخذه الله نكال الا خرة والا ولى } . > 7 ! واعلم أنه تعالى لما حكى عنه أفعاله وأقواله أتبعه بما عامله به وهو قوله تعالى : { فأخذه الله نكال الاخرة والاولى } < < النازعات : ( 25 ) فأخذه الله نكال . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في نصب نكال وجهين الأول : قال الزجاج : إنه مصدر مؤكد لأن معنى أخذه الله ، نكل الله به ، نكال الآخرة والأولى . لأن أخذه ونكله متقاربان ، وهو كما يقال : أدعه تركا شديدا لأن أدعه وأتركه سواء ، ونظيره قوله : { إن أخذه أليم شديد } ( هود : 102 ) ، الثاني : قال الفراء : يريد أخذه الله أخذا نكالا للآخرة والأولى ، والنكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم .
/ المسألة الثانية : ذكر المفسرون في هذه الآية وجوها أحدها : أن الآخرة والأولى صفة لكلمتي فرعون إحداهما قوله : { ما علمت لكم من إلاه غيرى } ( القصص : 38 ) والأخرى قوله : { أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 ) قالوا : وكان بينهما أربعون سنة ، وهذا قول مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ، ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس ، والمقصود التنبيه على أنه ما أخذه بكلمته الأولى في الحال ، بل أمهله أربعين سنة ، فلما ذكر الثانية أخذ بهما ، وهذا تنبيه على أنه تعالى يمهل ولا يهمل الثاني : وهو قول الحسن وقتادة : { نكال الاخرة والاولى } أي عذبه في الآخرة ، وأغرقه في الدنيا الثالث : الآخرة هي قوله : { أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 ) والأولى هي تكذيبه موسى حين أراه الآية ، قال القفال : وهذا كأنه هو الأظهر ، لأنه تعالى قال : { فأراه الاية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 , 20 ) فذكر المعصيتين ، ثم قال : { فأخذه الله نكال الاخرة والاولى } فظهر أن المراد أنه عاتبه على هذين الأمرين . المسألة الثالثة : قال الليث : ( النكال ) اسم لمن جعل نكالا لعيره ، وهو الذي إذا رآه أو بلغه خاف أن يعمل عمله ، وأصل الكلمة من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، وقيل للقيد نكل لأنه يمنع ، فالنكال من العقوبة هو أعظم حتى يمتنع من سمع به عن ارتكاب مثل ذلك الذنب الذي وقع التنكيل به ، وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به غيره ، والله أعلم . ! 7 < { إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى } . > 7 ! < < النازعات : ( 26 ) إن في ذلك . . . . . > > ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى : { إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى } والمعنى أن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون ، وما أحله الله بفرعون من الخزي ، ورزق موسى من العلو والنصر عبرة لمن يخشى وذلك أن يدع التمرد على الله تعالى ، والتكذيب لأنبيائه خوفا من أن ينزل به ما نزل بفرعون ، وعلما بأن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله ، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد بما ذكرناه ، أي اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب للعقاب ، شاركتموهم في حلول العقاب بكم . ! 7 < { أءنتم أشد خلقا أم السمآء بناها } . > 7 ! < < النازعات : ( 27 ) أأنتم أشد خلقا . . . . . > > ثم اعلم أنه تعالى لما ختم هذه القصة رجع إلى مخاطبة منكري البعث ، فقال : { أشد خلقا أم السماء بناها } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في المقصود من هذا الاستدلال وجهان الأول : أنه استدلال على منكري البعث فقال : { أشد خلقا أم السماء بناها } فنبههم على أمر يعلم بالمشاهدة . وذلك لأن خلقة الإنسان على صغره وضعفه ، إذا أضيف إلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير ، فبين تعالى أن خلق السماء أعظم ، وإذا كان كذلك فخلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدورا لله تعالى فكيف ينكرون ذلك ؟ ونظيره قوله : { أوليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } وقوله : { لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) والمعنى أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السماء أي عندكم ، وفي تقديركم ، فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد والثاني : أن المقصود من هذا الاستدلال بيان كونهم مخلوقين ، وهذا القول ضعيف لوجهين أحدهما : أن من أنكر كون الإنسان مخلوقا فبأن ينكر ( ه ) في السماء كان أولى وثانيهما : أن أول السورة كان في بيان مسألة الحشر والنشر ، فحمل هذا الكلام عليه أولى . المسألة الثانية : قال الكسائي والفراء والزجاج : هذا الكلام تم عند قوله : { أم السماء } . ثم قوله تعالى : { بناها } ابتداء كلام آخر ، وعند أبي حاتم الوقف على قوله : { بناها } قال : لأنه من صلة السماء ، والتقدير : أم السماء التي بناها ، فحذف التي ، ومثل هذا الحذف جائز ، قال القفال : يقال : الرجل جاءك عاقل ، أي الرجل الذي جاءك عاقل إذا ثبت أن هذا جائز في اللغة فنقول : الدليل على أن قوله : { بناها } صلة لما قبله أنه لو لم يكن صلة لكان صفة ، فقوله : { بناها } صفة ، ثم قوله : { رفع سمكها } ( النازعات : 28 ) صفة ، فقد توالت صفتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى ، فكان يجب إدخال العاطف فيما بينهما ، كما في قوله : { وأغطش ليلها } ( النازعات : 29 ) فلما لم يكن كذلك علمنا أن قوله : { بناها } صلة للسماء ، ثم قال : { رفع سمكها } ابتداء بذكر صفته ، وللفراء أن يحتج على قوله بأنه لو كان قوله : { بناها } صلة للسماء لكان التقدير : أم السماء ( التي ) بناها ، وهذا يقتضي وجود سماء ما بناها الله ، وذلك باطل .
المسألة الثالثة : الذي يدل على أنه تعالى هو الذي بنى السماء وجوه أحدها : أن السماء جسم ، وكل جسم محدث ، لأن الجسم لو كان أزليا لكان في الأزل إما أن يكون متحركا أو ساكنا ، والقسمان باطلان ، فالقول بكون الجسم أزليا باطل . أما الحصر فلأنه إما أن يكون مستقرا حيث هو فيكون ساكنا ، أو لا يكون مستقرا حيث هو فيكون متحركا ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يكون متحركا ، لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، وماهية الأزل تنافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يكون ساكنا ، لأن السكون وصف ثبوتي وهو ممكن الزوال ، وكل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل المختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزليا ، وإنما قلنا : إن السكون وصف ثبوتي ، لأنه يتبدل كون الجسم متحركا بكونه ساكنا مع بقاء ذاته ، فأحدهما لابد وأن يكون أمرا ثبوتيا ، فإن كان الثبوتي هو السكون فقد حصل المقصود ، وأن كان الثبوتي هو الحركة وجب أيضا أن يكون السكون ثبوتيا ، لأن الحركة عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان في غيره / والسكون عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان فيه بعينه ، فالتفاوت بين الحركة والسكون ليس في / الماهية ، بل في المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير ، وذلك وصف عارضي خارجي عن الماهية ، وإذا كان كذلك فإذا ثبت أن تلك الماهية أمر وجودي في إحدى الصورتين وجب أن تكون كذلك في سورة أخرى ، وإنما قلنا : إن سكون السماء جائز الزوال ، لأنه لو كان واجبا لذاته لامتنع زواله ، فكان يجب أن لا تتحرك السماء لكنا نراها الآن متحركة ، فعلمنا أنها لو كانت ساكنة في الأزل ، لكان ذلك السكون جائز الزوال ، وإنما قلنا : إن ذلك السكون لما كان ممكنا لذاته ، افتقر إلى الفاعل المختار لأنه لما كان ممكنا لذاته ، فلا بد له من مؤثر ، وذلك المؤثر لا يجوز أن يكون موجبا ، لأن ذلك الموجب إن كان واجبا ، وكان غنيا في إيجابه لذلك المعلول عن شرط لزم من دوامه دوام ذلك الأثر ، فكان يجب أن لا يزول للسكون وإن كان واجبا ومفتقرا في إيجابه لذلك المعلول إلى شرط واجب لذاته ، لزم من دوام العلة ودوام الشرط دوام المعلول ، أما إن كان الموجب غير واجب لذاته ، أو كان شرط إيجابه غير واجب لذاته كان الكلام فيه كالكلام في الأول ، فيلزم التسلسل ، وهو محال أو الإنتهاء إلى موجب واجب لذاته ، وإلى شرط واجب لذاته ، وحينئذ يعود الإلزام الأول ، فثبت أن ذلك المؤثر لا بد وأن يكون فاعلا مختارا ، فإذا كل سكون ، فهول فعل فاعل مختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد ، والقصد إلى تكوين الكائن ، وتحصيل الحاصل محال ، فثبت أن كل سكون فهو محدث ، فثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم في الأزل لا متحركا ولا ساكنا ، فهو إذا غير موجود في الأزل ، فهو محدث ، وإذا كان محدثا افتقر في ذاته ، وفي تركيب أجزائه إلى موجد ، وذلك هو الله تعالى ، فثبت بالعقل أن باني السماء هو الله تعالى .
الحجة الثانية : كل ما سوى الواجب فهو ممكن وكل ممكن محدث وكل محدث فعل صانع ، إنما قلنا : كل ما سوى الواجب ممكن ، لأنا لو فرضنا موجودين واجبين لذاتيهما لاشتركا في الوجود ولتباينا بالتعيين ، فيكون كل منهما مركبا مما به المشاركة ، ومما به الممايزة ، وكل مركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فكل واحد من الواجبين بالذات ممكن بالذات هذا خلف ، ثم ينقل الكلام إلى ذينك الجزأين ، فإن كانا واجبين ، كان كل واحد من تلك الأجزاء مركبا ويلزم التسلسل ، وإن لم يكونا واجبين كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجود فثبت أن ماعدا الواجب ممكن وكل ممكن فله مؤثر وكل ما افتقر إلى المؤثر محدث ، لأن الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء لاستحالة إيجاد الموجد ، فلا بد وأن يكون إما حال الحدوث أو حال العدم ، وعلى التقديرين فالحدوث لازم فثبت أن ما سوى الواجب محدث وكل محدث فلا بد له من محدث ، فلا بد للسماء من بان . الحجة الثالثة : صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر مما هو الآن بمقدار خردلة ، ولا يمتنع أن يكون أصغر بمقدار خردلة ، فاختصاص هذا المقدار بالوقوع دون / الأزيد والأنقص ، لا بد وأن يكون بمخصص ، فثبت أنه لا بد للسماء من بان : فإن قيل لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق شيئا وأعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام فيكون خالق السماء وبانيها هو ذلك الشيء ؟ الجواب : من العلماء من قال : المعلوم بالعقل أنه لا بد للسماء من محدث وأنه لا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم والإله قديم واجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، فأما نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع فقوله في هذه الآية : { بناها } يدل على أن باني السماء هو الله لا غيره / ومنهم من قال بل العقل يدل على بطلانه لأنه لما ثبت أن كل ما عداه محدث ثبت أنه قادر لا موجب ، والذي كان مقدورا له إنما صح كونه مقدورا له بكونه ممكنا ، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو الامتناع وهما يحيلان المقدورية ، وإذا كان ما لأجله صح في البعض أن يكون مقدورا لله وهو الإمكان والإمكان عام في الممكنات وجب أن يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة لله تعالى ، وإذا ثبت ذلك ونسبة قدرته إلى الكل على السوية وجب أن يكون قادرا على الكل ، وإذا ثبت أن الله قادر على الممكنات فلو قدرنا قادرا آخر قدر على بعض الممكنات ، لزم وقوع مقدور واحد بين قادرين من جهة واحدة ، وذلك محال ، لأنه إما أن يقع بأحدهما دون الآخر وهو محال ، لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا أولى من وقوعه بذاك أو بهما معا ، وهو أيضا محال لأنه يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما ، فيكون محتاجا إليهما معا وغنيا عنهما معا وهو محال ، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب آخر سوى قدرة الله تعالى ، وهذا الكلام جيد ، لكن على قول من لا يثبت في الوجود مؤثرا سوى الواحد ، فهذا جملة ما في هذا الباب . واعلم أنه تعالى لما بين في السماء أنه بناها ، بين بعد ذلك أنه كيف بناها ، وشرح تلك الكيفية من وجوه : ! 7 < { رفع سمكها فسواها } . > 7 < النازعات : ( 28 ) رفع سمكها فسواها > > أولها : ما يتعلق بالمكان ، فقال تعالى : { رفع سمكها } .
واعلم أن امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عمقا ، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمي سمكا ، فالمراد برفع سمكها شدة علوها حتى ذكروا أن ما بين الأرض وبينها مسيرة خمسمائة عام ، و ( قد ) بين أصحاب الهيئة مقادير الأجرام الفلكية وأبعاد ما بين كل واحد منها وبين الأرض . وقال آخرون : بل المراد : رفع سمكها من غير عمد . وذلك مما لا يصح إلا من الله تعالى . الصفة الثانية : قوله تعالى : { فسواها } وفيه وجهان الأول : المراد تسوية تأليفها ، وقيل : بل المراد نفي الشقوق عنها ، كقوله : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } ( الملك : 3 ) والقائلون بالقول الأول قالوا : { فسواها } عام فلا يجوز تخصيصه بالتسوية في بعض الأشياء ، ثم قال هذا يدل على كون / السماء كرة ، لأنه لو لم يكن كرة لكان بعض جوانبه سطحا ، والبعض زاوية ، والبعض خطا ، ولكان بعض أجزائه أقرب إلينا ، والبعض أبعد ، فلا تكون التسوية الحقيقة حاصلة ، فوجب أن يكون كرة حتى تكون التسوية الحقيقة حاصلة ، ثم قالوا لما ثبت أنها محدثة مفتقرة إلى فاعل مختار ، فأي ضرر في الدين ينشأ من كونها كرة ؟ . ! 7 < { وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } . > 7 < النازعات : ( 29 ) وأغطش ليلها وأخرج . . . . . > > الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أغطش قد يجيء لازما ، يقال : أغطش الليل إذا صار مظلما ويجيء متعديا يقال : أغطشه الله إذا جعله مظلما ، والغطش الظلمة ، والأغطش شبه الأعمش ، ثم ههنا سؤال وهو أن الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسبب غروب الشمس ، فقوله : { وأغطش ليلها } يرجع معناه إلى أنه جعل المظلم مظلما ، وهو بعيد والجواب : معناه أن الظلمة الحاصلة في ذلك الزمان إنما حصلت بتدبير الله وتقديره : وحيئنذ لا يبقى الإشكال . المسألة الثانية : قوله : { وأخرج ضحاها } أي أخرج نهارا ، وإنما عبر عن النهار بالضحى ، لأن الضحى أكمل أجزاء النهار في النور والضوء . المسألة الثالثة : إنما أضاف الليل والنهار إلى السماء ، لأن الليل والنهار إنما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها ، ثم غروبها وطلوعها إنما يحصلان بسبب حركة الفلك ، فلهذا السبب أضاف الليل والنهار إلى السماء ، ثم إنه تعالى لما وصف كيفية خلق السماء أتبعه بكيفية خلق الأرض وذلك من وجوه : ! 7 < { والا رض بعد ذلك دحاها } . > 7 ! الصفة الأولى : قوله تعالى : { والارض بعد ذلك دحاها } < < النازعات : ( 30 ) والأرض بعد ذلك . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : دحاها بسطها ، قال زيد بن عمرو بن نفيل : دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا وقال أمية بن أبي الصامت : دحوت البلاد فسويتها وأنت على طيها قادر قال أهل اللغة في هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو ، ودحيت أدحى ، ومثله صفوت وصفيت ولحوت العود ولحيته وسأوت الرجل وسأيته وبأوت عليه وبأيت ، وفي حديث علي عليه السلام ( اللهم داحى المدحيات ) أي باسط الأرضين السبع وهو المدحوات أيضا ، وقيل : أصل الدحو الإزالة للشيء من مكان إلى مكان ، ومنه يقال : إن الصبي يدحو بالكرة أي يقذفها على وجه الأرض ، وأدحى النعامة موضعه الذي يكون فيه أي بسطته وأزلت ما فيه من حصى ، حتى يتمهد له ، وهذا يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة والتمهيد .
/ المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي كون الأرض بعد السماء ، وقوله : في حمالسجدة ، { ثم استوى إلى السماء } ( فصلت : 11 ) يقتضي كون السماء بعد الأرض ، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله : { ثم استوى إلى السماء } ( البقرة : 29 ) ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه أحدها : أن الله تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانيا ثم دحى الأرض أي بسطها ثالثا ، وذلك لأنها كانت أولا كالكرة المجتمعة ، ثم إن الله تعالى مدها وبسطها ، فإن قيل الدلائل الاعتبارية دلت على أن الأرض الآن كرة أيضا ، وإشكال آخر وهو أن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي ، فيستحيل أن يكون هذا الجسم مخلوقا ولا يكون ظاهره مدحوا مبسوطا وثانيها : أن لا يكون معنى قوله { دحاها } : مجرد البسط ، بل يكون المراد أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات وهذا هو الذي بينه بقوله : { أخرج منها ماءها ومرعاها } ( النازعات : 31 ) وذلك لأن هذا الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم والسماء كالأب ، وما لم يحصلا لم تتولد أولا المعادن والنباتات والحيوانات وثالثها : أن يكون قوله : { والارض بعد ذلك } أي مع ذلك كقوله : { عتل بعد ذلك زنيم } ( القلم : 13 ) أي مع ذلك ، وقولك للرجل أنت كذا وكذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد به الترتيب ، وقال تعالى : { فك رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة } إلى قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ) والمعنى وكان مع هذا من أهل الإيمان بالله ، فهذا تقرير ما نقل عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جريج أنهم قالوا في قوله : { والارض بعد ذلك دحاها } أي مع ذلك دحاها . المسألة الثالثة : لما ثبت أن الله تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانيا ، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثا ، ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوها . روي عن عبد الله بن عمر ( خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة ، ومنه دحيت الأرض ) واعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى . ! 7 < { أخرج منها مآءها ومرعاها } . > 7 < النازعات : ( 31 ) أخرج منها ماءها . . . . . > > الصفة الثانية : قوله تعالى : { أخرج منها ماءها ومرعاها } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ماؤها عيونها المتفجرة بالماء ومرعاها رعيها ، وهو في الأصل موضع الرعي ، ونصب الأرض والجبال بإضمار دحا وأرسى على شريطة التفسير ، وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء ، فإن قيل : هلا أدخل حرف العطف على أخرج قلنا لوجهين ؟ الأول : أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها للسكنى ، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المشارب والمآكل وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها والثاني : أن يكون { أخرج } حالا ، والتقدير والأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماء ومرعاها .
/ المسألة الثانية : أراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام ، ونظيره قوله في النحل : { أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } ( النحل : 10 ) وقال في سورة أخرى : { أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الارض شقا } إلى قوله : { متاعا لكم ولانعامكم } ( عبس : 32 , 25 ) فكذا في هذه الآية واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله : { يرتع ويلعب } ( يوسف : 12 ) وقرىء نرتع من الرعي ، ثم قال ابن قتيبة قال تعالى : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } ( الأنبياء : 30 ) فانظر كيف دل بقوله : { ماءها ومرعاها } على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر ، والحب والثمر والعصف والحطب ، واللباس والدواء حتى النار والملح ، أما النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى : { أفرءيتم النار التى تورون أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن } ( الواقعة : 72 , 71 ) وأما الملح فلا شك أنه متولد من الماء ، وأنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به الناس في الدنيا ويتلذذون به ، فأصله الماء والنبات ، ولهذا السبب تردد في وصف الجنة ذكرهما ، فقال : { جنات تجرى من تحتها الانهار } ( البقرة : 25 ) ثم الذي يدل على أنه تعالى أراد بالمرعى كل ما يأكله الناس والأنعام قوله في آخر هذه الآية : { متاعا لكم ولانعامكم } ( النازعات : 33 ) . ! 7 < { والجبال أرساها متاعا لكم ولانعامكم } . > 7 < النازعات : ( 32 - 33 ) والجبال أرساها > > الصفة الثالثة : قوله تعالى : { والجبال أرساها } والكلام في شرح منافع الجبال قد تقدم . ثم إنه تعالى لما بين كيفية خلقه الأرض وكمية منافعها قال : { متاعا لكم ولانعامكم } والمعنى أنا إنما خلقنا هذه الأشياء متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم ، واحتج به من قال : إن أفعال الله وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح ، والكلام فيه قد مر غير مرة ، واعلم أنا بينا أنه تعالى إنما ذكر كيفية خلقة السماء والأرض ليستدل بها على كونه قادرا على الحشر والنشر ، فلما قرر ذلك وبين إمكان الحشر عقلا أخبر بعد ذلك عن وقوعه . ! 7 < { فإذا جآءت الطآمة الكبرى } . > 7 ! < < النازعات : ( 34 ) فإذا جاءت الطامة . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع وفي اشتقاقها وجوه ، قال المبرد : أخذت فيما أحسب من قولهم : طم الفرس طميما ، إذا استفرغ جهده في الجري ، وطم الماء إذا ملأ النهر كله ، وقال الليث : الطم طم البئر بالتراب ، وهو الكبس ، ويقال : طم السيل الركية إذا دفنها حتى يسويها ، ويقال للشيء الذي يكبر حتى يعلو قد طم ، والطامة الحادثة التي تطم على ما سواها ومن ثم قيل : فوق كل طامة طامة ، قال القفال : أصل الطم الدفن والعلو ، وكل ما غلب شيئا وقهره وأخفاه فقد طمه ، ومنه الماء الطامي وهو الكثير الزائد ، والطاغي والعاتي والعادي سواء وهو الخارج عن أمر الله تعالى المتكبر ، فالطامة اسم لكل داهية عظيمة ينسى ما قبلهافي جنبها . ! 7 < { يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى } . > 7 ! / < < النازعات : ( 35 ) يوم يتذكر الإنسان . . . . .
> > المسألة الثانية : قد ظهر بما ذكرنا أن معنى الطامة الكبرى الداهية الكبرى ، ثم اختلفوا في أنها أي شيء هي ، فقال قوم : إنها يوم القيامة لأنه يشاهد فيه من النار ، ومن الموقف الهائل ، ومن الآيات الباهرة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل ، وقال الحسن : إنها هي النفخة الثانية التي عندها تحشر الخلائق إلى موقف القيامة ، وقال آخرون : إنه تعالى فسر الطامة الكبرى بقوله تعالى : { يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى } فالطامة تكون اسما لذلك الوقت ، فيحتمل أن يكون ذلك الوقت وقت قراءة الكتاب على ما قال تعالى : { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } ( الإسراء : 13 ) ويحتمل أن تكون تلك الساعة هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بوصفين : الأول : قوله تعالى : { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } يعني إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها ، وكان قد نسيها ، كقوله : { أحصاه الله ونسوه } ( المجادلة : 6 ) . الصفة الثانية : قوله تعالى : { وبرزت الجحيم لمن يرى } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله تعالى : { لمن يرى } أي أنها تظهر إظهارا مكشوفا لكل ناظر ذي بصر ثم فيه وجهان أحدهما : أنه استعارة في كونه منكشفا ظاهرا كقولهم : تبين الصبح لذي عينين . وعلى هذا التأويل لا يجب أن يراه كل أحد والثاني : أن يكون المراد أنها برزت ليراها كل من له عين وبصر ، وهذا يفيد أن كل الناس يرونها من المؤمنين والكفار ، إلا أنها مكان الكفار ومأواهم والمؤمنون يمرون عليها ، وهذا التأويل متأكد بقوله تعالى : { وإن منكم إلا واردها } إلى قوله : { ثم ننجى الذين اتقوا } ( مريم : 72 , 71 ) فإن قيل : إنه تعالى قال في سورة الشعراء : { وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين } ( الشعراء : 91 , 90 ) فخص الغاوين بتبريرها لهم ، قلنا : إنها برزت للغاوين ، والمؤمنون يرونها أيضا في الممر ، ولا منافاة بين الأمرين . المسألة الثانية : قرأ أبو نهيك { وبرزت } وقرأ ابن مسعود : لمن رأى ، وقرأ عكرمة : لمن ترى ، والضمير للجحيم ، كقوله : { إذا رأتهم من مكان بعيد } ( الفرقان : 12 ) وقيل : لمن ترى يا محمد من الكفار الذين يؤذونك . واعلم أنه تعالى لما وصف حال القيامة في الجملة قسم المكلفين قسمين : الأشقياء والسعداء ، فذكر حال الأشقياء . ! 7 < { فأما من طغى وءاثر الحيواة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى } . > 7 ! < < النازعات : ( 37 ) فأما من طغى > > وفيه مسائل : / المسألة الأولى : في جواب قوله : { فإذا جاءت الطامة الكبرى } ( النازعات : 34 ) وجهان الأول : قال الواحدي : إنه محذوف على تقدير إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار ، وأهل الجنة الجنة ، ودلى على هذا المحذوف ، ما ذكر في بيان مأوى الفريقين ، ولهذا كان يقول مالك بن معول في تفسير الطامة الكبرى ، قال : إنها إذا سبق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار والثاني : أن جوابه قوله : { فإن الجحيم هى المأوى } وكأنه جزاء مركب على شرطين نظيره إذا جاء الغد ، فمن جاءني سائلا أعطيته ، كذا ههنا أي إذا جاءت الطامة الكبرى فمن جاء طاغيا فإن الجحيم مأواه .
المسألة الثانية : منهم من قال : المراد بقوله : { طغى وءاثر الحيواة الدنيا } النضر وأبوه الحارث فإن كان المراد أن هذه الآية نزلت عند صدور بعض المنكرات منه فجيد وإن كان المراد تخصيصها به ، فبعيد لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لا سيما إذا عرف بضرورة العقل أن الموجب لذلك الحكم هو الوصف المذكور . المسألة الثالثة : قوله صغى ، إشارة إلى فساد حال القوة النظرية ، لأن كل من عرف الله عرف حقارة نفسه ، وعرف استيلاء قدرة الله عليه ، فلا يكون له طغيان وتكبر ، وقوله : { وءاثر الحيواة الدنيا } إشارة إلى فساد حال القوة العملية ، وإنما ذكر ذلك لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) ومتى كان الإنسان والعياذ بالله موصوفا بهذين الأمرين ، كان بالغا في الفساد إلى أقصى الغايات ، وهو الكافر الذي يكون عقابه مخلدا ، وتخصيصه بهذه الحالة يدل على أن الفاسق الذي لا يكون كذلك ، لا تكون الجحيم مأوى له . المسألة الرابعة : تقدير الآية : فإن الجحيم هي المأوى له ، ثم حذفت الصلة لوضوح المعنى كقولك للرجل غض الطرف أي غض طرفك ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن يكون التقدير : فأن الجحيم هي المأوى ، اللائق بمن كان موصوفا بهذه الصفات والأخلاق . ! 7 < { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى } . > 7 < النازعات : ( 40 - 41 ) وأما من خاف . . . . . > > ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى } واعلم أن هذين الوصفين مضادات للوصفين اللذين وصف الله أهل النار بهما فقوله : { وأما من خاف مقام ربه } ضد قوله : { فأما من طغى } ( النازعات : 17 ) وقوله : { ونهى النفس عن الهوى } ضد قوله : { وءاثر الحيواة الدنيا } ( النازعات : 38 ) واعلم أن الخوف من الله ، لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم بالله على ما قال : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ولما كان الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى ، لا جرم قدم العلة على المعلول ، وكما دخل في ذينك الصفتين جميع القبائح دخل / في هذين الوصفين جميع الطاعات والحسنات ، وقيل : الآيتان نزلتا في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير ، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزيز يوم أحد ، ووقى رسول الله بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه . ! 7 < { يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاهآ } . > 7 ! < < النازعات : ( 42 ) يسألونك عن الساعة . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلي إمكان القيامة ، ثم أخبر عن وقوعها ، ثم ذكر أحوالها العامة ، ثم ذكر أحوال الأشقياء والسعداء فيها ، قال تعالى : { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها } .
واعلم أن المشركين كانوا يسمعون إثبات القيامة ، ووصفها بالأوصاف الهائلة ، مثل أنها طامة وصاخة وقارعة ، فقالوا على سبيل الاستهزاء : { أيان مرساها } فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك ، ويحتمل أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالا ، كقوله : { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ( الشورى : 18 ) ثم في قوله : { مرساها } قولان أحدهما : متى إرساؤها ، أي إقامتها أرادوا متى يقيمها الله ويوجدها ويكونها والثاني : { أيان } منتهاها ومستقرها ، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه . ثم إن الله تعالى أجاب عنه بقوله تعالى : { فيم أنت من ذكراها } وفيه وجهان الأول : معناه في أي شيء أنت عن تذكر وقتها لهم ، وتبين ذلك الزمان المعين لهم ، ونظيره قول القائل : إذا سأله رجل عن شيء لا يليق به ما أنت وهذا ، وأي شيء لك في هذا ، وعن عائشة ( لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآية ) فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها ، كأنه قيل : في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها ، والمعنى أنهم يسألونك عنها ، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها . ثم قال تعالى : { إلى ربك منتهاها } أي منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه الوجه الثاني : قال بعضهم : { فيم } إنكار لسؤالهم ، أي فيم هذا السؤال ، ثم قيل : { أنت من ذكراها } أي أرسلك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل ذاكرا من أنواع علاماتها ، وواحدا من أقسام أشراطها ، فكفاهم بذلك دليلا على دنوها ووجوب الاستعداد لها ، ولا فائدة في سؤالهم عنها . ! 7 < { إنمآ أنت منذر من يخشاها } . > 7 < النازعات : ( 45 ) إنما أنت منذر . . . . . > > ثم قال تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } وفيه مسائل : المسألة الأولى : معنى الآية أنك إنما بعثت للإنذار وهذا المعنى لا يتوقف على علمك / بوقت قيام القيامة ، بل لو أنصفنا لقلنا : بأن الإنذار والتخويف إنما يتمان إذا لم يكن العلم بوقت قيام القيامة حاصلا . المسألة الثانية : أنه عليه الصلاة والسلام منذر للكل إلا أنه خص بمن يخشى ، لأنه الذي ينتفع بذلك الإنذار . المسألة الثالثة : قرىء منذر بالتنوين وهو الأصل ، قال الزجاج : مفعل وفاعل إذا كان كل واحد منهما لمايستقبل أو للحال ينون ، لأنه يكون بدلا من الفعل ، والفعل لا يكون إلا نكرة ويجوز حذف التنوين لأجل التخفيف ، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال ، فإذا أريد الماضي فلا يجوز إلا الإضافة كقوله هو منذر زيد أمس . ! 7 < { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } . > 7 ! ثم قال تعالى : { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } < < النازعات : ( 46 ) كأنهم يوم يرونها . . . . .
> > وتفسير هذه الآية قد مضى ذكره في قوله : { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } ( الاحقاف : 35 ) والمعنى أن ما أنكروه سيرونه حتى كأنهم أبدا فيه وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار ثم مضت { فان قيل } قوله : { أو ضحاها } معناه ضحى العشية وهذا غير معقول لأنه ليس للعشية ضحى : { قلنا } الجواب عنه من وجوه أحدها : قال عطاء عن ابن عباس : الهاء والألف صلة للكلام يريد لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى وثانيها : قال الفراء والزجاج : المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافتها إلى يوم العشية كأنه قيل : إلا عشية أو ضحى يومها ، والعرب تقول : آتيك العشية أو غداتها على ما ذكرنا وثالثها : أن النحويين قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، فالضحى المتقدم على عشية يصح أن يقال : إنه ضحى تلك العشية ، وزمان المحنة قد يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة قد يعبر عنه بالضحى ، فالذين يحضرون في موقف القيامة يعبرون عن زمان محنتهم بالعشية وعن زمان راحتهم بضحى تلك العشية فيقولون : كأن عمرنا في الدنيا ما كان إلا هاتين الساعتين ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة عبس ) 1 < > وهي أربعون وآيتان مكية ! 7 < { عبس وتولى أن جآءه الا عمى } . > 7 ! < < عبس : ( 1 ) عبس وتولى > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وأم مكتوم أم أبيه واسمه عبدالله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤى وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام ، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أقرئني وعلمني مما علمك الله ، وكرر ذلك ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه ، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ، ويقول : إذا رآه ( مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ) ويقول : هل لك من حاجة ، واستخلفه على المدينة مرتين ، وفي الموضع سؤالات :
الأول : أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر ، فكيف عاتب الله رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم وزجره ؟ وإنما قلنا : إنه كان يستحق التأديب لوجوه أحدها : أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم ، لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الكفار ، وكان يسمع أصواتهم أيضا ، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي إيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام ، وذلك معصية عظيمة وثانيها : أن الأهم مقدم على المهم ، وهو كان قد أسلم وتعلم ، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين ، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا ، وهو إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم ، فإلقاء ابن أم مكتوم ، ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم ، لغرض قليل وذلك محرم وثالثها : أنه تعالى قال : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } ( الحجرات : 4 ) فنهاهم عن مجرد النداء إلا في الوقت ، فههنا هذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان وكالقاطع / على الرسول أعظم مهماته ، أولى أن يكون ذنبا ومعصية ، فثبت بهذا أن الذي فعله ابن أم مكتوم كان ذنبا ومعصية ، وأن الذي فعله الرسول كان هو الواجب ، وعند هذا يتوجه السؤال في أنه كيف عاتبه الله تعالى على ذلك الفعل ؟ . السؤال الثاني : أنه تعالى لما عاتبه على مجرد أنه عبس في وجهه ، كان تعظيما عظيما من الله سبحانه لابن أم مكتوم ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكره باسم الأعمى مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضي تحقير شأنه جدا ؟ . السؤال الثالث : الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونا في أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة ، وأنه عليه الصلاة والسلام كثيرا ما كان يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء ، وكيف لا يكون كذلك وهو عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب ، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلا في إذن الله تعالى إياه في تأديب أصحابه ، وإذا كان ذلك مأذونا فيه ، فكيف وقعت المعاتبة عليه ؟ فهذا جملة ما يتعلق بهذا الموضع من الإشكالات والجواب عن السؤال الأول من وجهين الأول : أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء ، فلهذا السبب حصلت المعاتبة ، ونظيره قوله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى } ( الأنعام : 52 ) ، والوجه الثاني : لعل هذا العتاب لم يقع على ما صدر من الرسول عليه الصلاة والسلام من الفعل الظاهر / بل على ما كان منه في قلبه ، وهو أن قلبه عليه الصلاة والسلام كان قد مال إليهم بسبب قرابتهم وشرفهم وعلو منصبهم ، وكان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه وعدم قرابته وقلة شرفه ، فلما وقع التعبيس والتولي لهذه الداعية وقعت المعاتبة ، لا على التأديب بل على التأديب لأجل هذه الداعية والجواب عن السؤال الثاني أن ذكره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه ، بل كأنه قيل : إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق والرأفة ، فكيف يليق بك يا محمد أن تخصه بالغلظة والجواب عن السؤال الثالث أنه كان مأذونا في تأديب أصحابه لكن ههنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين ، فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة .
المسألة الثانية : القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بهذه الآية وقالوا : لما عاتبه الله في ذلك الفعل ، دل على أن ذلك الفعل كان معصية ، وهذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين لا بحسب هذا الاعتبار الواحد ، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وذلك غير لائق بصلابة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإذا كان كذلك ، كان ذلك جاريا مجرى ترك الاحتياط ، وترك الأفضل ، فلم يكن ذلك ذنبا ألبتة . المسألة الثالثة : أجمع المفسرون على أن الذي عبس وتولى ، هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأجمعوا ( على ) أن الأعمى هو ابن أم مكتوم ، وقرىء عبس بالتشديد للمبالغة ونحوه كلح في / كلح ، أن جاءه منصوب بتولى أو بعبس على اختلاف المذهبين في إعمال الأقرب أو الأبعد ومعناه عبس ، لأن جاءه الأعمى ، وأعرض لذلك ، وقرىء أن جاءه بهمزتين ، وبألف بينهما وقف على { عبس وتولى } ثم ابتدأ على معنى ألآن جاءه الأعمى ، والمراد منه الإنكار عليه ، واعلم أن في الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار ، كمن يشكو إلى الناس جانيا جنى عليه ، ثم يقبل على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجها بالتوبيخ وإلزام الحجة . ! 7 < { وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى } . > 7 ! < < عبس : ( 3 ) وما يدريك لعله . . . . . > > فيه قولان : الأول : أي شيء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى لعله يتطهر بما يتلقن منك ، من الجهل أو الإثم ، أو يتعظ فتنفعه ذكراك أي موعظتك ، فتكون له لطفا في بعض الطاعات ، وبالجملة فلعل ذلك العلم الذي يتلقفه عنك يطهره عن بعض مالا ينبغي ، وهو الجهل والمعصية ، أو يشغله ببعض ما ينبغي وهو الطاعة الثاني : أن الضمير في لعله للكافر ، بمعنى أنت طمعت في أن يزكى الكافر بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق : { وما يدريك } أن ما طمعت فيه كائن ، وقرىء فتنفعه بالرفع عطفا على يذكر ، وبالنصب جوابا للعل ، كقوله : { فأطلع إلى إلاه موسى } ( غافر : 37 ) وقد مر . ! 7 < { أما من استغنى } . > 7 ! ثم قال : { أما من استغنى } < < عبس : ( 5 ) أما من استغنى > > قال عطاء : يريد عن الإيمان ، وقال الكلبي : استغنى عن الله ، وقال بعضهم : استغنى أثرى وهو فاسد ههنا ، لأن إقبال النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى ، فأنت تقبل عليه ، ولأنه قال : { وأما من جاءك يسعى وهو يخشى } ( عبس : 9 , 8 ) ولم يقل : وهو فقير عديم ، ومن قال : أما من استغنى بماله فهو صحيح ، لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن ، بماله من المال . ! 7 < { فأنت له تصدى } . > 7 ! < < عبس : ( 6 ) فأنت له تصدى
> > قال الزجاج : أي أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه ، يقال تصدى فلان لفلان ، يتصدى إذا تعرض له ، والأصل فيه تصدد يتصدى من الصدد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك ، وقد ذكرنا مثل هذا من قوله : { إلا مكاء وتصدية } ( الأنفال : 35 ) وقرىء : تصدى بالتشديد بإدغام التاء في الصاد ، وقرأ أبو جعفر : تصدى ، بضم التاء ، أي تعرض ، ومعناه يدعوك ( داع إلى ) التصدي له من الحرص ، والتهالك على إسلامه . ! 7 < { وما عليك ألا يزكى } . > 7 ! ثم قال تعالى : { وما عليك ألا يزكى } < < عبس : ( 7 ) وما عليك ألا . . . . . > > المعنى لا شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم . ! 7 < { وأما من جآءك يسعى وهو يخشى } . > 7 < عبس : ( 8 - 9 ) وأما من جاءك . . . . . > > / ثم قال : { وأما من جاءك يسعى } أن يسرع في طلب الخير ، كقوله : { فاسعوا إلى ذكر الله } الجمعة : 9 ) . وقوله : { وهو يخشى } فيه ثلاثة أوجه يخشى الله ويخافه في أن لا يهتم بأداء تكاليفه ، أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك ، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى ، وما كان له قائد . ! 7 < { فأنت عنه تلهى } . > 7 ! ( ثم قال ) : { فأنت عنه تلهى } < < عبس : ( 10 ) فأنت عنه تلهى > > أي تتشاغل من لهى عن الشيء والتهى وتلهى ، وقرأ طلحة بن مصرف . تتلهى ، وقرأ أبو جعفر { تلهى } أي يلهيك شأن الصناديد ، فإن قيل قوله : { فأنت له تصدى فأنت عنه تلهى } كان فيه اختصاصا ، قلنا نعم ، ومعناه إنكار التصدي والتلهي عنه ، أي مثلك ، خصوصا لا ينبغى أن يتصدى للغني ، ويتلهى عن الفقير . ! 7 < { كلا إنها تذكرة } . > 7 ! < < عبس : ( 11 ) كلا إنها تذكرة > > ثم قال : { كلا } وهو ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله . قال الحسن : لما تلا جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات عاد وجهه ، كأنما أسف الرماد فيه ينتظر ماذا يحكم الله عليه ، فلما قال : { كلا } سرى منه ، أي لا تفعل مثل ذلك ، وقد بينا نحن أن ذلك محمول على ترك الأولى . ثم قال : { إنها تذكرة } وفيه سؤالان :
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?