Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الأول : قوله : { أنها } ضمير المؤنث ، وقوله : { فمن شاء ذكره } ( عبس : 12 ) ضمير المذكر ، والضميران عائدان إلى شيء واحد ، فكيف القول فيه ؟ الجواب : وفيه وجهان الأول : أن قوله : { أنها } ضمير المؤنث ، قال مقاتل : يعني آيات القرآن ، وقال الكلبي : يعني هذه السورة وهو قول الأخفش والضمير في قوله : { فمن شاء ذكره } عائد إلى التذكرة أيضا ، لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ الثاني : قال صاحب ( النظم ) : { إنها تذكرة } يعني به القرآن والقرآن مذكر إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة أخرجه على لفظ التذكرة ، ولو ذكره لجاز كما قال في موضع آخر : { كلا إنه تذكرة } ( المدثر : 54 ) والدليل على أن قوله : { إنها تذكرة } المراد به القرآن قوله : { فمن شاء ذكره } . السؤال الثاني : كيف اتصال هذه الآية بما قبلها ؟ الجواب : من وجهين الأول : كأنه قيل : هذا التأديب الذي أوحيته إليك وعرفته لك في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا أثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة الثاني : كأنه قيل : هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم ، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار ، فسواء قبلوه أو لم يقبلوه فلا تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم ، وإياك وأن تعرض عمن آمن به تطييبا لقلب أرباب الدنيا . ! 7 < { فمن شآء ذكره فى صحف مكرمة مرفوعة مطهرة } . > 7 < عبس : ( 12 - 14 ) فمن شاء ذكره > > / قوله : { فمن شاء ذكره } أي هذه تذكرة بينة ظاهرة بحيث لو أرادوا فهمها والاتعاظ بها والعمل بموجبها لقدروا عليه والثاني : قوله : { فى صحف مكرمة } أي تلك التذكرة معدة في هذه الصحف المكرمة ، والمراد من ذلك تعظيم حال القرآن والتنويه بذكره والمعنى أن هذه التذكرة مثبتة في صحف ، والمراد من الصحف قولان : الأول : أنها صحف منتسخة من اللوح مكرمة عند الله تعالى مرفوعة في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار مطهر عن أيدي الشياطين ، أو المراد مطهرة بسبب أنها لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة . ! 7 < { بأيدى سفرة كرام بررة } . > 7 ! ثم قال تعالى : { بأيدى سفرة كرام بررة } < < عبس : ( 15 ) بأيدي سفرة > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : أن الله تعالى وصف الملائكة بثلاثة أنواع من الصفات : أولها : أنهم سفرة وفيه قولان : الأول : قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة : هم الكتبة من الملائكة ، قال الزجاج : السفرة الكتبة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب ، وإنما قيل للكتبة : سفرة وللكاتب سافر ، لأن معناه أنه الذي يبين الشيء ويوضحه يقال : سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها القول الثاني : وهو اختيار الفراء أن السفرة ههنا هم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله وبين رسله ، واحدها سافر ، والعرب تقول : سفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم ، فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته ، كالسفير الذي يصلح به بين القوم ، وأنشدوا : وما أدع السفارة بين قومي وما أمشى بغش إن مشيت واعلم أن أصل السفارة من الكشف ، والكاتب إنما يسمى سافرا لأنه يكشف ، والسفير إنما سمي سفيرا أيضا لأنه يكشف ، وهؤلاء الملائكة لما كانوا وسايط بين الله وبين البشر في البيان والهداية والعلم ، لا جرم سموا سفرة .
الصفة الثانية لهؤلاء الملائكة : أنهم { كرام } قال مقاتل : كرام على ربهم ، وقال عطاء : يريد أنهم يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة . الصفة الثانية : أنهم : { بررة } قال مقاتل : مطيعين ، وبررة جمع بار ، قال الفراء : لا يقولون فعلة للجمع إلا والواحد منه فاعل مثل كافر وكفرة ، وفاجر وفجرة القول الثاني : في تفسير الصحف : أنها هي صحف الأنبياء لقوله : { إن هاذا لفى الصحف الاولى } الأعلى : 18 ) يعني أن هذه التذكرة مثبتة في صحف الأنبياء المتقدمين ، والسفرة الكرام البررة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل هم القراء . / المسألة الثانية : قوله تعالى : { مطهرة بأيدى سفرة } يقتضي أن طهارة تلك الصحف إنما حصلت بأيدي هؤلاء السفرة ، فقال القفال في تقريره : لما كان لا يمسها إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهير إليها لطهارة من يسمها . ! 7 < { قتل الإنسان مآ أكفره } . > 7 ! < < عبس : ( 17 ) قتل الإنسان ما . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين ، عجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه قيل : وأي سبب في هذا العجب والترفع مع أن أوله نطفة قذوة وآخره جيفة مذرة ، وفيها بين الوقتين حمال عذرة ، فلا جرم ذكر تعالى ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم ، وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم ، فإن خلقة الإنسان تصلح لأن يستدل بها على وجود الصانع ، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر والنشر . المسألة الثانية : قال المفسرون : نزلت الآية في عتبة بن أبي لهب ، وقال آخرون : المراد بالإنسان الذين أقبل الرسول عليهم وترك ابن أم مكتوم بسببهم ، وقال آخرون : بل المراد ذم كل غني ترفع على فقير بسبب الغنى والفقر ، والذي يدل على ذلك وجوه أحدها : أنه تعالى ذمهم لترفعهم فوجب أن يعم الحكم بسبب عموم العلة وثانيها : أنه تعالى زيف طريقتهم بسبب حقارة حال الإنسان في الابتداء والانتهاء على ما قال : { من نطفة خلقه ثم أماته فأقبره } ( عبس : 21 , 19 ) وعموم هذا الزجر يقتضي عموم الحكم وثالثها : وهو أن حمل اللفظ على هذا الوجه أكثر فائدة ، واللفظ محتمل له فوجب حمله عليه . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { قتل الإنسان } دعاء عليه وهي من أشنع دعواتهم ، لأن القتل غاية شدائد الدنيا وما أكفره تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله ، فقوله : { قتل الإنسان } تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب ، وقوله : { ما أكفره } تنبيه على أنواع القبائح والمنكرات ، فإن قيل الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز والقادر على الكل كيف يليق به ذاك ؟ والتعجب أيضا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء ، فالعالم بالكل كيف يليق به ذاك ؟ الجواب : أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب وتحقيقة ما ذكرنا أنه تعالى بين أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب لأجل أنهم أتوا بأعظم أنواع القبائح ، واعلم أن لكل محدث ثلاث مراتب أوله ووسطه وآخره ، وأنه تعالى ذكر هذه المراتب الثلاثة للإنسان . ! 7 < { من أى شىء خلقه } . > 7 ! أما المرتبة الأولى : فهي قوله : { من أى شىء خلقه } < < عبس : ( 18 ) من أي شيء . . . . . > > وهو استفهام وغرضه زيادة التقرير في التحقير . ! 7 < { من نطفة خلقه فقدره } . > 7 !
< < عبس : ( 19 ) من نطفة خلقه . . . . . > > ثم أجاب عن ذلك الاستفهام بقوله : { من نطفة خلقه } ولا شك أن النطفة شيء حقير مهين / والغرض منه أن من كان أصله ( من ) مثل هذا الشيء الحقير ، فالنكير والتجبر لا يكون لائقا به . ثم قال : { فقدره } وفيه وجوه : أحدها قال الفراء : قدره أطوارا نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه وذكرا أو أنثى وسعيدا أو شقيا وثانيها : قال الزجاج : المعنى قدره على الاستواء كما قال : { أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } ( الكهف : 37 ) ، وثالثها : يحتمل أن يكون المراد وقدر كل عضو في الكمية والكيفية بالقدر اللائق بمصلحته ، ونظيره قوله : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } ( الفرقان : 2 ) . ! 7 < { ثم السبيل يسره } . > 7 < عبس : ( 20 ) ثم السبيل يسره > > وأما المرتبة الثانية : وهي المرتبة المتوسطة فهي قوله تعالى : { ثم السبيل يسره } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : نصب السبيل بإضمار يسره ، وفسره بيسره . المسألة الثانية : ذكروا في تفسيره أقوالا أحدها : قال بعضهم : المراد تسهيل خروجه من بطن أمه ، قالوا : إنه كان رأس المولود في بطن أمه من فوق ورجلاه من تحت ، فإذا جاء وقت الخروج انقلب ، فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام إلا الله ، ومما يؤكد هذا التأويل أن خروجه حيا من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب وثانيها : قال أبو مسلم : المراد من هذه الآية ، هو المراد من قوله : { وهديناه النجدين } ( البلد : 10 ) فهو يتناول التمييز بين كل خير وشر يتعلق بالدنيا ، وبين كل خير وشر يتعلق بالدين أي جعلناه متمكنا من سلوك سبيل الخير والشر ، والتيسير يدخل فيه الإقدار والتعريف والعقل وبعثة الأنبياء ، وإنزال الكتب وثالثها : أن هذا مخصوص بأمر الدين ، لأن لفظ السبيل مشعر بأن المقصود أحوال الدنيا ( لا ) أمور تحصل في الآخرة . وأما المرتبة الثانية : وهي المرتبة الأخيرة ، فهي قوله تعالى : { ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره } . < < عبس : ( 21 ) ثم أماته فأقبره
> > واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضا على ثلاث مراتب ، الإماتة ، والإقبار ، والإنشار ، أما الإماتة فقد ذكرنا منافعها في هذا الكتاب ، ولا شك أنها هي الواسطة بين حال التكليف والمجازاة ، وأما الإقبار فقال الفراء : جعله الله مقبورا ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع ، لأن القبر مما أكرم به المسلم قال : ولم يقل فقبره ، لأن القابر هو الدافن بيده ، والمقبر هو الله تعالى ، يقال قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت ، إذا أمر غيره بأن يجعله في القبر ، والعرب تقول : بترت ذنب البعير ، والله أبتره وعضبت قرن الثور ، والله أعضبه ، وطردت فلانا عني ، والله أطرده . أي صيره طريدا ، وقوله تعالى : { ثم إذا شاء أنشره } المراد منه الإحياء ( و ) البعث ، وإنما قال : إذا شاء إشعارا بأن وقته غير معلوم لنا ، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى ، وأما سائر الأحوال / المذكورة قبل ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه ، إذا الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ففي الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حدا معلوما . ! 7 < { ثم أماته فأقبره ثم إذا شآء أنشره كلا لما يقض مآ أمره فلينظر الإنسان إلى طعامه ! 7 < ط { أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الا رض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدآئق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولانعامكم فإذا جآءت الصآخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولائك هم الكفرة الفجرة } . > 7 ! واعلم أن قوله { كلا } ردع للإنسان عن تكبره وترفعه ، أو عن كفره وإصراره على إنكار التوحيد ، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر ، وفي قوله : { لما يقض ما أمره } وجوه . أحدها : قال مجاهد : لا يقضي أحد جميع ما كان مفروضا عليه أبدا ، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن تقصير البتة ، وهذا التفسير عندي فيه نظر ، لأن قوله : { لما يقض } الضمير فيه عائد إلى المذكور السابق ، وهو الإنسان في قوله : { قتل الإنسان ما أكفره } وليس المراد من الإنسان ههنا جميع الناس بل الإنسان الكافر فقوله : { لما يقض } كيف يمكن حمله على جميع الناس ؟ وثانيها : أم يكون المعنى أن الإنسان المترفع المتكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر ، إذ المعنى أن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمر به من التأمل في دلائل الله ، والتدبر في عجائب خلقه وبينات حكمته . وثالثها : قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : كلا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره من الإيمان وترك التكبر ، بل أمره بما لم يقض له به . واعلم أن عادة الله تعالى جارية في القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس ، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق فجرى ههنا على تلك العادة وذكر الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه .
فقال : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } الذي يعيش به كيف دبرنا أمره ، ولا شك أنه موضع الاعتبار ، فإن الطعام الذي يتناول الإنسان له حالتان . إحداهما : متقدمة وهي الأمور التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود . والثانية : متأخرة ، وهي الأمور التي لا بد منها في بدن الإنسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول ، ولما كان النوع الأول أظهر للحسن وأبعد عن الشبهة ، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكره ، لأن دلائل القرآن لا بد وأن تكون بحيث ينتفع بها كل الخلق ، فلا بد وأن تكون أبعد عن اللبس والشبهة ، وهذا هو المراد من قوله : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } واعلم أن النبت أنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض ، فالسماء كالذكر ، والأرض كالأنثى فذكر في بيان نزل القطر . قوله : { أنا صببنا الماء صبا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله { صببنا } المراد منه الغيث ، ثم انظر في انه كيف حدث الغيث المشتمل على هذه المياه العظيمة ، وكيف بقي معلقا في جو السماء مع غاية ثقله ، وتأمل في أسبابه القريبة والبعيدة ، حتى يلوح لك شيء من آثار نور الله وعدله وحكمته ، وفي تدبير خلقة هذا العالم . المسألة الثانية : قرئ إنا بالكسر ، وهو على الاستئناف ، وأنا بالفتح على البدل من الطعام والتقدير : { فلينظر الإنسان } إلى أنا كيف { صببنا الماء } قال أبو علي الفارسي : من قرأ بكسر إنا كان ذلك تفسيرا للنظر إلى طعانه كما أن قوله { لهم مغفرة } [ النور : 26 ] تفسير للوعد ، ومن فتح فعلى معنى البدل بدل الاشتمال ، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه ، فهو كقوله : { ويسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [ البقرة : 217 ] وقوله { قتل أصحاب الأخدود ، النار } [ البروج : 4 ] قوله تعالى { ثم شققنا الأرض شقا } والمراد شق الأرض بالنبات ، ثم ذكر تعالى ثمانية أنواع من النبات : أولها : الحب : وهو المشار إليه بقوله : { فأنبتنا فيها حبا } وهو كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما ، وإنما قدم ذلك لأنه كالأصل في الأغذية . وثانيها : قوله تعالى { وعنبا } وإنما ذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه . وثالثها : قوله تعالى : { وقضبا } وفيه قولان : الأول : أنه الرطبة وهي التي إذا يبست سميت بالقت ، وأهل مكة يسمونها بالقضب وأصله من القطع ، وذلك لأنه يقضب مرة بعد أخرى ، وكذلك القضيب لأنه يقضب أي يقطع . وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبي عبيدة والأصمعي . والثاني : قال المبرد : القضب هو العلف بعينه ، وأصله من أنه يقضب أي يقطع وهو قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبي عبيدة والأصمعي . والثاني : قال المبرد : القضب هو العلف بعينه ، وأصله من أنه يقضب أي يقطع وهو قول الحسن . والرابع والخامس : قوله تعالى : { وزيتونا ونخلا } ومنافعهما قد تقدمت في هذا الكتاب . وسادسها : قوله تعالى : { وحدائق غلبا } الأصل في الوصف بالغلب الرقاب فالغلب الغلاظ الأعناق الواحد أغلب يقال أسد أغلب . ثم ههنا قولان : الأول : أن يكون المراد وصف كب حديقة بأن أشجارها متكاثفة متقاربة ، وهذا قول مجاهد ومقاتل قالا : الغلب الملتفة الشجر بعضه من بعض ، يقال : اغلولب العشب واعلولبت الأرض إذا التف عشبها .
والثاني : أن يكون المراد وصف كل واحد من الأشجار بالغلظ والعظم ، قال عطاء عن ابن عباس : يريد الشجر العظام ، وقال الفراء : الغلب ما غلظ من النخل . وسابعها : قوله : { وفاكهة } وقد استدل بعضهم بأن الله تعالى لما ذكر الفاكهة معطوفة على العنب والزيتون والنخل وجب أن لا تدخل هذه الأشياء في الفاكهة ، وهذا قريب من جهة الظاهر ، لأن المعطوف مغاير للمعطوف عليه . وثامنها : قوله تعالى : { وأبا } والأب هو المرعى ، قال صاحب الكشاف لأنه يؤب أي يؤم وينتجع ، والأب والأم أخوان ، قال الشاعر : جذمنا قيس ونجد دارنا لنا الأب به والمكرع وقيل : الأب الفاكهة اليابسة لأنها تؤب للشتاء أي تعد ، ولما ذكر الله تعالى ما يتغذى به الناس والحيوان قال : { متاعا لكم ولأنعامكم } . قال الفراء : خلقناه منفعة ومتعة لكم ولأنعامكم ، وقال الزجاج : هو منصوب لأنه مصدر مؤكد لقوله : { فأنبتنا } لأن إنباته هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوان . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء وكان المقصود منها أمورا ثلاثة : أولها : الدلائل الدالة على التوحيد . وثانيها : الدلائل الدالة على القدرة على المعاد . وثالثها : أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيدة بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان ، لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن طاعته وأن يتكبر على عبيدة ؛ أتبع هذه الجملة بما يكون مؤكدا لهذه الأغراض وهو شرح أهوال القيامة ، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر ، ويدعوه ذلك أيضا إلى ترك التكبر على الناس ، وإلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر ، ويدعوه ذلك أيضا إلى ترك التكبر على الناس ، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد فلا جرم ذكر القيامة فقال : { فإذا جاءت الصاخة } قال المفسرون : يعني صيحة القيامة وهي النفخة الأخيرة ، قال الزجاج : أصل الصخ في اللغة الطعن والصك ، يقال صخ رأسه بحجر أي شدخه والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن ، فمعنى الصاخة الصاكة بشدة صوتها لللآذان وذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال : يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له ، فوصفت النفخة بالصاخة مجازا لأن الناس يصخون لها أي يستمعون . ثم إنه تعالى وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى : { يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو التباعد والاحتراز والسبب في ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات ، يقول الأخ ما واسيتني بمالك ، والأبوان يقولان قصرت في برنا ، والصاحبة تقول أطعمتني الحرام ، وفعلت وصنعت ، والبنون يقولون ما علمتنا وما أرشدتنا ، وقيل : أول من يفر من أخيه هابيل ، ومن أبويه إبراهيم ، ومن صاحبته نوح ولوط ، ومن ابنه نوح ، ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد ، بل المعنى أنه يوم يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه ، وهو كقوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [ البقرة : 166 ] وأما الفرار من نصرته ، وهو كقوله تعالى : { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا } [ الدخان : 41 ] وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى : { ولا يسأل حميم حميما } [ المعارج : 10 ] .
المسألة الثانية : المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم ، فإنه يفر منهم في دار الآخرة ، ذكروا في فائدة الترتيب كأنه قيل : { يوم يفر المرء من أخيه } بل من أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد ، لأن تعلق القلب بهما من تعلقه بالأبوين . ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى : { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } وفي قوله : { يغنيه } وجهان : الأول : قال ابن قتيبة : يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد : سيغنيك حرب بني مالك عن الفحش والجهل في المحفل أي سيشغلك ، ويقال : أغن عني وجهك أي اصرفه . الثاني : قال أهل المعاني : يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره ، فلم يبق فيه متسع لهم آخر ، فصار شبيها بالغني في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شيء كثير . واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول ، بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم السعداء ، ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة ، ضاحكة مستبشرة } مسفرة مضيئة متهللة ، من أسفر الصبح إذا أضاء ، وعن ابن عباس : من قيام الليل لما روي من كثرت صلاته بالليل ، حسن وجهه بالنهار ، وعن الضحاك : من آثار الوضوء ، وقيل من طول ما اغبرت في سبيل الله ، وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة ، قال الكلبي : يعني بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه ، واعلم أن قوله مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته وأما الضاحكة والمستبشرة ، فهما محمولتان على القوة النظرية والعملية ، أو على وجدان المنفعة ووجدان التعظيم . ! 7 < { ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ، أولئك هم الكفرة الفجرة } > 7 ! قال المبرد : الغبرة ما يصيبب الإنسان من الغبار ، وقوله : { ترهقها } اي تدركها عن قرب ، كقولك : رهقت الجبل إذا لحقته لسرعة ، والرهق عجلة الهلاك ، والقترة سواد الدخان ، ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه ، كما ترى وجوه الزنوج إذا غبرت ، وكأن الله تعالى جمع في وجوههم بين السواد والغبرة ، كما جمعوا بين الكفر والفجور ، والله أعلم . واعلم أن المرجئة والخوارج تمسكوا بهذه الآية ، أما المرجئة فقالوا : إن هذه الآية دلت على أن أهل القيامة قسمان : أهل الثواب ، وأهل العقاب . دلت على أن أهل العقاب هم الكفرة ، وثبت بالدليل أن الفساق من أهل الصلاة ليسوا بكفرة ، وإذا لم يكونوا من الكفرة كانوا من أهل الثواب ، وذلك يدل على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس له عقاب ، وأما الخوارج فإنهم قالوا : دلت سائر الدلائل على أن صاحب الكبيرة يعاقب ، ودلت هذه الآية على أن كل من يعاقب فإنه كافر ، فيلزم أن كل مذنب فإنه كافر . والجواب : أكثر ما في الباب أن المذكور ههنا هو هذا الفريقان ، وذلك لا يقتضي نفي الفريق الثالث ، والله أعلم ؛ والحمد لله رب العالمين وصلاه \ ته على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين . < > 1 ( سورة التكوير ) 1 < 7 < { إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السمآء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس مآ أحضرت فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس } . > 7 ! بسم الله الرحمن الرحيم < <
التكوير : ( 1 ) إذا الشمس كورت > > اعلم أنه تعالى ذكر اثني عشر شيئا ، وقال : إذا وقعت هذه الأشياء فهنالك { علمت نفس ما أحضرت } [ التكوير : 14 ] . فالأول : قوله تعالى : { إذا الشمس كورت } وفي التكوير وجهان : أحدهما : التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة ، وفي الحديث : < < نعوذ بالله من الحور بعد الكور > > أي من التشتت بعد الألفة . والطي واللف والكور والتكوير واحد ، وسميت كارة القصار كارة لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد ، ثم إن الشيء الذي يلف لا شك أنه يصير مختفيا عن الأعين ، فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس وتصييرها غائبة عن الأعين بالتكوير ، فلهذا قال بعضهم : كورت أي طمست ، وقال آخرون : انكسفت ، وقال الحسن : محي ضوؤها وقال المفضل بن سلمة : كورت أي ذهب ضوؤها ، كأنها استترت في كارة . الوجه الثاني : في التكوير يقال : كورت الحائط ودهورته إذا طرحته حتى يسقط ، قال الأصمعي : يقال طعنه فكوره إذا صرعه ، فقوله : { إذا الشمس كورت } ، أي ألقيت ورميت عن الفلك ، وفيه قول ثالث : يروى عن عمر أنه لفظة مأخوذة من الفارسية ، فإنه يقال للأعمى كور ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية ؟ الجواب : بل على الفاعلية رافعها فعل مضمر ، يفسره كورت لأن { إذا } يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط . السؤال الثاني : روي أن الحسن جلس بالبصرة إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن فحدث عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : < < إن الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة > > قال الحسن : وما ذنبهما ؟ قال : إني أحدثك عن رسول الله . فسكت الحسن . والجواب : أن سؤال الحسن ساقط ، لأن الشمس والقمر جمادان فإلقاؤهما في النار لا يكون سببا لمضرتهما ، ولعل ذلك يصير سببا لازدياد الحر في جهنم ، فلا يكون هذا الخبر على خلاف العقل . الثاني : قوله تعالى : { إذا النجوم انكدرت } أي تناثرت وتساقطت كما قال تعالى : { وإذا الكواكب انتثرت } [ الانفطار : 2 ] والأصل في الانكدار الانصباب ، قال الخليل : يقال انكدر عليهم القول إذا جاءوا أرسالا فانصبوا عليهم ، قال الكلبي : تمطر السماء يومئذ نجوما فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على وجه الأرض ، قال عطاء : وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور ، وتلك السلاسل في أيدي الملائكة ، فإذا مات في السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة . الثالث : قوله تعالى : { وإذا الجبال سيرت } أي عن وجه الأرض كقوله : { وسيرت الجبال فكانت سرابا } [ النبأ : 20 ] أو في الهواء كقوله : { تمر مر السحاب } [ النمل : 88 ] . الرابع : قوله : { وإذا العشار عطلت } فيه قولان :
القول الأول : المشهور أن ( العشار ) جمع عشراء كالنفاس في جمع نفساء ، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر ، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة ، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعزها عليهم ، و { عطلت } قال ابن عباس : أهملها أهلها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة ، وليس شيء أحب إلى العرب من النوق الحوامل ، وخوطب العرب بأمر العشار لأن أكثر مالها وعيشها من الإبل . والغرض من ذلك ذهاب الأموال وبطلان الأملاك ، واشتغال الناس بأنفسهم كما قال : { يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم } [ الشعراء : 88 ] وقال : { لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } [ الأنعام : 94 ] . والقول الثاني : أن العشار كناية عن السحاب تعطلت عما فيها من الماء ، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه أشبه بسائ ما قبله ، وأيضا فالعرب تشبه السحاب بالحامل ، قال تعالى : { فالحاملات وقرا } [ الذاريات : 2 ] . الخامس : قوله تعالى : { وإذا الوحش حشرت } كل شيء من دواب البر مما لا يستأنس فهو وحش ، والجمع الوحوش ، { وحشرت } جمعت من كل ناحية ، قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص ، قال المعتزلة : إن الله تعالى يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها على آلامها التي وصلت إليها في الدنيا بالموت والقتل وغير ذلك ، فإذا عوضت على تلك الآلام ، فإن شاء الله أن يبقى بعضها في الجنة إذا كان مستحسنا فعل ، وإن شاء أن يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر ، وأما أصحابنا فعندهم أنه لا يجب على الله شيء بحكم الاستحقاق ، ولكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء ، ثم يقال لها موتي فتموت ، والغرض من ذكر هذه القصة ههنا وجوه . أحدها : أنه تعالى إذا كان [ يوم القيامة ] يحشر كل الحيوانات إظهارا للعدل ، فكيف يجوز مع هذا أن لا يحشر المكلفين من الإنس والجن ؟ الثاني : أنها تجتمع في موقف القيامة مع شدة نفرتها عن الناس في الدنيا وتبددها في الصحاري ، فدل هذا على أن اجتماعها إلى الناس ليس إلا من هول ذلك اليوم . والثالث : أن هذه الحيوانات بعضها غذاء للبعض ، ثم إنها في ذلك اليوم لا تجتمع ولا يتعرض بعضها لبعض ، وما ذاك إلا لشدة هول ذلك اليوم ، وفي الآية قول آخر لابن عباس وهو أن حشر الوحوش عبارة عن موتها ، يقال - إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم - حشرتهم السنة ، وقرئ حشرت بالتشديد .
السادس : قوله تعالى : { وإذا البحار سجرت } قرئ بالتخفيف والتشديد ، وفيه وجوه : أحدها : أن أصل الكلمة من سجرت التنور إذا أوقدتها ، والشيء إذا وقد فيه نشف ما فيه من الرطوبة ، فحينئذ لا يبقى في البحار شيئا واحدا في غاية الحرارة والإحراق ، ويحتمل أن تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت فارتفعت فاستوت برؤوس الجبال ، ويحتمل أن الجبال لما اندكت وتفرقت أجزاؤها وصارت كالتراب وقع ذلك التراب في أسفل الجبال ، فصار وجه الأرض مستويا مع البحار ، ويصير الكل بحرا مسجورا . وثانيها : أن يكون { سجرت } بمعنى ' فجرت ' وذلك لأن بين البحار حاجزا على ما قال { مرج البحرين يلتقيان ، بينهما برزخ لا يبغيان } [ الرحمن : 19 ] فإذا رفع الله ذلك الحاجز فاض البعض في البعض ، وصارت البحار بحرا واحدا ، وهو قول الكلبي . وثالثها : { سجرت } أوقدت ، قال القفال : وهذا التأويل يحتمل وجوها . الأول : أن تكون جهنم في قعور البحار ، فهي الآن غير مسجورة لقيام الدنيا ، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله تأثير تلك النيران إلى البحار ، فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك . والثاني : أن الله تعالى يلقي الشمس والقمر والكواكب في البحار ، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك . والثالث : أن يخلق الله تعالى بالبحار نيرانا عظيمة حتى تتسخن تلك المياه . وأقول هذه الوجوه متكلفة لا حاجة إلى شيء منها ، لأن القادر على تخريب الدنيا وإقامة القيامة لا بد وأن يكون قادرا على أن يفعل بالبحار ما شاء من تسخين ، ومن قلب مياهها نيرانا من غير حاجة منه إلى أن يلقي فيها الشمس والقمر ، وأن يكون تحتها نار جهنم . واعلم أن هذه العلامات الست يمكن وقوعها في أول زمان تخريب الدنيا ، ويمكن وقوعها أيضا بعد قيام القيامة ، وليس في اللفظ ما يدل على أحد الاحتمالين . أما بالستة الباقية فإنها مختصة بالقيامة . السابع : قوله تعالى : { وإذا النفوس زوجت } وفيه وجوه . أحدها : قرنت الأرواح بالأجساد وثانيها : قال الحسن : يصيرون فيها ثلاثة أزواج كما قال : { وكنتم أزواجا ثلاثة ، فأصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ، والسابقون السابقون } [ الواقعة : 8 ] . وثالثها : أنه يضم كل صنف من كان في طبقته من الرجال والنساء ، فيضم المبرز في الطاعات إلى مثله ، والمتوسط إلى مثله وأهل المعصية إلى مثله ، فالتزويج أن يقرن الشيء بمثله ، والمعنى أن يضم كل واحد إلى طبقته في الخير والشر . ورابعها : يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان كما قال : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } [ الصافات : 22 ] قيل : فزدناهم من الشياطين . وخامسها : قال ابن عباس : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين . وسادسها : قرن كل امرئ بشيعته اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني ، وقد ورد فيه خبر مرفوع . وسابعها : قال الزجاج : قرنت النفوس بأعمالها . واعلم أنك إذا تأملت في الأقوال التي ذكرناها أمكنك أن تزيد عليها ما شئت . الثامن : قوله تعالى : { وإذا الموءودة سئلت ، بأي ذنب قتلت } فيه مسائل :
المسألة الأولى : وأد يئد مقلوب من آد يئود أودا ثقل قال تعالى : { ولا يؤوده حفظهما } [ البقرة : 255 ] أي يثقله ؛ لأنه إثقال بالتراب كان الرجل إذا ولدت له بنت فاراد بقار حياتها ألبسها جبة من صوف أو شعر لترعى له الإبل والغنم في البادية ، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتها ستة أشبار فيقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أقاربها وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيبلغ بها إلى البئر فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوي البئر بالأرض ، وقيل : كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتا رمتها في الحفرة ، وإذا ولدت ابنا أمسكته ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : ما الذي حملهم على وأد البنات ؟ الجواب : الخوف من لحوق العار بهم من أجلهم أو الخوف من الإملاق ، كما قال تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } [ الإسراء : 31 ] وكانوا يقولون : إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات بالملائكة ، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد فافتخر الفرزدق به في قوله : ومنا الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم توأد السؤال الثاني : فما معنى سؤال الموءودة عن ذنبها الذي قتلت به ، وهلا شئل الوائد عن موجب قتله لها ؟ الجوال : سؤالها وجوابها تبكيب لقاتلها ، وهو كتبكيت النصارى في قوله لعيسى : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ألهين من دون الله ، قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } [ المائدة : 116 ] . المسألة الثانية : قرئ سألت ، أي خاصمت عن نفسها ، وسألت الله أو قاتلها ، وقرئ قتلت بالتشديد ، فإن قيل اللفظ المطابق أن يقال : { سئلت بأي ذنب قتلت } ومن قرأ سألت فالمطابق أن يقرأ { بأي ذنب قتلت } فما الوجه في القراءة المشهورة ؟ قلنا : الجواب من وجهين . الأول : تقدير الآية : وإذا الموءودة سئلت [ أي سئل ] الوائدون عن أحوالها بأي ذنب قتلت . والثاني : أن الإنسان قد يسأل عن حال نفسه عند المعاينة بلفظ المغايبة ؛ كما إذا أردت أن تسال زيدا عن حال من أحواله ، فتقول : ماذا فعل زيد في ذلك المعنى ؟ ويكون زيد هو المسئول ، وهو المسؤول عنه ، فكذا ههنا . التاسع : قوله تعالى : { وإذا الصحف نشرت } قرئ بالتخفيف والتشديد يريد صحف الأعمال تطوي صحيفة الإنسان عند موته ، ثم تنشر إذا حوسب ، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها ، أي فرقت بينهم . العاشر : قوله تعالى : { وإذا السماء كشطت } أي كشفت وأزيلت عما فوقها ، وهو الجنة وعرش الله ، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة ، والغطاء عن الشيء ، وقرأ ابن مسعود : قشطت ، واعتقاب القاف والكاف كثير ، يقال لبكت الثريد ولبقته ، والكافور والقافور ، قال الفراء : نزعت فطويت . الحادي عشر : قوله تعالى : { وإذا الجحيم سعرت } أوقدت إيقادا شديدا وقرئ سعرت بالتشديد للمبالغة ، قيل سعرها غضب الله ، وخطايا بني آدم ، واحتج بهذه الآية من قال : النار غير مخلوقة الآن ، قالوا : لأنها تدل على أن تسعيرها معلق بيوم القيامة . الثاني عشر : قوله تعالى : { وإذا الجنة أزلفت } أي أدنيت من المتقين ، كقوله : { وأزلفت الجنة للمتقين } [ الشعراء : 90 ] .
ولما ذكر الله تعالى هذه الأمور الأثنى عشر ذكر الجزاء المرتب على الشروط الذي هو مجموع هذه الأشياء فقال : { علمت نفس ما أحضرت } ومن المعلوم أن العمل لا يمكن إحضاره ، فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها ، وما أحضرته عند المحاسبة وعند الميزان من آثار تلك الأعمال ، والمراد : ما أحضرت من استحقاق الجنة والنار . ( فإن قيل ) : كل نفس تعلم ما أحضرت ، لقوله : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محتضرا } [ آل عمران : 30 ] فما معنى قوله { علمت نفس } ؟ قلنا : الجواب من وجهين . الأول : أن هذا هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط ، وإن كان اللفظ موضوعا للقليل ، ومنه قوله تعالى : { ربما يود الذين كفروا } [ الحجر : 2 ] كمن يسأل فاضلا مسألة ظاهرة ويقول هل عندك فيها شيء ؟ فيقول : ربما حضر شيء ؛ وغرضه الإشارة إلى أن عنده في تلك المسألة ما لا يقول به غيره . فكذا ههنا . الثاني : لعل الكفار كانوا يتعبون أنفسهم في الأشياء التي يعتقدونها طاعات ثم بدا لهم يوم القيامة خلاف ذلك فهو المراد من هذه الآية . قوله تعالى : { فلا أقسم بالخنس ، الجواري الكنس } الكلام في قوله : { لا أقسم } قد تقدم في قوله : { لا أقسم بيوم القيامة } ( القيامة : 1 ) ، { الجوار الكنس } فيه قولان : الأول : وهو المشهور الظاهرة أنها النجوم الخنس جمع خانس ، والخنوس والانقباض والاستخفاء تقول : خنس من بين القوم وانخنس ، وفي الحديث ( الشيطان يوسوس إلى العبد فإذا ذكر الله خنس ) أي انقبض ولذلك سمي الخناس { والكنس } جمع كانس وكانسة يقال : كنس إذا دخل الكناس وهو مقر الوحش يقال كنس الظباء في كنسها ، وتكنست المرأة إذا دخلت هودجها تشبه بالظبي إذا دخل الكناس . ثم اختلفوا في خنوس النجوم وكنوسها على ثلاثة أوجه فالقول الأظهر : أن ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السيارة واستقامتها فرجوعها هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس ، ولا شك أن هذه حالة عجيبة وفيها أسرار عظيمة باهرة القول الثاني : ما روي عن علي عليه السلام وعطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها عبارة عن غيبوبتها عن البصر في النهار وكنوسها عبارة عن ظهورها للبصر في الليل أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها والقول الثالث : أن السبعة السيارة تختلف مطالعها ومغاربها على ما قال تعالى : { أقسم برب المشارق والمغارب } ( المعارج : 40 ) ولا شك أن فيها مطلعا واحدا ومغربا واحدا هما أقرب المطالع والمغارب إلى سمت رؤوسنا ، ثم إنها تأخذ في التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السنة ، ثم ترجع إليه فخنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع ، وكنوسها عبارة عن عودها إليه ، فهذا محتمل فعلى القول الأول يكون القسم واقعا بالخمسة المتحيرة ، وعلى القول الثاني يكون القسم واقعا بجميع الكواكب وعلى هذا الاحتمال الذي ذكرته يكون القسم واقعا بالسبعة السيارة والله أعلم بمراده . والقول الثاني : أن { الجوار الكنس } وهو قول ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش ، وقال سعيد بن جبير : هي الظباء ، وعلى هذا الخنس من الخنس في الأنف وهو تقعير في الأنف فإن البقر والظباء أنوفها على هذه الصفة { والكنس } جمع كانس وهي التي تدخل الكناس والقول هو الأول ، والدليل عليه أمران : ! 7 < { واليل إذا عسعس } . > 7 ! / الأول : أنه قال بعد ذلك : { الكنس واليل إذا عسعس } < < التكوير : ( 17 ) والليل إذا عسعس > > وهذا بالنجوم أليق منه ببقر الوحش .
الثاني : أن محل قسم الله كلما كان أعظم وأعلى رتبة كان أولى ، ولا شك أن الكواكب أعلى رتبة من بقر الوحش . الثالث : أن ( الخنس ) جمع خانس من الخنوس ، وإما جمع خنساء وأخنس من الخنس خنس بالسكون والتخفيف ، ولا يقال : الخنس فيه بالتشديد إلا أن يجعل الخنس في الوحشية أيضا من الخنوس وهو اختفاؤها في الكناس إذا غابت عن الأعين . قوله تعالى : { واليل إذا عسعس } ذكر أهل اللغة أن عسعس من الأضداد ، يقال : عسعس الليل إذا أقبل ، وعسعس إذا أدبر ، وأنشدوا في ورودها بمعنى أدبر قول العجاج : حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا وأنشد أبو عبيدة في معنى أقبل : مدرجات الليل لما عسعسا ! 7 < { والصبح إذا تنفس } . > 7 ! < < التكوير : ( 18 ) والصبح إذا تنفس > > ثم منهم من قال : المراد ههنا أقبل الليل ، لأن على هذا التقدير يكون القسم واقعا بإقبال الليل وهو قوله : { إذا عسعس } وبإدباره أيضا وهو قوله : { والصبح إذا تنفس } ومنهم من قال : بل المراد أدبر وقوله : { والصبح إذا تنفس } أي امتد ضوءه وتكامل فقوله : { واليل إذا عسعس } ( التكوير : 17 ) إشارة إلى أول طلوع الصبح ، وهو مثل قوله : { واليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر } ( المدثر : 34 , 33 ) وقوله : { والصبح إذا تنفس } إشارة إلى تكامل طلوع الصبح فلا يكون فيه تكرار . وأما قوله تعالى : { والصبح إذا تنفس } أي إذا أسفر كقوله : { والصبح إذا أسفر } ( المدثر : 34 ) ثم في كيفية المجاز قولان : أحدهما : أنه إذا أقبل الصبح أقبل بأقباله روح ونسيم ، فجعل ذلك نفسا له على المجاز ، وقيل تنفس الصبح . والثاني : أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي جلس بحيث لا يتحرك ، واجتمع الحزن في قلبه ، فإذا تنفس وجد راحة . فههنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس وهو استعارة لطيفة . ! 7 < { إنه لقول رسول كريم } . > 7 < التكوير : ( 19 ) إنه لقول رسول . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال : { إنه لقول رسول كريم }وفيه قولان : الأول : وهو المشهور أن المراد أن القرآن نزل به جبريل : فإن قيل : ههنا إشكال قوي وهو أنه حلف أنه قول جبريل ، فوجب علينا أن نصدقه في ذلك ، فإن لم نقطع بوجوب حمل / اللفظ على الظاهر ، فلا أقل من الاحتمال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتمل أن يكون كلام جبريل لا كلام الله ، وبتقدير أن يكون كلام جبريل يخرج عن كونه معجزا ، لاحتمال أن جبريل ألقاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل الإضلال ، ولا يمكن أن يجاب عنه بأن جبريل معصوم لا يفعل الإضلال ، لأن العلم بعصمة جبريل ، مستفاد من صدق النبي ، وصدق النبي مفرع على كون القرآن معجزا ، وكون القرآن معجزا يتفرع على عصمة جبريل ، فيلزم الدور وهو محال والجواب : الذين قالوا : بأن القرآن إنما كان معجزا للصرفة ، إنما ذهبوا إلى ذلك المذهب فرارا من هذا السؤال ، لأن الإعجاز على ذلك القول ليس في الفصاحة ، بل في سلب تلك العلوم والدواعي عن القلوب ، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى .
القول الثاني : أن هذا الذي أخبركم به محمد من أمر الساعة على ما ذكر في هذه السورة ليس بكهانة ولا ظن ولا افتعال ، إنما هو قول جبريل أتاه به وحيا من عند الله تعالى ، واعلم أنه تعالى وصف جبريل ههنا بصفات ست أولها : أنه رسول ولا شك أنه رسول الله إلى الأنبياء فهو رسول وجميع الأنبياء أمته ، وهو المراد من قوله : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } ( النحل : 2 ) وقال : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 194 , 193 ) وثانيها : أنه كريم ، ومن كرمه أنه يعطي أفضل العطايا ، وهو المعرفة والهداية والإرشاد . ! 7 < { ذى قوة عند ذى العرش مكين } . > 7 ! < < التكوير : ( 20 ) ذي قوة عند . . . . . > > وثالثها : قوله : { ذى قوة } ثم منهم من حمله على الشدة ، روى أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل ( ذكر الله قوتك ، فماذا بلغت ؟ قال رفعت قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحي حتى إذا سمع أهل السماء نباح الكلاب وأصوات الدجاج قلبتها ) وذكر مقاتل أن شيطانا يقال له الأبيض صاحب الأنبياء قصد أن يفتن النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه جبريل دفعة رقيقة وقع بها من مكة إلى أقصى الهند ، ومنهم من حمله على القوة في أداء طاعة الله وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف ، وعلى القوة في معرفة الله وفي مطالعة جلال الله . ورابعها : قوله تعالى : { عند ذى العرش مكين } وهذه العندية ليست عندية المكان ، مثل قوله : { ومن عنده لا يستكبرون } وليست عندية الجهة بدليل قوله ( أنا عند المنكسرة قلوبهم ) بل عندية الإكرام والتشريف والتعظيم . وأما { مكين } فقال الكسائي : يقال قد مكن فلان عند فلان بضم الكاف مكنا ومكانة ، فعلى هذا المكين هو ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل . ! 7 < { مطاع ثم أمين } . > 7 ! < < التكوير : ( 21 ) مطاع ثم أمين > > وخامسها : قوله تعالى : { مطاع ثم } اعلم أن قوله : { ثم } إشارة إلى الظرف المذكور أعني { عند ذى العرش } ( التكوير : 20 ) والمعنى أنه عند الله مطاع في ملائكته المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ، وقرىء { ثم } تعظيما للأمانة وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة . / وسادسها : قوله : { أمين } أي هو { أمين } على وحي الله ورسالاته ، قد عصمه الله من الخيانة والزلل . ! 7 < { وما صاحبكم بمجنون ولقد رءاه بالا فق المبين وما هو على الغيب بضنين } . > 7 ! < < التكوير : ( 22 ) وما صاحبكم بمجنون
> > ثم قال تعالى : { وما صاحبكم بمجنون } واحتج بهذه الآية من فضل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم فقال : إنك إذا وازنت بين قوله : { إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين } ( التكوير : 21 , 19 ) وبين قوله : { وما صاحبكم بمجنون } ظهر التفاوت العظيم : { ولقد رءاه بالافق المبين } يعني حيث تطلع الشمس في قول الجميع ، وهذا مفسر في سورة النجم { وما هو على الغيب بضنين } أي وما محمد : ( على الغيب بظنين ) } والغيب ههنا القرآن وما فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم يقال : ظننت زيدا في معنى اتهمته ، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين ، والمعنى ما محمد على القرآن بمتهم أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله ، ومن قرأ بالضاد فهو من البخل يقال ضننت به أضن أي بخلت ، والمعنى ليس ببخيل فيما أنزل الله ، قال الفراء : يأتيه غيب السماء ، وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم ، وقال أبو علي الفارسي : المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلوانا ، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين : أحدهما : أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نضي البخل وثانيها : قوله : { } والغيب ههنا القرآن وما فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم يقال : ظننت زيدا في معنى اتهمته ، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين ، والمعنى ما محمد على القرآن بمتهم أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله ، ومن قرأ بالضاد فهو من البخل يقال ضننت به أضن أي بخلت ، والمعنى ليس ببخيل فيما أنزل الله ، قال الفراء : يأتيه غيب السماء ، وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم ، وقال أبو علي الفارسي : المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلوانا ، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين : أحدهما : أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نضي البخل وثانيها : قوله : { على الغيب } ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال : فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا . ! 7 < { وما هو بقول شيطان رجيم } . > 7 ! ثم قال تعالى : { وما هو بقول شيطان رجيم } < < التكوير : ( 25 ) وما هو بقول . . . . . > > كان أهل مكة يقولون : إن هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسانه ، فنفى الله ذلك ، فإن قيل القول بصحة النبوة موقوف على نفي هذا الاحتمال ، فكيف يمكن نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي ؟ { قلنا } بينا أن على القول بالصرفة لا تتوقف صحة النبوة على نفي هذا الاحتمال ، فلا جرم يمكن نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي . ! 7 < { فأين تذهبون } . > 7 ! ثم قال تعالى : { فأين تذهبون } < < التكوير : ( 26 ) فأين تذهبون > > وهذا استضلال لهم يقال لتارك الجادة اعتسافا ، أين تذهب ؟ مثلت حالهم بحالة في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل ، والمعنى أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم ، قال الفراء : العرب تقول إلى أين تذهب وأين تذهب ، وتقول ذهبت الشام وانطلقت السوق ، واحتج أهل الاعتزال بهذه الآية وجهه ظاهر . ! 7 < { إن هو إلا ذكر للعالمين } . > 7 !
ثم بين أن القرآن ما هو ، فقال : { إن هو إلا ذكر للعالمين } < < التكوير : ( 27 ) إن هو إلا . . . . . > > أي هو بيان وهداية للخلق أجمعين . ! 7 < { لمن شآء منكم أن يستقيم } . > 7 ! / < < التكوير : ( 28 ) لمن شاء منكم . . . . . > > ثم قال : { لمن شاء منكم أن يستقيم } وهو بدل من العالمين ، والتقدير : إن هو إلا ذكر لمن شاء منكم أن يستقيم ، وفائدة هذا الإبدال أن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر ، فكأنه لم يوعظ به غيرهم ، والمعنى أن القرآن إنما ينتفع به من شاء أن يستقيم ، ثم بين أن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله . ! 7 < { وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين } . > 7 ! < < التكوير : ( 29 ) وما تشاؤون إلا . . . . . > > أي إلا أن يشاء الله تعالى أن يعطيه تلك المشيئة ، لأن فعل تلك المشيئة صفة محدثة فلا بد في حدوثها من مشيئة أخرى فيظهر من مجموع هذه الآيات أن فعل الاستقامة موقوف على إرادة الاستقامة . وهذه الإرادة موقوفة الحصول على أن يريد الله أن يعطيه تلك الإرادة ، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فأفعال العباد في طرفي ثبوتها وانتفائها ، موقوفة على مشيئة الله وهذا هو قول أصحابنا ، وقول بعض المعتزلة إن هذه الآية مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضعيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية شيء حادث ، فلا بد له من محدث فيتوقف حدوثها على أن يشاء محدثها إيجادها ، وحينئذ يعود الإلزام ، والله أعلم بالصواب . < > 1 ( سورة الانفطار ) 1 < > تسع عشرة آية مكية ! 7 < { إذا السمآء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت } . > 7 ! / < < الإنفطار : ( 1 ) إذا السماء انفطرت > > اعلم أن المراد أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة ، فهناك يحصل الحشر والنشر ، وفي تفسير هذه الآيات مقامات الأول : في تفسير كل واحد من هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة وهي ههنا أربعة ، اثنان منها تتعلق بالعلويات ، واثنان آخران تتعلق بالسفليات الأول : قوله : { إذا السماء انفطرت } أي انشقت وهو كقوله : { ويوم تشقق السماء الغمام } ( الفرقان : 25 ) ، { إذا السماء انشقت } ( الإنشقاق : 1 ) ، { فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } ( الرحمن : 37 ) ، { وفتحت السماء فكانت أبوابا } و { السماء منفطر به } ( المزمل : 18 ) قال الخليل : ولم يأت هذا على الفعل ، بل هو كقولهم : مرضع وحائض ، ولو كان على الفعل لكان منفطرة كما قال : { إذا السماء انفطرت } أما الثاني وهو قوله : { وإذا الكواكب انتثرت } فالمعنى ظاهر لأن عند انتقاض تركيب السماء لا بد من انتثار الكواكب على الأرض .
واعلم أنا ذكرنا في بعض السورة المتقدمة أن الفلاسفة ينكرون إمكان الخرق والالتئام على الأفلاك ، ودليلنا على إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة في كونها أجساما ، فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ، إنما قلنا : إنها متماثلة لأنه يصح تقسيمها إلى السماوية والأرضية ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، فالعلويات والسفليات مشتركة في أنها أجسام ، وإنما قلنا : إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات ، لأن المتماثلات حكمها واحد فمتى يصح حكم على واحد منها ، وجب أن يصح على الباقي ، وأما الإثنان السفليان : فأحدهما : قوله : { وإذا البحار فجرت } وفيه وجوه أحدهما : أنه ينفذ بعض البحار في البعض بارتفاع الحاجز الذي جعله الله برزخا ، وحينئذ يصير الكل بحرا واحدا ، وإنما يرتفع ذلك / الحاجز لتزلزل الأرض وتصدعها . وثانيها : أن مياه البحار الآن راكدة مجتمعة ، فإذا فجرت تفرقت وذهب ماؤها وثالثها : قال الحسن : فجرت أي يبست . واعلم أن على الوجوه الثلاثة ، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها ، وهو كما ذكر أنه تغير الأرض عن صفتها في قوله : { يوم تبدل الارض غير الارض } ( إبراهيم : 48 ) وتغير الجبال عن صفتها في قوله : { فقل ينسفها ربى نسفا فيذرها قاعا صفصفا } ( طه : 106 , 105 ) ورابعها : قرأ بعضهم : { فجرت } بالتخفيف ، وقرأ مجاهد : { فجرت } على البناء للفاعل والتخفيف ، بمعنى بغت لزوال البرزخ نظرا إلى قوله : { لا يبغيان } ( الرحمن : 20 ) لأن البغي والفجور أخوان . وأما الثاني : فقوله : { وإذا القبور بعثرت } فاعلم أن بعثر وبحثر بمعنى واحد ، ومركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما ، والمعنى أثيرت وقلب أسفلها أعلاها وباطنها ظاهرها ، ثم ههنا وجهان أحدهما : أن القبور تبعثر بأن يخرج ما فيها من الموتى أحياء ، كما قال تعالى : { وأخرجت الارض أثقالها } ( الزلزلة : 2 ) والثاني : أنها تبعثر لإخراج ما في بطنها من الذهب والفضة ، وذلك لأن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضتها ، ثم يكون بعد ذلك خروج الموتى ، والأول أقرب ، لأن دلالة القبور على الأول أتم . المقام الثاني : في فائدة هذا الترتيب ، واعلم أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم وفناء الدنيا / وانقطاع التكاليف ، والسماء كالسقف ، والأرض كالبناء ، ومن أراد تخريب دار ، فإنه يبدأ أولا بتخريب السقف ، وذلك هو قوله : { إذا السماء انفطرت } ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب ، وذلك هو قوله : { وإذا الكواكب انتثرت } ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض وهو قوله : { وإذا البحار فجرت } ثم إنه تعالى يخرب آخر الأمر الأرض التي هي البناء ، وذلك هو قوله : { وإذا القبور بعثرت } فإنه إشارة إلى قلب الأرض ظهرا لبطن ، وبطنا لظهر .
المقام الثالث : في تفسير قوله : { علمت نفس ما قدمت وأخرت } وفيه احتمالان الأول : أن المراد بهذه الأمور ذكر يوم القيامة ، ثم فيه وجوه أحدها : وهو الأصح أن المقصود منه الزجر عن المعصية ، والترغيب في الطاعة ، أي يعلم كل أحد في هذا اليوم ماقدم ، فلم يقصر فيه وما أخر فقصر فيه ، لأن قوله : { ما قدمت } يقتضي فعلا و { ما } يقتضي تركا ، فهذا الكلام يقتضي فعلا وتركا وتقصيرا وتوفيرا ، فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح فمأواه النار ، وإن كان قدم العمل الصالح وأخر الكبائر فمأواه الجنة وثانيها : ما قدمت من عمل أدخله في الوجود وماأخرت من سنة يستن بها من بعده من خير أو شر وثالثها : قال الضحاك : ما قدمت من الفرائض وما أخرت أي ما ضيعت ورابعها : قال أبو مسلم : ما قدمت من الأعمال في أول عمرها وما أخرت في آخر عمرها ، فإن قيل : وفي أي موقف من مواقف القيامة يحصل هذا العلم ؟ قلنا : أما / العلم الإجمالي فيحصل في أول زمان الحشر ، لأن المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر . وأما العلم التفصيل ، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة . الاحتمال الثاني : أن يكون المراد قيل : قيام القيامة بل عند ظهور أشراط الساعة وانقطاع التكاليف ، وحين لا ينفع العمل بعد ذلك كما قال : { ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا } فيكون ما عمله الإنسان إلى تلك الغاية ، هو أول أعماله وآخرها ، لأنه لا عمل له بعد ذلك ، وهذا القول ذكره القفال . ! 7 < { ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذى خلقك فسواك فعدلك فىأى صورة ما شآء ركبك } . > 7 ! < < الإنفطار : ( 6 ) يا أيها الإنسان . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما أخبر في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلا على إمكانه أو على وقوعه ، وذلك من وجهين الأول : أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع موائد نعمه عن المذنبين ، كيف يجوز في كرمه أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم ؟ الثاني : أن القادر الذي خلق هذه البنية الإنسانية ثم سواها وعدلها ، إما أن يقال : إنه خلقها لا لحكمة أو لحكمة ، فإن خلقها لا لحكمة كان ذلك عبثا ، وهو غير جائز على الحكيم ، وإن خلقها لحكمة ، فتلك الحكمة ، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد ، والأول باطل لأنه سبحانه متعال عن الاستكمال والانتفاع . فتعين الثاني ، وهو أنه خلق الخلق لحكمة عائدة إلى العبد ، وتلك الحكمة إما أن تظهر في الدنيا أو في دار سوى الدنيا . والأول باطل لأن الدنيا دار بلاء وامتحان ، لا دار الانتفاع والجزاء ، ولما بطل كل ذلك ثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق والتسوية والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع بأنه سبحانه يبعث الأموات ويحشرهم ، وذلك يمنعهم من الاعتراف بعدم الحشر والنشر ، وهذا الاستدلال هو الذي ذكر بعينه في سورة التين حيث قال : { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم } إلى أن قال : { فما يكذبك بعد بالدين } ( التين : 7 , 4 ) وهذه المحاجة تصلح مع العرب الذين كانوا مقرين بالصانع وينكرون الإعادة ، وتصلح أيضا مع من ينفي الإبتداء والإعادة معا ، لأن الخلق المعدل يدل على الصانع وبواسطته يدل على صحة القول بالحشر والنشر ، فإن قيل : بناء هذا الاستدلال على أنه تعالى حكيم ، ولذلك قال في سورة التين بعد هذا الاستدلال : { أليس الله بأحكم الحاكمين } ( التين : 8 ) فكان يجب أن يقول في هذه السورة : ما غرك بربك الحكيم الجواب : أن الكريم / يجب أن يكون حكيما ، لأن إيصال النعمة إلى الغير لو لم يكن مبنيا على داعية الحكمة لكان ذلك تبذيرا لا كرما . أما إذا كان مبنيا على داعية الحكمة فحينئذ يسمى كرما ، إذا ثبت هذا فنقول : كونه كريما يدل على وقوع الحشر من وجهين كما قررناه ، أما كونه حكيما فإنه يدل على وقوع الحشر من هذا الوجه الثاني ، فكان ذكر الكريم ههنا أولى من ذكر الحكيم ، هذا هو تمام الكلام في كيفية النظم ، ولنرجع إلى التفسير . أما قوله : { القرءان خلق الإنسان } ففيه قولان : أحدهما : أنه الكافر ، لقوله من بعد ذلك : { كلا بل تكذبون بالدين } ( الإنفطار : 9 ) وقال عطاء عن ابن عباس : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في ابن الأسد بن كلدة بن أسيد وذلك أنه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى ، وأنزل هذه الآية والقول الثاني : أنه يتناول جميع العصاة وهو الأقرب ، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ . أما قوله : { ما غرك بربك الكريم } فالمراد الذي خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات ، والمعنى ما الذي أمنك من عقابه ، يقال : غره بفلان إذا أمنه المحذور من جهته مع أنه غير مأمون ، وهو كقوله : { لا يغرنكم بالله الغرور } ( لقمان : 33 ) هذا إذا حملنا قوله : { القرءان خلق الإنسان } على جميع العصاة ، وأما إذا حملناه على الكافر ، فالمعنى ما الذي دعاك إلى الكفر والجحد بالرسل ، وإنكار الحشر والنشر / وههنا سؤالات :
الأول : أن كونه كريما يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه بدليل المعقول والمنقول ، أما المعقول فهو أن الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فلما كان الحق تعالى جوادا مطلقا لم يكن مستعيضا ، ومتى كان كذلك استوى عنده طاعة المطيعين ، وعصيان المذنبين ، وهذا يوجب الاغترار لأنه من البعيد أن يقدم الغني على إيلام الضعيف من غير فائدة أصلا ، وأما المنقول فما روي عن علي عليه السلام ، أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه ، فنظر فإذا هو بالباب ، فقال له : لم لم تجبني ؟ فقال : لثقتي بحلمك ، وأمني من عقوبتك ، فاستحسن جوابه ، وأعتقه ، وقالوا أيضا : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ، ولما ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به ، فكيف جعله ههنا مانعا من الاغترار به ؟ والجواب : من وجوه أحدها : أن معنى الآية أنك لماكنت ترى حلم الله على خلقه ظننت أن ذلك لأنه لا حساب ولا دار إلا هذه الدار ، فما الذي دعاك إلى هذا الاغترار ، وجرأك على إنكار الحشر والنشر ؟ فإن ربك كريم ، فهو لكرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطا في مدة التوبة ، وتأخيرا للجزاء إلى أن يجمع الناس في الدار التي جعلها لهم للجزاء ، فالحاصل أن ترك المعاجلة بالعقوبة لأجل الكرم ، وذلك لا يقتضي الاغترار بأنه لا دار بعد هذه الدار وثالثها : أن كرمه لما بلغ إلى حيث لا يمنع من العاصي موائد لطفه ، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم ، كان أولى فإذن كونه كريما يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار ، وترك الجراءة والاغترار وثالثها : أن كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة والاستحياء من الاغترار والتواني ورابعها : قال بعض الناس : / إنما قال : { بربك الكريم } ليكون ذلك جوابا عن ذلك السؤال حتى يقول غرني كرمك ، ولولا كرمك لما فعلت لأنك رأيت فسترت ، وقدرت فأمهلت ، وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد من قوله : { القرءان خلق الإنسان } ليس الكافر . السؤال الثاني : ما الذي ذكره المفسرون في سبب هذا الاغترار ؟ قلنا وجوه : أحدها : قال قتادة : سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان له وثانيها : قال الحسن : غره حمقه وجهله وثالثها : قال مقاتل : غره عفو الله عنه حين لم يعاقبه في أول أمره ، وقيل : للفضيل بن عياض إذا أقامك الله يوم القيامة ، وقال لك : { ما غرك بربك الكريم } ماذا تقول ؟ قال : أقول غرتني ستورك المرخاة . السؤال الثالث : ما معنى قراءة سعيد بن جبير ما أغرك ؟ قلنا : هو إما على التعجب وإما على الاستفهام من قولك غر الرجل فهو غار إذا غفل ، ومن قولك بيتهم العدو وهم غارون ، وأغره غيره جعله غارا ، أما قوله تعالى : { الذى خلقك } فاعلم أنه تعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقق ذلك الكرم أولها : الخلق وهو قوله : { الذى خلقك } ولا شك أنه كرم وجود لأن الوجود خير من العدم ، والحياة خير من الموت ، وهو الذي قال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( البقرة : 28 ) ، وثانيها : قوله : { فسواك } أي جعلك سويا سالم الأعضاء تسمع وتبصر ، ونظيره قوله : { أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } ( الكهف : 37 ) قال ذو النون : سواك أي سخر لك المكونات أجمع ، وما جعلك مسخرا لشيء منها ، ثم أنطق لسانك بالذكر ، وقلبك بالعقل ، وروحك بالمعرفة ، وسرك بالإيمان ، وشرفك بالأمر والنهي وفضك على كثير ممن خلق تفضيلا وثالثها : قوله : { فعدلك } وفيه بحثان :
البحث الأول : قال مقاتل : يريد عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع ، وهو كقوله : { بلى قادرين على أن نسوى بنانه } ( القيامة : 4 ) وتقريره ما عرف في علم التشريح أنه سبحانه ركب جانبي هذه الجثة على التسوي حتى أنه لا تفاوت بين نصفيه لا في العظام ولا في أشكالها ولا في ثقبها ولا في الأوردة والشرايين والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها ، واستقصاء القول فيه لا يليق بهذا العلم ، وقال عطاء عن ابن عباس : جعلك قائما معتدلا حسن الصورة لا كالبهيمة المنحنية ، وقال أبو علي الفارسي : عدل خلقك فأخرجك في أحسن التقويم ، وبسبب ذلك الاعتدال جعلك مستعدا لقبول العقل والقدرة والفكر ، وصيرك بسبب ذلك مستوليا على جميع الحيوان والنبات ، وواصلا بالكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا العالم . البحث الثاني : قرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف ، وفيه وجوه أحدها : قال أبو علي الفارسي : أن يكون المعنى عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت والثاني : قال الفراء : { فعدلك } أي فصرفك إلى أي صورة شاء ، ثم قال : والتشديد أحسن الوجهين لأنك تقول : عدلتك إلى كذا / كما تقول صرفتك إلى كذا ، ولا يحسن عدلتك فيه ولا صرفتك فيه ، ففي القراءة الأولى جعل في من قوله : { ما يجادل صورة } صلة للتركيب ، وهو حسن ، وفي القراءة الثانية جعله صلة لقوله : { فعدلك } وهو ضعيف ، واعلم أن اعتراض القراء إنما يتوجه على هذا الوجه الثاني ، فأما على الوجه الأول الذي ذكره أبو علي الفارسي فغير متوجه والثالث : نقل القفال عن بعضهم أنهما لغتان بمعنى واحد ، أما قوله : { ما يجادل صورة ما شاء ركبك } ففيه مباحث الأول : ما هل هي مزيدة أم لا ؟ فيه قولان : الأول : أنها ليست مزيدة ، بل هي في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك ، وبناء على هذا الوجه ، قال أبو صالح ومقاتل : المعنى إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة كلب أو صورة حمار أو خنزير أو قرد والقول الثاني : أنها صلة مؤكدة والمعنى في أي صورة تقتضيها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة ، فإنه سبحانه يركبك على مثلها ، وعلى هذا القول تحتمل الآية وجوها أحدها : أن المراد من الصور المختلفة شبه الأب والأم ، أو أقارب الأب أو أقارب الأم ، ويكون المعنى أنه سبحانه يركبك على مثل صور هؤلاء ويدل على صحة هذا ما روى أنه عليه السلام قال في هذا الآية : ( إذا استقرت النطفة في الرحم ، أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم ) ، والثاني : وهو الذي ذكره الفراء والزجاج أن المراد من الصور المختلفة الاختلاف بحسب الطول والقصر والحسن والقبح والذكورة والأنوثة ، ودلالة هذه الحالة على الصانع القادر في غاية الظهور ، لأن النطفة جسم متشابه الأجزاء وتأثير طبع الأبوين فيه على السوية ، فالفاعل المؤثر بالطبيعة في القابل المتشابه لا يفعل إلا فعلا واحدا ، فلما اختلفت الآثار والصفات دل ذلك الاختلاف على أن المدبر هو القادر المختار ، قال القفال : اختلاف الخلق والألوان كاختلاف الأحوال في الغنى والفقر والصحة والسقم ، فكما أنا نقطع أنه سبحانه إنما ميز البعض عن البعض في الغنى والفقر ، وطول العمر وقصره ، بحكمة بالغة لا يحيط بكنهها إلا هو ، فكذلك نعلم أنه إنما جعل البعض مخالفا للبعض ، في الخلق والألوان بحكمة بالغة ، وذلك لأن بسبب هذا الاختلاف يتميز المحسن عن المسيء والقريب عن الأجنبي ، ثم قال : ونحن نشهد شهادة لا شك فيها أنه سبحانه لم يفرق بين المناظر والهيئات إلا لما علم من صلاح عباده فيه وإن كنا جاهلين بعين الصلاح القول الثالث : قال الواسطي : المراد صورة المطيعين والعصاة فليس من ركبه على صورة الولاية كمن ركبه على صورة العداوة ، قال آخرون : إنه إشارة إلى صفاء الأرواج وظلمتها ، وقال الحسن : منهم من صوره ليستخلصه لنفسه ، ومنهم من صوره ليشغله بغيره مثال الأول : أنه خلق آدم ليخصه بألطاف بره وإعلاء قدره وأظهر روحه من بين جماله وجلاله ، وتوجه بتاج الكرامة وزينه برداء الجلال والهيبة .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?