Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> لما أخبر الله سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته وقدرته وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه أندادا وواحدها ند وقد تقدم والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة الله مع عجزها قاله مجاهد قوله تعالى : ( يحبونهم كحب الله ) أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق قاله المبرد وقال معناه الزجاج أي أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته وقال بن عباس والسدي : المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله وجاء الضمير في يحبونهم على هذا على الأصل وعلى الأول جاء ضمير الأصنام ضمير من يعقل على غير الأصل وقال بن كيسان والزجاج أيضا : معنى يحبونهم كحب الله أي يسؤون بين الأصنام وبين الله تعالى في المحبة قال أبو إسحاق : وهذا القول الصحيح والدليل على صحته : والذين آمنوا أشد حبا لله وقرأ أبو رجاء يحبونهم بفتح الياء وكذلك ما كان منه في القرآن وهي لغة يقال : حببت الرجل فهو محبوب قال الفراء : أنشدني أبو تراب : أحب لحبها السودان حتى حببت لحبها سود الكلاب ومن في قوله من يتخذ في موضع رفع بالابتداء ويتخذ على اللفظ ويجوز في غير القرآن يتخذون على المعنى ويحبونهم على المعنى ويحبهم على اللفظ وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في يتخذ أي محبين وإن شئت كان نعتا للأنداد أي محبوبة والكاف من كحب نعت لمصدر محذوف أي يحبونهم حبا كحب الله ( والذين آمنوا اشد حبا لله ) أي أشد من حب أهل الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم وقيل : إنما قال ( والذين آمنوا اشد حبا لله ) لأن الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم قال الله تعالى : يحبهم ويحبونه وسيأتي بيان حب المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة ال عمران إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ) قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء وهو اختيار أبي عبيد وفي الآية إشكال وحذف فقال أبو عبيد : المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا ويرى على هذا من رؤية البصر قال النحاس في كتاب معاني القرآن له : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير وقال في كتاب إعراب القرآن له وروى عن محمد بن يزيد أنه قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد وليست عبارته فيه بالجيدة لأنه يقدر : ولو يرى الذين ظلموا العذاب فكأنه يجعله مشكوكا فيه وقد أوجبه الله تعالى ولكن التقدير وهو قول الأخفش ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله ويرى بمعنى يعلم أي لو يعلمون حقيقة قوة الله عز وجل وشدة عذابه ف يرى واقعة على أن القوة لله وسدت مسد المفعولين والذين فاعل يرى وجواب لو محذوف أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة كما قال عز وجل ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ولو ترى إذ وقفوا على النار ولم يأت ل لو جواب قال الزهري وقتادة : الإضمار أشد للوعيد ومثله قول القائل : لو رأيت فلانا والسياط تأخذه ومن قرأ بالتاء فالتقدير : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في أن وتقدير آخر : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك ولكن خوطب والمراد أمته فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا ويجوز أن يكون المعنى : قل يا محمد للظالم هذا وقيل : أن في موضع نصب مفعول من أجله أي لأن القوة لله جميعا وأنشد سيبويه : وأغفر عوراء الكريم آدخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما اي لأدخاره والمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم ودخلت إذ وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه وقرأ بن عامر وحده يرون بضم الياء والباقون بفتحها وقرأ الحسن ويعقوب وشيبة وسلام وأبو جعفر إن القوة وإن الله بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله وثبت بنص هذه الآية القوة لله بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة تعالى الله عن قولهم < <
البقرة : ( 166 ) إذ تبرأ الذين . . . . . > > < > ( البقره 166 ) < > قوله تعالى : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا ) يعني السادة والرؤساء تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر عن قتادة وعطاء والربيع وقال قتادة أيضا والسدي : هم الشياطين المضلون تبرءوا من الإنس وقل : هو عام في كل متبوع ( ورأوا العذاب ) يعني التابعين والمتبوعين قيل : بتيقنهم له عند المعاينة في الدنيا وقيل : عند العرض والمساءلة في الآخرة قلت : كلاهما حاصل فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال قوله تعالى : ( وتقطعت بهم الأسباب ) أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رحم وغيره عن مجاهد وغيره الواحد سبب ووصله وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه ثم جعل كل ما جر شيئا سببا وقال السدي وبن زيد : إن الأسباب أعمالهم والسبب الناحية ومنه قول زهير : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم < < البقرة : ( 167 ) وقال الذين اتبعوا . . . . . > > < > ( البقره 167 ) < > قوله تعالى : ( وقال الذين أتبعوا لو أن لنا كرة ) أن في موضع رفع أي لو ثبت أن لنا رجعة ( فنتبرأ منهم ) جواب التمني والكرة : الرجعة والعودة إلى حال قد كانت أي قال الأتباع : لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم ( كما تبرءوا منا ) أي تبرأ كما فالكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف ويجوز أن يكون نصبا على الحال تقديرها متبرئين والتبرؤ الأنفصال قوله تعالى : ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) الكاف في موضع رفع أي الامر كذلك أي كما اراهم الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم ويريهم الله قيل هي من رؤية البصر فيكون متعديا لمفعولين : الأول الهاء والميم في يريهم والثاني أعمالهم وتكون حسرات ) حال ويحتمل أن يكون من رؤية القلب فتكون حسرات المفعول الثالث أعمالهم قال الربيع : اي الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار وقال بن مسعود والسدي : الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة ورويت في هذا القول أحاديث قال السدي : ترفع لهم الجنة فينظرون إليها والى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها وأما إضافة الأعمال الفاسدة اليهم فمن حيث عملوها والحسرة واحدة الحسرات كتمرة وتمرات وجفنة وجفنات وشهوة وشهوات هذا إذا كان اسما فإن نعته سكنت كقولك ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات والحسرة أعلى درجات الندامة على شيء فائت والتحسر : التلهف يقال : حسرت عليه ( بالكسر ) أحسر حسرا وحسرة وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير إذا عيي وقيل : هي مشتقة من حسر إذا كشف ومنه الحاسر في الحرب : الذي لا درع معه والانحسار : الانكشاف قوله تعالى : ( وما هم بخارجين من النار ) دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها وهذا قول جماعة أهل السنة لهذه الآية ولقوله تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وسيأتي < < البقرة : ( 168 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( البقره 168 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يأيها الناس ) الآية قيل : إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام واللفظ عام والطيب هنا الحلال فهو تأكيد لاختلاف اللفظ وهذا قول مالك في الطيب وقال الشافعي : الطيب المستلذ فهو تنويع ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وسيأتي بيان هذا في الانعام والأعراف إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( حلالا طيبا ) حلالا حال وقيل مفعول وسمي الحلال حلالا لأنحلال عقدة الحظر عنه قال سهل بن عبد الله : النجاة في ثلاثة : أكل الحلال وأداء الفرائض والأقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عبد الله الساجي وأسمه سعيد بن يزيد : خمس خصال بها تمام العلم وهي : معرفة الله عز وجل ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله والعمل على السنة وأكل الحلال فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل قال سهل : ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال : الربا والحرام والسحت وهو اسم مجمل والغلول والمكروه والشبهة الثالثة قوله تعالى : ( ولا تتبعوا ) نهى ( خطوات الشيطان ) خطوات جمع خطوة وخطوة بمعنى واحد قال الفراء : الخطوات جمع خطوه بالفتح وخطوة بالضم ما بين القدمين وقال الجوهري : وجمع القلة خطوات وخطوات وخطوات والكثير خطا والخطوة ( بالفتح ) : المرة الواحدة والجمع خطوات ( بالتحريك ) وخطاء مثل ركوة وركاء قال أمرؤ القيس : لها وثبات كوثب الظباء فواد خطاء وواد مطر وقرأ أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير خطوات بفتح الخاء والطاء وروى عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش خطؤات بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو قال الأخفش : وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة من الخطأ لا من الخطو والمعنى على قراءة الجمهور : ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان قال بن عباس : خطوات الشيطان ) أعماله مجاهد : خطاياه السدي : طاعته أبو مجلز : هي النذور في المعاصي قلت والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي وتقدم القول في الشيطان مستوفي الرابعة قوله تعالى : ( إنه لكم عدو مبين ) أخبر تعالى بأن الشيطان عدو وخبره حق وصدق فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل : ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وقال : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء وقال : ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وقال : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وقال : إنه عدو مضل مبين وقال : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وهذا غاية في التحذير ومثله في القرآن كثير وقال عبد الله بن عمر : إن إبليس موثق في الأرض السفلى فإذا تحرك فإن كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه : ( وآمركم ان تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله ( الحديث وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب < < البقرة : ( 169 ) إنما يأمركم بالسوء . . . . . > > < > ( البقره 169 ) <
> قوله تعالى : ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ) سمى السوء سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه وهو مصدر ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه وسؤته فسيء إذا أحزنته فحزن قال الله تعالى : سيئت وجوه الذين كفروا الملك وقال الشاعر إن يك هذا الدهر قد ساءني فطالما قد سرني الدهر الأمر عندي فيهما واحد لذاك شكر ولذاك صبر والفحشاء أصله قبح المنظر كما قال : وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني والشرع هو الذي يحسن ويقبح فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء وقال مقاتل : إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى إلا قوله : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء فإنه منع الزكاة قلت : فعلى هذا قيل : السوء ما لا حد فيه والفحشاء ما فيه حد وحكى عن بن عباس وغيره والله تعالى أعلم قوله تعالى : ( وأن تقولوا على الله مالا تعلون ) قال الطبري : يريد ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها مما جعلوه شرعا وأن تقولوا في موضع خفض عطفا على قوله تعالى : بالسوء والفحشاء < < البقرة : ( 170 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( البقره 170 ) <
> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم ) يعني كفار العرب بن عباس : نزلت في اليهود الطبري : الضمير في لهم عائد على الناس من قوله تعالى : يأيها الناس كلوا وقيل : هو عائد على من في قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله الآية وقوله : ( اتبعوا ما أنزل الله ) أي بالقبول والعمل ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) ألفينا : وجدنا وقال الشاعر : فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا ) الألف للأستفهام وفتحت الواو لأنها واو عطف عطفت جملة كلام على جملة لأن غاية الفساد في الإلتزام أن يقولوا : نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون فقرروا على التزامهم هذا إذ هي حال آبائهم مسألة قال علماؤنا : وقوة الفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد ونظيرها : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا الآية وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما وذلك أن الله سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة في البحيرة والسائبة والوصيلة فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك وتركوا ما أنزل الله على رسوله وأمر به في دينه فالضمير في لهم عائد عليهم في الآيتين جميعا الثالثة تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار بإتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية وهذأ في الباطل صحيح أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح الرابعة التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة وعلى هذا فمن قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم من غير نظر في معجزته يكون مقلدا وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا وقيل : هو اعتقاد صحة فتيا من لا يعلم صحة قوله وهو في اللغة مأخوذ من قلادة البعير فإن العرب تقول : قلدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلا يقاد به فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء وكذلك قال شاعرهم : وقلدوا أمركم لله دركم ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعا الخامسة التقليد ليس طريقا للعلم ولا موصلا له لا في الأصول ولا في الفروع وهو قول جمهور العقلاء والعلماء خلافا لما يحكى عن جهال الحشوية والثعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام والإحتجاج عليهم في كتب الأصول السادسة فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه لقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وعليه الإجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه حتى يقع عليه الإتفاق من الأكثر من الناس وعلى العالم أيضا فرض أن يقلد عالما مثله في نازلة خفى عليه فيها وجه الدليل والنظر وأراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب فضاق الوقت عن ذلك وخاف على العبادة أن تفوت أو على الحكم أن يذهب سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيا أو غيره وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين السابعة قال بن عطية : أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد وذكر فيه غيره خلافا كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمر وعثمان بن عيسى بن درباس الشافعي قال بن درباس في كتاب الإنتصار له : وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد وهو خطأ لقوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة فذمهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه ولأنه فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسنة كما بيناه في آية التوحيد والله يهدي من يريد قال بن درباس : وقد أكثر أهل الزيغ القول على من تمسك بالكتاب والسنة أنهم مقلدون وهذا خطأ منهم بل هو بهم أليق وبمذاهبهم أخلق إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنه فكانوا داخلين فيمن ذمهم الله بقوله : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا إلى قوله : كبيرا وقوله : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ثم قال لنبيه : قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ثم قال لنبيه عليه السلام فانتقمنا منهم الآية فبين تعالى أن الهدى فيما جاءت به رسله عليهم السلام وليس قول أهل الأثر في عقائدهم : إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة من قولهم : إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل لأن هؤلاء نسبوا ذلك إلى التنزيل والى متابعة الرسول وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الأباطيل فإزدادوا بذلك في التضليل ألا ترى أن الله سبحانه أثنى على يوسف عليه السلام في القرآن حيث قال : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله كان اتباعه آباءه من صفات المدح ولم يجئ فيما جاؤوا به ذكر الأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها فدل على أن لا هدى فيها ولا رشد في واضعيها قال بن الحصار : وإنما ظهر التلفظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما ترجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه واختلافهم في الجوهر وثبوته والعرض وماهيته فسارع المبتدعون ومن في قلبه زيغ إلى حفظ تلك الإصطلاحات وقصدوا بها الإغراب على أهل السنة وإدخال الشبه على الضعفاء من أهل الملة فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البدعة وصارت للمبتدعة شيعة والتبس الأمر على السلطان حتى قال الأمير بخلق القرآن وجبر الناس عليه وضرب أحمد بن حنبل على ذلك فانتدب رجال من أهل السنة كالشيخ أبي الحسن الأشعري وعبد الله بن كلاب وبن مجاهد والمحاسبي وأضرابهم فخاضوا مع المبتدعة في اصطلاحاتهم ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة متمسكين بالكتاب والسنة معرضين عن شبه الملحدين لم ينظروا في الجوهر والعرض على ذلك كان السلف قلت : ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدين فمنزلته قريبة من النبيين فأما من يهجن من غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من المؤمنين ويحض على درس كتب الكلام وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الإصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين والله أعلم وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بين في القرآن وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى < <
البقرة : ( 171 ) ومثل الذين كفروا . . . . . > > < > ( البقره 171 ) < > شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفهم ما يقول هكذا فسره بن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والزجاج والفراء وسيبويه وهذه نهاية الإيجاز قال سيبويه : لم يشبهوا بالناعق إنما شبهوا بالمنعوق به والمعنى : ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم فحذف لدلالة المعنى وقال بن زيد : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع وقال قطرب : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم يعني الأصنام كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي قال الطبري : المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه وينصبه ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبه الكفار بالناعق الصائح والأصنام بالمنعوق به والنعيق : زجر الغنم والصياح بها يقال : نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعقانا أي صاح بها وزجرها قال الأخطل : انعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا قال القتبي : لم يكن جرير راعي ضأن وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعي الضأن وجرير منهم فهو في جهلهم والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون : أجهل من راعي ضأن قال القتبي : ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهبا غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم والنداء للبعيد والدعاء للقريب ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد وقد تضم النون في النداء والأصل الكسر ثم شبه تعالى الكافرين بأنهم صم بكم عمي وقد تقدم في أول السورة < < البقرة : ( 172 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( البقره 172 ) < > هذا تأكيد للأمر الأول وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا والمراد بالأكل الإنتفاع من جميع الوجوه وقيل : هو الأكل المعتاد وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يأيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب لذلك ( واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) تقدم معنى الشكر فلا معنى للإعادة < < البقرة : ( 173 ) إنما حرم عليكم . . . . . > > < > ( البقره 173 ) <
> فيه أربع وثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة ) إنما كلمة موضوعة للحصر تتضمن النفي والإثبات فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه وقد حصرت ها هنا التحريم لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم فأفادت الإباحة على الإطلاق ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة إنما الحاصرة فاقتضى ذلك الإيعاب للقسمين فلا محرم يخرج عن هذه الآية وهي مدنية وأكدها بالآية الأخرى التي روي أنها نزلت بعرفة : قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلى آخرها فإستوفى البيان أولا وآخرا قاله بن العربي وسيأتي الكلام في تلك في الأنعام إن شاء الله تعالى الثانية الميتة نصب ب حر م وما كافة ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي منفصلة في الخط وترفع الميتة والدم ولحم الخنزير على خبر إن وهي قراءة بن أبي عبلة وفي حرم ضمير يعود على الذي ونظيره قوله تعالى : إنما صنعوا كيد ساحر وقرأ أبو جعفر حرم بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء بعدها إما على ما لم يسم فاعله وإما على خبر إن وقرأ أبو جعفر بن القعقاع أيضا الميتة بالتشديد الطبري : وقال جماعة من اللغويين : التشديد والتخفيف في ميت وميت لغتان وقال أبو حاتم وغيره : ما قد مات فيقالان فيه وما لم يمت بعد فلا يقال فيه ميت بالتخفيف دليله قوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون ) وقال الشاعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت إلا ما روى البزي عن بن كثير وما هو بميت والمشهور عنه التثقيل وأما قول الشاعر : إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجئ بزاد فلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت والأول أشهر الثالثة الميتة : ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح وما ليس بمأكول فذكاته كموته كالسباع وغيرها على ما يأتي بيانه هنا وفي ألانعام إن شاء الله تعالى الرابعة هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام : ( أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال ( أخرجه الدارقطني وكذلك حديث جابر في العنبر يخصص عموم القرآن بصحة سنده خرجه البخاري ومسلم مع قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى وأكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها وهو مذهب مالك وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال : أنتم تقولون خنزيرا قال بن القاسم : وأنا أتقيه ولا أراه حراما الخامسة وقد اختلف الناس في تخصيص كتاب الله تعالى بالسنة ومع اختلافهم في ذلك اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف قاله بن العربي وقد يستدل على تخصيص هذه الآية أيضا بما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه وظاهره أكله كيف ما مات بعلاج أو حتف أنفه وبهذا قال بن نافع وبن عبد الحكم وأكثر العلماء وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما ومنع مالك وجمهور أصحابه من أكله إن مات حتف أنفه لأنه من صيد البر ألا ترى أن المحرم يجزئه إذا قتله فأشبه الغزال وقال أشهب : إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها حالة قد يعيش بها وينسل وسيأتي لحكم الجراد مزيد بيان في الأعراف عند ذكره إن شاء الله تعالى السادسة واختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع بالميتة أو بشيء من النجاسات واختلف عن مالك في ذلك أيضا فقال مرة : يجوز الإنتفاع بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميمونة فقال : ( هلا أخذتم إهابها ( الحديث وقال مرة : جملتها محرم فلا يجوز الإنتفاع بشيء منها ولا بشيء من النجاسات على وجه من وجوه الإنتفاع حتى لا يجوز أن يسقى الزرع ولا الحيوان الماء النجس ولا تعلف البهائم النجاسات ولا تطعم الميتة الكلاب والسباع وإن أكلتها لم تمنع ووجه هذا القول ظاهر قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولم يخص وجها من وجه ولا يجوز أن يقال : هذا الخطاب مجمل لأن المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره وقد فهمت العرب المراد من قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تنتفعوا من الميتة بشيء ( وفي حديث عبد الله بن عكيم لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ( وهذا آخر ما ورد به كتابه قبل موته بشهر وسيأتي بيان هذه الأخبار والكلام عليها في النحل إن شاء الله تعالى السابعة فأما الناقة إذا نحرت أو البقرة أو الشاة إذا ذبحت وكان في بطنها جنين ميت فجائز أكله من غير تذكية له في نفسه إلا أن يخرج حيا فيذكى ويكون له حكم نفسه وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذبح ميتا جرى مجرى العضو من أعضائها ومما يبين ذلك أنه لو باع الشاة واستثنى ما في بطنها لم يجز كما لو استثنى عضوا منها وكان ما في بطنها تابعا لها كسائر أعضائها وكذلك لو أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقا مبتدأ ولو كان منفصلا عنها لم يتبعها في بيع ولا عتق وقد روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البقرة والشاة تذبح والناقة تنحر فيكون في بطنها جنين ميت فقال : ( إن شئتم فكلوه لأن ذكاته ذكاة أمه ( خرجه أبو داؤد بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري وهو نص لا يحتمل وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة المائدة إن شاء الله تعالى الثامنة واختلف الرواية عن مالك في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أو لا فروى عنه أنه لا يطهر وهو ظاهر مذهبه وروي عنه أنه يطهر لقوله عليه السلام : أيما إهاب دبغ فقد طهر ( ووجه قوله : لا يطهر بأنه جزء من الميتة لو أخذ منها في حال الحياة كان نجسا فوجب ألا يطهره الدباغ قياسا على اللحم وتحمل الأخبار بالطهارة على أن الدباغ يزيل الأوساخ عن الجلد حتى ينتفع به في الأشياء اليابسة وفي الجلوس عليه ويجوز أيضا أن ينتفع به في الماء بأن يجعل سقاء لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يتغير له وصف على ما يأتي من حكمه في سورة الفرقان والطهارة في اللغة متوجهة نحو إزالة الأوساخ كما تتوجه إلى الطهارة الشرعية والله تعالى أعلم التاسعة وأما شعر الميتة وصوفها فطاهر لما روى عن أم سلمة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل ( ولأنه كان طاهرا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت إلا أن اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالا بالعكس ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة الميتة لأن اللبن عندنا طاهر بعد الموت وكذلك البيضة ولكنهما حصلا في وعاء نجس فتنجسا بمجاورة الوعاء لا أنهما نجسا بالموت وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة النحل إن شاء الله تعالى العاشرة وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان : حالة تكون إن أخرجت الفأرة حية فهو طاهر وإن ماتت فيه فله حالتان : حالة يكون مائعا فإنه ينجس جميعه وحالة يكون جامدا فإنه ينجس ما جاورها فتطرح وما حولها وينتفع بما بقي وهو على طهارته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت فقال عليه السلام ( إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه ( واختلف العلماء فيه إذا غسل فقيل : لا يطهر بالغسل لأنه مائع نجس فأشبه الدم والخمر والبول وسائر النجاسات وقال بن القاسم : يطهر بالغسل لأنه جسم تنجس بمجاورة النجاسة فأشبه الثوب ولا يلزم على هذا الدم لأنه نجس بعينه ولا الخمر والبول لأن الغسل يستهلكهما ولا يتأتى فيه الحادية عشرة فإذا حكمنا بطهارته بالغسل رجع إلى حالته الأولى في الطهارة وسائر وجوه الإنتفاع لكن لا يبيعه حتى يبين لأن ذلك عيب عند الناس تأباه نفوسهم ومنهم من يعتقد تحريمه ونجاسته فلا يجوز بيعه حتى يبين العيب كسائر الأشياء المعيبة وأما قبل الغسل فلا يجوز بيعه بحال لأن النجاسات عنده لا يجوز بيعها ولأنه مائع نجس فأشبه الخمر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ثمن الخمر فقال : ( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها ( وأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وهذا المائع محرم لنجاسته فوجب أن يحرم ثمنه بحكم الظاهر الثانية عشرة واختلف إذا وقع في القدر حيوان طائر أو غيره فمات فروى بن وهب عن مالك أنه قال : لا يؤكل ما في القدر وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه وروى بن القاسم عنه أنه قال : يغسل اللحم ويراق المرق وقد سئل بن عباس عن هذه المسألة فقال : يغسل اللحم ويؤكل ولا مخالف له في المرق من أصحابه ذكره بن خويز منداد الثالثة عشرة فأما أنفحة الميتة ولبن الميتة فقال الشافعي : ذلك نجس لعموم قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وقال أبو حنيفة بطهارتهما ولم يجعل لموضع الخلقة أثرا في تنجس ما جاوره مما حدث فيه خلقه قال : ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل إجماعا وقال مالك نحو قول أبي حنيفة إن ذلك لا ينجس بالموت ولكن ينجس بمجاورة الوعاء النجس وهو مما لا يتأتى فيه الغسل وكذلك الدجاجة تخرج منها البيضة بعد موتها لأن البيضة لينة في حكم المائع قبل خروجها وإنما تجمد وتصلب بالهواء قال بن خويز منداد فإن قيل : فقولكم يؤدي إلى خلاف الإجماع وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعده كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوبا إليهم من أرض العجم ومعلوم أن ذبائح العجم وهم مجوس ميتة ولم يعتدوا بأن يكون مجمدا بأنفحة ميتة أو ذكى قيل له : قدر ما يقع من الأنفحة في اللبن المجبن يسير واليسير من النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثير من المائع هذا جواب على إحدى الروايتين وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول الإسلام ولا يمكن أحد أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض العجم بل الجبن ليس من طعام العرب فلما انتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت الذبائح لهم فمن أين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلت جبنا فضلا عن أن يكون محمولا من أرض العجم ومعمولا من أنفخة ذبائحهم وقال أبو عمر : ولا بأس بأكل طعام عبدة الأوثان والمجوس وسائر من لا كتاب له من الكفار ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة إلا الجبن لما فيه من أنفحة الميتة وفي سنن بن ماجه ( الجبن والسمن حدثنا إسماعيل بن موسى السدي حدثنا سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال : ( ( الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ( الرابعة عشرة قوله تعالى : ( والدم ) اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به قال بن خويز منداد : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ومعفو عما تعم به البلوى والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه ويسيره في البدن والثوب يصلي فيه وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قال : حرمت عليكم الميتة والدم وقال في موضع آخر : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا فحرم المسفوح من الدم وقد روت عائشة رضع قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة والإصر والمشقة في الدين موضوع وهذا أصل في الشرع أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة وأن المريض يفطر ويتيمم في نحو ذلك قلت : ذكر الله سبحانه وتعالى الدم ها هنا مطلقا وقيده في الأنعام بقوله مسفوحا وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعا فالدم هنا يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه وفي دم الحوت المزايل له اختلاف وروى عن القابسي أنه طاهر ويلزم على طهارته أنه غير محرم وهو اختيار بن العربي قال : لأنه لو كان دم السمك نجسا لشرعت ذكاته قلت : وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت سمعت بعض الحنفية يقول : الدليل على أنه طاهر أنه إذا يبس أبيض بخلاف سائر الدماء فإنه يسود وهذه النكتة لهم في الأحتجاج على الشافعية الخامسة عشرة ( ولحم الخنزير ) خص الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكى أو لم يذك وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها السادسة عشرة أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير وقد إستدل مالك وأصحابه على من أن من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث بأكل اللحم فإن حلف الا يأكل لحما فأكل شحما حنث لأن اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم فإن حلف الأ يأكل لحما ولا يدخل اللحم في اسم الشحم وقد حرم الله تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه لأنه دخل تحت اسم اللحم وحرم الله تعالى على بني إسرائيل الشحوم بقوله : حرمنا عليهم شحومهما فلم يقع بهذا عليهم تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم فلهذا فرق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم إلا أن يكون للحالف نية في اللحم دون الشحم فلا يحنث والله تعالى أعلم ولا يحنث في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما وقال أحمد : إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل الشحم لا بأس به إلا أن يكون أراد اجتناب التسم السابعة عشرة لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به وقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخرازة بشعر الخنزير فقال : ( لا بأس بذلك ( ذكره بن خويز منداد قال : ولأن الخرازة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت وبعده موجودة ظاهرة لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده وما أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه الثامنة عشرة لا خلاف في تحريم خنزير البر كما ذكرنا وفي خنزير الماء خلاف وأبي مالك أن يجيب فيه بشئ وقال : أنتم تقولون خنزيرا وقد تقدم وسيأتي بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى التاسعة عشرة ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية وحكى بن سيده عن بعضهم أنه مشتق من خرز العين لأنه كذلك ينظر واللفظة على هذا ثلاثية وفي الصحاح : وتخازر الرجل إذا ضيق جفنه ليحدد النظر والخزر : ضيق العين وصغرها رجل أخزر بين الخزر ويقال : هو أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمؤخرها وجمع الخنزير خنازير والخنازير أيضا علة معروفة وهي قروح صلبة تحدث في الرقبة الموفية عشرين قوله تعالى : ( وما أهل به لغير الله ) أي ذكر عليه غير اسم الله تعالى وهي ذبيحة المجوسي والوثني والمعطل فالوثني يذبح للوثن والمجوسي للنار والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه ولا خلاف بين العلماء أن ما ذبحه المجوسي لناره والوثني لوثنه لا يؤكل ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره والثني لوثنه لا يؤكل ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره ووثنه وأجازهما بن المسيب وأبو ثور إذا ذبح لمسلم بأمره وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في سورة المائدة والإهلال : رفع الصوت يقال : أهل بكذا أي رفع صوته قال بن احمر يصف فلاة : يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر وقال النابغة : أو درة صدفية غواصها بهيج متى يرها يهل ويسجد ومنه إهلال الصبي واستهلاله وهو صياحه عند ولادته وقال بن عباس وغيره : المراد ما ذبح للانصاب والأوثان لا ما ذكر عليه اسم المسيح على ما يأتي بيانه في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق فقال : إنها مما أهل لغير الله به فتركها الناس قال بن عطية : ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن أمرأة مترفة صنعت للعبها عرسا فنحرت جزورا فقال الحسن : لا يحل أكلها فإنها إنما نحرت لصنم قلت : ومن هذا المعنى ما رويناه عن يحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم قال : أخبرنا جرير عن قابوس قال : أرسل أبي امرأة إلى عائشة رضي الله عنه وأمرها أن تقرأ عليها السلام منه وتسألها أية صلاة كانت أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدوم عليها قالت : كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات يطيل فيهن القيام ويحسن الركوع والسجود فأما ما لم يدع قط صحيحا ولا مريضا ولا شاهدا ركعتين قبل صلاة الغداة قالت امرأة عند ذلك من الناس : يا أم المؤمنين إن لنا أظارا من العجم لا يزال يكون لهم عيد فيهدون لنا منه أفنأكل منه شيئا قالت : أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم فيها تسع مسائل الأولى ) قرئ بضم النون للإتباع وبالكسر وهو الأصل لإلتقاء الساكنين وفيه إضمار أي فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي أحوج اليها فهو افتعل من الضرورة وقرأ بن محيصن فمن أطر بإدغام الضاد في الطاء وأبو السمال فمن أضطر بكسر الطاء وأصله أضطرر فلما أدغمت نقلت حركة الراء إلى الطاء الثانية والعشرون الأضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم أو يجوع في مخمصة والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيره العدم والغرث وهو الجوع إلى ذلك وهو الصحيح وقيل : معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات قال مجاهد : يعني أكره عليه كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى إلا أن الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة أو لا فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من الميتة إلأ أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعا كالتمر المعلق وحريسة الجبل ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا أذى وهذا مما لا اختلاف فيه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة بعضاه الشجر فثبنا إليها فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه فقال : ( ( إن هذه الإبل لإهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم بعد الله أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب به أترون ذلك عدلا ( قالوا لا فقال : ( ( إن هذه كذلك ( قلنا : أفرأيت إن أحتجنا إلى الطعام والشراب فقال : ( ( كل ولا تحمل واشرب ولا تحمل ( خرجه بن ماجه رحمه الله وقال : هذا الأصل عندي وذكره بن المنذر قال : قلنا يارسول الله ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا أضطر إليه قال : ( ( يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل ( قال بن المنذر : وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود إلى تحريم الله الأموال قال أبو عمر : وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم وتوجه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضى عليه بترميق تلك المهجة الآدمية وكان للممنوع منه ما له من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته وإن أتى ذلك على نفسه وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير فحينئذ يتعين عليه الفرض فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه فأوجبها موجبون وأباها آخرون وفي مذهبنا القولان جميعا ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة الثالثة والعشرين خرج بن ماجه أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شبابة ( ح ) وحدثنا محمد بن بشار ومحمد بن الوليد قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس قال : سمعت عباد بن شرحبيل رجلا من بني غبر قال : أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي فجاء صاحب الحائط فضربني واخذ ثوبي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال للرجل : ( ( ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا ولا علمته إذ كان جاهلا ( فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق قلت : هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم إلا بن أبي شيبة فإنه لمسلم وحده وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له البخاري ومسلم شيئا وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فيما ذكر أبو عمر رحمه الله وهو ينفى القطع والأدب في المخمصة وقد روى أبو داؤد عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل ( وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة ( قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم وذكر من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ( قال فيه : حديث حسن وفي حديث عمر رضي الله عنه : ( إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ ثبانا ( قال أبو عبيد قال أبو عمر : وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء فإن حملته بين يديك فهو ثبان يقال : قد تثبنت ثبانا فإن حملته على ظهرك فهو الحال يقال منه : قد تحولت كسائي إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع ولا يتخذ خبنة يقال منه : خبنت أخبن خبنا قال أبو عبيد : وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته قلت : لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة كما تقدم والله أعلم وإن كان الثاني وهو النادر في وقت من الأوقات فاختلف العلماء فيها على قولين : أحدهما أنه يأكل حتى يشبع ويتضلع ويتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر وإذا وجد عنها غني طرحها قال معناه مالك في موطئه وبه قال الشافعي وكثير من العلماء والحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحا ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده وحديث العنبر نص في ذلك فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد انطلقوا إلى ساحل البحر فرفع لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضخم فلما أتوه إذا هي دابة تدعى العنبر فقال أبو عبيدة أميرهم : ميتة ثم قال : لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال : فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا الحديث فأكلوا وشبعوا رضوان الله عليهم مما اعتقدوا أنه ميتة وتزودوا منها إلى المدينة وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حلال وقال : ( ( هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا فأرسلوا إلى رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم منه فأكله وقالت طائفة يأكل بقدر سد الرمق وبه قال بن الماجشون وبن حبيب وفرق أصحاب الشافعي بين حالة المقيم والمسافر فقالوا : المقيم يأكل بقدر ما يسد رمقه والمسافر يتضلع ويتزود : فإذا وجد غني عنها طرحها وإن وجد مضطرا أعطاه إياها ولا يأخذ منه عوضا فإن الميتة لا يجوز بيعها الرابعة العشرون فإن أضطر إلى خمر فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف وإن كان بجوع أو عطش فلا يشرب وبه قال مالك في العتبية قال : ولا يزيده الخمر إلا عطشا وهو قول الشافعي فإن الله تعالى حرم الخمر تحريما مطلقا وحرم الميتة بشرط عدم الضرورة وقال الإبهري : إن ردت الخمر عنه جوعا أو عطشا شربها لأن الله تعالى قال في الخنزير فإنه رجس ثم أباحه للضرورة وقال تعالى في الخمر إنها رجس فتدخل في إباحة الخنزير للضرورة بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس ولا بد أن تروي ولو ساعة وترد الجوع ولو مدة الخامسة والعشرون روى أصبغ عن بن القاسم أنه قال : يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل وقاله بن وهب ويشرب البول ولا يشرب الخمر لأن الخمر يلزم فيها الحد فهي أغلظ نص عليه أصحاب الشافعي السادسة والعشرون فإن غص بلقمة فهل يسيغها بخمر أو لا فقيل لا مخافة أن يدعى ذلك وأجاز ذلك بن حبيب لأنها حالة ضرورة بن العربي : أما الغاص بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى وأما فيما بيننا فإن شاهدناه فلا تخفى علينا بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها فيصدق إذا ظهر ذلك وإن لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنا ثم إذا وجد المضطر ميتة وخنزيرا ولحم بن آدم أكل الميتة لأنها حلال في حال والخنزير وبن آدم لا يحل بحال والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية وطىء الأجنبية لأنها تحل له بحال وهذا هو الضابط لهذه الأحكام ولا يأكل بن آدم ولو مات قاله علماؤنا وبه قال أحمد وداود احتج أحمد بقوله عليه السلام : ( ( كسر عظم الميت ككسره حيا ( وقال الشافعي : يأكل لحم بن آدم ولا يجوز له أن يقتل ذميا لأنه محترم الدم ولا مسلما ولا أسيرا لأنه مال الغير فإن كان حربيا أو زانيا محصنا جاز قتله والأكل منه وشنع داؤد على المزني بأن قال : قد أبحت أكل لحوم الأنبياء فغلب عليه بن شريح بأن قال : فأنت قد تعرضت لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر قال بن العربي : الصحيح عندي ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه والله أعلم السابعة والعشرون سئل مالك عن المضطر إلى أكل الميتة وهو يجد مال الغير تمرا أو زرعا أو غنما فقال : إن أمن الضرر على بدنه بحيث لا يعد سارقا ويصدق في قوله أكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا وذلك أحب إلى من أن يأكل الميتة وقد تقدم هذا المعنى مستوفي وإن هو خشى ألا يصدقوه وأن يعدوه سارقا فإن أكل الميتة أجوز عندي وله في أكل الميتة على هذه المنزلة سعة الثامنة والعشرون روى أبو داؤد قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده فقال رجل : إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته : أنحرها فأبى فنفقت فقالت : اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله فقال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله فقال : ( ( هل عندك غنى يغنيك ( قال لا قال : ( فكلوها ( قال : فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال : هلا كنت نحرتها فقال : استحييت منك قال بن خويز منداد : في هذا الحديث دليلان : أحدهما أن المضطر يأكل من الميتة وإن لم يخف التلف لأنه سأله عن الغني ولم يسأله عن خوفه على نفسه والثاني يأكل ويشبع ويدخر ويتزود لأنه أباحه الادخار ولم يشترط عليه ألا يشبع قال أبو داؤد : وحدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا الفضل بن دكين قال أنبأنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري قال : سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما يحل لنا الميتة قال : ( ( ما طعامكم ( قلنا : نغتبق ونصطبح قال أبو نعيم : فسره لي عقبة : قدح غدوة وقدح عشية قال : ( ذاك وأبي الجوع ( قال : فأحل لهم الميتة على هذه الحال قال أبو داؤد : الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول النهار وقال الخطابي : الغبوق العشاء والصبوح الغداء والقدح من اللبن بالغداة والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس وإن كان لا يغذي البدن ولا يشبع الشبع التام وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة فكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي قال بن خويز منداد : إذا جاز أن يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر : لا يجوز له أن يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه وإليه ذهب المزني قالوا : لأنه لو كان في الإبتداء بهذه الحال لم يجز له أن يأكل منها شيئا فكذلك إذا بلغها بعد تناولها وروى نحوه عن الحسن وقال قتادة : لا يتضلع منها بشيء وقال مقاتل بن حيان : لا يزداد على ثلاث لقم والصحيح خلاف هذا كما تقدم صلى الله عليه وسلم التاسعة والعشرون وأما التداوي بها فلا يخلو أن يحتاج إلى استعمالها قائمة العين أو محرقة فإن تغيرت بالإحراق فقال بن حبيب : يجوز التداوي بها والصلاة وخففه بن الماجشون بناء على أن الحرق تطهير لتغير الصفات وفي العتبية من رواية مالك في المرتك يصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى يغسله وإن كانت الميتة قائمة بعينها فقد قال سحنون : لا يتداوى بها بحال ولا بالخنزير لأن منها عوضا حلالا بخلاف المجاعة ولو وجد منها عوض في المجاعة لم تؤكل وكذلك الخمر لا يتداوى بها قاله مالك وهو ظاهر مذهب الشافعي وهو اختيار بن أبي هريرة من أصحابه وقال أبو حنيفة : يجوز شربها للتداوي دون العطش وهو اختيار القاضي الطبري من أصحاب الشافعي وهو قول الثوري وقال بعض البغداديين من الشافعية : يجوز شربها للعطش دون التداوي لأن ضرر العطش عاجل بخلاف التداوي وقيل : يجوز شربها للأمرين جميعا ومنع بعض أصحاب الشافعي التداوي بكل محرم إلا بأبوال الإبل خاصة لحديث العرنيين ومنع بعضهم التداوي بكل محرم لقوله عليه السلام : ( إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم ( ولقوله عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال : ( إنه ليس بدواء ولكنه داء ( رواه مسلم في الصحيح وهذا يحتمل أن يقيد بحالة الإضطرار فإنه يجوز التداوي بالسم ولايجوز شر به والله أعلم الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( غير باغ ) غير نصب على الحال وقيل : على الإستثناء وإذا رأيت غير يصلح في موضعه في فهي حال وإذا صلح موضعها إلا فهي استثناء فقس عليه وباغ أصله باغي ثقلت الضمة على الياء فسكنت والتنوين ساكن فحذفت الياء والكسرة تدل عليها والمعنى فيما قال قتادة والحسن والربيع وبن زيد وعكرمة غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها وقال السدي : غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع وقال مجاهد وبن جبير وغيرهما : المعنى غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله وهذا صحيح فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال : بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت قال الله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد والعرب تقول : خرج الرجل في بغاء إبل له اي في طلبها ومنه قول الشاعر : لا يمنعنك من بغا الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم الحادية الثلاثون قوله تعالى : ( ولا عاد ) أصل عاد عائد فهو من المقلوب كشاكي السلاح وهار ولاث والأصل شائك وهائر ولائث من لثت العمامة فأباح الله في حالة الإضطرار أكل جميع المحرمات لعجزه عن جميع المباحات كما بينا فصار عدم المباح شرطا في استباحة المحرم الثانية والثلاثون واختلف العلماء إذا اقترن بضرورته معصية بقطع طريق وإخافة سبيل فحظرها عليه مالك والشافعي في أحد قوليه لأجل معصيته لأن الله سبحانه أباح ذلك عونا والعاصي لا يحل أن يعان فإن أراد الأكل فليتب وليأكل وأباحها له أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر له وسويا في استباحته بين طاعته ومعصيته قال بن العربي : وعجبا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية وما أظن أحدا يقوله فإن قاله فهو مخطئ قطعا قلت : الصحيح خلاف هذا فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم وهذا عام ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان وقد قال مسروق : من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار إلا أن يعفو الله عنه قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا : وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا وليس تناول الميتة من رخص السفر أو متعلقا بالسفر بل هو من نتائج الضرورة سفرا كان أو حضرا وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء قال : وهو الصحيح عندنا قلت : واختلفت الروايات عن مالك في ذلك فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقى : أنه يجوز له الأكل في سفر المعصية ولا يجوز له القصر والفطر وقال بن خويز منداد : فأما الأكل عند الإضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما وليس كذلك الفطر والقصر لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه لأن هذه الرخصة تختص بالسفر ولذلك قلنا : إنه يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية لأن التيمم في الحضر والسفر سواء وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها وفي تركه الأكل تلف نفسه وتلك أكبر المعاصي وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة أيجوز أن يقال له : إرتكبت معصية فارتكب أخرى أيجوز أن يقال لشارب الخمر : إزن وللزاني : اكفر أو يقال لهما : ضيعا الصلاة ذكر هذا كله في أحكام القرآن له ولم يذكر خلافا عن مالك ولا عن أحد من أصحابه وقال الباجي : وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي أن العاصي بسفره يقصر الصلاة ويفطر في رمضان فسوى بين ذلك كله وهو قول أبي حنيفة ولا خلاف أنه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل وأنه مأمور بالأكل على وجه الوجوب ومن كان في سفر معصية لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصيام والصلاة بل يلزمه الإتيان بها فكذلك ما ذكرناه وجه القول الأول أن هذه المعاني إنما أبيحت في الأسفار لحاجة الناس إليها فلا يباح له أن يستعين بها على المعاصي وله سبيل إلى الا يقتل نفسه قال بن حبيب : وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته وتعلق بن حبيب في ذلك بقوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فاشترط في إباحة الميتة للضرورة ألا يكون باغيا والمسافر على وجه الحرابة أو القطع أو في قطع رحم أو طالب إثم باغ ومعتد فلم توجد فيه شروط الإباحة والله أعلم قلت : هذا استدلال بمفهوم الخطاب وهو مختلف فيه بين الأصوليين ومنظوم الآية أن المضطر 2 غير باغ ولا عاد ولا إثم عليه وغيره مسكوت عنه والأصل عموم الخطاب فمن أدعى زواله لأمر ما فعليه الدليل الرابعة والثلاثون قوله تعالى : ( فإن الله غفور رحيم ) أي يغفر المعاصي فأولى ألا يؤاخذ بما رخص فيه ومن رحمته أنه رخص < <
البقرة : ( 174 ) إن الذين يكتمون . . . . . > > < > ( البقره 174 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) يعني علماء اليهود كتموا ما أنزل في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته ومعنى أنزل : أظهر كما قال تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله أي سأظهر وقيل : هو على بابه من النزول اي ما أنزل به ملائكته على رسله ( ويشترون به ) اي بالمكتوم ( ثمنا قليلا ) يعني أخذ الرشاء وسماه قليلا لإنقطاع مدته وسوء عاقبته وقيل : لأن ما كانوا يأخذونه من 2 الرشاء كان قليلا قلت : وهذه الآية إن كانت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها وقد تقدم هذا المعنى قوله تعالى : ( في بطونهم ) ذكر البطون دلالة وتأكيدا على حقيقة الأكل إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على جشعهم وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له ومعنى إلا النار أي إنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار فسمى ما أكلوه من الرشاء نارا لأنه يؤديهم إلى النار هكذا قال أكثر المفسرين وقيل : أي إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة فأخبر عن المال بالحال كما قال تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نار النساء أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك ومنه قولهم : لدوا للموت وابنوا للخراب قال : فللموت ما تلد الوالده آخر : ودورنا لخراب الدهر نبنيها وهو في القرآن والشعر كثير قوله تعالى : ( ولا يكلمهم الله ) عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم يقال : فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه وقال الطبري : المعنى ولا يكلمهم بما يحبونه وفي التنزيل : إخسئوا فيها ولا تكلمون وقيل : المعنى ولا يرسل اليهم الملائكة بالتحية ( ولا يزكيهم ) أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم وقال الزجاج : لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء و ( أليم ) بمعنى مؤلم وقد تقدم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر ( وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم ومعنى لا ينظر إليهم لا يرحمهم ولا يعطف عليهم وسيأتي في آل عمران إن شاء الله تعال 2 ى < < البقرة : ( 175 ) أولئك الذين اشتروا . . . . . > > < > ( لبقره 175 ) <
> قوله تعالى : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ) تقدم القول فيه ولما كان العذاب تابعا للضلالة وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه دخلا في تجوز الشراء قوله تعالى : ( فما أصبرهم على النار ) مذهب الجمهور منهم الحسن ومجاهد أن ما معناه التعجب وهو مردود إلى المخلوقين كأنه قال : أعجبوا من صبرهم على النار ومكثهم فيها وفي التنزيل : قتل الإنسان ما أكفره عبس وأسمع بهم وأبصر مريم وبهذا المعنى صدر أبو علي قال الحسن وقتادة وبن جبير والربيع : ما لهم والله عليها من صبر ولكن ما أجراهم على النار وهي لغة يمنية معروفة قال الفراء : أخبرني الكسائي قال : أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف فقال له صاحبه ما أصبرك على الل ه أي ما أجرأك عليه والمعنى ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار من قولهم : ما أصبر فلانا على الحبس أي ما أبقاه فيه وقيل : المعنى فما أقل جزعهم من النار فجعل قله الجزع صبرا وقال الكسائي وقطرب : أي ما أدومهم على عمل أهل النار وقيل : ما استفهام معناه التوبيخ قاله بن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى ومعناه : أي أي شيء صبرهم على عمل أهل النار وقيل : هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم < < البقرة : ( 176 ) ذلك بأن الله . . . . . > > < > ( البقره 176 ) < > قوله تعالى : ( ذلك ) ذلك في موضع رفع وهو إشارة إلى الحكم كأنه قال : ذلك الحكم بالنار وقال الزجاج : تقديره الأمر ذلك أو ذلك الأمر أو ذلك العذاب لهم قال الأخفش : وخبر ذلك مضمر معناه ذلك معلوم لهم وقيل : محله نصب معناه فعلنا ذلك بهم ( بأن الله نزل الكتاب ) يعني القرآن في هذا الموضع ( بالحق ) أي بالصدق وقيل بالحجة ( وإن الذين اختلفوا في الكتاب ) يعني التوراة فادعى النصاري أن فيها صفة عيسى وأنكر اليهود صفته وقيل : خالفوا آباءهم وسلفهم في التمسك بها وقيل : خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيها وقيل : المراد القرآن والذين اختلفوا كفار قريش يقول بعضهم : هو سحر وبعضهم يقول : أساطير الأولين وبعضهم : مفتري إلى غير ذلك وقد تقدم القول في معنى الشقاق والحمد لله < < البقرة : ( 177 ) ليس البر أن . . . . . > > < > ( البقره 177 ) <
> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ليس البر ) اختلف من المراد بهذا الخطاب فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر فأنزل الله هذه الآية قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم مات على ذلك وجبت له الجنة فأنزل الله هذه الآية وقال الربيع وقتادة أيضا : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه ولكن البر من آمن بالله الثانية قرأ حمزة وحفص البر بالنصب لأن ليس من أخوات كان يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الأسم أو الخبر فلما وقع بعد ليس البر نصبه وجعل أن تولوا الأسم وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف وقرأ الباقون البر بالرفع على أنه أسم ليس وخبره أن تولوا تقديره : ليس البر توليتكم وجوهكم وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر كقوله : ما كان حجتهم ألا أن قالوا ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءا أن كذبوا فكان عاقبتهما أنهما في النار الحشر وما كان مثله ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولا يجوز فيه إلا الرفع فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له وكذلك هو في مصحف أبى بالباء ليس البر بأن تولوا وكذلك في مصحف بن مسعود أيضا وعليه أكثر القراء والقراءتان حسنتان الثالثة قوله تعالى : ( ولكن البر من آمن بالله ) البر ها هنا اسم جامع للخير والتقدير : ولكن البر بر من آمن فحذف المضاف كقوله تعالى : واسأل القرية وأشربوا في قلوبهم العجل قاله الفراء وقطرب والزجاج وقال الشاعر : فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال وذات إدبار وقال النابغة : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب أي كخلالة أبي مرحب فحذف وقيل : المعنى ولكن ذا البر كقوله تعالى : هم درجات عند الله أي ذوو درجات وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل الله هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ولكن البر أي ذا البر من آمن بالله إلى آخرها قاله بن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا ويجوز أن يكون البر بمعنى البار والبر والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر كما يقال : رجل عدل وصوم وفطر وفي التنزيل : إن أصبح ماؤكم غورا الملك أي غائرا وهذا اختيار أبي عبيدة وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر بفتح الباء الرابعة قوله تعالى : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ) فقيل : يكون الموفون عطفا على من لأن من في موضع جمع ومحل رفع كأنه قال : ولكن البر المؤمنون والموفون قاله الفراء والأخفش والصابرين نصب على المدح أو بإضمار فعل والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام وينصبونه فأما المدح فقوله : والمقيمين الصلاة وأنشد الكسائي : وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الظاعنين ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها وأنشد أبو عبيدة : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر وقال آخر : نحن بني ضبة أصحاب الجمل فنصب على المدح وأما الذم فقوله تعالى : ملعونين أينما ثقفوا الآية وقال عروة بن الورد : سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور وهذا مهيع في النعوت لا مطعن فيه من جهة الإعراب موجود في كلام العرب كما بينا وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام قال : والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها وهكذا قال في سورة النساء والمقيمين الصلاة وفي سورة المائدة والصابئون المائدة والجواب ما ذكرناه وقيل : الموفون رفع على الإبتداء والخبر محذوف تقديره وهم الموفون وقال الكسائي : والصابرين عطف على ذوي القربى كأنه قال : وآتى الصابرين قال النحاس : : وهذا القول خطأ وغلط بين لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة من وإذا رفعت والموفون على أنه نسق على من فقد نسقت على من من قبل أن تتم الصلة وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف وقال الكسائي : وفي قراءة عبد الله والموفين والصابرين وقال النحاس : يكونان منسوقين على ذوي القربى أو على المدح قال الفراء : وفي قراءة عبد الله في النساء والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة وقرأ يعقوب والأعمش والموفون والصابرون بالرفع فيهما وقرأ الجحدري بعهودهم وقد قيل : إن والموفون عطف على الضمير الذي في آمن وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه إذ ليس المراد أن البر بر من آمن بالله هو والموفون أي آمنا جميعا كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو وإنما الذي بعد قوله من آمن تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم الخامسة قال علماؤنا : هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وقد أتينا عليها في الكتاب الأسنى والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعاة والجنة والنار وقد أتينا عليها في كتاب التذكرة والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله كما تقدم والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك ومراعاة بن السبيل قيل المنقطع به وقيل : الضيف والسؤال وفك الرقاب وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب وتقدم التنبيه على أكثرها ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن شاء الله تعالى واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا أو لا يعطى حتى يكون فقيرا قولان للعلماء وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة على ما نبينه آنفا السادسة قوله تعالى : ( وآتى المال على حبه ) استدل به من قال : إن في المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر وقيل : المراد الزكاة المفروضة والأول أصح لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن في المال حقا سوى الزكاة ( ثم تلا هذه الآية ليس البر أن تولوا وجوهكم إلى آخر الآية وأخرجه بن ماجه في سننه والترمذي في جامعه وقال : هذا حديث ليس إسناده بذاك وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح قلت : والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى : وأقام الصلاة وآتى الزكاة فذكر الزكاة مع الصلاة وذلك دليل على أن المراد بقوله : وآتى المال على حبه ليس الزكاة المفروضة فإن ذلك كان يكون تكرارا والله أعلم واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها قال مالك رحمه الله : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضا وهو يقوي ما اخترناه والموفق الإله السابعة قوله تعالى : ( على حبه ) الضمير في حبه اختلف في عوده فقيل : يعود على المعطي للمال وحذف المفعول وهو المال ويجوز نصب ذوي القربى بالحب فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى وقيل : يعود على المال فيكون المصدر مضافا إلى المفعول قال بن عطية : ويجيء قوله على حبه اعتراضا بليغا أثناء القول قلت : ونظيره قوله الحق : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا فإنه جمع المعنيين الإعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول أي على حب الطعام ومن الإعتراض قوله الحق : ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فاولئك وهذا عندهم يسمى التتميم وهو نوع من ويسمى أيضا الإحتراس والإحتياط فتمم بقوله على حبه وقوله : وهو مؤمن ومنه قول زهير : من يلق يوما على علاته هرما يلق السماحة منه والندى خلقا وقال امرؤ القيس : على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين جرى غير كز ولا وان فقوله : على علاته وقبل سؤاله تتميم حسن ومنه قول عنترة : أثنى علي بما علمت فإنني سهل مخالفتي إذا لم أظلم فقوله : إذأ لم أظلم تتميم حسن وقال طرفة : فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى وقال الربيع بن ضبع الفزاري : فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي وكل أمريء إلا أحاديثه فان فقوله : غير مفسدها وإلا أحاديثه تتميم واحتراس وقال أبو هفان : فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم وأفنى الندى أموالنا غير عائب فقوله : غير ظالم وغير عائب تتميم واحتياط وهو في الشعر كثير وقيل : يعود على الإيتاء لأن الفعل يدل على مصدره وهو كقوله تعالى : ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم أي البخل خيرا لهم فإذا أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم وقيل : يعود على اسم الله تعالى في قوله : من آمن بالله والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء الثامنة قوله تعالى : ( والموفون بعدهم إذا عاهدوا ) أي فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس ( والصابرين في البأساء والضراء ) البأساء : الشدة والفقر والضراء : المرض والزمانة قاله بن مسعود وقال عليه السلام : ( يقول الله تعالى أيما عبد من عبادي إبتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته وليس له ذنب ( قيل : يا رسول الله ما لحم خير من لحمه قال : ( لحم لم يذنب ( قيل : فما دم خير من دمه قال : ( دم لم يذنب ( والبأساء والضراء إسمان بنيا على فعلاء ولا فعل لهما لأنهما إسمان وليسا بنعت ( حين البأس ) أي وقت الحرب قوله تعالى : ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها وأنهم كانوا جادين في الدين وهذا غاية الثناء والصدق : خلاف الكذب ويقال : صدقوهم القتال والصديق : الملازم للصدق وفي الحديث : ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا < <
البقرة : ( 178 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( البقره 178 ) <
> فيه سبع عشرة مسألة : الأولى روى البخاري والنسائي والدارقطني عن بن عباس قال : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شيء فالعفو أن يقبل الدية في العمد فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من كان قبلكم فمن أعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم قتل بعد قبول الدية هذا لفظ البخاري : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت مجاهدا قال سمعت بن عباس يقول وقال الشعبي في قوله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى قال : أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا فقالوا : نقتل بعبدنا فلان بن فلان وبأمتنا فلانة بنت فلان ونحوه عن قتادة الثانية قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص ) كتب معناه فرض وأثبت ومنه قول عمر بن أبي ربيعة : كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول وقد قيل : إن كتب هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو إتباعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار وقص الشعر إتباع أثره فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك ومنه فارتدا على آثارهما قصصا الكهف وقيل : القص القطع يقال : قصصت ما بينهما ومنه أخذ القصاص لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به يقال : أقص الحاكم فلانا من فلان وأباءه به فأمثله فإمتثل منه أي إقتص منه الثالثة صورة القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد ألولي القتل الإستلام لأمر الله والإنقياد لقصاصه المشروع وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل وهو معنى قوله عليه السلام : ( إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول الجاهلية ( قال الشعبي وقتادة وغيرهما : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد قتله عبد قوم آخرين قالوا : لا نقتل به إلا حرا وإذا قتلت منهم إمرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا وإذا قتل لهم وضيع قالوا : لا نقتل به إلا شريفا ويقولون : القتل أوقى للقتل بالواو والقاف ويروى أبقى بالباء والقاف ويروى أنفى بالنون والفاء فنهاهم الله عن البغي فقال : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد الآية وقال ولكم في القصاص حياة وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم الرابعة لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود وليس القصاص بلازم وإنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الإعتداء فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح على ما يأتي بيانه فإن قيل : فإن قوله تعالى : كتب عليكم معناه فرض وألزم فكيف يكون القصاص غير واجب قيل له : معناه إذا أردتم فإعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح والقتلى جمع قتيل لفظ مؤنث تأنيث الجماعة وهو مما يدخل على الناس كرها فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى وشبههن الخامسة قوله تعالى : ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) الآية اختلف في تأويلها فقالت طائفة : جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه فبينت حكم الحر إذا قتل حرا والعبد إذا قتل عبدا والأنثى إذا قتلت أنثى ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة قاله مجاهد وذكره أبو عبيد عن بن عباس وروي عن بن عباس أيضا أنها منسوخة بآية المائدة وهو قول أهل العراق السادسة قال الكوفيون والثوري : يقتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي واحتجوا بقوله تعالى : يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى فعم وقوله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قالوا : والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد فإن الذمي محقون الدم على التأبيد والمسلم كذلك وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه وإتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وبن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به وهو قول داؤد وروي ذلك عن علي وبن مسعود رضي الله عنه وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد للتنويع والتقسيم في الآية وقال أبو ثور : لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض وأيضا فالإجماع فيمن قتل عبدا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد وأيضا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى ويتصرف فيه الحر كيف شاء فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة قلت : هذا الإجماع صحيح وأما قوله أولا : ولما اتفق جميعهم إلى قوله فقد ناقض فقد قال بن أبي ليلى وداؤد بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي جميع الأعضاء واستدل داؤد بقوله عليه السلام : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ( فلم يفرق بين حر وعبد وسيأتي بيانه في النساء إن شاء الله تعالى السابعة والجحمهور أيضا على أنه لا يقتل مسلم بكافر لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقتل مسلم بكافر ( أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر لأنه منقطع ومن حديث بن البيلماني وهو ضعيف عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا قال الدارقطني : لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث والصواب عن ربيعة عن بن البيلماني مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم وبن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله قلت : فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري وهو يخصص عموم قوله تعالى : كتب عليكم القصاص في القتلى الآية وعموم قوله : النفس بالنفس الثامنة روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدا أو عبد حرا أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرا وقالا : إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها واخذوا نصف الدية وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها روي هذا الشعبي عن علي ولا يصح لأن الشعبي لم يلق عليا وقد روى الحكم عن علي وعبد الله قالا : إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل رجلا سالم الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور ويأخذ منه نصف الدية من أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور وقتل ذا يدين وهو أشل فهذا يدل على أن النفس مكافئة للنفس ويكافئ الطفل فيها الكبير ويقال لقائل ذلك : إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ( فلم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدية والعلماء قد أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع القصاص وأن الدية إذا قبلت حرم الدم وارتفع القصاص فليس قولك هذا بأصل ولا قياس قاله أبو عمر رضي الله عنه وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد هذا مذكور عن علي والحسن وقد أنكر ذلك عنهم أيضا التاسعة وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل والجمهور لا يرون الرجوع بشئ وفرقة ترى الإتباع بفضل الديات قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور : وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة : لا قصاص بينهما فيما دون النفس بالنفس وإنما هو في النفس بالنفس وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأخرى والأولى على ما تقدم العاشرة قال بن العربي : ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا : يقتل الحر بعبد نفسه ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قتل عبده قتلناه ( وهو حديث ضعيف ودليلنا قوله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل والولي ها هنا السيد فكيف يجعل له سلطان على نفسه وقد إتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به فإن قيل : فإذا قتل الرجل زوجته لم لم تقولوا : ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج إذ النكاح ضرب من الرق وقد قال ذلك الليث بن سعد قلنا : النكاح ينعقد لها عليه كما ينعقد له عليها بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعا سواها وتطالبه في حق الوطء بما يطالبها ولكن له عليها فضل القوامة التي جعل الله له عليها بما أنفق من ماله أي بما وجب عليه من صداق ونفقة فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين قلت : هذا الحديث الذي ضعفه بن العربي وهو صحيح أخرجه النسائي وأبو داؤد وتتميم متنه : ( ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه ( وقال البخاري عن علي بن المديني : سماع الحسن من سمرة صحيح وأخذ بهذا الحديث وقال البخاري : وأنا أذهب إليه فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان وحسبك بهما ويقتل الحر بعبد نفسه قال النخعي والثوري في أحد قوليه وقد قيل : إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة والله أعلم واختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس هذا قول عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله والزهري وقران ومالك والشافعي وأبو ثور وقال الشعبي والنخعي والثوري ؤابو حنيفة : لا قصاص بينهم إلا في النفس قال بن المنذر : الأول أصح الحادية عشرة روى الدارقطني وأبو عيسى الترمذي عن سراقة بن مالك قال : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه ولا يقيد الإبن من أبيه قال أبو عيسى : هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه وليس إسناده بصحيح رواه إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح والمثنى يضعف في الحديث وقد روى هذا الحديث أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلا وهذا الحديث فيه اضطراب والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل به وإذا قذفه لا يحد وقال بن المنذر : اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عمدا فقالت طائفة : لا قود عليه وعليه ديته وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك عن عطاء ومجاهد وقال مالك وبن نافع وبن عبد الحكم : يقتل به وقال بن المنذر : وبهذا نقول لظاهر الكتاب والسنة فأما ظاهر الكتاب فقوله تعالى : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ( ولا نعلم خبرا ثابتا يجب به استثناء الأب من جملة الآية وقد روينا فيه أخبارا غير ثابتة وحكى الكيا الطبري عن عثمان البتي أنه يقتل الوالد بولده للعمومات في القصاص وروي مثل ذلك عن مالك ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن قلت : لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمدا مثل أن يضجعه ويذبحه أو يصبره مما لا عذر له فيه ولا شبهة في أدعاء الخطأ أنه يقتل به قولا واحدا فأما إن رماه بالسلاح أدبا أو حنقا فقتله ففيه في المذهب قولان : يقتل به ولا يقتل به وتغلظ الدية وبه قال جماعة العلماء ويقتل الأجنبي بمثل هذا بن العربي : سمعت شيخنا فخر الإسلام الشاشي يقول في النظر : لا يقتل الأب بإبنه لأن الأب كان سبب وجوده فكيف يكون هو سبب عدمه وهذا يبطل بما إذا زنى بأبنته فإنه يرجم وكان سبب وجودها وتكون هي سبب عدمه ثم أي فقه تحت هذا ولم لا يكون سبب عدمه إذا عصى الله تعالى في ذلك وقد أثروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يقاد الوالد بولده ( وهو حديث باطل ومتعلقهم أن عمر رضي الله عنه قضى بالدية مغلظة في قاتل ابنه ولم ينكر أحد من الصحابة عليه فأخذ سائر الفقهاء ( رضي الل ه عنهم ) المسألة مسجلة وقالوا : لا يقتل الوالد بولده وأخذها مالك محكمة مفصلة فقال : إنه لو حذفه بالسيف وهذه حالة محتملة لقصد القتل وعدمه وشفقة الأبوة شبهة منتصبة شاهدة بعدم القصد إلى القتل تسقط القود فإذا أضجعه كشف الغطاء عن قصده فالتحق بأصله قال بن المنذر : وكان مالك والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : إذا قتل الأبن الأب قتل به الثانية عشرة وقد استدل الإمام أحمد بن حنبل بهذه الآية على قوله : لا تقتل الجماعة بالواحد قال : لأن الله سبحانه شرط المساواة ولا مساواة بين الجماعة والواحد وقد قال تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل وتقتل في مقابلة الواحد مائة افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة وذلك بأن يقتل من قتل وقد قتل عمر رضي الله عنه سبعة برجل بصنعاء وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا وقتل علي رضي الله عنه الحرورية بعبدالله بن خباب فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا فلما ذبحوا عبد الله بن خباب كما تذبح الشاة وأخبر علي بذلك قال : الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب فقالوا : كلنا قتله ثلاث مرات فقال علي لأصحابه : دونكم القوم فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه خرج الحديثين الدارقطني في سننه وفي الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار ( وقال فيه : حديث غريب وأيضا فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم وبلغوا الأمل من التشفي ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ والله أعلم وقال بن المنذر : وقال الزهري وحبيب بن أبي ثابت وبن سيرين : لا يقتل أثنان بواحد روينا ذلك عن معاذ بن جبل وبن الزبير وعبد الملك قال بن المنذر : وهذا أصح ولا حجة مع من أباح قتل جماعة بواحد وقد ثبت عن بن الزبير ما ذكرناه الثالثة عشرة روى الأئمة عن أبي شريح الكعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقلة فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل أو يقتلوا ( لفظ أبي داؤد وقال الترمذي : حديث حسن صحيح وروي عن أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية ( وذهب إلى هذا بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق الرابعة عشرة اختلف أهل العلم في أخذ الدية من قاتل العمد فقالت طائفة : ولي المقتول بالخيار إن شاء أقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل يروي هذا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن ورواه أشهب عن مالك وبه قال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وحجتهم حديث أبي شريح وما كان في معناه وهو نص في موضع الخلاف وأيضا من طريق النظر فإنما لزمته الدية بغير رضاه لأن فرضا عليه إحياء نفسه وقد قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم وقوله : فمن عفى له من أخيه شيء أي ترك له دمه في أحد التأويلات ورضي منه بالدية فآتباع بالمعروف أي فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف في المطالبة بالدية وعلى القاتل أداء إليه بإحسان أي من غير مماطلة وتأخير عن الوقت ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) أي أن من كان قبلنا لم يفرض الله عليهم غير النفس بالنفس فتفضل الله على هذه الأمة بالدية إذا رضي بها ولي الدم على ما يأتي بيانه وقال آخرون : ليس لولي المقتول إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل رواه بن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه وبه قال الثوري والكوفيون واحتجوا بحديث أنس في قصة الربيع حين كسرت ثنية المرأة رواه الأئمة قالوا : فلما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال : ( القصاص كتاب الله القصاص كتاب الله ( ولم يخبر المجني عليه بين القصاص والدية ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص والأول أصح لحديث أبي شريح المذكور وروى الربيع عن الشافعي قال : أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي قال : وحدثني بن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح : ( من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود ( فقال أبو حنيفة : فقلت لأبن أبي ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري وصاح على صياحا كثيرا ونال مني وقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : تأخذ به نعم آخذ به وذلك الفرض على وعلي من سمعه إن الله عز وجل ثناؤه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك قال : وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت الخامسة عشرة قوله تعالى : ( فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) اختلف العلماء في تأويل من وعفى على تأويلات خمس : أحدها أن من يراد بها القاتل وعفى تتضمن عافيا هو ولي الدم والأخ هو المقتول وشيء هو الدم الذي يعفي عنه ويرجع إلى أخذ الدية هذا قول بن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء والعفو في هذا القول على بابه الذي هو الترك والمعنى : أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول عن دم مقتوله وأسقط القصاص فإنه يأخذ الدية ويتبع بالمعروف ويؤدي إليه القاتل بإحسان الثاني وهو قول مالك أن من يراد به الولي وعفى يسر لا على بابها في العفو والأخ يراد به القاتل وشيء هو الدية أي أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه فمرة تيسر ومرة لا تيسر وغير مالك يقول : إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه وقد روي عن مالك هذا القول ورجحه كثير من أصحابه وقال أبو حنيفة : إن معنى عفى بذل والعفو في اللغة البذل ولهذا قال الله تعالى : خذ العفو أي ما سهل وقال أبو الأسود الدؤلي : خذي العفو مني تستديمي مودتي وقال صلى الله عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ( يعني شهد الله على عباده فكأنه قال : من بذل له شيء من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف وقال قوم : وليؤد إليه القاتل بإحسان فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة المائدة فمن تصدق به فهو كفارة له فندب إلى رحمة العفو والصدقة وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني بإعطاء الدية ثم أمر الولي باتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان وقد قال قوم : إن هذه الألفاظ في المعنيين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة ومعنى الآية : فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات ويكون عفى بمعنى فضل روى سفيان بن حسين بن شوعة عن الشعبي قال : كان بين حيين من العرب قتال فقتل من هؤلاء وهؤلاء وقال أحد الحيين : لا نرضى حتى يقتل بالمرأة الرجل وبالرجل المرأة فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام : ( القتل سواء ( فاصطلحوا على الديات ففضل أحد الحيين على الآخر فهو قوله : كتب إلى قوله : فمن عفى له من أخيه شيء يعني فمن فضل له على أخيه فضل فليؤده بالمعروف فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية وذكر سفيان العفو هنا الفضل وهو معنى يحتمله اللفظ وتأويل خامس وهو قول علي رضي الله عنه والحسن في الفضل بين دية الرجل والمرأة والحر والعبد اي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف وعفى في هذا الموضع أيضا بمعنى فضل السادسة عشرة هذه الآية حض من الله تعالى على حسن الأقتضاء من الطالب وحسن القضاء من المؤدي وهل ذلك على الوجوب أو الندب فقراءة الرفع تدل على الوجوب لأن المعنى فعليه اتباع بالمعروف قال النحاس : فمن عفي له شرط والجواب لأن المعنى فعليه اتباع بالمعروف قال النحاس فمن عفى له شرط والجواب فاتباع وهو رفع بالابتداء والتقدير فعليه اتباع بالمعروف ويجوز في غير القرآن فاتباعا وأداء بجعلهما مصدرين قال بن عطية : وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة فاتباعا بالنصب والرفع سبيل للواجبات كقوله تعالى : فإمساك بمعروف وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا كقوله : فضرب الرقاب السابعة عشرة قوله تعالى : ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية فجعل الله تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة فمن شاء قتل ومن شاء أخذ الدية ومن شاء عفا قوله تعالى : ( فمن أعتدى بعد ذلك فله ) شرط وجوابه أي قتل بعد أخذ الدية وسقوط الدم قاتل وليه ( فله عذاب أليم ) قال الحسن : كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فر إلى قومه فيجئ قومه فيصالحون بالدية فيقول ولي المقتول : إني أقبل الدية حتى يأمن القاتل ويخرج فيقتله ثم يرمى إليهم بالدية واختلف العلماء فيمن قتل بعد أخذ الدية فقال جماعة من العلماء منهم مالك والشافعي : هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل البتة ولا يمكن الحاكم الولي من العفو وروى أبو داؤد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية ( وقال الحسن : عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى وفي سنن الدارقطني عن أبي شريح الخزاعي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أصيب بدم أو خبل والخبل عرج فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل فإن قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا < <
البقرة : ( 179 ) ولكم في القصاص . . . . . > > < > ( البقره 179 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) هذا من الكلام البليغ الوجيز كما تقدم ومعناه : لا يقتل بعضكم بعضا رواه سفيان عن السدي عن أبي مالك والمعنى : أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه إزدجر من يريد قتل آخر مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معا وكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمى قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعيا إلى قتل العدد الكثير فلما شرع الله القصاص قنع الكل به وتركوا الاقتتال فلهم في ذلك حياة الثانية اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض الثالثة وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدى على أحد من رعيته إذ هو واحد منهم وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل وذلك لا يمنع القصاص وليس بينهم وبين العامة فرق في أحكام الله عز وجل لقوله جل ذكره : كتب عليكم القصاص في القتلى وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملا قطع يده : لئن كنت صادقا لأقيدنك منه وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا إذ أكب عليه رجل فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه فصاح الرجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تعال فاستقد ( قال : بل عفوت يارسول الله وروى أبو داؤد الطيالسي عن أبي فراس قال : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي أقيده منه فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته لتقصنه منه قال : كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه ولفظ أبي داؤد السجستاني عنه قال : خطبنا عمر بن الخطاب فقال : إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم فمن فعل ذلك به فليرفعه الي أقصه منه وذكر الحديث بمعناه الرابعة قوله تعالى : ( لعلكم تتقون ) تقدم معناه والمراد هنا تتقون القتل فتسلمون من القصاص ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي ولكم في القصص حياة قال النحاس : قراءة أبي الجوزاء شاذة قال غيره : يحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص وقيل : أراد بالقصص القرآن أي لكم في كتاب الله الذي شرع فيه القصص حياة أي نجاة < < البقرة : ( 180 ) كتب عليكم إذا . . . . . > > < > ( البقره 180 ) <
> فيه إحدى وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( كتب عليكم ) هذه آية الوصية وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية وفي النساء : من بعد وصية وفي المائدة : حين الوصية والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث على ما يأتي بيانه وفي الكلام تقدير واو العطف أي وكتب عليكم فلما طال الكلام أسقطت الواو ومثله في بعض الأقوال : لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى الليل أي والذي فحذف وقيل : لما ذكر أن لولي الدم أن يقتص فهذا الذي أشرف على من يقتص منه وهو سبب الموت فكأنما حضره الموت فهذا أوان الوصية فالآية مرتبطة بما قبلها ومتصلة بها فلذلك سقطت واو العطف وكتب معناه فرض وأثبت كما تقدم وحضور الموت : أسبابه ومتى حضر السبب كنت به العرب عن المسبب قال شاعرهم : يأيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إني أنا الموت وقال عنترة : وإن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندوان وقال جرير في مهاجاة الفرزدق : أنا الموت الذي حدثت عنه فليس لهارب مني نجاء الثانية إن قيل : لم قال كتب ولم يقل كتبت والوصية مؤنثة قيل له : إنما ذلك لأنه أراد بالوصية الإيصاء وقيل : لأنه تخلل فاصل فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث تقول العرب : حضر القاضي اليوم إمرأة وقد حكى سيبويه : قام إمرأة ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل الثالثة قوله تعالى : ( إن ترك خيرا ) إن شرط وفي جوابه لأبي الحسن الأخفش قولان قال الأخفش : التقدير فالوصية ثم حذفت الفاء كما قال الشاعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان والجواب الآخر : أن الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده فيكون التقدير الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا فإن قدرت الفاء فالوصية رفع بالإبتداء وإن لم تقدر الفاء جاز أن ترفعها بالإبتداء وأن ترفعها على ما لم يسم فاعله أي كتب عليكم الوصية ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل الوصية في إذا لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو الوصية وقد تقدمت فلا يجوز أن تعمل فيها متقدمة ويجوز أن يكون العامل في إذا : كتب والمعنى : توجه إيجاب الله إليكم ومقتضى كتابه إذا حضر فعبر عن توجه الإيجاب بكتب لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل ويجوز أن يكون العامل في إذا الإيصاء يكون مقدرا دل على الوصية المعنى : كتب عليكم الإيصاء إذا الرابعة قوله تعالى : ( خيرا ) الخير هنا المال من غير خلاف واختلفوا في مقداره فقيل : المال الكثير روي ذلك عن علي وعائشة وبن عباس وقالوا في سبعمائة دينار إنه قليل قتادة عن الحسن الخير ألف دينار فما فوقها الشعبي : ما بين خمسمائة دينار إلى ألف والوصية عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة وبعد الموت وخصصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية والوصي يكون الموصي والموصى إليه وأصله من وصى مخففا وتواصى النبت تواصيا إذا إتصل وأرض واصية : متصلة النبات : وأوصيت له بشئ وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك والإسم الوصاية والوصاية ( بالكسر والفتح ) وأوصيته ووصيته أيضا توصية بمعنى والإسم الوصاة وتواصى القوم أوصى بعضهم بعضا وفي الحديث : ( استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ( ووصيت الشئ بكذا إذا وصلته به الخامسة اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالا بعد إجماعهم على أنها واجبة على من قبله ودائع وعليه ديون وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة على من ليس قبله شيء من ذلك وهو قول مالك والشافعي والثوري موسرا كان الموصي أو فقيرا وقالت طائفة : الوصية واجبة على ظاهر القرآن قاله الزهري وأبو مجلز قليلا كان المال أو كثيرا وقال أبو ثور : ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم فواجب مهم عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه فأما من لا دين عليه ولا وديعة عنده فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء قال بن المنذر : وهذا حسن لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها ومن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس واجب عليه أن يوصي إحتج الأولون بما رواه الأئمة عن بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده ( وفي رواية ( يبيت ثلاث ليال ( وفيها قال عبد الله بن عمر : ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي أحتج من لم يوجبها بأن قال : لو كانت واجبة لم يجعلها إلى إرادة الموصي ولكان ذلك لازما على كل حال ثم لو سلم أن ظاهره الوجوب فالقول بالموجب يرده وذلك فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم كما قال أبو ثور وكذلك إن كانت له حقوق عند الناس يخاف تلفها على الورثة فهذا يجب عليه الوصية ولا يختلف فيه فإن قيل : فقد قال الله تعالى : كتب عليكم وكتب بمعنى فرض فدل على وجوب الوصية قيل لهم : قد تقدم الجواب عنه في الآية قبل والمعنى : إذا أردتم الوصية والله أعلم وقال النخعي : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص وقد أوصى أبو بكر فإن أوصى فحسن وإن لم يوص فلا شيء عليه السادسة لم يبين الله تعالى في كتابه مقدار ما يوصى به من المال وإنما قال : إن ترك خيرا والخير المال كقوله : وما تنفقوا من خير وأنه لحب الخير العاديات فاختلف العلماء في مقدار ذلك فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس وقال علي رضي الله عنه عن غنائم المسلمين بالخمس وقال معمر عن قتادة : أوصى عمر بالربع وذكره البخاري عن بن عباس وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أوصي بالثلث واختار جماعة لمن ماله قليل وله ورثة ترك الوصية روي ذلك عن علي وبن عباس وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين روى بن أبي شيبة من حديث بن أبي مليكة عن عائشة قال لها : إني أريد أن اوصي قالت : وكم مالك قال : ثلاثة الآف قالت : فكم عيالك قال أربعة قالت : إن الله تعالى يقول : إن ترك خيرا وهذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك السابعة ذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا : إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كله وقالوا : إن الإقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء لقوله عليه السلام : ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ( الحديث رواه الأئمة ومن لا وارث له فليس ممن عني بالحديث روي هذا القول عن بن عباس وبه قال أبو عبيدة ومسروق وإليه ذهب إسحاق ومالك في أحد قوليه وروي عن علي وسبب الخلاف مع ما ذكرنا الخلاف في بيت المال هل هو وارث أو حافظ لما يجعل فيه قولان الثامنة أجمع العلماء على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله وروي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة لإبنه عبد الله : إني قد أردت أن اوصي فقال له : أوص ومالك في مالي فدعا كاتبا فأملى فقال عبد الله : فقلت له ما أراك إلا وقد أتيت على مالي ومالك ولو دعوت إخوتي فاستحللتهم التاسعة وأجمعوا أن للإنسان أن يغير وصيته ويرجع فيما شاء منها إلا أنهم اختلفوا من ذلك في المدبر فقال مالك رحمه الله : الأمر المجمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه أو غير ذلك فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت وإن أحب أن يطرح تلك الوصية ويسقطها فعل إلا أن يدبر فإن دبر مملوكا فلا سبيل له إلى تغيير ما دبر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ( قال أبو الفرج المالكي : المدبر في القياس كالمعتق إلى شهر لأنه أجل آت لا محالة وأجمعوا ألا يرجع في اليمين بالعتق والعتق إلى أجل فكذلك المدبر وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : هو وصية لإجماعهم أنه في الثلث كسائر الوصايا وفي إجازتهم وطء المدبرة ما ينقض قياسهم المدبر على العتق إلى أجل وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا وأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها وهو قول جماعة من التابعين وقالت طائفة : : يغير الرجل من وصيته ما شاء إلا العتاقة وكذلك قال الشعبي وبن سيرين وبن شبرمة والنخعي وهو قول سفيان الثوري العاشرة واختلفوا في الرجل يقول لعبده : أنت حر بعد موتي وأراد الوصية فله الرجوع عند مالك في ذلك وإن قال : فلان مدبر بعد موتي لم يكن له الرجوع فيه وإن أراد التدبير بقوله الأول لم يرجع أيضا عند أكثر أصحاب مالك وأما الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور فكل هذا عندهم وصية لأنه في الثلث وكل ما كان في الثلث فهو وصية إلا أن الشافعي قال : لا يكون الرجوع في المدبر إلا بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو هبة وليس قوله : قد رجعت رجوعا وإن لم يخرج المدبر عن ملكه حتى يموت فإنه يعتق بموته وقال في القديم : يرجع في المدبر كما يرجع في الوصية واختاره المزني قياسا على إجماعهم على الرجوع فيمن أوصى بعتقه وقال أبو ثور : إذا قال قد رجعت في مدبري فقد بطل التدبير فإن مات لم يعتق واختلف بن القاسم وأشهب فيمن قال : عبدي حر بعد موتي ولم يرد الوصية ولا التدبير فقال بن القاسم : هو وصية وقال أشهب : هو مدبر وإن لم يرد الوصية الحادية عشرة اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة فقيل : هي محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين وفي القرابة غير الورثة قاله الضحاك وطاوس والحسن واختاره الطبري وعن الزهري أن الوصية واجبة فيما قل أو كثر وقال بن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذين لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة وقال بن عباس والحسن أيضا وقتادة : الآية عامة وتقرر الحكم بها برهة من الدهر ونسخ منها كل من كان يرث بآية الفرائض وقد قيل : إن آية الفرائض لم تستقل بنسخها بل بضميمة أخرى وهي قوله عليه السلام : ( إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ( رواه أبو أمامة أخرجه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح فنسخ الآية إنما كان بالسنة الثابتة لا بالإرث على الصحيح من أقوال العلماء ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورث بالوصية وبالميراث إن لم يوص أو ما بقى بعد الوصية لكن منع من ذلك هذا الحديث والإجماع والشافعي وأبو الفرج وإن كانا منعا من نسخ الكتاب بالسنة فالصحيح جوازه بدليل أن الكل حكم الله تبارك وتعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء وقد تقدم هذا المعنى ونحن وإن كان هذا الخبر بلغنا آحادا لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين أنه لا تجوز وصية لوارث فقد ظهر أن وجوب الوصية للأقربين الوارثين منسوخ بالسنة وأنها مستند المجمعين والله أعلم وقال بن عباس والحسن : نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة النساء وثبتت للأقربين الذين لا يرثون وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة من أهل العلم وفي البخاري عن بن عباس قال : كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع وقال بن عمر وبن عباس وبن زيد : الآية كلها منسوخة وبقيت الوصية ندبا ونحو هذا قول مالك رحمه الله وذكره النحاس عن الشعبي والنخعي وقال الربيع بن خثيم : لا وصية قال عروة بن ثابت : قلت للربيع بن خثيم أوص لي بمصحفك فنظر إلى ولده وقرأ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ونحو هذا صنع بن عمر رضي الله عنه الثانية عشرة قوله تعالى : ( والأقربين ) الأقربون جمع أقرب قال قوم : الوصية للأقربين أولى من الأجانب لنص الله تعالى عليهم حتى قال الضحاك : إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية وروي عن بن عمر أنه أوصى لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة الآف وروي أن عائشة وصت لمولاة لها بأثاث البيت وروي عن سالم بن عبد الله بمثل ذلك وقال الحسن : إن أوصى لغير الأقربين ردت الوصية للاقربين فإن كانت لأجنبي فمعهم ولا تجوز لغيرهم مع تركهم وقال الناس حين مات أبو العالية : عجبا له أعتقته امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم وقال الشعبي لم يكن له ذلك ولا كرامة وقال طاوس : إذا أوصى لغير قرابته ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله وقاله جابر بن زيد وقد روي مثل هذا عن الحسن أيضا وبه قال إسحاق بن راهويه وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل : من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع وفعله مع ذلك جائز ماض لكل من أوصى له من غني وفقير قريب وبعيد مسلم وكافر وهو معنى ما روي عن بن عمر وعائشة وهو قول بن عمر وبن عباس قلت : القول الأول أحسن وأما أبو العالية رضي الله عنه فلعله نظر إلى أن بني هاشم أولى من معتقته لصحبته بن عباس وتعليمه إياه وإلحاقه بدرجة العلماء في الدنيا والأخرى وهذه الأبوة وإن كانت معنوية فهي الحقيقية ومعتقته غايتها أن ألحقته بالأحرار في الدنيا فحسبها ثواب عتقها والله أعلم الثالثة عشرة ذهب الجمهور من العلماء إلى أن المريض يحجر عليه في ماله وشذ أهل الظاهر فقالوا : لا يحجر عليه وهو كالصحيح والحديث والمعنى يرد عليهم قال سعد : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فقلت يارسول الله بلغ بي ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا بنت واحدة أفأتصدق بثلثي مالي قال : ( لا ( قلت : أفأتصدق بشطره قال : ( لا الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ( الحديث ومنع أهل الظاهر أيضا الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة وهو الصحيح لأن المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزا صحيحا وكان كالهبة من عندهم وروى الدارقطني عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة ( وروي عن عمرو بن خارجة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة ( الرابعة عشرة واختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته فقالت طائفة : ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه هذا قول عطاء بن أبي رباح وطاوس والحسن وبن سيرين وبن أبي ليلى والزهري وربيعة والأوزاعي وقالت طائفة : لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا هذا قول بن مسعود وشريح والحكم وطاوس والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور واختاره بن المنذر وفرق مالك فقال : إذا أذنوا في صحته فلهم أن يرجعوا وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم وهو قول إسحاق إحتج أهل المقالة الأولى بأن المنع إنما وقع من أجل الورثة فإذا أجازوه جاز وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم فكذلك ها هنا واحتج أهل القول الثاني بأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت وإنما يملك المال بعد وفاته وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثا وقد يرثه غيره فقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء واحتج مالك بأن قال : إن الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئا لم يجب لهم وإذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه لأنه قد فات الخامسة عشرة فإن لم ينفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه لأنه لم يفت بالتنفيذ قاله الأبهري وذكر بن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قول مالك في هذه المسألة أشبه بالسنة من غيره قال بن المنذر : واتفق قول مالك والثوري والكوفيين والشافعي وأبي ثور أنهم إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم السادسة عشرة واختلفوا في الرجل يوصي لبعض ورثته بمال ويقول في وصيته إن أجازها الورثة فهي له وإن لم يجيزوه فهو في سبيل الله فلم يجيزوه فقال مالك : إن لم تجز الورثة ذلك رجع إليهم وفي قول الشافعي وأبي حنيفة ومعمر صاحب عبد الرزاق يمضي في سبيل الله السابعة عشرة لا خلاف في وصية البالغ العاقل غير المحجور عليه واختلف في غيره فقال مالك : الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصي به ولم يأت بمنكر من القول فوصيته جائزة ماضية وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجوز وصية الصبي وقال المزني : وهو قياس قول الشافعي ولم أجد للشافعي في ذلك شيئا ذكره ونص عليه واختلف أصحابه على قولين : أحدهما كقول مالك والثاني كقول أبي حنيفة وحجتهم أنه لا يجوز طلاقه ولا عتاقه ولا يقتص منه في جناية ولا يحد في قذف فليس كالبالغ المحجور عليه فكذلك وصيته قال أبو عمر : قد اتفق هؤلاء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة ومعلوم أن من يعقل من الصبيان ما يوصي به فحاله حال المحجور عليه في ماله وعلة الحجر تبذير المال وإتلافه وتلك علة مرتفعة عنه بالموت وهو بالمحجور عليه في ماله أشبه منه بالمجنون الذي لا يعقل فوجب أن تجوز وصيته مع الأمر الذي جاء فيه عن عمر رضي الله عنه وقال مالك : إنه الأمر المجمع عليه عندهم بالمدينة وبالله التوفيق وقال محمد بن شريح : من أوصى من صغير أو كبير فأصاب الحق فالله قضاه على لسانه ليس للحق مدفع الثامنة عشرة قوله تعالى : ( بالمعروف ) يعني بالعدل لا وكس فيه ولا شطط وكان هذا موكلا إلى اجتهاد الميت ونظر الموصي ثم تولى الل ه سبحانه تقدير ذلك على لسان نبيه عليه السلام فقال عليه السلام : ( الثلث والثلث كثير ( وقد تقدم ما للعلماء في هذا وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها لكم زكاة ( أخرجه الدارقطني عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الحسن : لا تجوز وصية إلا في الثلث وإليه ذهب البخاري واحتج بقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الثلث كثير هو الحكم بما أنرل الله فمن تجاوز ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد على الثلث فقد أتى ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وكان بفعله ذلك عاصيا إذا كان بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عالما وقال الشافعي : وقوله ( الثلث كثير ( يريد أنه غير قليل التاسعة عشرة قوله تعالى : ( حقا ) يعني ثابتا ثبوت نظر وتحصين ولا ثبوت فرض ووجوب بدليل قوله : على المتقين وهذا يدل على كونه ندبا لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين فلما خص الله من يتقي أي يخاف تقصيرا دل على أنه غير لازم إلا فيما يتوقع تلفه إن مات فيلزمه فرضا المبادرة بكتبه والوصية به لأنه إن سكت عنه كان تضييعا له وتقصيرا منه وقد تقدم هذا المعنى وانتصب حقا على المصدر المؤكد ويجوز في غير القرآن حق بمعنى ذلك حق الموفية عشرين قال العلماء : المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية وإنما هي من حديث بن عمر وفائدتها : المبالغة في زيادة الإستيثاق وكونها مكتوبة مشهودا بها وهي الوصية المتفق على العمل بها فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب خطا فلو كتبها بيده ولم يشهد فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه الحادية والعشرون روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : كانوا يكتبون في صدور وصاياهم هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأوصى من ترك بعده من أهله بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون < <
البقرة : ( 181 ) فمن بدله بعد . . . . . > > < > ( البقره 181 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فمن بدله ) شرط وجوابه ( فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) وما كافة ل إن عن العمل وإثمه رفع بالإبتداء على الذين يبدلونه موضع الخبر والضمير في بدله يرجع إلى الإيصاء لأن الوصية في معنى الإيصاء وكذلك الضمير في سمعه وهو كقوله : فمن جاءه موعظة من ربه أي وعظ وقوله : إذا حضر القسمة أي المال بدليل قوله منه ومثله قول الشاعر : ما هذه الصوت اي الصيحة وقال امرؤ القيس : برهرهة رؤدة رخصة كخرعوبة البانة المنفطر والمنفطر المنتفخ بالورق وهو أنعم ما يكون ذهب إلى القضيب وترك لفظ الخرعوبة وسمعه يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده وذلك عدلان والضمير في إثمه عائد على التبديل أي إثم التبديل عائد على المبدل لا على الميت فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي وقيل : إن هذا الموصي إذا غير فترك الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم الثانية في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ذمته وحصل الولي مطلوبا به له الأجر في قضائه وعليه الوزر في تأخيره وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في أدائه وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه الثالثة ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث قاله أبو عمر الرابعة قوله تعالى : ( إن الله سميع عليم ) صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المعتدين < < البقرة : ( 182 ) فمن خاف من . . . . . > > < > ( البقره 182 ) <
> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فمن خاف ) من شرط وخاف بمعنى خشى وقيل : علم والأصل خوف قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها وأهل الكوفة يميلون خاف ليدلوا على الكسرة من فعلت من موص بالتشديد قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وخفف الباقون والتخفيف أبين لأن أكثر النحويين يقولون موص للتكثير وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم ( جنفا من جنف يجنف إذا جار والإسم منه جنف وجانف عن النحاس وقيل : الجنف الميل قال الأعشى : تجانف عن حجر اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا وفي الصحاح : الجنف الميل وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا مال ومنه قوله تعالى : فمن خاف من موص جنفا قال الشاعر : هم المولى وإن جنفوا علينا وإنا من لقائهم لزور قال أبو عبيدة : المولى ها هنا في موضع الموالي أي بني العم كقوله تعالى : ثم يخرجكم طفلا وقال لبيد : إني امرؤ منعت أرومة عامر ضيمي وقد جنفت علي خصومي قال أبو عبيدة : وكذلك الجانئ ( بالهمز ) وهو المائل أيضا ويقال : أجنف الرجل أي جاء بالجنف كما يقال : الأم أي أتى بما يلام عليه وأخس أي أتى بخسيس وتجانف لإثم أي مال ورجل أجنف أي منحني الظهر وجنفي ( على فعلى بضم الفاء وفتح العين ) : اسم موضع عن بن السكيت وروي عن علي أنه قرأ حيفا بالحاء والياء أي ظلما وقال مجاهد : فمن خاف أي من خشي أن يجنف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الأذية أو يأتيها دون تعمد وذلك هو الجنف دون إثم فإن تعمد فهو الجنف في إثم فالمعنى من وعظ في ذلك ورد عنه فأصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وبين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه ( إن الله غفور ) عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الأذية وقال بن عباس وقتادة والربيع وغيرهم : معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الإضطراب والشقاق فلا إثم عليه أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل إن كان في فعله تبديل ما ولا بد ولكنه تبديل لمصلحة والتبديل الذي فيه الإثم إنما هوة تبديل الهوى الثانية الخطاب بقوله : ( فمن خاف ) لجميع المسلمين قيل لهم : إن خفتم من موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج إبنته أو لولد إبنته لينصرف المال إلى إبنته أو إلى بن إبنه والغرض أن ينصرف المال إلى إبنه أو أوصى لبعيد وترك القريب فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح والإصلاح فرض على الكفاية فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين وإن لم يفعلوا أثم الكل الثالثة في هذه الآية دليل على الحكم بالظن لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له قوله تعالى : ( فأصلح بينهم ) عطف على خاف والكناية عن الورثة ولم يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى وجواب الشرط فلا إثم عليه الرابعة لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت لقوله عليه السلام وقد شئل : أي الصدقة أفضل فقال : ( أن تصدق وأنت صحيح شحيح ( الحديث أخرجه أهل الصحيح وروى الدارقطبي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة ( وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع ( الخامسة من لم يضر في وصيته كانت كفارة لما ترك من زكاته روى الدارقطبي عن معاوية بن قرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حضرته الوفاة فأوصى فكانت وصيته على كتاب الله كانت كفارة لما ترك من زكاته ( فإن ضر في الوصية وهي : السادسة فقد روى الدارقطبي أيضا عن بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الإضرار في الوصية من الكبائر ( وروى أبو داؤد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار ( وترجم النسائي ( الصلاة على من جنف في وصيته ( أخبرنا علي بن حجر أنبأنا هشيم عن منصور وهو بن زاذان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك وقال : ( لقد هممت ألا أصلي عليه ( ثم دعا مملوكيه فجزاهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة وأخرجه مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره : وقال له قولن شديدا بدل قوله : ( لقد هممت ألا أصلي عليه ( < <
البقرة : ( 183 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( البقره 183 : 184 ) <
> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يأيها االذين آمنوا كتب عليكم الصيام ) لما ذكر ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم ولا خلاف فيه قال صلى الله عليه وسلم : ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج ( رواه بن عمر ومعناه في اللغة : الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال ويقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام قال الله تعالى مخبرا عن مريم : إني نذرت للرحمن صوما مريم أي سكوتا عن الكلام والصوم : ركود الريح وهو إمساكها عن الهبوب وصامت الدابة على آريها : قامت وثبتت فلم تعتلف وصام النهار : اعتدل ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ومنه قول النابغة : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة كما قال : كأن الثريا علقت في مصامها أي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل وقوله : والبكرات شرهن الصائمة يعني التي لا تدور وقال آمرؤ القيس : فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذأ صام النهار وهجرا أي أبطأت الشمس عن الأنتقال والسير فصارت بالإبطاء كالممسكة وقال آخر : حتى إذا صام النهار واعتدل وسال للشمس لعاب فنزل وقال آخر : نعاما بوجرة صفر الخدود ما تطعم النوم إلا صياما أي قائمة والشعر في هذا المعنى كثير والصوم في الشرع : الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وتمامة وكماله بآجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات لقوله عليه السلام : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ( الثانية فضل الصوم عظيم وثوابه جسيم جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم وسيأتي بعضها ويكفيك الآن منها في فضل الصوم أن خصة الله بالإضافة إليه كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه ( يقول الله تبارك وتعالى كل عمل بن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ( الحديث وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات أحدهما أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات الثاني أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له فلذلك صار مختصا به وما سواه من العبادات ظاهر ربما فعله تصنعا ورياء فلهذا صار أخص بالصوم من غيره وقيل غير هذا الثالثة قوله تعالى : ( كما كتب ) الكاف في موضع نصب على النعت التقدير كتابا كما أو صوما كما أو على الحال من الصيام أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم وقال بعض النحاة : الكاف في موضع رفع نعتا للصيام إذ ليس تعريفه بمحض لمكان الإجمال الذي فيه بما فسرته الشريعة فلذلك جاز نعته ب كما إذ لا ينعت بها إلا النكرات فهو بمنزلة كتب عليكم صيام وقد ضعف هذا القول وما في موضع خفض وصلتها : كتب على الذين من قبلكم والضمير في كتب يعود على ما واختلف أهل التأويل في موضع التشبيه وهي : الرابعة فقال الشعبي وقتادة وغيرهما : التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر الصوم فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل فصار صوم النصارى خمسين يوما فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع واختار هذا القول النحاس وقال : وهو الأشبه بما في الآية وفيه حديث يدل على صحته أسنده عن دغفل بن حنظلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه الله لنزيدن عشرة ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا لئن شفاه الله لتزيدن سبعة ثم كان ملك آخر فقالوا لنتمن هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا في الربيع قال فصار خمسين ( وقال مجاهد : كتب الله عر وجل صوم شهر رمضان على كل أمة وقيل أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما قرنا بعد قرن حتى بلغ صومهم خمسين يوما فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي قلت : ولهذا والله أعلم كره الآن صوم يوم الشك والستة من شوال بإثر يوم الفطر متصلا به قال الشعبي : لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك وذلك أن النصارى فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل الشمسي لأنه قد كان يوافق القيظ فعدوا ثلاثين يوما ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالوثيقة لأنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثم لم يزل الآخر يستن بسنة من كان قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله تعالى : كما كتب على الذين من قبلكم وقيل : التشبيه راجع إلى أصل وجوبه على من تقدم لا في الوقت والكيفية وقيل : التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام وكذلك كان في النصارى أولا وكان في أول الإسلام ثم نسخه الله تعالى بقوله : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم على ما يأتي بيانه قاله السدي وأبو العالية والربيع وقال معاذ بن جبل وعطاء : التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على العدة وإن إختلف الصيامان بالزيادة والنقصان المعنى : كتب عليكم الصيام أي في أول الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء كما كتب على الذين من قبلكم وهم اليهود في قول بن عباس ثلاثة أيام ويوم عاشوراء ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان وقال معاذ بن جبل : نسخ ذلك بأيام معدودات ثم نسخت الأيام برمضان الخامسة قوله تعالى : ( لعلكم تتقون ) لعل ترج في حقهم كما تقدم وتتقون قيل : معناه هنا تضعفون فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن وقيل : لتتقوا المعاصي وقيل هو على العموم لأن الصيام كما قال عليه السلام : ( الصيام جنة ووجاء ( وسبب تقوى لأنه يميت الشهوات السادسة قوله تعالى : ( أياما معدودات ) أياما ) مفعول ثان ب كتب قاله الفراء وقيل : نصب على الظرف ل كتب أي كتب عليكم الصيام في أيام والأيام المعدودات : شهر رمضان وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ والله أعلم قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر ) فيه ست عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( مريضا ) للمريض حالتان : إحداهما ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبا الثانية أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل قال بن سيرين : متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر قياسا على المسافر لعلة السفر وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة قال طريف بن تمام العطاردي : دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل فلما فرغ قال : إنه وجعت أصبعي هذه وقال جمهور من العلماء : إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر قال بن عطية : وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به وقال بن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر فقال مرة : هو خوف التلف من الصيام وقال مرة : شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر لأنه لم يخص مرضا من مرض فهو مباح في كل مرض إلا ما خصه الدليل من الصداع والحمى والمرض اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام وقال الحسن : إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر وقاله النخعي وقالت فرقة : لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر وهذا قول الشافعي رحمه الله تعالى قلت : قول بن سيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى قال البخاري : اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبد الله فقلت نعم فقال : خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة قلت : حدثنا عبدان عن بن المبارك عن بن جريج قال قلت لعطاء : من أي المرض أفطر قال : من أي مرض كان كما قال الله تعالى : فمن كان منكم مريضا قال البخاري : وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق وقال أبو حنيفة : إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم إن لم يفطر إن تزداد عينه وجعا أو حماه شدة أفطر الثانية قوله تعالى : ( أو على سفر ) اختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة والقول بالجواز أرجح وأما سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح قاله بن عطية ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة واختلف العلماء في قدر ذلك فقال مالك : يوم وليلة ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلا قال بن خويز منداد : وهو ظاهر مذهبه وقال مرة : إثنان وأربعون ميلا وقال مرة ستة وثلاثون ميلا وقال مرة : مسيرة يوم وليلة وروي عنه يومان وهو قول الشافعي وفصل مرة بين البر والبحر فقال في البحر مسيرة يوم وليلة وفي البر ثمانية وأربعون ميلا وفي المذهب ثلاثون ميلا وفي غير المذهب ثلاثة أميال وقال بن عمر وبن عباس والثوري : الفطر في سفر ثلاثة أيام حكاه بن عطية قلت : والذي في البخاري : وكان بن عمر وبن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا الثالثة اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية بخلاف المقيم وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض والمقيم لا يفتقر إلى عمل لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا ولا خلاف بينهم أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج فإن أفطر فقال بن حبيب : إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه وحكى ذلك عن أصبغ وبن الماجشون فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة وحسبه أن ينجو إن سافر وروى عيسى عن بن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم لأنه متأول في فطره وقال أشهب : ليس عليه شيء من الكفارة سافر أو لم يسافر وقال سحنون : عليه الكفارة سافر أو لم يسافر وهو بمنزلة المرأة تقول غدا تأتيني حيضتي فتفطر لذلك ثم رجع إلى قول عبد الملك وأصبغ وقال : ليس مثل المرأة لأن الرجل يحدث السفر إذا شاء والمرأة لا تحدث الحيضة قلت : قول بن القاسم وأشهب في نفي الكفارة حسن لأنه فعل ما يجوز له فعله والذمة بريئة فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين ولا يقين مع الإختلاف ثم إنه مقتضى قوله تعالى : أو على سفر وقال أبو عمر : هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة لأنه غير منتهك لحرمة الصوم بقصد إلى ذلك وإنما هو متأول ولو كان الأكل مع نية السفر يوجب عليه الكفارة لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه 4 خروجه فتأمل ذلك تجده كذلك إن شاء الله تعالى وقد روى الدارقطني : حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل بمصر قال حدثنا بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم قال : أخبرني محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب أنه قال : أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب فقلت له : سنة قال نعم وروي عن أنس أيضا قال قال لي أبو موسى : ألم أنبئنك إذا خرجت خرجت صائما وإذا دخلت دخلت صائما فإذأ خرجت فاخرج مفطرا وإذا دخلت فادخل مفطرا وقال الحسن البصري : يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج وقال أحمد : يفطر إذا برز عن البيوت وقال إسحاق : لا بل حين يضع رجله في الرحل قال بن المنذر : قول أحمد صحيح لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ثم اعتل : إنه يفطر بقية يومه وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر وقالت طائفة : لا يفطر يومه ذلك وإن نهض في سفره كذلك قال الزهري ومكحول ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأى واختلفوا إن فعل فكلهم قال يقضي ولا يكفر قال مالك : لأن السفر عذر طارئ فكان كالمرض يطرأ عليه وروي عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفر وهو قول بن كنانة والمخزومي وحكاه الباجي عن الشافعي واختاره بن العربي وقال به قال : لأن السفر عذر طرأ بعد لزوم العبادة ويخالف المرض والحيض لأن المرض يبيح له الفطر والحيض يحرم عليها الصوم والسفر لا يبيح له ذلك فوجبت عليه الكفارة لهتك حرمته قال أبو عمر : وليس هذا بشيء لأن الله سبحانه قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة وأما قولهم لا يفطر فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء وأما الكفارة فلا وجه لها ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وقد روي عن بن عمر في هذه المسألة : يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرا وهو قول الشعبي وأحمد وإسحاق قلت : وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة باب من أفطر في السفر ليراه الناس وساق الحديث عن بن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان وأخرجه مسلم أيضا عن بن عباس وقال فيه : ثم دعا بإناء فيه شراب شربه نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة وهذا نص في الباب فسقط ما خالفه وبالله التوفيق وفيه أيضا حجة على من يقول : إن الصوم لا ينعقد في السفر روي عن عمر وبن عباس وأبي هريرة وبن عمر قال بن عمر : من صام في السفر قضى في الحضر وعن عبد الرحمن بن عوف : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وقال به قوم من أهل الظاهر واحتجوا بقوله تعالى : فعدة من أيام أخر على ما يأتي بيانه وبما روى كعب بن عاصم قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليس من البر الصيام في السفر ( وفيه أيضا حجة على من يقول : إن من بيت الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر وإليه ذهب مطرف وهو أحد قولي الشافعي وعليه جماعة من أهل الحديث وكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة لأنه كان مخيرا في الصوم والفطر فلما اختار الصوم وبيته لزمه ولم يكن له الفطر فإن أفطر عامدا من غير عذر كان عليه القضاء والكفارة وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك فإنه قال : إن أفطر بجماع كفر لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له لأن المسافر إنما أبيح له الفطر ليقوى بذلك على سفره وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز : إنه لا كفارة عليه منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة قاله أبو عمر الرابعة واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر فقال مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما : الصوم أفضل لمن قوي عليه وجل مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي قال الشافعي ومن اتبعه : هو مخير ولم يفصل وكذلك بن علية لحديث أنس قال : سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم خرجه مالك والبخاري ومسلم وروي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما قالا : الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وروي عن بن عمر وبن عباس : الرخصة أفضل وقال به سعيد بن المسيب والشعبي وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق كل هؤلاء يقولون الفطر أفضل لقول الله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر الخامسة قوله تعالى : ( فعدة من أيام ) في الكلام حذف أي من يكن منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فليقض والجمهور من العلماء على أن أهل البلد إذا صاموا تسعة وعشرين يوما وفي البلد رجل مريض لم يصح فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما وقال قوم منهم الحسن بن صالح بن حي : إنه يقضي شهرا بشهر من غير مراعاة عدد الأيام قال الكيا الطبري : وهذا بعيد لقوله تعالى : فعدة من أيام أخر ولم يقل فشهر من أيام أخر وقوله : فعدة يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه ولا شك أنه لو أفطر بعض رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده كذلك يجب أن يكون حكم إفطاره جميعه في اعتبار عدده السادسة قوله تعالى : ( فعدة ) ارتفع عدة على خبر الإبتداء تقديره فالحكم أو فالواجب عدة ويصح فعليه عدة وقال الكسائي : ويجوز فعدة أي فليصم عدة من أيام وقيل : المعنى فعليه صيام عدة فحذف المضاف وأقيمت العدة مقامه والعدة فعلة من العد وهي بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون تقول : أسمع جعجعة ولا أرى طحنا ومنه عدة المرأة ( من أيام أخر ) لم ينصرف أخر عند سيبويه لأنها معدولة عن الألف واللام لأن سبيل فعل من هذا الباب أن يأتي بالألف واللام نحو الكبر والفضل وقال الكسائي : هي معدولة عن آخر كما تقول : حمراء وحمر فلذلك لم تنصرف وقيل : منعت من الصرف لأنها على وزن جمع وهي صفة لأيام ولم يجيء أخرى لئلا يشكل بأنها صفة للعدة وقيل : إن أخر جمع أخرى كأنه أيام أخرى ثم كثرت فقيل : أيام أخر وقيل : إن نعت الأيام يكون مؤنثا فلذلك نعتت بأخر السابعة اختلف الناس في وجوب تتابعها على قولين ذكرهما الدارقطني في سننه فروى عن عائشة ( رضي الل ه عنها ) قالت : نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات قال هذا إسناد صحيح وروى عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه ( في إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث وأسنده عن بن عباس في قضاء رمضان صمه كيف شئت وقال بن عمر : صمه كما أفطرته وأسند عن أبي عبيدة بن الجراح وبن عباس وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص وعن محمد بن المنكدر قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع صيام رمضان فقال : ( ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاه فالله أحق أن يعفو ويغفر ( إسناده حسن إلا أنه مرسل ولا يثبت متصلا وفي موطا مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : يصوم رمضان متتابعا من أفطره متتابعا من مرض أو في سفر قال الباجي في المنتقى : يحتمل أن يريد الإخبار عن الوجوب ويحتمل أن يريد الإخبار عن الإستحباب وعلى الإستحباب جمهور الفقهاء وإن فرقه أجزأه وبذلك قال مالك والشافعي والدليل على صحة هذا قوله تعالى : فعدة من أيام أخر ولم يخص متفرقة من متتابعة وإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة من أيام أخر فوجب أن يجزيه بن العربي : إنما وجب التتابع في الشهر لكونه معينا وقد عدم التعيين في القضاء فجاز التفريق الثامنة لما قال تعالى : ( فعدة من أيام أخر ) دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض وفي الصحيحين عن عائشة ( رضي الل ه عنها ) قالت : يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله أو برسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية : وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا نص وزيادة بيان للآية وذلك يرد على داؤد قوله : إنه يجب عليه قضاؤه ثاني شوال ومن لم يصمه ثم مات فهو آثم عنده وبنى عليه أنه لو وجب عليه عتق رقبة فوجد رقبة تباع بثمن فليس له أن يتعداها ويشتري غيرها لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها ولو كانت عنده رقبة فلا يجوز له أن يشتري غيرها ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق كما يبطل فيمن نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره وذلك يفسد قوله وقال بعض الأصوليين : إذا مات بعد مضي اليوم الثاني من شوال لا يعصي على شرط العزم والصحيح أنه غير آثم ولا مفرط وهو قول الجمهور غير أنه يستحب له تعجيل القضاء لئلا تدركه المنية فيبقى عليه الفرض التاسعة من كان عليه قضاء أيام من رمضان فمضت عليه عدتها من الأيام بعد الفطر أمكنه فيها صيامه فأخر ذلك ثم جاءه مانع منعه من القضاء إلى رمضان آخر فلا إطعام عليه لأنه ليس بمفرط حين فعل ما يجوز له من التأخير هذا قول البغداديين من المالكيين ويرونه قول بن القاسم في المدونة العاشرة فإن أخر قضاءه عن شعبان الذي هو غاية الزمان الذي يقضي فيه رمضان فهل يلزمه لذلك كفارة أو لا فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : نعم وقال أبو حنيفة والحسن والنخعي وداؤد : لا قلت : وإلى هذا ذهب البخاري لقوله ويذكر عن أبي هريرة مرسلا وبن عباس أنه يطعم ولم يذكر الله الإطعام إنما قال : فعدة من أيام أخر قلت : قد جاء عن أبي هريرة مسندا فيمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر قال : يصوم هذا مع الناس ويصوم الذي فرط فيه ويطعم لكل يوم مسكينا خرجه الدارقطني وقال : إسناد صحيح وروي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل أفطر في شهر رمضان من مرض ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر قال : ( يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم لكل يوم مسكينا ( في إسناده بن نافع وبن وجيه ضعيفان الحادية عشرة فإن تمادى به المرض فلم يصح حتى جاء رمضان آخر فروى الدارقطني عن بن عمر أنه يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة ثم ليس عليه قضاء وروى أيضا عن أبي هريرة أنه قال : إذا لم يصح بين الرمضانين صام عن هذا وأطعم عن الثاني ولا قضاء عليه وإذا صح فلم يصم حتى إذا أدركه رمضان آخر صام عن هذا وأطعم عن الماضي فإذا أفطر قضاه إسناد صحيح قال علماؤنا : وأقوال الصحابة على خلاف القياس قد يحتج بها وروي عن بن عباس أن رجلا جاء إليه فقال : مرضت رمضانين فقال له بن عباس : استمر بك مرضك أو صححت بينهما فقال : بل صححت قال : صم رمضانين وأطعم ستين مسكينا وهذا بدل من قوله : إنه لو تمادى به مرضه لا قضاء عليه وهذا يشبه مذهبهم في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما على ما يأتي الثانية عشرة واختلف من أوجب عليه الإطعام في قدر ما يجب أن يطعم فكان أبو هريرة والقاسم بن محمد ومالك والشافعي يقولون : يطعم عن كل يوم مدا وقال الثوري : يطعم نصف صاع عن كل يوم الثالثة عشرة واختلفوا فيمن أفطر أو جامع في قضاء رمضان ماذا يجب عليه فقال مالك : من أفطر يوما من قضاء رمضان ناسيا لم يكن عليه شيء غير قضائه ويستحب له أن يتمادى فيه للإختلاف ثم يقضيه ولو أفطره عامدا أثم ولم يكن عليه غير قضاء ذلك اليوم ولا يتمادى لأنه لا معنى لكفه عما يكف الصائم ها هنا إذ هو غير صائم عند جماعة العلماء لإفطاره عامدا وأما الكفارة فلا خلاف عند مالك وأصحابه أنها لا تجب في ذلك وهو قول جمهور العلماء قال مالك : ليس على من أفطر يوما من قضاء رمضان بإصابة أهله أو غير ذلك كفارة وإنما عليه قضاء ذلك اليوم وقال قتادة : على من جامع في قضاء رمضان القضاء والكفارة وروى بن القاسم عن مالك أن من أفطر في قضاء رمضان فعليه يومان وكان بن القاسم يفتي به ثم رجع عنه ثم قال : إن أفطر عمدا في قضاء القضاء كان عليه مكانه صيام يومين كمن أفسد حجه بإصابة أهله وحج قابلا فأفسد حجه أيضا بإصابة أهله كان عليه حجتان قال أبو عمر : قد خالفه في الحج بن وهب وعبد الملك وليس يجب القياس على أصل مختلف فيه والصواب عندي والله أعلم أنه ليس عليه في الوجهين إلا قضاء يوم واحد لأنه يوم واحد أفسده مرتين قلت : وهو مقتضى قوله تعالى : فعدة من أيام أخر فمتى أتى بيوم تام بدلا عما أفطره في قضاء رمضان فقد أتى بالواجب عليه ولا يجب عليه غير ذلك والله أعلم الرابعة عشرة والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلة فمات من علته تلك أو سافر فمات في سفره ذلك أنه لا شيء عليه وقال طاوس وقتادة في المريض يموت قبل أن يصح : يطعم عنه الخامسة عشرة واختلفوا فيمن مات وعليه صوم من رمضان لم يقضه فقال مالك والشافعي والثوري : لا يصوم أحد عن أحد وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور والليث وأبو عبيد وأهل الظاهر : يصام عنه إلا أنهم خصصوه بالنذر وروى مثله عن الشافعي وقال أحمد وإسحاق في قضاء رمضان : يطعم عنه إحتج من قال بالصوم بما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ( إلا أن هذا عام في الصوم يخصصه ما رواه مسلم أيضا عن بن عباس قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر وفي رواية صوم شهر أفأصوم عنها قال : ( أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها ( قالت : نعم قال : ( فصومي عن أمك ( احتج مالك ومن وافقه بقوله سبحانه : ولا تزر وازرة وزر أخرى وقوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى النجم وقوله : ولا تكسب كل نفس إلا عليها وبما خرجه النسائي عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة ( قلت : وهذا الحديث عام فيحتمل أن يكون المراد بقوله : ( لا يصوم أحد عن أحد ( صوم رمضان فأما صوم النذر فيجوز بدليل حديث بن عباس وغيره فقد جاء في صحيح مسلم أيضا من حديث بريدة نحو حديث بن عباس وفي بعض طرقه : صوم شهرين أفأصوم عنها قال : ( صومي عنها ( قالت : إنها لم تحج قط أفأحج عنها قال ( حجي عنها ( فقولها : شهرين يبعد أن يكون رمضان والله أعلم وأقوى ما يحتج به لمالك أنه عمل أهل المدينة ويعضده القياس الجلي وهو أنه عبادة بدنيه لا مدخل للمال فيها فلا تفعل عمن وجبت عليه كالصلاة ولا ينقض هذا بالحج لأن للمال فيه مدخلا السادسة عشرة استدل بهذه الآية من قال : إن الصوم لا ينعقد في السفر وعليه القضاء أبدا فإن الله تعالى يقول : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أي فعليه عدة ولا حذف في الكلام ولا إضمار وبقوله عليه الصلاة والسلام : ( ليس من البر الصيام في السفر ( قال : ما لم يكن من البر فهو من الإثم فيدل ذلك على أن صوم رمضان لا يجوز في السفر والجمهور يقولون : فيه محذوف فأفطر كما تقدم وهو الصحيح لحديث أنس قال : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم رواه مالك عن حميد الطويل عن أنس وأخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم قوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه ) قرأ الجمهور بكسر الطاء وسكون الياء وأصله يطوقونه نقلت الكسرة إلى الطاء وانقلبت الواو ياء لإنكسار ما قبلها وقرأ حميد على الأصل من غير اعتلال والقياس الإعتلال ومشهور قراءة بن عباس يطوقونه بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو بمعنى يكلفونه وقد روى مجاهد يطيقونه بالياء بعد الطاء على لفظ يكيلونه وهي باطلة ومحال لأن الفعل مأخوذ من الطوق فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للياء في هذا المثال قال أبو بكر الأنباري : وانشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ذؤيب : فقيل تحمل فوق طوقك إنها مطبعة من يأتها لا يضيرها فأظهر الواو في الطوق وصح بذلك أن واضع الياء مكانها يفارق الصواب وروى بن الأنباري عن بن عباس يطيقونه بفتح الياء وتشديد الطاء والياء مفتوحتين بمعنى يطيقونه يقال : طاق وأطاق وأطيق بمعنى وعن بن عباس أيضا وعائشة وطاوس وعمرو بن دينار يطوقونه بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة وهي صواب في اللغة لأن الأصل يتطوقونه فأسكنت التاء وأدغمت في الطاء فصارت طاء مشددة وليست من القرآن خلافا لمن أثبتها قرآنا وإنما هي قراءة على التفسير وقرأ أهل المدينة والشام فدية طعام مضافا مساكين جمعا وقرأ بن عباس طعام مسكين بالإفراد فيما ذكر البخاري وأبو داؤد والنسائي عن عطاء عنه وهي قراءة حسنة لأنها بينت الحكم في اليوم واختارها أبو عبيد وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي قال أبو عبيد : فبينت أن لكل يوم إطعام واحد فالواحد مترجم عن الجميع وليس الجميع بمترجم عن واحد وجمع المساكين لا يدري كم منهم في اليوم إلا من غير الآية وتخرج قراءة الجمع في مساكين لما كان الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فجمع لفظه كما قال تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة أي اجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد ثمانون قال معناه أبو علي واختار قراءة الجمع النحاس قال : وما اختاره أبو عبيد مردود لأن هذا إنما يعرف بالدلالة فقد علم أن معنى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين أن لكل يوم مسكينا فاختيار هذه القراءة لترد جمعا على جمع قال النحاس : واختار أبو عبيد أن يقرأ فدية طعام قال : لأن الطعام هو الفدية ولا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وأبين منه أن يقرأ فدية طعام بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك : هذا ثوب خز الثانية واختلف العلماء في المراد بالآية فقيل : هي منسوخة روى البخاري : وقال بن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا بن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها وأن تصوموا خير لكم وعلى هذا قراءة الجمهور يطيقونه أي يقدرون عليه لأن فرض الصيام هكذا : من أراد صام ومن أراد أطعم مسكينا وقال بن عباس : نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجزة خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ثم نسخت بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم قال الفراء : الضمير في يطيقونه يجوز أن يعود على الصيام أي وعلى الذين يطيقون الصيام أن يطعموا إذا أفطروا ثم نسخ بقوله وأن تصوموا ويجوز أن يعود على الفداء أي وعلى الذين يطيقون الفداء فدية وأما قراءة يطوقونه على معنى يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض والحامل فإنهما يقدران عليه لكن بمشقة تلحقهم في أنفسهم فإن صاموا أجزأهم وإن افتدوا فلهم ذلك ففسر بن عباس إن كان الإسناد عنه صحيحا يطيقونه بيطوقونه ويتكلفونه فأدخله بعض النقلة في القرآن روى أبو داؤد عن بن عباس وعلى الذين يطيقونه قال : أثبتت للحبلى والمرضع وروي عنه أيضا وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال : كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا وخرج الدارقطني عنه أيضا قال : رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه هذا إسناد صحيح وروي عنه أيضا أنه قال : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعما مكان كل يوم مسكينا وهذا صحيح وروي عنه أيضا أنه قال لأم ولد له حبلى أو مرضع : أنت من الذين لا يطيقون الصيام عليك الجزاء ولا عليك القضاء وهذا إسناد صحيح وفي رواية : كانت له أم ولد ترضع من غير شك فأجهدت فأمرها أن تفطر ولا تقضي هذا صحيح قلت : فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن بن عباس أن الآية ليست بمنسوخة وأنها محكمة في حق من ذكر والقول الأول صحيح أيضا إلا أنه يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص فكثيرا ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه والله أعلم وقال الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأصحاب الرأي : الحامل والمرضع يفطران ولا إطعام عليهما بمنزلة المريض يفطر ويقضي وبه قال أبو عبيد وابو ثور وحكى ذلك أبو عبيد عن أبي ثور واختاره بن المنذر وهو قول مالك في الحبلى إن أفطرت فأما المرضع إن أفطرت فعليها القضاء والإطعام وقال الشافعي وأحمد : يفطران ويطعمان ويقضيان وأجمعوا على أن المشايخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة أن يفطروا واختلفوا فيما عليهم فقال ربيعة ومالك : لا شيء عليهم غير أن مالكا قال : لو أطعموا عن كل يوم مسكينا كان أحب إلي وقال أنس وبن عباس وقيس بن السائب وأبو هريرة : عليهم الفدية وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق اتباعا لقول الصحابة ( رضي الله عن جميعهم ) وقوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ثم قال : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين وهؤلاء ليسوا بمرضى ولا مسافرين فوجبت عليهم الفدية والدليل لقول مالك : أن هذا مفطر لعذر موجود فيه وهو الشيخوخة والكبر فلم يلزمه إطعام كالمسافر والمريض وروي هذا عن الثوري ومكحول واختاره بن المنذر الثالثة واختلف من أوجب الفدية على من ذكر في مقدارها فقال مالك : مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يوم أفطره وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : كفارة كل يوم صاع تمر أو نصف صاع بر وروي عن بن عباس نصف صاع من حنطة ذكره الدارقطبي وروي عن أبي هريرة قال : من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم فعليه لكل يوم مد من قمح وروى عن أنس بن مالك أنه ضعف عن الصوم عاما فصنع جفنة من طعام ثم دعا بثلاثين مسكينا فأشبعهم الرابعة قوله تعالى : ( فمن تطوع خيرا فهو خير له ) قال بن شهاب : من أراد الإطعام مع الصوم وقال مجاهد : من زاد في الإطعام على المد بن عباس : فمن تطوع خيرا قال : مسكينا آخر فهو خير له ذكره الدارقطني وقال : إسناده صحيح ثابت وخير الثاني صفة تفضيل وكذلك الثالث وخير الأول وقرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي يطوع خيرا مشددا وجزم العين على معنى يتطوع الباقون تطوع بالتاء وتخفيف الطاء وفتح العين على الماضي الخامسة قوله تعالى : ( وأن تصوموا خير لكم ) اي والصيام خير لكم وكذا قرأ أبي أي من الإفطار مع الفدية وكان هذا قبل النسخ وقيل : وأن تصوموا في السفر والمرض غير الشاق والله أعلم وعلى الجملة فإنه يقتضي الحض على الصوم أي فأعلموا ذلك وصوموا < <
البقرة : ( 185 ) شهر رمضان الذي . . . . . > > < > ( البقره 185 ) <
> فيه إحدى وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( شهر رمضان ) قال أهل التاريخ : أول من صام رمضان نوح عليه السلام لما خرج من السفينة وقد تقدم قول مجاهد : كتب الله رمضان على كل أمة ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم والله أعلم والشهر مشتق من الإشهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده ومنه يقال : شهرت السيف إذا سللته ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء ( ممدودة ) : شدة الحر ومنه الحديث : ( صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال ( خرجه مسلم ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها فرمضان فيما ذكروا وافق شدة الحر فهو مأخوذ من الرمضاء قال الجوهري : وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك وقيل : إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة من الإرماض وهو الإحراق ومنه رمضت قدمه من الرمضاء أي احترقت وأرمضتني الرمضاء أي أحرقتني ومنه قيل : أرمضني الأمر وقيل : لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس والرمضاء : الحجارة المحماة وقيل : هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق ومنه نصل رميض ومرموض عن بن السكيت وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية ناتق وأنشد للمفضل : وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغى وولت على الأدبار فرسان خثعما وشهر بالرفع قراءة الجماعة على الإبتداء والخبر الذي أنزل فيه القرآن أو يرتفع على إضمار مبتدأ المعنى : المفروض عليكم صومه شهر رمضان أو فيما كتب عليكم شهر رمضان ويجوز أن يكون شهر مبتدأ والذي أنزل فيه القرآن صفة والخبر فمن شهد منكم الشهر وأعيد ذكر الشهر تعظيما كقوله تعالى : الحاقة ما الحاقة وجاز أن يدخله معنى الجزاء لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل قاله أبو علي وروى عن مجاهد وشهر بن حوشب نصب شهر ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو ومعناه : إلزموا شهر رمضان أو صوموا والذي أنزل فيه القرآن نعت له ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن هو خير لكم الرماني : يجوز نصبه على البدل من قوله أياما معدودات الثانية واختلف هل يقال رمضان دون أن يضاف إلى شهر فكره ذلك مجاهد وقال : يقال كما يقال الله تعالى وفي الخبر : ( لا تقولوا رمضان بل انسبوه كما نسبه الله في القرآن فقال شهر رمضان ( وكان يقول : بلغني أنه اسم من أسماء الله وكان يكره أن يجمع لفظه لهذا المعنى ويحتج بما روى : رمضان اسم من أسماء الله تعالى وهذا ليس بصحيح فإنه من حديث أبي معشر نجيح وهو ضعيف والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ( وفي صحيح البستي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان رمضان فتحت له أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين ( وروى عن بن شهاب عن أنس بن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول فذكره قال البستي : أنس بن أبي أنس هذا هو والد مالك بن أنس واسم أبي أنس مالك بن أبي عامر من ثقات أهل المدينة وهو مالك بن أبي عمرو بن الحارث بن عثمان بن جثيل بن عمرو من ذي أصبح من أقيال اليمن وروى النسائي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ( وأخرجه أبو حاتم البستي أيضا وقال : فقوله ( مردة الشياطين ( تقييد لقوله : ( صفدت الشياطين وسلسلت ( وروى النسائي أيضا عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإمراة من الأنصار : ( إذا كان رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة ( وروى النسائي أيضا عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى فرض صيام رمضان عليكم وسننت لكم قيامه فمن صامهة وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( والآثار في هذا كثيرة كلها بإسقاط شهر وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من رمضان قال الشاعر : جارية في درعها الفضفاض أبيض من أخت بني إباض جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالإيماض وفضل رمضان عظيم وثوابه جسيم يدل على ذلك معنى الإشتقاق من كونه محرقا للذنوب وما كتبناه من الأحاديث الثالثة فرض الله صيام شهر رمضان أي مدة هلاله وبه سمي الشهر كما جاء في الحديث : ( فإن غمي عليكم الشهر ( أي الهلال وسيأتي وقال الشاعر : أخوان من نجد على ثقة والشهر مثل قلامة الظفر حتى تكامل في استدارته في أربع زادت على عشر وفرض علينا عند غمة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما وإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما حتى ندخل في العبادة بيقين ونخرج عنها بيقين فقال في كتابه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وروى الأئمة الأثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدد ( في رواية ( فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين ( وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين وبن قتيبة من اللغو بين فقالا : يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان حتى إنه لو كان صحوا لرؤي لقوله عليه السلام : ( فإن أغمي عليكم فاقدروا له ( أي استدلوا عليه بمنازله وقدروا إتمام الشهر بحسابه وقال الجمهور : معنى ( فاقدروا له ( فأكملوا المقدار يفسره حديث أبي هريرة ( فأكملوا العدة ( وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله ( فاقدروا له ( : أي قدروا المنازل وهذا لا نعلم أحدا قال به إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين والإجماع حجة عليهم وقد روى بن نافع عن مالك في الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته وإنما يصوم ويفطر على الحساب : إنه لا يقتدى به و لا يتبع قال بن العربي : وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال : يعول على الحساب وهي عثرة لا لعا لها الرابعة واختلف مالك والشافعي هل يثبت هلال رمضان بشهادة واحد أو شاهدين فقال مالك : لا يقيل فيه شهادة الواحد لأنها شهادة على هلال فلا يقبل فيها أقل من إثنين أصله الشهادة على هلال شوال وذي الحجة وقال الشافعي وأبو حنيفة : يقبل الواحد لما رواه أبو داؤد عن بن عمر قال : تراءى الناس الهلال فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه وأخرجه الدارقطني وقال : تفرد به مروان بن محمد عن بن وهب وهو ثقة روى الدارقطني أن رجلا شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية هلال رمضان فصام أحسبه قال : وأمر الناس أن يصوموا وقال : أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان قال الشافعي : فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والإحتياط وقال الشافعي بعد : لا يجوز على رمضان إلا شاهدان قال الشافعي وقال بعض أصحابنا : لا أقبل عليه إلا شاهدين وهو القياس على كل مغيب الخامسة واختلفوا فيمن رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال فروى الربيع عن الشافعي : من رأى هلال رمضان وحده فليصمه ومن رأى هلال شوال وحده فليفطر وليخف ذلك وروى بن وهب عن مالك في الذي يرى هلال رمضان وحده أنه يصوم لأنه لا ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من شهر رمضان ومن رأى هلال شوال وحده فلا يفطر لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأمونا ثم يقول أولئك إذا ظهر عليهم : قد رأينا الهلال قال بن المنذر : وبهذا قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل وقال عطاء وإسحاق : لا يصوم ولا يفطر قال بن المنذر : يصوم ويفطر السادسة واختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد فلا يخلو أن يقرب أو يبعد فإن قرب فالحكم واحد وإن بعد فلأهل كل بلد رؤيتهم روى هذا عن عكرمة والقاسم وسالم وروى عن بن عباس وبه قال إسحاق وإليه أشار البخاري حيث بوب : لأهل كل بلد رؤيتهم وقال آخرون إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا هكذا قال الليث بن سعد والشافعي قال بن المنذر : ولا أعلمه إلا قول المزني والكوفي قلت : ذكر الكيا الطبري في كتاب أحكام القرآن له : وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية وأهل بلد تسعة وعشرين يوما أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك إذ كانت المطالع في البلدان يجوز أن تختلف وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى : ولتكملوا العدة وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها ومخالفهم يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ( الحديث وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم وحكى أبو عمر الإجماع على أنه لا تراعي الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان قال : ولكل بلد رؤيتهم إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين روى مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال فقلت : رأيناه ليلة الجمعة فقال : أنت رأيته فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت : أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال علماؤنا : قول بن عباس هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة تصريح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم ما لم يحمل الناس على ذلك فإن حمل فلا تجوز مخالفته وقال الكيا الطبري : قوله هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون تأول فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ( وقال بن العربي : واختلف في تأويل قول بن عباس هذا فقيل : رده لأنه خبر واحد وقيل : رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع وهو الصحيح لأن كريبا لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بالشهادة ولا خلاف في الحكم الثابت أنه يجزئ فيه خبر الواحد ونظيره ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات وأهل بأشبيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم لأن سهيلا يكشف من أغمات ولا يكشف من أشبيلية وهذا يدل على اختلاف المطالع قلت : وأما مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة فروى بن وهب وبن القاسم عنه في المجموعة أن أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ذلك إلى أهل الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إن فات الأذاء وروى القاضي أبو إسحاق عن بن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة بأمر شائع ذائع يستغني عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء وإن كان إنما ثبت عند حاكمهم بشهادة شاهدين لم يلزم ذلك من البلاد إلا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته أو يكون ثبت ذلك عند أمير المؤمنين فيلزم القضاء جماعة المسلمين قال : وهذا قول مالك السابعة قرأ جمهور الناس شهر بالرفع على أنه خبر ابتداء مضمر أي ذلكم شهر أو المفترض عليكم صيامه شهر رمضان أو الصوم أو الأيام وقيل : أرتفع على أنه مفعول لم يسم فاعله ب كتب أي كتب عليكم شهر رمضان ورمضان لا ينصرف لأن النون فيه زائدة ويجوز أن يكون مرفوعا على الإبتداء وخبره الذي أنزل فيه القرآن وقيل : خبره فمن شهد وألذي أنزل نعت له وقيل : ارتفع على البدل من الصيام فمن قال : إن الصيام في قوله كتب عليكم الصيام هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هنا بالإبتداء ومن قال : إن الصيام هناك رمضان قال هنا بالإبتداء أو بالبدل من الصيام أي كتب عليكم شهر رمضان وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب شهر بالنصب قال الكسائي : المعنى كتب عليكم الصيام وأن تصوموا شهر رمصان وقال الفراء : أي كتب عليكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان قال النحاس : لا يجوز أن ينتصب شهر رمضان بتصوموا لأنه يدخل في الصلة ثم يفرق بين الصلة والموصول وكذلك أن نصبته بالصيام ولكن يجوز أن تنصبه على الأغراء أي إلزموا شهر رمضان وصوموا شهر رمضان وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدم ذكر الشهر فيغرى به قلت 4 : قوله كتب عليكم الصيام يدل على الشهر فجاز الإغراء وهو اختيار أبي عبيد وقال الأخفش : انتصب على الظرف وحكى عن الحسن وأبي عمرو إدغام الراء في الراء وهذا لا يجوز لئلا يجتمع ساكنان ويجوز أن تقلب حركة الراء على الهاء فتضم الهاء ثم تدغم وهو قول الكوفيين الثامنة قوله تعالى : ( الذي أنزل فيه القرآن ) نص في أن القرآن نزل في شهر رمضان وهو يبين قوله عز وجل : حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة يعني ليلة القدر ولقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في غيره ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر على ما بيناه جملة واحدة فوضع في بيت العزة في سماه الدنيا ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجما نجما في الأوامر والنواهي والأسباب وذلك في عشرين سنة وقال بن عباس : أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا ثم نزل به جبريل ( عليه السلام نجوما يعني الآية والآيتين في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة وقال مقاتل في قوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن قال أنزل من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ثم نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا ونزل به جبريل في عشرين سنة قلت : وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع أن القرآن أنزل جملة واحدة والله أعلم وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين ( قلت : وفي هذا الحديث دلالة على ما يقوله الحسن أن ليلة القدر تكون ليلة أربع وعشرين وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان هذا التاسعة قوله تعالى : ( القرآن ) القرآن : اسم لكلام الله تعالى وهو بمعنى المقروء كالمشروب يسمى شرابا والمكتوب يسمى كتابا وعلى هذا قيل : هو مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا بمعنى قال الشاعر : ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا أي قراءة وفي التنزيل : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا أي قراءة الفجر ويسمى المقروء قرآنا على عادة العرب في تسميتها المفعول بإسم المصدر كتسميتهم للمعلوم علما وللمضروب ضربا وللمشروب شربا كما ذكرنا ثم اشتهر الإستعمال في هذا واقترن به العرف الشرعي فصار القرآن إسما لكلام الله حتى إذا قيل : القرآن غير مخلوق يراد به المقروء لا القراءة لذلك وقد يسمى المصحف الذي يكتب فيه كلام الله قرآنا توسعا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ( أراد به المصحف وهو مشتق من قرأت الشئ جمعته وقيل : هو إسم علم لكتاب الله غير مشتق كالتوراة والإنجيل وهذا يحكى عن الشافعي والصحيح الإشتقاق في الجميع وسيأتي العاشرة قوله تعالى : ( هدى للناس ) هدى في موضع نصب على الحال من القرآن أي هاديا لهم ( وبينات ) عطف عليه و ( الهدى ) الإرشاد والبيان كما تقدم أي بيانا لهم وإرشادا والمراد القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخا ومنسوخ ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال والحرام والمواعظ والأحكام وبينات جمع بينة من بان الشئ يبين إذا وضح ( والفرقان ) ما فرق بين الحق والباطل أي فصل وقد تقدم الحادية عشرة قوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) قراءة العامة بجزم اللام وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام وهي لام الأمر وحقها الكسر إذا أفردت فإذا وصلت بشئ ففيها وجهان : الجزم والكسر وإنما توصل بثلاثة أحرف : بالفاء كقوله فليصمه فليعبدوا والواو كقوله : وليوفوا وثم كقوله : ثم ليقضوا وشهد بمعنى حضر وفيه إضمار أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه وهو يقال عام فيخصص بقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر الآية وليس الشهر بمفعول وإنما هو ظرف زمان وقد اختلف العلماء في تأويل هذا فقال علي بن أبي طالب وبن عباس وسويد بن غفلة وعائشة أربعة من الصحابة وأبو مجلز لاحق بن حميد وعبيدة السلماني : من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله في بلده وأهله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر والمعنى عندهم : من أدركه رمضان مسافرا أفطر وعليه عدة من أيام أخر ومن أدركه حاضرا فليصمه وقال جمهور الأمة : من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما فإن سافر أفطر وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة وقد ترجم البخاري رحمه الله ردا على القول الأول باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر حدثنا عبد الله بن يوسف قال أنبأنا مالك عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس قال أبو عبد الله : والكديد ما بين عسفان وقديد قلت : قد يحتمل أن يحمل قول علي رضي الله عنه ومن وافقه على السفر المندوب كزيارة الإخوان من الفضلاء والصالحين أو المباح في طلب الرزق الزائد على الكفاية وأما السفر الواجب في طلب القوت الضروري أو فتح بلد إذا تحقق ذلك أو دفع عدو فالمرء فيه مخير ولا يجب عليه الإمساك بل الفطر فيه أفضل للتقوى وإن كان شهد الشهر في بلده وصام بعضه فيه لحديث بن عباس وغيره ولا يكون في هذا خلاف إن شاء الله والله أعلم وقال أبو حنيفة وأصحابه : من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا معنى عليه فليصمه ومن دخل عليه وأصحابه : من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام ومن جن أول الشهر وآخره فإنه يقضي أيام جنونه ونصب الشهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح ب شهد الثانية عشرة قد تقرر أن فرض الصوم مستحق بالإسلام والبلوغ والعلم بالشهر فإذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم وإن كان بعد الفجر استحب لهما الإمساك وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر ولا اليوم الذي بلغ فيه أو أسلم وقد اختلف العلماء في الكافر يسلم في آخر يوم من رمضان هل يجب عليه قضاء رمضان كله أو لا وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي أسلم فيه فقال الإمام مالك والجمهور : ليس عليه قضاء ما مضى لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه قال مالك : وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه وقال عطاء والحسن : يصوم ما بقي ويقضي ما مضى وقال عبد الملك بن الماجشون : يكف عن الأكل في ذلك اليوم ويقضيه وقال أحمد وإسحاق مثله وقال بن المنذر : ليس عليه أن يقضي ما مضى من الشهر ولا ذلك اليوم وقال الباجي : من قال من أصحابنا أن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام وهو مقتضى قول مالك وأكثر أصحابه أوجب عليه الإمساك في بقية يومه ورواه في المدونة بن نافع عن مالك وقاله الشيخ أبو القاسم ومن قال من أصحابنا ليسوا مخاطبين قال : لا يلزمه الإمساك في بقية يومه وهو مقتضى قول أشهب وعبدالملك بن الماجشون وقاله بن القاسم قلت : وهو الصحيح لقوله تعالى : يأيها الذين آمنوا فخاطب المؤمنين دون غيرهم وهذا واضح فلا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم ولا قضاء ما مضى وتقدم الكلام في معنى قوله : ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر والحمد لله الثالثة عشرة قوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ) قراءة جماعة اليسر بضم السين لغتان وكذلك العسر قال مجاهد والضحاك : اليسر الفطر في السفر والعسر الصوم في السفر والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين كما قال تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( دين الله يسر ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( يسروا ولا تعسروا ( واليسر من زاد في الإطعام على المد بن عباس فمن تطوع خيرا قال مسكينا آخر فهو خير له الأمر بمعاونتها لليمنى قولان وقوله : ( ولا يريد بكم العسر ) هو بمعنى قوله ( يريد الله بكم اليسر ) فكرر تأكيدا الرابعة عشرة دلت الآية على أن الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية زائدة على الذات هذا مذهب أهل السنة كما أنه عالم بعلم قادر بقدرة حي بحياة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة على الذات وذهب الفلاسفة والشيعة إلى نفيها تعالى الله عن قول الزائغين وإبطال المبطلين والذي يقطع دابر أهل التعطيل أن يقال : لو لم يصدق كونه ذا إرادة لصدق أنه ليس بذي إرادة ولو صح ذلك لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة فإن من كانت له الصفات الإرادية فله أن يخصص الشئ وله ألا يخصصه فالعقل السليم يقضي بأن ذلك كمال له وليس بنقصان حتى أنه لو قدر بالوهم سلب ذلك الأمر عنه لقد كان حاله أولا أكمل بالنسبة إلى حاله ثانيا فلم يبق إلا أن يكون مالم يتصف أنقص مما هو متصف به ولا يخفى ما فيه من المحال فإنه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق والخالق أنقص منه والبديهة تقضي برده وإبطاله وقد وصف نفسه جل جلاله وتقدست أسماؤه بأنه مريد فقال تعالى فعال لما يريد وقال سبحانه : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال : يريد الله أن يخفف عنكم إذا أراد أمرا فانما يقول له كن فيكون ثم إن هذا العالم على غاية من الحكمة والإتقان والإنتظام والإحكام وهو مع ذلك جائز وجوده وجائز عدمه فالذي خصصه بالوجود يجب أن يكون مريدا له قادرا عليه عالما به فإن لم يكن عالما قادرا لا يصح منه صدور شيء ومن لم يكن عالما وإن كان قادرا لم يكن ما صدر منه على نظام الحكمة والإتقان ومن لم يكن مريدا لم يكن تخصيص بعض الجائزات بأحوال وأوقات دون البعض بأولى من العكس إذ نسبتها إليه نسبة واحدة قالوا وإذ ثبت كونه قادرا مريدا وجب أن يكون حيا إذ الحياة شرط هذه الصفات ويلزم من كونه حيا أن يكون سمعيا بصيرا متكلما فإن تثبت له هذه الصفات فإنه لا محالة متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على ما عرف في الشاهد والبارئ سبحانه وتعالى يتقدس عن أن يتصف بما يوجب في ذاته نقصا الخامسة عشرة قوله تعالى : ( ولتكملوا العدة ) فيه تأويلان : أحدهما أحدهما إكمال عدة الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه الثاني عدة الهلال سواء كانت تسعا وعشرين أو ثلاثين قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الشهر يكون تسعا وعشرين ( وفي هذا رد لتأويل من تأول قوله صلى الله عليه وسلم : ( شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة ( أنهما لا ينقصان عن ثلاثين يوما أخرجه أبو داؤد وتأوله جمهور العلماء على معنى أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا سواء كانا من تسع وعشرين أو ثلاثين السادسة عشرة ولا إعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهارا بل هو لليلة التي تأتي هذا هو الصحيح وقد اختلف الرواة عن عمر في هذه المسالة فروى الدارقطني عن شقيق قال : جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين قال في كتابه : إن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس وذكره أبو عمر من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي وائل قال : كتب إلينا عمر فذكره قال أبو عمر : وروي عن علي بن أبي طالب مثل ما ذكره عبد الرزاق أيضا وهو قول بن مسعود وبن عمر وأنس بن مالك وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والليث والأوزاعي وبه قال أحمد وإسحاق وقال سفيان الثوري وأبو يوسف : إن رؤي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي وإن رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وروي مثل ذلك عن عمر ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال : كتب عمر إلى عتبة بن فرقد إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تمسوا وروي عن علي مثله ولا يصح في هذه المسألة شيء من جهة الإسناد عن علي وروي عن سليمان بن ربيعة مثل قول الثوري وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب وبه كان يفتي بقرطبة واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة قال أبو عمر : والحديث عن عمر بمعنى ما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة متصل والحديث الذي روي عنه بمذهب الثوري منقطع والمصير إلى المتصل أولى وقد احتج من ذهب مذهب الثوري بأن قال : حديث الأعمش مجمل لم يخص فيه قبل الزوال ولا بعده وحديث إبراهيم مفسر فهو أولى أن يقال به قلت : قد روي مرفوعا معنى ما روي عن عمر متصلا موقوفا روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما صبح ثلاثين يوما فرأى هلال شوال نهارا فلم يفطر حتى أمسى أخرجه الدارقطني من حديث الواقدي وقال : قال الواقدي حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري قال : سألت الزهري عن هلال شوال إذا رؤي باكرا قال سمعت سعيد بن المسيب يقول : إن رؤي هلال شوال بعد أن طلع الفجر إلى العصر أو إلى أن تغرب الشمس فهو من الليلة التي تجيء قال أبو عبد الله : وهذا مجمع عليه السابعة عشرة روى الدارقطني عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لأهلا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم قال الدارقطني : هذا إسناد حسن ثابت قال أبو عمر : لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تصلى صلاة العيد في غير يوم العيد ولا في يوم العيد بعد الزوال وحكى عن أبي حنيفة واختلف قول الشافعي في هذه المسألة فمرة قال بقول مالك واختاره المزني وقال : إذا لم يجز أن تصلى في يوم العيد بعد الزوال فاليوم الثاني أبعد من وقتها وأحرى ألا تصلى فيه وعن الشافعي رواية أخرى أنها تصلى في اليوم الثاني ضحى وقال البويطي : لا تصلى إلا أن يثبت في ذلك حديث قال أبو عمر : لو قضيت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض وقد أجمعوا في سائر السنن أنها لا تقضي فهذه مثلها وقال الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل : يخرجون من الغد وقال أبو يوسف في الإملاء وقال الحسن بن صالح بن حي : لا يخرجون في الفطر ويخرجون في الأضحى قال أبو يوسف : وأما في الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث قال أبو عمر : لأن الأضحى أيام عيد وهي صلاة عيد وليس الفطر يوم عيد إلا يوم واحد فإذا لم تصل فيه لم تقض في غيره لأنها ليست بفريضة فتقضى وقال الليث بن سعد : يخرجون في الفطر والأضحى من الغد قلت : والقول بالخروج إن شاء الله أصح للسنة الثابتة في ذلك ولا يمتنع أن يستثنى الشارع من السنن ما شاء فيأمر بقضائه بعد خروج وقته وقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس ( صححه أبو محمد قال الترمذي : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وبن المبارك وروي عن عمر أنه فعله قلت : وقد قال علماؤنا : من ضاق عليه الوقت وصلى الصبح وترك ركعتي الفجر فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء وقيل : لا يصليهما حينئذ ثم إذا قلنا : يصليهما فهل ما يفعله قضاء أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر قال الشيخ أبو بكر : وهذا الجاري على أصل المذهب وذكر القضاء تجوز قلت : ولا يبعد أن يكون حكم صلاة الفطر في اليوم الثاني على هذا الأصل لا سيما مع كونها مرة واحدة في السنة مع ما ثبت من السنة روى النسائي قال : أخبرني عمرو بن علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا شعبة قال حدثني أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له : أن قوما رأوا الهلال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفطروا بعد ما ارتفع النهار وأن يخرجوا إلى العيد من الغد في رواية : ويخرجوا لمصلاهم من الغد الثامنة عشرة قرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو في بعض ما روي عنه والحسن وقتادة والأعرج ولتكملوا العدة بالتشديد والباقون بالتخفيف واختار الكسائي التخفيف كقوله عز وجل : اليوم أكملت لكم دينكم قال النحاس : وهما لغتان بمعنى واحد كما قال عز وجل : فمهل الكافرين أمهلهم رويدا الطارق ولا يجوز ولتكملوا بإسكان اللام والفرق بين هذا وبين ما تقدم أن التقدير : ويريد لأن تكملوا ولا يجوز حذف أن والكسرة هذا قول البصريين ونحوه قول كثير أبو صخر : أريد لأنسى ذكرها أي لأن أنسى وهذه اللام هي الداخلة على المفعول كالتي في قولك : ضربت لزيد المعنى ويريد إكمال العدة وقيل : هي متعلقة بفعل مضمر بعد تقديره : ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة وهذا قول الكوفيين وحكاه النحاس عن الفراء قال النحاس : وهذا قول حسن ومثله : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك وقيل : الواو مقحمة وقيل : يحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري : هو محمول على المعنى والتقدير : فعل الله ذلك ليسهل عليكم ولتكملوا العدة قال : ومثله ما أنشده سيبويه بادت وغير آيهن مع البلى إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج أما سواء قذاله فبدا وغيب ساره المعزاء شاده يشيده شيدا جصصه لأن معناه بادت إلا رواكد بها رواكد فكأنه قال : وبها مشجج أو ثم مشجج التاسعة عشرة قوله تعالى : ( ولتكبروا الله ) عطف عليه ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل واختلف الناس في حده فقال الشافعي : روي عن سعيد بن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون قال : وتشبه ليلة النحر بها وقال بن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا وروي عنه : يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره وقال قوم : يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة وقال سفيان : هو التكبير يوم الفطر زيد بن أسلم : يكبرون إذا خرجوا إلى المصلى فإذا انقضت الصلاة انقضى العيد وهذا مذهب مالك قال مالك : هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام وروى بن القاسم وعلي بن زياد : أنه إن خرج قبل طلوع الشمس فلا يكبر في طريقه ولا جلوسه حتى تطلع الشمس وإن غدا بعد الطلوع فليكبر في طريقه إلى المصلى وإذا جلس حتى يخرج الإمام والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر والليل عليه قوله تعالى : ولتكبروا الله ولأن هذا يوم عيد لا يتكرر في العام فسن التكبير في الخروج إليه كالأضحى وروى الدارقطني عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى وروي عن بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى وروي عن بن عمر : أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم فيما ذكر بن المنذر قال : وحكى ذلك الأوزاعي عن إلياس وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال : أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى وحين يخرج الإمام إلى الصلاة وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج وسيأتي حكم صلاة العيدين والتكبير فيهما في سبح اسم ربك الأعلى الأعلى والكوثر الكوثر إن شاء الله تعالى الموفية عشرين ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا وروي عن جابر بن عبد الله ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير ومنهم من يقول : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وكان بن المبارك يقول إذا خرج من يوم الفطر : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا قال بن المنذر : وكان مالك لا يحد فيه حدا وقال أحمد : هو واسع قال بن العربي : واختار علماؤنا التكبير المطلق وهو ظاهر القرآن وإليه أميل ) قيل : لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم وقيل : بدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالإحساب وتعديد المناقب وقيل : لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع فهو عام وتقدم معنى ولعلكم تشكرون < <
Questions
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?