Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
البقرة : ( 186 ) وإذا سألك عبادي . . . . . > > < > ( البقره 186 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذا سألك ) المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك واختلف في سبب نزولها فقال مقاتل : إن عمر رضي الله عنه واقع امرأته بعد ما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتما وكان ذلك قبل نزول الرخصة فنزلت هذه الآية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب وقيل : لما وجب عليهم في الإبتداء ترك الأكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم على ما يأتي بيانه وروى الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وغلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية وقال الحسن : سببها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت وقال عطاء وقتادة : لما نزلت : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم قال قوم : في أي ساعة ندعوه فنزلت الثانية قوله تعالى : ( فإني قريب ) أي بالإجابة وقيل بالعلم وقيل : قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام الثالثة قوله تعالى : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) أي أقبل عبادة من عبدني فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول دليله ما رواه أبو داؤد عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدعاء هو العبادة قال ربكم أدعوني استجب لكم ( فسمي الدعاء عبادة ومنه قوله تعالى : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي دعائي فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسماه عبادة ووعد بأن يستجيب لهم روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة ما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ( وكان خالد الربعي يقول : عجبت لهذه الأمة في ادعوني أستجب لكم أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة وليس بينهما شرط قال له قائل مثل ماذا قال مثل قوله : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات البقرة فهاهنا شرط وقوله وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق فليس فيه شرط العمل ومثل قوله : فادعوا الله مخلصين له الدين فها هنا شرط وقوله : ادعوني أستجب لكم ليس فيه شرط وكانت الأمم تفرغ إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك فإن قيل : فما للداعي قد يدعو فلا يجاب فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في الآيتين أجيب أستجيب لا يقتضي الإستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل ولا بكل مطلوب على التفصيل فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له وأنواع الإعتداء كثيرة يأتي بيانها هنا وفي الأعراف إن شاء الله تعالى وقال بعض العلماء : أجيب إن شئت كما قال : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فيكون هذا من باب المطلق والمقيد وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة على ما يأتي بيانه في الأنعام إن شاء الله تعالى وقيل : إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعاء الداعين في الجملة وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما شاء وكيف شاء ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له ألآية وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه رسوله فالإجابة كانت حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة لأن أجيب واستجب خبر لا ينسخ فيصير المخبر كذابا يدل على هذا التأويل ما روى بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الأجابة ( وأوحى الله تعالى إلى داؤد : أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم وقال قوم : إن الله يجيب كل الدعاء فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا وإما أن يكفر عنه وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها ( قالوا : إذن نكثر قال : ( الله أكثر ( خرجه أبو عمر بن عبد البر وصححه أبو محمد عبد الحق وهو في الموطأ منقطع السند قال أبو عمر : وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الل ه تعالى ( ادعوني أستجب لكم ( فهذا كله من الإجابة وقال بن عباس : كل عبد دعا أستجيب له فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه وإن لم يكن رزقا له في الدنيا ذخر له قلت : وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلك على صحة ما تقدم من اجتناب الإعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه : ( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ( وزاد مسلم : ( ما لم يستعجل ( رواه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل : يارسول الله ما الإستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ( وروى البخاري ومسلم وأبو داؤد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : يحتمل قوله ( يستجاب لأحدكم ( الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة والإخبار عن جواز وقوعها فإذا كان بمعنى الإخبار عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة فإذا قال : قد دعوت فلم يستجب لي بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري الدعاء من جميعها وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا به خاصة ويمنع من ذلك قول الداعي : قد دعوت فلم يستجب لي لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط قلت : ويمنع من إجابة الدعاء أيضا أكل الحرام وما كان في معناه قال صلى الله عليه وسلم : ( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ( وهذا إستفهام على جهة الإستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به فمن شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا الله وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام وألا يمل من الدعاء ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا كما قال : ( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ( فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم وقال سهل بن عبد الله التستري : شروط الدعاء سبعة : أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال وقال بن عطاء : إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا فإن وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار في السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه أنجح فأركانه حضور القلب والرأفة والإستكانة والخشوع وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : شرائطه أربع أولها حفظ القلب عند الوحدة وحفظ اللسان مع الخلق وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحل وحفظ البطن من الحرام وقد قيل : إن من شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن كما أنشد بعضهم : ينادي ربه باللحن ليث كذاك إذا دعاه لا يجيب وقيل لإبراهيم بن أدهم : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا قال : لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته وعرفتم القرآن فلم تعملوا به وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها وعرفتم الجنة فلم تطلبوها وعرفتم النار فلم تهربوا منها وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدوا له ودفنتم الأموات فلم تعتبروا وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس قال علي رضي الله عنه لنوف البكالي : يا نوف إن الله أوحى إلى داؤد أن مر بني إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة وأيد نقية فإني لا أستجيب لأحد منهم ما دام لأحد من خلقي مظلمة يا نوف لا تكونن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا فإن داؤد قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلا أستجيب له فيها إلا أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا أو صاحب عرطبة وهي الطنبور أو صاحب كوبة وهي الطبل قال علماؤنا : ولا يقل الداعي : اللهم أعطني إن شئت اللهم أغفر لي إن شئت اللهم أرحمني إن شئت بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء وأيضا فإن في قوله : إن شئت نوع من الإستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه وأما المضطر إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله وروى الأئمة واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له ( وفي الموطأ : ( اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ( قال علماؤنا : قوله ( فليعزم المسألة ( دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريما قال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة وذلك كالسحر ووقت الفطر وما بين الأذان والإقامة وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض وعند نزول المطر والصف في سبيل الله كل هذا جاءت به الآثار ويأتي بيانها في مواضعها وروى شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له : يا شهر ألا تجد القشعريرة قلت نعم قالت : فادع الله فإن الدعاء مستجاب عند ذلك وقال جابر بن عبد الله : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرفت السرور في وجهه قال جابر : ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة الرابعة قوله تعالى : ( فليستجيبوا لي ) قال أبو رجاء الخرساني : فليدعوا لي وقال بن عطية : المعنى فليطلبوا أن أجيبهم وهذا هو باب استفعل أي طلب الشئ إلا ما شد مثل استغنى الله وقال مجاهد وغيره : المعنى فليجيبوا إلى فيما دعوتهم إليه من الإيمان أي الطاعة والعمل ويقال : أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي لم يجبه والسين زائدة واللام لام الأمر وكذا وليؤمنوا وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت إن التي للشرط وقيل : لأنها لا تقع إلا على الفعل والرشاد خلاف الغي وقد رشد يرشد رشدا ورشد ( بالكسر ) يرشد رشدا لغة فيه وأرشده الله والمراشد : مقاصد الطرق والطريق الأرشد : نحو الأقصد وتقول هو لرشدة خلاف قولك : لزنية وأم راشد : كنية للفأرة وبنو رشدان : بطن من العرب عن الجوهري وقال الهروي : الرشد والرشد والرشاد : الهدي والإستقامة ومنه قوله : لعلهم يرشدون < <
البقرة : ( 187 ) أحل لكم ليلة . . . . . > > < > ( البقره 187 ) <
> فيه ست وثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( أحل لكم ) لفظ أحل يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ روى أبو داؤد عن بن أبي ليلى قال وحدثنا أصحابنا قال : وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح قال : فجاء عمر فأراد امرأته فقالت : إني قد نمت فظن أنها تعتل فأتاها فجاء رجل من الأنصار فأراد طعاما فقالوا : حتى نسحن لك شيئا فنام فلما أصبحوا نزلت عليه هذه الآية وفيها أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم وروى البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وفي رواية : كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام قالت لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ففرحوا فرحا شديدا فنزلت : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وفي البخاري أيضا عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الل ه تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم يقال : خان واختان بمعنى من الخيانة أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب وقال القتبي : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه وذكر الطبري : أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده ليلة فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له : قد نمت فقال لها : ما نمت فوقع بها وصنع كعب بن مالك مثله فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أعتذر إلى الله وإليك فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي فهل تجد لي من رخصة فقال لي : ( لم تكن حقيقا بذلك يا عمر ( فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وذكره النحاس ومكي وأن عمر نام ثم وقع بامرأته وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن الآية الثانية قوله تعالى : ( ليلة الصيام الرفث ) ليلة نصب على الظرف وهي اسم جنس فلذلك أفردت والرفث : كناية عن الجماع لأن الله عز وجل كريم يكنى قاله بن عباس والسدي وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته وقاله الأزهري أيضا وقال بن عرفة : الرفث ها هنا الجماع والرفث : التصريح بذكر الجماع والإعراب به قال الشاعر : ويرين من أنس الحديث زوانيا وبهن عن رفث الرجال نفار وقيل : الرفث أصله قول الفحش يقال : رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح ومنه قول الشاعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم وتعدى الرفث بإلى في قوله تعالى جده : الرفث إلى نسائكم وأنت لا تقول : رفثت إلى النساء ولكن جيء به محمولا على الإفضاء الذي يراد به الملابسة في مثل قوله : وقد أفضى بعضكم إلى بعض ومن هذا المعنى : وإذا خلوا إلى شياطينهم كما تقدم وقوله : يوم يحمى عليها أي يوقد لأنك تقول : احميت الحديدة في النار وسيأتي ومنه قوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره حمل على معنى ينحرفون عن أمره أو يروغون عن أمره لأنك تقول : خالفت زيدا ومثله قوله تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما حمل على معنى رءوف في نحو بالمؤمنين رءوف رحيم ألا ترى أنك تقول : رؤفت به ولا تقول رحمت به ولكنه لما وافقه في المعنى نزل منزلته في التعدية ومن هذا الضرب قول أبي كبير الهذلي : حملت به في ليلة مزءودة كرها وعقد نطاقها لم يحلل عدى حملت بالباء وحقه أن يصل إلى المفعول بنفسه كما جاء في التنزيل : حملته أمه كرها ووضعته كرها ولكنه قال : حملت به لأنه في معنى حبلت به الثالثة قوله تعالى : ( هن لباس لكم ) ابتداء وخبر وشددت النون من هن لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر ( وأنتم لباس لهن ) أصل اللباس في الثياب ثم سمى امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا لأنضمام الجسد إلى الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيها بالثوب وقال النابغة الجعدي : إذا ما الضجيع ثنى جيدها تداعت فكانت عليه لباسا وقال أيضا : لبست أناسا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناسا وقال بعضهم : يقال لما ستر الشئ وداراه : لباس فجائز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما ورد في الخبر وقيل : لأن كل واحد منهما ستر لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس وقال أبو عبيد وغيره : يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك قال رجل لعمر بن الخطاب ألا أبلغ أبا حفص رسولا فدى لك من أخي ثقة إزاري قال أبو عبيد : أي نسائي وقيل نفسي وقال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن مجاهد : أي سكن لكم أي يسكن بعضكم إلى بعض الرابعة قوله تعالى : ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم كقوله تعالى : تقتلون أنفسكم يعني يقتل بعضكم بعضا ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها وسماه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه كما تقدم وقوله : ( فتاب عليكم ) يحتمل معنيين : أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة كقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم المزمل أي خفف عنكم وقوله عقيب القتل الخطأ : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله يعني تخفيفا لأن القاتل خطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه وقال تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وإن لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبة منه وقوله : ( فعفا عنكم ) يحتمل العفو من الذنب ويحتمل التوسعة والتسهيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ( يعني تسهيله وتوسعته فمعنى علم الله أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة فتاب عليكم بعد ما وقع أي خفف عنكم وعفا أي سهل وتختانون من الخيانة كما تقدم قال بن العربي : وقال علماء الزهد : وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة خان نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة وخفف من أجله عن الأمة فرضى الله عنه وأرضاه قوله تعالى : ( فالآن باشروهن ) كناية عن الجماع أي قد أحل لكم ما حرم عليكم وسمي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه قال بن العربي : وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه لا جوع قيس لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال : فالآن كلوا ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله الخامسة قوله تعالى : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) قال بن عباس ومجاهد والحكم بن عيينة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك : معناه وابتغوا الولد يدل عليه أنه عقيب قوله : فالآن باشروهن وقال بن عباس : ما كتب الله لنا هو القرآن الزجاج : أي ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه وأمرتم به وروي عن بن عباس ومعاذ بن جبل أن المعنى وابتغوا ليلة القدر وقيل : المعنى اطلبوا الرخصة والتوسعة قاله قتادة قال بن عطية : وهو قول حسن قيل : أبتغوا ما كتب الله لكم من الإماء والزوجات وقرأ الحسن البصري والحسن بن قرة واتبعوا من الإتباع وجوزها بن عباس ورجح ابتغوا من الإبتغاء السادسة قوله تعالى : ( وكلوا واشربوا ) هذا جواب نازلة قيس والأول جواب عمر وقد ابتدأ بنازلة عمر لأنه المهم فهو المقدم السابعة قوله تعالى : ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) حتى غاية للتبيين ولا يصح أن يقع التبيين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك فقال الجمهور : ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه ألامصار روى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا ( وحكاه حماد بيديه قال : يعني معترضا وفي حديث بن مسعود : ( إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه ( وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن عباس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( هما فجران فاما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام ( هذا مرسل وقالت طائفة : ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت روي ذلك عن عمر وحذيفة وبن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش سليمان وغيرهم أن الإمساك يجب بتبيين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال وقال مسروق : لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت وروى النسائي عن عاصم عن زر قال قلنا لحذيفة : أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع وروى الدارقطني عن طلق بن علي أن نبي الله قال : ( كلوا وأشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم الأحمر ( قال الدارقطني : قيس بن طلق ليس بالقوى وقال أبو داؤد : هذا مما تفرد به أهل اليمامة قال الطبري : والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو في النهار والنهار عندهم من طلوع الشمس وآخره غروبها وقد مضى الخلاف في هذا بين اللغويين وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( إنما هو سواد الليل وبياض النهار ( الفيصل في ذلك وقوله أياما معدودات وروى الدارقطني عن عائشة رضي الل ه عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له ( تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات وروى عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ( رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء وروى عن حفصة مرفوعا من قولها ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر ويمنع الصيام دون نية قبل الفجر خلافا لقول أبي حنيفة وهي : الثامنة وذلك أن الصيام من جملة العبادات فلا يصح إلا بنية وقد وقتها الشارع قبل الفجر فكيف يقال : إن الأكل والشرب بعد الفجر جائز وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال : أنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد من الفجر فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار وعن عدي بن حاتم قال قلت : يارسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان قال : ( إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين ثم قال لا بل هو سواد الليل وبياض النهار ( أخرجه البخاري وسمى الفجر خيطا لأن ما يبدو من البياض يرى ممتدا كالخيط قال الشاعر : الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط الأسود جنح الليل مكتوم والخيط في كلامهم عبارة عن اللون والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا إذا جرى وانبعث وأصله الشق فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها : فجرا لانبعاث ضوئه وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر تسميه العرب الخيط الأبيض كما بيناه قال أبو دواد الإيادي : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا وقال آخر : قد كاد يبدو وبدت تباشره وسدف الليل البهيم ساتره وقد تسميه أيضا الصديع ومنه قولهم : انصدع الفجر قال بشر بن أبي خازم أو عمرو بن معديكرب : ترى السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته صديع وشبهه الشماخ بمفرق الرأس فقال : إذا ما الليل كان الصبح فيه أشق كمفرق الرأس الدهين ويقولون في الأمر الواضح : هذا كفلق الصبح وكانبلاج الفجر وتباشير الصبح قال الشاعر : فوردت قبل انبلاج الفجر وبن ذكاء كامن في كفر التاسعة قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) جعل الله جل ذكره الليل ظرفا للأكل والشرب والجماع والنهار ظرفا للصيام فبين أحكام الزمانين وغاير بينهما فلا يجوز في اليوم شيء مما أباحه بالليل إلا لمسافر أو مريض كما تقدم بيانه فمن أفطر في رمضان من غير من ذكر فلا يخلو إما ان يكون عامدا أو ناسيا فإن كان الأول فقال مالك : من أفطر في رمضان عامدا بأكل أو شرب أو جماع فعليه القضاء والكفارة لما رواه مالك في موطئه ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا الحديث وبهذا قال الشعبي وقال الشافعي وغيره : إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع لحديث أبي هريرة أيضا قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت يارسول الله قال : ( وما أهلكك ( قال : وقعت على امرأتي في رمضان الحديث وفيه ذكر الكفارة على الترتيب أخرجه مسلم وحملوا هذه القضية على القضية الأولى فقالوا : هي واحدة وهذا غير مسلم به بل هما قضيتان مختلفتان لأن مساقهما مختلف وقد علق الكفارة على من أفطر مجردا عن القيود فلزم مطلقا وبهذا قال مالك وأصحابه والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور والطبري وبن المنذر وروى ذلك عن عطاء في رواية وعن الحسن والزهري ويلزم الشافعي القول به فإنه يقول : ترك الإستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم وأوجب الشافعي عليه مع القضاء العقوبة لانتهاك حرمة الشهر العاشرة واختلفوا أيضا فيما يجب على المرأة يطؤها زوجها في شهر رمضان فقال مالك وأبو يوسف وأصحاب الرأي : عليها مثل ما على الزوج وقال الشافعي : ليس عليها إلا كفارة واحدة وسواء طاوعته أو أكرهها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يفصل وروى عن أبي حنيفة : إن طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة وإن أكرهها فعليه كفارة واحدة لا غير وهو قول سحنون بن سعيد المالكي وقال مالك : عليه كفارتان وهو تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه الحادية عشرة وختلفوا أيضا فيمن جامع ناسيا لصومه أو أكل فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق : ليس عليه في الوجهين شيء لا قضاء ولا كفارة وقال مالك والليث والأوزاعي : عليه القضاء ولا كفارة وروى مثل ذلك عن عطاء وقد روى عن عطاء أن عليه الكفارة أن جامع وقال : مثل هذا لا ينسى وقال قوم من أهل الظاهر : سواء وطىء ناسيا أو عامدا فعليه القضاء والكفارة وهو قول بن الماجشون عبد الملك وإليه ذهب أحمد بن حنبل لأن الحديث الموجب للكفارة لم يفرق فيه بين الناسي والعامد قال بن المنذر : لا شيء عليه الثانية عشرة قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : إذا أكل ناسيا فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامدا أن عليه القضاء ولا كفارة عليه قال بن المنذر : وبه نقول وقيل في المذهب : عليه القضاء والكفارة إن كان قاصدا لهتك حرمة صومه جرأة وتهاونا قال أبو عمر : وقد كان يجب على أصل مالك ألا يكفر لأن من أكل ناسيا فهو عنده مفطر يقضي يومه ذلك فأي حرمة هتك وهو مفطر وعند غير مالك : ليس بمفطر كل من أكل ناسيا لصومه قلت : وهو الصحيح وبه قال الجمهور : إن كل من أكل أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه وإن صومه تام لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه ولا قضاء عليه في رواية وليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه ( أخرجه الدارقطني وقال : إسناد صحيح وكلهم ثقات قال أبو بكر الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسئل عمن أكل ناسيا في رمضان قال : ليس عليه شيء على حديث أبي هريرة ثم قال أبو عبد الله مالك : وزعموا أن مالكا يقول عليه القضاء وضحك وقال بن المنذر : لا شيء عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكل أو شرب ناسيا : ( يتم صومه ( وإذا قال ( يتم صومه ( فأتمه فهو صوم تام كامل قلت : وإذا كان من أفطر ناسيا لا قضاء عليه وصومه صوم تام فعليه إذا جامع عامدا القضاء والكفارة والل ه أعلم كمن لم يفطر ناسيا وقد إحتج علماؤنا على إيجاب القضاء بأن قالوا : المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع به خرم لقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل وهذا لم يأت به على التمام فهو باق عليه ولعل الحديث في صوم التطوع لخفته وقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم : ( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ( فلم يذكر قضاء ولا تعرض له بل الذي تعرض له سقوط المؤاخذة والأمر بمضيه على صومه وإتمامه هذا إن كان واجبا فدل على ما ذكرناه من القضاء فأما صوم التطوع فلا قضاء فيه لمن أكل ناسيا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا قضاء عليه ( قلت : هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح لولا ما صح عن الشارع ما ذكرناه وقد جاء بالنص الصريح الصحيح وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة ( أخرجه الدارقطني وقال : تفرد به بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري فزال الاحتمال وارتفع الإشكال والحمد لله ذي الجلال والكمال الثالثة عشرة لما بين سبحانه محظورات الصيام وهي الأكل والشرب والجماع ولم يذكر المباشرة التي هي أتصال البشرة بالبشرة كالقبلة والجسة وغيرها دل ذلك على صحة صوم من قبل وباشر لأن فحوى الكلام إنما يدل على تحريم ما أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على الدليل ولذلك شاع الاختلاف فيه واختلف علماء السلف فيه فمن ذلك المباشرة قال علماؤنا : يكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها لئلا يكون سببا إلى ما يفسد الصوم روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنهما ) كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم وهذا والله أعلم خوف ما يحدث عنهما فإن قبل وسلم فلا جناح عليه وكذلك إن باشر وروى البخاري عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم وممن كره القبلة للصائم عبد الله بن مسعود وعروة بن الزبير وقد روي عن بن مسعود أنه يقضي يوما مكانه والحديث حجة عليهم قال أبو عمر : ولا أعلم أحدا رخص فيها لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه فإن قبل فأمنى فعليه القضاء ولا كفارة قاله أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن والشافعي واختاره بن المنذر وقال لا : ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة قال أبو عمر : ولو قبل فأمذي لم يكن عليه شيء عندهم وقال أحمد : من قبل فأمذي أو أمنى فعليه القضاء ولا كفارة عليه إلا على من جامع فأولج عامدا أو ناسيا وروى بن القاسم عن مالك فيمن قبل أو باشر فأنعظ ولم يخرج منه ماء جملة عليه القضاء وروى بن وهب عنه لا قضاء عليه حتى يمذي قال القاضي أبو محمد : واتفق أصحابنا على أنه لا كفارة عليه وإن كان منيا فهل تلزمه الكفارة مع القضاء فلا يخلو أن يكون قبل قبلة واحدة فأنزل أو قبل فالتذ فعاود فأنزل فإن كان قبل قبلة واحدة أو باشر أو لمس مرة فقال أشهب وسحنون : لا كفارة عليه حتى يكرر وقال بن القاسم : يكفر في ذلك كله إلا في النظر فلا كفارة عليه حتى يكرر وممن قال بوجوب الكفارة عليه إذا قبل أو باشر أو لاعب امرأته أو جامع دون الفرج فأمني : الحسن البصري وعطاء وبن المبارك وأبو ثور وإسحاق وهو قول مالك في المدونة وحجة قول أشهب : أن اللمس والقبلة والمباشرة ليست تفطر في نفسها وإنما يبقى أن تؤول إلى الأمر الذي يقع به الفطر فإذا فعل مرة واحدة لم يقصد الإنزال وإفساد الصوم فلا كفارة عليه كالنظر إليها وإذا كرر ذلك فقد قصد إفساد صومه فعليه الكفارة كما لو تكرر النظر قال اللخمي : واتفق جميعهم في الإنزال عن النظر أن لا كفارة عليه إلا أن يتابع والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر وانتهاك حرمة الصوم فإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل به ذلك فإذا كان ذلك شانه أن ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة أو كانت عادته مختلفة : مرة ينزل ومرة لا ينزل رأيت عليه الكفارة لأن فاعل ذلك قاصد لأنتهاك صومه أو متعرض له وإن كانت عادته السلامة فقدر أن كان منه خلاف العادة لم يكن عليه كفارة وقد يحتمل قول مالك في وجوب الكفارة لأن ذلك لا يجري إلا ممن يكون ذلك طبعه واكتفى بما ظهر منه وحمل أشهب الأمر على الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك وقولهم في النظر دليل على ذلك قلت : ما حكاه من الاتفاق في النظر وجعله أصلا ليس كذلك فقد حكى الباجي في المنتقى فإن نظر نظرة واحدة يقصد بها اللذة فأنزل فقد قال الشيخ أبو الحسن : عليه القضاء والكفارة قال الباجي : وهو الصحيح عندي لأنه إذا قصد بها الاستمتاع كانت كالقبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع والله أعلم وقال جابر بن زيد والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن ردد النظر إلى المرأة حتى أمنى : فلا قضاء عليه ولا كفارة قاله بن المنذر قال الباجي : وروى في المدونة بن نافع عن مالك أنه إن نظر إلى امرأته متجردة فالتذ فأنزل عليه القضاء دون الكفارة الرابعة عشرة والجمهور من العلماء على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وذلك جائز إجماعا وقد كان وقع فيه بين الصحابة كلام ثم استقر الأمر على أن من أصبح جنبا فإن صومه صحيح قلت : أما ما ذكر من وقوع الكلام فصحيح مشهور وذلك قول أبي هريرة : من أصبح جنبا فلا صوم له أخرجه الموطأ وغيره وفي كتاب النسائي أنه قال لما روجع : والله ما أنا قلته محمد صلى الله عليه وسلم والل ه قاله وقد اختلف في رجوعه عنها وأشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له حكاه بن المنذر وروي عن الحسن بن صالح وعن أبي هريرة أيضا قول ثالث قال : إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم روى ذلك عن عطاء وطاوس وعروة بن الزبير وروى عن الحسن والنخعي أن ذلك يجزئ في التطوع ويقضي في الفرض قلت : فهذه أربعة أقوال للعلماء فيمن أصبح جنبا والصحيح منها مذهب الجمهور لحديث عائشة ( رضي الله عنها ) وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم وعن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم أخرجهما البخاري ومسلم وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى : فالآن باشروهن الآية فإنه لما مد إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم أن الفجر يطلع عليه وهو جنب وإنما يتأتى الغسل بعد الفجر وقد قال الشافعي : ولو كان الذكر داخل المرأة فنزعه مع طلوع الفجر أنه لا قضاء عليه وقال المزني : عليه القضاء لأنه من تمام الجماع والأول أصح لما ذكرنا وهو قول علمائنا الخامسة عشرة واختلفوا في الحائض تطهر قبل الفجر وتترك التطهر حتى تصبح فجمهورهم على وجوب الصوم عليها وإجزائه سواء تركته عمدا أو سهوا كالجنب وهو قول مالك وبن القاسم وقال عبد الملك : إذأ طهرت الحائض قبل الفجر فأخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهرة وليست كالجنب لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيضة تنقضه هكذا ذكره أبو الفرج في كتابه عن عبد الملك وقال الأوزاعي تقضي لأنها فرطت في الاغتسال وذكر بن الجلاب عن عبد الملك أنها إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الغسل ففرطت ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب وإن كان الوقت ضيقا لا تدرك فيه الغسل لم يجز صومها ويومها يوم فطر وقاله مالك وهي كمن طلع عليها الفجر وهي حائض وقال محمد بن مسلمة في هذه : تصوم وتقضي مثل قول الأوزاعي وروى عنه أنه شذ فأوجب على من طهرت قبل الفجر ففرطت وتوانت وتأخرت حتى تصبح الكفارة مع القضاء السادسة عشرة وإدا طهرت المرأة ليلا في رمضان فلم تدر أكان ذلك قبل الفجر أو بعده صامت وقضت ذلك اليوم احتياطا ولا كفارة عليها السابعة عشرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفطر الحاجم والمحجوم ( من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس وحديث رافع بن خديج وبه قال أحمد وإسحاق وصحح أحمد حديث شداد بن أوس وصحح على بن المديني حديث رافع بن خديج وقال مالك والشافعي والثوري : لا قضاء عليه إلا أنه يكره له ذلك من أجل التغرير وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه قيل له : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال لا إلا من أجل الضعف وقال أبو عمر : حديث شداد ورافع وثوبان عندنا منسوخ بحديث بن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) احتجم صائما محرما لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائما محرما لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أنه صلى الله عليه وسلم مر عام الفتح على رجل يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال : ( أفطر الحاجم والمحجوم ( واحتجم هو صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وهو محرم صائم فإذأ كانت حجته صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدركه بعد ذلك رمضان لأنه توفي في ربيع الأول صلى الله عليه وسلم الثامنة عشرة قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) أمر يقتضي الوجوب من غير خلاف وإلى غاية فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه كقولك : اشتريت الفدان إلى حاشيته أو اشتريت منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة والمبيع شجر فإن الشجرة داخلة في المبيع بخلاف قولك : اشتريت الفدان إلى الدار فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من جنسه فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل كما جوز الأكل حتى يتبين النهار التاسعة عشرة ومن تمام الصوم استصحاب النية دون رفعها فإن رفعها في بعض النهار ونوى الفطر إلا أنه لم يأكل ولم يشرب فجعله في المدونة مفطرا وعليه القضاء وفي كتاب بن حبيب أنه على صومه قال : ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية وقيل : عليه القضاء والكفارة وقال سحنون : إنما يكفر من بيت الفطر فأما من نواه في نهاره فلا يضره وإنما يقضي استحسانا قلت : هذا حسن الموفية عشرين قوله تعالى : ( إلى الليل ) إذأ تبين الليل سن الفطر شرعا أكل أو لم يأكل قال بن العربي : وقد سئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي عن رجل حلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يفطر على حار ولا بارد فأجاب أنه بغروب الشمس مفطر لا شيء عليه واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاء الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم ( وسئل عنها الإمام أبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل فقال : لا بد أن يفطر على حار أو بارد وما أجاب به الامام أبو إسحاق أولى لأنه مقتضي الكتاب والسنة الحادية والعشرون فإن ظن أن الشمس قد غابت لغيم أو غيره فأفطر ثم ظهرت الشمس فعليه القضاء في قول أكثر العلماء وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ( رضي الله عنه ) قالت : أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام : فأمروا بالقضاء قال : فلا بد من قضاء قال عمر في الموطأ في هذا : الخطب يسير وقد اجتهدنا في الوقت يريد القضاء وروى عن عمر أنه قال : لا قضاء عليه وبه قال الحسن البصري : لا قضاء عليه كالناسي وهو قول إسحاق وأهل الظاهر وقول الله تعالى : إلى الليل يرد هذا القول والله أعلم الثانية والعشرون فإن أفطر وهو شاك في غروبها كفر مع القضاء قاله مالك إلا أن يكون الأغلب عليه غروبها ومن شك عنده في طلوع الفجر لزمه الكف عن الأكل فإن أكل مع شكه فعليه القضاء كالناسي لم يختلف في ذلك قوله ومن أهل العلم بالمدينة وغيرها من لا يرى عليه شيئا حتى يتبين له طلوع الفجر وبه قال بن المنذر وقال الكيا الطبري : وقد ظن قوم أنه إذا أبيح له الفطر إلى اول الفجر فإذأ أكل على ظن أن الفجر لم يطلع فقد أكل بإذن الشرع في وقت جواز الأكل فلا قضاء عليه كذلك قال مجاهد وجابر بن زيد ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غم عليه الهلال في أول ليلة من رمضان فأكل ثم بان أنه من رمضان والذي نحن فيه مثله وكذلك الأسير في دار الحرب إذا اكل ظنا انه من شعبان ثم بان خلافه الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( إلى الليل ) فيه ما يقتضي النهي عن الوصال إذ الليل غاية الصيام وقالته عائشة وهذا موضع اختلف فيه فمن واصل عبد الله بن الزبير وإبراهيم التيمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن الدينوري وغيرهم كان بن الزبير يواصل سبعا فإذا أفطر شرب السمن والصبر حتى يفتق أمعاءه قال : وكانت تيبس أمعاؤه وكان أبو الجوزاء يواصل سبعة أيام وسبع ليال ولو قبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها وظاهر القرآن والسنة يقتضي المنع قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم ( خرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى ونهى عن الوصال فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال : ( لو تأخر الهلال لزدتكم ( كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا أخرجه مسلم عن أبي هريرة وفي حديث أنس : ( لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ( خرجه مسلم أيضا وقال صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والوصال إياكم والوصال ( تأكيدا في المنع لهم منه وأخرجه البخاري وعلى كراهية الوصال لما ذكرنا ولما فيه من ضعف القوى وإنهاك الأبدان جمهور العلماء وقد حرمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب قال صلى الله عليه وسلم : ( إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكله السحر ( خرجه مسلم وأبو داود وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ( قالوا : فإنك تواصل يارسول الله قال : ( لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني ( قالوا : وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السحر وهو الغاية في الوصال لمن أراده ومنع من اتصال يوم بيوم وبه قال أحمد وإسحاق وبن وهب صاحب مالك واحتج من أجاز الوصال بان قال : إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالأسلام فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يتكلفوا الوصال وأعلى المقامات فيفتروا أو يضعفوا عما كان أنفع منه من الجهاد والقوة على العدو ومع حاجتهم في ذلك الوقت وكان هو يلتزم في خاصة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات فلما سألوه عن وصالهم أبدى لهم فارقا بينه وبينهم وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال : ( لست مثلكم أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ( فلما كمل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورسخ وكثر المسلمون وظهروا على عدوهم واصل اولياء الله والزموا أنفسهم أعلى المقامات والله أعلم قلت : ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أولى وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات والدليل على ذلك ما ذكرناه وأن الليل ليس بزمان صوم شرعي حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنية ما أثيب عليه والنبي صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل وإنما الصحابة ظنوا ذلك فقالوا : إنك تواصل فأخبر أنه يطعم ويسقى وظاهر هذه الحقيقة : وأنه صلى الله عليه وسلم يؤتي بطعام الجنة وشرابها وقيل : إن ذلك محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل الحقيقة حتى يرد دليل يزيلها ثم لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه وهم على عادتهم حتى يضعفوا ويقل صبرهم فلا يواصلوا وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمقهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم وأيضا لو تنزلنا على أن المراد بقوله : ( أطعم وأسقى ( المعنى لكان مفطرا حكما كما أن من اغتاب في صومه أو شهد بزور مفطر حكما ولا فرق بينهما قال صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ( وعلى هذا الحد ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به فكان تركه أولى وبالله التوفيق الرابعة والعشرون ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رطبات أو تمرات أو حسوات من الماء لما رواه أبو داؤد عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء وأخرجه الدارقطني وقال فيه : إسناد صحيح وروى الدارقطني عن بن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : ( لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم ( وعن بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذأ أفطر : ( ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الاجر أن شاء الله ( خرجه أبو داود أيضا وقال الدارقطني : تفرد به الحسين بن واقد إسناده حسن وروى بن ماجه عن عبد الله بن الزبير قال : أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ فقال : ( أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة ( وروى أيضا عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من فطر صائما كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ( وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد ( قال بن أبي مليكة : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : ( اللهم أني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ( وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقى ربه فرح بصومه ( الخامسة والعشرون ويستحب له ان يصوم من شوال ستة أيام لما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وبن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر ( هذا حديث حسن صحيح من حديث سعد بن سعيد الأنصاري المدني وهو ممن لم يخرج له البخاري شيئا وقد جاء بإسناد جيد مفسرا من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الل ه صلى الل ه عليه وسلم يقول : ( جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة ( رواه النسائي واختلف في صيام هذه الأيام فكرهها مالك في موطئه خوفا أن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه وقد وقع ما خافه حتى أنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان وروى مطرف عن مالك أنه كان يصومها في خاصة نفسه واستحب صيامها الشافعي وكرهه أبو يوسف السادسة والعشرون قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) بين جل تعالى أن الجماع يفسد الاعتكاف وأجمع أهل العلم على أن من جامع امرأته وهو معتكف عامدا لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك فقال الحسن البصري والزهري : عليه ما على المواقع أهله في رمضان فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة وإن لم يقصد لم يكره لأن عائشة كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها فدل بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة هذا قول عطاء والشافعي وبن المنذر قال أبو عمر : وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل واختلفوا فيما عليه إن فعل فقال مالك والشافعي : إن فعل شيئا من ذلك فسد اعتكافه قاله المزني وقال في موضع آخر من مسائل الاعتكاف : لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد واختاره المزني قياسا على أصله في الحج والصوم السابعة والعشرون قوله تعالى : ( وأنتم عاكفون ) جملة في موضع الحال والاعتكاف في اللغة : الملازمة يقال عكف على الشئ إذا لازمه مقبلا عليه قال الراجز : عكف النبيط يلعبون الفنزجا وقال الشاعر : وظل بنات الليل حولى عكفا عكوف البواكي بينهن صريع ولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافة لزمه هذا الاسم وهو في عرف الشرع : ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه ويلزمه إن ألزمه نفسه ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه الثامنة والعشرون أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقول الله تعالى في المساجد واختلفوا في المراد بالمساجد فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي كالمسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد إيلياء روى هذا عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب فلا يجوز الاعتكاف عندهم في غيرها وقال آخرون : لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة لأن الإشارة في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد روي هذا عن علي بن أبي طالب وبن مسعود وهو قول عروة والحكم وحماد والزهري وابي جعفر محمد بن علي وهو أحد قولي مالك وقال آخرون : الاعتكاف في كل مسجد جائز يروى هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي قلابة وغيرهم وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذن وهو أحد قولي مالك وبه يقول بن علية وداؤد بن علي والطبري وبن المنذر وروى الدارقطني عن الضحاك عن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح ( قال الدارقطني : والضحاك لم يسمع من حذيفة التاسعة والعشرون وأقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة فإن قال : لله على اعتكاف ليلة لزمه اعتكاف ليلة ويوم وكذلك إن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة وقال سحنون : من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن نذر يوما فعليه يوم بغير ليلة وإن نذر ليلة فلا شيء عليه كما قال سحنون قال الشافعي : عليه ما نذر إن نذر ليلة فليلة وإن نذر يوما فيوما قال الشافعي : أقله لحظة ولا حد لأكثره وقال بعض أصحاب أبي حنيفة : يصح الاعتكاف ساعة وعلى هذا القول فليس من شرطه صوم وروى عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه وهو قول داؤد بن علي وبن علية واختاره بن المنذر وبن العربي واحتجوا بأن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان ومحال أن يكون صوم رمضان لرمضان ولغيره ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك وأصحابه ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه في نهاره وأن ليله داخل في اعتكافه وأن الليل ليس بموضع صوم فكذلك نهاره ليس بمفتقر إلى الصوم وإن صام فحسن وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في القول الآخر : لا يصح إلا بصوم وروي عن بن عمر وبن عباس وعائشة ( رضي الله عنهم ) وفي الموطأ عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد الله بن عمر : لا اعتكاف إلا بصيام لقول الله تعالى في كتابه : وكلوا واشربوا إلى قوله : في المساجد وقالا : : فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام قال يحيى قال مالك : وعلى ذلك الأمر عندنا واحتجوا بما رواه عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن بن عمر أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اعتكف وصم ( أخرجه أبو داؤد وقال الدارقطني : تفرد به بن بديل عن عمرو وهو ضعيف وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا اعتكاف إلا بصيام ( قال الدارقطني : تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة وقالوا : ليس من شرط الصوم عندنا أن يكون للاعتكاف بل يصح أن يكون الصوم له ولرمضان ولنذر ولغيره فإذا نذره الناذر فإنما ينصرف نذره إلى مقتضاه في أصل الشرع وهذا كمن نذر صلاة فإنها تلزمه ولم يكن عليه أن يتطهر لها خاصة بل يجزئه أن يؤديها بطهارة لغيرها الموفية ثلاثين وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بد له منه لما روى الأئمة عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان تريد الغائط والبول ولا خلاف في هذا بين الأمة ولا بين الأئمة فإذا خرج المعتكف لضرورة وما لا بد له منه ورجع في فوره بعد زوال الضرورة بنى على ما مضى من اعتكافه ولا شيء عليه ومن الضرورة المرض البين والحيض واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك فمذهب مالك ما ذكرنا وكذلك مذهب الشافعي وأبي حنيفة وقال سعيد بن جبير والحسن والنخعي : يعود المريض ويشهد الجنائز وروي عن علي وليس بثابت عنه وفرق إسحاق بين الاعتكاف الواجب والتطوع فقال في الاعتكاف الواجب : لا يعود المريض ولا يشهد الجنائز وقال في التطوع : يشترط حين يبتدئ حضور الجنائز وعيادة المرضى والجمعة وقال الشافعي : يصح اشتراط الخروج من معتكفه لعيادة مريض وشهود الجنائز وغير ذلك من حوائجه واختلف فيه عن أحمد فمنع منه مرة وقال مرة : أرجو الأ يكون به بأس وقال الأوزاعي كما قال مالك : لا يكون في الاعتكاف شرط قال بن المنذر : لا يخرج المعتكف من اعتكافه إلا لما لا بد له منه وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج له الحادية والثلاثون واختلفوا في خروجه للجمعة فقالت طائفة : يخرج للجمعة ويرجع إذا سلم لأنه خرج إلى فرض ولا ينتقض اعتكافه ورواه بن الجهم عن مالك وبه قال أبو حنيفة واختاره بن العربي وبن المنذر ومشهور مذهب مالك أن من أراد أن يعتكف عشرة أيام أو نذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد الجامع وإذا اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة وبطل اعتكافه وقال عبد الملك : يخرج إلى الجمعة فيشهدها ويرجع مكانه ويصح أعتكافه قلت : وهو صحيح لقوله تعالى : وأنتم عاكفون في المساجد فعم وأجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه سنة وأجمع الجمهور من الأئمة على أن الجمعة فرض على الأعيان ومتى اجتمع واجبان أحدهما اكد من الآخر قدم الآكد فكيف إذا اجتمع مندوب وواجب ولم يقل أحد بترك الخروج إليها فكان الخروج إليها في معنى حاجة الإنسان الثانية والثلاثون المعتكف إذا أتى كبيرة فسد اعتكافه لأن الكبيرة ضد العبادة كما أن الحدث ضد الطهارة والصلاة وترك ما حرم الل تعالى عليه أعلى منازل الاعتكاف في العبادة قاله بن خويز منداد عن مالك الثالثة والثلاثون روى مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه الحديث واختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه فقال الأوزاعي بظاهر هذا الحديث وروى عن الثوري والليث بن سعد في أحد قوليه وبه قال بن المنذر وطائفة من التابعين وقال أبو ثور : إنما يفعل هذا من نذر عشرة أيام فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم قال مالك : وكذلك كل من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر وبه قال أبو حنيفة وبن الماجشون عبد الملك لأن أول ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها وأنه زمن للاعتكاف فلم يتبعض كاليوم وقال الشافعي : إذا قال لله على يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس خلاف قوله في الشهر وقال الليث في أحد قوليه وزفر : يدخل قبل طلوع الفجر والشهر واليوم عندهم سواء وروي مثل ذلك عن أبي يوسف وبه قال القاضي عبد الوهاب وأن الليلة إنما تدخل في الاعتكاف على سبيل التبع بدليل أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم وليس الليل بزمن للصوم فثبت أن المقصود بالاعتكاف هو النهار دون الليل قلت : وحديث عائشة يرد هذه الأقوال وهو الحجة عند التنازع وهو حديث ثابت لا خلاف في صحته الرابعة والثلاثون استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى وبه قال أحمد وقال الشافعي والأوزاعي : يخرج إذا غابت الشمس ورواه سحنون عن بن القاسم لأن العشر يزول بزوال الشهر والشهر ينقضي بغروب الشمس من اخر يوم من شهر رمضان وقال سحنون : إن ذلك على الوجوب فإن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه وقال بن الماجشون : وهذا يرده ما ذكرنا من انقضاء الشهر ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف لما صح اعتكاف لا يتصل بليلة الفطر وفي الإجماع على جواز ذلك دليل على أن مقام ليلة الفطر للمعتكف ليس شرطا في صحة الاعتكاف فهذه جمل كافية من أحكام الصيام والاعتكاف اللائقة بالآيات فيها لمن اقتصر عليها كفاية والله الموفق للهداية الخامسة والثلاثون قوله تعالى : ( تلك حدود الله ) أي هذه الأحكام حدود الله فلا تخالفوها فتلك إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي والحدود : الحواجز والحد : المنع ومنه سمى الحديد حديدا لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن وسمى البواب والسجان حدادا لأنه يمنع من في الدار من الخروج منها ويمنع الخارج من الدخول فيها وسميت حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها وأن يخرج منها ما هو منها ومنها سميت الحدود في المعاصي لأنها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها ومنه سميت الحاد في العدة لأنها تمتنع من الزينة السادسة والثلاثون قوله تعالى : ( كذلك يبين الله آياته للناس ) أي كما بين هذه الحدود يبين جميع الأحكام لتتقوا مجاوزتها والآيات : العلامات الهادية إلى الحق و ( لعلهم ) ترج في حقهم فظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسره الله للهدى بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من يشاء < <
البقرة : ( 188 ) ولا تأكلوا أموالكم . . . . . > > < > ( البقره 188 ) <
> فيه ثماني مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم ) قيل : إنه نزل في عبدان بن أشوع الحضرمي ادعى مالا على امرئ القيس الكندي واختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر أمرؤ القيس وأراد ان يحلف فنزلت هذه الآية فكف عن اليمين وحكم عبدان في أرضه ولم يخاصمه الثانية الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى : لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق فيدخل في هذا : القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق ومالا تطيب به نفس مالكه أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة على ما يأتي بيانه في سورة النساء وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه كما قال : تقتلون أنفسكم البقرة وقال قوم : المراد بالآية ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة فيجئ على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين الثالثة من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي لأنه إنما يقضي بالظاهر وهذا إجماع في الأموال وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطنا وإذا كان قضاء القاضي لا يغير حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أولى وروى الأئمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون الي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار في رواية فليحملها أو يذرها ( وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج إلا ما حكى عن أبي حنيفة في الفروج وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما لعدالتهما عنده فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل بعد العدة وكذلك لو تزوجها أحد الشاهدين جاز عنده لأنه لما حلت للازواج في الظاهر كان الشاهد وغيره سواء لأن قضاء القاضي قطع عصمتها وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعا ولولا ذلك ما حلت للأزواج واحتج بحكم اللعان وقال : معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب الذي لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما فلم يدخل هذا في عموم قوله ( عليه السلام ) : ( فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ( الحديث الرابعة وهذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز فيستدل عليه بقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل فجوابه أن يقال له : لا نسلم أنه باطل حتى تبينه بالدليل وحينئذ يدخل في هذا العموم فهي دليل على أن الباطل في المعاملات لا يجوز وليس فيها تعيين الباطل الخامسة قوله تعالى : ( بالباطل ) الباطل في اللغة : الذاهب الزائل يقال : بطل يبطل بطولا وبطلانا وجمع الباطل بواطل والأباطيل جمع البطولة وتبطل أي اتبع اللهو وأبطل فلان إذا جاء بالباطل وقوله تعالى : لا يأتيه الباطل قال قتادة : هو إبليس لا يزيد في القرآن ولا ينقص وقوله : ويمح الله الباطل يعني الشرك والبطلة : السحرة السادسة قوله تعالى : ( وتدلوا بها إلى الحكام ) الآية قيل : يعني الوديعة وما لا تقوم فيه بينة عن بن عباس والحسن وقيل : هو مال اليتيم الذي هو في أيدي الأوصياء يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطع بعضه وتقوم له في الظاهر حجة وقال الزجاج : تعملون ما يوجبه ظاهر الأحكام وتتركون ما علمتم أنه الحق يقال : أدلى الرجل بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر يقال : أدلى دلوه : ارسلها ودلاها : أخرجها وجمع الدلو والدلاء : أدل ودلاء ودلي والمعنى في الآية : لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة وهو كقوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وهو من قبيل قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن وقيل المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها فالباء الزاق مجرد قال بن عطية : وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل وأيضا فإن اللفظين متناسبان : تدلوا من إرسال الدلو والرشوة من الرشاء كأنه يمد بها ليقضي الحاجة قلت : ويقوى هذا قوله : وتدلوا بها تدلوا في موضع جزم عطفا على تأكلوا كما ذكرنا وفي مصحف أبي ولا تدلوا بتكرار حرف النهى وهذه القراءة تؤيد جزم تدلوا في قراءة الجماعة وقيل : تدلوا في موضع نصب على الظرف والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه ان مضمرة والهاء في قوله بها ترجع إلى الأموال وعلى القول الأول ألى الحجة ولم يجر لها ذكر فقوى القول الثاني لذكر الأموال والله أعلم في الصحاح : والرشوة معروفة والرشوة بالضم مثله والجمع رشي ورشى وقد رشاه يرشوه وارتشى : أخذ الرشوة واسترشى في حكمه : طلب الرشوة عليه قلت فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته ولا حول ولا قوة إلا بالله السابعة قوله تعالى : ( لتأكلوا ) نصب بلام كي ( فريقا ) أي قطعة وجزءا فعبر عن الفريق بالقطعة والبعض والفريق : القطعة من الغنم تشذ عن معظمها وقيل : في الكلام تقديم وتأخير التقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس ( بالإثم ) معناه بالظلم والتعدي وسمي ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله ( وأنتم تعلمون ) أي بطلان ذلك وإثمه وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية الثامنة أتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك وأنه محرم عليه أخذه خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة حيث قالوا : إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يفسق بدون ذلك وخلافا لابن الجبائي حيث قال : إنه يفسق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسق بدونها وخلافا لابن الهذيل حيث قال : يفسق بأخذ خمسة دراهم وخلافا لبعض قدرية البصرة حيث قال : يفسق بأخذ درهم فما فوق ولا يفسق بما دون ذلك وهذا كله مردود بالقرآن والسنة وبآتفاق علماء الأمة قال صلى الله عليه وسلم : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ( الحديث متغق على صحته < <
البقرة : ( 189 ) يسألونك عن الأهلة . . . . . > > < > ( البقره 189 ) <
> فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يسئلونك عن الأهلة ) هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبي صلى الله عليه وسلم فقال معاذ : يارسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير ثم ينتقص حتى يعود كما كان فأنزل الله هذه الآية وقيل : إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما سبب محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس قاله بن عباس وقتادة والربيع وغيرهم الثانية قوله تعالى : ( عن الأهلة ) الأهلة جمع الهلال وجمع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر غير كونه هلالا في آخر فإنما جمع أحواله من الأهلة ويريد بالأهلة شهورها وقد يعبر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه كما قال : أخوان من نجد على ثقة والشهر مثل قلامة الظفر وقيل : سمي شهرا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر وليلتين من أوله وقيل : لثلاث من أوله وقال الأصمعي : هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق وقيل : بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع قال أبو العباس : وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه واستهل وجهه فرحا وتهلل إذا ظهر فيه السرور قال أبو كبير : وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل ويقال : أهللنا الهلال إذا دخلنا فيه قال الجوهري : وأهل الهلال واستهل على ما لم يسم فاعله ويقال أيضا : استهل بمعنى تبين ولا يقال : أهل ويقال : أهللنا عن ليلة كذا ولا يقال : أهللناه فهل كما يقال : أدخلناه فدخل وهو قياسه : قال أبو نصر عبد الرحيم القشيري في تفسيره : ويقال : اهل الهلال واستهل وأهللنا الهلال واستهللنا الثالثة قال علماؤنا : من حلف ليقضين غريمه أو ليفعلن كذا في الهلال أو رأس الهلال أو عند الهلال ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم يحنث وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي قوله تعالى : ( قل هو مواقيت للناس والحج ) تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والأيمان والحج والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والاكرية إلى غير ذلك من مصالح العباد ونظيره قوله الحق : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب على ما يأتي وقوله : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام الرابعة وبهذا الذي قررناه يرد على أهل الظاهر ومن قال بقولهم : إن المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير توقيت وهذا لا دليل فيه لأنه عليه السلام قال لليهود : ( أقركم فيها ما أقركم الله ( وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه وليس كذلك غيره وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر المعاملات فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة وقال به علماء الأمة الخامسة قوله تعالى : ( مواقيت ) المواقيت : جمع الميقات وهو الوقت وقيل : الميقات منتهى الوقت ومواقيت لا تنصرف لأنه جمع لا نظير له في الآحاد فهو جمع ونهاية جمع إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع تكرر فيها وصرفت قوارير في قوله : قواريرا الإنسان لأنها وقعت في رأس آية فنونت كما تنون القوافي فليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تمكن الإسم السادسة قوله تعالى : ( والحج ) بفتح الحاء قراءة الجمهور وقرأ بن أبي إسحاق بالكسر في جميع القران وفي قوله : حج البيت في آل عمران سيبويه : الحج كالرد والشد والحج كالذكر فهما مصدران بمعنى وقيل : الفتح مصدر والكسر الإسم السابعة أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت وأنه لا يجوز النسئ فيه عن وقته بخلاف ما رأته العرب فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله قولهم وفعلهم على ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله تعالى الثامنة استدل مالك رحمه الله وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك فصح أن يحرم في جميعها بالحج وخالف في ذلك الشافعي لقوله تعالى : الحج أشهر معلومات على ما يأتي وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج وهذا كما تقول : الجارية لزيد وعمرو وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو ولا يجوز أن يقال : جميعها لزيد وجميعها لعمرو والجواب أن يقال : إن ظاهر قوله هي مواقيت للناس والحج يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج ولو أراد التبعيض لقال : بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج وهذا كما تقول : إن شهر رمضان ميقات لصوم زيد وعمرو ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات لصوم كل واحد منهما وما ذكروه من الجارية فصحيح لأن كونها جمعاء لزيد مع كونها جمعاء لعمرو مستحيل وليس كذلك في مسئلتنا فإن الزمان يصح أن يكون ميقاتا لزيد وميقاتا لعمرو فبطل ما قالوه التاسعة لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك فقال مالك : ذلك جائز لأنه معروف وبه قال أبو ثور وقال أحمد : أرجو ألا يكون به بأس وكذلك إلى قدوم الغزاة وعن بن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء وقالت طائفة ذلك غير جائز لأن الله تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم كذلك قال بن عباس وبه قال الشافعي والنعمان قال بن المنذر : قول بن عباس صحيح العاشرة إذا رؤي الهلال كبيرا فقال علماؤنا : لا يعول على كبره ولا على صغره وإنما هو بن ليلته روى مسلم عن أبي البختري قال : خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال : تراءينا الهلال فقال بعض القوم : هو بن ثلاث وقال بعض القوم هو بن ليلتين قال : فلقينا بن عباس فقلنا : إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو بن ثلاث وقال بعض القوم هو بن ليلتين فقال : أي ليلة رأيتموه قال فقلنا : ليلة كذا وكذا فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله مده للرؤية ( فهو لليلة رأيتموه الحادية عشرة قوله تعالى : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لإتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها فنزلت الآية فيهما جميعا وكان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم فإنهم كانوا إذا أهلوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعا ألا يحول بينهم وبين السماء حائل فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك أي من بعد إحرامه من بيته فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته فكانوا يرون هذا من النسك والبر كما كانوا يعتقدون أشياء نسكا فرد عليهم فيها وبين الرب تعالى أن البر في إمتثال أمره وقال بن عباس في رواية أبي صالح : فرد عليهم فيها وبين الرب تعالى أن البر في امتثال أمره وقال بن عباس في رواية أبي صالح : كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر يعني من أهل البيوت نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه وإن كان من أهل الوبر يعني أهل الخيام يدخل من خلف الخيام الخيمة إلا من كان من الحمس وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري من بني سلمة فدخل وخرق عادة قومه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( لم دخلت وأنت قد أحرمت ( فقال : دخلت أنت فدخلت بدخولك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أحمس ( أي من قوم لا يدينون بذلك فقال له الرجل : وأنا ديني دينك فنزلت الآية وقال بن عباس وعطاء وقتادة وقيل : إن هذأ الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري والحمس : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم والحماسة الشدة قال العجاج : وكم قطعنا من قفاف حمس أي شداد ثم اختلفوا في تأويلها فقيل ما ذكرنا وهو الصحيح وقيل : إنه النسئ وتأخير الحج به حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراما بتأخير الحج إليه والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج عنه فيكون ذكر البيوت على هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره وسيأتي بيان النسئ في سورة براءة إن شاء الله تعالى وقال أبو عبيدة : الآية ضرب مثل المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله واسالوا العلماء فهذأ كما تقول : أتيت هذا ألأمر من بابه وحكى المهدوي ومكي عن بن الأنباري والماوردي عن بن زيد أن الآية مثل في جماع النساء أمر بإتيانهن في القبل لا من الدبر وسمى النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت قال بن عطية : وهذا بعيد مغير نمط الكلام وقال الحسن : كانوا يتطيرون فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا من الخيبة فقيل لهم : ليس في التطير بر بل البر أن تتقوا الله وتتوكلوا عليه قلت : القول ألاول أصح هذه ألاقوال لما رواه البراء قال : كان الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها قال : فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه فقيل له في ذلك فنزلت هذه الآية : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وهذا نص في البيوت حقيقة خرجه البخاري ومسلم وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية فتأمله وقد قيل : إن الآية خرجت مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا ليشير به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه قلت : فعلى هذا يصح ما ذكر من الأقوال والبيوت جمع بيت وقرئ بضم الباء وكسرها وتقدم معنى التقوى والفلاح ولعل فلا معنى للإعادة الثانية عشرة في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب قال بن خويز منداد : إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة قال : وبذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديث بن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقالوا : هو أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ( فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن < <
البقرة : ( 190 ) وقاتلوا في سبيل . . . . . > > < > ( البقره 190 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقاتلوا ) هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : أدفع بالتي هي أحسن وقوله : فأعف عنهم واصفح وقوله : واهجرهم هجرا جميلا المزمل وقوله : لست عليهم بمصيطر الغاشية وما كان مثله مما نزل بمكة فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم قاله الربيع بن أنس وغيره وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا والأول أكثر وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة فلما نزل الحديبية بقرب مكة والحديبية إسم بئر فسمى ذلك الموضع بإسم تلك البئر فصده المشركون عن البيت وأقام بالحديبية شهرا فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين ورجع إلى المدينة فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام فنزلت هذه الآية أي يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزل فاقتلوا المشركين فنسخت هذه الآية قاله جماعة من العلماء وقال بن زيد والربيع : نسخها وقاتلوا المشركين كافة فأمر بالقتال لجميع الكفار وقال بن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد : هي محكمة أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم على ما يأتي بيانه قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القولين في السنة والنظر فأما السنة فحديث بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه أمرأة مقتولة فكره ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان رواه الأئمة وأما النظر فإن فاعل لا يكون في الغالب إلا من اثنين كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون وبهذا أوصى أبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام إلا أن يكون لهولاء إذاية أخرجه مالك وغيره وللعلماء فيهم صور ست : ألأولى النساء إن قاتلن قتلن قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها لعموم قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وللمرأة آثار عظيمة في القتال منها الإمداد بالأموال ومنها التحريض على القتال وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات بالفرار وذلك يبيح قتلهن غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن وتعذر فرارهن إلى 0 أوطانهن بخلاف الرجال الثانية الصبيان فلا يقتلون للنهى الثابت عن قتل الذرية ولأنه لا تكليف عليهم فإن قاتل الصبي قتل الثالثة الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر لقول أبي بكر ليزيد : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تهاج وقال سحنون : لا يغير الترهب حكمها قال القاضي أبو بكر بن العربي : والصحيح عندي رواية أشهب لأنها داخلة تحت قوله : فذرهم وما حبسوا أنفسهم له الرابعة الزمنى قال سحنون : يقتلون وقال بن حبيب : لا يقتلون والصحيح أن تعتبر أحوالهم فإن كانت فيهم إذاية قتلوا وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا مالا على حالهم وحشوة الخامسة الشيوخ قال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل وبه قال مالك وأبو حنيفة وللشافعي قولان : أحدهما مثل قول الجماعة والثاني يقتل هو والراهب والصحيح ألأول لقول أبي بكر ليزيد ولا مخالف له فثبت أنه إجماع وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء : القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية السادسة العسفاء وهم الأجراء والفلاحون فقال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون وقال الشافعي : يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية والأول أصح لقوله عليه السلام في حديث رباح بن الربيع ( الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا ( وقال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا ذكره بن المنذر الثانية روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم أهل الحديبية امروا بقتال من قاتلهم والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه ألا تراه كيف بينها في سورة براءة بقوله : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة وذلك باق متماد إلى يوم القيامة ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام : ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ( وقيل : غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام وهو موافق للحديث الذي قبله لأن نزوله من أشراط الساعة 2 الثالثة قوله تعالى : ( ولا تعتدوا ) قيل في تأويله ما قدمناه فهي محكمة فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة ومن أسر الإعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله كالحمية وكسب الذكر بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم يعني دينا وإظهارا للكلمة وقيل : لا تعتدوا أي لا تقاتلوا من لم يقاتل فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار والله أعلم < <
البقرة : ( 191 ) واقتلوهم حيث ثقفتموهم . . . . . > > < > ( البقره 191 : 192 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ثقفتموهم ) يقال : ثقف يثقف ثقفا وثقفا ورجل ثقف لقف : إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور وفي هذا دليل على قتل الأسير وسيأتي بيان هذا في الأنفال إن شاء الله تعالى ( وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) أي مكة قال الطبري : الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش الثانية قوله تعالى : ( والفتنة أشد من القتل ) أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل قال مجاهد : أي من أن يقتل المؤمن فالقتل أخف عليه من الفتنة وقال غيره : أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبد الله التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام حسب ما هو مذكور في سرية عبد الله بن جحش على ما يأتي بيانه قاله الطبري وغيره الثالثة قوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) الآية للعلماء في هذه الآية قولان : أحدهما أنها منسوخة والثاني أنها محكمة قال مجاهد : الآية محكمة ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل وبه قال طاوس وهو الذي يقتضيه نص الآية وهو الصحيح من القولين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وفي الصحيح عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : ( ( إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ( وقال قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى : فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال مقاتل : نسخها قوله تعالى : واقتلوهم حيث ثقفتموهم ثم نسخ هذا قوله : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فيجوز الإبتداء بالقتال في الحرم ومما احتجوا به أن براءة نزلت بعد سورة البقرة بسنتين وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه المغفر فقيل : إن بن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : ( اقتلوه ( وقال بن خويز منداد : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام منسوخة لأن الإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على مكة وقال : لأقاتلكم وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال فمكة وغيرها من البلاد سواء وإنما قيل فيها : هي حرام تعظيما لها ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال : ( إحصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا ( حتى جاء العباس فقال : يا رسول الله ذهبت قريش فلا قريش بعد اليوم ألا ترى أنه قال في تعظيمها : ( ولا يلتقط لقطتها إلا منشد ( واللقطة بها وبغيرها سواء ويجوز أن تكون منسوخة بقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة قال بن العربي : حضرت في بيت المقدس طهره الله بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء فقال القاضي الزنجاني : من السيد فقال : رجل سلبه الشطار أمس وكان مقصدي هذا الحرم المقدس وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم فقال القاضي مبادرا : سلوه على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا فأفتى بأنه لا يقتل فسئل عن الدليل فقال قوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه قرئ ولا تقتلوهم ولا تقاتلوهم فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نص وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهى عن القتل فاعترض عليه القاضي منتصرا للشافعي ومالك وإن لم ير مذهبهما على العادة فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فقال له الصاغاني : هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن والتي احتججت بها خاصة ولا يجوز لأحد أن يقول : إن العام ينسخ الخاص فبهت القاضي الزنجاني وهذا من بديع الكلام قال بن العربي : فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه لنص الآية والسنة الثابتة بالنهى عن القتال فيه وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيقتل بنص القرآن قلت : وأما ما احتجوا به من قتل بن خطل وأصحابه فلا حجة فيه فإن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أحل له فيها القتال فثبت وصح أن القول الأول أصح والله أعلم الرابعة قال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر فالكافر يقتل إذا قاتل بكل حال والباغي إذا قاتل يقاتل بنية الدفع ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في الحجرات إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( فإن انتهوا ) أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدم ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم نظيره قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وسيأتي < <
البقرة : ( 193 ) وقاتلوهم حتى لا . . . . . > > < > ( البقره 193 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وقاتلوهم ) أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على من رآها ناسخة ومن رآها غير ناسخة قال : المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم : فإن قاتلوكم والأول أظهر وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار دليل ذلك قوله تعالى : ويكون الدين لله وقال عليه السلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر لأنه قال : حتى لا تكون فتنة أي كفر فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر قال بن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم : الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين وأصل الفتنة : ألإختبار والإمتحان مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( فإن انتهوا ) أي عن الكفر إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب على ما يأتي بيانه في براءة وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان إذ الظلم يتضمن العدوان فسمي جزأء العدوان عدوانا كقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها والظالمون هم على أحد التأويلين : من بدأ بقتال وعلى التأويل الآخر : من بقى على كفر وفتنة < < البقرة : ( 194 ) الشهر الحرام بالشهر . . . . . > > < > ( البقره 194 ) <
> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الشهر الحرام ) قد تقدم اشتقاق الشهر وسبب نزولها ما روي عن بن عباس وقتادة ومجاهد ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم قالوا : نزلت في عمرة القضية وعام الحديبية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية في ذي القعدة سنة ست فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ووعده الله سبحانه أنه سيدخله فدخله سنة سبع وقضى نسكه فنزلت هذه الآية وروي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أنهيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام قال : ( نعم ( فأرادوا قتاله فنزلت الآية المعنى : إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم فأباح الله بالآية مدافعتهم والقول الأول أشهر وعليه الأكثر الثانية قوله تعالى : ( والحرمات قصاص ) الحرمات جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة والحجرات جمع حجرة وإنما جمعت الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام وحرمة الإحرام والحرمة : ما منعت من انتهاكه والقصاص المساواة أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع ف الحرمات قصاص على هذا متصل بما قبله ومتعلق به وقيل : هو مقطوع منه وهو ابتداء أمر كأن في أول الإسلام : إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدي عليك ثم نسخ ذلك بالقتال وقالت طائفة : ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ وجاز لمن تعدى عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدى به عليه إذا خفى له ذلك وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شيء قاله الشافعي وغيره وهي رواية في مذهب مالك وقالت طائفة من أصحاب مالك : ليس ذلك له وأمور القصاص وقف على الحكام والأموال يتناولها قوله تعالى صلى الله عليه وسلم : ( أد الأمانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك ( خرجه الدارقطني وغيره فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما أئتمنه عليه وهو المشهور من المذهب وبه قال أبو حنيفة تمسكا بهذا الحديث وقوله تعالى : إن الله يأمركم أن تودوا الأمانات إلى أهلها وهو قول عطاء الخرساني قال قدامة بن الهيثم : سألت عطاء بن ميسرة الخرساني فقلت له : لي على رجل حق وقد جحدني به وقد أعيا على البينة أفأقتص من ماله قال : أرأيت لو وقع بجاريتك فعلمت ما كنت صانعا قلت : والصحيح جواز ذلك كيف ما توصل إلى أخذ حقه مالم يعد سارقا وهو مذهب الشافعي وحكاه الداودي عن مالك وقال به بن المنذر واختاره بن العربي وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى حق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ( وأخذ الحق من الظالم نصر له وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امراة أبي سفيان لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف ( فأباح لها الأخذ وألا تأخذ إلا القدر الذي يجب لها وهذا كله ثابت في الصحيح وقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم قاطع في موضع الخلاف الثالثة واختلفوا إذأ ظفر له بمال من غير جنس ماله فقيل : لا يأخذ إلا بحكم الحاكم وللشافعي قولان أصحهما الأخذ قياسا على ما لو ظفر له من جنس ماله والقول الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس ومنهم من قال : يتحرى قيمة ماله عليه ويأخذ مقدار ذلك وهذا هو الصحيح لما بيناه من الدليل والله أعلم الرابعة وإذا فرعنا على الأخذ فهل يعتبر ما عليه من الديون وغير ذلك فقال الشافعي : لا بل يأخذ ماله عليه وقال مالك : يعتبر ما يحصل له مع الغرماء في الفلس وهو القياس والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم ) عموم متفق عليه إما بالمباشرة إن أمكن وإما بالحكام واختلف الناس في المكافأة هل تسمى عدوانا أم لا فمن قال : ليس في القرآن مجاز قال : المقابلة عدوان وهو عدوان مباح كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح لأن قول القائل : فقالت له العينان سمعا وطاعة وكذلك : امتلا الحوض وقال قطني وكذلك : شكا إلى جملي طول السرى ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق وحد الكذب : إخبار عن الشئ على خلاف ما هو به ومن قال في القرآن مجاز سمي هذا عدوانا على طريق المجاز ومقابلة الكلام بمثله كما قال عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال الآخر : ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ومن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج يريد : أكافي الجاهل والمعوج لا أنه امتدح بالجهل والإعوجاج السادسة واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء : عليه في ذلك المثل ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل لقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به قالوا : وهذا عموم في جميع الأشياء كلها وعضدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال : ( إناء بإناء وطعام بطعام ( خرجه أبو داؤد قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا خالد عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قصعة فيها طعام قال : فضربت بيدها فكسرت القصعة قال بن المثنى : فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل يجمع فيها الطعام ويقول : ( غارت أمكم ( زاد بن المثنى ( كلوا ( فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد وقال : ( كلوا ( وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته حدثنا أبو داؤد قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال وحدثنا فليت العامري قال أبو داؤد : وهو أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة قالت قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به فأخذني أفكل فكسرت الإناء فقلت : يارسول الله ما كفارة ما صنعت قال : ( إناء مثل إناء وطعام مثل طعام ( قال مالك وأصحابه : عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن القيمة لا المثل بدليل تضمين النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعتق نصف عبده قيمة نصف شريكه ولم يضمنه مثل نصف عبده ولا خلاف بين العلماء على تضمين المثل في المطعومات والمشروبات والموزونات لقوله عليه السلام : ( طعام بطعام ( السابعة لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص فمن قتل بشئ قتل بمثل ما قتل به وهو قول الجمهور ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف وللشافعية قول : إنه يقتل بذلك فيتخذ عود على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت وقال بن الماجشون : إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يعذب بالنار إلا الله ( والسم نار باطنه وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك لعموم الآية الثامنة وأما القود بالعصا فقال مالك في إحدى الروايتين : إنه إن كان في القتل بالعصا تطويل وتعذيب قتل بالسيف رواه عنه بن وهب وقاله بن القاسم وفي الأخرى : يقتل بها وإن كان فيه ذلك وهو قول الشافعي وروى أشهب وبن نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يقتل بهما إذا كانت الضربة مجهزة فأما أن يضرب ضربات فلا وعليه لا يرمي بالنبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب وقاله عبد الملك قال بن العربي : والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة إلا أن تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف واتفق علماؤنا على أنه إذا قطع يده ورجله وفقا عينه قصد التعذيب فعل به ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بقتلة الرعاء وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل بالسيف وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا : لا قود إلا بالسيف وهو مذهب أبي حنيفة والشعبي والنخعي واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قود الا بحديدة ( وبالنهي عن المثلة وقوله : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ( والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها : من صنع هذا بك أفلان أفلان حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فأقر فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بالحجارة وفي رواية : فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين وهذا نص صريح صحيح وهو مقتضى قوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وقوله : فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وأما ما استدلوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند المحدثين لا يروى عن طريق صحيح لو صح قلنا بموجبه وأنه إذا قتل بحديدة قتل بها يدل على ذلك حديث أنس : أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين وأما النهي عن المثلة فنقول أيضا بموجبها إذا لم يمثل فإذا مثل مثلنا به يدل على ذلك حديث العرنيين وهو صحيح أخرجه الأئمة وقوله : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ( صحيح إذا لم يحرق فإن حرق حرق يدل عليه عموم القرآن قال الشافعي : إن طرحه في النار عمدا طرحه في النار حتى يموت وذكره الوقار في مختصره عن مالك وهو قول محمد بن عبدالحكم قال بن المنذر : وقول كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل : عليه القود وخالف في ذلك محمد بن الحسن فقال : لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر فمات أو ألقاه من جبل أو سطح فمات لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته الدية فإن كان معروفا بذلك قد خنق غير واحد فعليه القتل قال بن المنذر : ولما أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودي الذي رض رأس الجارية بالحجر كان هذا في معناه فلا معنى لقوله قلت : وحكى هذا القول غيره عن أبي حنيفة فقال : وقد شذ أبو حنيفة فقال فيمن قتل بخنق أو بسم أو تردية من جبل أو بئر أو بخشبة : إنه لا يقتل ولا يقتص منه إلا إذا قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بالخنق والتردية وكان على عاقلته الدية وهذا منه رد للكتاب والسنة وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة وذريعة إلى رفع القصاص الذي شرعه الله للنفوس فليس عنه مناص التاسعة واختلفوا فيمن حبس رجلا وقتله آخر فقال عطاء : يقتل القاتل ويحبس الحابس حتى يموت وقال مالك : إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعا وفي قول الشافعي وأبي ثور والنعمان يعاقب الحابس واختاره بن المنذر قلت : قول عطاء صحيح وهو مقتضى التنزيل وروى الدارقطني عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل القاتل ويحبس الذي أمسكه ( رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن بن عمر ورواه معمر وبن جريج عن إسماعيل مرسلا العاشرة قوله تعالى : ( فمن اعتدى ) الإعتداء هو التجاوز قال الله تعالى : ومن يتعد حدود الله أي يتجاوزها فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك ومن شتمك فرد عليه مثل قوله ومن اخذ عرضك فخذ عرضه ولا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك فإن المعصية لا تقابل بالمعصية فلو قال لك مثلا : يا كافر جاز لك أن تقول له : أنت الكافر وإن قال لك : يا زان فقصاصك أن تقول له : يا كذاب يا شاهد زور ولو قلت له يا زان كنت كاذبا وأثمت في الكذب وإن مطلك وهو غني دون عذر فقال : يا ظالم يا آكل أموال الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ( أما عرضه فبما فسرناه وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه وقال بن عباس : نزل هذا قبل أن يقوى الإسلام فأمر من أوذي من المسلمين أن يجازى بمثل ما أؤذي به أو يصبر أو يعفو ثم نسخ ذلك بقوله : وقاتلوا المشركين كافة وقيل : نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان ولا يحل لأحد أن يقتص من أحد إلا بإذن السلطان < <
البقرة : ( 195 ) وأنفقوا في سبيل . . . . . > > < > ( البقره 195 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى روى البخاري عن حذيفة : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال : نزلت في النفقة وروي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : غزونا القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس : مه مه لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقال أبو أيوب : سبحان الله أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه قلنا : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله عز وجل : وأنفقوا في سبيل الله الآية والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية فقبره هناك فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله وأن الآية نزلت في ذلك وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك قلت : وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر بمعناه فقال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يأيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح وقال حذيفة بن اليمان وبن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل : ليس عندي ما أنفقه وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره والله أعلم قال بن عباس : أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم : لا أجد شيئا ونحوه عن السدي : أنفق ولو عقالا ولا تلقى بيدك إلى التهلكة فتقول : ليس عندي شيء وقول ثالث قاله بن عباس وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا : بماذا نتجهز فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد فنزل قوله تعالى : وأنفقوا في سبيل الله يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل الله يعني في طاعة الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا وهكذا قال مقاتل ومعنى قول بن عباس : ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا وقول رابع قيل للبراء بن عازب في هذه الآية : أهو الرجل يحمل على الكتيبة فقال لا ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول : قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في المعاصي فالهلاك : اليأس من الله وقال عبيدة السلماني وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الأنقطاع في الطريق أو يكون عالة على الناس فهذه خمسة أقوال سبيل الله هنا : الجهاد واللفظ يتناول بعد جميع سبله والباء في بأيديكم زائدة التقدير تلقوا أيديكم ونظيره : ألم يعلم بأن الله يرى العلق وقال المبرد : بأيديكم أي بأنفسكم فعبر بالبعض عن الكل كقوله : فبما كسبت أيديكم بما قدمت يداك وقيل : هذا ضرب مثل تقول : فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا آستسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان ومنه قول عبد المطلب : والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما تقول : لا تفسد حالك برأيك والتهلكة ( بضم اللام ) مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة أي لا تأخذوا فيما يهلككم قاله الزجاج وغيره أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم وقيل إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم ومعنى آخر : ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة ويقال : لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا ونحوه عن عكرمة قال : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وقال الطبري : قوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه إذ اللفظ يحتمله الثانية اختلف العلماء في إقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة وقيل : إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم وذلك بين في قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله وقال بن خويز منداد فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة قال رجل من المسلمين ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب قلت : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا قال : ( فلك الجنة ( فآنغمس في العدو حتى قتل وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه قال : ( من يردهم عنا وله الجنة ( أو هو رفيقي في الجنة ( فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضا فقال : ( من يردهم عنا وله الجنة ( أو ( هو رفيقي في الجنة ( فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أنصفنا أصحابنا ( هكذا الرواية ( أنصفنا ( بسكون الفاء ( أصحابنا ( بفتح الباء أي لم ندلهم للقتال حتى قتلوا وروي بفتح الفاء ورفع الباء ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من أصحابه والله أعلم وقال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعة فلا يبعد جوازه ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء قال الله تعالى : وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور لقمان وقد روى عكرمة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله ( وسيأتي القول في هذا في آل عمران إن شاء الله تعالى الثالثة قوله تعالى : ( وأحسنوا ) أي في الإنفاق في الطاعة وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم وقيل : أحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات روى ذلك عن بعض الصحابة < <
البقرة : ( 196 ) وأتموا الحج والعمرة . . . . . > > < > ( البقره 196 ) <
> قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) فيه سبع مسائل : الأولى اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله فقيل : أداؤهما والإتيان بهما كقوله : فأتمهن وقوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل أي ائتوا بالصيام وهذا على مذهب من أوجب العمرة على ما يأتي ومن لم يوجبها قال : المراد تمامها بعد الشروع فيهما فإن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه قال معناه الشعبي وبن زيد وعن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وفعله عمران بن حصين وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ويقوى هذا قوله لله وقال عمر : إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقرآن وقاله بن حبيب وقال مقاتل : إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فقال : فأتموهما ولا تخلطوهما بشئ آخر قلت : أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الإحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبد الله بن مسعود وجماعة من السلف وثبت أن عمر أهل من إيلياء وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم ورخص فيه الشافعي وروى أبو داؤد والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( في رواية ( غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ( وخرجه أبو داؤد وقال : يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس يعني إلى مكة ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات وكره مالك رحمه الله أن يحرم أحد قبل الميقات ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وأنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة وأنكر عثمان على بن عمر إحرامه قبل الميقات وقال أحمد وإسحاق : وجه العمل المواقيت ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وعينها فصارت بيانا لمجمل الحج ولم يحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته بل أحرم من ميقاته الذي وقته لأمته وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم واحتج أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا آختار أيسرهما وبحديث أم سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ذلك وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته وعرفوا مغزاه ومراده وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته الثانية روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة يهلون منها وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا 0 الحديث واستعماله لا يخالفون شيئا منه واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته فروى أبو داؤد والترمذي عن بن عباس أن أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق قال الترمذي : هذا حديث حسن وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق وفي كتاب أبي داؤد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق وهذا هو الصحيح ومن روى أن عمر وقته لأن العراق في وقته افتتحت فغفلة منه بل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان ولم تفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع الثالثة أجمع أهل العلم على أن من أحرم من قبل أن يأتي الميقات أنه محرم وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك لأنه زاد ولم ينقص الرابعة في هذه الآية دليل على وجوب العمرة لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج قال الصبي بن معبد : أتيت عمر ( رضي الله عنه ) فقلت إني كنت نصرانيا فأسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي وإني أهللت بهما جميعا فقال له عمر هديت لسنة نبيك قال بن المنذر : ولم ينكر عليه قوله : وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وبن عمر وبن عباس وروى الدارقطني عن بن جريج قال : أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع قال : ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئا قال بن جريج : وأخبرت عن عكرمة أن بن عباس قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وبن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وبن الجهم من المالكيين وقال الثوري : سمعنا أنها واجبة وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت ذكره الدارقطني وروى مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت ( وكان مالك يقول : العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكي بن المنذر وحكي بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج وبانها سنة ثابتة قاله بن مسعود وجابر بن عبد الله روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو قال : ( نعم ( فسأله عن العمرة : أواجبة هي قال : ( لا وأن تعتمر خير لك ( رواه يحيى بن أيوب عن حجاج وبن جريج عن بن المنكدر عن جابر موقوفا من قول جابر فهذه حجة من لم يوجبها من السنة قالوا : وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الإبتداء فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة المزمل وابتدأ بإيجاب الحج فقال : ولله على الناس حج البيت ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بأبتدائها فلو حج عشر حجج أو أعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الآبتداء والله أعلم واحتج المخالف من جهة 8 النظر على وجوبها بأن قال : عماد الحج الوقوف بعرفة وليس في العمرة وقوف فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في افعالها الخامسة قرأ الشعبي وأبو حيوة برفع التاء في العمرة وهي تدل على عدم الوجوب وقرأ الجماعة العمرة بنصب التاء وهي تدل على الوجوب وفي مصحف بن مسعود وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله وروى عنه وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا حظ بقصد ولا قربة بمعتقد فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه ثم سامح في التجارة على ما يأتي السادسة لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة والقلم جار له وعليه أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه وأن النية تجب فرضا لقوله تعالى : وأتموا ومن تمام العبادة حضور النية وهي فرض كالإحرام عند الإحرام لقوله عليه السلام لما ركب راحلته : ( لبيك بحجة وعمرة معا ( على ما يأتي وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال : ولو لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة لم يكن حاجا ولا معتمرا ولو نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ( قال : ومن فعل مثل ما فعل على حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت بخلاف الصلاة السابعة واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة فقال مالك : لا سبيل لهما إلى رفض الإحرام ولا لأحد متمسكا بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ومن رفض إحرامه فلا يتم حجة ولا عمرته وقال أبو حنيفة : جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما فإن تمادي على حجه ذلك لم يجزه من حجة الإسلام واحتج بأنه لما لم يكن الحج يجزئ عنه ولم يكن الفرض لازما له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ استحال أن يشغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة وقال الشافعي : إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرما أجزأه من حجة الإسلام وكذلك العبد قال : ولو عتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام ولم يكن عليهما دم ولو احتاطا فأهراقا دما كان أحب إلي وليس ذلك بالبين عندي واحتج في إسقاط تجديد الإحرام بحديث علي ( رضي الله عنه ) إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين 2 أقبل من اليمن مهلا بالحج : ( بم أهللت ( قال قلت : لبيك اللهم بإهلال كإهلال نبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإني أهللت بالحج وسقت الهدي ( قال الشافعي : ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ولا أمره بتجديد نية لإفراد أو تمتع أو قران وقال مالك في النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج : أجزأه من حجة الإسلام وكذلك العبد يعتق والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم وإنما يلزم الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات وقال أبو حنيفة : يلزم العبد الدم وهو كالحر عندهم في تجاؤز الميقات بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما فإذأ أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي ولا شيء عليهما في ترك الميقات قوله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى قال بن العربي : هذه آية مشكلة عضلة من العضل قلت : لا إشكال فيها ونحن نبينها غاية البيان فنقول الإحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائق جملة فجملة أي بأي عذر كان كان حصر عدو أو جور سلطان أو مرض أو ما كان واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين : الأول قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما : هو المرض لا العدو وقيل : العدو خاصة قاله بن عباس وبن عمر وأنس والشافعي قال بن العربي : وهو اختيار علمائنا ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن أحصر عرض للمرض وحصر نزل به العدو قلت : ما حكاه بن العربي من أنه اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب وحده وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا : الإحصار إنما هو المرض وأما العدو فإنما يقال فيه : حصر حصرا فهو محصور قاله الباجي في المنتقي وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة على ما يأتي وقال أبو عبيدة والكسائي : أحصر بالمرض وحصر بالعدو وفي المجمل لابن فارس على العكس فحصر بالمرض وأحصر بالعدو وقالت طائفة : يقال أحصر فيهما جميعا من الرباعي حكاه أبو عمر قلت : وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه أحصر فيهما فتأمله وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المرض والعدو قال القشيري أبو نصر : وادعت الشافعية أن الإحصار يستعمل في العدو فأما المرض فيستعمل فيه الحصر والصحيح أنهما يستعملان فيهما قلت : ما آدعته الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه قال الخليل : حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه هكذا قال جعل الأول ثلاثيا من حصرت والثاني في المرض رباعيا وعلى هذا خرج قول بن عباس : لا حصر إلا حصر العدو وقال بن السكيت : أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها وقد حصره العدو يحصرونه إذأ ضيقوا عليه فأطافوا به وحاصروه محاصرة وحصارا قال الأخفش : حصرت الرجل فهو محصور أي حبسته قال : وأحصرني بولي وأحصرني مرضي أي جعلني أحصر نفسي قال أبو عمرو الشيباني : حصرني الشئ وأحصرني أي حبسني قلت : فالأكثر من أهل اللغة على أن حصر في العدو وأحصر في المرض وقد قيل ذلك في قول الله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله وقال بن ميادة : وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول وقال الزجاج : الإحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض فأما من العدو فلا يقال فيه إلا حصر يقال : حصر حصرا وفي الأول أحصر إحصارا فدل على ما ذكرناه وأصل الكلمة من الحبس ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسره والحصير : الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب والحصير الذي يجلس عليه لأنضمام بعض طاقات البردي إلى بعض كحبس الشئ مع غيره الثانية ولما كان أصل الحصر الحبس قالت الحنفيه : المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غير ذلك واحتجوا بمقتضى الإحصار مطلقا قالوا : وذكر الأمن في آخر الآية لا يدل على أنه لا يكون من المرض قال صلى الله عليه وسلم : ( الزكام أمان من الجذام ( وقال : ( من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص ( الشوص : وجع السن واللوص : وجع الأذن والعلوص : وجع البطن أخرجه بن ماجه في سننه قالوا : وإنما جعلنا حبس العدو حصارا قياسا على المرض إذا كان في حكمه لا بدلالة الظاهر وقال بن عمر وبن الزبير وبن عباس والشافعي وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدو لأن الآية نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة قال بن عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هدية وحلق رأسه ودل على هذا قوله تعالى : فإذا أمنتم ولم يقل : برأتم والله أعلم الثالثة جمهور الناس على أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه فإذأ بلغ محله صار حلالا وقال أبو حنيفة : دم الإحصار لا يتوقف على يوم النحر بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر إذا بلغ محله وخالفه صاحباه فقالا : يتوقف على يوم النحر وإن نحر قبله لم يجزه وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان الرابعة الأكثر من العلماء على أن من أحصر بعدو كافر أو مسلم أو سلطان حبسه في سجن أن عليه الهدي وهو قول الشافعي وبه قال أشهب وكان بن القاسم يقول : ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدي إلا أن يكون ساقه معه وهو قول مالك ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره وقلده حين أحرم بعمرة فلما لم يبلغ ذلك الهدي محله للصد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر لأنه كان هديا وجب بالتقليد والإشعار وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الصد فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدي واحتج الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدى إن كان عنده وإن كان فقيرا فمتى وجده وقدر عليه لا يحل إلا به وهو مقتضى قوله : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وقد قيل : يحل ويهدي إذا قدر عليه والقولان للشافعي وكذلك من لا يجد هديا يشتريه قولان الخامسة قال عطاء وغيره : المحصر بمرض كالمحصر بعدو وقال مالك والشافعي وأصحابهما : من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وإن أقام سنين حتى يفيق وكذلك من أخطأ العدد أو خفي عليه الهلال قال مالك : وأهل مكة في ذلك كأهل الآفاق قال : وإن أحتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى وبقي على إحرامه لا يحل من شيء حتى يبرأ من مرضه فإذأ بريء من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا وسعى بين الصفا والمروة وحل من حجته أو عمرته وهذا كله قول الشافعي وذهب في ذلك إلى ما روي عن عمر وبن عباس وعائشة وبن عمر وبن الزبير أنهم قالوا في المحصر بمرض أو خطأ العدد : إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت وكذلك من أصابه كسر أو بطن منخرق وحكم من كانت هذه حاله عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعرفة لمرضه إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت فطاف وتحلل بعمرة وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل وإن أقام على إحرامه ولم يواقع شيئا مما نهى عنه الحاج فلا هدي عليه ومن حجته في ذلك الإجماع من الصحابة على أن من أخطأ العدد أن هذا حكمه لا يحله إلا الطواف بالبيت وقال في المكي إذا بقى محصورا حتى فرغ الناس من حجهم : فإنه يخرج إلى الحل فيلبي ويفعل ما يفعله المعتمر ويحل فإذا كان قابل حج وأهدى وقال بن شهاب الزهري في إحصار من أحصر بمكة من أهلها : لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا واختار هذا القول أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير المالكي فقال : قول مالك في المحصر المكي أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج والهدي خلاف ظاهر الكتاب لقول الله عز وجل : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال : والقول عندي في هذا قول الزهري في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج فأما من كان بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر المشاهد وإن نعش نعشا لقرب المسافة بالبيت وقال أبو حنيفة وأصحابه : كل من منع من الوصول إلى البيت بعدو أو مرض أو ذهاب نفقة أو إضلال راحلة أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو بثمن هديه فإذا نحر فقد حل من إحرامه كذلك قال عروة وقتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأهل العراق لقوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي الآية السادسة قال مالك وأصحابه : لا ينفع المحرم الإشتراط في الحج إذا خاف الحصر بمرض أو عدو وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابهم والإشتراط أن يقول إذا أهل : لبيك اللهم لبيك ومحلى حيث حبستني من الأرض وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور : لا بأس أن يشترط وله شرطه وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين وحجتهم حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أردت الحج أأشترط قال : ( نعم ( قالت : فكيف أقول قال : ( قولي لبيك اللهم لبيك ومحلى من الأرض حيث حبستني ( أخرجه أبو داؤد والدارقطني وغيرهما قال الشافعي : لو ثبت حديث ضباعة لم أعده وكان محله حيث حبسه الله قلت : قد صححه غير واحد منهم أبو حاتم البستي وبن المنذر قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : ( حجي واشترطي ( وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق ثم وقف عنه بمصر قال بن المنذر : وبالقول الأول أقول وذكره عبد الرزاق أخبرنا بن جريج قال : أخبرنا أبو الزبير أن طاوسا وعكرمة أخبراه عن بن عباس قال : جاءت ضباعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امراة ثقيلة وإني أريد الحج فكيف تأمرني أن أهل قال : ( أهلي واشترطي أن محلى حيث حبستني ( قال : فأدركت وهذا إسناد صحيح السابعة واختلفت العلماء أيضا في وجوب القضاء على من أحصر فقال مالك والشافعي : من أحصر بعدو فلا قضاء عليه بحجه ولا عمرته إلا أن يكون ضرورة لم يكن حج فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضا وقال أبو حنيفة : المحصر بمرض أو عدو عليه حجة وعمرة وهو قول الطبري قال أصحاب الرأي : إن كان مهلا بحج قضى حجة وعمرة لأن إحرامه بالحج صار عمرة وإن كان قارنا قضى حجة وعمرتين وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة وسواء عندهم المحصر بمرض أو عدو على ما تقدم واحتجوا بحديث ميمون بن مهران قال : خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام بن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي فلما انتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل الحرم فنحرت الهدى مكاني ثم حللت ثم رجعت فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي فأتيت بن عباس فسألته فقال : أبدل الهدي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء واستدلوا بقوله عليه السلام : ( من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى ( رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى ( قالوا : فاعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة قالوا : ولذلك قيل لها عمرة القضاء وآحتج مالك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشئ ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه ولا قال في العام المقبل : إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها ولم ينقل ذلك عنه قالوا : وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضي قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل فسميت بذلك عمرة القضية الثامنة لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كسر أو عرج أنه يحل مكانه بنفس الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن عمرو وتابعه على ذلك داود بن علي وأصحابه وأجمع العلماء على أنه يحل من كسر ولكن اختلفوا فيما به يحل فقال مالك وغيره : يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره ومن خالفه من الكوفيين يقول : يحل بالنية وفعل ما يتحلل به على ما تقدم من مذهبه التاسعة لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام في الحج والعمرة وقال بن سيرين : لا إحصار في العمرة لأنها غير مؤقتة وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر وفي ذلك نزلت الآية وحكي عن بن الزبير أن من أحصره العدو أو المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وهذا أيضا مخالف لنص الخبر عام الحديبية العاشرة الحاصر لا يخلو أن يكون كافرا أو مسلما فإن كان كافرا لم يجز قتاله ولو وثق بالظهور عليه ويتحلل بموضعه لقوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ( كما تقدم ولو سأل الكافر جعلا لم يجز لأن ذلك وهن في الإسلام فإن كان مسلما لم يجز قتاله بحال ووجب التحلل فإن طلب شيئا ويتخلى عن الطريق جاز دفعه ولم يجز القتال لما فيه من إتلاف المهج وذلك لا يلزم في أداء العبادات فإن الدين أسمح وأما بذل الجعل فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما ولأن الحج مما ينفق فيه المال فيعد هذا من النفقة الحادية عشرة والعدو الحاصر لا يخلو أن يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته وكثرته أولا فإن كان الأؤل حل المحصر مكانه من ساعته وإن كان الثاني وهو مما يرجى زواله فهذا لا يكون محصورا حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج فيحل حينئذ عند بن القاسم وبن الماجشون وقال أشهب : لا يحل من حصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة وجه قول بن القاسم : أن هذا وقت يأس من إكمال حجه لعدو غالب فجاز له أن يحل فيه أصل ذلك يوم عرفة ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه والتزامه له إلى يوم النحر الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه الإتيان به فكان ذلك عليه قوله تعالى : ( فما استيسر من الهدي ) ما في موضع رفع أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر ويحتمل أن يكون في موضع نصب أي فأنحروا أو فآهدوا وما استيسر عند جمهور أهل العلم شاة وقال بن عمر وعائشة وبن الزبير : ما استيسر جمل دون جمل وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما وقال الحسن : أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأخسه شاة وفي هذا دليل على ما ذهب إليه مالك من أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء لقوله : فما استيسر من الهدي ولم يذكر قضاء والله أعلم الثانية عشرة قوله تعالى : ( من الهدي ) الهدي والهدي لغتان وهو ما يهدي إلى بيت الله من بدنة أو غيرها والعرب تقول : كم هدي بني فلان أي كم إبلهم وقال أبو بكر : سميت هديا لأن منها ما يهدى إلى بيت الله فسميت بما يلحق بعضها كما قال تعالى : فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب أراد فإن زنى الإماء فعلى الأمة منهن إذا زنت نصف ما على الحرة البكر إذأ زنت فذكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار لأن الإحصان يكون في أكثرهن فسمين بأمر يوجد في بعضهن والمحصنة من الحرائر هي ذات الزوج يجب عليها الرجم إذا زنت والرجم لا يتبعض فيكون على الأمة نصفه فانكشف بهذا أن المحصنات يراد بهن الأبكار لا أولات الأزواج وقال الفراء : أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي قال : وتميم وسفلى قيس يثقلون فيقولون : هدي قال الشاعر : حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدي مقلدات قال : وواحد الهدي هدية ويقال في جمع الهدي : أهداء قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) فيه سبع مسائل الأولى قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) الخطاب لجميع الأمة : محصر ومخلى : ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة أي لا تتحللوا من الإحرام حتى ينحر الهدي والمحل : الموضع الذي يحل فيه ذبحه فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي : موضع الحصر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية قال الله تعالى : والهدي معكوفا أن يبلغ محله الفتح قيل : محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار : الحرم لقوله تعالى : : ثم محلها إلى البيت العتيق وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن الذي يجد الوصول إلى البيت فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من الحرم واحتجوا من السنة بحديث ناجية بن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أبعث معي الهدي فأنحره بالحرم قال : ( فكيف تصنع به ( قال : أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه فأنطلق به حتى أنحره في الحرم وأجيب بأن هذا لا يصح وإنما ينحر حيث حل إقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية وهو الصحيح الذي رواه الأئمة ولأن الهدي تابع للمهدي والمهدي حل بموضعه فالمهدى أيضا يحل معه الثانية واختلف العلماء على ما قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل بشئ من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدي فقال مالك : السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه قال الله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم ويعود حراما كما كان حتى ينحر هديه وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه قالوا : وما أقل ما يهديه شاة لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين وليس هذا عندهم موضع صيام قال أبو عمر : قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا مرض أن يحل حتى ينحر هديه في الحرم وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدي ويواعد حامله يوما ينحره فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه وحملوه على الإحلال بالظنون والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن والدليل على أن ذلك ظن قولهم : لو عطب ذلك الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراما وعليه جزاء ما صاد فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب وإنما بنوا مذهبهم هذا كله على قول بن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي : فيه قولان : لا يحل أبدا إلا بهدي والقول الآخر : أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قدر عليه قال الشافعي : ومن قال هذا قال : يحل مكانه ويذبح إذا قدر فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح إلا بها وإن لم يقدر ذبح حيث قدر قال ويقال : لا يجزيه إلا هدي ويقال : إذا لم يجد هديا كان عليه الإطعام أو الصيام وإن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر وقال في العبد : لا يجزيه إلا الصوم تقوم له الشاة دراهم ثم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما الثالثة واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا فقالت طائفة : ليس عليه أن يحلق رأسه لأنه قد ذهب عنه النسك واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعي وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا : ليس على المحصر تقصير ولا حلاق وقال أبو يوسف : يحلق المقصر فإن لم يحلق فلا شيء عليه وقد حكى بن أبي عمران عن بن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أن عليه الحلاق والتقصير لا بد له منه واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين : أحدهما أن الحلاق للمحصر من النسك وهو قول مالك والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة والحجة لمالك أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة قد منع من ذلك كله المحصر وقد صد عنه فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه ومما يدل على أن الحلاق باق على المحصر كما هو باق على من قد وصل إلى البيت سواء قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وما رواه الائمة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه والحلاق عندهم نسك على الحاج الذي قد أتم حجه وعلى من فاته الحج والمحصر بعدو والمحصر بمرض الرابعة روى الأئمة واللفظ لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اللهم آرحم المحلقين ( قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال : ( اللهم ارحم المحلقين ( قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال : ( والمقصرين ( قال علماؤنا : ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير وهو مقتضي قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم الآية ولم يقل تقصروا وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان الخامسة لم تدخل النساء في الحلق وأن سنتهن التقصير لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير ( خرجه أبو داؤد عن بن عباس وأجمع أهل العلم على القول به ورأت جماعة أن حلقها رأسها من المثلة واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها فكان بن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : تقصر من كل قرن مثل الأنملة وقال عطاء : قدر ثلاث أصابع مقبوضة وقال قتادة : تقصر الثلث أو الربع وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل وقال مالك : تأخذ من جميع قرون رأسها وما أخذت من ذلك فهو يكفيها ولا يجزئ عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقى بعضا قال بن المنذر : يجزئ ما وقع عليه إسم تقصير وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة السادسة لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق والأصل في ذلك قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو عمدا وقصدا فإن كان الأول فلا شيء عليه رواه بن حبيب عن بن القاسم وهو المشهور من مذهب مالك وقال بن الماجشون : عليه الهدي وبه قال أبو حنيفة وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر وبه قال الشافعي والظاهر من المذهب المنع والصحيح الجواز لحديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : ( لا حرج ( رواه مسلم وخرج بن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق أو حلق قبل أن يذبح فقال : ( لا حرج ( السابعة لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز خلافا لمن قال : إنه مثلة ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ولو لم يجز الحلق ما حلقهم وكان علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) يحلق رأسه قال بن عبد البر : وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق وكفى بهذا حجة وبالله التوفيق قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من راسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فيه تسع مسائل : الاولى قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا ) إستدل بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا المرض وهذا لا يلزم فإن معنى قوله : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ) فحلق ففدية أي فعليه فدية وإذا كان هذا واردا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها لإتساق الكلام بعضه على بعض وانتظام بعضه ببعض ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه ومما يدل على ما قلناه سبب نزول هذه الآية روى الأئمة واللفظ للدارقطني : عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يتساقط على وجهه فقال : ( أيؤذيك هوامك ( قال نعم فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام خرجه البخاري بهذا اللفظ أيضا فقوله : ولم يبين لهم أنهم يحلون بها يدل على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم فإذا الموجب للفدية الحلق للأذى والمرض والله أعلم الثانية قال الأوزاعي في المحرم يصيبه أذى في رأسه : إنه يجزيه أن يكفر بالفدية قبل الحلق قلت : فعلى هذا يكون المعنى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك إن أراد أن يحلق ومن قدر فحلق ففدية فلا يفتدي حتى يحلق والله أعلم الثالثة قال بن عبد البر : كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكره بشاة وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا : الصوم في فدية الأذى عشرة أيام والإطعام عشرة مساكين ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث وقد جاء من رواية أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له فقال له : ( كأنك يؤذيك هوام رأسك ( فقال أجل قال : ( أحلق واهد هديا ( فقال : ما أجد هديا قال : ( فأطعم ستة مساكين ( فقال : ما أجد قال : ( صم ثلاثة أيام ( قال أبو عمر : كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك ولو صح هذا كان معناه الإختيار أولا فأولا وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير وهو نص القرآن وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم وبالله التوفيق الرابعة اختلف العلماء في الإطعام في فدية الأذى فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : الإطعام في ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي ثور وداود وروى عن الثوري أنه قال في الفدية : من البر نصف صاع ومن التمر والشعير والزبيب صاع وروى عن أبي حنيفة أيضا مثله جعل نصف صاع بر عدل صاع تمر قال بن المنذر : وهذا غلط لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : : أن تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين ( وقال أحمد بن حنبل مرة كما قال مالك والشافعي ومرة قال : إن أطعم برا فمد لكل مسكين وإن أطعم تمرا فنصف صاع الخامسة ولا يجزى أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن وقال أبو يوسف : يجزيه أن يغديهم ويعشيهم السادسة أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة واختلفوا فيما على من فعل ذلك أو لبس أو تطيب بغير عذر عامدا فقال مالك : بئس ما فعل وعليه الفدية وهو مخير فيها وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ لضرورة وغير ضرورة وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور ليس بمخير إلا في الضرورة لأن الله تعالى قال : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر فليس بمخير وعليه دم لا غير السابعة واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا فقال مالك رحمه الله : العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما لا فدية عليه وهو قول داؤد وإسحاق والثاني عليه الفدية وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم بلبس المخيط وتغطية الرأس أو بعضه ولبس الخفين وتقليم الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى وكذلك إذا حلق شعر جسده أو أطلى أو حلق مواضع المحاجم والمرأة كالرجل في ذلك وعليها الفدية في الكحل وإن لم يكن فيه طيب وللرجل أن يكتحل بما لا طيب فيه وعلى المرأة الفدية إذا غطت وجهها أو لبست القفازين والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء وبعضهم يجعل عليهما دما في كل شيء من ذلك وقال داؤد : لاشئ عليهما في حلق شعر الجسد الثامنة واختلف العلماء في موضع الفدية المذكورة فقال عطاء : ما كان من دم فبمكة وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي وعن الحسن أن الدم بمكة وقال طاوس والشافعي : الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة والصوم حيث شاء لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم وقد قال الله سبحانه هديا بالغ الكعبة رفقا لمساكين جيران بيته فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام والله أعلم وقال مالك : يفعل ذلك أين شاء وهو الصحيح من القول وهو قول مجاهد والذبح هنا عند مالك نسك وليس بهدي لنص القرآن والسنة والنسك يكون حيث شاء والهدي لا يكون إلا بمكة ومن حجته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه وفيه : فأمر علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) برأسه يعني رأس حسين فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا قال مالك قال يحيى بن سعيد : وكان حسين خرج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم لأن البغية فيه إطعام مساكين المسلمين قال مالك : ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم ثم أن قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا الآية أوضح الدلالة على ما قلناه فإنه تعالى لما قال : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك لم يقل في موضع دون موضع فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه وقال : أو نسك فسمي ما يذبح نسكا وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه هديا فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدي ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن علي وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان في الحرم فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم وقد روي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد التاسعة قوله تعالى : ( أو نسك ) النسك : جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى ويجمع أيضا على نسائك والنسك : العبادة في الأصل ومنه قوله تعالى : وأرنا مناسكنا أي متعبداتنا وقيل : إن أصل النسك في اللغة الغسل ومنه نسك ثوبه إذا غسله فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة وقيل : النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها قوله تعالى : ( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( فإذا أمنتم ) قيل : معناه برأتم من المرض وقيل : من خوفكم من العدو المحصر قاله بن عباس وقتادة وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه كما تقدم والله أعلم الثانية قوله تعالى : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) الآية اختلف العلماء من المخاطب بهذا فقال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم : الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم وصورة المتمتع عند بن الزبير : أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ثم يقضي الحج من قابل فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء وصورة المتمتع المحصر عند غيره : أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه وقال بن عباس وجماعة : الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلى سبيله الثالثة لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله وأن الإفراد جائز وأن القرآن جائز لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي كلا ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه بل أجازه لهم ورضيه منهم صلى الله عليه وسلم وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما في حجته وفي الأفضل من ذلك لإختلاف الآثار الواردة في ذلك فقال قائلون منهم مالك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مفردا والإفراد أفضل من القرآن قال : والقرآن أفضل من التمتع وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل ( قالت عائشة : فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج وأهل به ناس معه وأهل ناس بالعمرة والحج وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بالعمرة رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وقال بعضهم فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأما أنا فأهل بالحج ( وهذا نص في موضع الخلاف وهو حجة من قال بالإفراد وفضله وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال : إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به واستحب أبو ثور الإفراد أيضا وفضله على التمتع والقرآن وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه واستحب آخرون التمتع بالعمرة إلى الحج قالوا : وذلك أفضل وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وبه قال أحمد بن حنبل وهو أحد قولي الشافعي قال الدارقطني قال الشافعي : اخترت الإفراد والتمتع حسن لا نكرهه احتج من فضل التمتع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات قال رجل برأيه بعد ما شاء وروى الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن بن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى فقال سعد : بئس ما قلت يا بن أخي فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه هذا حديث صحيح وروى بن إسحاق عن الزهري عن سالم قال : إني لجالس مع بن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال بن عمر : حسن جميل قال : فإن أباك كان ينهى عنها فقال : ويلك فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به أفبقول أبي آخذ أم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قم عني أخرجه الدارقطني وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث صالح بن كيسان عن بن شهاب عن سالم وروي عن ليث عن طاوس عن بن عباس قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من نهى عنها معاوية حديث حسن قال أبو عمر : حديث ليث هذا حديث منكر وهو ليث بن أبي سليم ضعيف والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع وإن كان جماعة من أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها فسخ الحج في العمرة فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا وزعم من صحح نهى عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام حتى تكثر عمارته بكثرة الزوار له في غير الموسم وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس تحقيقا لدعوة إبراهيم : فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وقال آخرون : إنما نهى عنها لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته فخشي أن يضيع الإفراد والقرآن وهما سنتان للنبي صلى الله عليه وسلم واحتج أحمد في اختياره التمتع بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( أخرجه الأئمة وقال آخرون : القرآن أفضل منهم أبو حنيفة والثوري وبه قال المزني قال : لأنه يكون مؤديا للفرضين جميعا وهو قول إسحاق قال إسحاق : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا وهو قول علي بن أبي طالب واحتج من استحب القرآن وفضله بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : ( أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة ( وروى الترمذي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك بعمرة وحجة ( وقال : حديث حسن صحيح قال أبو عمر : والإفراد إن شاء الله أفضل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفردا فلذلك قلنا إنه أفضل لأن الآثار أصح عنه في إفراده صلى الله عليه وسلم ولأن الإفراد أكثر عملا ثم العمرة عمل آخر وذلك كله طاعة والأكثر منها أفضل وقال أبو جعفر النحاس : المفرد أكثر تعبا من المتمتع لإقامته على الإحرام وذلك أعظم لثوابه والوجه في اتفاق الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرنا بالتمتع والقرآن جاز أن يقال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرن كما قال جل وعز : ونادى فرعون في قومه وقال عمر بن الخطاب : رجمنا ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أمر بالرجم قلت : الأظهر في حجته عليه السلام القران وأنه كان قارنا لحديث عمر وأنس المذكورين وفي صحيح مسلم عن بكر عن أنس قال : ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة معا ( قال بكر : فحدثت بذلك بن عمر فقال : لبي بالحج وحده فلقيت أنسا فحدثته بقول بن عمر فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك عمرة وحجا ( وفي صحيح مسلم أيضا عن بن عباس قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم قال بعض أهل العلم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا وإذا كان قارنا فقد حج وأعتمر واتفقت الأحاديث وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة فقال من رآه : تمتع ثم أهل بحجة فقال من رآه : أفرد ثم قال : ( لبيك بحجة وعمرة ( فقال من سمعه : قرن فاتفقت الأحاديث والدليل على هذا أنه لم يرو أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفردت الحج ولا تمتعت وصح عنه أنه قال : ( قرنت ( كما رواه النسائي عن علي أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي ( كيف صنعت ( قلت : أهللت بإهلالك قال : فإني سقت الهدي وقرنت ( قال وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( لو استقبلت من أمري كما استدبرت لفعلت كما فعلتم ولكني سقت الهدي وقرنت ( وثبت عن حفصة قالت قلت : يا رسول الله ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم ولم تحلل أنت قال : ( إني لبدت رأسي وسقت هديي فلا أحل حتى أنحر ( وهذا يبين أنه كان قارنا لأنه لو كان متمتعا أو مفردا لم يمتنع من نحر الهدي قلت : ما ذكره النحاس أنه لم يرو أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أفردت الحج ( فقد تقدم من رواية عائشة أنه قال : ( وأما أنا فأهل بالحج ( وهذا معناه : فأنا أفرد الحج إلا أنه يحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة ثم قال : فأنا أهل بالحج ومما يبين هذا ما رواه مسلم عن بن عمر وفيه : وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فلم يبق في قوله : ( فأنا أهل بالحج ( دليل على الإفراد وبقى قوله عليه السلام : ( فإني قرنت ( وقول أنس خادمه أنه سمعه يقول : ( لبيك بحجة وعمرة معا ( نص صريح في القران لا يحتمل التأويل وروى الدارقطني عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال : إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها الرابعة وإذأ مضى القول في الإفراد والتمتع والقران وأن كل ذلك جائز بإجماع فالتمتع بالعمرة إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه منها وجه واحد مجتمع عليه والثلاثة مختلف فيها فاما الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المراد بقول الله جل وعز : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحج على ما يأتي بيانها وأن يكون من أهل الآفاق وقدم مكة ففرغ منها ثم أقام حلالا بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته فإذا فعل ذلك كان متمتعا وعليه ما أوجب الله على المتمتع وذلك ما استيسر من الهدي يذبحه ويعطيه للمساكين بمنى أو بمكة فإن لم يجد صام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى بلده على ما يأتي وليس له صيام يوم النحر بإجماع من المسلمين واختلف في صيام أيام التشريق على ما يأتي فهذا إجماع من أهل العلم قديما وحديثا في المتعة ورابطها ثمانية شروط : الأول أن يجمع بين الحج والعمرة الثاني في سفر واحد الثالث في عام واحد الرابع في أشهر الحج الخامس تقديم العمرة السادس ألا يمزجها بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة السابع أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد الثامن أن يكون من غير أهل مكة وتأمل هذه الشروط فيما وصفنا من حكم التمتع تجدها والوجه الثاني من وجوه التمتع بالعمرة إلى الحج : القران وهو أن يجمع بينهما في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرهما يقول : لبيك بحجة وعمرة معا فإذا قدم مكة طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا عند من رأى ذلك وهم مالك والشافعي وأصحابهما وإسحاق وأبو ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس لحديث عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة الحديث وفيه : وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا أخرجه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة يوم النفر ولم تكن طافت بالبيت وحاضت : ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ( في رواية ( يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ( أخرجه مسلم أو طاف طوافين وسعى سعيين عند من رأى ذلك وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوري وألاوزاعي والحسن بن صالح وبن أبي ليلى وروي عن علي وبن مسعود وبه قال الشعبي وجابر بن زيد واحتجوا بأحاديث عن علي عليه السلام أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل أخرجهما الدارقطني في سننه وضعفها كلها وإنما جعل القران من باب التمتع لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج أخرى ويتمتع بجمعهما ولم يحرم لكل واحد من ميقاته وضم الحج إلى العمرة فدخل تحت قول الله عز وجل : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وهذا وجه من التمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه وأهل المدينة لا يجيزون الجمع بين العمرة والحج إلا بسياق الهدي وهو عندهم بدنة لا يجوز دونها ومما يدل على أن القران تمتع قول بن عمر : إنما جعل القرآن لأهل الآفاق وتلا قول الله جل وعز ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فمن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع أو قرن لم يكن عليه دم قران ولا تمتع قال مالك : وما سمعت أن مكيا قرن فإن فعل لم يكن عليه هدي ولا صيام وعلى قول مالك جمهور الفقهاء في ذلك وقال عبد الملك بن الماجشون : إذا قرن المكي الحج مع العمرة كان عليه دم القران من أجل أن الله إنما أسقط عن أهل مكة الدم والصيام في التمتع والوجه الثالث من التمتع : هو الذي توعد عليه عمر بن الخطاب وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج وقد تنازع العلماء في جواز هذا بعد هلم جرا وذلك أن يحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة ثم حل وأقام حلالا حتى يهل بالحج يوم الترويه فهذا هو الوجه الذي تواردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه أمر أصحابه في حجته من لم يكن معه هدي ولم يسقه وقد كان أحرم بالحج أن يجعلها عمرة وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولم يدفعوا شيئا منها إلا أنهم أختلفوا في القول بها والعمل لعلل فجمهورهم على ترك العمل بها لأنها عندهم خصوص خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجته تلك قال أبو ذر : كانت المتعة لنا في الحج خاصة أخرجه مسلم وفي رواية عنه أنه قال : لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج والعلة في الخصوصية ووجه الفائدة فيها ما قاله بن عباس ( رضي الله عنه ) قال : كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون : إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله أي الحل قال : ( الحل كله ( أخرجه مسلم وفي المسند الصحيح لأبي حاتم عن بن عباس قال : والله ما اعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون : إذا عفا الوبر وبرأ الدبر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقد كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة فما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم ففي هذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها وكان ذلك له ولمن معه خاصة لأن الله عز وجل قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل من دخل فيها أمرا مطلقا ولا يجب أن يخالف ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سنة مبينة واحتجوا بما ذكرناه عن أبي ذر وبحديث الحارث بن بلال عن أبيه قال قلنا : يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة قال : ( بل لنا خاصة ( وعلى هذا جماعة فقهاء الحجاز والعراق والشام إلا شيء يروى عن بن عباس والحسن والسدي وبه قال أحمد بن حنبل قال أحمد : لا أرد تلك الآثار الواردة المتواترة الصحاح في فسخ الحج في العمرة بحديث الحارث بن بلال عن أبيه وبقول أبي ذر قال : ولم يجمعوا على ما قال أبو ذر ولو أجمعوا كان حجة قال : وقد خالف بن عباس أبا ذر ولم يجعله خصوصا واحتج أحمد بالحديث الصحيح حديث جابر الطويل في الحج وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ( فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ألعامنا هذا أم لابد فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : ( دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد ( لفظ مسلم وإلى هذا والله أعلم مال البخاري حيث ترجم باب من لبى بالحج وسماه وساق حديث جابر بن عبد الله : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول : لبيك بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عمرة وقال قوم : إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال كان على وجه آخر وذكر مجاهد ذلك الوجه وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا فرضوا الحج أولا بل أمرهم أن يهلوا مطلقا وينتظروا ما يؤمرون به وكذلك أهل علي باليمن وكذلك كان إحرام النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله عليه السلام : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة ( فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به ويأمر أصحابه بذلك ويدل على ذلك قوله عليه السلام : ( أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة في عمرة والوجه الرابع من المتعة : متعة المحصر ومن صد عن البيت ذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو سلمة التبوذكي حدثنا وهيب حدثنا إسحاق بن سويد قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب يقول : أيها الناس إنه والله ليس التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ولكن التمتع أن يخرج الرجل حاجا فيحبسه عدو أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج فيأتي البيت فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ثم يتمتع بحله إلى العام المستقبل ثم يحج ويهدي وقد مضى القول في حكم المحصر وما للعلماء في ذلك مبينا والحمد لله فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه الهدي يوم النحر ثم يحلق ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة فيتحلل من حجة بعمل عمرة والذي ذكره بن الزبير خلاف عموم قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي بعد قوله : وأتموا الحج والعمرة لله ولم يفصل في حكم الإحصار بين الحج والعمرة والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلوا وحل وأمرهم بالإحلال واختلف العلماء أيضا لم سمي المتمتع متمتعا فقال بن القاسم : لانه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج وقال غيره : سمي متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد والوجه الأول أعم فإنه يتمتع بكل ما يجوز للحلال أن يفعله وسقط عنه السفر بحجه من بلده وسقط عنه الإحرام من ميقاته في الحج وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وبن مسعود وقالا أو قال احدهما : يأتي أحدكم منى وذكره يقطر منيا وقد أجمع المسلمون على جواز هذا وقد قال جماعة من العلماء : إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام مرتين : مرة في الحج ومرة في العمرة ورأى الإفراد أفضل فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابا ولذلك قال : افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج الخامسة اختلف العلماء فيمن إعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ومنزله ثم حج من عامه فقال الجمهور من العلماء : ليس بمتمتع ولا هدي عليه ولا صيام وقال الحسن البصري : هو متمتع وإن رجع إلى أهله حج أو لم يحج قال لأنه كان يقال : عمرة في أشهر الحج متعة رواه هشيم عن يونس عن الحسن وقد روى عن يونس عن الحسن : ليس عليه هدي والصحيح القول الأول هكذا ذكر أبو عمر حج أو لم يحج ولم يذكره بن المنذر قال بن المنذر : وحجته ظاهر الكتاب قوله عز وجل : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ولم يستثن : راجعا إلى أهله وغير راجع ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله الله صلى الله عليه وسلم وقد روى عن سعيد بن المسيب مثل قول الحسن قال أبو عمر : وقد روى عن الحسن أيضا في هذا الباب قول لم يتابع عليه أيضا ولا ذهب إليه أحد من أهل العلم وذلك أنه قال : من إعتمر بعد يوم النحر فهي متعة وقد روى عن طاوس قولان هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن الحسن أحدهما : أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى دخل وقت الحج ثم حج من عامه أنه متمتع هذا لم يقل به أحد من العلماء غيره ولا ذهب إليه أحد من فقهاء الأمصار وذلك والله أعلم أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة لأن العمرة جائزة في السنة كلها والحج إنما موضعه شهور معلومة فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به إلا أن الله تعالى قد رخص في كتابه وعلى لسان رسوله الله صلى الله عليه وسلم في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمتع وللقارن ولمن شاء أن يفردها رحمة منه وجعل فيه ما استيسر من الهدي والوجه الآخر قاله في المكي إذا تمتع من مصر من الأمصار فعليه الهدي وهذا لم يعرج عليه لظاهر قوله تعالى : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام والتمتع الجائز عند جماعة العلماء ما أوضحناه بالشرائط التي ذكرناها وبالله توفيقنا السادسة أجمع العلماء على أن رجلا من غير أهل مكة لو قدم مكة معتمرا في أشهر الحج عازما على الإقامة بها ثم أنشأ الحج من عامه فحج أنه متمتع عليه ما على المتمتع وأجمعوا في المكي يجئ من وراء الميقات محرما بعمرة ثم ينشئ الحج من مكة وأهله بمكة ولم يسكن سواها أنه لا دم عليه وكذلك إذا سكن غيرها وسكنها وكان له فيها أهل وفي غيرها وأجمعوا على أنه إن انتقل من مكة بأهله ثم قدمها في أشهر الحج معتمرا فأقام بها حتى حج من عامه أنه متمتع السابعة واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وأبو ثور على أن المتمتع يطوف لعمرته بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة وعليه بعد أيضا طواف آخر لحجه وسعى بين الصفا والمروة وروى عن عطاء وطاوس أنه يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة والأول المشهور وهو الذي عليه الجمهور وأما طواف القارن فقد تقدم الثامنة واختلفوا فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عمل لها في أشهر الحج فقال مالك : عمرته في الشهر الذي حل فيه يريد إن كان حل منها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع وإن كان حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إن حج من عامه وقال الشافعي : إذا طاف بالبيت في الأشهر الحرم للعمرة فهو متمتع إن حج من عامه وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت وإنما ينظر إلى كمالها وهو قول الحسن البصري والحكم بن عيينة وبن شبرمة وسفيان الثوري وقال قتادة وأحمد وإسحاق : عمرته للشهر الذي أهل فيه وروى معنى ذلك عن جابر بن عبد الله وقال طاوس : عمرته للشهر الذي يدخل فيه الحرم وقال أصحاب الرأي : إن طاف لها ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة أشواط في شوال فحج من عامه أنه متمتع وإن طاف في رمضان أربعة أشواط وفي شوال ثلاثة أشواط لم يكن متمتعا وقال أبو ثور : إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج فسواء أطاف لها في رمضان أو في شوال لا يكون بهذه العمرة متمتعا وهو معنى قول أحمد وإسحاق : عمرته للشهر الذي أهل فيه التاسعة أجمع أهل العلم على أن لمن أهل بعمرة في أشهر الحج أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت ويكون قارنا بذلك يلزمه ما يلزم القارن الذي أنشأ الحج والعمرة معا واختلفوا في إدخال الحج على العمرة بعد أن أفتتح الطواف فقال مالك : يلزمه ذلك ويصير قارنا ما لم يتم طوافه وروى مثله عن أبي حنيفة والمشهور عنه أنه لا يجوز إلا قبل الأخذ في الطواف وقد قيل : له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يركع ركعتي الطواف وكل ذلك قول مالك وأصحابه فإذا طاف المعتمر شوطا واحدا لعمرته ثم أحرم بالحج صار قارنا وسقط عنه باقي عمرته ولزمه دم القران وكذلك من أحرم بالحج في أضعاف طوافه أو بعد فراغه منه قبل ركوعه وقال بعضهم : له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يكمل السعي بين الصفا والمروة قال أبو عمر : وهذا كله شذوذ عند أهل العلم وقال أشهب : إذا طاف لعمرته شوطا واحدا لم يلزمه الإحرام به ولم يكن قارنا ومضى على عمرته حتى يتمها ثم يحرم بالحج وهذا قول الشافعي وعطاء وبه قال أبو ثور العاشرة واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فقال مالك وأبو ثور وإسحاق : لا تدخل العمرة على الحج ومن أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة بشئ قاله مالك وهو أحد قولي الشافعي وهو المشهور عنه بمصر وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في القديم : يصير قارنا ويكون عليه ما على القارن ما لم يطف لحجته شوطا واحدا فإن طاف لم يلزمه لأنه قد عمل في الحج قال بن المنذر : وبقول مالك أقول في هذه المسألة الحادية عشرة قال مالك : من أهدى هديا للعمرة وهو متمتع لم يجزه ذلك وعليه هدي آخر لمتعته لأنه إنما يصير متمتعا إذا أنشأ الحج بعد أن حل من عمرته وحينئذ يجب عليه الهدي وقال أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق : لا ينحر هديه إلا يوم النحر وقال أحمد : إن قدم المتمتع قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه وإن قدم في العشر لم ينحر إلا يوم النحر وقاله عطاء وقال الشافعي : يحل من عمرته إذا طاف وسعى ساق هديا أو لم يسقه الثانية عشرة واختلف مالك والشافعي في المتمتع يموت فقال الشافعي : إذا أحرم بالحج وجب عليه دم المتعة إذا كان واجدا لذلك حكاه الزعفراني عنه وروى بن وهب عن مالك أنه سئل عن المتمتع يموت بعد مايحرم بالحج بعرفة أو غيرها أترى عليه هديا قال : من مات من أولئك قبل أن يرمى جمرة العقبة فلا أرى عليه هديا ومن رمى الجمرة ثم مات فعليه الهدي قيل له : من رأس المال أو من الثلث قال : بل من رأس المال الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فما استيسر من الهدي ) قد تقدم الكلام فيه قوله تعالى : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله وأعلموا أن الله شديد العقاب ) فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فمن لم يجد ) يعني الهدي إما لعدم المال أو لعدم الحيوان صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده والثلاثة الأيام في الحج آخرها يوم عرفة هذا قول طاوس وروى عن الشعبي وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأى حكاه بن المنذر وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة يصومها في إحرامه بالعمرة لأنه أحد إحرامي التمتع فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج وقال أبو حنيفة أيضا وأصحابه : يصوم قبل يوم التروية يوما ويوم التروية ويوم عرفة وقال بن عباس ومالك بن أنس : له أن يصومها منذ يحرم بالحج إلى يوم النحر لأن الله تعالى قال : فصيام ثلاثة أيام في الحج فإذا صامها في العمرة فقد أتاه قبل وقته فلم يجزه وقال الشافعي وأحمد بن حنبل : يصومهن ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة وهو قول بن عمر وعائشة وروى هذا عن مالك وهو مقتضى قوله في موطئه ليكون يوم عرفة مفطرا فذلك أتبع للسنة وأقوى على العبادة وسيأتي وعن أحمد أيضا : جائز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم وقال الثوري والأوزاعي : يصومهن من أول أيام العشر وبه قال عطاء وقال عروة : يصومها ما دام بمكة في أيام منى وقاله أيضا مالك وجماعة من أهل المدينة وأيام منى هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر روى مالك في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول : الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة فإن لم يصم صام أيام منى وهذا اللفظ يقتضي صحة الصوم من وقت يحرم بالحج المتمتع إلى يوم عرفة وأن ذلك مبدأ إما لأنه وقت الأداء وما بعد ذلك من أيام منى وقت القضاء على ما يقوله أصحاب الشافعي وإما لأن في تقديم الصيام قبل يوم النحر إبراء للذمة وذلك مأمور به والأظهر من المذهب أنها على وجه الأداء وإن كان الصوم قبلها أفضل كوقت الصلاة الذي فيه سعة للأداء وإن كان أوله أفضل من آخره وهذا هو الصحيح وأنها أداء لا قضاء فإن قوله : أيام في الحج يحتمل أن يريد موضع الحج ويحتمل أن يريد أيام الحج فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح لأن آخر أيام الحج يوم النحر ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصا وإن لم يكن من أركانه وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى كما قال عروة ويقوى جدا وقد قال قوم : له أن يؤخرها ابتداء إلى أيام التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بألا يجد الهدي يوم النحر فإن قيل وهي : الثانية فقد ذهب جماعة من أهل المدينة والشافعي في الجديد وعليه أكثر أصحابه إلى أنه لا يجوز صوم أيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام منى قيل له : إن ثبت النهي فهو عام يخصص منه المتمتع بما ثبت في البخاري أن عائشة كانت تصومها وعن بن عمر وعائشة قالا : لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي وقال الدارقطني : إسناده صحيح ورواه مرفوعا عن بن عمر وعائشة من طرق ثلاثة ضعفها وإنما رخص في صومها لأنه لم يبق من أيامه إلا بمقدارها وبذلك يتحقق وجوب الصوم لعدم الهدي قال بن المنذر : وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال : إذا فاته الصوم صام بعد أيام التشريق وقاله الحسن وعطاء قال بن المنذر : وكذلك نقول وقالت طائفة : إذا فاته الصوم في العشر لم يجزه إلا الهدي روى ذلك عن بن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وحكاه أبو عمر عن أبي حنيفة وأصحابه عنه فتأمله الثالثة أجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يجد الهدي واختلفوا فيه إذا كان غير واحد للهدي فصام ثم وجد الهدي قبل إكمال صومه فذكر بن وهب عن مالك قال : إذا دخل في الصوم ثم وجد هديا فأحب إلى أن يهدي فإن لم يفعل أجزاه الصيام وقال الشافعي : يمضي في صومه وهو فرضه وكذلك قال أبو ثور وهو قول الحسن وقتادة واختاره بن المنذر وقال أبو حنيفة : إذا أيسر في اليوم الثالث من صومه بطل الصوم ووجب عليه الهدي وإن صام ثلاثة أيام في الحج ثم أيسر كان له أن يصوم السبعة الأيام لا يرجع إلى الهدي وبه قال الثوري وبن أبي نجيح وحماد الرابعة قوله تعالى : ( وسبعة ) قراءة الجمهور بالخفض على العطف وقرأ زيد بن علي وسبعة بالنصب على معنى : وصوموا سبعة الخامسة قوله تعالى : ( إذا رجعتم ) يعني إلى بلادكم قاله بن عمر وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء وقاله مالك في كتاب محمد وبه قال الشافعي قال قتادة والربيع : هذه رخصة من الله تعالى فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه إلا أن يتشدد أحد كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان وقال أحمد وإسحاق : يجزيه الصوم في الطريق وروى عن مجاهد وعطاء قال مجاهد : إن شاء صامها في الطريق إنما هي رخصة وكذلك قال عكرمة والحسن والتقدير عند بعض أهل اللغة : إذا رجعتم من الحج أي إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحل وقال مالك في الكتاب : إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم وقال بن العربي : إن كان تخفيفا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا وإن كان ذلك توقيتا فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد وأنها المراد في الأغلب قلت : بل فيه ظاهر يقرب إلى النص يبينه ما رواه مسلم عن بن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : ( من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ( الحديث وهذا كالنص في أنه لا يجوز صوم السبعة الأيام إلا في أهله وبلده والله أعلم وكذا قال البخاري في حديث بن عباس : ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى : فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم الحديث وسيأتي قال النحاس : وكان هذا إجماعا السادسة قوله تعالى : ( تلك عشرة كاملة ) يقال : كمل يكمل مثل نصر ينصر وكمل يكمل مثل عظم يعظم وكمل يكمل مثل حمد يحمد ثلاث لغات واختلفوا في معنى قوله : ( تلك عشرة ) وقد علم أنها عشرة فقال الزجاج : لما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلا منها لأنه لم يقل وسبعة أخرى أزيل ذلك بالجملة من قوله تلك عشرة ثم قال : كاملة وقال الحسن : كاملة في الثواب كمن أهدى وقيل : كاملة في البدل عن الهدي يعني العشرة كلها بدل عن الهدي وقيل : كاملة في الثواب كمن لم يتمتع وقيل : لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها وقال المبرد : عشرة دلالة على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقى منه شيء بعد ذكر السبعة وقيل : هو توكيد كما تقول : كتبت بيدي ومنه قول الشاعر : ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى شمامي فقوله خمس تأكيد ومثله قول الآخر : ثلاث بالغداة فذاك حسي وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ريي وشرب المرء فوق الري داء وقوله : كاملة تأكيد آخر فيه زيادة توصية بصيامها والأ ينقص من عددها كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال : الله الله لا تقصر السابعة قوله تعالى : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) أي إنما يجب دم التمتع عن الغريب الذي ليس من حاضري المسجد الحرام خرج البخاري عن بن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال : أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي : ( طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال : ( من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ( ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى : فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) إلى أمصاركم الشاة تجزى فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة قال الله عز وجل : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وأشهر الحج التي ذكر الله عز وجل شوال وذو القعدة وذو الحجة فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم والرفث : الجماع والفسوق : المعاصي والجدال : المراء الثامنة اللام في قوله لمن بمعنى على أي وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة كقوله عليه السلام : ( اشترطي لهم الولاء ( وقوله تعالى : ؤإن أسأتم فلها أي فعليها وذلك إشارة إلى التمتع والقران للغريب عند أبي حنيفة وأصحابه لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم ومن فعل ذلك كان عليه دم جناية لا يأكل منه لأنه ليس بدم تمتع وقال الشافعي : لهم دم تمتع وقران والإشارة ترجع إلى الهدي والصيام فلا هدي ولا صيام عليهم وفرق عبد الملك بن الماجشون بين التمتع والقران فأوجب الدم في القران وأسقطه في التمتع على ما تقدم عنه التاسعة واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أن أهل مكة وما اتصل بها من حاضريه وقال الطبري : بعد الإجماع على أهل الحرم قال بن عطية : وليس كما قال فقال بعض العلماء : من كان يجب عليه الجمعة فهو حضري ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة وقال مالك وأصحابه هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة وعند أبي حنيفة وأصحابه : هم أهل المواقيت ومن وراءها من كل ناحية فمن كان من أهل المواقيت أو من أهل ماوراءها فهم من حاضري المسجد الحرام وقال الشافعي وأصحابه : هم من لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكة وذلك أقرب المواقيت وعلى هذه الأقوال مذاهب السلف في تأويل الآية العاشرة قوله تعالى : ( واتقوا الله ) اي فيما فرضه عليكم وقيل : هو أمر بالتقوى على العموم وتحذير من شدة عقابه < <
البقرة : ( 197 ) الحج أشهر معلومات . . . . . > > < > ( البقره 197 ) <
> فيه أربع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله : وأتموا الحج والعمرة لله بين اختلافهما في الوقت فجميع السنة وقت للإحرام بالعمرة ووقت العمرة وأما الحج فيقع في السنة مرة فلا يكون في غير هذه الأشهر والحج أشهر معلومات ابتداء وخبر وفي الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر أو وقت الحج أشهر أو وقت عمل الحج أشهر وقيل التقدير : الحج في أشهر ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ولم يقرأ أحد بنصبها إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف قال الفراء : الأشهر رفع لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات قال الفراء : وسمعت الكسائي يقول : إنما الصيف شهران وإنما الطيلسان ثلاثة أشهر أراد وقت الصيف ووقت لباس الطيلسان فحذف الثانية واختلف في الأشهر المعلومات فقال بن مسعود وبن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وقال بن عباس والسدي والشعبي والنخعي : هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة وروي عن بن مسعود وقاله بن الزبير والقولان مرويان عن مالك حكى الأخير بن حبيب والأول بن المنذر وفائدة الفرق تعلق الدم فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته الثالثة لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه لأنها كانت معلومة عندهم ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله كما يقال : رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان ولعله إنما رآه في ساعة منها فالوقت يذكر بعضه بكله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيام منى ثلاثة ( وإنما هي يومان وبعض الثالث ويقولون : رأيتك اليوم وجئتك العام وقيل : لما كان الإثنان وما فوقهما جمع قال أشهر والله أعلم الرابعة اختلف في الإهلال بالحج في غير أشهر الحج فروي عن بن عباس : من سنة الحج أن يحرم به في أشهر الحج وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي : من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون عمرة كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال الأوزاعي : يحل بعمرة وقال أحمد بن حنبل : هذا مكروه وروى عن مالك والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة كلها وهو قول أبي حنيفة وقال النخعي : لا يحل حتى يقضي حجه لقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وقد تقدم القول فيها وما ذهب إليه الشافعي أصح لأن تلك عامة وهذه الآية خاصة ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم لفضل هذه ألاشهر على غيرها وعليه فيكون قول مالك صحيحا والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( فمن فرض فيهن الحج ) أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا وبالإحرام فعلا ظاهرا وبالتلبية نطقا مسموعا قاله بن حبيب وأبو حنيفة في التلبية وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج وهو قول الحسن بن حي قال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم وأصل الفرض في اللغة : الحز والقطع ومنه فرضة القوس والنهر والجبل ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقدح وقيل : فرض أي أبان وهذا يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره ومن رفع بالابتداء ومعناها الشرط والخبر قوله : فرض لأن من ليست بموصولة فكأنه قال : رجل فرض وقال : فيهن ولم يقل فيها فقال قوم : هما سواء في الإستعمال وقال المازني أبو عثمان : الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة والقليل ليس كذلك تقول : الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت ويؤيد ذلك قول الله تعالى : إن عدة الشهور ثم قال : منها السادسة قوله تعالى : ( فلا رفث ) قال بن عباس وبن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك : الرفث الجماع اي فلا جماع لأنه يفسده وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وعليه حج قابل والهدي وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام لقوله : إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية وقاله بن عباس أيضا وأنشد وهو محرم : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا فقال له صاحبه حصين بن قيس : أترفث وأنت محرم فقال : إن الرفث ما قيل عند النساء وقال قوم : الرفث الإفحاش بذكر النساء كان ذلك بحضرتهن أم لا وقيل : الرفث كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله وقال أبو عبيدة : الرفث اللغا من الكلام وأنشد : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم يقال : رفث يرفث بضم الفاء وكسرها وقرأ بن مسعود فلا رفوث على الجمع قال بن العربي : المراد بقوله فلا رفث نفيه مشروعا لا موجدا فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا كقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء معناه : شرعا لا حسا فإنا نجد المطلقات لا يتربصن فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي وهذا كقوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون الواقعة إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين وهو الصحيح أن معناه لا يمسه أحد منهم شرعا فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إن الخبر يكون بمعنى النهى وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادان وصفا السابعة قوله تعالى : ( ولا فسوق ) يعني جميع المعاصي كلها قاله بن عباس وعطاء والحسن وكذلك قال بن عمر وجماعة : الفسوق إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر وشبه ذلك وقال بن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام ومنه قوله تعالى : أو فسقا أهل لغير الله به وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب ومنه قوله : بئس الأسم الفسوق وقال بن عمر أيضا : الفسوق السباب ومنه قوله عليه السلام : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ( والقول الأول أصح لأنه يتناول جميع الأقوال قال صلى الله عليه وسلم : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ( ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ( خرجه مسلم وغيره وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ( وقال الفقهاء : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ذكر القولين بن العربي رحمه الله قلت : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وقيل غير هذا وسئاتي الثامنة قوله تعالى : ( ولا جدال في الحج ) قرئ فلا رفث ولا فسوق بالرفع والتنوين فيهما وقرئا بالنصب بغير تنوين وأجمعوا على الفتح في ولا جدال وهو بالرفع قراءة النصب فيما قبله ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله وعلى النصب أكثر القراء والأسماء الثلاثة في موضع رفع كل واحد مع لا وقوله في الحج خبر عن جميعها ووجه قراءة الرفع أن لا بمعنى ليس فأرتفع الأسم بعدها لأنه اسمها والخبر محذوف تقديره : فليس رفث ولا فسوق في الحج دل عليه في الحج الثاني الظاهر وهو خبر لا جدال وقال أبو عمرو بن العلاء : الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق أي شيء يخرج من الحج ثم ابتدأ النفي فقال : ولا جدال قلت : فيحتمل أن تكون كان تامة مثل قوله : وإن كان ذو عسرة فلا تحتاج إلى خبر ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف كما تقدم آنفا ويجوز أن يرفع رفث وفسوق بالابتداء ولا للنفي والخبر محذوف أيضا وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة ورويت عن عاصم في بعض الطرق وعليه يكون ( في الحج خبر الثلاثة كما قلنا في قراءة النصب وإنما لم يحسن أن يكون في الحج خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة لأن خبر ليس منصوب وخبر ولا جدال مرفوع لأن ولا جدال مقطوع من الأول وهو في موضع رفع بالابتداء ولا يعمل عاملان في اسم واحد ويجوز فلا رفث ولا فسوق تعطفه على الموضع وأنشد النحويون : لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع ويجوز في الكلام فلا رفث ولا فسوقا ولا جدالا في الحج عطفا على اللفظ على ما كان يجب في لا قال الفراء : ومثله : فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وقال أبو رجاء العطاردي : فلا رفث ولا فسوق بالنصب فيهما ولا جدال بالرفع والتنوين وأنشد الأخفش : هذا وجدكم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب وقيل : إن معنى فلا رفث ولا فسوق النهى اي لا ترفثوا ولا تفسقوا ومعنى ولا جدال النفي فلما اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ قال القشيري : وفيه نظر إذ قيل : ولا جدال نهى أيضا أي لا تجادلوا فلم فرق بينهما التاسعة قوله تعالى : ( ولا جدال ) الجدال وزنه فعال من المجادلة وهي مشتقة من الجدل وهو القتل ومنه زمام مجدول وقيل : هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه فيكون كمن ضرب به الجدالة قال الشاعر : قد أركب الآلة بعد الآله وأترك العاجز بالجداله منعفرا ليست له محاله العاشرة واختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة فقال بن مسعود وبن عباس وعطاء : الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه فينتهى إلى السباب فأما مذاكرة العلم فلا نهى عنها وقال قتادة : الجدال السباب وقال بن زيد ومالك بن أنس : الجدال هنا أن يختلف الناس : أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ثم يتجادلون بعد ذلك فالمعنى على هذا التأويل : لا جدال في مواضعه وقالت طائفة : الجدال هنا أن تقول طائفة : الحج اليوم وتقول طائفة : الحج غدا وقال مجاهد وطائفة معه : الجدال المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النسئ كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة ويقف بعضهم بجمع وبعضهم بعرفة ويتمارون في الصواب من ذلك قلت : فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في موضعه وهذان القولان أصح ما قيل في تأويل قوله ولا جدال لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ( الحديث وسيأتي في براءة يعني رجع أمر الحج كما كان أي عاد إلى يومه ووقته وقال صلى الله عليه وسلم لما حج : ( خذوا عني مناسككم ( فبين بهذا موقف الحج ومواضعه وقال محمد بن كعب القرظي : الجدال أن تقول طائفة : حجنا أبر من حجكم ويقول الآخر مثل ذلك وقيل : الجدال كان في الفخر بالآباء والله أعلم الحادية عشرة قوله تعالى : ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) شرط وجوابه والمعنى : أن الله يجازيكم على أعمالكم لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشئ وقيل هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش وعلى البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال وقيل : جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد ما نهوا عنه الثانية عشرة قوله تعالى : ( وتزودوا ) أمر باتخاذ الزاد قال بن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وبن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ويقول بعضهم : كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد وقال عبد الله بن الزبير : كان الناس يتكل بعضهم على بعض بالزاد فأمروا بالزاد وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد وقدم عليه ثلاثمائة رجل من مزينة فلما أرادوا أن ينصرفوا قال : ( يا عمر زود القوم ( وقال بعض الناس : تزودوا الرفيق الصالح وقال بن عطية : وهذا تخصيص ضعيف والأولى في معنى الآية : وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة قلت : القول الأول أصح فإن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا كما روى البخاري عن بن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى : وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وهذا نص فيما ذكرنا وعليه أكثر المفسرين قال الشعبي : الزاد التمر والسويق بن جبير : الكعك والسويق قال بن العربي : أمر الله تعالى بالتزود لمن كان له مال ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تنفق في الطريق أو سائلا فلا خطاب عليه وإنما خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون : نحن المتوكلون والتوكل له شروط من قام بها خرج بغير زاد ولا يدخل في الخطاب فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصرون عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه والله عز وجل أعلم قال أبو الفرج الجوزي : وقد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ قال رجل لأحمد بن حنبل : أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد فقال له أحمد : اخرج في غير القافلة فقال لا إلا معهم قال : فعلى جرب الناس توكلت الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فإن خير الزاد التقوى ) أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى وجاء قوله فإن خير الزاد التقوى محمولا على المعنى لأن معنى وتزودوا : اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد وقيل : يحتمل أن يكون المعنى : فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف وقيل : فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار قال أهل الإشارات : ذكرهم الله تعالى سفر الآخرة وحثهم على تزود التقوى فإن التقوى زاد الآخرة قال الأعشى : إذ أنت لم ترحل بزاد من التقى ولا قيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على الا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وقال آخر : الموت بحر طامح موجه تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي مقالة من مشفق ناصح لا يصحب الإنسان في قبره غير التقى والعمل الصالح الرابعة عشرة قوله تعالى : ( واتقون يا أولى الألباب ) خص أولى الألباب بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله وهم قابلو أوامره والناهضون بها والالباب جمع لب ولب كل شيء خالصه ولذلك قيل للعقل : لب قال النحاس : سمعت أبا إسحاق يقول قال لي أحمد بن يحيى ثعلب : أتعرف في كلام العرب شيئا من المضاعف جاء على فعل قلت نعم حكى سيبويه عن يونس : لببت تلب فاستحسنه وقال : ما أعرف له نظيرا < <
Questions
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?