Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
البقرة : ( 198 ) ليس عليكم جناح . . . . . > > < > ( البقره 198 ) <
> قوله تعالى : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( جناح ) اي إثم وهو اسم ليس ( أن تبتغوا ) في موضع نصب خبر ليس اي في أن تبتغوا وعلى قول الخليل والكسائي أنها في موضع خفض ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخص في التجارة المعنى : لا جناح عليكم في أن تبتغوا فضل الله وابتغاء الفضل ورد في القران بمعنى التجارة قال الله تعالى : فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله الجمعة والدليل على صحة هذا ما رواه البخاري عن بن عباس قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج الثانية إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه خلافا للفقراء أما إن الحج دون تجارة أفضل لعروها عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها روى الدارقطني في سننه عن أبي أمامة التيمي قال قلت لابن عمر : إني رجل أكرى في هذا الوجه وإن ناسا يقولون إنه لا حج لك : فقال بن عمر : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله مثل هذا الذي سألتني فسكت حتى نزلت هذه الآية : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لك حجا ( قوله تعالى : ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام وأذكروا كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) فيه ست عشرة مسألة الأولى قوله تعالى : ( فإذا أفضتم ) اي اندفعتم ويقال : فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه ورجل فياض أي مندفق بالعطاء قال زهير : وأبيض فياض يداه غمامة على معتفيه ما تغب فواضله وحديث مستفيض أي شائع الثانية قوله تعالى : ( من عرفات ) قراءة الجماعة عرفات بالتنوين وكذلك لو سميت امرأة بمسلمات لأن التنوين هنا ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين قال النحاس : هذا الجيد وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات يقول : هذه عرفات يا هذا ورأيت عرفات يا هذا بكسر التاء وبغير تنوين قال : لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء تشبيها بتاء فاطمة وطلحة وأنشدوا : تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال والقول الأول أحسن وأن التنوين فيه على حده في مسلمات الكسرة مقابلة الياء في مسلمين والتنوين مقابل النون وعرفات : اسم علم سمى بجمع كأذرعات وقيل : سمى بما حوله كأرض سباسب وقيل : سميت تلك البقعة عرفات لأن الناس يتعارفون بها وقيل : لأن آدم لما هبط وقع بالهند وحواء بجدة فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمى اليوم عرفة والموضع عرفات قاله الضحاك وقيل غير هذا لما تقدم ذكره عند قوله تعالى : وأرنا مناسكنا قال بن عطية : والظاهر أن اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع وعرفة هي نعمان الأراك وفيها يقول الشاعر : تزودت من نعمان عود أراكة لهند ولكن من يبلغه هندا وقيل : هي مأخوذة من العرف وهو الطيب قال الله تعالى : عرفها لهم أي طيبها فهي طيبة بخلاف منى التي فيها الفروث والدماء فلذلك سميت عرفات ويوم الوقوف يوم عرفة وقال بعضهم : أصل هذين الأسمين من الصبر يقال رجل عارف إذا كان صابرا خاشعا ويقال في المثل : النفس عروف وما حملتها تتحمل : قال : فصبرت عارفة لذلك حرة أي نفس صابرة وقال ذو الرمة : عروف لما خطت عليه المقادر أي صبور على قضاء الله فسمى بهذا الاسم لخضوع الحاج وتذللهم وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمال الشدائد لإقامة هذه العبادة الثالثة أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال واجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل إلا مالك بن أنس فإنه قال : لا بد أن يأخذ من الليل شيئا وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجه والحجة للجمهور مطلق قوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات ولم يخص ليلا من نهار وحديث عروة بن مضرس قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموقف من جمع فقلت يا رسول الله جئتك من جبلي طيء أكللت مطيتي وأتعبت نفسي والله إن تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد قضى تفثه وتم حجه ( أخرجه غير واحد من ألأئمة منهم أبو داؤد والنسائي والدارقطني واللفظ له وقال الترمذي : حديث حسن صحيح وقال أبو عمر : حديث عروة بن مضرس الطائي حديث ثابت صحيح رواه جماعة من أصحاب الشعبي الثقات عن الشعبي عن عروة بن مضرس منهم إسماعيل بن أبي خالد وداؤد بن أبي هند وزكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن أبي السفر ومطرف كلهم عن الشعبي عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام وحجة مالك من السنة الثابتة حديث جابر الطويل خرجه مسلم وفيه : فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأفعاله على الوجوب لا سيما في الحج وقد قال : ( خذوا عني مناسككم ( الرابعة واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه مع صحة الحج فقال عطاء وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي وغيرهم عليه دم وقال الحسن البصري : عليه هدي وقال بن جريج : عليه بدنة وقال مالك : عليه حج قابل والهدي ينحره في حج قابل وهو كمن فاته الحج فإن عاد إلى عرفة حتى يدفع بعد مغيب الشمس فقال الشافعي : لاشئ عليه وهو قول أحمد وإسحاق وداؤد وبه قال الطبري وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : لا يسقط عنه الدم وإن رجع بعد غروب الشمس وبذلك قال أبو ثور الخامسة ولا خلاف بين العلماء في أن الوقوف بعرفة راكبا لمن قدر عليه أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وقف إلى أن دفع منها بعد غروب الشمس وأردف أسامة بن زيد وهذا محفوظ في حديث جابر الطويل وحديث علي وفي حديث بن عباس أيضا قال جابر : ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة بن زيد خلفه الحديث فإن لم يقدر على الركوب وقف قائما على رجليه داعيا ما دام يقدر ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم يقدر على الوقوف وفي الوقوف راكبا مباهاة وتعظيم للحج ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب قال بن وهب في موطئه قال لي مالك : الوقوف بعرفة على الدواب والإبل أحب إلي من أن أقف قائما قال : ومن وقف قائما فلا بأس أن يستريح السادسة ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أسامة بن زيد أنه عليه السلام كان إذا أفاض من عرفة يسير العنق فإذا وجد فجوة نص قال هشام بن عروة : والنص فوق العنق وهكذا ينبغي على أئمة الحاج فمن دونهم لأن في استعجال السير إلى المزدلفة استعجال الصلاة بها ومعلوم أن المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع العشاء بالمزدلفة وتلك سنتها على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى السابعة ظاهر عموم القرآن والسنة الثابتة يدل على أن عرفة كلها موقف قال صلى الله عليه وسلم : ( ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ( رواه مسلم وغيره من حديث جابر الطويل وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر ( قال بن عبد البر : هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله ومن حديث بن عباس ومن حديث علي بن أبي طالب وأكثر الآثار ليس فيها استثناء بطن عرنة من عرفة وبطن محسر من المزدلفة وكذلك نقلها الحفاظ الثقات الأثبات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال أبو عمر : واختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفة بعرنة فقال مالك فيما ذكر بن المنذر عنه يهريق دما وحجه تام وهذه رواية رواها خالد بن نزار عن مالك وذكر أبو المصعب أنه كمن لم يقف وحجه فائت وعليه الحج من قابل إذا وقف ببطن عرنة وروى عن بن عباس قال : من أفاض من عرنة فلا حج له وهو قول بن القاسم وسالم وذكر بن المنذر هذا القول عن الشافعي قال وبه أقول : لا يجزيه أن يقف بمكان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يوقف به قال بن عبد البر : الاستثناء ببطن عرنة من عرفة لم يجئ مجيئا تلزم حجته لا من جهة النقل ولا من جهة الإجماع وحجة من ذهب مذهب أبي المصعب أن الوقوف بعرفة فرض مجمع عليه في موضع معين فلا يجوز أداؤه إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف وبطن عرنة يقال بفتح الراء وضمها وهو بغربي مسجد عرفة حتى لقد قال بعض العلماء : إن الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة وحكى الباجي عن بن حبيب أن عرفة في الحل وعرنة في الحرم قال أبو عمر وأما بطن محسر فذكر وكيع : حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضع في بطن محسر الثامنة ولا بأس بالتعريف في المساجد يوم عرفة بغير عرفة تشبيها بأهل عرفة روى شعبة عن قتادة عن الحسن قال : أول من صنع ذلك بن عباس بالبصرة يعني اجتماع الناس يوم عرفة في المسجد بالبصرة وقال موسى بن أبي عائشة : رأيت عمر بن حريث يخطب يوم عرفة وقد اجتمع الناس إليه وقال الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن التعريف في الأمصار : يجتمعون يوم عرفة فقال : أرجو ألا يكون به بأس قد فعله غير واحد : الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة التاسعة في فضل يوم عرفة يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم يكفر الله فيه الذنوب العظام ويضاعف فيه الصالح من الأعمال قال صلى الله عليه وسلم : ( صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية ( أخرجه الصحيح وقال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ( وروى الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة يقول ما أراد هؤلاء ( وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر ( قيل : وما رأى يوم بدر يا رسول الله قال : ( أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة ( قال أبو عمر : روى هذا الحديث أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن أبيه ولم يقل في هذا الحديث عن أبيه غيره وليس بشئ والصواب ما في الموطأ وذكر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول : حدثنا حاتم بن نعيم التميمي أبو روح قال حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي قال حدثني بن لكنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة والرحمة وأكثر الدعاء فأجابه : إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا فأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها قال : يا رب إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم ( فلم يجبه تلك العشية فلما كان الغداة غداة المزدلفة اجتهد في الدعاء فأجابه : إني قد غفرت لهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : تبسمت يا رسول الله في ساعة لم تكن تتبسم فيها فقال : ( تبسمت من عدو الله إبليس إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثى التراب على رأسه ويفر ( وذكر أبو عبد الغني الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخالص وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين وإذا كان يوم جمرة العقبة غفر الله للسؤال ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله إلا الله إلا غفر له ( قال أبو عمر : هذا حديث غريب من حديث مالك وليس محفوظا عنه إلا من هذا الوجه وأبو عبد الغني لا أعرفه وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في روايات الرغائب والفضائل عن كل أحد وإنما كانوا يتشددون في أحاديث الأحكام العاشرة استحب أهل العلم صوم يوم عرفة إلا بعرفة روى الأئمة واللفظ للترمذي عن بن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بعرفة وأرسلت إليه أم الفضل بلبن فشرب قال : حديث حسن صحيح وقد روى عن بن عمر قال : حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه يعني يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يستحبون الإفطار بعرفة ليتقوى به الرجل على الدعاء وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة وأسند عن بن عمر مثل الحديث الأول وزاد في آخره : ومع عثمان فلم يصمه وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه حديث حسن وذكره بن المنذر وقال عطاء في صوم يوم عرفة : أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف وقال يحيى الأنصاري : يجب الفطر يوم عرفة وكان عثمان بن أبي العاصي وبن الزبير وعائشة يصومون يوم عرفة قال بن المنذر : الفطر يوم عرفة بعرفات أحب إلى اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصوم بغير عرفة أحب إلي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن صوم يوم عرفة فقال : ( يكفر السنة الماضية والباقية ( وقد روينا عن عطاء أنه قال : من أفطر يوم عرفة ليتقوى على الدعاء فإن له مثل أجر الصائم الحادية عشرة في قوله تعالى : ( فآذكروا الله عند المشعر الحرام ) اي اذكروه بالدعاء والتلبية عند المشعر الحرام ويسمى جمعا لأنه يجمع ثم المغرب والعشاء قاله قتادة وقيل : لاجتماع آدم فيه مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها وبه سميت المزدلفة ويجوز أن يقال : سميت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها وسمى مشعرا من الشعار وهو العلامة لأنه معلم للحج والصلاة والمبيت به والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف بالحرام لحرمته الثانية عشرة ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا وأجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بجمع بين المغرب والعشاء واختلفوا فيمن صلاها قبل أن يأتي جمعا فقال مالك : من وقف مع الإمام ودفع بدفعه فلا يصلي حتى يأتي المزدلفة فيجمع بينها واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد : ( الصلاة أمامك ( قال بن حبيب : من صلى قبل أن يأتي المزدلفة دون عذر يعيد متى ما علم بمنزلة من قد صلى قبل الزوال لقوله عليه السلام : ( الصلاة أمامك ( وبه قال أبو حنيفة وقال أشهب : لا إعادة عليه إلا أن يصليهما قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء وحدها وبه قال الشافعي وهو الذي نصره القاضي أبو الحسن واحتج له بأن هاتين صلاتان سن الجمع بينهما فلم يكن ذلك شرطا في صحتهما وإنما كان على معنى الاستحباب كالجمع بين الظهر والعصر بعرفة واختار بن المنذر هذا القول وحكاه عن عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبي ثور ويعقوب وحكى عن الشافعي أنه قال : لا يصلى حتى يأتي المزدلفة فإن أدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة صلاهما الثالثة عشرة ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق فقد قال بن حبيب : لا صلاة لمن عجل إلى المزدلفة قبل مغيب الشفق لا لإمام ولا غيره حتى يغيب الشفق لقوله عليه السلام : ( الصلاة أمامك ( ثم صلاها بالمزدلفة بعد مغيب الشفق ومن جهة المعنى أن وقت هذه الصلاة بعد مغيب الشفق فلا يجوز أن يؤتى بها قبله ولو كان لها وقت قبل مغيب الشفق لما أخرت عنه الرابعة عشرة وأما من أتى عرفة بعد دفع الإمام أو كان له عذر ممن وقف مع الإمام فقد قال بن المواز : من وقف بعد الإمام فليصل كل صلاة لوقتها وقال مالك فيمن كان له عذر يمنعه أن يكون مع الإمام إنه يصلي إذا غاب الشفق الصلاتين يجمع بينهما وقال بن القاسم فيمن وقف بعد الإمام : إن رجا أن يأتي المزدلفة ثلث الليل فليؤخر الصلاة حتى يأتي المزدلفة وإلا صلى كل صلاة لوقتها فجعل بن المواز تأخير الصلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الإمام دون غيره وراعى مالك الوقت دون المكان واعتبر بن القاسم الوقت المختار للصلاة والمكان فإذا خاف فوات الوقت المختار بطل اعتبار المكان وكان مراعاة وقتها المختار أولى الخامسة عشرة اختلف العلماء في هيئة الصلاة بالمزدلفة على وجهين : أحدهما الأذان والإقامة والآخر هل يكون جمعهما متصلا لا يفصل بينهما بعمل أو يجوز العمل بينهما وحط الرحال ونحو ذلك فأما الأذان والإقامة فثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين أخرجه الصحيح من حديث جابر الطويل وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وبن المنذر وقال مالك : يصليهما بأذانين وإقامتين وكذلك الظهر والعصر بعرفة إلا أن ذلك في أول وقت الظهر بإجماع قال أبو عمر : لا أعلم فيما قاله مالك حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه ولكنه روى عن عمر بن الخطاب وزاد بن المنذر بن مسعود ومن الحجة لمالك في هذا الباب من جهة النظر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن في الصلاتين بمزدلفة وعرفة أن الوقت لهما جميعا وقت واحد وإذا كان وقتهما واحدا وكانت كل صلاة تصلى في وقتها لم تكن واحدة منهما أولى بالأذان والإقامة من الأخرى لأن ليس واحدة منهما تقضى وإنما هي صلاة تصلى في وقتها وكل صلاة صليت في وقتها سنتها أن يؤذن لها وتقام في الجماعة وهذا بين والله أعلم وقال آخرون : أما الأولى منهما فتصلى بأذان وإقامة وأما الثانية فتصلى بلا أذان ولا إقامة قالوا : وإنما أمر عمر بالتأذين الثاني لأن الناس قد تفرقوا لعشائهم فأذن ليجمعهم قالوا : وكذلك نقول إذا تفرق الناس عن الإمام لعشاء أو غيره أمر المؤذنين فأذنوا ليجمعهم وإذا أذن أقام قالوا : فهذا معنى ما روى عن عمر وذكروا حديث عبد الرحمن بن يزيد قال : كان بن مسعود يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين وفي طريق أخرى وصلى كل صلاة بأذان وإقامة ذكره عبد الرزاق وقال آخرون : تصلى الصلاتان جميعا بالمزدلفة بإقامة ولا أذان في شيء منهما روى عن بن عمر وبه قال الثوري وذكر عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن بن عمر قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة وقال آخرون : تصلى الصلاتان جميعا بين المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة وذهبوا في ذلك إلى ما رواه هشيم عن يونس بن عبيد عن سعيد بن جبير عن بن عمر أنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة لم يجعل بينهما شيئا وروى مثل هذا مرفوعا من حديث خزيمة بن ثابت وليس بالقوى وحكى الجوزجاني عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما تصليان بأذان واحد وإقامتين يؤذن للمغرب ويقام للعشاء فقط والى هذا ذهب الطحاوي لحديث جابر وهو القول الأول وعليه المعول وقال آخرون : تصلى بإقامتين دون أذان لواحدة منهما وممن قال ذلك الشافعي وأصحابه وإسحاق وأحمد بن حنبل في أحد قوليه وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد واحتجوا بما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن بن شهاب عن سالم عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة لكل واحدة منهما ولم يصل بينهما شيئا قال أبو عمر : والآثار عن بن عمر في هذا القول من أثبت ما روى عنه في هذا الباب ولكنها محتملة للتأويل وحديث جابر لم يختلف فيه فهو أولى ولا مدخل في هذه المسألة للنظر وإنما فيها الاتباع السادسة عشرة وأما الفصل بين الصلاتين بعمل غير الصلاة فثبت عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلاها ولم يصل بينهما شيئا في رواية : ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا وقد ذكرنا آنفا عن بن مسعود أنه كان يجعل العشاء بين الصلاتين ففي هذا جواز الفصل بين الصلاتين بجمع وقد سئل مالك فيمن أتى المزدلفة : أيبدأ بالصلاة أو يؤخر حتى يحط عن راحلته فقال أما الرحل الخفيف فلا باس أن يبدأ به قبل الصلاة وأما المحامل والزوامل فلا أرى ذلك وليبدأ بالصلاتين ثم يحط عن راحلته وقال أشهب في كتبه : له حط رحله قبل الصلاة وحطه له بعد أن يصلي المغرب أحب إلى ما لم يضطر إلى ذلك لما بدابته من الثقل أو لغير ذلك من العذر وأما التنفل بين الصلاتين فقال بن المنذر : ولا أعلمهم يختلفون أن من السنة ألا يتطوع بينهما الجامع بين الصلاتين وفي حديث أسامة : ولم يصل بينهما شيئا السابعة عشرة وأما المبيت بالمزدلفة فليس ركنا في الحج عند الجمهور واختلفوا فيما يجب على من لم يبيت بالمزدلفة ليلة النحر ولم يقف بجمع فقال مالك : من لم يبيت بها فعليه دم ومن قام بها أكثر ليله فلا شيء عليه لأن المبيت بها ليلة النحر سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه ولا فرض ونحوه قول عطاء والزهري وقتادة وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي فيمن لم يبيت وقال الشافعي : إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه وإن خرج قبل نصف الليل فلم يعد إلى المزدلفة افتدى والفدية شاة وقال عكرمة والشعبي والنخعي والحسن البصري : الوقوف بالمزدلفة فرض ومن فاته جمع ولم يقف فقد فاته الحج ويجعل إحرامه عمرة وروى ذلك عن بن الزبير وهو قول الأوزاعي وروى عن الثوري مثل ذلك والأصح عنه أن الوقوف بها سنة مؤكدة وقال حماد بن أبي سليمان : من فاتته الإفاضة من جمع فقد فاته الحج وليتحلل بعمرة ثم ليحج قابلا واحتجوا بظاهر الكتاب والسنة فأما الكتاب فقول الله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فآذكروا الله عند المشعر الحرام وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أدرك جمعا فوقف مع الناس حتى يفيض فقد أدرك ومن لم يدرك ذلك فلا حج له ( ذكره بن المنذر وروى الدارقطني عن عروة بن مضرس : قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بجمع فقلت له : يا رسول الله هل لي من حج فقال : ( من صلى معنا هذه الصلاة ثم وقف معنا حتى نفيض وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه قال الشعبي : من لم يقف بجمع جعلها عمرة وأجاب من احتج للجمهور بأن قال : اما الآية فلا حجة فيها على الوجوب في الوقوف ولا المبيت إذ ليس ذلك مذكورا فيها وإنما فيها مجرد الذكر وكل قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام فإذا لم يكن الذكر المأمور به من صلب الحج فشهود الموطن أولى بألا يكون كذلك قال أبو عمر : وكذلك أجمعوا أن الشمس إذا طلعت يوم النحر فقد فات وقت الوقوف بجمع وأن من أدرك الوقوف بها قبل طلوع الشمس فقد أدرك ممن يقول إن ذلك فرض ومن يقول إن ذلك سنة وأما حديث عروة بن مضرس فقد جاء في بعض طرقه بيان الوقوف بعرفة دون المبيت بالمزدلفة ومثله حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحج عرفة من أدركها قبل أن يطلع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه ( رواه النسائي قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان يعني الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : شهدت فذكره ورواه بن عيينة عن بكير عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ( وقوله في حديث عروة : ( من صلى صلاتنا هذه ( فذكر الصلاة بالمزدلفة فقد أجمع العلماء أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصل مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام فلما كان حضور الصلاة مع الإمام ليس من صلب الحج كان الوقوف بالموطن الذي تكون فيه الصلاة أحرى أن يكون كذلك قالوا : فلم يتحقق بهذا الحديث ذلك الفرض إلا بعرفة خاصة الثامنة عشرة قوله تعالى : ( وآذكروه كما هداكم ) كرر الأمر تأكيدا كما تقول : أرم أرم وقيل : الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص وقيل : المراد بالثاني تعديد النعمة وأمر بشكرها ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر قدر الإنعام فقال : وإن كنتم من قلبه لمن الضالين والكاف في كما نعت لمصدر محذوف وما مصدرية أو كافة والمعنى : آذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة وآذكروه كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه وإن مخففة من الثقيلة يدل على ذلك دخول اللام في الخبر قاله سيبويه الفراء : نافية بمعنى ما واللام بمعنى إلا كما قال : ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة الرحمن أو بمعنى قد أي قد كنتم ثلاثة أقوال والضمير في قبله عائد إلى الهدي وقيل إلى القرآن أي ما كنتم من قبل إنزاله إلا ضالين وإن شئت على النبي صلى الله عليه وسلم كناية عن غير مذكور والأول أظهر والله أعلم < <
البقرة : ( 199 ) ثم أفيضوا من . . . . . > > < > ( البقره 199 ) <
> الأولى قوله تعالى : ( ثم افيضوا من حيث أفاض الناس ) قيل : الخطاب للحمس فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم وكانوا يقولون : نحن قطين الله فينبغي لنا أن نعظم الحرم ولا نعظم شيئا من الحل وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم أن عرفة موقف إبراهيم عليه السلام لا يخرجون من الحرم ويقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة فقيل لهم : أفيضوا مع الجملة وثم ليست في هذه الآية للترتيب وإنما هي لعطف جملة كلام هي منها منقطعة وقال الضحاك : المخاطب بالآية جملة الأمة والمراد ب الناس إبراهيم عليه السلام كما قال : الذين قال لهم الناس وهو يريد واحدا ويحتمل على هذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة فتجيء ثم على هذا الاحتمال على بابها وعلى هذا الإحتمال عول الطبري والمعنى : أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم من مزدلفة جمع أي ثم أفيضوا إلى منى لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع قلت : ويكون في هذا حجة لمن أوجب الوقوف بالمزدلفة للأمر بالإفاضة منها والله أعلم والصحيح في تأويل هذه الآية من القولين القول الأول روى الترمذي عن عائشة قالت : كانت قريش ومن كان على دينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة يقولون : نحن قطين الله وكان من سواهم يقفون بعرفة فأنزل الله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس هذا حديث حسن صحيح وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : الحمس هم الذين أنزل الله فيهم : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس قالت : كان الناس يفيضون من عرفات وكان الحمس يفيضون من المزدلفة يقولون : لا نفيض إلا من الحرم فلما نزلت : أفيضوا من حيث أفاض الناس رجعوا إلى عرفات وهذا نص صريح ومثله كثير صحيح فلا معول على غيره من الأقوال والله المستعان وقرأ سعيد بن جبير الناسي وتأويله آدم عليه السلام لقوله تعالى : فنسى ولم نجد له عزما ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناس كالقاض والهاد بن عطية : أما جوازه في العربية فذكره سيبويه وأما جوازه مقروءا به فلا أحفظه وأمر تعالى بالإستغفار لأنها مواطنه ومظان القبول ومساقط الرحمة وقالت فرقة : المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفا لسنة إبراهيم في وقوفكم بقزح من المزدلفة دون عرفة الثانية روى أبو داؤد عن علي قال : فلما أصبح يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قزح فقال : ( هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ونحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ( فحكم الحجيج إذا دفعوا من عرفة إلى المزدلفة ان يبيتوا بها ثم يغلس بالصبح الإمام بالناس ويقفون بالمشعر الحرام وقزح هو الجبل الذي يقف عليه الإمام ولا يزالون يذكرون الله ويدعون إلى قرب طلوع الشمس ثم يدفعون قبل الطلوع على مخالفة العرب فإنهم كانوا يدفعون بعد الطلوع ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير أي كيما نقرب من التحلل فنتوصل إلى الإغارة وروى البخاري عن عمرو بن ميمون قال : شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال : إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون : أشرق ثبير وأن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فدفع قبل أن تطلع الشمس وروى بن عيينة عن بن جريج عن محمد بن قيس قيس بن مخرمة عن بن طاوس عن أبيه أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب االشمس وكانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وعجل هذا أخر الدفع من عرفة وعجل الدفع من المزدلفة مخالفا هدي المشركين الثالثة فإذا دفعوا قبل الطلوع فحكمهم أن يدفعوا على هيئة الدفع من عرفة وهو أن يسير الإمام بالناس سير العنق فإذا وجد أحدهم فرجه زاد في العنق شيئا والعنق : مشى للدواب معروف لا يجهل والنص : فوق العنق كالخبب أو فوق ذلك وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد ( رضي الله عنهما ) وسئل : كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة قال : كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص قال هشام : والنص فوق العنق وقد تقدم ويستحب له أن يحرك في بطن محسر قدر رمية بحجر فإن لم يفعل فلا حرج وهو من منى وروى الثوري وغيره عن أبي الزبير عن جابر قال : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وقال لهم : ( أوضعوا في وادي محسر ( وقال لهم : ( خذوا عني مناسككم ( فإذا أتوا منى وذلك غدوة يوم النحر رموا جمرة العقبة بها ضحى ركبانا إن قدروا ولا يستحب الركوب في غيرها من الجمار ويرمونها بسبع حصيات كل حصاة منها مثل حصى الخذف على ما يأتي بيانه فإذا رموها حل لهم كل ما حرم عليهم من اللباس والتفث كله إلا النساء والطيب والصيد عند مالك وإسحاق في رواية أبي داؤد الخفاف عنه وقال عمر بن الخطاب وبن عمر : يحل له كل شيء إلا النساء والطيب ومن تطيب عند مالك بعد الرمي وقبل الإفاضة لم ير عليه فدية لما جاء في ذلك ومن صاد عنده بعد أن رمى جمرة العقبة وقبل أن يفيض كان عليه الجزاء وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : يحل له كل شيء إلا النساء وروى عن بن عباس الرابعة ويقطع الحاج التلبية بأول حصاة يرميها من جمرة العقبة وعلى هذا أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها وهو جائز مباح عند مالك والمشهور عنه قطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة على ما ذكر في موطئه عن علي وقال : هو الأمر عندنا قلت : والأصل في هذه الجملة من السنة ما رواه مسلم عن الفضل بن عباس وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا : ( عليكم بالسكينة ( وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا ( وهو من منى ) قال : ( عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة ( وقال : لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة في رواية : والنبي صلى الله عليه وسلم يشير بيده كما يخذف الإنسان وفي البخاري عن عبد الله أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع وقال : هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم وروى الدارقطني عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء وحل لكم الثياب والطيب ( وفي البخاري عن عائشة قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها وهذا هو التحلل الأصغر عند العلماء والتحلل الأكبر : طواف الإفاضة وهو الذي يحل النساء وجميع محظورات الإحرام وسيأتي ذكره في سورة الحج إن الله تعالى < <
البقرة : ( 200 ) فإذا قضيتم مناسككم . . . . . > > < > ( البقره 200 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( فإذا قضيتم مناسككم ) قال مجاهد : المناسك الذبائح وهراقة الدماء وقيل : هي شعائر الحج لقوله عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ( المعنى : فإذا فعلتم منسكا من مناسك الحج فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم وأبو عمرو يدغم الكاف في الكاف وكذلك ما سلككم لأنهما مثلان وقضيتم هنا بمعنى أديتم وفرغتم قال الله تعالى : فإذا قضيت الصلاة الجمعة أي أديتم الجمعة وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها الثانية قوله تعالى : ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم ) كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة فتفاخر بالآباء وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك حتى أن الواحد منهم ليقول : اللهم إن أبي كان عظيم القبة عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين وقال بن عباس وعطاء والضحاك والربيع : معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهم : أبه أمه أي فاستغيثوا به والجئوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم وقالت طائفة : معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم وقال أبو الجوزاء لإبن عباس : إن الرجل اليوم لا يذكر أباه فما معنى الآية قال : ليس كذلك ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتما والكاف من قوله كذكركم في موضع نصب أي ذكرا كذكركم ( أو أشد ) قال الزجاج : أو أشد في موضع خفض عطفا على ذكركم المعنى : أو كأشد ذكرا ولم ينصرف لأنه أفعل صفة ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أو اذكروه أشد وذكرا نصب على البيان قوله تعالى : ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا ) من في موضع رفع بالابتداء وإن شئت بالصفة يقول ربنا آتنا في الدنيا صلة من والمراد المشركون قال أبو وائل والسدي وبن زيد : كانت العرب في الجاهلية تدعوا في مصالح الدنيا فقط فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو ولا يطلبون الآخرة إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا وجاء النهي في صيغه الخبر عنهم ويجوز أن يتناول هذا الوعيد المؤمن أيضا إذا قصر دعواته في الدنيا وعلى هذا فماله في الآخرة من خلاق أي كخلاق الذي يسأل الآخرة والخلاق النصيب ومن زائدة وقد تقدم < < البقرة : ( 201 ) ومنهم من يقول . . . . . > > < > ( البقره 201 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ومنهم ) أي من الناس وهم المسلمون يطلبون خير الدنيا والآخرة واختلف في تأويل الحسنتين على أقوال عديدة فروي عن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) أن الحسنة في الدنيا المرأة الحسناء وفي الآخرة الحور العين وقنا عذاب النار : المرأة السوء قلت : وهذا فيه بعد ولا يصح عن علي لأن النار حقيقة في النار المحرقة وعبارة المرأة عن النار تجوز وقال قتادة : حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال وقال الحسن : حسنة الدنيا العلم والعبادة وقيل غير هذا والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعم الدنيا والآخرة وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله فإن حسنة نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل وحسنة الآخرة : الجنة بإجماع وقيل : لم يرد حسنة واحدة بل أراد : أعطنا في الدنيا عطية حسنة فحذف الاسم الثانية قوله تعالى : ( وقنا عذاب النار ) أصل قنا أو قنا حذفت الواو كما حذفت في يقي ويشي لأنها بين ياء وكسرة مثل يعد هذا قول البصريين وقال الكوفيون : حذفت فرقا بين اللازم والمتعدي قال محمد بن يزيد : هذا خطأ لأن العرب تقول ورم يرم فيحذفون الواو والمراد بالآية الدعاء في ألا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة ويحتمل أن يكون دعاء مؤكدا لطلب دخول الجنة لتكون الرغبة في معنى النجاة والفوز من الطرفين كما قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم : أنا إنما أقول في دعائي : اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حولها ندندن ( خرجه أبو داؤد في سننه وبن ماجه أيضا الثالثة هذه الآية من جوامع الدعاء التي عمت لدنيا والآخرة قيل لأنس : أدع الله لنا فقال : الهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا : زدنا قال : ما تريدون قد سألت الدنيا والآخرة وفي الصحيحين عن أنس قال : كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( قال : فكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه وفي حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ماله هجيري غيرها ذكره أبو عبيد وقال بن جريج : بلغني أنه كان يأمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف هذه الآية : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( وقال بن عباس : إن عند الركن ملكا قائماا منذ خلق الله السماوات والأرض يقول آمين فقولوا : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( وسئل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت فقال عطاء : حدثني أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وكل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين ( الحديث خرجه بن ماجه في السنن وسيأتي بكماله مسندا في الحج إن شاءالله < < البقرة : ( 202 ) أولئك لهم نصيب . . . . . > > < > ( البقره 202 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا ) هذا يرجع إلى الفريق الثاني فريق الإسلام أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء فإن دعاء المؤمن عبادة وقيل : يرجع أولئك إلى الفريقين فللمؤمن ثواب عمله ودعائه وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا وهو مثل قوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا الثانية قوله تعالى : ( والله سريع الحساب ) من سرع يسرع مثل عظم يعظم سرعا وسرعة فهو سريع الحساب : مصدر كالمحاسبة وقد يسمى المحسوب حسابا والحساب العد يقال : حسب يحسب حسابا وحسابة وحسبانا وحسبانا وحسبا أي عد وأنشد بن الأعرابي : يا جمل أسقاك بلا حسابه سقيا مليك حسن الربابة قتلتني بالدل والخلابه والحسب : ما عد المرء ويقال : حسبه دينه ويقال : ماله ومنه الحديث : ( الحسب المال والكرم التقوى ( رواه سمرة بن جندب أخرجه بن ماجه وهو في الشهاب أيضا والرجل حسيب وقد حسب حسابة ( بالضم ) مثل خطب خطابة والمعنى في الآية : أن الله سبحانه سريع الحساب لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب ولهذا قال قوله الحق : وكفى بنا حاسبين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ( الحديث فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل إذ قد علم ما للمحاسب وعليه لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم وقيل : المعنى لا يشغله شأن عن شأن فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال وقوله الحق : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة قال الحسن : حسابه أسرع من لمح البصر وفي الخبر ( إن الله يحاسب في قدر حلب شاة ( وقيل : هو أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق وقيل لعلي بن أبي طالب ( رض ) : كيف يحاسب الله العباد في يوم قال : كما يرزقهم في يوم ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم بما قد نسوه بدليل قوله تعالى : يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه وقيل : معنى الآية سريع بمجئ يوم الحساب فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة قلت : والكل محتمل فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا الثالثة قال بن عباس في قوله تعالى : ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا ) هو الرجل ياخذ مالا يحج به عن غيره فيكون له ثواب وروي عنه في هذه الآية أن رجلا قال : يا رسول الله مات أبي ولم يحج أفأحج عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزئ ( قال نعم قال : ( فدين الله أحق أن يقضى ( قال : فهل لي من أجر فأنزل الله تعالى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا يعني من حج عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت قال أبو عبد الله محمد بن خويز منداد في أحكامه : قول بن عباس نحو قول مالك لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة والحجة للحاج فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه ولهذا قلنا : لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو لم يحج لأن الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستناب فيها بين أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد اعتبارا بأعمال الدين والدنيا ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدى عن غيره وإن لم يؤد عن نفسه وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره في مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه ويزوج غيره وإن لم يزوج نفسه تم الجزء الثاني من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث 3 بسم الله الرحمن الرحيم < <
البقرة : ( 203 ) واذكروا الله في . . . . . > > < > ( البقره 203 ) <
> قوله تعالى : ( واذكروا الله في أيام معدودات ) فيه ست مسائل : الأولى قال الكوفيون : الألف والتاء في معدودات لأقل العدد وقال البصريون : هما للقليل والكثير بدليل قوله تعالى : ( وهم في الغرفات آمنون ) والغرفات كثيرة ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى وهي أيام التشريق وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها وهي أيام رمي الجمار وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر فقف على ذلك وقال الثعلبي وقال إبراهيم : الأيام المعدودات أيام العشر والأيام المعلومات أيام النحر وكذا حكى مكي والمهدوى أن الأيام المعدودات هي أيام العشر ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمر بن عبد البر وغيره قال بن عطية : وهذا إما ان يكون من تصحيف النسخة وإما ان يريد العشر الذي بعد النحر وفي ذلك بعد الثانية أمر الله سبحانه وتعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر وليس يوم النحر منها لاجماع الناس انه لا ينفر أحد يوم النفر وهو ثاني يوم النحر ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ ان ينفر من شاء متعجلا يوم النفر لانه قد أخذ يومين من المعدودات خرج الدارقطني والترمذي وغيرهما عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ان ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه فأمر مناديا فنادى : ( الحج عرفة فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك أيام مني ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه ( أي من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة ويسقط عنه رمي يوم الثالث ومن لم ينفر منها الا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر واستوفى العدد في الرمي على ما يأتي بيانه ومن الدليل على ان أيام منى ثلاثة مع ما ذكرناه قول العرجى : ما نلتقي الا ثلاث منى حتى يفرق بيننا النفر فأيام الرمي معدودات وأيام النحر معلومات وروى نافع عن بن عمر أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام : يوم النحر وثلاثة أيام بعده فيوم النحر معلوم غير معدود واليومان بعده معلومان معدودان واليوم الرابع معدود لا معلوم وهذا مذهب مالك وغيره وإنما كان كذلك لان الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى في قوله سبحانه وتعالى : واذكروا الله في أيام معدودات ولا من التي عين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( أيام منى ثلاثة ( فكان معلوما لأن الله تعالى قال ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) ولا خلاف أن المراد به النحر وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى والثاني والثالث ولم يكن في الرابع نحر باجماع من علمائنا فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى : معلومات لأنه لا ينحر فيه وكان مما يرمى فيه فصار معدودا لأجل الرمي غير معلوم لعدم النحر فيه قال بن العربي : والحقيقة فيه أن يوم النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات وقال أبو حنيفة والشافعي : الأيام المعلومات العشر من أول يوم من ذي الحجة وأخرها يوم النحر لم يختلف قولهما في ذلك ورويا ذلك عن بن عباس وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر قال أبو يوسف : روى ذلك عن عمر وعلي وإليه أذهب لأنه تعالى قال : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام ) وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة : يوم الأضحى ويومان بعده قال الكيا الطبري : فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر لأن الله تعالى يقول : فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث وقد روى عن بن عباس أن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق وهو قول الجمهور قلت : وقال بن زيد : الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق وفيه بعد لما ذكرناه وظاهر الآية يدفعه وجعل الله الذكر في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله فلا معنى للاشتغال به الثالثة ولا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج خوطب بالتكبير عند رمي الجمار وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تلبية وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد وخصوصا في أوقات الصلوات فيكبر عند انقضاء كل صلاة كان المصلي وحده أو في جماعة تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام اقتداء بالسلف رضي الله عنهم وفي المختصر : ولا يكبر النساء دبر الصلوات والأول أشهر لأنه يلزمها حكم الاحرام كالرجل قاله في المدونة الرابعة ومن نسى التكبير بإثر صلاة كبر إن كان قريبا وإن تباعد فلا شيء عليه قاله بن الجلاب وقال مالك في المختصر : يكبر ما دام في مجلسه فإذا قام من مجلسه فلا شيء عليه وفي المدونة من قول مالك : إن نسي الامام التكبير فإن كان قريبا قعد فكبر وإن تباعد فلا شيء عليه وإن ذهب ولم يكبر والقوم جلوس فليكبروا الخامسة واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وبن عباس : يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق وقال بن مسعود وأبو حنيفة : يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر وخالافاه صاحباه فقالا بالقول الأول قول عمر وعلي وبن عباس رضي الله عنهم فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء وقال مالك : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق وبه قال الشافعي وهو قول بن عمر وبن عباس ايضا وقال زيد بن ثابت : يكبر من ظهر يوم النحر إلى أخر أيام التشريق قال بن العربي : فأما من قال : يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر لأن الله تعالى قال في أيام معدودات وأيامها ثلاثة وقد قال هؤلاء : يكبر في يومين فتركوا الظاهر لغير دليل وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق فقال : إنه قال : فإذا أفضتم من عرفات فذكر ( عرفات ) داخل في ذكر الأيام هذا كان يصح لو كان قال : يكبر من المغرب يوم عرفة لأن وقت الافاضة حينئذ فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ ويلزمه ان يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى السادسة واختلفوا في لفظ التكبير فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات رواه زياد بن زياد عن مالك وفي المذهب رواية : يقال بعد التكبيرات الثلاث : لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد وفي المختصر عن مالك : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد قوله تعالى : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) فيه إحدى وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : فمن تعجل التعجيل أبدا لا يكون هنا إلا في آخر النهار وكذلك اليوم الثالث لأن الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد الزوال وأجمعوا على أن يوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر من الجمرات غيرها ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال وكذلك اجمعوا أن وقت رمي الجمرات في أيام التشريق بعد الزوال إلى الغروب واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فقال مالك وأبو حنيفة واحمد وإسحاق : جائز رميها بعد الفجر قبل طلوع الشمس وقال مالك : لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لأحد برمي قبل أن يطلع الفجر ولا يجوز رميها قبل الفجر فإن رماها قبل الفجر أعادها وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز رميها وبه قال أحمد وإسحاق ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر روى عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت ترمي بالليل وتقول : إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داؤد وروى هذا القول عن عطاء وبن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وبه قال الشافعي إذا كان الرمى بعد نصف الليل وقالت طائفة : لا يرمى حتى تطلع الشمس قاله مجاهد والنخعى والثورى وقال أبو ثور : إن رماها قبل طلوع الشمس فإن اختلفوا فيه لم يجزه وإن أجمعوا أو كانت فيه سنة أجزأه قال أبو عمر : أما قول الثوري ومن تابعه فحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بعد طلوع الشمس وقال : ( خذوا عني مناسككم ( وقال بن المنذر : السنة ألا ترمى إلا بعد طلوع الشمس ولا يجزئ الرمى قبل طلوع الفجر فإن رمى أعاد إذ فاعله مخالف لما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته ومن رماها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه الثانية روى معمر قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر وكان يومها قال أبو عمر : اختلف على هشام في هذا الحديث فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا كما رواه معمر ورواه اخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة بذلك مسندا ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا وكلهم ثقات وهو يدل على انها رمت الجمرة بمنى قبل الفجر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر والله أعلم ورواه أبو داؤد قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا بن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها انها قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها وإذا ثبت فالرمي بالليل جائز لمن فعله والاختيار من طلوع الشمس إلى زوالها قال أبو عمر : أجمعوا على أن وقت الاختيار في رمي جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها وأجمعوا أنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر فقد أجزأ عنه ولا شيء عليه إلا مالكا فإنه قال : أستحب له إن ترك جمرة العقبة حتى أمسى أن يهريق دما يجيء به من الحل واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد فقال مالك : عليه دم واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لرمي الجمرة وقتا وهو يوم النحر فمن رمى بعد غروب الشمس فقد رماها بعد خروج وقتها ومن فعل شيئا في الحج بعد وقته فعليه دم وقال الشافعي : لا دم عليه وهو قول أبي يوسف ومحمد وبه قال أبو ثور لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له السائل : يا رسول الله رميت بعد ما أمسيت فقال : ( لا حرج ( قال مالك : من نسى رمى الجمار حتى يمسي فليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار كما يصلى أية ساعة ذكر ولا يرمى إلا ما فاته خاصة وإن كانت جمرة واحدة رماها ثم يرمى ما رمى بعدها من الجمار فإن الترتيب في الجمار واجب فلا يجوز أن يشرع في رمى جمرة حتى يكمل رمى الجمرة الأولى كركعات الصلاة هذا هو المشهور من المذهب وقيل : ليس الترتيب بواجب في صحة الرمى بل إذا كان الرمى كله في وقت الأداء أجزأه الثالثة فإذا مضت أيام الرمى فلا رمى فإن ذكر بعد ما يصدر وهو بمكة أو بعد ما يخرج منها فعليه الهدى وسواء ترك الجمار كلها أو جمرة منها أو حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى فعليه دم وقال أبو حنيفة : إن ترك الجمار كلها فعليه دم وإن ترك جمرة واحدة كان عليه بكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع إلى أن يبلغ دما فيطعم ما شاء إلا جمرة العقبة فعليه دم وقال الأوزاعي : يتصدق إن ترك حصاة وقال الثوري : يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث فإن ترك أربعة فصاعدا فعليه دم وقال الليث : في الحصاة الواحدة دم وهو أحد قولى الشافعي والقول الأخر وهو المشهور : إن في الحصاة الواحدة مدا من طعام وفي حصاتين مدين وفي ثلاث حصيات دم الرابعة ولا سبيل عند الجميع إلى رمي ما فاته من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها وذلك اليوم الرابع من يوم النحر وهو الثالث من أيام التشريق ولكن يجزئه الدم أو الاطعام على حسب ما ذكرنا الخامسة ولا تجوز البيتوتة بمكة وغيرها عن منى ليالي التشريق فإن ذلك غير جائز عند الجميع إلا للرعاء ولمن ولى السقاية من آل العباس قال مالك : من ترك المبيت ليلة من ليالي منى من غير الرعاء وأهل السقاية فعليه دم روى البخاري عن بن عمر أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له قال بن عبد البر : كان العباس ينظر في السقاية ويقوم بأمرها ويسقى الحاج شرابها أيام الموسم فلذلك أرخص له في المبيت عن منى كما أرخص لرعاء الأبل من أجل حاجتهم لرعى الابل وضرورتهم إلى الخروج بها نحو المراعى التي تبعد عن منى وسميت منى ( منى ) لما يمنى فيها من الدماء أي يراق وقال بن عباس : إنما سميت منى لأن جبريل قال لأدم عليه السلام : تمن قال : أتمنى الجنة فسميت منى قال : وإنما سميت جمعا لأنه اجتمع بها حواء وادم عليهما السلام والجمع أيضا هو المزدلفة وهو المشعر الحرام كما تقدم السادسة وأجمع الفقهاء على أن المبيت للحاج غير الذين رخص لهم ليالي منى بمنى من شعائر الحج ونسكه والنظر يوجب على كل مسقط لنسكه دما قياسا على سائر الحج ونسكه وفي الموطأ : مالك عن نافع عن بن عمر قال قال عمر : لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة والعقبة التي منع عمر أن يبيت أحد وراءها هي العقبة التي عند الجمرة التي يرميها الناس يوم النحر مما يلي مكة رواه بن نافع عن مالك في المبسوط قال : وقال مالك : ومن بات وراءها ليالي منى فعليه الفدية وذلك أنه بات بغير منى ليالى منى وهو مبيت مشروع في الحج فلزم الدم بتركه كالمبيت بالمزدلفة ومعنى الفدية هنا عند مالك الهدى قال مالك : هو هدى يساق من الحل إلى الحرم السابعة روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء الأبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر قال أبو عمر : لم يقل مالك بمقتضى هذا الحديث وكان يقول : يرمون يوم النحر يعني جمرة العقبة ثم لا يرمون من الغد فإذا كان بعد الغد وهو الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الذي يتعجل فيه النفر من يريد التعجيل أو من يجوز له التعجيل رموا اليومين لذلك اليوم ولليوم الذي قبله لأنهم يقضون ما كان عليهم ولا يقضي أحد عنده شيئا إلا بعد أن يجب عليه هذا معنى ما فسر به مالك هذا الحديث في موطئه وغيره يقول : لا بأس بذلك كله على ما في حديث مالك لأنها أيام رمى كلها وإنما لم يجز عند مالك للرعاء تقديم الرمى لأن غير الرعاء لا يجوز لهم أن يرموا في أيام التشريق شيئا من الجمار قبل الزوال فإن رمى قبل الزوال أعادها ليس لهم التقديم وإنما رخص لهم في اليوم الثاني إلى الثالث قال بن عبد البر : الذي قاله مالك في هذه المسألة موجود في رواية بن جريج قال : أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرمون الغد قال علماؤنا : ويسقط رمى الجمرة الثالثة عمن تعجل قال بن ابى زمنين يرميها يوم النفر الاول حين يريد التعجيل قال بن المواز : يرمى المتعجل في يومين بإحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع حصيات فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة لأنه قد رمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع قال بن المنذر : ويسقط رمى اليوم الثالث الثامنة روى مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر أنه أرخص للرعاء أن يرموا بالليل يقول في الزمن الأول قال الباجي : قوله في الزمن الأول يقتضي إطلاقة زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أول زمن هذه الشريعة فعلى هذا هو مرسل ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء فيكون موقوفا مسندا والله أعلم قلت : هو مسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجه الدارقطني وغيره وقد ذكرناه في المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس وإنما أبيح لهم الرمى بالليل لأنه أرفق بهم وأحوط فيما يحاولونه من رعى الأبل لأن الليل وقت لا ترعى فيه ولا تنتشر فيرمون في ذلك الوقت وقد اختلفوا فيمن فاته الرمى حتى غربت الشمس فقال عطاء : لا رمى بالليل إلا لرعاء الابل فأما التجار فلا وروى عن بن عمر أنه قال : من فاته الرمى حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تطلع الشمس من الغد وبه قال أحمد وإسحاق وقال مالك : إذا تركه نهارا رماه ليلا وعليه دم في رواية بن القاسم ولم يذكر في الموطأ أن عليه دما وقال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد : إذا نسى الرمى حتى امسى يرمى ولا دم عليه وكان الحسن البصري يرخص في رمى الجمار ليلا وقال أبو حنيفة : يرمى ولا شيء عليه وإن لم يذكرها من الليل حتى يأتي الغد فعليه أن يرميها وعليه دم وقال الثورى : إذا أخر الرمى إلى الليل ناسيا أو متعمدا أهرق دما قلت : أما من رمى من رعاء الابل أو أهل السقاية بالليل فلا دم يجب للحديث وإن كان من غيرهم فالنظر يوجب الدم لكن مع العمد والله أعلم التاسعة ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته وأستحب مالك وغيره أن يكون الذي يرميها راكبا وقد كان بن عمر وبن الزبير وسالم يرمونها وهم مشاة ويرمى في كل يوم من الثلاثة بإحدى وعشرين حصاة يكبر مع كل حصاة ويكون وجهه في حال رميه ألى الكعبة ويرتب الجمرات ويجمعهن ولا يفرقهن ولا ينكسهن يبدأ بالجمرة الأولى فيرميها بسبع حصيات رميا ولا يضعها وضعا كذلك قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فإن طرحها طرحا جاز عند اصحاب الرأي وقال بن القاسم : لا تجزئ في الوجهين جميعا وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرميها ولا يرمى عندهم بحصاتين أو أكثر في مرة فإن فعل عدها حصاة واحدة فإذا فرغ منها تقدم أمامها فوقف طويلا للدعاء بما تيسر ثم يرمى الثانية وهي الوسطى وينصرف عنها ذات الشمال في بطن المسيل ويطيل الوقوف عندها للدعاء ثم يرمي الثالثة بموضع جمرة العقبة بسبع حصيات ايضا يرميها من أسفلها ولا يقف عندها ولو رماها من فوقها أجزأه ويكبر في ذلك كله مع كل حصاة يرميها وسنة الذكر في رمى الجمار التكبير دون غيره من الذكر ويرميها ماشيا بخلاف جمرة يوم النحر وهذا كله توقيف رفعه النسائي والدارقطني عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمرة التي تلي المسجد مسجد منى يرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة ثم تقدم امامها فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو وكان يطيل الوقوف ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعا يديه ثم يدعو ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها قال الزهري : سمعت سالم بن عبد الله يحدث بهذا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وكان بن عمر يفعله لفظ الدارقطني العاشرة وحكم الجمار أن تكون طاهرة غير نجسة ولا مما رمى به فإن رمى بما قد رمى به لم يجزه عند مالك وقد قال عنه بن القاسم : إن كان ذلك في حصاة واحدة أجزأه ونزلت بابن القاسم فأفتاه بهذا الحادية عشرة واستحب أهل العلم أخذها من المزدلفة لا من حصى المسجد فإن أخذ زيادة على ما يحتاج وبقى ذلك بيده بعد الرمى دفنه ولم يطرحه قاله أحمد بن حنبل وغيره الثانية عشرة ولا تغسل عند الجمهور خلافا لطاوس وقد روى أنه لو لم يغسل الجمار النجسة أو رمى بما قد رمى به أنه أساء وأجزأ عنه قال بن المنذر : يكره أن يرمي بما قد رمي به ويجزئ إن رمى به إذ لا أعلم أحدا أوجب على من فعل ذلك الاعادة ولا نعلم في شيء من الأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل الحصى ولا أمر بغسله وقد روينا عن طاوس أنه كان يغسله الثالثة عشرة ولا يجزئ في الجمار المدر ولا شيء غير الحجر وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق وقال اصحاب الرأي : يجوز بالطين اليابس وكذلك كل شيء رماها من الأرض فهو يجزئ وقال الثورى : من رمى بالخزف والمدر لم يعد الرمى قال بن المنذر : لا يجزئ الرمى إلا بالحصى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عليكم بحصى الخذف ( وبالحصى رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرابعة عشرة واختلف في قدر الحصى فقال الشافعي : يكون أصغر من الأنملة طولا وعرضا وقال أبو ثور وأصحاب الرأي : بمثل حصى الخذف وروينا عن بن عمر أنه كان يرمى الجمرة بمثل بعر الغنم ولا معنى لقول مالك : أكبر من ذلك أحب إلي لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن الرمى بمثل حصى الخذف ويجوز أن يرمى بما وقع عليه اسم حصاة واتباع السنة أفضل قاله بن المنذر قلت : وهو الصحيح الذي لا يجوز خلافه لمن اهتدى واقتدى روى النسائي عن بن عباس قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته : ( هات القط لي فلقطت له حصيات هن حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال : ( بأمثال هؤلاء وأياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ( فدل قوله : ( وأياكم والغلو في الدين ( على كراهة الرمى بالجمار الكبار وأن ذلك من الغلو والله أعلم الخامسة عشرة ومن بقى في يده حصاة لا يدري من أي الجمار هي جعلها من الأولى ورمى بعدها الوسطى والاخرة فإن طال استأنف جميعا السادسة عشرة قال مالك والشافعي وعبد الملك وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن قدم جمرة على جمرة : لا يجزئه إلا أن يرمى على الولاء وقال الحسن وعطاء وبعض الناس : يجزئه واحتج بعض الناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج ( وقال : لا يكون هذا بأكثر من رجل اجتمعت عليه صلوات أو صيام فقضى بعضا قبل بعض والأول أحوط والله أعلم السابعة عشرة واختلفوا في رمى المريض والرمى عنه فقال مالك : يرمى عن المريض والصبى اللذين لا يطيقان الرمى ويتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات لكل جمرة وعليه الهدى وإذا صح المريض في أيام الرمى رمى عن نفسه وعليه مع ذلك دم عند مالك وقال الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : يرمى عن المريض ولم يذكروا هديا ولا خلاف في الصبي الذي لا يقدر على الرمى أنه يرمى عنه وكان بن عمر يفعل ذلك الثامنة عشرة روى الدارقطني عن أبى سعيد الخدرى قال قلنا : يا رسول الله هذه الجمار التي يرمى بها كل عام فنحسب أنها تنقص فقال : ( إنه ما تقبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال ( التاسعة عشرة قال بن المنذر : وأجمع أهل العلم على أن لمن أراد الخروج من الحاج من منى شاخصا ألى بلده خارجا عن الحرم غير مقيم بمكة في النفر الاول أن ينفر بعد زوال الشمس إذا رمى في اليوم الذي يلي يوم النحر قبل أن يمسى لأن الله جل ذكره قال : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه فلينفر من أراد النفر ما دام في شيء من النهار وقد روينا عن النخعي والحسن أنهما قالا : من أدركه العصر وهو بمنى من اليوم الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغد قال بن المنذر : وقد يحتمل أن يكونا قالا ذلك استحبابا والقول الأول به نقول لظاهر الكتاب والسنة الموفية عشرين واختلفوا في أهل مكة هل ينفرون النفر الأول فروينا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : من شاء من الناس كلهم أن ينفروا في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الأخر وكان أحمد بن حنبل يقول : لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة وقال : أهل مكة أخف وجعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر بن الخطاب : ( إلا ال خزيمة ) أي أنهم أهل حرم وكان مالك يقول في أهل مكة : من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين فإن أراد التخفيف عن نفسه مما هو فيه من أمر الحج فلا فرأي التعجيل لمن بعد قطره وقالت طائفة : الآية على العموم والرخصة لجميع الناس أهل مكة وغيرهم أراد الخارج عن منى المقام بمكة أو الشخوص إلى بلده وقال عطاء : هي للناس عامة قال بن المنذر : وهو يشبه مذهب الشافعي وبه نقول وقال بن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي : من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج فمعنى الآية كل ذلك مباح وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماما وتأكيدا إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك وقال علي بن أبي طالب وبن عباس وبن مسعود وإبراهيم النخعي أيضا : معنى من تعجل فقد غفر له ومن تأخر فقد غفر له واحتجوا بقوله عليه السلام : ( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه ( فقوله ( فلا إثم عليه ) نفى عام وتبرئة مطلقة وقال مجاهد أيضا : معنى الآية من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام المقبل وأسند في هذا القول أثر وقال أبو العالية في الآية : لا إثم عليه لمن اتقى بقية عمره والحاج مغفور له البتة أي ذهب إثمه كله إن اتقى الله فيما بقى من عمره وقال أبو صالح وغيره : معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد وما يجب عليه تجنبه في الحج وقال أيضا : لمن اتقى في حجه فأتى به تاما حتى كان مبرورا الحادية والعشرون من في قوله ( فمن تعجل ) رفع بالابتداء والخبر ( فلا إثم عليه ) ويجوز في غير القرآن فلا إثم عليهم لأن معنى من جماعة كما قال جل وعز : ( ومنهم من يستمعون إليك يونس وكذا ) ( ومن تأخر فلا إثم عليه ) واللام من قوله : لمن اتقى متعلقة بالغفران التقدير المغفرة لمن اتقى وهذا على تفسير بن مسعود وعلي قال قتادة : ذكر لنا أن بن مسعود قال : إنما جعلت المغفرة لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي وقال الأخفش : التقدير ذلك لمن اتقى وقال بعضهم : لمن اتقى يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحرم وقيل التقدير الاباحة لمن اتقى روى هذا عن بن عمر وقيل : السلامة لمن اتقى وقيل : هي متعلقة بالذكر الذي في قوله تعالى : ( واذكروا ) أي الذكر لمن اتقى وقرأ سالم بن عبد الله فلا إثم عليه بوصل الألف تخفيفا والعرب قد تستعمله قال الشاعر : إن لم أقاتل فالبسوني برقعا ثم أمر الله تعالى بالتقوى وذكر بالحشر والوقوف < <
البقرة : ( 204 ) ومن الناس من . . . . . > > < > ( البقره 204 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ومن الناس من يعجبك قوله ) لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا في قوله : فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين لأنهم أظهروا الأيمان وأسروا الكفر قال السدى وغيره من المفسرين : نزلت في الاخنس بن شريق واسمه أبى والأخنس لقب لقب به لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من حلفائه من بنى زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يأتي في آل عمران بيانه وكان رجلا حلو القول والمنظر فجاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الاسلام وقال : الله يعلم أنى صادق ثم هرب بعد ذلك فمر بزرع لقوم من المسلمين وبحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر قال المهدوى : وفيه نزلت ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم وويل لكل همزة لمزة قال بن عطية : ما ثبت قط أن الأخنس أسلم وقال بن عباس : نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع : عاصم بن ثابت وخبيب وغيرهم وقالوا : ويح هؤلاء القوم لا هم قعدوا في بيوتهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم فنزلت هذه الآية في صفات المنافقين ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله : ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء : نزلت في كل مبطن كفرا أو نفاقا أو كذبا أو إضرارا وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك فهي عامة وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى : إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر يلبسون للناس جلود الضأن من اللين يشترون الدنيا بالدين يقول الله تعالى : أبي يغترون وعلي يجترئون فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران ومعنى ويشهد الله أي يقول : الله يعلم أنى أقول حقا وقرأ بن محيصن ويشهد الله على ما في قلبه بفتح الياء والهاء في يشهد الله بالرفع والمعنى يعجبك قوله والله يعلم منه خلاف ما قال دليله قوله : ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) وقراءة بن عباس والله يشهد على ما في قلبه وقراءة الجماعة أبلغ في الذم لأنه قوى على نفسه إلتزام الكلام الحسن ثم ظهر من باطنه خلافه وقرأ أبى وبن مسعود ويستشهد الله على ما في قلبه وهي حجة لقراءة الجماعة الثانية قال علماؤنا : وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا واستبراء أحوال الشهود والقضاة وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم لأن الله تعالى بين أحوال الناس وأن منهم من يظهر قولا جميلا وهو ينوى قبيحا فإن قيل : هذا يعارضه قوله عليه السلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ( الحديث وقوله : ( فأقضى له على نحو ما أسمع ( فالجواب أن هذا كان في صدر الاسلام حيث كان إسلامهم سلامتهم وأما وقد عم الفساد فلا قاله بن العربي قلت : والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبين خلافه لقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه في صحيح البخارى : أيها الناس إن الوحى قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه وإن قال أن سريرته حسنة الثالثة قوله تعالى : ( وهو ألد الخصام ) الألد : الشديد الخصومة وهو رجل ألد وامرأة لداء وهم أهل لدد وقد لددت بكسر الدال تلد بالفتح لددا أي صرت ألد ولددته بفتح الدال ألده بضمها إذا جادلته فغلبته والألد مشتق من اللديدين وهما صفحتا العنق أي في أي جانب أخذ من الخصومة غلب قال الشاعر : وألد ذي حنق على كأنما تغلى عداوة صدره في مرجل وقال اخر : إن تحت التراب عزما وحزما وخصيما ألد ذا مغلاق والخصام فى الآية مصدر خاصم قاله الخليل وقيل : جمع خصم قاله الزجاج ككلب وكلاب وصعب وصعاب وضخم وضخام والمعنى أشد المخاصمين خصومة أي هو ذو جدال إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ( < <
البقرة : ( 205 ) وإذا تولى سعى . . . . . > > < > ( البقره 205 ) < > وقوله تعالى : ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ) قيل : تولى وسعى من فعل القلب فيجيء تولى بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه وسعى أي سعى بحيلته وإرادته الدوائر على الاسلام وأهله عن بن جريج وغيره وقيل : هما فعل الشخص فيجيء تولى بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد وسعى أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها عن بن عباس وغيره وكلا السعيين فساد يقال : سعى الرجل يسعى سعيا أي عدا وكذلك إذا عمل وكسب وفلان يسعى على عياله أي يعمل في نفعهم قوله تعالى : ويهلك عطف على ليفسد وفي قراءة أبى وليهلك وقرأ الحسن وقتادة ويهلك بالرفع وفى رفعه أقوال : يكون معطوفا على يعجبك وقال أبو حاتم : هو معطوف على سعى لأن معناه يسعى ويهلك وقال أبو إسحاق : وهو يهلك وروى عن بن كثير ويهلك بفتح الياء وضم الكاف الحرث والنسل مرفوعان بيهلك وهى قراءة الحسن وبن أبى إسحاق وأبى حيوة وبن محيصن ورواه عبد الوارث عن أبى عمرو وقرأ قوم ويهلك بفتح الياء واللام ورفع الحرث لغة هلك يهلك مثل ركن يركن وأبى يأبى وسلى يسلى وقلى يقلى وشبهه والمعنى في الآية الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر قاله الطبرى قال غيره : ولكنها صارت عامة لجميع الناس فمن عمل مثل عمله استوجب تلك اللعنة والعقوبة قال بعض العلماء : إن من يقتل حمارا أو يحرق كدسا استوجب الملامة ولحقه الشين إلى يوم القيامة وقال مجاهد : المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل وقيل : الحرث النساء والنسل الأولاد وهذا لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال وفيه هلاك الخلق قال معناه الزجاج والسعى في الأرض المشي بسرعة وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس والله أعلم وفي الحديث : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ( وسيأتى بيان هذا إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( الحرث والنسل ) الحرث في اللغة : الشق ومنه المحراث لما يشق به الأرض والحرث : كسب المال وجمعه وفى الحديث : ( احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا والحرث الزرع ( والحراث الزراع وقد حرث واحترث مثل زرع وازدرع ويقال : احرث القرآن أي ادرسه وحرثت الناقة وأحرثتها أي سرت عليها حتى هزلت وحرثت النار حركتها والمحراث : ما يحرك به نار التنور عن الجوهرى والنسل : ما خرج من كل أنثى من ولد وأصله الخروج والسقوط ومنه نسل الشعر وريش الطائر والمستقبل ينسل ومنه إلى ربهم ينسلون من كل حدب ينسلون ) وقال امرؤ القيس : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل قلت : ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض وغرسها بالأشجار حملا على الزرع وطلب النسل وهو نماء الحيوان وبذلك يتم قوام الأنسان وهو يرد على من قال بترك الأسباب وسيأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( والله لا يحب الفساد ) قال العباس بن الفضل : الفساد هو الخراب وقال سعيد بن المسيب : قطع الدراهم من الفساد في الأرض وقال عطاء : إن رجلا كان يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزعها قال قتادة قلت لعطاء : إنا كنا نسمع أن يشقها فقال عطاء : إن الله لا يحب الفساد قلت : والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين وهو الصحيح إن شاء الله تعالى قيل : معنى لا يحب الفساد أي لا يحبه من أهل الصلاح أو لا يحبه دينا ويحتمل أن يكون المعنى لا يأمر به والله أعلم < < البقرة : ( 206 ) وإذا قيل له . . . . . > > <
> ( 206 ) < > هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا وقال عبد الله : كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه : اتق الله فيقول : عليك بنفسك مثلك يوصيني والعزة : القوة والغلبة من عزه يعزه إذا غلبه ومنه : وعزني في الخطاب وقيل : العزة هنا الحمية ومنه قول الشاعر : أخذته عزة من جهله فتولى مغضبا فعل الضجر وقيل : العزة هنا المنعة وشدة النفس أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الأثم حين أخذته وألزمته إياه وقال قتادة : المعنى إذا قيل له مهلا إزداد إقداما على المعصية والمعنى حملته العزة على الأثم وقيل : أخذته العزة بما يؤثمه أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية ونظيره : بل الذين كفروا في عزة وشقاق وقيل : الباء في بالاثم بمعنى اللام أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للأثم الذي في قلبه وهو النفاق ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة : وكأن ربا أو كحيلا معقدا حش الوقود به جوانب قمقم أي حش الوقود له وقيل : الباء بمعنى مع أي أخذته العزة مع الأثم فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد فاختلف إلى بابه سنة فلم يقض حاجته فوقف يوما على الباب فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال : اتق الله يا أمير المؤمنين فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت فلما رجع قيل له : يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودى قال : لا ولكن تذكرت قول الله تعالى : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء كما تقول للرجل : كفاك ما حل بك وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل والمهاد جمع المهد وهو الموضع المهيأ للنوم ومنه مهد الصبى وسمى جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار وقيل : لأنها بدل لهم من المهاد كقوله : فبشرهم بعذاب أليم ونظيره من الكلام قولهم : تحية بينهم ضرب وجيع < > ( 207 ) <
> ( ابتغاء ) نصب على المفعول من أجله ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين قيل : نزلت في صهيب فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته وأخذ قوسه وقال : لقد علمتم أني من أرماكم وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفى ما بقى في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلى عنك وعاهدوه على ذلك ففعل فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ربح البيع أبا يحيى ( وتلا عليه الآية أخرجه رزين وقاله سعيد بن المسيب رضى الله عنهما وقال المفسرون : أخذ المشركون صهيبا فعذبوه فقال لهم صهيب : إنى شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذرونى وديني ففعلوا ذلك وكان شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما ورجال فقال له أبو بكر : ربح بيعك أبا يحيى فقال له صهيب : وبيعك فلا يخسر فما ذاك فقال : أنزل الله فيك كذا وقرأ عليه الآية وقال الحسن : أتدرون فيمن نزلت هذه الآية نزلت في المسلم لقى الكافر فقال له : قل لا إله إلا الله فإذا قلتها عصمت مالك ونفسك فأبى أن يقولها فقال المسلم : والله لأشرين نفسى لله فتقدم فقاتل حتى قتل وقيل : نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وعلى ذلك تأولها عمر وعلي وبن عباس رضى الله عنهم قال علي وبن عباس : اقتتل الرجلان أي قال المغير للمفسد : اتق الله فأبى المفسد وأخذته العزة فشرى المغير نفسه من الله وقاتله فاقتتلا وقال أبو الخليل : سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية فقال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل وقيل : إن عمر سمع بن عباس يقول : اقتتل الرجلان عند قراءة القارئ هذه الآية فسأله عما قال ففسر له هذا التفسير فقال له عمر لله تلادك يا بن عباس وقيل : نزلت فيمن يقتحم القتال حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل فقرأ أبو هريرة ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله ومثله عن أبى أيوب وقيل : نزلت في شهداء غزوة الرجيع وقال قتادة : هم المهاجرون والأنصار وقيل : نزلت في علي رضى الله عنه حين تركه النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار على ما يأتى بيانه في براءة إن شاء الله تعالى وقيل : الآية عامة تتناول كل مجاهد في سبيل الله أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر وقد تقدم حكم من حمل على الصف ويأتى ذكر المغير للمنكر وشروطه وأحكامه في آل عمران إن شاء الله تعالى ويشري ) معناه يبيع ومنه وشروه بثمن بخس أي باعوه وأصله الاستبدال ومنه قوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ومنه قول الشاعر : وإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى شروا هذه الدنيا بجناته الخلد وقال اخر : وشريت بردا ليتنى من بعد برد كنت هامه البرد هنا اسم غلام وقال اخر : يعطى بها ثمنا فيمنعها ويقول صاحبها ألا فاشر وبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله ابتغاء مفعول من أجله ووقف الكسائي على مرضات بالتاء والباقون بالهاء قال أبو علي : وقف الكسائي بالتاء إما على لغة من يقول : طلحت وعلقمت ومنه قول الشاعر : بل جوزتيهاء كظهر الحجفت وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد والمرضاة الرضا يقال : رضى يرضى رضا ومرضاة وحكى قوم أنه يقال : شرى بمعنى اشترى ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها اللهم إلا أن يقال : إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله فيستقيم اللفظ على معنى باع < <
البقرة : ( 208 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( 208 ) < > لما بين الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق فقال : كونوا على ملة واحدة واجتمعوا على الاسلام واثبتوا عليه فالسلم هنا بمعنى الاسلام قاله مجاهد ورواه أبو مالك عن بن عباس ومنه قول الشاعر الكندي : دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبرينا أي إلى الاسلام لما ارتدت كندة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأشعث بن قيس الكندي ولأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح وإنما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا له وأما أن يبتدئ بها فلا قاله الطبرى وقيل : أمر من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم وقال طاوس ومجاهد : ادخلوا في أمر الدين سفيان الثورى : في أنواع البر كلها وقرئ السلم بكسر السين قال الكسائى : الس لم والس لم بمعنى واحد وكذا هو عند أكثر البصريين وهما جميعا يقعان للاسلام والمسالمة وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما فقرأها هنا : ادخلوا في السلم وقال هو الاسلام وقرأ التي في الأنفال والتي في سورة محمد صلى الله عليه وسلم السلم بفتح السين وقال : هي بالفتح المسالمة وأنكر المبرد هذه التفرقة وقال عاصم الجحدري : الس ل م الاسلام والسلم الصلح والسلم الاستسلام وأنكر محمد بن يزيد هذه التفريقات وقال : اللغة لا تؤخذ هكذا وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس ويحتاج من فرق إلى دليل وقد حكى البصريون : بنو فلان سلم وسلم وسلم بمعنى واحد قال الجوهرى : والسلم الصلح يفتح ويكسر ويذكر ويؤنث وأصله من الاستسلام والانقياد ولذلك قيل للصلح : سلم قال زهير : وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا بمال ومعروف من الأمر نسلم ورجح الطبرى حمل اللفظة على معنى الاسلام بما تقدم وقال حذيفة بن اليمان في هذه الآية : الاسلام ثمانية أسهم الصلاة سهم والزكاة سهم والصوم سهم والحج سهم والعمرة سهم والجهاد سهم والأمر بالمعروف سهم والنهى عن المنكر سهم وقد خاب من لا سهم له في الاسلام وقال بن عباس : نزلت الآية في أهل الكتاب والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الاسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم كافة وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ( وكافة معناه جميعا فهو نصب على الحال من السلم أو من ضمير المؤمنين وهو مشتق من قولهم : كففت أي منعت أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الاسلام والكف المنع ومنه كفة القميص بالضم لأنها تمنع الثوب من الانتشار ومنه كفة الميزان بالكسر التي تجمع الموزون وتمنعه أن ينتشر ومنه كف الأنسان الذي يجمع منافعه ومضاره وكل مستدير كفة وكل مستطيل كفة ورجل مكفوف البصر أي منع عن النظر فالجماعة تسمى كافة لامتناعهم عن التفرق ولا تتبعوا نهى خطوات الشيطان مفعول وقد تقدم وقال مقاتل : استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة وأن يعملوا ببعض ما في التوراة فنزلت ولا تتبعوا خطوات الشيطان فان اتباع السنة أولى بعد ما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان وقيل : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان إنه لكم عدو مبين ظاهر العداوة وقد تقدم < < البقرة : ( 209 ) فإن زللتم من . . . . . > > < > ( البقره 209 ) <
> فإن زللتم أي تنحيتم عن طريق الاستقامة وأصل الزلل في القدم ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك يقال : زل يزل زلا وزللا وزلولا أي دحضت قدمه وقرأ أبو السمال العدوى زللتم بكسر اللام وهما لغتان وأصل الحرف من الزلق والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق من بعد ما جاءتكم البينات أي المعجزات وآيات القرآن إن كان الخطاب للمؤمنين فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الأعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به ومن لم تبلغه دعوة الاسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن فأقرأه الذي كان يعلمه ( فاعلموا أن الله غفور رحيم ) فقال كعب : إنى لأستنكر أن يكون هكذا ومر بهما رجل فقال كعب : كيف تقرأ هذه الآية فقال الرجل : فأعلموا أن الله عزيز حكيم فقال كعب : هكذا ينبغى وعزيز لا يمتنع عليه ما يريده حكيم فيما يفعله < < البقرة : ( 210 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > < > ( البقره 210 ) < > هل ينظرون يعني التاركين الدخول في السلم وهل يراد به هنا الجحد أي ما ينتظرون : إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة نظرته وانتظرته بمعنى والنظر الانتظار وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك في ظلال من الغمام وقرأ أبو جعفر والملائكة بالخفض عطفا على الغمام وتقديره مع الملائكة تقول العرب : أقبل الأمير في العسكر أي مع العسكر ظلل جمع ظلة في التكسير كظلمة وظلم وفى التسليم ظللات وأنشد سيبويه : إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر وقد كان أظهرا وظلات وظلال جمع ظل في الكثير والقليل أظلال ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلة مثل قوله : قلة وقلال كما قال الشاعر : ممزوجة بماء القلال قال الأخفش سعيد : والملائكة بالخفض بمعنى وفي الملائكة قال : والرفع أجود كما قال : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ) ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) قال الفراء : وفى قراءة عبد الله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام قال قتادة : الملائكة يعنى تأتيهم لقبض أرواحهم ويقال يوم القيامة وهو أظهر قال أبو العالية والربيع : تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام ويأتيهم الله فيما شاء وقال الزجاج : التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة وقيل : ليس الكلام على ظاهره في حقه سبحانه وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه وقيل : أي بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل مثل : ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) أي بخذلانه إياهم هذا قول الزجاج والأول قول الأخفش سعيد وقد يحتمل أن يكون معنى الأتيان راجعا إلى الجزاء فسمى الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ) وقال في قصة النضير : ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ) وقال : ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ) وإنما احتمل الأتيان هذه المعاني لأن أصل الأتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء فمعنى الآية : هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الافعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا وأفعاله بلا آلة ولا علة سبحانه وقال بن عباس فى رواية أبى صالح : هذا من المكتوم الذي لا يفسر وقد سكت بعضهم عن تأويلها وتأولها بعضهم كما ذكرنا وقيل : الفاء بمعنى الباء أي يأتيهم بظلل ومنه الحديث : ( يأتيهم الله في صورة ( أي بصورة امتحانا لهم ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرأن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام تعالى الله الكبير المتعال ذو الجلال والأكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا والغمام : السحاب الرقيق الأبيض سمى بذلك لأنه يغم أي يستر كما تقدم وقرأ معاذ بن جبل وقضاء الأمر وقرأ يحيى بن يعمر وقضى الأمور بالجمع والجمهور وقضى الأمر فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان وقرأ بن عامر وحمزة والكسائى ترجع الأمور على بناء الفعل للفاعل وهو الأصل دليله ( ألا إلى الله تصير الأمور ) ( إلى الله مرجعكم ) وقرأ الباقون ترجع على بنائه للمفعول وهى أيضا قراءة حسنة دليله ثم تردون ثم ردوا إلى الله ولئن رددت إلى ربي الكهف والقراءتان حسنتان بمعنى والأصل الأولى وبناؤه للمفعول توسع وفرع والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا < <
البقرة : ( 211 ) سل بني إسرائيل . . . . . > > < > ( البقره 211 ) < > قوله تعالى ( سل بني إسرائيل كم أتيناهم من آية بينة ) سل من السؤال : بتخفيف الهمزة فلما تحركت السين لم يحتج إلى ألف الوصل وقيل : إن للعرب في سقوط ألف الوصل في سل وثبوتها في واسأل وجهين : أحدهما حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى وجاء القرآن بهما فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها والوجه الثاني أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ مثل قوله : سل بنى إسرائيل وقوله : سلهم أيهم بذلك زعيم وثبت في العطف مثل قوله : واسأل القرية واسئلوا الله من فضله قاله على بن عيسى وقرأ أبو عمرو في رواية بن عباس عنه اسأل على الأصل وقرأ قوم اسل على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل على لغة من قال : الأحمر وكم في موضع نصب لأنها مفعول ثان لأتيناهم وقيل : بفعل مضمر تقديره كم آتينا اتيناهم ولا يجوز أن يتقدمها الفعل لأن لها صدر الكلام من آية في موضع نصب على التمييز على التقدير الأول وعلى الثانى مفعول ثان لأتيناهم ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر في أتيناهم ويصير فيه عائد على كم تقديره : كم آتيناهموه ولم يعرب وهى اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام وإذا فرقت بين كم وبين الاسم كان الأختيار أن تأتى بمن كما في هذه الآية فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر : كم بجود مقرف نال العلا وكريم بخله قد وضعه والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه قال مجاهد والحسن وغيرهما : يعنى الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ قوله تعالى : ( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته ) لفظ عام لجميع العامة وإن كان المشار إليه بنى إسرائيل لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى وقال الطبرى : النعمة هنا الاسلام وهذا قريب من الأول ويدخل فى اللفظ أيضا كفار قريش فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا قوله تعالى : ( فإن الله شديد العقاب ) خبر يتضمن الوعيد والعقاب مأخوذ من العقب كأن المعاقب يمشى بالمجازاة له في أثار عقبه ومنه عقبة الراكب وعقبة القدر فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه بذنبه < < البقرة : ( 212 ) زين للذين كفروا . . . . . > > < > ( البقره 212 ) <
> قوله تعالى : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) على ما لم يسم فاعله والمراد رؤساء قريش وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على بناء الفاعل قال النحاس : وهى قراءة شاذة لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر وقرأ بن أبي عبلة زينت بإظهار العلامة وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الأخرة بسببها وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها وقد قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه حين قدم عليه بالمال : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا قوله تعالى : ( ويسخرون من الذين آمنوا ) إشارة إلى كفار قريش فأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم قال بن جريج : في طلبهم الأخرة وقيل : لفقرهم وإقلالهم كبلال وصهيب وبن مسعود وغيرهم رضى الله عنهم فنبه سبحانه على خفض منزلتهم لقبيح فعلهم بقوله : والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة وروى علي أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم فضحه ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه إقامه الله تعالى على تل من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال فيه وإن عظم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من ملك مقرب وليس شيء أحب إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده ( ثم قيل : معنى والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة أي في الدرجة لأنهم في الجنة والكفار في النار ويحتمل أن يراد بالفوق المكان من حيث إن الجنة في السماء والنار في أسفل السافلين ويحتمل أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار فإنهم يقولون : وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم ومنه حديث خباب مع العاص بن وائل قال خباب : كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم قال فقلت له : إنى لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث قال : وإنى لمبعوث من بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد الحديث وسيأتي بتمامة إن شاء الله تعالى ويقال : سخرت منه وسخرت به وضحكت منه وضحكت به وهزئت منه وبه كل ذلك يقال حكاه الأخفش والاسم السخرية والسخرى والسخري وقرء بهما قوله تعالى : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا الزخرف ) وقوله : ( فاتخذتموهم سخريا ) ورجل سخرة يسخر منه وسخرة بفتح الخاء يسخر من الناس وفلان سخرة يتسخر في العمل يقال : خادمه سخرة وسخره تسخيرا كلفه عملا بلا أجرة قوله تعالى : ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) قال الضحاك : يعنى من غير تبعة في الآخرة وقيل : هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين أي يرزقهم علو المنزلة فالآية تنبيه على عظيم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب من حيث هو دائم لا يتناهى فهو لا ينعد وقيل : إن قوله بغير حساب صفة لرزق الله تعالى كيف يصرف إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد ففضله كله بغير حساب والذي بحساب ما كان على عمل قدمه العبد قال الله تعالى : ( جزاء من ربك عطاء حسابا ) والله أعلم ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتساب من المرزوقين كما قال : ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) < < البقرة : ( 213 ) كان الناس أمة . . . . . > > < > ( البقره 213 ) <
> قوله تعالى : كان الناس أمة واحدة أي على دين واحد قال أبى بن كعب وبن زيد : المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نسما من ظهر آدم فأقروا له بالوحدانية وقال مجاهد : الناس آدم وحده وسمى الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل وقيل : آدم وحواء وقال بن عباس وقتادة : المراد بالناس القرون التي كانت بين آدم ونوح وهى عشرة كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمن بعده وقال بن أبى خيثمة : منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة وقيل : أكثر من ذلك وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة وعاش آدم تسعمائة وستين سنة وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة متمسكين بالدين تصافحهم الملائكة وداموا على ذلك إلى أن رفع إدريس عليه السلام فاختلفوا وهذا فيه نظر لأن إدريس بعد نوح على الصحيح وقال قوم منهم الكلبى والواقدى : المراد نوح ومن فى السفينة وكانوا مسلمين ثم بعد وفاة نوح اختلفوا وقال بن عباس أيضا : كانوا أمة واحدة على الكفر يريد في مدة نوح حين بعثه الله وعنه أيضا : كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة كلهم كفار وولد إبراهيم في جاهلية فبعث الله تعالى إبراهيم وغيره من النبيين ف كان على هذه الأقوال على بابها من المضى المنقضى وكل من قدر الناس في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا فبعث ودل على هذا الحذف وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين من أطاع ومنذرين من عصى وكل من قدرهم كفارا كانت بعثة النبيين إليهم ويحتمل أن تكون كان للثبوت والمراد الأخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق لولا من الله عليهم وتفضله بالرسل إليهم فلا يختص كان على هذا التأويل بالمضي فقط بل معناه معنى قوله : وكان الله غفورا رحيما وأمة مأخوذة من قولهم : أممت كذا أي قصدته فمعنى أمة مقصدهم واحد ويقال للواحد : أمة أي مقصده غير مقصد الناس ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم في قس بن ساعدة : ( يحشر يوم القيامة أمة وحده ( وكذلك قال فى زيد بن عمرو بن نفيل والأمة القامة كأنها مقصد سائر البدن والإ مة ( بالكسر ) : النعمة لأن الناس يقصدون قصدها وقيل : إمام لأن الناس يقصدون قصد ما يفعل عن النحاس وقرأ أبى بن كعب : كان البشر أمة واحدة وقرأ بن مسعود ( كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث ) قوله تعالى : ( فبعث الله النبيين ) وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكورون في القران بالاسم العلم ثمانية عشر وأول الرسل آدم على ما جاء في حديث أبي ذر أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي وقيل : نوح لحديث الشفاعة فإن الناس يقولون له : أنت أول الرسل وقيل : إدريس وسيأتي بيان هذا في الأعراف إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( مبشرين ومنذرين ) نصب على الحال ( وأنزل معهم الكتاب ) اسم جنس بمعنى الكتب وقال الطبرى : الألف واللام في الكتاب للعهد والمراد التوراة وليحكم مسند إلى الكتاب في قول الجمهور وهو نصب بإضمار أن أي لأن يحكم وهو مجاز مثل ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) وقيل : أي ليحكم كل نبى بكتابه وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب وقراءة عاصم الجحدري ( ليحكم بين الناس ) على ما لم يسم فاعله وهي قراءة شاذة لأنه قد تقدم ذكر الكتاب وقيل : المعنى ليحكم الله والضمير في فيه عائد على ما من قوله : فيما والضمير في فيه الثانية يحتمل أن يعود على الكتاب أي وما اختلف في الكتاب إلا الذين أوتوه موضع الذين رفع بفعلهم وأوتوه بمعنى أعطوه وقيل : يعود على المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم قاله الزجاج أي وما اختلف في النبى عليه السلام إلا الذين أعطوا علمه بغيا بينهم نصب على المفعول له أي لم يختلفوا إلا للبغي وقد تقدم معناه وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم والقبح الذي واقعوه وهدى معناه أرشد أي فهدى الله أمة محمد إلى الحق بأن بين لهم ما اختلف فيه من كان قبلهم وقالت طائفة : معنى الآية أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض فهدى الله تعالى أمة محمد للتصديق بجميعها وقالت طائفة : إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين من قولهم : إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا وقال بن زيد وزيد بن أسلم : من قبلتهم فإن اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق ومن يوم الجمعة فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( هذا اليوم الذى اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غد وللنصارى بعد غد ( ومن صيامهم ومن جميع ما اختلفوا فيه وقال بن زيد واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لفرية وجعلته النصارى ربا فهدى الله المؤمنين بأن جعلوه عبد الله وقال الفراء : هو من المقلوب واختاره الطبري قال : وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق لما اختلفوا فيه قال بن عطية : ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه غير الحق في نفسه نحا إلى هذا الطبرى في حكايته عن الفراء وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ووصفه لأن قوله : فهدى يقتضى أنهم أصابوا الحق وتم المعنى في قوله : فيه وتبين بقوله : من الحق جنس ما وقع الخلاف فيه قال المهدوي : وقدم لفظ الاختلاف على لفظ الحق اهتماما إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف قال بن عطية : وليس هذا عندى بقوى وفي قراءة عبد الله بن مسعود لما اختلفوا عنه من الحق أي عن الاسلام و ( بأذنه ) قال الزجاج : معناه بعلمه قال النحاس : وهذا غلط والمعنى بأمره وإذا أذنت في الشيء فقد أمرت به أي فهدى الله الذين أمنوا بأن أمرهم بما يجب أن يستعملوه وفي قوله : والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم رد على المعتزلة في قولهم : إن العبد يستبد بهداية نفسه < <
البقرة : ( 214 ) أم حسبتم أن . . . . . > > < > ( 214 ) <
Questions
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?