Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Section V06/P588–V06/P590

وهذا في شعر طرفة بن العبد، في معلقته المشهورة، وهذا المذكور [هو عجز بيت] منها، أوله: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبع له بتاتا ولم تضرب له وقت موعد وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم -وكيل المتقي ببغداد-حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط، إلا بيتا واحدا. تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشيء كان إلا تحققا سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث، فقال: هو منكر. ولم يعرف شيخ الحاكم، ولا الضرير. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قيل لعائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله. فقال أبو بكر ليس هكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي". رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهذا لفظه. وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا إلا بيت طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل يقول: "من لم تزود بالأخبار". فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا. فقال: "إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي" وثبت في الصحيحين أنه، عليه الصلاة والسلام، تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة، ولكن تبعا لقول أصحابه، فإنهم يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون: لاهم لولا أنت ما اهتدينا ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع صوته بقوله: "أبينا" ويمدها . وقد روي هذا بزحاف في الصحيح أيضا. وكذلك ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب البغلة، يقدم بها في نحور العدو: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب لكن قالوا: هذا وقع اتفاقا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه. وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار فنكبت أصبعه، فقال: هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وسيأتي عند قوله تعالى: {إلا اللمم} [النجم: 32] إنشاد إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما وكل هذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم ما علم شعرا ولا ينبغي له؛ فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم، الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42] . وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال. وقد كانت سجيته صلى الله عليه وسلم تأبى صناعة الشعر طبعا وشرعا، كما رواه أبو داود قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول : [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول] : ما أبالي ما أوتيت إن أنا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي". تفرد به أبو داود.

Section V06/P590–V06/P592

وقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل قال: سألت عائشة: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامع عنده الشعر؟ فقالت: كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. وقال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا". تفرد به من هذا الوجه، وإسناده على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا بريد، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن عاصم بن مخلد، عن أبي الأشعث، الصنعاني (ح) وحدثنا الأشيب فقال: عن ابن عاصم، عن [أبي] الأشعث عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة". وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. والمراد بذلك نظمه لا إنشاده، والله أعلم. على أن الشعر فيه ما هو مشروع، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وأمثالهم وأضرابهم، رضي الله عنهم أجمعين. ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه النبي الله صلى الله عليه وسلم: "آمن شعره وكفر قلبه". وقد أنشد بعض الصحابة منه للنبي صلى الله عليه وسلم مائة بيت، يقول عقب كل بيت: "هيه". يعني يستطعمه، فيزيده من ذلك. وقد روى أبو داود من حديث أبي بن كعب، وبريدة بن الحصيب ، وعبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من البيان سحرا، وإن من الشعر حكما" . ولهذا قال تعالى: {وما علمناه الشعر} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ما علمه الله شعرا، {وما ينبغي له} أي: وما يصلح له، {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} أي: ما هذا الذي علمناه، {إلا ذكر وقرآن مبين} أي: بين واضح جلي لمن تأمله وتدبره. ولهذا قال: {لينذر من كان حيا} أي: لينذر هذا القرآن البين كل حي على وجه الأرض، كقوله: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وقال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب، مستنير البصيرة، كما قال قتادة: حي القلب، حي البصر. وقال الضحاك: يعني: عاقلا {ويحق القول على الكافرين} أي: هو رحمة للمؤمن، وحجة على الكافر. {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون } يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم، {فهم لها مالكون} : قال قتادة: مطيقون أي: جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه، وذاك ذليل منقاد معه. وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر، لسار الجميع بسير صغير. وقوله: {فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} أي: منها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، إلى سائر الجهات والأقطار. {ومنها يأكلون} إذا شاؤوا نحروا واجتزروا. {ولهم فيها منافع} أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، {ومشارب} أي: من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى، ونحو ذلك. {أفلا يشكرون} ؟ أي: أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره، ولا يشركون به غيره؟ {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } يقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى.

Section V06/P592–V06/P593

قال الله تعالى: {لا يستطيعون نصرهم} أي: لا تقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأقل وأذل وأحقر وأدخر، بل لا تقدر على الانتصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل. وقوله: {وهم لهم جند محضرون} : قال مجاهد: يعني: عند الحساب، يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة، محضرة عند حساب عابديها؛ ليكون ذلك أبلغ في خزيهم، وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم. وقال قتادة: {لا يستطيعون نصرهم} يعني: الآلهة، {وهم لهم جند محضرون} ، والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا، ولا تدفع عنهم سوءا، إنما هي أصنام. وهكذا قال الحسن البصري. وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير، رحمه الله. وقوله: {فلا يحزنك قولهم} أي: تكذيبهم لك وكفرهم بالله، {إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} أي: نحن نعلم جميع ما هم عليه، وسنجزيهم وصفهم ونعاملهم على ذلك، يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرا، ولا صغيرا ولا كبيرا، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديما وحديثا. {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } قال مجاهد، وعكرمة، وعروة بن الزبير، والسدي. وقتادة: جاء أبي بن خلف [لعنه الله] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم وهو يفتته ويذريه في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال: "نعم، يميتك الله تعالى ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار". ونزلت هذه الآيات من آخر "يس": {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} ، إلى آخرهن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، أن العاصى بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم". قال: ونزلت الآيات من آخر "يس". ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، فذكره ولم يذكر "ابن عباس" . وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن أبي بعظم ففته وذكر نحو ما تقدم. وهذا منكر؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبي بن سلول إنما كان بالمدينة. وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف، أو [في] العاص [بن وائل] ، أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث. والألف واللام في قوله: {أولم ير الإنسان} للجنس، يعم كل منكر للبعث. {أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} أي: أولم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال تعالى: {ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم} [المرسلات: 20-22] . وقال {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه} [الإنسان: 2] أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته؟ كما قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر ابن جحاش؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: "قال الله تعالى: ابن آدم، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟ ".

Section V06/P593–V06/P595

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن جرير بن عثمان، به . ولهذا قال: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} ؟ أي: استبعد إعادة الله تعالى -ذي القدرة العظيمة التي خلقت السموات والأرض-للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله خلقه من العدم، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده؛ ولهذا قال تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت، وأين تفرقت وتمزقت. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي قال: قال عقبة بن عمرو لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمعته يقول: "إن رجلا حضره الموت، فلما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا ثم أوقدوا فيه نارا، حتى إذا [أكلت] لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فدقوها فذروها في اليم. ففعلوا، فجمعه الله إليه فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك. فغفر الله له". فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذلك، وكان نباشا. وقد أخرجاه في الصحيحين، من حديث عبد الملك بن عمير، بألفاظ كثيرة منها: أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه، ثم يذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، في يوم رائح، أي: كثير الهواء -ففعلوا ذلك. فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن. فإذا هو رجل قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: مخافتك وأنت أعلم. فما تلافاه أن غفر له". وقوله: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} أي: الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا، توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء. قال قتادة في قوله: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه. وقيل: المراد بذلك سرح المرخ والعفار، ينبت في أرض الحجاز فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء. روي هذا عن ابن عباس، رضي الله عنهما . وفي المثل: لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا الغاب. {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلق السموات السبع، بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت، والأرضين السبع وما فيها من جبال ورمال، وبحار وقفار، وما بين ذلك، ومرشدا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة، كقوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] . وقال هاهنا: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} أي: مثل البشر، فيعيدهم كما بدأهم. قاله ابن جرير. وهذه الآية كقوله تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] ، وقال: {بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} أي: يأمر بالشيء أمرا واحدا، لا يحتاج إلى تكرار: إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له "كن" قولة فيكون

Section V06/P595–V06/P597

وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يقول: يا عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم. وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون". وقوله: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} أي: تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه ترجع العباد يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المتفضل. ومعنى قوله: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} كقوله عز وجل: {قل من بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88] ، وكقوله تعالى: {تبارك الذي بيده الملك} [الملك: 1] ، فالملك والملكوت واحد في المعنى، كرحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، وجبر وجبروت. ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجساد والملكوت هو عالم الأرواح، والأول هو الصحيح، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم. قال الإمام أحمد: حدثنا حماد، عن عبد الملك بن عمير، حدثني ابن عم لحذيفة، عن حذيفة -وهو ابن اليمان-رضي الله عنه، قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ السبع الطول في سبع ركعات، وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده". ثم قال: "الحمد لذي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي. وقد روى أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة -مولى الأنصار-عن رجل من بني عبس، عن حذيفة؛ أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، وكان يقول: "الله أكبر -ثلاثا -ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة". ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم". ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه نحوا من] ركوعه، يقول: " لربي الحمد". ثم سجد، فكان سجوده نحوا من] قيامه، وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى". ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده، وكان يقول: "رب، اغفر لي، رب اغفر لي". فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة -أو الأنعام --شك شعبة-هذا لفظ أبي داود. وقال النسائي: "أبو حمزة عندنا: طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة". كذا قال. والأشبه أن يكون ابن عم حذيفة، كما تقدم في رواية الإمام أحمد، [والله أعلم] . فأما رواية صلة بن زفر، عن حذيفة، فإنها في صحيح مسلم، ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ. قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة". ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة. ورواه الترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث معاوية بن صالح، به. ] آخر تفسير سورة "يس" ولله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا] تفسير سورة الصافات [وهي] مكية. قال النسائي: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا خالد -يعني ابن الحارث-عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات. تفرد به النسائي . بسم الله الرحمن الرحيم

Section V06/P597–V07/P006

{والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق } قال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه أنه قال: {والصافات صفا} وهي: الملائكة، {فالزاجرات زجرا} وهي: الملائكة، {فالتاليات ذكرا} هي: الملائكة. وكذا قال ابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس. قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء" . وقد روى مسلم أيضا، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ " قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: "يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف" . وقال السدي وغيره: معنى قوله {فالزاجرات زجرا} أنها تزجر السحاب. وقال الربيع بن أنس: {فالزاجرات زجرا} : ما زجر الله عنه في القرآن. وكذا روى مالك، عن زيد بن أسلم. {فالتاليات ذكرا} قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب، والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله تعالى: {فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا} [المرسلات:5، 6] . وقوله: {إن إلهكم لواحد} هذا هو المقسم عليه، أنه تعالى لا إله إلا هو {رب السموات والأرض وما بينهما} أي: من المخلوقات، {ورب المشارق} أي: هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت، وسيارات تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه. وقد صرح بذلك في قوله: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون} [المعارج:40] . وقال في الآية الأخرى: {رب المشرقين ورب المغربين} [الرحمن:17] يعني في الشتاء والصيف، للشمس والقمر. {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب } يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض {بزينة الكواكب} ، قرئ بالإضافة وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءها جرم السماء الشفاف، فتضيء لأهل الأرض، كما قال تعالى {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير} [الملك:5] ، وقال: {ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين} [الحجر:16-18] . وقوله ها هنا: {وحفظا} تقديره: وحفظناها حفظا، {من كل شيطان مارد} يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال: {لا يسمعون إلى الملإ الأعلى} أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ:23] ولهذا قال {ويقذفون} أي: يرمون {من كل جانب} أي: من كل جهة يقصدون السماء منها، {دحورا} أي:رجما يدحرون به ويزجرون، ويمنعون من الوصول إلى ذلك، {ولهم عذاب واصب} أي:في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر، كما قال: {وأعتدنا لهم عذاب السعير} [الملك:5] . وقوله: {إلا من خطف الخطفة} أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما تقدم في الحديث، ولهذا قال: {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} أي: مستنير.

Section V07/P006–V07/P007

قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء فكانوا يستمعون الوحي. قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا ترمى قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا. قال: فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه. قال: فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هو إلا من أمر حدث. قال: فبث جنوده، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين جبلي نخلة -قال وكيع: يعني بطن نخلة-قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث. وستأتي الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن:8-10] . {فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون } يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث: أيما أشد خلقا هم أم السماوات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ -وقرأ ابن مسعود: "أم من عددنا"-فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا . كما قال تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر:57] ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف، فقال {إنا خلقناهم من طين لازب} قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك: هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض. وقال ابن عباس، وعكرمة: هو اللزج. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد. وقوله: {بل عجبت ويسخرون} أي: بل عجبت -يا محمد-من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها. وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك. قال قتادة: عجب محمد صلى الله عليه وسلم، وسخر ضلال بني آدم. {وإذا رأوا آية} أي: دلالة واضحة على ذلك {يستسخرون} قال مجاهد وقتادة: يستهزئون. {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} أي:إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين، {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون، أوآباؤنا الأولون} يستبعدون ذلك ويكذبون به، {قل نعم وأنتم داخرون} أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما، {وأنتم داخرون} أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى {وكل أتوه داخرين} [النمل:87] ، وقال: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60] . ثم قال: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون} أي: إنما هو أمر واحد من الله عز وجل، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم [قيام] بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة. {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون } {ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون }

Section V07/P007–V07/P009

يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم، {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} . فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} . وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال النعمان بن بشير رضي الله عنه، يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد، والسدي، وأبو صالح، وأبو العالية، وزيد بن أسلم [وغيرهم] . وقال سفيان الثوري، عن سماك، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال إخوانهم: . وقال شريك، عن سماك، عن النعمان قال: سمعت عمر يقول {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال:أشباههم قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزنا مع أصحاب الزنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس: {أزواجهم} : نساءهم. وهذا غريب، والمعروف عنه الأول، كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير، عنه: {أزواجهم} :قرناءهم . "وما كانوا يعبدون من دون الله" أي: من الأصنام والأنداد، تحشر معهم في أماكنهم. وقوله: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم، وهذا كقوله تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء:97] . وقوله: {وقفوهم إنهم مسئولون} أي: قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك، عن ابن عباس: يعني احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت ليثا يحدث عن بشر، عن أنس بن مالك [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلا"، ثم قرأ: {وقفوهم إنهم مسئولون} . ورواه الترمذي، من حديث ليث بن أبي سليم. ورواه ابن جرير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر، عن ليث، عن رجل، عن أنس مرفوعا . وقال عبد الله بن المبارك: سمعت عثمان بن زائدة يقول: إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: {ما لكم لا تناصرون} أي: كما زعمتم أنكم جميع منتصر، {بل هم اليوم مستسلمون} أي: منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه. { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين } يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دركات النار، {فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار. قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [غافر:47، 48] . وقال: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين. قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [سبأ:31-33] . قالوا لهم ههنا: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال الضحاك، عن ابن عباس: يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء.

Section V07/P009–V07/P011

وقال مجاهد: يعني: عن الحق، الكفار تقوله للشياطين. وقال قتادة: قالت الإنس للجن: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال: من قبل الخير، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه. وقال السدي تأتوننا [عن اليمين] من قبل الحق، تزينون لنا الباطل، وتصدونا عن الحق. وقال الحسن في قوله: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} إي والله، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه. وقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به. وقال يزيد الرشك: من قبل "لا إله إلا الله". وقال خصيف: يعنون من قبل ميامنهم. وقال عكرمة {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} ، قال: من حيث نأمنكم. وقوله: {قالوا بل لم تكونوا مؤمنين} تقول القادة من الجن، والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون؟ بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، {وما كان لنا عليكم من سلطان} أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، {بل كنتم قوما طاغين} أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم. {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين} ، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله : إنا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة، {فأغويناكم} أي: دعوناكم إلى الضلالة، {إنا كنا غاوين} أي: دعوناكم إلى ما نحن فيه، فاستجبتم لنا، قال الله تعالى: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} أي: الجميع في النار، كل بحسبه، {إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا} أي: في الدار الدنيا {إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي: يستكبرون أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مسافر -يعني عبد الرحمن بن خالد-عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله، وأنزل الله في كتابه -وذكر قوما استكبروا-فقال: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} . وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: الله وعزيرا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله" فيستكبرون. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال -قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير-قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله. فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتعرف لهم تبارك وتعالى، وينجي الله المؤمنين. {ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول [هذا] الشاعر المجنون، يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال الله تعالى تكذيبا لهم، وردا عليهم: {بل جاء بالحق} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق في جميع شرعة الله له من الإخبار والطلب، {وصدق المرسلين} أي: صدقهم فيما أخبروه عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله في شرعه [وقدره] وأمره كما أخبروا، {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} الآية [فصلت:43] .

Section V07/P011–V07/P013

{إنكم لذائقو العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون } يقول تعالى مخاطبا للناس: {إنكم لذائقو العذاب الأليم. وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين، كما قال تعالى {والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر:1-3] . وقال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [التين:4-6] ، وقال: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم:71، 72] ، وقال: {كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين} [المدثر:38، 39] ولهذا قال هاهنا: {إلا عباد الله المخلصين} أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم، إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف. وقوله: {أولئك لهم رزق معلوم} قال قتادة، والسدي: يعني الجنة. ثم فسره بقوله تعالى {فواكه} أي: متنوعة {وهم مكرمون} أي: يخدمون [ويرزقون] ويرفهون وينعمون، {في جنات النعيم. على سرر متقابلين} قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية {على سرر متقابلين} ينظر بعضهم إلى بعض. حديث غريب . وقوله {يطاف عليهم بكأس من معين. بيضاء لذة للشاربين. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} ، كما قال في الآية الأخرى: {يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق وكأس من معين. لا يصدعون عنها ولا ينزفون} [الواقعة:17-19] فنزه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا، من صداع الرأس ووجع البطن -وهو الغول-وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى هاهنا: {يطاف عليهم بكأس من معين} أي: بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها. قال مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء، أي: لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم. وقوله عز وجل: {لذة للشاربين} أي طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك. وقوله: {لا فيها غول} يعني: لا تؤثر فيهم غولا -وهو وجع البطن. قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد-كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه، لكثرة مائيتها. وقيل: المراد بالغول هاهنا: صداع الرأس. وروي هكذا عن ابن عباس. وقال قتادة: هو صداع الرأس، ووجع البطن. وعنه، وعن السدي: لا تغتال عقولهم، كما قال الشاعر: فما زالت الكأس تغتالنا وتذهب بالأول الأول وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى. والصحيح قول مجاهد: إنه وجع البطن. وقوله: {ولا هم عنها ينزفون} قال مجاهد: لا تذهب عقولهم، وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب، والحسن، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، والسدي، وغيرهم. وقال الضحاك، عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال، كما ذكر في سورة "الصافات" . وقوله: {وعندهم قاصرات الطرف} أي: عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. كذا قال ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وقتادة، والسدي، وغيرهم.

Section V07/P013–V07/P014

وقوله {عين} أي: حسان الأعين. وقيل: ضخام الأعين. هو يرجع إلى الأول، وهي النجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف حين جملته وأخرجته على تلك النسوة، فأعظمنه وأكبرنه، وظنن أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره، قالت: {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف:32] أي: هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، [فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن] . وهكذا الحور العين {خيرات حسان} [الرحمن:70] ، ولهذا قال: {وعندهم قاصرات الطرف عين} وقوله: {كأنهن بيض مكنون} وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: {كأنهن بيض مكنون} يقول: اللؤلؤ المكنون. وينشد هاهنا بيت أبي دهبل الشاعر في قصيدة له: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغو اص ميزت من جوهر مكنون وقال الحسن: {كأنهن بيض مكنون} يعني: محصون لم تمسه الأيدي. وقال السدي: البيض في عشه مكنون. وقال سعيد بن جبير: { [كأنهن] بيض مكنون} ، يعني: بطن البيض . وقال عطاء الخراساني: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة. وقال السدي: {كأنهن بيض مكنون} يقول: بياض البيض حين ينزع قشره. واختاره ابن جرير لقوله: {مكنون} ، قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي، عن عمرو بن هاشم، عن ابن أبي كريمة، عن هشام، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة رضي الله عنها، قلت : يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: {كأنهن بيض مكنون} قال: "رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة، التي تلي القشر وهي الغرقئ" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا أبو غسان النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي عز وجل ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهن البيض المكنون -أو: اللؤلؤ المكنون" . {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين } {يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون } . يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها؟ وذلك من حديثهم على شرابهم، واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم، من مآكل ومشارب وملابس، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {قال قائل منهم إني كان لي قرين} قال مجاهد: يعني شيطانا. وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الرجل المشرك، يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا.

Section V07/P014–V07/P015

ولا تنافي بين كلام مجاهد، وابن عباس؛ فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس فيقول كلاما تسمعه الأذنان، وكلاهما متعاديان، قال الله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام:112] وكل منهما يوسوس، كما قال تعالى: { [قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس] . من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس} [سورة الناس] . ولهذا {قال قائل منهم إني كان لي قرين. يقول أئنك لمن المصدقين} أي: أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء؟! يعني: يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد، والكفر والعناد. {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون} قال مجاهد، والسدي: لمحاسبون؟ وقال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي: لمجزيون بأعمالنا؟. قال: {قال هل أنتم مطلعون} أي:مشرفون. يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة. {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وخليد العصري وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني [وغيرهم] يعني في وسط الجحيم. وقال الحسن البصري: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد. وقال قتادة: ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر لنا أن كعب الأحبار قال: في الجنة كوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها، فازداد شكرا. {قال تالله إن كدت لتردين} يقول المؤمن مخاطبا للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك. {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} أي: ولولا فضل الله علي لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنه تفضل [علي] ورحمني فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف:43] . وقوله: {أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} هذا من كلام المؤمن مغبطا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة، لا موت فيها ولا عذاب؛ ولهذا قال: {إن هذا لهو الفوز العظيم} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما، في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} [الطور:19] ، قال ابن عباس، رضي الله عنهما: قوله: {هنيئا} أي: لا يموتون فيها. فعندها قالوا: {أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: {أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} ، قيل [لهم] : لا. قالوا: {إن هذا لهو الفوز العظيم} وقوله: {لمثل هذا فليعمل العاملون} قال قتادة: هذا من كلام أهل الجنة. وقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا، ليصيروا إليه في الآخرة . وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل، تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة.

Section V07/P015–V07/P016

قال أبو جعفر بن جرير: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله: {إني كان لي قرين} قال: إن رجلين كانا شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة، والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة، ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه وفارقه، ثم إن الرجل اشترى دارا بألف دينار كانت لملك، مات، فدعا صاحبه فأراه فقال: كيف ترى هذه الدار؟ ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها! فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك دارا من دور الجنة، فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار، فدعاه وصنع له طعاما. فلما أتاه قال: إني تزوجت امرأة بألف دينار. قال: ما أحسن هذا! فلما انصرف قال: يا رب، إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة من الحور العين. فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث. ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه فأراه فقال: إني ابتعت هذين البستانين. فقال: ما أحسن هذا! فلما خرج قال: يا رب، إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين في الجنة. فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق، فأدخله دارا تعجبه، وإذا امرأة تطلع يضيء ما تحتها من حسنها، ثم أدخله بستانين وشيئا الله به عليم، فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا. قال: فإنه ذاك، ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة. قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين؟ قيل له: فإنه في الجحيم. قال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم. فقال عند ذلك: {تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} الآيات. قال ابن جرير: وهذا يقوي قراءة من قرأ: "أئنك لمن المصدقين" بالتشديد.

Section V07/P016–V07/P017

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار أبو حفص قال: سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية: {قال قائل منهم إني كان لي قرين. يقول أئنك لمن المصدقين} ? قال: فقال لي: ما ذكرك هذا؟ قلت: قرأته آنفا فأحببت أن أسألك عنه؟ فقال: أما فاحفظ، كان شريكان في بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت به شيئا؟ أتجرت به في شيء؟ فقال له المؤمن: لا فما صنعت أنت؟ فقال: اشتريت به أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا قال: فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم إن فلانا -يعني شريكه الكافر-اشترى أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار، ثم يموت غدا ويتركها، اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا في الجنة. قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين. قال: ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا فما صنعت أنت. قال: كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها، فاشتريت رقيقا بألف دينار، يقومون بي فيها، ويعملون لي فيها. فقال له المؤمن: أوفعلت؟ قال: نعم. قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم إن فلانا -يعني شريكه الكافر-اشترى رقيقا من رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غدا ويتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم، وإني أشتري منك بهذه الألف الدينار رقيقا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين. قال: ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال لا فما صنعت أنت؟ قال: أمري كله قد تم إلا شيئا واحدا، فلانة قد مات عنها زوجها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها. فقال له المؤمن: أوفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية، فوضعها بين يديه، وقال: اللهم إن فلانا -يعني شريكه الكافر-تزوج زوجة من أزواج الدنيا فيموت غدا فيتركها، أو يموت فتتركه، اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة. ثم أصبح فقسمها بين المساكين. قال: فبقي المؤمن ليس عنده شيء. قال: فلبس قميصا من قطن، وكساء من صوف، ثم أخذ مرا فجعله على رقبته، يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته. قال: فجاءه رجل فقال: يا عبد الله، أتؤاجرني نفسك مشاهرة، شهرا بشهر، تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سرقينها؟ قال: نعم. قال: فواجره نفسه مشاهرة، شهرا بشهر، يقوم على دوابه. قال: فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة، أخذ برأسه فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة؟ فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال: لآتين شريكي الكافر، فلأعملن في أرضه فيطعمني هذه الكسرة يوما ، ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: فانطلق يريده، فلما انتهى إلى بابه وهو ممس، فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون فقال لهم: استأذنوا لي صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سره ذلك، فقالوا له: انطلق إن كنت صادقا فنم في ناحية، فإذا أصبحت فتعرض له. قال: فانطلق المؤمن، فألقى نصف كسائه تحته، ونصفه فوقه، ثم نام. فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له، فخرج شريكه الكافر وهو راكب، فلما رآه عرفه فوقف عليه وسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟ قال: بلى وهذه حالي وهذه حالك. قال: أخبرني ما صنعت في مالك؟ قال: لا تسألني عنه. قال: فما جاء بك؟

Section V07/P017–V07/P018

قال: جئت أعمل في أرضك هذه، فتطعمني هذه الكسرة يوما بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: لا ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا، ولكن لا ترى مني خيرا حتى تخبرني ما صنعت في مالك؟ قال: أقرضته: قال: من؟ قال: المليء الوفي. قال: من؟ قال: الله ربي. قال: وهو مصافحه فانتزع يده من يده، ثم قال: {أئنك لمن المصدقين. أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون} -قال السدي: محاسبون-قال: فانطلق الكافر وتركه. قال: فلما رآه المؤمن ليس يلوي عليه، رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. قال: فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله المؤمن الجنة، يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار، فيقول: لمن هذا ؟ فيقال: هذا لك. فيقول: يا سبحان الله! أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك. فيقول: يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك. فيقول: يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول: {إني كان لي قرين. يقول أئنك لمن المصدقين. أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون} قال: فالجنة عالية، والنار هاوية. قال:فيريه الله شريكه في وسط الجحيم، من بين أهل النار، فإذا رآه المؤمن عرفه، فيقول {تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين. أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. إن هذا لهو الفوز العظيم. لمثل هذا فليعمل العاملون} بمثل ما من عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة، فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة، أشد عليه من الموت .

Section V07/P018–V07/P020

{أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } يقول الله تعالى: أهذا الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ -خير ضيافة وعطاء {أم شجرة الزقوم} ? أي: التي في جهنم. وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة، كما قال بعضهم من أنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن. وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر، يقال له: الزقوم، كقوله تعالى: {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} [المؤمنون:20] ، يعني الزيتونة. ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون. لآكلون من شجر من زقوم} [الواقعة:51، 52] . وقوله: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} ، قال قتادة: ذكرت شجرة الزقوم، فافتتن بها أهل الضلالة، وقالوا: صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله عز وجل:: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} غذت من النار، ومنها خلقت. وقال مجاهد: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} قال أبو جهل -لعنه الله-: إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه. قلت: ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا تختبر به الناس، من يصدق منهم ممن يكذب، كقوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} [الإسراء:60] . وقوله: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} أي: أصل منبتها في قرار النار، {طلعها كأنه رءوس الشياطين} تبشيع [لها] وتكريه لذكرها. قال وهب بن منبه: شعور الشياطين قائمة إلى السماء. وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين؛ لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر. وقيل: المراد بذلك ضرب من الحيات، رءوسها بشعة المنظر. وقيل: جنس من النبات، طلعه في غاية الفحاشة. وفي هذين الاحتمالين نظر، وقد ذكرهما ابن جرير، والأول أقوى وأولى، والله أعلم. وقوله: {فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون} ، ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها، لأنهم لا يجدون إلا إياها، وما في معناها، كما قال [تعالى] : {ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من جوع} [الغاشية:6، 7] . وقال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، وقال: "اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ ". ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث شعبة، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقوله تعالى: {ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم} قال ابن عباس: يعني شرب الحميم على الزقوم. وقال في رواية عنه: {شوبا من حميم} مزجا من حميم. وقال غيره: يعني يمزج لهم الحميم بصديد وغساق، مما يسيل من فروجهم وعيونهم. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، حدثنا بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، أخبرني عبيد بن بسر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول:"يقرب -يعني إلى أهل النار-ماء فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه. فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره" .

Section V07/P020–V07/P022

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا يعقوب بن عبد الله، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير قال: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم [فيها] . فلو أن مارا يمر بهم يعرفهم لعرف وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل -وهو الذي قد انتهى حره-فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ويصهر ما في بطونهم، فيمشون تسيل أمعاؤهم وتتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله، يدعون بالثبور. وقوله: {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} أي: ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في هذا، كما قال تعالى: {يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن:44] . هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية، وهو تفسير حسن قوي. وقال السدي في قراءة عبد الله: "ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم" وكان عبد الله يقول: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ثم قرأ: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} [الفرقان:24] . وروى الثوري، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء. قال سفيان: أراه، ثم قرأ: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} ، ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم". قلت: على هذا التفسير تكون "ثم" عاطفة لخبر على خبر. وقوله: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} أي: إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك، من غير دليل ولا برهان؛ ولهذا قال: {فهم على آثارهم يهرعون} قال مجاهد: شبيهة بالهرولة. وقال سعيد بن جبير: يسفهون. {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد الله المخلصين } يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى. وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين، ينذرون بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته، ممن كفر به وعبد غيره، وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم. فأهلك المكذبين ودمرهم، ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم، ولهذا قال: {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين. إلا عباد الله المخلصين} {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } {وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين } لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة، شرع يبين ذلك مفصلا فذكر نوحا، عليه السلام، وما لقي من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة، [فإنه] لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نفرة، فدعى ربه أني مغلوب فانتصر، فغضب الله لغضبه عليهم؛ ولهذا قال: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} أي: فلنعم المجيبون له. {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} ، وهو التكذيب والأذى، {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال: الناس كلهم من ذرية نوح [عليه السلام] . وقد روى الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال: "سام، وحام ويافث". وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة؛ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم". ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد -وهو ابن أبي عروبة- عن قتادة، به .

Section V07/P022–V07/P024

قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: وقد روي عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. والمراد بالروم هاهنا: هم الروم الأول، وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح، عليه السلام. ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح عليه السلام ثلاثة: سام وحام ويافث، وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة، فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام القبط والسودان والبربر. وروي عن وهب بن منبه نحو هذا، والله أعلم. وقوله: {وتركنا عليه في الآخرين} ، قال ابن عباس: يذكر بخير. وقال مجاهد: يعني لسان صدق للأنبياء كلهم. وقال قتادة والسدي: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين. قال الضحاك: السلام والثناء الحسن. وقوله تعالى: {سلام على نوح في العالمين} مفسر لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم. {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله، نجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك. ثم قال: {إنه من عبادنا المؤمنين} أي المصدقين الموحدين الموقنين، {ثم أغرقنا الآخرين} أي: أهلكناهم، فلم تبق منهم عين تطرف، ولا ذكر لهم ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة. {وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وإن من شيعته لإبراهيم} يقول: من أهل دينه. وقال مجاهد: على منهاجه وسنته. {إذ جاء ربه بقلب سليم} قال ابن عباس: يعني شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن عوف: قلت لمحمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال الحسن: سليم من الشرك، وقال عروة: لا يكون لعانا. وقوله: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} : أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال: {أئفكا آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين} قال قتادة: [يعني] : ما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم غيره؟! {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين } إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر، فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، {فتولوا عنه مدبرين} قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم: يعني قتادة: أنه نظر في السماء متفكرا فيما يلهيهم به، فقال: {إني سقيم} أي: ضعيف. فأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لم يكذب إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله، قوله: {إني سقيم} ، وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 62] ، وقوله في سارة: هي أختي" فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ، ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلا وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزا، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: "إن [في] المعاريض لمندوحة عن الكذب"

Section V07/P024–V07/P025

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال: "ما منها كلمة إلا ما حمل بها عن دين الله تعالى، فقال: {إني سقيم} ، وقال {بل فعله كبيرهم} ، وقال للملك حين أراد المرأة: هي أختي" . قال سفيان في قوله: {إني سقيم} يعني: طعين. وكانوا يفرون من المطعون، فأراد أن يخلو بآلهتهم. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: {فنظر نظرة في النجوم. فقال إني سقيم} ، فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج. فقال: إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون. وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: رأى نجما طلع فقال: {إني سقيم} كابد نبي الله عن دينه {فقال إني سقيم} . وقال آخرون: فقال : {إني سقيم} بالنسبة إلى ما يستقبل، يعني: مرض الموت. وقيل: أراد {إني سقيم} أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله عز وجل. وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، فأرادوه على الخروج، فاضطجع على ظهره وقال: {إني سقيم} ، وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها. رواه ابن أبي حاتم. ولهذا قال تعالى: {فتولوا عنه مدبرين} أي: إلى عيدهم، {فراغ إلى آلهتهم} أي: ذهب إليها بعد أن خرجوا في سرعة واختفاء، {فقال ألا تأكلون} ، وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتبرك لهم فيه. قال السدي: دخل إبراهيم، عليه السلام إلى بيت الآلهة، فإذا هم في بهو عظيم، وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه [صنم آخر] أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما وضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد بركت الآلهة في طعامنا أكلناه، فلما نظر إبراهيم، عليه والسلام، إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: {ألا تأكلون. ما لكم لا تنطقون} ؟! وقوله: {فراغ عليهم ضربا باليمين} : قال الفراء: معناه مال عليهم ضربا باليمين. وقال قتادة والجوهري: فأقبل عليهم ضربا باليمين. وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى؛ ولهذا تركهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، كما تقدم في سورة الأنبياء تفسير ذلك. قوله هاهنا: {فأقبلوا إليه يزفون} : قال مجاهد وغير واحد: أي يسرعون. وهذه القصة هاهنا مختصرة، وفي سورة الأنبياء مبسوطة، فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم، عليه السلام، هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم، فقال: {أتعبدون ما تنحتون} ؟! أي: أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟! {والله خلقكم وما تعملون} يحتمل أن تكون "ما" مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى "الذي" تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب "أفعال العباد"، عن علي بن المديني، عن مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة مرفوعا قال: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" . وقرأ بعضهم: {والله خلقكم وما تعملون} فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر، فقالوا: {ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم} وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء، ونجاه الله من النار وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها؛ ولهذا قال تعالى: {فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين}

Section V07/P025–V07/P027

{وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم [عليه السلام] : إنه بعد ما نصره الله على قومه وأيس من إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم، وقال: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين} يعني: أولادا مطيعين عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم. قال الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم، عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل ولد ولإبراهيم، عليه السلام، ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة. وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فأقحموا هاهنا كذبا وبهتانا "إسحاق"، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا "إسحاق" لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب مكة وهذا تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال: "وحيد" إلا لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلما من غير حجة. وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} . ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: {إنا نبشرك بغلام عليم} [الحجر:53] . وقال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود:71] ، أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل. وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله [تعالى] قد وعدهما بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا، وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام. وقوله: {فلما بلغ معه السعي} أي: كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه. وقد كان إبراهيم، عليه السلام، يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد "فاران" وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعا إلى هناك، فالله أعلم. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وزيد بن أسلم، وغيرهم: {فلما بلغ معه السعي} يعني: شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل، {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثم تلا هذه الآية: {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو عبد الملك الكرندي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رؤيا الأنبياء في المنام وحي" ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه .

Questions