İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه. {قال يا أبت افعل ما تؤمر} أي: امض لما أمرك الله من ذبحي، {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل. وصدق، صلوات الله وسلامه عليه، فيما وعد؛ ولهذا قال الله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا} [مريم:54، 55] . قال الله تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين} أي: فلما تشهدا وذكرا الله تعالى إبراهيم على الذبح والولد على شهادة الموت. وقيل: {أسلما} ، [يعني] : استسلما وانقادا؛ إبراهيم امتثل أمر الله، وإسماعيل طاعة الله وأبيه. قاله مجاهد، وعكرمة والسدي، وقتادة، وابن إسحاق، وغيرهم. ومعنى {وتله للجبين} أي: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه، ليكون أهون عليه، قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة: {وتله للجبين} : أكبه على وجهه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس أنه قال: لما أمر إبراهيم بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، وثم تله للجبين، وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال له: يا أبت، إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه. فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} ، فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين. قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتبع ذلك الضرب من الكباش. وذكر تمام الحديث في "المناسك" بطوله . ثم رواه أحمد بطوله عن يونس، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، فذكر نحوه إلا أنه قال: "إسحاق" . فعن ابن عباس في تسمية الذبيح روايتان، والأظهر عنه إسماعيل، لما سيأتي بيانه. وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن جعفر بن إياس، عن ابن عباس في قوله: {وفديناه بذبح عظيم} قال: خرج عليه كبش من الجنة. قد رعى قبل ذلك أربعين خريفا، فأرسل إبراهيم ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات فأفلته عندها، فجاء الجمرة الوسطى فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها. ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة قد حش ، يعني: يبس.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرنا القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل كعب يحدث عن الكتب، فقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". فقال له كعب: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: فداك أبي وأمي -أو: فداه أبي وأمي-أفلا أخبرك عن إبراهيم عليه السلام؟ إنه لما أري ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدا. فخرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان فدخل على سارة، فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجته. قال: لم يغد لحاجة، وإنما ذهب به ليذبحه. قالت: ولم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فقد أحسن أن يطيع ربه. فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته. قال: إنه لا يذهب بك لحاجة، ولكنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم يذبحني؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال: فوالله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن. قال: فيئس منه فلحق بإبراهيم، فقال: أين غدوت بابنك؟ قال لحاجة. قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنما غدوت به لتذبحه قال: ولم أذبحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك. قال: فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن. قال: فتركه ويئس أن يطاع . وقد رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره، أن كعبا قال لأبي هريرة ... فذكره بطوله، وقال في آخره: وأوحى الله إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها. قال إسحاق: اللهم، إني أدعو أن تستجيب لي: أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين، لا يشرك بك شيئا، فأدخله الجنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، وبين أن أختبئ شفاعتي، فاختبأت شفاعتي، ورجوت أن تكفر الجم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا إسحاق، سل تعطه. فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئا فاغفر له وأدخله الجنة". هذا حديث غريب منكر . وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة، وهي قوله: "إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق" إلى آخره، والله أعلم. فهذا إن كان محفوظا فالأشبه أن السياق إنما هو عن "إسماعيل"، وإنما حرفوه بإسحاق؛ حسدا منهم كما تقدم، وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة، حيث كان إسماعيل لا إسحاق [عليهما السلام] ، فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام. وقوله تعالى: {وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا} أي: قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح وذكر السدي وغيره أنه أمر السكين على رقبته فلم تقطع شيئا، بل حال بينها وبينه صفيحة من نحاس ونودي إبراهيم، عليه السلام، عند ذلك: {قد صدقت الرؤيا} وقوله: {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجا ومخرجا، كقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} [الطلاق:2، 3] .
وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل، خلافا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة، لأن الله تعالى شرع لإبراهيم ذبح ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: {إن هذا لهو البلاء المبين} أي: الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله، منقادا لطاعته؛ ولهذا قال تعالى: {وإبراهيم الذي وفى} [النجم:37] . وقوله: {وفديناه بذبح عظيم} قال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن أبي الطفيل، عن علي، رضي الله عنه: {وفديناه بذبح عظيم} قال: بكبش أبيض أعين أقرن، قد ربط بسمرة -قال أبو الطفيل وجدوه مربوطا بسمرة في ثبير وقال الثوري أيضا، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا داود العطار، عن ابن خثيم ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء ابنه، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء، فذبحه، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزونا حتى فدي به إسحاق. وروي أيضا عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير، وكان عليه عهن أحمر. وعن الحسن البصري: أنه كان اسم كبش إبراهيم: جرير. وقال ابن جريج: قال عبيد بن عمير: ذبحه بالمقام. وقال مجاهد: ذبحه بمنى عند المنحر . وقال هشيم، عن سيار، عن عكرمة؛ أن ابن عباس كان أفتى الذي جعل عليه نذرا أن ينحر نفسه، فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك: لو كنت أفتيته بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا، فإن الله تعالى قال في كتابه: {وفديناه بذبح عظيم} والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فدي بكبش. وقال الثوري، عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: {وفديناه بذبح عظيم} قال: وعل. وقال محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى، أهبط عليه من ثبير . وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا منصور، عن خاله مسافع ، عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم -ولدت عامة أهل دارنا- أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة -وقال مرة: إنها سألت عثمان: لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: قال: "إني كنت رأيت قرني الكبش، حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما، فخمرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي". قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت، فاحترقا . وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل، عليه السلام، فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل، إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم. فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟: ذكر من قال: هو إسحاق [عليه السلام] : قال حمزة الزيات، عن أبي ميسرة، رحمه الله، قال: قال يوسف، عليه السلام، للملك في وجهه: ترغب أن تأكل معي، وأنا -والله-يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله. وقال الثوري، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل: إن يوسف، عليه السلام، قال للملك كذلك أيضا. وقال سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: "قال موسى: يا رب، يقولون: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه. وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود. وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن".
وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود فقال: أنا فلان بن فلان، ابن الأشياخ الكرام. فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله [صلوات الله وسلامه عليهم] . وهذا صحيح إلى ابن مسعود، وكذا روى عكرمة، عن ابن عباس أنه إسحاق. وعن أبيه العباس، وعلي بن أبي طالب مثل ذلك. وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وعبيد بن عمير، وأبو ميسرة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن شقيق، والزهري، والقاسم بن أبي بزة، ومكحول، وعثمان بن حاضر، والسدي، والحسن، وقتادة، وأبو الهذيل، وابن سابط. وهو اختيار ابن جرير. وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق. وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سفيان بن العلاء، بن جارية ، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أنه قال: هو إسحاق . وهذه الأقوال -والله أعلم-كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر، رضي الله عنه عن كتبه، فربما استمع له عمر، رضي الله عنه، فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا عنه غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة -والله أعلم-حاجة إلى حرف واحد مما عنده. وقد حكى البغوي هذا القول بأنه إسحاق عن عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، ومن التابعين عن كعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، ومقاتل، وعطاء، والزهري، والسدي -قال: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس . وقد ورد في ذلك حديث -لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين، ولكن لم يصح سنده-قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال: هو إسحاق . ففي إسناده ضعيفان ، وهما الحسن بن دينار البصري، متروك. وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحدث. وقد رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، به مرفوعا. . ثم قال: قد رواه مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس قوله، وهذا أشبه وأصح. [ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل -عليه السلام-وهو الصحيح المقطوع به] . قد تقدمت الرواية عن ابن عباس أنه إسحاق. قال سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وعطاء، وغير واحد، عن ابن عباس، هو إسماعيل عليه لسلام. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال: المفدى إسماعيل، عليه السلام، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود . وقال إسرائيل، عن ثور، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: الذبيح إسماعيل. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو إسماعيل. وكذا قال يوسف بن مهران. وقال الشعبي: هو إسماعيل، عليه السلام، وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة. وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري: أنه كان لا يشك في ذلك: أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل. قال ابن إسحاق: وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل. وإنا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك أن الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} . يقول الله تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} ، يقول بابن وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من [الله] الموعد بما وعده ، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل.
وقال ابن إسحاق، عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم؛ أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك -قال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز-فقال له عمر: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، بكون إسحاق أبوهم، والله أعلم أيهما كان، وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله عز وجل. وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: سألت أبي عن الذبيح، من هو؟ إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل. ذكره في كتاب الزهد. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل، عليه السلام. قال: وروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل. وقال البغوي في تفسيره: وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، والسدي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وهو رواية عن ابن عباس، وحكاه أيضا عن أبي عمرو بن العلاء . وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا فقال: حدثني محمد بن عمار الرازي، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبيد الله بن محمد العتبي -من ولد عتبة بن أبي سفيان-عن أبيه: حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟ فقال على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها عليه، ليذبحن أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإبل. ففداه بمائة من الإبل، وإسماعيل الثاني . وهذا حديث غريب جدا. وقد رواه الأموي في مغازيه: حدثنا بعض أصحابنا، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي -من ولد عتبة بن أبي سفيان-حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، وذكره. كذا كتبته من نسخة مغلوطة . وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى:: {فبشرناه بغلام حليم} ، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله: {وبشروه بغلام عليم} [الذاريات:28] . وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي، أي العمل. ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا. قال: وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جدا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى، والله أعلم . وقوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} ، لما تقدمت البشارة بالذبيح -وهو إسماعيل-عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق، وقد ذكرت في سورتي هود" و "الحجر" . وقوله: {نبيا} حال مقدرة، أي: سيصير منه نبي من الصالحين.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس، رضي الله عنهما: الذبيح إسحاق. قال: وقوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} قال: بشر بنبوته. قال: وقوله: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} [مريم:53] قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وهب له نبوته. وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت داود يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} قال: إنما بشر به نبيا حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} قال: بشر به حين ولد، وحين نبئ. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} قال: بعد ما كان من أمره، لما جاد لله بنفسه، وقال الله: {وباركنا عليه وعلى إسحاق} وقوله: {وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} كقوله تعالى: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود:48] . {ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ونصرناهم فكانوا هم الغالبين وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمده في حقهم من الإساءة العظيمة، من قتل الأبناء واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس الأشياء. ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم. ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين، وهو التوراة، كما قال تعالى: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء} [الأنبياء:48] . وقال هاهنا: {وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم} أي: في الأقوال والأفعال. {وتركنا عليهما في الآخرين} أي: أبقينا لها من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا، ثم فسره بقوله: {سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين} {وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين } {فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ياسين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين } قال قتادة، ومحمد بن إسحاق، يقال: إلياس هو إدريس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة ، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: إلياس هو إدريس. وكذا قال الضحاك. وقال وهب بن منبه: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، بعثه الله في بني إسرائيل بعد حزقيل، عليهما السلام، وكانوا قد عبدوا صنما يقال له: "بعل"، فدعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة ما سواه. وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد ، واستمروا على ضلالتهم، ولم يؤمن به منهم أحد. فدعا الله عليهم. فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر. فدعا الله لهم، فجاءهم الغيث فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه. وكان قد نشأ على يديه اليسع بن أخطوب، عليه السلام، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا، فمهما جاءه فليركبه ولا يهبه، فجاءته فرس من نار فركب ، وألبسه الله النور وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكا إنسيا سماويا أرضيا، هكذا حكاه وهب عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته. {إذ قال لقومه ألا تتقون} أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ .
{أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين} قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي: {بعلا} يعني: ربا. قال قتادة وعكرمة: وهي لغة أهل اليمن. وفي رواية عن قتادة قال: هي لغة أزد شنوءة. وقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها: "بعل". وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها: "بعلبك"، غربي دمشق. وقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه. وقوله: {أتدعون بعلا} أي: أتعبدون صنما؟ {وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين} أي: هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. قال الله تعالى: {فكذبوه فإنهم لمحضرون} أي للعذاب يوم الحساب. {إلا عباد الله المخلصين} أي: الموحدين منهم. وهذا استثناء منقطع من مثبت. وقوله: {وتركنا عليه في الآخرين} أي: ثناء جميلا. {سلام على إل ياسين} كما يقال في إسماعيل: إسماعين. وهي لغة بني أسد. وأنشد بعض بني نمير في ضب صاده. يقول رب السوق لما جينا هذا ورب البيت إسرائينا ويقال: ميكال، وميكائيل، وميكائين، وإبراهيم وإبراهام، وإسرائيل وإسرائين، وطور سيناء، وطور سينين. وهو موضع واحد، وكل هذا سائغ وقرأ آخرون: "سلام على إدراسين"، وهي قراءة عبد الله بن مسعود. وآخرون: " سلام على آل ياسين" يعني: آل محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين} قد تقدم تفسيره . { وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون } يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط، عليه السلام أنه بعثه إلى قومه. فكذبوه، فنجاه الله من بين أظهرهم هو وأهله. إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها. فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلا ونهارا؛ ولهذا قال: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟ {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين } قد تقدمت قصة يونس، عليه السلام، في سورة الأنبياء. وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى ونسبه إلى أمه" وفي رواية قيل: "إلى أبيه". وقوله: {إذ أبق إلى الفلك المشحون} قال ابن عباس: هو الموقر، أي: المملوء بالأمتعة. {فساهم} أي: قارع {فكان من المدحضين} أي: المغلوبين. وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس، عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك. وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار، وأن يلتقم، يونس عليه السلام، فلا يهشم له لحما، ولا يكسر له عظما . فجاء ذلك الحوت وألقى يونس، عليه السلام، نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت، حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي، فقام يصلي في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: "يا رب، اتخذت لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس" واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت، فقيل: ثلاثة أيام، قاله قتادة. وقيل جمعة قاله جعفر الصادق. وقيل: أربعين يوما، قاله أبو مالك. وقال مجالد ، عن الشعبي: التقمه ضحى، وقذفه عشية. والله أعلم بمقدار ذلك. وفي شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونسا وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وقوله: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} ، قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء. قاله الضحاك بن قيس، وأبو العالية، ووهب بن منبه، وقتادة، وغير واحد. واختاره ابن جرير. وقد ورد في الحديث الذي سنورده ما يدل على ذلك إن صح الخبر. وفي حديث عن ابن عباس: " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطاء بن السائب، والسدي، والحسن، وقتادة: {فلولا أنه كان من المسبحين} يعني: المصلين. وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك. وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه. وقيل: المراد: {فلولا أنه كان من المسبحين} هو قوله: {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء:87، 88] قاله سعيد بن جبير وغيره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي حدثنا أبو صخر : أن يزيد الرقاشي حدثه: أنه سمع أنس بن مالك -ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-"أن يونس النبي صلى الله عليه وسلم حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة؟ قالوا: يا رب، أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء". ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، به زاد ابن أبي حاتم: قال أبو صخر حميد بن زياد: فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث: أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، وأنبت الله عليه اليقطينة. قلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة، قال: شجرة الدباء. قال أبو هريرة: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض -أو قال: هشاش الأرض-قال: فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره: فأنبت يقطينا عليه برحمة من الله لولا الله ألفي ضاحيا وقد تقدم حديث أبي هريرة مسندا مرفوعا في تفسير سورة "الأنبياء" . ولهذا قال تعالى: {فنبذناه} أي: ألقيناه {بالعراء} قال ابن عباس، وغيره: وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء. قيل: على جانب دجلة. وقيل: بأرض اليمن. فالله أعلم. {وهو سقيم} أي: ضعيف البدن. قال ابن مسعود، رضي الله عنه: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش. وقال السدي: كهيئة الصبي: حين يولد، وهو المنفوس. وقاله ابن عباس، وابن زيد أيضا. {وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس، والسدي، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم: اليقطين هو القرع. وقال هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين. وفي رواية عنه: كل شجرة تهلك من عامها فهي من اليقطين. وذكر بعضهم في القرع فوائد، منها: سرعة نباته، وتظليل ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة أغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئا ومطبوخا بلبه وقشره أيضا. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الدباء، ويتتبعه من حواشي الصحفة . وقوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} روى شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت. رواه ابن جرير: حدثني الحارث قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا أبو هلال عن شهر، به. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت.
قلت: ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولا أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت، فصدقوه كلهم وآمنوا به. وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا مائة ألف أو يزيدون. وقوله: {أو يزيدون} قال ابن عباس -في رواية عنه-: بل يزيدون، وكانوا مائة وثلاثين ألفا. وعنه: مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفا. وعنه: مائة ألف وبضعة وأربعين ألفا. وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفا. وقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية قال: حدثني أبي بن كعب: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} ، قال: "يزيدون عشرين ألفا" . ورواه الترمذي عن علي بن حجر، عن الوليد بن مسلم، عن زهير، عن رجل، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، به، وقال: غريب. ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير، به . قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك: معناه إلى المائة الألف ، أو كانوا يزيدون عندكم، يقول: كذلك كانوا عندكم. وهكذا سلك ابن جرير هاهنا ما سلكه عند قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة:74] ، وقوله {إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} [النساء:77] ، وقوله: {فكان قاب قوسين أو أدنى} [النجم:9] أن المراد ليس أنقص من ذلك، بل أزيد. وقوله: {فآمنوا} أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس، عليه السلام، جميعهم. {فمتعناهم إلى حين} أي: إلى وقت آجالهم، كقوله: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس:98] . {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين } {ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين } يقول تعالى منكرا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله البنات، سبحانه، ولهم ما يشتهون، أي: من الذكور، أي: يودون لأنفسهم الجيد. {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل:58] أي: يسوءه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين. يقول تعالى: فكيف نسبوا إلى الله [تعالى] القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال: {فاستفتهم} أي: سلهم على سبيل الإنكار عليهم: {ألربك البنات ولهم البنون} كقوله: {ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى} [النجم:21، 22] . وقوله: {أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم؟ كقوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} [الزخرف:19] أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة. وقوله: {ألا إنهم من إفكهم} أي: من كذبهم {ليقولون. ولد الله} أي: صدر منه الولد {وإنهم لكاذبون} فذكر الله عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب، فأولا جعلوهم بنات الله، فجعلوا لله ولدا. وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم عبدوهم من دون الله. وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم. ثم قال منكرا عليهم: {أصطفى البنات على البنين} أي: أي شيء يحمله عن أن يختار البنات دون البنين؟ كقوله: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما} [الإسراء:40] ؛ ولهذا قال: {ما لكم كيف تحكمون} أي: ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون؟ . {أفلا تذكرون. أم لكم سلطان مبين} أي: حجة على ما تقولونه.
{فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} أي: هاتوا برهانا على ذلك يكون مستندا إلى كتاب منزل من السماء عن الله: أنه اتخذ ما تقولونه، فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل، بل لا يجوزه العقل بالكلية. وقوله: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله. فسأل أبو بكر، رضي الله عنه: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن. وكذا قال قتادة، وابن زيد، ولهذا قال تعالى: {ولقد علمت الجنة} أي: الذين نسبوا إليهم ذلك: {إنهم لمحضرون} أي: إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم، وقولهم الباطل بلا علم. وقال العوفي: عن ابن عباس في قوله: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} قال: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان. حكاه ابن جرير . وقوله: {سبحان الله عما يصفون} أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوا كبيرا. وقوله: {إلا عباد الله المخلصين} استثناء منقطع، وهو من مثبت، إلا أن يكون الضمير في قوله: {عما يصفون} عائدا إلى جميع الناس ثم استثنى منهم المخلصين، وهم المتبعون للحق المنزل على كل نبي ومرسل. وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله: {إنهم لمحضرون. إلا عباد الله المخلصين} ، وفي هذا الذي قاله نظر. { فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون } يقول تعالى مخاطبا للمشركين {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم} أي: ما ينقاد لمقالكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذري للنار. {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف:179] . فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال تعالى: {إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} [الذاريات:8، 9] أي: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل. ثم قال تعالى منزها للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله: {وما منا إلا له مقام معلوم} أي: له موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادة لا يتجاوزه ولا يتعداه . وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد ، عن أبيه -وكان ممن بايع يوم الفتح-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لجلسائه: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد". ثم قرأ: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} . وقال الضحاك في تفسيره: {وما منا إلا له مقام معلوم} قال: كان مسروق يروي عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم". فذلك قوله: {وما منا إلا له مقام معلوم} . وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن مسروق: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه، ثم قرأ عبد الله: {وما منا إلا له مقام معلوم} وكذا قال سعيد بن جبير. وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعا، حتى نزلت: {وما منا إلا له مقام معلوم} ، فتقدم الرجال وتأخر النساء. {وإنا لنحن الصافون} أي: نقف صفوفا في الطاعة، كما تقدم عند قوله: {والصافات صفا} . قال ابن جريج، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت: {وإنا لنحن الصافون} ، فصفوا.
وقال أبو نضرة: كان عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم، استووا قياما، يريد الله بكم هدي الملائكة، ثم يقول: {وإنا لنحن الصافون} ، تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر، رضي الله عنه. رواه ابن أبي، حاتم وابن جرير. وفي صحيح مسلم عن حذيفة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا، وتربتها طهورا" الحديث . {وإنا لنحن المسبحون} أي: نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه. وقال ابن عباس، ومجاهد: {وما منا إلا له مقام معلوم} الملائكة، {وإنا لنحن الصافون} الملائكة، {وإنا لنحن المسبحون} : الملائكة يسبحون الله عز وجل. وقال قتادة: {وإنا لنحن المسبحون} ، يعني: المصلون، يثبتون بمكانهم من العبادة، كما قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون. ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} [الأنبياء:26-29] . وقوله: {وإن كانوا ليقولون. لو أن عندنا ذكرا من الأولين. لكنا عباد الله المخلصين} أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله، كما قال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا} [فاطر:42] ، وقال: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين. أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} [الأنعام:156، 157] ؛ ولهذا قال هاهنا:: {فكفروا به فسوف يعلمون} ، وعيد أكيد وتهديد شديد، على كفرهم بربهم -سبحانه وتعالى-وتكذيبهم -رسوله صلى الله عليه وسلم. { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } يقول تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [المجادلة:21] ، وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر:51] ؛ ولهذا قال:: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون} أي: في الدنيا والآخرة. كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم، وكيف أهلك الله الكافرين، ونجى عباده المؤمنين. {وإن جندنا لهم الغالبون} أي: تكون لهم العاقبة. وقوله جل وعلا {فتول عنهم حتى حين} أي: اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر؛ ولهذا قال بعضهم: غيى ذلك إلى يوم بدر. وما بعدها أيضا في معناها. وقوله: {وأبصرهم فسوف يبصرون} أي: أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال على مخالفتك وتكذيبك؛ ولهذا قال على وجه التهديد والوعيد: {فسوف يبصرون} . ثم قال عز وجل {أفبعذابنا يستعجلون} أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم ، فإن الله يغضب عليهم بذلك، ويعجل لهم العقوبة، ومع هذا أيضا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة. قال الله تعالى: {فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين} أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم، فبئس ذلك اليوم يومهم، بإهلاكهم ودمارهم .
قال السدي: {فإذا نزل بساحتهم} يعني: بدارهم، {فساء صباح المنذرين} أي: فبئس ما يصبحون، أي: بئس الصباح صباحهم؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، رضي الله عنه، قال: صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش، رجعوا [وهم] يقولون: محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" ورواه البخاري من حديث مالك، عن حميد، عن أنس . وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: لما صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ولوا مدبرين، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر، الله أكبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" لم يخرجوه من هذا الوجه، وهو صحيح على شرط الشيخين. وقوله: {فتول عنهم حتى حين. وأبصرهم فسوف يبصرون} تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك. {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين } ينزه تعالى نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقوله الظالمون المكذبون المعتدون -تعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا-ولهذا قال: {سبحان ربك رب العزة} ، أي: ذي العزة التي لا ترام، {عما يصفون} أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين. {وسلام على المرسلين} أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة؛ لسلامة ما قالوه في ربهم، وصحته وحقيته . {والحمد لله رب العالمين} أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال. ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة، ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل على إثبات صفات الكمال مطابقة، ويستلزم التنزيه من النقص -قرن بينهما في هذا الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن؛ ولهذا قال: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين} وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين". هكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث سعيد، عنه كذلك . وقد أسنده ابن أبي حاتم، رحمه الله، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين" . وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح، حدثنا أبو هارون، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سلم قال: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين} ثم يسلم. إسناده ضعيف . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين} وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي، رضي الله عنه. قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن شريح، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي، رضي الله عنه، قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين} .
وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن أنس ، عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال دبر كل صلاة: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين} ثلاث مرات، فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر" . وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءا على حدة، فلتكتب هاهنا إن شاء الله تعالى . آخر تفسير سورة الصافات. تفسير سورة ص [وهي] مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص } أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة" بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقوله: {والقرآن ذي الذكر} أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد. قال الضحاك في قوله: {ذي الذكر} كقوله: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} ] الأنبياء: 10 [أي: تذكيركم. وكذا قال قتادة واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي {ذي الذكر} ذي الشرف أي: ذي الشأن والمكانة. ولا منافاة بين القولين، فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار. واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم: هو قوله: {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} ] ص: 14 [. وقيل قوله: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ] ص: 64 [حكاهما ابن جرير وهذا الثاني فيه بعد كبير، وضعفه ابن جرير. وقال قتادة: جوابه: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} واختاره ابن جرير. وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم. ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العلم أنه قال: جوابه "ص" بمعنى: صدق حق والقرآن ذي الذكر. وقوله: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} أي: إن في هذا القرآن لذكرا لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم {في عزة} أي: استكبار عنه وحمية {وشقاق} أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة. ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء فقال: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي: من أمة مكذبة، {فنادوا} أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله. وليس ذلك بمجد عنهم شيئا. كما قال تعالى: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} ] الأنبياء: 12 [أي: يهربون، {لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون} ] الأنبياء: 13 [ قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن قول الله: {فنادوا ولات حين مناص} قال: ليس بحين نداء، ولا نزو ولا فرار وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ليس بحين مغاث. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد: تذكر ليلى لات حين تذكر . وقال محمد بن كعب في قوله: {فنادوا ولات حين مناص} يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم. وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء. وقال مجاهد: {فنادوا ولات حين مناص} ليس بحين فرار ولا إجابة. وقد روي نحو هذا عن عكرمة، وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة. وعن مالك، عن زيد بن أسلم: {ولات حين مناص} ولا نداء في غير حين النداء. وهذه الكلمة وهي "لات" هي "لا" التي للنفي، زيدت معها "التاء" كما تزاد في "ثم" فيقولون: "ثمت"، و "رب" فيقولون: "ربت". وهي مفصولة والوقف عليها. ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [ابن جرير] أنها متصلة بحين: "ولا تحين مناص". والمشهور الأول. ثم قرأ الجمهور بنصب "حين" تقديره: وليس الحين حين مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:
تذكر حب ليلى لات حينا وأضحى الشيب قد قطع القرينا ومنهم من جوز الجر بها، وأنشد: طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن ليس حين بقاء وأنشد بعضهم أيضا: ولات ساعة مندم بخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم. ولهذا قال تعالى: {ولات حين مناص} أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب. {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أؤنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعجبهم من بعثة الرسول بشرا، كما قال تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} وقال هاهنا: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي: بشر مثلهم، {وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا} أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟! أنكر المشركون ذلك -قبحهم الله تعالى-وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم} وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: { [أن] امشوا} أي: استمروا على دينكم {واصبروا على آلهتكم} ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد. وقوله: {إن هذا لشيء يراد} قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا مجيبيه إليه. ذكر سبب نزول هذه الآيات: قال السدي: إن أناسا من قريش اجتمعوا فيهم: أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء. فتعيرنا [به] العرب يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه". فبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب" فاستأذن لهم على أبي طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك. قال: أدخلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال: "يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ " قال: وإلام تدعوهم؟ قال: "أدعوهم [إلى] أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم". فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينها وعشرة أمثالها. قال: تقولون: "لا إله إلا الله". فنفر وقال: سلنا غير هذا قال: "لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها" فقاموا من عنده غضابا، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا. {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد} رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد: فلما خرجوا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى قول: "لا إله إلا الله" فأبى وقال: بل على دين الأشياخ. ونزلت: {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص:56]
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه. فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب. فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة! يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية" ففزعوا لكلمته ولقوله وقالوا كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرا فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ فقال: "لا إله إلا الله" فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: {لما يذوقوا عذاب} لفظ أبي كريب وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد غير منسوب به نحوه ورواه الترمذي، والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضا كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر نحوه. وقال الترمذي حسن وقولهم: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة. قال مجاهد وقتادة وابن زيد: يعنون دين قريش. وقال غيرهم: يعنون النصرانية، قاله محمد بن كعب والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} يعني: النصرانية قالوا: لو كان هذا القرآن حقا أخبرتنا به النصارى. {إن هذا إلا اختلاق} قال مجاهد، وقتادة كذب وقال ابن عباس: تخرص. وقولهم: {أؤنزل عليه الذكر من بيننا} يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قالوا في الآية الأخرى: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] قال الله تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} [الزخرف: 32] ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال الله تعالى: {بل لما يذوقوا عذاب} أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله ونقمته سيعلمون غب ما قالوا، وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا. ثم قال مبينا أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده ويختم على قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعد الله وإن العباد لا يملكون شيئا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير؛ ولهذا قال تعالى منكرا عليهم: {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب} أي: العزيز الذي لا يرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد.
وهذه الآية شبيهة بقوله: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا} [النساء: 53: 55] وقوله {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا} [الإسراء: 10] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشري وكما أخبر تعالى عن قوم صالح [عليه السلام] حين قالوا: {أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر} [القمر: 25: 26] وقوله: {أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب} أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني طرق السماء. وقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة. ثم قال: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين وهذه كقوله: {أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر} وكان ذلك يوم بدر {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 44: 46] . {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب اصبر على ما يقولون } يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء القرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة. وقوله: {أولئك الأحزاب} أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فما دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال: {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} فجعل علة هلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر. وقوله: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} قال مالك عن زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها أي: فقد اقتربت ودنت وأزفت وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله عز وجل. وقوله: {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتاب وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد: سألوا تعجيل العذاب -زاد قتادة كما قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة أن يلقوا ذاك في الدنيا. وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا وهذا الذي قاله جيد، وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم. ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرا له بالصبر على أذاهم ومبشرا له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر. {واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه السلام: أنه كان ذا أيد والأيد: القوة في العلم والعمل. قال [ابن عباس] وابن زيد والسدي: الأيد: القوة وقرأ ابن زيد: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} [الذاريات: 47] وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة.
وقال قتادة: أعطي داود [عليه السلام] قوة في العبادة وفقها في الإسلام، وقد ذكر لنا أنه عليه السلام كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر. وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى" وإنه كان أوابا، وهو الرجاع إلى الله عز وجل في جميع أموره وشئونه. وقوله: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال تعالى: {يا جبال أوبي معه والطير} [سبأ: 10] وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا تستطيع الذهاب بل تقف في الهواء وتسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعا له. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن بشر عن مسعر عن عبد الكريم عن موسى بن أبي كثير عن ابن عباس أنه بلغه: أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات، قال ابن عباس: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول الله تعالى: {يسبحن بالعشي والإشراق} ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى قال: فأدخلته على أم هانئ فقلت: أخبري هذا ما أخبرتني به. فقالت أم هانئ: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي ثم أمر بماء صب في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من بعض فخرج ابن عباس وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: {يسبحن بالعشي والإشراق} وكنت أقول: أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول: صلاة الإشراق. ولهذا قال: {والطير محشورة} أي: محبوسة في الهواء، {كل له أواب} أي: مطيع يسبح تبعا له. قال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: {كل له أواب} أي: مطيع. [وقوله] {وشددنا ملكه} أي: جعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج إليه الملوك. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانا. وقال السدي: كان يحرسه في كل يوم أربعة آلاف. وقال بعض السلف: بلغني أنه كان حرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثين ألفا لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل. وقال غيره: أربعون ألفا مشتملون بالسلاح. وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس: أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه السلام أنه اغتصبه بقرا فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بينة فأرجأ أمرهما فلما كان الليل أمر داود عليه السلام، في المنام بقتل المدعي فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي فقال: يا نبي الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال: إن الله عز وجل أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة. فقال: والله يا نبي الله إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه، وإني لصادق فيما ادعيت ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته، ولم يشعر بذلك أحد فأمر به داود [عليه السلام] فقتل. قال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله عز وجل: {وشددنا ملكه} وقوله: {وآتيناه الحكمة} قال مجاهد: يعني: الفهم والعقل والفطنة. وقال مرة: الحكمة والعدل. وقال مرة: الصواب. وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه. وقال السدي: {الحكمة} النبوة. وقوله: {وفصل الخطاب} قال شريح القاضي والشعبي فصل الخطاب: الشهود والأيمان.
وقال قتادة: شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل -أو قال: المؤمنون والصالحون-وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي. وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهمه. وقال مجاهد أيضا: هو الفصل في الكلام وفي الحكم وهذا يشمل هذا كله وهو المراد واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة النميري حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: أول من قال: "أما بعد" داود عليه السلام وهو فصل الخطاب. وكذا قال الشعبي: فصل الخطاب: "أما بعد". {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس -ويزيد وإن كان من الصالحين-لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا. وقوله: { [إذ دخلوا على داود] ففزع منهم} إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر ألا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما. وقوله: {وعزني في الخطاب} أي: غلبني يقال: عز يعز: إذا قهر وغلب. وقوله: {وظن داود أنما فتناه} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي اختبرناه. وقوله: {وخر راكعا} أي: ساجدا {وأناب} ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك وقد ذكر أنه استمر ساجدا أربعين صباحا، {فغفرنا له ذلك} أي: ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد اختلف الأئمة رضي الله عنهم في سجدة "ص" هل هي من عزائم السجود؟ على قولين الجديد من مذهب الشافعي رحمه الله أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية-عن أيوب عن ابن عباس أنه قال في السجود في "ص": ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية: أخبرني إبراهيم بن الحسن -هو المقسمي-حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في "ص" وقال: "سجدها داود عليه السلام توبة ونسجدها شكرا". تفرد بروايته النسائي ورجال إسناده كلهم ثقات وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع:
أخبرنا أبو إسحاق المدرجي أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي، أخبرنا أبو سعيد الكنجروذي أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا محمد بن يزيد ابن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل من كلام الشجرة رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال البخاري عند تفسيرها أيضا: حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة "ص" فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ: {ومن ذريته داود وسليمان} [الأنعام:84] {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام:90] فكان داود عليه السلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر -هو ابن عبد الله المزني-أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب "ص" فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال: فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد. تفرد به [الإمام] أحمد وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر "ص" فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال: "إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم". فنزل وسجد وسجدوا. تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح. وقوله: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله عز وجل بها وحسن مرجع وهو الدرجات العاليات في الجنة لتوبته وعدله التام في ملكه كما جاء في الصحيح: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا" وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر". ورواه الترمذي من حديث فضيل -وهو ابن مرزوق الأغر-عن عطية به وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان: سمعت مالك بن دينار في قوله: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال: يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول: وكيف وقد سلبته؟ فيقول: إني أرده عليك اليوم. قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.
{يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله وقد توعد [الله] تعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة -وكان قد قرأ الكتاب-أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفقهت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان. قلت يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود؟ إن الله -عز وجل-جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون} الآية. وقال عكرمة: {لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا. وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب. وهذا القول أمشى على ظاهر الآية فالله أعلم. {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب } يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثا وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم يجمعهم ليوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا} أي: الذين لا يرون بعثا ولا معادا وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، {فويل للذين كفروا من النار} أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم. ثم بين تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمن والكافر فقال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} أي: لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر. وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا. وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعين أن هناك دارا أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة، قال: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} أي: ذوو العقول وهي الألباب، جمع لب، وهو العقل. قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن [كله] ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم. {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق } يقول تعالى مخبرا أنه وهب لداود سليمان، أي: نبيا كما قال: {وورث سليمان داود} أي: في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره، فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر. وقوله: {نعم العبد إنه أواب} ثناء على سليمان، عليه السلام، بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل.
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?