Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
البحث الثالث : اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أنواع من الأشجار . النخل والعنب والزيتون والرمان ، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات ، ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام : ( أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من بقية طينة آدم ) وإنما ذكر العنب عقيب النخل لأن العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعا به إلى آخر الحال فأول ما يظهر على الشجر يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم لذيذة المطعم ، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه ، ثم بعده يظهر الحصرم ، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى ، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء ، وقد يتخذ الطبيخ منه ، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة . ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها ، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر ، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة ثم يبقى منه أربعة أنواع من المتناولات ، وهي الزبيب والدبس والخمر والخل ، ومنافع هذه الأربعة لا يمكن ذكرها إلى في المجلدات ، والخمر ، وإن كان الشرع قد حرمها ، ولكنه تعالى قال في صفتها : { ومنافع للناس } ثم قال : { وإثمهما أكبر من نفعهما } فأحسن ما في العنب عجمه . والأطباء يتخذون منه جوارشنات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة ، فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه ، وأما الزيتون / فهو أيضا كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو ، وينفصل أيضا عنه دهن كثير عظيم النفع في الأكل وفي سائر وجوه الاستعمال . وأما الرمان فحاله عجيب جدا ، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام : قشره وشحمه وعجمه وماؤه . أما الأقسام الثلاثة الأول وهي : القشر والشحم والعجم ، فكلها باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات ، وأما ماء الرمان ، فبالضد من هذه الصفات . فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة ، وفيه تقوية للمزاج الضعيف ، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه ، فإذا تأملت في الرمان وجدت الأقسام الثلاثة موصوفة بالكثافة التامة الأرضية ، ووجدت القسم الرابع وهو ماء الرمان موصوفا باللطافة والاعتدال فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين ، فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم .
واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الأقسام الأربعة التي هي أشرف أنواع النبات ، واكتفي بذكرها تنبيها على البواقي ، ولما ذكرها قال تعالى : { مشتبها وغير متشابه } وفيه مباحث : الأول : في تفسير { مشتبها } وجوه : الأول : أن هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل ، مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة ، وقد تكون مختلفة في اللون والشكل ، مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة ، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل . ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس . الثاني : أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابها في الطعم والخاصية . وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنه يكون مختلفا في الطعم ، والثالث : قال قتادة : أوراق الأشجار تكون قريبة من التشابه . أما ثمارها فتكون مختلفة ، ومنهم من يقول : الأشجار متشابهة والثمار مختلفة ، والرابع : أقول إنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة . وعلى هذا التقدير : فبعض حبات ذلك العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه . والبحث الثاني : يقال : اشتبه الشيآن وتشابها كقولك استويا وتساويا ، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا ، وقرىء { متشابها وغير متشابه } . والبحث الثالث : إنما قال مشتبها ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما ، أو على تقدير : والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك كقوله : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريا ومن أجل الطوى رماني / ثم قال تعالى : { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي { ثمره } بضم الثاء والميم ، وقرأ أبو عمرو { ثمره } بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم . أما قراءة حمزة والكسائي : فلها وجهان : الوجه الأول : وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا : خشبة وخشب . قال تعالى : { كأنهم خشب مسندة } ( المنافقون : 4 ) وكذلك أكمة وأكم . ثم يخففون فيقولون أكم . قال الشاعر : ترى الأكم فيها سجدا للحوافر والوجه الثاني : أن يكون جمع ثمرة على ثمار . ثم جمع ثمارا على ثمر فيكون ثمر جمع الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم : رسل ورسل . وأما قراءة الباقين فوجهها : أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز . والبحث الثاني : قال الواحدي : الينع النضج . قال أبو عبيدة : يقال ينع يينع ، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل . وقال الليث : ينعت الثمرة بالكسر ، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعا وينعا بفتح الياء ، وينعا بضم الياء ، والنعت يانع ومونع . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { وينعه } بضم الياء ، وقرأ ابن محيصن { ويانعه } .
والبحث الثالث : قوله : { متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر } أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها . وقوله : { وينعه } أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة . ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال : { إن فى ذالكم لايات لقوم يؤمنون } قال القاضي : المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى / لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون / وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله { هدى للمتقين } . ولقائل أن يقول : بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الإله القادر المختار ظاهرة قوية جلية ، فكأن قائلا قال : لم وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية ؟ فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر الله للعبد حصول الإيمان ، فكأنه قيل : هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان ، فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلا ، فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه . والله أعلم . ! 7 < { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 100 ) وجعلوا لله شركاء . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية ، وكمال القدرة والرحمة . ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء ، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور ههنا غير ما تقدم ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف . فالطائفة الأولى : عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء لله في العبودية ، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين . والطائفة الثانية : من المشركين الذين يقولون ، مدبر هذا العالم هو الكواكب ، وهؤلاء فريقان منهم من يقول : إنها واجبة الوجود لذاتها ، ومنهم من يقول : إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة ، وخالقها هو الله تعالى ، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها وهؤلاء هم الذين حكى الله عنهم أن الخليل صلى الله عليه وسلم ناظرهم بقوله : { لا أحب الافلين } وشرح هذا الدليل قد مضى .
والطائفة الثالثة : من المشركين الذين قالوا لجملة هذا العالم بما فيه من السموات والأرضين إلهان : / أحدهما فاعل الخير . والثاني فاعل الشر ، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ما فيها من الفوائد . فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء الجن } نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن الله وإبليس أخوان فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور . واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية وذلك لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة ، قال ابن عباس : والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ( الصافات : 158 ) وإنما وصف بكونه من الجن لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعيون فصارت كأنها مستترة من العيون ، فبهذا التأويل أطلق لفظ الجن عليها ، وأقول : هذا مذهب المجوس ، وإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة ، لأن المجوس يلقبون بالزنادقة ، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله مسمى بالزند والمنسوب إليه يسمى زندي . ثم عرب فقيل زنديق . ثم جمع فقيل زنادقة . واعلم أن المجوس قالوا : كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن ، وهو المسمى بإبليس في شرعنا ، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة ، والأقلون منهم قالوا : إنه قديم أزلي ، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك لله في تدبير هذا العالم فخيرات هذا العالم من الله تعالى وشروره من إبليس فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما . فإن قيل : فعلى هذا التقدير : القوم أثبتوا لله شريكا واحدا وهو إبليس ، فكيف حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء ؟ والجواب : أنهم يقولون عسكر الله هم الملائكة ، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة ، وهم أرواح طاهرة مقدسة وهم يلهمون تلك الأرواح البشرية بالخيرات والطاعات . والشياطين أيضا فيهم كثرة عظيمة وهي تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية ، والله مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين . فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن فهذا تفصيل هذا القول . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وخلقهم } إشارة إلى الدليل القاطع الدال على فساد كون إبليس شريكا لله تعالى في ملكه ، وتقريره من وجهين : الأول : أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم / معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو محدث . إذا ثبت هذا فنقول : إن كل محدث فله خالق وموجد ، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى ، ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح ، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى ، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد ، وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا لا بد من إلهين يكون أحدهما فاعلا للخيرات ، والثاني يكون فاعلا للشرور لأن بهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق لهذا الذي هو الشر الأعظم فقوله تعالى : { وخلقهم } إشارة إلى أن تعالى هو الخالق لهؤلاء الشياطين على مذهب المجوس ، وإذا كان خالقا لهم فقد اعترفوا بكون إله الخير فاعلا لأعظم الشرور ، وإذا اعترفوا بذلك وسقط قولهم : لا بد للخيرات من إله ، وللشرور من إله آخر .
والوجه الثاني : في استنباط الحجة من قوله : { وخلقهم } ما بينا في هذا الكتاب وفي كتاب ( الأربعين في أصول الدين ) أن ما سوى الواحد ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فهو محدث ، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث ، فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده يكونون موصوفين بالحدوث . وحصول الوجود بعدم العدم ، وحينئذ يعود الإلزام المذكور على ما قررناه ، فهذا تقرير المقصود الأصلي من هذه الآية وبالله التوفيق . المسألة الثانية : قوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء الجن } معناه : وجعلوا الجن شركاء لله . فإن قيل : فما الفائدة في التقديم ؟ قلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم الذي هم بشأنه أعنى ، فالفائدة في هذا التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك سواء كان ملكا أو جنيا أو إنسيا أو غير ذلك . فهذا هو السبب في تقديم اسم الله على الشركاء . إذا عرفت هذا فنقول : قرىء { الجن } بالنصب والرفع والجر ، أما وجه النصب فالمشهور أنه بدل من قوله : { شركاء } قال بعض المحققين : هذا ضعيف لأن البدل ما يقوم مقام المبدل ، فلو قيل : وجعلوا لله الجن لم يكن كلاما مفهوما بل الأولى جعله عطف بيان . أما وجه القراءة بالرفع فهو أنه لما قيل : { وجعلوا لله شركاء } فهذا الكلام لو وقع الاقتصار عليه لصح أن يراد به الجن والأنس والحجر والوثن فكأنه قيل ومن أولئك الشركاء ؟ فقيل : الجن . وأما وجه القراءة بالجر فعلى الإضافة التي هي للتبيين . / المسألة الثالثة : اختلفوا في تفسير هذه الشركة على ثلاثة أوجه : فالأول : ما ذكرناه من أن المراد منه حكاية قول من يثبت للعالم إلهين أحدهما فاعل الخير والثاني فاعل الشر . والقول الثاني : أن الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله وهؤلاء يقولون المراد من الجن الملائكة ، وإنما حسن إطلاق هذا الاسم عليهم ، لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة مستترون عن الأعين ، وكان يجب على هذا القائل أن يبين أنه كيف يلزم من قولهم الملائكة بنات الله ؟ قولهم بجعل الملائكة شركاء لله حتى يتم انطباق لفظ الآية على هذا المعنى ، ولعله يقال : إن هؤلاء كانوا يقولون الملائكة مع أنها بنات الله فهي مدبرة لأحوال هذا العالم وحينئذ يحصل الشرك . والقول الثالث : وهو قول الحسن وطائفة من المفسرين أن المراد : أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام ، وإلى القول بالشرك / فقبلوا من الجن هذا القول وأطاعوهم ، فصاروا من هذا الوجه قائلين : يكون الجن شركاء لله تعالى . وأقول : الحق هو القول الأول . والقولان الأخيران ضعيفان جدا . أما تفسير هذا الشرك بقول العرب الملائكة بنات الله ، فهذا باطل من وجوه : الوجه الأول : أن هذا المذهب قد حكاه الله تعالى بقوله : { وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } ( الأنعام : 100 ) فالقول بإثبات البنات لله ليس إلا قول من يقول الملائكة بنات الله ، فلو فسرنا قوله : { وجعلوا لله شركاء الجن } بهذا المعنى يلزم منه التكرار في الموضع الواحد من غير فائدة ، وأنه لا يجوز . الوجه الثاني : في إبطال هذا التفسير أن العرب قالوا : الملائكة بنات الله ، وإثبات الولد لله غير ، وإثبات الشريك له غير ، والدليل على الفرق بين الأمرين أنه تعالى ميز بينهما في قوله : { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } ( الإخلاص : 3 ، 4 ) ولو كان أحدهما عين الآخر لكان هذا التفصيل في هذه السورة عبثا .
الوجه الثالث : أن القائلين بيزدان وأهرمن يصرحون بإثبات شريك لإله العالم في تدبير هذا العالم ، فصرف اللفظ عنه وحمله على إثبات البنات صرف للفظ عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز . وأما القول الثاني : وهو قول من يقول المراد من هذه الشركة : أن الكفار قبلوا قول الجن في عبادة الأصنام ، فهذا في غاية البعد لأن الداعي إلى القول بالشرك لا يجوز تسميته بكونه شريكا لله لا بحسب حقيقة اللفظ ولا بحسب مجازه ، وأيضا فلو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لزم وقوع التكرير من غير فائدة ، لأن الرد على عبدة الأصنام وعلى عبدة الكواكب قد سبق على سبيل الاستقصاء ، فثبت سقوط هذين القولين ، وظهر أن الحق هو القول الذي نصرناه وقويناه . وأما قوله تعالى : { وخلقهم } ففيه بحثان : / البحث الأول : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { خلقهم } إلى ماذا يعود ؟ على قولين : فالقول الأول : إنه عاد إلى { الجن } والمعنى أنهم قالوا الجن شركاء الله ، ثم إن هؤلاء القوم اعترفوا بأن إهرمن محدث ، ثم إن في المجوس من يقول إنه تعالى تفكر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب ، فتولد الشيطان عن ذلك العجب ، ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فهؤلاء معترفون بأن إهرمن محدث ، وأن محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى : { وخلقهم } إشارة إلى هذا المعنى ، ومتى ثبت أن هذا الشيطان مخلوق لله تعالى امتنع جعله شريكا لله في تدبير العالم ، لأن الخالق أقوى وأكمل من المخلوق ، وجعل الضعيف الناقص شريكا للقوي الكامل محال في العقول . والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى الجاعلين ، وهم الذين أثبتوا الشركة بين الله تعالى وبين الجن ، وهذا القول عندي ضعيف لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناه على ما ذكرناه صار ذلك اللفظ الواحد دليلا قاطعا تاما كاملا في إبطال ذلك المذهب ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يظهر منه فائدة وثانيهما : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب ، وأقرب المذكورات في هذه الآية هو الجن ، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه . البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { وخلقهم } أي اختلاقهم للأفك . يعني : وجعلوا الله خلقهم حيث نسبوا ذبائحهم إلى الله في قولهم : { والله أمرنا بها } . ثم قال : { وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } وفيه مباحث : البحث الأول : أقول إنه تعالى حكى عن قوم أنهم أثبتوا إبليس شريكا لله تعالى . ثم بعد ذلك حكى عن أقوام آخرين أنهم أثبتوا لله بنين وبنات . أما الذين أثبتوا البنين فهم النصارى وقوم من اليهود وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون الملائكة بنات الله وقوله : { بغير علم } كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع في فساد هذا القول وفيه وجوه . الحجة الأولى : أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو لا يكون ، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلا بنفسه قائما بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر ، ومن كان كذلك لم يكن والد له البتة لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة وأما إن كان ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته ، ومن كان كذلك فيكون عبدا له ولا ولدا له ، فثبت أن من عرف أن الإله ما هو ، امتنع منه أن يثبت له البنات والبنين . / الحجة الثانية : أن الولد يحتاج إليه أن يقوم مقامه بعد فنائه ، وهذا إنما يعقل في حق من يفنى ، أما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في حقه .
الحجة الثالثة : أن الولد مشعر بكونه متولدا عن جزء من أجزاء الوالد ، وذلك إنما يعقل في حق من يكون مركبا ويمكن انفصال بعض أجزائه عنه ، وذلك في حق الواحد الفرد الواجب لذاته محال ، فحاصل الكلام أن من علم أن الإله ما حقيقته استحال أن يقول له ولد فكان قوله : { وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } إشارة إلى هذه الدقيقة . البحث الثاني : قرأ نافع { وخرقوا } مشددة الراء . والباقون { خرقوا } خفيفة الراء . قال الواحدي : الاختيار التخفيف ، لأنها أكثر والتشديد للمبالغة والتكثير . البحث الثالث : قال الفراء : معنى { خرقوا } افتعلوا وافتروا . قال : وخرقوا واخترقوا وخلقوا واختلقوا ، وافتروا واحد . وقال الليث : يقال : تخرق الكذب وتخلقه ، وحكى صاحب ( الكشاف ) : أنه سئل الحسن عن هذه الكلمة فقال : كلمة عربية كانت تقولها . كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم قد خرقها ، والله أعلم . ثم قال : ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه . أي شقوا له بنين وبنات . ثم إنه تعالى ختم الآية فقال : { علم سبحانه وتعالى عما يصفون } فقوله سبحانه تنزيه لله عن كل ما لا يليق به . وأما قوله : { وتعالى } فلا شك أنه لا يفيد العلو في المكان ، لأن المقصود ههنا تنزيه الله تعالى عن هذه الأقوال الفاسدة ، والعلو في المكان لا يفيد هذا المعنى . فثبت أن المراد ههنا التعالي عن كل اعتقاد باطل . وقول فاسد . فإن قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى بين قوله : ( سبحانه ) وبين قوله : ( وتعالى ) فرق . قلنا : بل يبقى بينهما فرق ظاهر ، فإن المراد بقوله سبحانه أن هذا القائل يسبحه وينزهه عما لا يليق به والمراد بقوله : { وتعالى } كونه في ذاته متعاليا متقدسا عن هذه الصفات سواء سبحه مسبح أو لم يسبحه ، فالتسبيح يرجع إلى أقوال المسبحين ، والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له لذاته لا لغيره . ! 7 < { بديع السماوات والا رض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شىء وهو بكل شىء عليم } . > 7 ! / < < الأنعام : ( 101 ) بديع السماوات والأرض . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين فساد قول طوائف أهل الدنيا من المشركين . شرع في إقامة الدلائل على فساد قول من يثبت له الولد فقال : { بديع السماوات والارض } . واعلم أن تفسير قوله : { بديع السماوات والارض } قد تقدم في سورة البقرة إلا أنا نشير ههنا إلى ما هو المقصود الأصلي من هذه الآية . فنقول : الإبداع عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال ، ولذلك فإن من أتى في فن من الفنون بطريقة لم يسبقه غيره فيها ، يقال : إنه أبدع فيه . إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى سلم للنصارى أن عيسى حدث من غير أب ولا نطفة بل أنه إنما حدث ودخل في الوجود . لأن الله تعالى أخرجه إلى الوجود من غير سبق الأب . إذا عرفت هذا فنقول : المقصود من الآية أن يقال إنكم إما أن تريدوا بكونه والدا لله تعالى أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة ووالد . وإما أن تريدوا بكونه ولد الله تعالى كما هو المألوف المعهود من كون الإنسان ولدا لأبيه ، وإما أن تريدوا بكونه ولدا لله مفهوما ثالثا مغايرا لهذين المفهومين .
أما الاحتمال الأول : فباطل ، وذلك لأنه تعالى وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم الأسفل بناء على أسباب معلومة ووسايط مخصوصة إلا أن النصارى يسلمون أن العالم الأسفل محدث ، وإذا كان الأمر كذلك . لزمهم الاعتراف بأنه تعالى خلق السموات والأرض من غير سابقة مادة ولا مدة ، وإذا كان الأمر كذلك . وجب أن يكون إحداثه للسموات والأرض إبداعا فلو لزم من مجرد كونه مبدعا لإحداث عيسى عليه السلام كونه والدا له لزم من كونه مبدعا للسموات والأرض كونه والدا لهما . ومعلوم أن ذلك باطل بالاتفاق ، فثبت أن مجرد كونه مبدعا لعيسى عليه السلام لا يقتضي كونه والدا له ، فهذا هو المراد من قوله : { بديع السماوات والارض } وإنما ذكر السموات والأرض فقط ولم يذكر ما فيهما لأن حدوث ما في السموات والأرض ليس على سبيل الإبداع ، أما حدوث ذات السموات والأرض فقد كان على سبيل الإبداع ، فكان المقصود من الإلزام حاصلا بذكر السموات والأرض . لا بذكر ما في السموات والأرض ، فهذا إبطال الوجه الأول . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون مراد القوم من الولادة هو الأمر المعتاد المعروف من الولادة في الحيوانات ، فهذا أيضا باطل ويدل عليه وجوه : الوجه الأول : أن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة وشهوة ، وينفصل عنه / جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الصاحبة ، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة ، وكل ذلك على خالق العالم محال . وهذا هو المراد من قوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة . والوجه الثاني : أن تحصيل الولد بهذا الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادرا على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة فلما أراد الولد وعجز عن تكوينه دفعة واحدة عدل إلى تحصيله بالطريق المعتاد . أما من كان خالقا لكل الممكنات قادرا على كل المحدثات ، فإذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون ، ومن كان هذا الذي ذكرنا صفته ونعته ، امتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة وهذا هو المراد من قوله : { وخلق كل شىء } . والوجه الثالث : وهو أن هذا الولد إما أن يكون قديما أو محدثا ، لا جائز أن يكون قديما لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته . وما كان واجب الوجود لذاته كان غنيا عن غيره فامتنع كونه ولدا لغيره . فبقي أنه لو كان ولدا لوجب كونه حادثا ، فنقول إنه تعالى عالم بجميع المعلومات فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالا ونفعا أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك ، فإن كان الأول فلا وقت يفرض أن الله تعالى خلق هذا الولد فيه إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلا قبل ذلك ، ومتى كان الداعي إلى إيجاده حاصلا قبله وجب حصول الولد قبل ذلك ، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليا وهو محال ، وإن كان الثاني فقد ثبت أنه تعالى عالم بأنه ليس له في تحصيل الولد كمال حال ولا ازدياد مرتبة في الإلهية ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يحدثه البتة في وقت من الأوقات ، وهذا هو المراد من قوله : { وهو بكل شىء عليم } وفيه وجه آخر وهو أن يقال الولد المعتاد إنما يحدث بقضاء الشهوة ، وقضاء الشهوة يوجب اللذة ، واللذة مطلوبة لذاتها ، فلو صحت اللذة على الله تعالى مع أنها مطلوبة لذاتها ، وجب أن يقال إنه لا وقت إلا وعلم الله بتحصيل تلك اللذة يدعوه إلى تحصيلها قبل ذلك الوقت لأنه تعالى لما كان عالما بكل المعلومات وجب أن يكون هذا المعنى معلوما ، وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يحصل تلك اللذة في الأزل ، فلزم كون الولد أزليا ، وقد بينا أنه محال فثبت أن كونه تعالى عالما بكل المعلومات مع كونه تعالى أزليا يمنع من صحة الولد عليه ، وهذا هو المراد من قوله : { وهو بكل شىء عليم } فثبت بما ذكرنا أنه لا يمكن إثبات الولد لله تعالى بناء على هذين الاحتمالين المعلومين ، فأما إثبات الولد لله تعالى بناء على احتمال ثالث فذلك باطل . لأنه غير متصور ولا مفهوم عند العقل ، فكان القول بإثبات الولادة بناء على ذلك الاحتمال الذي هو غير متصور خوضا في محض الجهالة وأنه باطل ، فهذا هو المقصود من هذه الآية / ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاما يساويه في القوة والكمال لعجزوا عنه ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
! 7 < { ذالكم الله ربكم لاإلاه إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه وهو على كل شىء وكيل } . > 7 ! < < الأنعام : ( 102 ) ذلكم الله ربكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الإله القادر المختار الحكيم الرحيم وبين فساد قول من ذهب إلى الإشراك بالله ، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه وبين فساد كل واحد منها بالدلائل اللائقة به . ثم حكى مذهب من أثبت لله البنين والبنات ، وبين بالدلائل القاطعة فساد القول بها فعند هذا ثبت أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والند ، ومنزه عن الأولاد والبنين والبنات ، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال : ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ما سواه فاعبدوه ولا تعبدوا غيره أحدا فإنه هو المصلح لمهمات جميع العباد ، وهو الذي يسمع دعاءهم ويرى ذلهم وخضوعهم ، ويعلم حاجتهم ، وهو الوكيل لكل أحد على حصول مهماته ، ومن تأمل في هذا النظم والترتيب في تقرير الدعوة إلى التوحيد والتنزيه ، وإظهار فساد الشرك ، علم أنه لا طريق أوضح ولا أصلح منه . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : ( ذلكم ) إشارة إلى الموصوف بما تقدم من الصفات وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة ، وهي : { الله ربكم لا إلاه إلا هو خالق كل شىء } أي ذلك الجامع لهذه الصفات فاعبدوه ، على معنى أن من حصلت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ، ولا تعبدوا أحدا سواء . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى بين في هذه السورة بالدلائل الكثيرة افتقار الخلق إلى خالق وموجد ، ومحدث ، ومبدع ، ومدبر ، ولم يذكر دليلا منفصلا يدل على نفي الشركاء ، والأضداد والأنداد ، ثم إنه اتبع الدلائل الدالة على وجود الصانع بأن نقل قول من أثبت لله شريكا ، فهذا القدر يكون أوجب الجزم بالتشريك من الجن ، ثم أبطله ، ثم إنه تعالى بعد ذلك أتى بالتوحيد المحض حيث قال : { ذالكم الله ربكم لا إلاه إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه } وعند هذا يتوجه السؤال وهو أن حاصل ما تقدم إقامة الدليل على وجود الخالق ، وتزييف دليل من أثبت لله شريكا ، فهذا / القدر كيف أوجب الجزم بالتوحيد المحض ؟ فنقول : للعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة ، ومن جملتها هذه الطريقة . وتقريرها من وجوه : الأول : قال المتقدمون الصانع الواحد كاف وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافىء ، فوجب القول بالتوحيد أما قولنا : الصانع الواحد كاف فلأن الإله القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات كاف في كونه إلها للعالم ، ومدبرا له . وأما أن الزائد على الواحد ، فالقول فيه متكافىء ، فلأن الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ثبوته ، فلم يكن إثبات عدد أولى من إثبات عدد آخر ، فيلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها ، وهو محال ، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد ، وهو أيضا محال ، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول بالتوحيد .
الوجه الثاني : في تقرير هذه الطريقة أن الإله القادر على كل الممكنات العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم ، فلو قدرنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني إما أن يكون فاعلا وموجودا لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون ، والأول باطل ، لأنه لما كان كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلا لذلك الفعل مانعا للآخر عن تحصيل مقدوره ، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سببا لعجز الآخر وهو محال . وإن كان الثاني لا يفعل فعلا ولا يوجد شيئا كان ناقصا معطلا ، وذلك لا يصلح للإلهية . والوجه الثالث : في تقرير هذه الطريقة أن نقول : إن هذا الإله الواحد لا بد وأن يكون كاملا في صفات الإلهية ، فلو فرضنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني إما أن يكون مشاركا للأول في جميع صفات الكمال أو لا يكون ، فإن كان مشاركا للأول في جميع صفات الكمال فلا بد وأن يكون متميزا عن الأول بأمر ما ، إذ لو لم يحصل الامتياز بأمر من الأمور لم يحصل التعدد والإثنينية ، وإذا حصل الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون . فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع صفات الكمال مشتركا فيه بينهما ، وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال ، فالموصوف به يكون موصوفا بصفة ليست من صفات الكمال ، وذلك نفصان ، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد ، وأن الزائد يجب نفيه فهذه الطريقة هي التي ذكرها الله تعالى ههنا في تقرير التوحيد . وأما التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة . المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا بقوله : { خالق كل شىء } على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد قالوا : أعمال العباد أشياء ، والله تعالى خالق كل شيء بحكم هذه الآية فوجب كونه تعالى خالقا لها / واعلم أنا أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب ( الجبر والقدر ) ، ونكتفي ههنا من تلك الكلمات بنكت قليلة . قالت المعتزلة : هذا اللفظ وإن كان عاما إلا أنه حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم . فأحدهما : أنه تعالى قال : { خالق كل شىء فاعبدوه } فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله : { خالق كل شىء } لصار تقدير الآية : أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى . ومعلوم أن ذلك فاسد . وثانيها : أنه تعالى إنما ذكر قوله : { خالق كل شىء } في معرض المدح والثناء على نفسه ، فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحا وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر . وثالثها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } ، وهذا تصريح بكون العبد مستقلا بالفعل والترك ، وأنه لا مانع له البتة من الفعل والترك ، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقا لله تعالى لما كان العبد مستقلا به ، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه الدفع ، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل . فلما دلت هذه الآية على كون العبد مستقلا بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى ، ثبت أن ذكر قوله : { فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } يوجب تخصيص ذلك العموم . ورابعها : أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله : { وجعلوا لله شركاء الجن } وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في إثبات إلهين للعالم . أحدهما يفعل اللذات والخيرات ، والآخر يفعل الآلام والآفات فقوله بعد ذلك : { لا إلاه إلا هو خالق كل شىء } يجب أن يكون محمولا على إبطال ذلك المذهب ، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام ، فإذا حملنا قوله : { خالق كل شىء } على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد . قالوا : فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى : { خالق كل شىء } .
والجواب : أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية . وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى ، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقا لأفعال العباد / وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { خالق كل شىء فاعبدوه } يدل على ترتيب الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقا لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية ، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقا للأشياء هو الموجب لكونه معبودا على الإطلاق ، والإله / هو المستحق للمعبودية ، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع . المسألة الخامسة : احتج كثير من المعتزلة بقوله : { خالق كل شىء } على نفي الصفات ، وعلى كون القرآن مخلوقا . أما نفي الصفات فلأنهم قالوا : لو كان تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة ، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال : إنهما قديمان . أو محدثان ، والأول باطل . لأن عموم قوله : { خالق كل شىء } يقتضي كونه خالقا لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقا لنفسه ، فوجب أن يبقى على عمومه فيما سواه ، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في هذا العموم ، وأنه لا يجوز . والثاني : وهو القول بحدوث علم الله وقدرته . فهو باطل بالإجماع ، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى ، وأن ذلك محال . وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقا . فقالوا : القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله تعالى بحكم هذا العموم . فلزم كون القرآن مخلوقا لله تعالى أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى ، إلا أن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى . وجواب أصحابنا عنه : أنا نخصص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة ، وبالدلائل الدالة على أن كلام الله تعالى قديم . المسألة السادسة : قوله تعالى : { وهو على كل شىء وكيل } المراد منه أن يحصل للعبد كمال التوحيد وتقريره ، وهو أن العبد وإن كان يعتقد أنه لا إله إلا هو ، وأنه لا مدبر إلا الله تعالى ، إلا أن هذا العالم عالم الأسباب . وسمعت الشيخ الإمام الزاهد الوالد رحمه الله يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب . وإذا كان الأمر كذلك فقد يعلق الرجل القلب بالأسباب الظاهرة ، فتارة يعتمد على الأمير ، وتارة يرجع في تحصيل مهماته إلى الوزير ، فحينئذ لا ينال إلا الحرمان ولا يجد إلا تكثير الأحزان ، والحق تعالى قال : { وهو على كل شىء وكيل } والمقصود أن يعلم الرجل أنه لا حافظ إلا الله ، ولا مصلح للمهمات إلا الله ، فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه ، ولا يرجع في مهم من المهمات إلا إليه . المسألة الرابعة : أنه قال قبل هذه الآية بقليل { وخلق كل شىء } وقال ههنا { خالق كل شىء } وهذا كالتكرار . / والجواب من وجوه : الأول : أن قوله : { وخلق كل شىء } إشارة إلى الماضي .
أما قوله : { خالق كل شىء } فهو اسم الفاعل ، وهو يتناول الأوقات كلها ، والثاني : وهو التحقيق أنه تعالى ذكر هناك قوله : { وخلق كل شىء } ليجعله مقدمة في بيان نفي الأولاد ، وههنا ذكر قوله : { خالق كل شىء } ليجعله مقدمة في بيان أنه لا معبود إلا هو ، والحاصل أن هذه المقدمة مقدمة توجب أحكاما كثيرة ونتائج مختلفة ، فهو تعالى يذكرها مرة بعد مرة ، ليفرع عليها في كل موضع ما يليق بها من النتيجة . المسألة الثامنة : لقائل أن يقول : الإله هو الذي يستحق أن يكون معبودا ، فقوله : { لا إلاه إلا هو } معناه لا يستحق العبادة إلا هو ، فما الفائدة في قوله بعد ذلك { فاعبدوه } فإن هذا يوهم التكرير . والجواب : قوله : { لا إلاه إلا هو } أي لا يستحق العبادة إلا هو ، وقوله : { فاعبدوه } أي لا تعبدوا غيره . المسألة التاسعة : القوم كانوا معترفين بوجود الله تعالى كما قال : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) وما أطلقوا لفظ الله على أحد سوى الله سبحانه ، كما قال تعالى : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) فقال : { ذالك الله ربكم } ( إبراهيم : 34 ) أي الشيء الموصوف بالصفات التي تقدم ذكرها هو الله تعالى ، ثم قال بعده : { ربكم } يعني الذي يربيكم ويحسن إليكم بأصناف التربية ووجوه الإحسان ، وهي أقسام بلغت في الكثرة إلى حيث يعجز العقل عن ضبطها ، كما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } . ثم قال : { لا إلاه إلا هو } يعني أنكم لما عرفتم وجود الإله المحسن المتفضل المتكرم فاعلموا أنه لا إله سواه ولا معبود سواه . ثم قال : { خالق كل شىء } يعني إنما صح قولنا : لا إله سواه ، لأنه لا خالق للخلق سواه ، ولا مدبر للعالم إلا هو . فهذا الترتيب ترتيب مناسب مفيد . ! 7 < { لا تدركه الا بصار وهو يدرك الا بصار وهو اللطيف الخبير } . > 7 ! < < الأنعام : ( 103 ) لا تدركه الأبصار . . . . . > > في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه : الأول : في تقرير هذا المطلوب أن نقول : هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته . / وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة . أما المقام الأول : فتقريره : أنه تعالى تمدح بقوله : { لا تدركه الابصار } وذلك مما يساعد الخصم عليه ، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية .
وإذا ثبت هذا فنقول : لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله : { لا تدركه الابصار } ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته . والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله : { لا تدركه الابصار } يفيد المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن قوله تعالى : { لا تدركه الابصار } يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته ، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء . أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة . فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته . وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان : قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته . فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا . فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك ، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية . الوجه الثاني : أن نقول المراد بالأبصار في قوله : { لا تدركه الابصار } ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئا البتة في موضع من المواضع . بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله { لا تدركه الابصار } هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله : { وهو يدرك الابصار } المراد منه وهو يدرك المبصرين ، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله : { وهو يدرك الابصار } يقتضي كونه تعالى مبصرا لنفسه ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وكان تعالى يرى نفسه . وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه ، قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصارا قلنا : قوله تعالى : { وهو يدرك الابصار } المراد منه إما نفس البصر أو المبصر ، وعلى / التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصرا لأبصار نفسه ، وكونه مبصرا لذات نفسه . وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق . الوجه الثالث : في الاستدلال بالآية أن لفظ { الابصار } صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله : { لا تدركه الابصار } يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار / فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب . إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع ، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيدا ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم .
فإذا قيل : إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس ، وكذا قوله : { لا تدركه الابصار } معناه : أنه لا تدركه جميع الأبصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب . فنقول : هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد البتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثا ، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب . الوجه الرابع : في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول : إن الله تعالى لا يرى بالعين ، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة ، واحتج عليه بهذه الآية فقال : دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر ، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه ، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزا في الجملة ، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال : إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه ، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة . المسألة الثانية : في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية . اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين : الأول : أنهم قالوا : الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، بدليل أن قائلا لو قال أدركته ببصري وما رأيته ، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضا ، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية . إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { لا تدركه الابصار } يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال ، والدليل على صحة هذا العموم وجهان : الأول : يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال : لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان ، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء / يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله . فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال . وذلك يدل على أن أحدا لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال . الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى به ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية ، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال ، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علما بلغة العرب . فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب . الوجه الثاني : في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا : إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء ، وقوله بعد ذلك : { وهو يدرك الابصار } أيضا مدح وثناء فوجب أن يكون قوله : { لا تدركه الابصار } مدحا وثناء ، وإلا لزم أن يقال : إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء ، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله .
إذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عدمه مدحا ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصا في حق الله تعالى ، والنقص على الله تعالى محال ، لقوله : { لا تأخذه سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) وقوله : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) وقوله : { لم يلد ولم يولد } ( الإخلاص : 3 ) إلى غير ذلك . فوجب أن يقال كونه تعالى مرئيا محال . واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله : { وما الله يريد ظلما للعالمين } ( آل عمران : 108 ) وقوله : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم ، فذكروا هذا القيد دفعا لهذا النقض عن كلامهم . فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب . والجواب عن الوجه الأول من وجوه : الأول : لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه : أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى : { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } ( الشعراء : 61 ) أي لملحقون وقال : { حتى إذا أدركه الغرق } ( يونس : 90 ) أي لحقه ، ويقال : أدرك فلان فلانا ، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم ، وأدركت الثمرة أي نضجت . فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء . إذا عرفت هذا فنقول : المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته . صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكا ، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكا . فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان : رؤية مع الإحاطة . ورؤية لا مع الإحاطة . والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من / نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس . فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى ، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم . قلنا : هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب إثبات الأعم . وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم . فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا . الوجه الثاني : في الاعتراض أن نقول : هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات ؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير ، وعموم النفي غير ، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم ، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص ، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال . وأما قوله إن عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة ، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد ، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله : { لا تدركه الابصار } يفيد نفي العموم . وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي ، فسقط كلامهم .
الوجه الثالث : أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضا ، وإذا كان كذلك فقوله : { لا تدركه الابصار } يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه ، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى ، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله ؟ الوجه الرابع : سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به ؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة . الوجه الخامس : هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام ، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل / تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا ؟ الوجه السادس : أن نقول بموجب الآية فنقول : سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله تعالى ، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون الله تعالى ؟ فهذا مجموع الأسئلة على الوجه الأول ، وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته ، بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته ، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته ، وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية ، ثم نقول : إن النفي يمتنع أن يكون سببا لحصول المدح والثناء ، وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجبا للمدح والثناء والعلم به ضروري ، بل إذا كان النفي دليلا على حصول صفة ثابتة من صفات المدح والثناء . قيل : بأن ذلك النفي يوجب المدح . ومثاله أن قوله : { لا تأخذه سنة ولا نوم } لا يفيد المدح نظرا إلى هذا النفي . فإن الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات أبدا من غير تبدل ولا زوال وكذلك قوله : { وهو يطعم ولا يطعم } ( الأنعام : 14 ) يدل على كونه قائما بنفسه غنيا في ذاته لأن الجماد أيضا لا يأكل ولا يطعم . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { لا تدركه الابصار } يمتنع أن يفيد المدح والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء ، وذلك هو الذي قلناه ، فإنه يفيد كونه تعالى قادرا على حجب الأبصار ومنعها عن إدراكه ورؤيته . وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة فسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه . المسألة الثالثة : اعلم أن القاضي ذكر في ( تفسيره ) وجوها أخرى تدل على نفي الرؤية وهي في الحقيقة خارجة عن التمسك بهذه الآية ومنفصلة عن علم التفسير وخوض في علم الأصول ، ولما فعل القاضي ذلك فنحن ننقلها ونجيب عنها ثم نذكر لأصحابنا وجوها دالة على صحة الرؤية . أما القاضي فقد تمسك بوجوه عقلية أولها : أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضرا وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة وهي أن لا يحصل القرب القريب ولا البعد البعيد ولا يحصل الحجاب ويكون المرئي مقابلا أو في حكم المقابل فإنه يجب حصول الرؤية ، إذ لو جاز مع حصول هذه الأمور أن لا تحصل الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نسمعها ولا نراها وذلك يوجب السفسطة .
قالوا إذا ثبت هذا فنقول : إن انتفاء القرب القريب والبعد البعيد والحجاب وحصول المقابلة في حق الله تعالى ممتنع ، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون المقتضي لحصول تلك الرؤية هو سلامة الحاسة وكون المرئي تصح رؤيته . وهذان المعنيان حاصلان في هذا الوقت . فلو كان بحيث تصح رؤيته لوجب أن تحصل رؤيته في هذا الوقت . وحيث لم تحصل هذه الرؤية علمنا أنه ممتنع الرؤية . / والحجة الثانية : أن كل ما كان مرئيا كان مقابلا أو في حكم المقابل والله تعالى ليس كذلك ، فوجب أن تمتنع رؤيته . والحجة الثالثة : قال القاضي : ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار ؟ إما أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا يوجب أنه جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب . والحجة الرابعة : قال القاضي : إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال حتى عند الجماع وغيره فهو باطل ، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضا باطل ، لأن ذلك يوجب أنه تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد . وأيضا فرؤيته أعظم اللذات ، وإذا كان كذلك وجب أن يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبدا . فإذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة . فهذا مجموع ما ذكره في ( كتاب التفسير ) . واعلم أن هذه الوجوه في غاية الضعف . أما الوجه الأول : فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط واجبة ، فلم قلتم إنه يلزم منه أن يكون رؤية الله تعالى عند سلامة الحاسة وعند كون المرئي بحيث يصح رؤيته واجبة ؟ ألم تعلموا أن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه ، والعجب من هؤلاء المعتزلة أن أولهم وآخرهم عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام . وأما الوجه الثاني : فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا ؟ فإما أن تدعوا أن العلم بامتناع رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولوا أنه علم استدلالي ، والأول باطل لأنه لو كان العلم به بديهيا لما وقع الخلاف فيه بين العقلاء . وأيضا فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهيا كان الاشتغال بذكر الدليل عبثا فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة . وإن كان الثاني فنقول : قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل إعادة لعين الدعوى ، لأن حاصل الكلام أنكم قلتم : الدليل على أن ما لا يكون مقابلا ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته ، أن كل ما كان مرئيا فإنه يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل ، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا الكلام إلا إعادة الدعوى . وأما الوجه الثالث : فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه وأهل النار لا يرونه ؟ لا لأجل القرب والبعد كما ذكرت ، بل لأنه تعالى يخلق الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها / في عيون أهل النار فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نراها ولا نسمعها ، كان هذا رجوعا إلى الطريقة الأولى ، وقد سبق جوابها .
وأما الوجه الرابع : فيقال لم لا يجوز أن يقال : إن المؤمنين يرون الله تعالى في حال دون حال . أما قوله فهذا يقتضي أن يقال : إنه تعالى مرة يقرب ومرة يبعد ، فيقال هذا عود إلى أن الإبصار لا يحصل إلا عند الشرائط المذكورة ، وهو عود إلى الطريق الأول ، وقد سبق جوابه ، وقوله ثانيا : الرؤية أعظم اللذات ، فيقال له إنها وإن كانت كذلك إلا أنه لا يبعد أن يقال إنهم يشتهونها في حال دون حال ، بدليل أن سائر لذات الجنة ومنافعها طيبة ولذيذة ثم إنها تحصل في حال دون حال فكذا ههنا . فهذا تمام الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها في هذا الباب . المسألة الرابعة : في تقرير الوجوه الدالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى ونحن بعدها هنا عدا ، ونحيل تقريرها إلى المواضع اللائقة بها . فالأول : أن موسى عليه السلام طلب الرؤية من الله تعالى ، وذلك يدل على جواز رؤية الله تعالى . والثاني : أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل حيث قال : { فإن استقر مكانه فسوف ترانى } ( الأعراف : 143 ) واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز ، وهذان الدليلان سيأتي تقريرهما إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف . الحجة الثالثة : التمسك بقوله : { لا تدركه الابصار } من الوجوه المذكورة . الحجة الرابعة : التمسك بقوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) وزيادة وتقريره قد ذكرناه في سورة يونس . الحجة الخامسة : التمسك بقوله تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه } ( الكهف : 110 ) وكذا القول في جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في هذا التفسير مرارا وأطوارا . الحجة السادسة : التمسك بقوله تعالى : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } ( الأنسان : 20 ) فإن إحدى القراآت في هذه الآية : { ملكا } بفتح الميم وكسر اللام ، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى . وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها . الحجة السابعة : التمسك بقوله تعالى : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } ( المطففين : 15 ) وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين عن رؤية الله عز وجل . الحجة الثامنة : التمسك بقوله تعالى : { ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى } ( النجم : 13 ، 14 ) وتقرير هذه الحجة سيأتي في تفسير سورة النجم . الحجة التاسعة : أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه ، وأكمل / طرق المعرفة هو الرؤية . فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى : { ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم } ( فصلت : 31 ) . الحجة العاشرة : قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } ( الكهف : 107 ) دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلا للمؤمنين ، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز ، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالا من ذلك النزل ، وما ذاك إلا الرؤية .
الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 22 ، 23 ) وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب . وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام : ( سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ) واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي ، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) فقال الحسنى هي الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الله ، ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى الله ليلة المعراج ، ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب ؟ وما نسبه إلى البدعة والضلالة ، وذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلا في رؤية الله تعالى ، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية . المسألة الخامسة : دل قوله تعالى : { وهو يدرك الابصار } على أنه تعالى يرى الأشياء ويبصرها ويدركها . وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار عين الأبصار . أو المراد منه المبصرين ، فإن كان الأول وجب الحكم بكونه تعالى رائيا لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين ، وكل من قال ذلك قال إنه تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات . وإن كان الثاني وجب الحكم بكونه تعالى رائيا للمبصرين ، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصرا للمبصرات رائيا للمرئيات . المسألة السادسة : قوله تعالى : { وهو يدرك الابصار } يفيد الحصر معناه أنه تعالى هو يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى ، والمعنى أن الأمر الذي به يصير الحي رائيا للمرئيات ومبصرا للمبصرات ومدركا للمدركات ، أمر عجيب وماهية شريفة ، لا يحيط العقل بكنهها . ومع ذلك فإن الله تعالى مدرك لحقيقتها مطلع على ماهيتها ، فيكون المعنى من قوله : { لا تدركه الابصار } هو أن شيئا من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته ، وأن عقلا من العقول لا يقف على كنه صمديته ، فكلت الأبصار عن إدراكه ، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته ، / وكما أن شيئا لا يحيط به ، فعلمه محيط بالكل ، وإدراكه متناول للكل ، فهذا كيفية نظم هذه الآية . المسألة السابعة : قوله : { وهو اللطيف الخبير } اللطافة ضد الكثافة ، والمراد منه الرقة ، وذلك في حق الله ممتنع ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه : الوجه الأول : المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة ، والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله تعالى . الوجه الثاني : أنه سبحانه لطيف في الإنعام والرأفة والرحمة . والوجه الثالث : أنه لطيف بعباده ، حيث يثني عليهم عند الطاعة ، ويأمرهم بالتوبة عند المعصية ، ولا يقطع عنهم سواد رحمته سواء كانوا مطيعين أو كانوا عصاة . الوجه الرابع : أنه لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم ، وينعم عليهم بما هو فوق استحقاقهم . وأما الخبير : فهو من الخبر وهو العلم ، والمعنى أنه لطيف بعباده مع كونه عالما بما هم عليه من ارتكاب المعاصي والإقدام على القبائح ، وقال صاحب ( الكشاف ) { اللطيف } معناه : أنه يلطف عن أن تدركه الأبصار { الخبير } بكل لطيف ، فهو يدرك الأبصار ، ولا يلطف شيء عن إدراكه ، وهذا وجه حسن . ! 7 < { قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ومآ أنا عليكم بحفيظ } . > 7 ! < <
الأنعام : ( 104 ) قد جاءكم بصائر . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قرر هذه البيانات الظاهرة ، والدلائل القاهرة في هذه المطالب العالية الشريفة الإلهية . عاد إلى تقرير أمر الدعوى والتبليغ والرسالة فقال : { قد جاءكم بصائر من ربكم } والبصائر جمع البصيرة ، وكما أن البصر اسم للإدراك التام الكامل الحاصل بالعين التي في الرأس ، فالبصيرة اسم للإدراك التام الحاصل في القلب . قال تعالى : { بل الإنسان على نفسه بصيرة } ( القيامة : 14 ) أي له من نفسه معرفة تامة ، وأراد بقوله : { قد جاءكم بصائر من ربكم } الآيات المتقدمة ، وهي في أنفسها ليست بصائر إلا أنها لقوتها وجلالتها توجب البصائر لمن عرفها ، ووقف على حقائقها ، فلما كانت هذه الآيات أسبابا لحصول البصائر . سميت هذه الآيات أنفسها بالبصائر ، والمقصود من هذه الآية بيان ما يتعلق بالرسول وما لا يتعلق به . / أما القسم الأول : وهو الذي يتعلق بالرسول ، فهو الدعوة إلى الدين الحق ، وتبليغ الدلالة والبينات فيها ، وهو أنه عليه السلام ما قصر في تبليغها وإيضاحها وإزالة الشبهات عنها ، وهو المراد من قوله : { قد جاءكم بصائر من ربكم } . وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يتعلق بالرسول ، فإقدامهم على الإيمان وترك الكفر ، فإن هذا لا يتعلق بالرسول ، بل يتعلق باختيارهم ، ونفعه وضره عائد إليهم ، والمعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر ، وإياها نفع ، ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر بالعمى { وما أنا عليكم بحفيظ } احفظ أعمالكم وأجازيكم عليها . إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم . المسألة الثانية : في أحكام هذه الآية ، وهي أربعة ذكرها القاضي : فالأول : الغرض بهذه البصائر أن ينتفع بها اختيارا استحق بها الثواب لا أن يحمل عليها أو يلجأ إليها ، لأن ذلك يبطل هذا الغرض . والثاني : أنه تعالى إنما دلنا وبين لنا منافع ، وأغراض المنافع تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى الله تعالى . والثالث : أن المرء بعدوله عن النظر والتدبر يضر بنفسه ، ولم يؤت إلا من قبله لا من قبل ربه . والرابع : أنه متمكن من الأمرين ، فلذلك قال : { فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } قال : وفيه إبطال قول المجبرة في المخلوق ، وفي أنه تعالى يكلف بلا قدرة . واعلم أنه متى شرعت المعتزلة في الحكمة والفلسفة والأمر والنهي ، فلا طريق فيه إلا معارضته بسؤال الداعي فإنه يهدم كل ما يذكرونه . المسألة الثالثة : المراد من الإبصار ههنا العلم ، ومن العمي الجهل ، ونظيره قوله تعال : { فإنها لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) . المسألة الرابعة : قال المفسرون قوله : { فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } معناه لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل . قالوا : وهذا إنما كان قبل الأمر بالقتال ، فلما أمر بالقتال صار حفيظا عليهم ، ومنهم من يقول آية القتال ناسخة لهذه الآية ، وهو بعيد فكأن هؤلاء المفسرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة إليه ، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل عدم النسخ ، فوجب السعي في تقليله بقدر الإمكان . ! 7 < { وكذالك نصرف الا يات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 105 ) وكذلك نصرف الآيات . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في إثبات / النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?