Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V13/P109–V13/P110

فالشبهة الأولى : قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء ، وتنظمه من عند نفسك ، ثم تقرأه علينا ، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى ، ثم إنه تعالى أجاب عنه بالوجوه الكثيرة ، فهذا تقرير النظم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المراد من قوله : { وكذالك نصرف الايات } يعني أنه تعالى يأتي بها متواترة حالا بعد حال ، ثم قال : { وليقولوا درست } وفيه مباحث : البحث الأول : حكى الواحدي : في قوله درس الكتاب قولين : الأول : قال الأصمعي أصله من قولهم : درس الطعام إذا داسه ، يدرسه دراسا والدراس الدياس بلغة أهل الشام قال : ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه . والثاني : قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه ، من قولهم درست الثوب أدرسه درسا فهو مدروس ودريس ، أي أخلقته ، ومنه قيل للثوب الخلق دريس لأنه قد لان ، والدراسة الرياضة ، ومنه درست السورة حتى حفظتها ، ثم قال الواحدي : وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى الدليل والتليين . البحث الثاني : قرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف ونصب التاء ، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرؤا عليك ، وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة ، ويقوى هذه القراءة قوله تعالى : { وقال الذين كفروا إن هاذا إلا إفك افتراه وأعانه } ( الفرقان : 4 ) وقرأ ابن عامر { درست } أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت ، ومضت من الدرس الذي هو تعفى الأثر وإمحاء الرسم ، قال الأزهري من قرأ { درست } فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس الأثر يدرس دروسا . واعلم أن صاحب ( الكشاف ) روى ههنا قراآت أخرى : فإحداها : { درست } بضم الراء مبالغة في { درست } أي اشتد دروسها . وثانيها : { درست } على البناء للمفعول بمعنى قدمت وعفت . وثالثها : { دارست } وفسروها بدارست اليهود محمدا . ورابعها : { درس } أي درس محمد . وخامسها : { دارسات } على معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية . البحث الثالث : ( الواو ) في قوله : { الايات وليقولوا } عطف على مضمر والتقدير وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه .

Bagian V13/P110–V13/P111

/ البحث الرابع : اعلم أنه تعالى قال : { وكذالك نصرف الايات } ثم ذكر الوجه الذي لأجله صرف هذه الآيات وهو أمران : أحدهما قوله تعالى : { وليقولوا } والثاني قوله : { درست ولنبينه لقوم يعلمون } أما هذا الوجه الثاني فلا إشكال فيه لأنه تعالى بين أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والفهم والعلم . وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله : { وليقولوا } لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول ، وعند هذا الكلام عاد بحث مسألة الجبر والقدر . فأما أصحابنا فإنهم أجروا الكلام على ظاهره فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفرا على كفر ، وتثبيتا لبعضهم فيزداد إيمانا على إيمان ، ونظيره قوله تعالى : { مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) وقوله : { وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) وأما المعتزلة فقد تحيروا . قال الجبائي والقاضي : وليس فيه إلا أحد وجهين : الأول : أن يحمل هذا الإثبات على النفي ، والتقدير : وكذلك نصرف الآيات لئلا يقولوا درست . ونظيره قوله تعالى : { يبين الله لكم أن تضلوا } ومعناه : لئلا تضلوا . والثاني : أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة . والتقدير : أن عاقبة أمرهم عند تصريفنا هذه الآيات أن يقولوا هذا القول مستندين إلى اختيارهم ، عادلين عما يلزم من النظر في هذه الدلائل . هذا غاية كلام القوم في هذا الباب . ولقائل أن يقول : أما الجواب الأول فضعيف من وجهين : الأول : أن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وتغيير له ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يبقى وثوق لا بنفيه ولا بإثباته ، وذلك يخرجه عن كونه حجة وأنه باطل . والثاني : أن بتقدير أن يجوز هذا النوع من التصرف في الجملة ، إلا أنه غير لائق البتة بهذا الموضع ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر آيات القرآن نجما نجما ، والكفار كانوا يقولون : إن محمدا يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها ، ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء ، فلم لايأتي بهذا القرآن دفعة واحدة ؟ كما أن موسى عليه السلام أتى بالتوراة دفعة واحدة . إذا عرفت هذا فنقول : إن تصريف هذه الآيات حالا فحالا هي التي أوقعت الشبهة للقوم في أن محمدا صلى الله عليه وسلم ، إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين وعلى ما يقول الجبائي والقاضي فإنه يقتضي أن يكون تصريف هذه الآيات حالا بعد حال يوجب أن يمتنعوا من القول بأن محمدا عليه الصلاة والسلام إنما أتى بهذا القرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة . فثبت أن الجواب الذي ذكره إنما يصح لو جعلنا تصريف الآيات علة لأن يمتنعوا من ذلك القول ، مع أنا بينا أن تصريف الآيات ، هو الموجب لذلك القول فسقط هذا الكلام .

Bagian V13/P111–V13/P112

/ وأما الجواب الثاني : وهو حمل اللام على لام العاقبة ، فهو أيضا بعيد لأن حمل هذه اللام على لام العاقبة مجاز ، وحمله على لام الغرض حقيقة ، والحقيقة أقوى من المجاز فلو قلنا : ( اللام ) في قوله : { وليقولوا درست } لام العاقبة في قوله : { ولنبينه لقوم يعلمون } للحقيقة فقد حصل تقديم المجاز على الحقيقة في الذكر وأنه لا يجوز . فثبت بما ذكرنا ضعف هذين الجوابين وأن الحق ما ذكرنا أن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ومما يؤكد هذا التأويل قوله : { ولنبينه لقوم يعلمون } يعني أنا ما بيناه إلا لهؤلاء ، فأما الذين لا يعلمون فما بينا هذه الآيات لهم ، ولما دل هذا على أنه تعالى ما جعله بيانا إلا للمؤمنين ثبت أنه جعله ضلالا للكافرين وذلك ما قلنا . والله أعلم . ! 7 < { اتبع مآ أوحى إليك من ربك لاإلاه إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } . > 7 < الأنعام : ( 106 - 107 ) اتبع ما أوحي . . . . . > > قوله تعالى : { اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إلاه إلا هو وأعرض عن المشركين } . اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى الافتراء أو إلى أنه يدارس أقواما ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآنا ويدعي أنه نزل عليه من الله تعالى ، أتبعه بقوله : { اتبع ما أوحى إليك من ربك } لئلا يصير ذلك القول سببا لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة ، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك الشبهة ، ونبه بقوله : { لا إلاه إلا هو } على أنه تعالى لما كان واحدا في الإلهية فإنه يجب طاعته ، ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين . وأما قوله : { وأعرض عن المشركين } فقيل : المراد ترك المقابلة ، فلذلك قالوا إنه منسوخ ، وهذا ضعيف لأن الأمر بترك المقابلة في الحال لا يفيد الأمر بتركها دائما ، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النسخ . وقيل المراد ترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه ، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغليظ . قوله تعالى : { ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل } . / < < الأنعام : ( 108 ) ولا تسبوا الذين . . . . . > > اعلم أن هذا الكلام أيضا متعلق بقولهم للرسول عليه السلام إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم ، فكأنه تعالى يقول له لا تلتفت إلى سفاهات هألاء الكفار ، ولا يثقلن عليك كفرهم ، فإني لو أردت إزالة الكفر عنهم لقدرت ، ولكني تركتهم مع كفرهم ، فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم .

Bagian V13/P112–V13/P113

واعلم أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى : { ولو شاء الله ما أشركوا } والمعنى : ولو شاء الله أن لا يشركوا ما أشركوا ، وحيث لم يحصل الجزاء علمنا أنه لم يحصل الشرط ، فعلمنا أن مشيئة الله تعالى بعدم إشراكهم غير حاصلة . قالت المعتزلة : ثبت بالدليل أنه تعالى أراد من الكل الإيمان ، وما شاء من أحد الكفر والشرك ، وهذه الآية تقتضي أنه تعالى ما شاء من الكل الإيمان ، فوجب التوفيق بين الدليلين فيحمل مشيئة الله تعالى لإيمانهم على مشيئة الإيمان الاختياري الموجب للثواب والثناء ويحمل عدم مشيئته لإيمانهم على الإيمان الحاصل بالقهر والجبر وللإلجاء . يعني أنه تعالى ما شاء منهم أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر والإلجاء ، لأن ذلك يبطل التكليف ويخرج الإنسان عن استحقاق الثواب . هذا ما عول القوم عليه في هذا الباب ، وهو في غاية الضعف ويدل عليه وجوه : الأول : لا شك أنه تعالى هو الذي أقدر الكافر على الكفر فقدرة الكفر إن لم تصلح للإيمان فخالق تلك القدرة لا شك أنه كان مريدا للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان لم يترجح جانب الكفر على جانب الإيمان إلا عند حصول داع يدعوه إلى الإيمان ، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، ومجموع القدرة مع الداعي إلى الكفر يوجب الكفر ، وإذا كان خالق القدرة والداعي هو الله تعالى ، وثبت أن مجموعهما يوجب الكفر . ثبت أنه تعالى قد أراد الكفر من الكافر . الثاني : في تقرير هذا الكلام أن نقول : إنه تعالى كان عالما بعدم الإيمان من الكافر ، ووجود الإيمان مع العلم بعدم الإيمان متضادان ومع وجود أحد الضدين كان حصول الضد الثاني محالا / والمحال مع العلم بكونه محالا غير مراد ، فامتنع أن يقال إنه تعالى يريد الإيمان من الكافر . الثالث : هب أن الإيمان الاختياري أفضل وأنفع من الإيمان الحاصل بالجبر والقهر إلا أنه تعالى لما علم أن ذلك الأنفع لا يحصل البتة ، فقد كان يجب في حكمته ورحمته أن يحلق فيه الإيمان على سبيل الإلجاء ، لأن هذا الإيمان وإن كان لا يوجب الثواب العظيم ، فأقل ما فيه أن يخلصه من العقاب العظيم ، فترك إيجاد هذا الإيمان فيه على سبيل الإلجاء يوجب وقوعه في أشد العذاب ، وذلك لا يليق بالرحمة والإحسان ومثاله أن من كان له ولد عزيز وكان هذا الأب في غاية الشفقة وكان هذا الولد واقفا على طرف البحر فيقول الوالد له : غص في / قعر هذا البحر لتستخرج اللآلي العظيمة الرفيعة العالية منه ، وعلم الوالد قطعا أنه إذا غاص في البحر هلك وغرق ، فهذا الأب إن كان ناظرا في حقه مشفقا عليه وجب عليه أن يمنعه من الغوص في قعر البحر ويقول له : اترك طلب تلك اللآلي فإنك لا تحدها وتهلك ، ولكن الأولى لك أن تكتفي بالرزق القليل مع السلامة ، فأما أن يأمره بالغوص في قعر البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فهذا يدل على عدم الرحمة وعلى السعي في الإهلاك فكذا ههنا والله أعلم . واعلم أنه تعالى لما بين أنه لا قدرة لأحد على إزالة الكفر عنهم ختم الكلام بما يكمل معه تبصير الرسول عليه السلام ، وذلك أنه تعالى بين له قدر ما جعل إليه فذكر أنه تعالى ما جعله عليهم حفيظا ولا وكيلا على سبيل المنع لهم ، وإنما فوض إليه البلاغ بالأمر والنهي في العمل والعلم وفي البيان بذكر الدلائل والتنبيه عليها فإن انقادوا للقبول فنفعه عائد إليه ، وإلا فضرره عائد عليهم وعلى التقديرين فلا يخرج صلى الله عليه وسلم من الرسالة والنبوة والتبليغ .

Bagian V13/P113–V13/P114

! 7 < { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } . > 7 ! اعلم أن هذا الكلام أيضا متعلق بقولهم للرسول عليه السلام : إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم ، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين إذا سمعوا ذلك الكلام من الكفار غضبوا وشتموا آلهتهم على سبيل المعارضة ، فنهى الله تعالى عن هذا العمل ، لأنك متى شتمت آلهتهم غضبوا فربما ذكروا الله تعالى بما لا ينبغي من القول ، فلأجل الاحتراز عن هذا المحذور وجب الاحتراز عن ذلك المقال ، وبالجملة فهو تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والسفاهة وذلك لا يليق بالعقلاء ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول الآية وجوها : الأول : قال ابن عباس : لما نزل { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) قال المشركون : لئن لم تنته عن سب آلهتنا وشتمها لنهجون إلهك فنزلت هذه الآية ، أقول : لي ههنا إشكالان : الأول : أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة فكيف يمكن أن يقال : إن سبب نزول هذه الآية كذا وكذا . الثاني : أن / الكفار كانوا مقرين بالإله تعالى وكانوا يقولون : إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله تعالى ، وإذا كان كذلك ، فكيف يعقل إقدامهم على شتم الله تعالى وسبه . والقول الثاني : في سبب نزول هذه الآية . قال السدي : لما قربت وفاة أبي طالب قالت قريش : ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنا فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب : كان يمنعه فلما مات قتلوه . فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر الحرث مع جماعة إليه وقالوا له : أنت كبيرنا وخاطبوه بما أرادوا . فدعا محمدا عليه الصلاة والسلام وقال : هؤلاء قومك وبنو عمك يطلبون منك أن تتركهم على دينهم ، وأن يتركوك على دينك فقال عليه الصلاة والسلام : ( قولوا لا إله إلا الله ) فأبوا فقال أبو طالب : قل غير هذه الكلمة فإن قومك يكرهونها . فقال عليه الصلاة والسلام : ( ما أنا بالذي أقول غيرها حتى تأتوني بالشمس فتضعوها في يدي فقالوا له اترك شتم آلهتنا وإلا شتمناك ، ومن يأمرك بذلك فذلك قوله تعالى : { فيسبوا الله عدوا بغير علم } . واعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود الإله تعالى فاستحال إقدامهم على شتم الإله بل ههنا احتمالات : أحدها : أنه ربما كان بعضهم قائلا بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي بهذا النوع من السفاهة . وثانيها : أن الصحابة متى شتموا الأصنام فهم كانوا يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى كما في قوله : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) وكقوله : { إن الذين يؤذون الله } ( الأحزاب : 57 ) وثالثها : أنه ربما كان في جهالهم من كان يعتقد أن شيطانا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة ، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك الشيطان بأنه إله محمد عليه الصلاة والسلام فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن شتم الأصنام من أصول الطاعات ، فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهى عنها .

Bagian V13/P114–V13/P115

والجواب : أن هذا الشتم ، وإن كان طاعة . إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم / وجب الاحتراز منه ، والأمر ههنا كذلك ، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله ، وعلى فتح باب السفاهة ، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين ، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم ، فلكونه مستلزما لهذه المنكرات ، وقع النهي عنه . المسألة الثالثة : قرأ الحسن : { فيسبوا الله عدوا } بضم العين وتشديد الواو ، ويقال : عدا فلان عدوا وعدوا وعدوانا وعدا . أي ظلم ظلما جاوز القدر . قال الزجاج : وعدوا منصوب على المصدر ، لأن المعنى فيعدوا عدوا . قال : ويجوز أن يكون بإرادة اللام ، والمعنى : فينسبوا الله للظلم . / المسألة الرابعة : قال الجبائي : دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يفعل بالكفار ما يزدادون به بعدا عن الحق ونفورا . إذ لو جاز أن يفعله لجاز أن يأمر به ، وكان لا ينهى عما ذكرنا ، وكان لا يأمر بالرفق بهم عند الدعاء . كقوله لموسى وهرون : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وذلك يبين بطلان مذهب المجبرة . المسألة الخامسة : قالوا هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر ، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر ، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين ، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب ، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها ، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها . وأما قوله تعالى : { كذلك زينا لكل أمة عملهم } فاحتج أصحابنا بهذا على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر ، وللمؤمن الإيمان ، وللعاصي المعصية ، وللمطيع الطاعة . قا الكعبي : حمل الآية على هذا المعنى محال ، لأنه تعالى هو الذي يقول : { الشيطان سول لهم } ( محمد : 25 ) ويقول : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ( البقرة : 257 ) ثم إن القوم ذكروا في الجواب وجوها : الأول : قال الجبائي : المراد زينا لكل أمة تقدمت ما أمرناهم به من قبول الحق والكعبي أيضا ذكر عين هذا الجواب فقال : المراد أنه تعالى زين لهم ما ينبغي أن يعملوا وهم لا ينتهون . الثاني : قال آخرون : المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم ، أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم . والثالث : أمهلنا الشيطان حتى زين لهم ، والرابع : زيناه في زعمهم وقولهم : إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا . هذا مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلي القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص ، وذلك لأنا بينا غير مرة أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي . وبينا أن تلك الداعية لا بد وأن تكون بخلق الله تعالى ، ولا معنى لتلك الداعية إلا علمه واعتقاده أو ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد ، ومصلحة راجحة ، وإذا كانت تلك الداعية حصلت بفعل الله تعالى ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا كونه معتقدا لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد ، والمصلحة الراجحة .

Bagian V13/P115–V13/P116

ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل ، ولا قول ولا حركة ولا سكون ، إلا إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده ، وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرا وجهلا ، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانا وعلما وصدقا وحقا فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل . الثاني : ثم إنا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ذلك / الجهل السابق ، فإن كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم أن يستمر ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال ، ولما كان ذلك باطلا وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه ابتداء / وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه إيمانا وحقا وعلما وصدقا ، فثبت أنه يستحيل من الكافر اختيار الجهل والكفر إلا إذا زين الله تعالى ذلك الجهل في قلبه ، فثبت بهذين البرهانين القاطعين القطعيين أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي لا محيد عنه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها ، لأن المصير إلى التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره . أما لما قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر ، فقد سقطت هذه التكليفات بأسرها والله أعلم . وأيضا فقوله تعالى : { كذلك زينا لكل أمة عملهم } بعد قوله : { فيسبوا الله عدوا بغير علم } مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله تعالى . فأما أن يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال الصالحة في قلوب الأمم ، فهذا كلام منقطع عما قبله ، وأيضا فقوله : { كذلك زينا لكل أمة عملهم } يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة ، فتخصيص هذا الكلام بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم ، وأما سائر التأويلات ، فقد ذكرها صاحب ( الكشاف ) : وسقوطها لا يخفى ، والله أعلم . أما قوله تعالى : { ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } فالمقصود منه أن أمرهم مفوض إلى الله تعالى ، وإن الله تعالى عالم بأحوالهم . مطلع على ضمائرهم . ورجوعهم يوم القيامة إلى الله فيجازي كل أحد بمقتضى عمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . ! 7 < { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم ءاية ليؤمنن بها قل إنما الا يات عند الله وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 109 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . > > اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار شبهة توجب الطعن في نبوته ، وهي قولهم إن هذا القرآن إنما جئتنا به لأنك تدارس العلماء ، وتباحث الأقوام الذين عرفوا التوارة والإنجيل . ثم تجمع هذه السور وهذه الآيات بهذا الطريق . ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بما سبق ، وهذه الآية مشتملة على شبهة أخرى وهي قولهم له إن هذا القرآن كيفما كان أمره ، فليس من جنس المعجزات البتة ، ولو / أنك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لآمنا بك ، وحلفوا على ذلك وبالغوا في تأكيد ذلك الحلف ، فالمقصود من هذه الآية تقرير هذه الشبهة . وفي الآية مسائل :

Bagian V13/P116–V13/P117

المسألة الأولى : قال الواحدي : إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان : إما مثبتا للشيء ، وإما نافيا . ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب احتاج المخبر إلى طريق به يتوسل إلى ترجيح جانب الصدق على جانب الكذب ، وذلك هو الحلف ولما كانت الحاجة إلى ذكر الحلف ، إنما تحصل عند انقسام الناس عند سماع ذلك الخبر إلى مصدق به ومكذب به . سموا الحلف بالقسم ، وبنوا تلك الصيغة على أفعل فقالوا : أقسم فلان يقسم إقساما : وأرادوا أنه أكد القسم الذي اختاره وأحال الصدق إلى القسم الذي اختاره بواسطة الحلف واليمين . المسألة الثانية : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : قالوا لما نزل قوله تعالى : { إن نشأ ننزل عليهم من السماء ءاية فظلت أعناقهم لها خاضعين } ( الشعراء : 4 ) أقسم المشركون بالله لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فنزلت هذه الآية . الثاني : قال محمد بن كعب القرظي : إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر الماء ، وأن عيسى أحيا الميت ، وأن صالحا أخرج الناقة من الجبل ، فأتنا أيضا أنت بآية لنصدقك فقال عليه الصلاة والسلام : ( ما الذي تحبون ) فقالوا : أن تجعل لنا الصفا ذهبا ، وحلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون ، فقام عليه الصلاة والسلام يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال : إن شئت كان ذلك ، ولئن كان فلم يصدقوا عنده ، ليعذبنهم ، وإن تركوا تاب على بعضهم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( بل يتوب على بعضهم ) فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله : { جهد أيمانهم } وجوها : قال الكلبي ومقاتل : إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه . وقال الزجاج : بالغوا في الأيمان وقوله : { لئن جاءتهم ءاية } اختلفوا في المراد بهذه الآية . فقيل : ما روينا من جعل الصفا ذهبا ، وقيل : هي الأشياء المذكورة في قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين الذين كذبوا أنبياءهم فالمشركون طلبوا مثلها . وقوله : { قل إنما الايات عند الله } ذكروا في تفسير لفظة { عند } وجوها ، فيحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا الله سبحانه وتعالى ؛ ويحتمل أن يكون المراد / بالعندية أن العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إقدام هؤلاء الكفار على الإيمان أم لا ليس إلا عند الله ؟ ولفظ العندية بهذا المعنى كما في قوله : { وعنده مفاتح الغيب } ويحتمل أن يكون المراد أنها وإن كانت في الحال معدومة ؛ إلا أنه تعالى متى شاء إحداثها أحدثها ، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند الله يظهرها متى شاء ، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها ولفظ { عند } بهذا المعنى هنا كما في قوله : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه } ( الحجر : 21 ) .

Bagian V13/P117–V13/P118

ثم قال تعالى : { وما يشعركم } قال أبو علي ( ما ) استفهام وفاعل يشعركم ضمير ( ما ) والمعنى : وما يدريكم إيمانهم ؟ فحذف المفعول ، وحذف المفعول كثير . والتقدير : وما يدريكم إيمانهم ، أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات فهم لا يؤمنون . وقوله : { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { أنها } بكسر الهمزة على الاستئناف وهي القراءة الجيدة . والتقدير : أن الكلام تم عند قوله : { وما يشعركم } أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال : { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } قال سيبويه : سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه لا يفعل ؟ فقال الخليل : إنه لا يحسن ذلك ههنا لأنه لو قال : { وما يشعركم أنها } بالفتح لصار ذلك عذرا لهم ، هذا كلام الخليل . وتفسيره إنما يظهر بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر ، فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر ، فإذا قلت : وما يشعركم أني لو ذهبت إليه لحضر كان المعنى : أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر أيضا فكذا ههنا قوله : { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } معناه أنها إذا جاءت آمنوا . وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذرا للكفار في طلب الآيات ، والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات ، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ الباقون من القراء { أنها } بالفتح وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الخليل : { ءان } بمعنى لعل تقول العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا أي لعلك ، فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدي : { ءان } بمعنى لعل كثير في كلامهم قال الشاعر : أريني جوادا مات هولا لأنني أرى ما تريني أو بخيلا مخلدا وقال آخر : هل أنتم عاجلون بنا لأنا نرى العرصات أو أثر الخيام وقال عدي بن حاتم : أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أوفي ضحى الغد وقال الواحدي : وفسر علي لعل منيتي روى صاحب ( الكشاف ) أيضا في هذا المعنى قول امرىء القيس : عوجا على الطلل المحيل لأننا نبكي الديار كما بكى ابن خذام / قال صاحب ( الكشاف ) ويقوي هذا الوجه قراءة أبي { أم لم تنذرهم لا يؤمنون } .

Bagian V13/P118–V13/P119

الوجه الثاني : في هذه القراءة أن تجعل { لا } صلة ومثله { ما منعك ألا تسجد } ( الأعراف : 12 ) معناه أن تسجد وكذلك قوله : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } ( الأنبياء : 95 ) أي يرجعون فكذا ههنا التقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون والمعنى : أنها لو جاءت لم يؤمنوا قال الزجاج ، وهذا الوجه ضعيف لأن ما كان لغوا يكون لغوا على جميع التقديرات ومن قرأ { أنها } بالكسر فكلمة { لا } في هذه القراءة ليست بلغو فثبت أنه لا يجوز جعل هذا اللفظ لغوا . قال أبو علي الفارسي : لم لا يجوز أن يكون لغوا على أحد التقديرين ويكون مفيدا على التقدير الثاني ؟ واختلف القراء أيضا في قوله : { لا يؤمنون } فقرأ بعضهم بالياء وهو الوجه لأن قوله : { وأقسموا بالله } إنما يراد به قوم مخصوصون ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة } وليس كل الناس بهذا الوصف ، والمعنى وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا فالوجه الياء وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب ، والمراد بالمخاطبين في { تؤمنون } هم الغائبون المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون ، وذهب مجاهد وابن زيد إلى أن الخطاب في قوله : { وما يشعركم } للكفار الذين أقسموا . قال مجاهد : وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت ، وهذا يقوي قراءة من قرأ { تؤمنون } بالتاء . على ما ذكرناأولا : الخطاب في قوله : { وما يشعركم } للكفار الذين أقسموا . وعلى ما ذكرنا ثانيا : الخطاب في قوله : { وما يشعركم } للمؤمنين ، وذلك لأنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الوجه كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ذلك وما يدريكم أنهم يؤمنون ؟ المسألة الرابعة : حاصل الكلام أن القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا ، فبين الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك ، إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا ، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم إلى هذا المطلوب . قال الجبائي والقاضي : هذه الآية تدل على أحكام كثيرة متعلقة بنصرة الاعتزال . الحكم الأول أنها تدل على أنه لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده لفعله لا محالة ، إذ لو جاز أن لا يفعله لم يكن لهذا الجواب فائدة ، لأنه إذا كان تعالى لا يجيبهم إلى مطلوبهم سواء آمنوا أو لم يؤمنوا لم يكن تعليق ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون عنده منتظما مستقيما ، فهذه الآية تدل على أنه تعالى يجب عليه أن يفعل كل ما هو في مقدوره من الألطاف والحكمة . / الحكم الثاني أن هذا الكلام إنما يستقيم لو كان لإظهار هذه المعجزات أثر في حملهم على الإيمان ، وعلى قول المجبرة ذلك باطل ، لأن عندهم الإيمان إنما يحصل بخلق الله تعالى ، فإذا خلقه حصل ، وإذا لم يخلقه لم يحصل ، فلم يكن لفعل الإلطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات . وأقول هذا الذي قاله القاضي غير لازم . أما الأول : فلأن القوم قالوا : لو جئتنا يا محمد بآية لآمنا بك ، فهذا الكلام في الحقيقة مشتمل على مقدمتين : إحداهما : أنك لو جئتنا بهذه المعجزات لآمنا بك . والثانية : أنه متى كان الأمر كذلك وجب عليك أن تأتينا بها ، والله تعالى كذبهم في المقام الأول ، وبين أنه تعالى وإن أظهرها لهم فهم لا يؤمنون ، ولم يتعرض البتة للمقام الثاني ، ولكنه في الحقيقة باق .

Bagian V13/P119–V13/P120

فإن لقائل أن يقول : هب أنهم لا يؤمنون عند إظهار تلك المعجزات ، فلم لم يجب على الله تعالى إظهارها ؟ اللهم إلا إذا ثبت قبل هذا البحث أن اللطف واجب على الله تعالى ، فحينئذ يحصل هذا المطلوب من هذه الآية ، إلا أن القاضي جعل هذه الآية دليلا على وجوب اللطف ، فثبت أن كلامه ضعيف . وأما البحث الثاني : وهو قوله : إذا كان الكل بخلق الله تعالى لم يكن لهذه الألطاف أثر فيه ، فنقول : الذي نقول به أن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي والعلم بحصول هذا اللطف أحد أجزاء الداعي وعلى هذا التقدير . فيكون لهذا اللطف أثر في حصول الفعل . ! 7 < { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم فى طغيانهم يعمهون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 110 ) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم . . . . . > > هذا أيضا من الآيات الدالة على قولنا : إن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره ، والتقلب والقلب واحد ، وهو تحويل الشيء عن وجهه ، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار : هو أنه إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها وعرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول ، إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات ، والمقصود من هذه الآية تقرير ما ذكرناه في الآية الأولى من أن تلك الآيات القاهرة لو جاءتهم لما آمنوا بها ولما انتفعوا بظهورها البتة . / أجاب الجبائي عنه بأن قال : المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم كما لم يأمنوا به أول مرة في دار الدنيا . وأجاب الكعبي عنه : بأن المراد من قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } بأنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم . وأجاب القاضي : بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي قد ظهرت ، فلا تجدهم يؤمنون بها آخرا كما لم يؤمنوا بها أولا . واعلم أن كل هذه الوجوه في غاية الضعف ، وليس لأحد أن يعيبنا ، فيقول : إنكم تكررون هذه الوجوه في كل موضع ، فإنا نقول : إن هؤلاء المعتزلة لهم وجوه معدودة في تأويلات آيات الجزاء ، فهم يكررونها في كل آية ، فنحن أيضا نكرر الجواب عنها في كل آية ، فنقول : قد بينا أن القدرة الأصلية صالحة للضدين وللطرفين على السوية . فإذا لم ينضم على تلك القدرة داعية مرجحة امتنع حصول الرجحان ، فإذا انضمت الداعية المرجحة إما إلى جانب الفعل أو إلى جانب الترك ظهر الرجحان ، وتلك الداعية ليست إلا من الله تعالى قطعا للتسلسل . وقد ظهر صحة هذه المقدمات بالدلائل القاطعة اليقينية التي لا يشك فيها العاقل . وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ) فالقلب كالموقوف بين داعية الفعل وبين داعية الترك ، فإن حصل في القلب داعي الفعل ترجح جانب الفعل ، وإن حصل فيه داعي الترك ترجح جانب الترك ، وهاتان الداعيتان لما كانتا لا تحصلان إلا بإيجاد الله وتخليقه وتكوينه ، عبر عنهما بأصبعي الرحمن ، والسبب في حسن هذه الاستعارة أن الشيء الذي يحصل بين أصبعي الإنسان يكون كامل القدرة عليه . فإن شاء أمسكه وإن شاء أسقطه ، فههنا أيضا كذلك القلب واقف بين هاتين الداعيتين ، وهاتان الداعيتان حاصلتان بخلق الله تعالى ، والقلب مسخر لهاتين الداعيتين ، فلهذا السبب حسنت هذه الاستعارة ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول : ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك ) والمراد من قوله مقلب القلوب أن الله تعالى يقلبه تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس .

Bagian V13/P120–V13/P121

إذا عرفت هذه القاعدة فقوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } محمول على هذا المعنى الظاهر الجلي الذي يشهد بصحته كل طبع سليم وعقل مستقيم ، فلا حاجة البتة إلى ما ذكروه من التأويلات المستكرهة . وإنما قدم الله تعالى ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار ، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب . فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى ، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف / البصر عنه ، فهو وإن كان يبصره في الظاهر . إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سببا للوقوف على الفوائد المطلوبة . وهذا هو المراد من قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا } فلما كان المعدن هو القلب ، وأما السمع والبصر فهما آلتان للقلب ، كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب . فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب في هذه الآية ، ثم أتبعه بذكر تقليب البصر ، وفي الآية الأخرى وقع الابتداء بذكر تحصيل الكنان في القلب ثم أتبعه بذكر السمع ، فهذا هو الكلام القوي العقلي البرهاني الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ، فكيف يحسن مع ذلك حمل هذا اللفظ على التكلفات التي ذكروها ؟ ولنرجع إلى ما يليق بتلك الكلمات الضعيفة فنقول : أما الوجه الذي ذكره الجبائي فمدفوع لأن الله تعالى قال : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ثم عطف عليه فقال { ونذرهم فى طغيانهم يعمهون } ولا شك أن قوله : { ونذرهم } إنما يحصل في الدنيا ، فلو قلنا : المراد من قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } إنما يحصل في الآخرة ، كان هذا سوأ للنظم في كلام الله تعالى حيث قدم المؤخر وأخر المقدم من غير فائدة ، وأما الوجه الذي ذكره الكعبي فضعيف أيضا لأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر ، فهو الذي أوقع نفسه ذلك ذلك الحرمان والخدلان فكيف تحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } . وأما الوجه الثاني الذي ذكره القاضي فبعيد أيضا لأن المراد من قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } تقليب القلب من حالة إلى حالة ونقله من صفة إلى صفة . وعلى ما يقوله القاضي فليس الأمر كذلك بل القلب باق على حالة واحدة إلا أنه تعالى أدخل التقليب والتبديل في الدلائل ، فثبت أن الوجوه التي ذكروها فاسدة باطلة بالكلية . أما قوله تعالى : { كما لم يؤمنوا به أول مرة } فقال الواحدي فيه وجهان : الوجه الأول : دخلت الكاف على محذوف تقديره فلا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات ، والتقدير فلا يؤمنون في المرة الثانية من ظهور الآيات كما لم يؤمنوا به في المرة الأولى ، وأما الكناية في { به } فيجوز أن تكون عائدة إلى القرآن أو إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، أو إلى ما طلبوا من الآيات . الوجه الثاني : قال بعضهم : الكاف في قوله : { كما لم يؤمنوا به } بمعنى الجزاء ، ومعنى الآية ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الإيمان في المرة الأولى ، يعني كما لم يؤمنوا به أول مرة ، فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم في المرة الثانية ، وعلى هذا الوجه فليس في الآية محذوف ولا حاجة فيها إلى الإضمار . / وأما قوله تعالى : { ونذرهم فى طغيانهم يعمهون } فالجبائي قال : { ونذرهم } أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم من ذلك بمعاجلة الهلاك وغيره ، لكنا نمهلهم فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم ، وهو يوجب تأكيد الحجة عليهم ، وقال أصحابنا : معناه إنا نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان وفي ذلك الضلال والعمه .

Bagian V13/P121–V13/P122

ولقائل أن يقول للجبائي : إنك تقول إن إله العالم ما أراد بعبيده إلا الخير والرحمة ، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه ؟ ولم لا يخلصه عنه على سبيل الإلجاء والقهر ؟ أقصى ما في الباب أنه إن فعل به ذلك لم يكن مستحقا للثواب فيفوته الاستحقاق فقط ، ولكن يسلم من العقاب ، أما إذا تركه في ذلك العمه مع علمه بأنه يموت عليه ، فإنه لا يحصل استحقاق الثواب . ويحصل له العقاب العظيم الدائم / فالمفسدة الحاصلة عند خلق الإيمان فيه على سبيل الإلجاء مفسدة واحدة وهي فوت استحقاق الثواب ، أما المفسدة الحاصلة عند إبقائه على ذلك العمه والطغيان حتى يموت عليه فهي فوت استحقاق الثواب مع استحقاق العقاب الشديد ، والرحيم المحسن الناظر لعباده لا بد وأن يرجح الجانب الذي هو أكثر صلاحا وأقل فسادا ، فعلمنا أن إبقاء ذلك الكافر في ذلك العمه والطغيان يقدح في أنه لا يريد به إلا الخير والإحسان . ! 7 < { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولاكن أكثرهم يجهلون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 111 ) ولو أننا نزلنا . . . . . > > اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية تفصيل ما ذكره على سبيل الإجمال بقوله : { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } فبين أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة وإحياء الموتى حتى كلموهم بل لو زاد في ذلك ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : المستهزئون بالقرآن كانوا خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ، والأسود بن المطلب ، والحرث بن حنظلة ، ثم إنهم أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة ، وقالوا له أرنا الملائكة / يشهدوا بأنك رسول الله أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل ؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا أي كفيلا على ما تدعيه ، فنزلت هذه الآية ، وقد ذكرنا مرارا أنهم لما اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة كان القول بأن هذه الآية نزلت في الواقعة الفلانية مشكلا صعبا ، فأما على الوجه الذي قررناه وهو أن المقصود منه جواب ما ذكره بعضهم وهو أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لو جاءتهم آية لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فذكر الله تعالى هذا الكلام بيانا لكذبهم ، وأنه لا فائدة في إنزال الآيات بعد الآيات وإظهار المعجزات بعد المعجزات ، بل المعجزة الواحدة لا بد منها ليتميز الصادق عن الكاذب ، فأما الزيادة عليها فتحكم محض ولا حاجة إليه وإلا فلهم أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة الثانية ثالثة ، وبعد الثالثة رابعة ، ويلزم أن لا تستقر الحجة وأن لا ينتهي الأمر إلى مقطع ومفصل ، وذلك يوجب سد باب النبوات .

Bagian V13/P122–V13/P123

المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر { قبلا } ههنا وفي الكهف بكسر القاف وفتح الباء ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم فيهما في السورتين ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ههنا وفي الكهف بالكسر ، قال الواحدي : قال أبو زيد يقال لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا وقبلا وقبيلا كله واحد . وهو المواجهة . قال الواحدي : فعلى قول أبي زيد المعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان ، ومن الناس من أثبت بين اللفظين تفاوتا في المعنى ، فقال أما من قرأ { قبلا } بكسر القاف وفتح الباء ، فقال أبو عبيدة والفراء والزجاج : معناه عيانا ، يقال لقيته قبلا أي معاينة ، وروي عن أبي ذر قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : أكان آدم نبيا ؟ قال : ( نعم كان نبيا كلمه الله تعالى قبلا ) وأما من قرأ { قبلا } فله ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون جمع قبيل الذي يراد به الكفيل ، يقال قبلت بالرجل أقبل قبالة أي كلفت به . ويكون المعنى لو حشر عليهم كل شيء وكفلوا بصحة ما يقول لما آمنوا ، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق ، فإذا أنطق الله الكل وأطبقوا على قبول هذه الكفالة كان ذلك من أعظم المعجزات . وثانيها : أن يكون { قبلا } جمع قبيل بمعنى الصنف والمعنى : وحشرنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا ، وموضع الإعجاز فيه هو حشرها بعد موتها ، ثم إنها على اختلاف طبائعها تكون مجتمعة في موقف واحد . وثالثها : أن يكون { قبلا } بمعنى قبلا أي مواجهة ومعاينة كما فسره أبو زيد . أما قوله تعالى : { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد من الآية أنه تعالى لو أظهر جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم . قال أصحابنا : فلما لم يؤمنوا دل ذلك الدليل على / أنه تعالى ما شاء منهم الإيمان ، وهذا نص في المسألة . قالت المعتزلة : دل الدليل على أنه تعالى أراد الإيمان من جميع الكفار ، والجبائي ذكر الوجوه المشهورة التي لهم في هذه المسألة . أولها : أنه تعالى لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم لم يجب عليهم . وثانيها : لو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر مطيعا لله بفعل الكفر ، لأنه لا معنى للطاعة إلا بفعل المراد ، وثالثها : لو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به ، ورابعها : لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر . قالوا : فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلا الإيمان منهم وظاهره هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم ، والتناقض بين الدلائل ممتنع فوجب التوفيق ، وطريقه أن نقول إنه تعالى شاء من الكل الإيمان الذي يفعلونه على سبيل الاختيار وأنه تعالى ما شاء منهم الإيمان الحاصل على سبيل الإلجاء والقهر وبهذا الطريق زال الإشكال .

Bagian V13/P123–V13/P124

واعلم أن هذا الكلام أيضا ضعيف من وجوه : الأول : أن الإيمان الذي سموه بالإيمان الاختياري إن عنوا به أن قدرته صالحة للإيمان والكفر على السوية ، ثم إنه يصدر عنها الإيمان دون الكفر لا لداعية مرجحة ولا لإرادة مميزة ، فهذا قول برجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، وأيضا فبتقدير أن يكون ذلك معقولا في الجملة إلا أن حصول ذلك الإيمان لا يكون منه ، بل يكون حادثا لا لسبب ولا مؤثر أصلا لأن الحاصل هناك ليس إلا القدرة وهي بالنسبة إلى الضدين على السوية ، ولم يصدر من هذا القدر تخصيص لأحد الطرفين على الآخر بالوقوع والرجحان ، ثم إن أحد الطرفين قد حصل بنفسه فهذا لا يكون صادرا منه بل يكون صادرا لا عن سبب البتة ، وذلك يبطل القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر أصلا ، ولا يقوله عاقل ، وإما أن يكون هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري هو أن قدرته وإن كانت صالحة للضدين إلا أنها لا تصير مصدرا للإيمان إلا إذا انضم إلى تلك القدرة حصول داعية الإيمان كان هذا قولا بأن مصدر الإيمان هو مجموع القدرة مع الداعي ، وذلك المجموع موجب للإيمان ، فذلك هو عين ما يسمونه بالجبر وأنتم تنكرونه . فثبت أن هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري لم يحصل منه معنى معقول مفهوم ، وقد عرفت أن هذا الكلام في غاية القوة . والوجه الثاني : سلمنا أن الإيمان الاختياري مميز عن الإيمان الحاصل بتكوين الله تعالى إلا أنا نقول قوله تعالى : { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة } وكذا وكذا ما كانوا ليؤمنوا ، معناه : ما كانوا ليؤمنوا إيمانا اختياريا بدليل أن عند ظهور هذه الأشياء لا يبعد أن يؤمنوا إيمانا على سبيل الإلجاء والقهر . فثبت أن قوله : { ما كانوا ليؤمنوا } المراد : ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار ، ثم استثنى / عنه فقال : { إلا أن يشاء الله } والمستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى عنه . والإيمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري . فثبت أنه لا يجوز أن يقال المراد بقولنا إلا أن يشاء الله ، الإيمان الاضطراري بل يجب أن يكون المراد منه الإيمان الاختياري ، وحينئذ يتوجه دليل أصحابنا ويسقط عنه سؤال المعتزلة بالكلية . المسألة الثانية : قال الجبائي قوله تعالى : { إلا أن يشاء الله } يدل على حدوث مشيئة الله تعالى ، لأنها لو كانت قديمة لم يجز أن يقال ذلك ، كما لا يقال لا يذهب زيد إلى البصرة إلا أن يوحد الله تعالى / وتقريره ، أنا إذا قلنا : لا يكون كذلك إلا أن يشاء الله فهذا يقتضي تعليق حدوث هذا الجزاء على حصول المشيئة فلو كانت المشيئة قديمة لكان الشرط قديما ، ويلزم من حصول الشرط حصول المشروط ، فيلزم كون الجزاء قديما . والحس دل على أنه محدث فوجب كون الشرط حادثا ، وإذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون المشيئة حادثة . هذا تقرير هذا الكلام . والجواب : أن المشيئة وإن كانت قديمة إلا أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة وهذا القدر يكفي لصحة هذ الكلام ، ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : { ولاكن أكثرهم يجهلون } قال أصحابنا : المراد ، يجهلون بأن الكل من الله وبقضائه وقدره . وقال المعتزلة : المراد ، أنهم جهلوا أنهم يبقون كفارا عند ظهور الآيات التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها وكان أكثرهم يظنون ذلك . ! 7 < { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } . > 7 < الأنعام : ( 112 ) وكذلك جعلنا لكل . . . . . > > في الآية مسائل :

Bagian V13/P124–V13/P125

المسألة الأولى : قوله : { وكذالك } منسوق على شيء وفي تعيين ذلك الشيء قولان : الأول : أنه منسوق على قوله : { وكذالك زينا لكل أمة عملهم } أي كما فعلنا ذلك { كذالك جعلنا لكل نبى عدوا } الثاني : معناه : جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله : { كذالك } عطفا / على معنى ما تقدم من الكلام ، لأن ما تقدم يدل على أنه تعالى جعل له أعداء . المسألة الثانية : ظاهر قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا } أنه تعالى هو الذي جعل أولئك الأعداء أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن تلك العداوة معصية وكفر . فهذا يقتضي أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله تعالى ، أجاب الجبائي عنه : بأن المراد بهذا الجعل الحكم والبيان ، فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل : أنه كفره ، وإذا أخبر عن عدالته قيل : أنه عدله ، فكذا ههنا أنه تعالى لما بين للرسول عليه الصلاة والسلام كونهم أعداء له لا جرم قال إنه جعلهم أعداء له ، وأجاب أبو بكر الأصم عنه : بأنه تعالى لما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العالمين وخصه بتلك المعجزة حسدوه ، وصار ذلك الحسد سببا للعداوة القوية ، فلهذا التأويل قال إنه تعالى جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبي : فأنت الذي صيرتهم لي حسدا وأجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى أمر الأنبياء بعدواتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم ، وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء . لأن العداوة لا تحصل إلا من الجانبين ، فلهذا الوجه جاز أن يقال إنه تعالى جهلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام . واعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة جدا لما بينا أن الأفعال مستندة إلى الدواعي ، وهي حادثة من قبل الله تعالى ، ومتى كان الأمر كذلك . فقد صح مذهبنا . ثم ههنا بحث آخر : وهو أن العداوة والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الإنسان ، فإن الرجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه ، بل قد لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة ، ولو أتى بكل تكلف وحيلة لعجز عنه ، ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب باختيار الإنسان لوجب أن يكون الإنسان متمكنا من قلب العداوة بالصداقة وبالضد وكيف لا نقول ذلك والشعراء عرفوا أن ذلك خارج عن الوسع ؟ قال المتنبي : يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر عليه ، ولو كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته . المسألة الثالثة : النصب في قوله : { شياطين } فيه وجهان : الأول : أنه منصوب على البدل من قوله : { عدوا } والثاني : أن يكون قوله { عدوا } منصوبا على أنه مفعول ثان ، والتقدير : وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء الأنبياء . / المسألة الرابعة : اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين : الأول : أن المعنى مردة الإنس والجن ، والشيطان ؛ كل عات متمرد من الإنس والجن ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا : إن من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين ، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس ، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه ، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر : ( هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس ؟ ) قال قلت : وهل للإنس من شياطين ؟ قال : ( نعم هم شر من شياطين الجن ) .

Bagian V13/P125–V13/P126

والقول الثاني : أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين ، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس . والقسم الثاني إلى وسوسة الجن ، فالفريقان شياطين الإنس والجن ، ومن الناس من قال : القول الأول أولى لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين ، ومنهم من يقول : القول الثاني أولى ، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن . والإضافة تقتضي المغايرة ، وعلى هذا التقدير : فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس . المسألة الخامسة : قال الزجاج وابن الأنباري : قوله : { عدوا } بمعنى أعداء وأنشد ابن الأنباري : إذا أنا لم أنفع صديقي بوده فإن عدوي لن يضرهمو بغضي أراد أعدائي ، فأدى الواحد عن الجمع ، وله نظائر في القرآن . ومنها قوله : { ضيف إبراهيم المكرمين } ( الذاريات : 24 ) جعل المكرمين وهو جمع نعتا للضيف وهو واحد ، وثانيها : قوله : { والنخل باسقات لها طلع } ( ق: 10 ) وثالثها : قوله : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } ( النور : 31 ) ورابعها : قوله : { إن الإنسان لفى خسر إلا الذين ءامنوا } ( العصر : 2 ) وخامسها : قوله : { كل الطعام كان حلا لبنى إسراءيل } ( آل عمران : 93 ) أكد المفرد بما يؤكد الجمع به ، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف ، فإن التقدير : وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوا واحدا ، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد . أما قوله تعالى : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } فالمراد أن أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضا . واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان ، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين ، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول ، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر . / إذا ثبت هذا الأصل فنقول : إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الإنس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضا . وللناس فيه مذاهب . منهم من قال الأرواح إما فلكية وإما أرضية ، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة خيرة آمرة بالطاعة والأفعال الحسنة ، وهم الملائكة الأرضية . ومنها خبيثة قذرة شريرة ، آمرة بالقبائح والمعاصي ، وهم الشياطين . ثم إن تلك الأرواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات ، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا بالطاعات . والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات ، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا بتلك القبائح والزيادة فيها . وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس البشرية ، وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام ، فالنفوس البشرية ، إذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الطاهرة فتنضم إليها ، وإذا كانت خبيثة موصوفة بالصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الخبيثة فتنضم إليها . ثم إن صفات الطهارة كثيرة . وصفات الخبث والنقصان كثيرة ، وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية بحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه / فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحامل عليها ملكا وكان تقوية ذلك الخاطر إلهاما ، وإن كان في باب الشر كان الحامل عليها شيطانا ، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة .

Bagian V13/P126–V13/P127

إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إنه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } فيجب علينا تفسير ألفاظ ثلاثة : الأول : الوحي وهو عبارة عن الإيماء والقول السريع . والثاني : الزخرف وهو الذي يكون باطنه باطلا ، وظاهره مزينا ظاهرا ، يقال : فلان يزخرف كلامه إذا زينه بالباطل والكذب ، وكل شيء حسن مموه فهو مزخرف . واعلم أن تحقيق الكلام فيه إن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملا على خير راجح ونفع زائد ، فإنه لا يرغب فيه ، ولذلك سمي الفاعل المختار مختارا لكونه طالبا للخير والنفع ، ثم إن كان هذا الإعتقاد مطابقا للمعتقد ، فهو الحق والصدق والإلهام وإن كان صادرا من الملك ، وإن لم يكن معتقدا مطابقا للمعتقد ، فحينئذ يكون ظاهره مزينا ، لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح ، ويكون باطنه فاسدا باطلا . لأن هذا الإعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفا . فهذا تحقيق هذا الكلام . والثالث : قوله { غرورا } قال الواحدي : { غرورا } منصوب على المصدر ، وهذا المصدر محمول على المعنى . لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور ، فكأنه قال / يغرون غرورا ، وتحقيق القول فيه أن المغرور هو الذي يعتقد في الشيء كونه مطابقا للمنفعة والمصلحة مع أنه في نفسه ليس كذلك ، فالغرور إما أن يكون عبارة عن عين هذا الجهل أو عن حالة متولدة عن هذا الجهل . فظهر بما ذكرنا أن تأثير هذه الأرواح الخبيثة بعضها في بعض لا يمكن أن يعبر عنه بعبارة أكمل ولا أقوى دلالة على تمام المقصود من قوله : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } . ثم قال تعالى : { ولو شاء ربك ما فعلوه } وأصحابنا يحتجون به على أن الكفر والإيمان بإرادة الله تعالى . والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء ، وقد سبق تقرير هذه المسألة على الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . ثم قال تعالى : { فذرهم وما يفترون } قال ابن عباس : معناه يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به قال القاضي : هذا القول يتضمن التحذير الشديد من الكفر والترغيب الكامل في الإيمان ، ويقتضي زوال الغم عن قلب الرسول من حيث يتصور ما أعد الله للقوم على كفرهم من أنواع العذاب وما أعد له من منازل الثواب بسبب صبره على سفاهتهم ولطفه بهم . ! 7 < { ولتصغىإليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالا خرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 113 ) ولتصغى إليه أفئدة . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الصغو في اللغة معناه : الميل . يقال في المستمع إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت أنه يصغي ، ويقال : أصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في البعض ، ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى . فقوله : { ولتصغى } أي ولتميل . المسألة الثانية : ( اللام ) { ولتصغى } لا بد له من متعلق . فقال أصحابنا : التقدير : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شياطين الجن والإنس ، ومن صفته أنه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، وإنما فعلنا ذلك لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون أي وإنما أوجدنا العداوة في قلب الشياطين الذين من صفتهم ما ذكرناه ليكون كلامهم المزخرف مقبولا عند هؤلاء الكفار ، قالوا : وإذا حملنا الآية على هذا الوجه يظهر أنه تعالى يريد الكفر من الكافر أما المعتزلة فقد أجابوا عنه من ثلاثة أوجه .

Bagian V13/P127–V13/P128

/ الوجه الأول : وهو الذي ذكره الجبائي قال : إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر ، كقوله تعالى : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب } وكذلك قوله : { وليرضوه وليقترفوا } ( الأنعام : 113 ) وتقدير الكلام كأنه قال للرسول : فذرهم وما يفترون ثم قال لهم على سبيل التهديد ولتصغى إليه أفئدتهم وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون . والوجه الثاني : وهو الذي اختاره الكعبي أن هذه اللام لام العاقبة أي ستؤل عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال . قال القاضي : ويبعد أن يقال : هذه العاقبة تحصل في الآخرة ، لأن الإلجاء حاصل في الآخرة ، فلا يجوز أن تميل قلوب الكفار إلى قبول المذهب الباطل ، ولا أن يرضوه ولا أن يقترفوا الذنب ، بل يجب أن تحمل على أن عاقبة أمرهم تؤل إلى أن يقبلوا الأباطيل ويرضوا بها ويعملوا بها . والوجه الثالث : وهو الذي اختاره أبو مسلم . قال : ( اللام ) في قوله : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة } متعلق بقوله : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } والتقدير أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة وليرضوه وليقترفوا } الذنوب ويكون المراد أن مقصود الشياطين من ذلك الإيحاء هو مجموع هذه المعاني . فهذا جملة ما ذكروه في هذا الباب . أما الوجه الأول : وهو الذي عول عليه الحبائي فضعيف من وجوه ذكرها القاضي . فأحدها : أن ( الواو ) في قوله : { ولتصغى } تقتضي تعلقه بما قبله فحمله على الابتداء بعيد . وثانيها : أن ( اللام ) في قوله : { ولتصغى } لام كي فيبعد أن يقال : إنها لام الأمر ويقرب ذلك من أن يكون تحريفا لكلام الله تعالى وأن لا يجوز . وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال : هذه اللام لام العاقبة فهو ضعيف ، لأنهم أجمعوا على أن هذا مجاز وحمله على ( كي ) حقيقة فكان قولنا أولى . وأما الوجه الثالث : وهو الذي ذكره أبو مسلم فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب : لأنا نقول : إن قوله : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } يقتضي أن يكون الغرض من ذلك الإيحاء هو التغرير . وإذا عطفنا عليه قوله : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } فهذا أيضا عين التغرير لا معنى التغرير ، إلا أنه يستميله إلى ما يكون باطنه قبيحا . وظاهره حسنا ، وقوله : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } عين هذه الاستمالة فلو عطفنا لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه وأنه لا يجوز ، أما إذا قلنا : تقدير الكلام وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شأنه أن يوحي / زخرف القول لأجل التغرير وإنما جعلنا مثل هذا الشخص عدوا للنبي لتصغى إليه أفئدة الكفار ، فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة ذلك النبي ، وحينئذ لا يلزم على هذا التقدير عطف الشيء على نفسه . فثبت أن ما ذكرناه أولى . المسألة الثالثة : زعم أصحابنا أن البنية ليست مشروطا للحياة ، فالحي هو الجزء الذي قامت به الحياة ، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم ، وقالت المعتزلة : الحي والعالم هو الجملة ( لا ) ذلك الجزء . إذا عرفت هذا فنقول : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم ، لأنه قال تعالى : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } فجعل الموصوف بالميل والرغبة هو القلب ، لا جملة الحي ، وذلك يدل على قولنا .

Bagian V13/P128–V13/P130

المسألة الرابعة : الذين قالوا الإنسان شيء مغاير للبدن اختلفوا . منهم من قال : المتعلق الأول هو القلب ، وبواسطته تتعلق النفس بسائر الأعضاء كالدماغ والكبد . ومنهم من قال : القلب متعلق النفس الحيوانية ، والدماغ متعلق النفس الناطقة ، والكبد متعلق النفس الطبيعية ، والأولون تعلقوا بهذه الآية ، فإنه تعالى جعل محل الصغو الذي هو عبارة عن الميل والإرادة ؛ القلب ، وذلك يدل على أن المتعلق بالنفس القلب . المسألة الخامسة : الكناية في قوله : { ولتصغى إليه أفئدة } عائدة إلى زخرف القول ، وكذلك في قوله : { وليرضوه } . وأما قوله : { وليقترفوا ما هم مقترفون } فاعلم أن الاقتراف هو الاكتساب ، يقال في المثل : الاعتراف يزيل الاقتراف ، كما يقال : التوبة تمحو الحوبة . وقال الزجاج : { ليقترفوا } أي ليختلفوا وليكذبوا ، والأول أصح . ! 7 < { أفغير الله أبتغى حكما وهو الذىأنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 114 ) أفغير الله أبتغي . . . . . > > فيه مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات ، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل ، فكان ما يطلبونه طلبا للزيادة . وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، وإنما قلنا : إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين : الوجه الأول : أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة ، وقد عجز الخلق عن معارضته . فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل عى أنه تعالى قد حكم بنبوته ، فقوله : { مقترفون أفغير الله أبتغى حكما } يعني قل يا محمد : إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات ، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكما ؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز . ثم قل : إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز . والوجه الثاني : من الأمور الدالة على نبوته ؛ اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمدا عليه الصلاة والسلام رسول حق ، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى ، وهو المراد من قوله : { والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } ( الأنعام : 114 ) وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) . أما قوله تعالى في آخر الآية : { فلا تكونن من الممترين } ففيه وجوه : الأول : أن هذا من باب التهييج والإلهاب كقوله : { ولا تكونن من المشركين } والثاني : التقدير { فلا تكونن من الممترين } في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق . والثالث : يجوز أن يكون قوله : { فلا تكونن } خطابا لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيها أحد . الرابع : قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته . المسألة الثانية : قوله : { والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } قرأ ابن عامر وحفص { منزل } بالتشديد والباقون بالتخفيف ، والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مرارا .

Pertanyaan

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 129 · Qur'an & Sunnah