Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V26/P104–V26/P105

البحث الأول : أن الزينة مصدر كالنسبة واسم لما يزن به ، كالليقة اسم لما تلاق به الدواة قال صاحب الكشاف وقوله : { بزينة الكواكب } يحتملهما فإن أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل أي بأن زينتها الكواكب أو على إضافته إلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها ، لأنا / إنما زينت السماء بحسنها في أنفسها ، وإن أردت الاسم فللإضافة وجهان أن تقع الكواكب بيانا للزينة ، لأن الزينة قد تحصل بالكواكب وبغيرها ، وأن يراد ما زينت به الكواكب . البحث الثاني : في بيان كيفية كون الكواكب زينة للسماء وجوه الأول : أن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها ، فإن تحصل هذه الكواكب المشرقة المضيئة في سطح الفلك لا جرم بقي الضوء والنور في جرم الفلك بسبب حصول هذه الكواكب فيها قال ابن عباس : { بزينة الكواكب } أي بضوء الكواكب الوجه الثاني : يجوز أن يراد أشكالها المتناسبة المختلفة كشكل الجوزاء وبنات نعش والثريا وغيرها الوجه الثالث : يجوز أن يكون المراد بهذه الزينة كيفية طلوعها وغروبها الوجه الرابع : أن الإنسان إذا نظر في الليلة الظلماء إلى سطح الفلك ورأى هذه الجواهر الزواهر مشرقة لامعة متلألئة على ذلك السطح الأزرق ، فلا شك أنها أحسن الأشياء وأكملها في التركيب والجوهر ، وكل ذلك يفيد كون هذه الكواكب زينة وأما المطلوب الثالث : وهو قوله : { وحفظا من كل شيطان مارد } ففيه بحثان : البحث الأول : فيما يتعلق باللغة فقوله : { وحفظا } أي وحظناها ، قال المبرد : إذا ذكرت فعلا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله ، مثل قولك أفعل وكرامة لأنه لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال ، فكان المعنى أفعل ذلك وأكرمك كرامة ، قال ابن عباس يريد حفظ السماء بالكواكب و { من كل شيطان مارد } يريد الذي تمرد على الله قيل إنه الذي لا يتمكن منه ، وأصله من الملاسة ومنه قوله : { صرح ممرد } ( النمل : 44 ) ومنه الأمرد : وذكرنا تفسير المارد عند قوله : { مردوا على النفاق } ( التوبة : 101 ) . البحث الثاني : فيما يتعلق بالمباحث العقلية في هذا الموضع ، فنقول الاستقصاء فيه مذكور في قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) قال المفسرون الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب ، وكانوا يخبرونهم به ويوهمونهم أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله تعالى من الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها ، وبقي ههنا سؤالات :

Bagian V26/P105

السؤال الأول : هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا ؟ والأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير من أعداد كواكب السماء ، ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد ألبتة فإن أعداد كواكب السماء باقية في حالة واحدة من غير تغير ألبتة ، وأيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء فكأن الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض ، وأما القسم الثاني : وهو أن يقال إن هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهذا أيضا مشكل لأنه تعالى قال في سورة : { تبارك الذى بيده الملك } ( الملك : 1 ) ، { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) فالضمير في قوله : { وجعلناها } عائد إلى المصابيح ، فوجب أن تكون تلكالمصابيح هي الرجوع بأعيانها من غير تفاوت ، والجواب أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية ، وأما قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) فنقول كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصابيح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد ، ومنها ما لا يكون كذلك ، وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوما للشياطين ، وبهذا التقدير فقد زال الإشكال ، والله أعلم . السؤال الثاني : كيف يجوز أن تذهب الشياطين إلى حيث يعلمون بالتجويز ، أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم ألبتة ، وهل يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل ، فكيف من الشياطين الذين لهم مزبة في معرفة الحيل الدقيقة والجواب : أن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه ، وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة ، فربما صاروا إلى موضع تصيبهم فيه الشهب ، وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا تصيبهم الشهب ، فلما هلكوا في بعض الأوقات ، وسلموا في بعض الأوقات ، جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها ، كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة ، هذا ما ذكره أبو علي الجبائي من الجواب عن هذا السؤال في تفسيره . ولقائل أن يقول : إنهم إذا صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة ، أو إلى غير تلك المواضع ، فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احتلقوا / وإن وصلوا إلى غير مواضع الملائكة لم يفوزوا بمقصودهم أصلا ، فعلى كلا التقديرين المقصود غير حاصل ، إذا حصلت هذه التجربة وثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محال وجب أن يمتنعوا عن هذا العمل وأن لا يقدموا عليه أصلا بخلاف حال المسافرين في البحر ، فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود ، أما ههنا فالشيطان الذي يسلم من الاحتراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة ، وإذا لم يصل إلى تلك المواضع لم يفز بالمقصود ، فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل ألبتة ، والأقرب في الجواب أن نقول هذه الوقعة إنما تتفق في الندرة ، فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة بين الشياطين والله أعلم .

Bagian V26/P105–V26/P106

السؤال الثالث : قالوا : دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ، فءن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه ، إذا ثبت أن ذلك كان موجودا قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم امتنع حمله على مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ، أجاب القاضي بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لكنها كثرت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فصارت بسبب الكثرة معجزة . / السؤال الرابع : الشيطان مخلوق من النار ، قال تعالى حكاية عن إبليس { خلقتني من نار } ( الأعراف : 12 ) وقال : { والجآن خلقناه من قبل من نار السموم } ( الحجر ؛ 27 ) ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات ، وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار ؟ والجواب يحتمل أن الشياطين وإن كانوا من النيران إلا أنها نيران ضعيفة ، فإن وصلت نيران الشهب إليهم ، وتلك النيران أقوى حالا منهم لا جرم صار الأقوى مبطلا للأضف ، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا رجع في النار القوية فإنه ينطفىء فكذلك ههنا . السؤال الخامس : أن مقر الملائكة هو السطح الأعلى من الفلك ، والشياطين لا يمكنهم الوصول إلا إلى الأقرب من السطح الأسفل من الفلك ، فيبقى جرم الفلك مانعا من وصول الشياطين إلى القرب من الملائكة ، ولعل الفلك عظيم المقدار دفع حصول هذا المانع العظيم ، كيف يعقل أن تسمع الشياطين كلام الملائكة ، فإن قلتم إن الله تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام الملائكة ، فنقول فعلى هذا التقدير إذا كان الله تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام الملائكة ، وجب أن لا ينفي سمع الشيطان ، وإن كان لا يريد منع الشيطان من العمل فما الفائدة في رميه بالرجوم ؟ فالجواب : مذهبنا أن أفعال الله تعالى غير مللة ، فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله ، فهذا ما يتعلق بمباحث هذا الباب ، وإذا أضيف ما كتبناه ههنا إلى ما كتبناه في سورة الملك ، وفي سائر الآيات المشتملة على هذه المسألة بلغ تمام الكفاية في هذا الباب ، والله أعلم . وأما قوله : { لا يسمعون إلى الملإ الاعلى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { لا يسمعون } بتشديد السين والميم وأصله يتسمعون ، فأدغمت التاء في السين لاشتراكهما في الهمس ، والتسمع تطلب السماع يقال تسمع سمع أو لم يسمع ، والباقون بتخفيف السين ، واختار أبو عبيد التشديد في يسمعون ، قال : لأن العرب تقول تسمعت إلى فلان ويقولون سمعت فلانا ، ولا يكادون يقولون سمعت إلى فلان ، وقيل في تقوية هذه القراءة إذا نفى التسمع ، فقد نفى سمعه ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى : { إنهم عن السمع لمعزولون } ( الشعراء : 212 ) وروى مجاهد عن ابن عباس : أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى / ثم يمنعون فلا يسمعون ، وللأولين أن يجيبوا فيقولون التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضا عن التسمع بدلالة هذه الآية ، بل هو أقوى في ردع الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء ، فإن الذي منع من الاستماع فبأن يكون ممنوعا من السمع أولى . المسألة الثانية : الفرق بين قولك سمعت حديث فلان ، وبين قولك سمعت إلى حديثه ، بأن قولك سمعت حديثه يفيد الإدراك ، وسمعت إلى حديثه يفيد الإصغاء مع الإدراك .

Bagian V26/P106–V26/P108

/ المسألة الثالثة : في قوله : { لا يسمعون إلى الملإ } قولان الأول : وهو المشهور أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا ، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع كما قال : { الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) وكما قال : { رواسى أن تميد بكم } ( لقمان : 10 ) قال صاحب ( الكشاف ) : حذف أن واللام كل واحد منهما جائز بانفراده . أما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صوت القرآن عنها والقول الثاني : وهو الذي اختاره صاحب ( الكشاف ) أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ، وهو حكاية حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب ، مدحورون عن ذلك المقصود . المسألة الرابعة : الملأ الأعلى لملائكة لأنهم يسكنون السموات . وأما الإنس والجن فهم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض . واعلم أنه تعالى وصف أولئك الشياطين بصفات ثلاثة الأولى : أنهم لا يسمعون الثانية : أنهم يقذفون من كل جانب دحورا وفيه أبحاث : الأول : قد ذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف عند قوله : { اخرج منها مذءوما مدحورا } ( الأعراف : 18 ) قال المبرد الدحور أشد الصغار والذل وقال ابن قتيبة دحرته دحرا ودحورا أي دفعته وطردته . البحث الثاني : في انتصاب قوله : { دحورا } وجوه الأول : أنه انتصب بالمصدر على معنى يدحرون دحورا ، ودل على الفعل قوله تعالى : { ويقذفون } الثاني : التقدير ويقذفون للدحول ثم حذف اللام الثالث : قال مجاهد دحورا مطرودين ، فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر كالركوع والسجود والحضور . البحث الثالث : قرأ أبو عبد الرحمن السملي دحورا بفتح الدال قال الفراء كأنه قال يقذفون يدحرون بما يدحر ، ثم قال ولست أشتهي الفتح ، لأنه لو وجد ذلك على صحة لكان فيها الباء كما تقول يقذفون بالحجارة ولا تقول يقذفون الحجارة إلا أنه جائز في الجملة كما قال الشاعر : تعال اللحم للأضياف نيئا أي تعالى باللحم الصفة الثالثة : قوله تعالى : { ولهم عذاب واصب } والمعنى أنهم مرجومون بالشهب وهذا العذاب مسلط عليهم على سبيل الدوام ، وذكرنا تفسير الواصب في سورة النحل عند قوله تعالى : دوله الدين واصبا } ( النحل : 52 ) قالوا كلهم إنه الدائم ، قال الواحدي ومن فسر الواصب بالشديد والموجع فهو معنى وليس بتفسير . ثم قال تعالى : { } ( النحل : 52 ) قالوا كلهم إنه الدائم ، قال الواحدي ومن فسر الواصب بالشديد والموجع فهو معنى وليس بتفسير . ثم قال تعالى : { إلا من خطف الخطفة } ذكرنا معنى الخطف في سورة الحج قال الزجاج وهو أخذ الشيء بسرعة ، وأصل خطف اختطف قال صاحب ( الكشاف ) { من } في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطبة أي اختلس الكلمة على / وجه المسارقة { فأتبعه } يعني لحقه وأصابه يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره وأتبعه إذا لحقه وأصله من قوله تعالى : { فأتبعه الشيطان } ( الأعراف : 175 ) وقد مر تفسيره وقوله تعالى : { شهاب ثاقب } قال الحسن ثاقب أي مضيء وأقول سمي ثاقبا لأنه يثقب بنوره الهواء / قال ابن عباس في تفسير قوله : { والنجم الثاقب } ( الطارق : 3 ) قال : إنه رجل سمي بذلك لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات والله أعلم . ! 7 < { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ إنا خلقناهم من طين لازب } > 7 < الصافات : ( 11 ) فاستفتهم أهم أشد . . . . . > > في الآية مسائل :

Bagian V26/P108

المسألة الأولى : في بيان النظم اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصد الأقصى من هذا الكتاب الكريم إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوة وإثبات القضاء والقدر . فنقول إنه تعاى افتتح هذه السورة بإثبات ما يدل على وجود الصانع ويدل على وحدانيته وهو خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب ، فلما أحكم الكلام في هذا الباب فرع عليها إثبات القول بالحشر والنشر والقيامة . واعلم أن الكلام في هذه المسألة يتعلق بطرفين أولهما إثبات الجواز العقلي وثانيهما إثبات الوقوع أما الكلام في المطلوب الأول فاعلم أن الاستدلال على الشيء يقع على وجهين أحدهما : أن يقال إنه قدر على ما هو أصعب وأشد وأشق منه فوجب أيضا أن يقدر عليه والثاني : أن يقال إنه قدر عليه في إحدى الحالتين والفاعل والقابل باقيين كما كانا ، فوجب أن تبقى القدرة عليه في الحالة الثانية والله تعالى ذكر هذين الطريقين في بيان أن القول بالبعث والقيامة أمر جائز ممكن . أما الطريق الأول : فهو المراد من قوله : { فاستفتهم أهم أشد خلقا } والتقدير كأنه تعالى يقول : استفت يا محمد هؤلاء المنكرين أهم أشد خلقا من خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب وخلق الشياطين الذين يصعدون الفلك ، ولا شك أنهم يعترفون بأن خلق هذا القسم أشق وأشد في العرف من خلق القسم الأول ، فلما ثبت بالدلائل المذكورة في إثبات التوحيد كونه تعالى قادرا على هذا القسم الذي هو أشد وأصعب ، فبأن يكون قادرا على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى ، ونظير هذه الدلالة قوله تعالى في آخر يس { أوليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) وقوله تعالى : { لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) وأما الطريق الثاني : فهو المراد من قوله : { إنا خلقناهم من طين لازب } والمعنى أن هذه الأجسام قابلة للحياة إذ لو لم تكن قابلة للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والإله قادر على خلق هذه الحياة في هذه الأجسام ، ولولا كونه تعالى قادرا على هذا المعنى لما حصلت الحياة في المرة الأولى ، ولا شك أن قابلية تلك الأجسام باقية وأن قادرية الله تعالى باقية لأن هذه القابلية وهذه القادرية من الصفات الذاتية فامتنع زوالها فثبت بهذين الطريقين أن القول بالبعث والقيامة أمر / ممكن ، ولما بين تعالى إمكان هذا المعنى بهذين الطريقين بين وقوعه بقوله ؛ { قل نعم وأنتم داخرون } ( الصافات : 18 ) وذلك لأنه ثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل ظهور المعجزات عليه والصادق إذا أخبر عن أمر ممكن الوقوع وجب الاعتراف بوقوعه فهذا تقرير نظم هذه الآية وهو في غاية الحسن والله أعلم . المسألة الثانية : في تفسير ألفاظ هذه الآية ، أما قوله : { فاستفتهم } يعني أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة كونه تعالى خالقا للسموات والأرض وما بينهما فاستفت هؤلاء المنكرين وقل لهم { أهم أشد خلقا } أم هذه الأشياء التي بينا كونه تعالى خالقا لها ولم يحك عنهم أنهم أقروا أن خلق هذه الأشياء أصعب لأجل أن ظهور ذلك كالمعلوم بالضرورة فلا حاجة أن يحكى عنهم صحة أن الأمر كذلك .

Bagian V26/P108–V26/P109

ثم قال تعالى : { إنا خلقناهم من طين لازب } يعني أنا لما قدرنا على خلق الحياة في ذواتهم أولا وجب أن نبقى قادرين على خلق الحياة فيهم ثانيا / لما بينا أن حال القابل وحال الفاعل ممتنع التغير . وفيه دقيقة أخرى وهي أن القوم قالوا كيف يعقل تولد الإنسان لا من النطفة ولا من الأبوين ؟ فكأنه قيل لهم إنكم لما أقررتم بحدوث العالم واعترفتم بأن السموات والأرض وما بينهما إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه فة بد وأن تعترفوا بأن الإنسان الأول إنما حدث لا من الأبوين ؟ فإذا عقلتم ذلك واعترفتم به فقد سقط قولكم الإنسان كيف يحدث من غير النطفة ومن غير الأبوين ، وأيضا قد اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من الطين اللازب ومن قدر على خلق الحياة في الطين اللازب فكيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات . وأما كيفية خلق الإنسان من الطين اللازب فهي مذكورة في السورة المتقدمة ، واعلم أن هذا الوجه أنما يحسن إذا قلنا المراد من قوله تعالى : { إنا خلقناهم من طين لازب } هو أنا خلقنا أباهم آدم من طين لازب ، وفيه وجوه أخر وهو أن يكون المراد أنا خلقنا كل إنسان من طين لازب ، وتقريره أن الحيوان إنما يتولد من المني ودم الطمث والمني يتولد من الدم فالحيوان إنما يتولد من الدم والدم إنما يتولد من الغذاء ، والغذاء إما حيواني وإما نباتي أما تولد الحيوان الذي صار غذاء فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد الإنسان ، فثبت أن الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما يتولد من امتزاج الأرض بالماء وهو الطين اللازب وإذا كان الأمر كذلك فقد ظهر أن كل الخلق متولدون من الطين اللازب ، وإذا ثبت هذا فنقول إن هذه الأجزاء التي منها تركب هذا الطين اللازب قابلة للحياة والله تعالى قادر عليها ، وهذه القابلية والقادرية واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصحة في كل الأوقات وهذه بيانات ظاهرة واضحة ، وأما اللازب فقل اللاصق ، وقيل اللزج وقيل الحتد ، وأكثر أهل اللغة على أن الباء في لازب بدل من الميم يقال لازب ولازم . ثم قال تعالى : ! 7 < { بل عجبت ويسخرون } > 7 ! < < الصافات : ( 12 ) بل عجبت ويسخرون > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقرير الكلام أن يقال إن هؤلاء المنكرين أقروا بأنه تعالى قادر على تكوين أشياء أصعب من إعادة الحياة إلى هذه الأجساد ، وقد تقرر في صرائح العقول أن القادر على الأشق الأشد يكون قادرا على اوسهل اويسر ، ثم مع قيام هذه الحجة البديهية بقي هؤلاء الأقوام مصرين على إنكار البعث والقيامة وهذا في موضع التعجب الشديد فإن مع ظهور هذه الحجة الجلية الظاهرة كيف يعقل بقاء القوم على الإصرار فيه . فأنت يا محم تتعجب من إصرارهم على الإنكار وهم في طرف الإنكار وصلوا إلى حيث يستخرون منك في قولك بإثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، فهذا هو المراد من قوله : { بل عجبت ويسخرون } .

Bagian V26/P109–V26/P110

المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي { عجبت } بضم التاء والباقون بفتحها قال الواحدي : والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم ويحيى بن وثاب والأعمش وقراءة أهل الكوفة واختيار أبي عبيدة ، أما الذين قرأوا بالفتح فقد احتجوا بوجوه الأول : أن القراءة بالضم تدل على إسناد العجب إلى الله تعالى وذلك محال ، لأن التعجب حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء ومعلوم أن الجهل على الله محال والثاني : أن الله تعالى أضاف التعجب إلى محمد صلى الله عليه وسلم في آية أخرى في هذه المسألة فقال : دوإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا } ( الرعد : 5 ) ، والثالث : أنه تعالى قال : { } ( الرعد : 5 ) ، والثالث : أنه تعالى قال : { بل عجبت ويسخرون } والظاهر أنهم سخروا لأجل ذلك التعجب فلما سخروا منه وجب أن يكون ذلك التعجب صادرا منه ، وأما الذين قرأوا بضم التاء ، فقد أجابوا عن الحجة الأولى من وجوه الأول : أن القراءة بالضم لا نسلم أنها تدل على إسناد التعجب إلى الله تعالى ، وبيانه أنه يكون التقدير قل يا محمد ( بل عجبت ويسخرون ) ونظيره قوله تعالى : { أسمع بهم وأبصر } ( مريم : 38 ) معناه أن هؤلاء ما تقولون فيه أنتم هذا النحو من الكلام ، وكذلك قوله تعالى : { فما أصبرهم على النار } ( البقرة : 175 ) الثاني : سلمنا أن ذلك يقتضي إضافة التعجب إلى الله تعالى فلم قلتم إن ذلك محال ؟ ويروى أن شريحا كان يختار القراءة بالنصب ويقول العجب لا يليق إلا بمن لا يعلم ، قال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم فقال : إن شريحا يعجب بعلمه وكان عبد الله أعلم ، وكان يقرأ بالضم وتحقيق القول فيه أن نقول : دل القرآن والخبر على جواز إضافة العجب إلى الله تعالى ، أما القرآن فقوله تعالى : دوإن تعجب فعجب قولهم } ( الرعد : 5 ) والمعنى إن تعجب يا محمد من قولهم ، فهو أيضا عجب عندي ، وأجيب عنه أنه لا يمتنع أن يكون المراد وإن تعجب فعجب قولهم عندكم ، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : ( عجب ربكم من إلكم وقنوطكم ، وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة ) وإذا ثبت هذا فنقول العجب من الله تعالى خلاف العجب من الآدميين كما قال : { } ( الرعد : 5 ) والمعنى إن تعجب يا محمد من قولهم ، فهو أيضا عجب عندي ، وأجيب عنه أنه لا يمتنع أن يكون المراد وإن تعجب فعجب قولهم عندكم ، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : ( عجب ربكم من إلكم وقنوطكم ، وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة ) وإذا ثبت هذا فنقول العجب من الله تعالى خلاف العجب من الآدميين كما قال : { ويمكرون ويمكر الله } ( الأنفال : 30 ) وقال : { سخر الله منهم } ( التوبة : 79 ) وقال تعالى : { وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) والمكر والخداع والسخرية من الله تعالى بخلاف هذه الأحوال من العباد ، وقد ذكرنا أن القانون في هذا الباب أن هذه الألفاظ محمولة على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض . وكذلك ههنا من تعجب من شيء فإنه يستعظمه فالتعجب في حق الله تعالى محممول على أنه تعالى يستعظم تلك الحالة إن كانت قبيحة فيترتب العقاب العظيم عليه ، وإن كانت حسنة فيترتب الثواب العظيم عليه ، فهذا تمام الكلام في هذه المناظرة ، والأقرب أن يقال القراءة بالضم إن ثبت بالتواتر وجب المصير إليها ويكون التأويل ما ذكرناه وإن لم تثبت هذه القراءة بالتواتر كانت القراءة بفتح التاء أولى والله أعلم . ثم قال تعالى :

Bagian V26/P110–V26/P111

! 7 < { وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا ءاية يستسخرون وقالوا إن هاذآ إلا سحر مبين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون أو ءابآؤنا الا ولون قل نعم وأنتم داخرون } > 7 < الصافات : ( 13 - 18 ) وإذا ذكروا لا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قرر الدليل القادع في إثبات إمكان البعث والقيامة حكى عن المنكرين أشياء أولها : النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب من إصرارهم على الإنكار وهم يسخرون منه في إصراره على الإثبات ، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مع أولئك الأقوام كانوا في غاية التباعد وفي طرفي النقيض وثانيها قوله : { وإذا ذكروا لا يذكرون } ، وثالثها قوله : { وإذا رأوا ءاية يستسخرون } ويجب أن يكون المراد من هذا الثاني والثالث غير الأول لأن العطف يوجب التغاير ولأن التكرير خلاف الأصل ، والذي عندي في هذا الباب أن يقال القوم كانوا يستبعدون الحشر والقياة ويقولون : من مات وصار ترابا وتفرقت أجزاؤه في العالم كيف يعقل عوده بعينه ؟ وبلغوا في هذا الاستبعاد إلى حيث كانوا يسخرون ممن يذهب إلى هذا المذهب وإذا كان كذلك فلا طريق إلى إزالة هذا الاستبعاد عنهم إلا من وجهين أحدهما : أن يذكر لهم الدليل الدال على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم : هل تعلمون أن خلق السموات والأرض أشد وأصعب من إعادة إنسان بعد موته ؟ وهل تعلمون أن القادر على اوصعب الأشق يجب أن يكون قادرا على الأسهل الأيسر ؟ فهذا الدليل وإن كان جليا قويا إلا أن أولئك المنكرين إذا عرض على عقولهم هذه المقدمات لا يفهمونها ولا يقفون عليها ، وإذا ذكروا لم يذكروها لشدة / بلادتهم وجهلهم ، فلا جرم لم ينتفعوا بهذا النوع من البيان . الطريق الثاني : أن يثبت الرسول صلى الله عليه وسلم جهة رسالته بالمعجزات ثم يقول لما ثبت بالمعجز كوني رسولا صادقا من عند الله فأنا أخبركم بأن البعث والقيامة حق ، ثم إن أولئك المنكرين لا ينتفعون بهذا الطريق أيضا لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة وآية باهرة حملوها على كونها سحرا وسخروا بها وساتهزؤا منها وهذا هو الراد من قوله : دوإذا رأوا آية يستسخرون } فظهر بالبيان الذي ذكرناه أن هذه الألفاظ الثلاثة منبهة على هذه الفوائد الجليلة . واعلم أن أكثر الناس لم يقفوا على هذه الدقائق ، فقالوا إنه تعالى قال : { } فظهر بالبيان الذي ذكرناه أن هذه الألفاظ الثلاثة منبهة على هذه الفوائد الجليلة . واعلم أن أكثر الناس لم يقفوا على هذه الدقائق ، فقالوا إنه تعالى قال : { بل عجبت ويسخرون } ( الصافات : 12 ) .

Bagian V26/P111–V26/P112

ثم قال : { وإذا رأوا ءاية يستسخرون } فوجب أن يكون المراد من قوله : { يستسخرون } غير ما تقدم ذكه من قوله : { ويسخرون } فقال هذا القائل المراد من قوله : { ويسخرون } إقدامهم على السخرية والمراد من قوله : { يستسخرون } طلب كل واحد منهم من صاحبه أن يقدم على السخرية وهذا التكليف إنما لزمهم لعدم وقوفهم على الفوائد لتي ذكرناها والله أعلم والرابع : من الأمور التي حكاها الله تعالى عنهم أنهم قالوا : { إن هاذا إلا سحر مبين } يعني أنهم إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها ، والسبب في تلك السخرية اعتقادهم أنها من باب السحر وقوله : { مبين } معناه أن كونه سحرا أمر بين لا شبهة لأحد فيه ، ثم بين تعالى أن السبب الذي يحملهم على الاستهزاء بالقول بالبعث وعلى عدم الالتفات إلى الدلائل الدالة على صحة القول وعلى الاستهزاء بجميع المعجزات هو قولهم إن الذي مات وتفرقت أجزاؤه في جملة العالم فما فيه من الأرضية اختلط بتراب الأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم فهذا الإنسان كيف يعقل عوده بعينه حيا فاهما ؟ فهذا الكلام هو الذي يحملهم على تلك الأحوال الثلاثة المتقدمة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال : قال يا محمد نعم وأنتم داخرون وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب لأنه ذكر في الآية المتقدمة بالبرهان اليقيني القطعي أنه أمر ممكن وإذا ثبت الجواز القطعي فلا سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بإخبار المخبر الصادق ، فلما قامت المعجزات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم كان واجب الصدق فكان مجرد قوله : { قل نعم } دليلا قاطعا على الوقوع . ومن تأمل في هذه الآيات علم أنها وردت على أحسن وجوه الترتيب ، وذلك لأنه بين الإمكان بالدليل العقلي وبين وقوع ذلك الممكن بالدليل السمعي ، ومن المعلوم أن الزيادة على هذا البيان كالأمر الممتنع . أما قوله : { أو ءاباؤنا } فالمعنى أو تبعث آباؤنا وهذه ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف وقرأ نافع وابن عامر ههنا ، وفي سورة الواقعة ساكنة الواو وذكرنا الكلام فيهذا في سورة الأعراف عن قوله : { أو أمن أهل القرى } ( الأعراف : 98 ) . أما قوله تعالى : { قل نعم } فنقول قرأ الكسائي وحده ( نعم ) بكسر العين . أما قوله تعالى : { وأنتم داخلون } أي صاغرون ، قال أبو عبيد الدخور أشد الصغار ، وذكرنا تفسير هذه اللفظة عند قوله : { سجدا لله وهم داخرون } ( النحل : 48 ) . ! 7 < { فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم ينظرون وقالوا ياويلنا هاذا يوم الدين هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } > 7 ! < < الصافات : ( 19 ) فإنما هي زجرة . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما يدل على إمكان البعث والقيامة ، ثم أردفه بما يدلعلى وقوع القيامة ، ذكر في هذه الآيات بعض تفاصيل أحوال القيامة ، وأنه تعالى ذكر في هذه الآية أنواعا من تلك الأحوال فالحالة الأولى : قوله تعالى : { فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم } وفيه أبحاث : البحث الأول : قوله : { سمعه فإنما } جواب شرط مقدر والتقدير إذا كان كذلك فما هي إلا زجرة واحدة . البحث الثاني : الضمير في قوله : { فإنما هى } ضمير على شريطة التفسير ، والتقدير فإنما البعث زجرة واحدة .

Bagian V26/P112–V26/P113

البحث الثالث : الزجرة في اللغة الصيحة التي يزجر بها كالزجرة بالنعم والإبل عند البحث ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة وإن لم يكن فيها معنى الزجر كما في هذه الآية وأقول لا يبعد أن يقال إن تلك الصيحة إنما سميت زجرة لأنها تزجر الموتى عن الرقود في القبور وتحثهم على القيام من القبور والحضور في موقف القيامة ، فإذا عرفت هذا فنقول المراد من هذه الزجرة ما ذكره الله تعالى في قوله : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) فبتالنفخة الأولى يموتون وبالنفخة الثانية يحيون ويقومون ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الفائدة في هذه الصيحة فإن القوم في تلك الساعة أموات لأن النفخة جارية مجرى السبب لحياتهم فتكون مقدمة على حصول حياتهم فثبت أن هذه الصيحة إنما حصلت حال كون الخلق أمواتا ، فتكون تلك الصيحة عديمة الفائدة فهي عبث والعبث لاة يجوز في فعل الله والجواب : أما أصحابنا فيقولون يفعل الله ما يشاء ، وأما المعتزلة فقال القاضي فيه وجهان الأول : أن تعتبر بها الملائكة الثاني : أن تكون الفائدة التخويف والإرهاب . السؤال الثاني : هل لتلك الصيحة تأثير في إعادة الحياة ؟ الجواب : لا ، بدليل أن الصيحة الأولى استعقبت الموت والثانية الحياة وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها في الموت ولا في الحياة ، بل خالق الموت والحياة هو الله تعالى كما قال : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) . السؤال الثالث : تلك الصيحة صوت الملائكة أو الله تعالى يخلقها ابتداء ؟ الجواب : الكل / جائز إلا أنه روي أن الله تعالى يأمر إسرافيل حتى ينادي : أيتها العظام النخرة والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى : اللفظ الارابع : من الألفاظ المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { فإذا هم ينظرون } فيحتمل أن يكون المراد ينظرون ما يحدث بهم ويحتمل ينظر بعضهم إلى بعض وأن يكون المراد ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به الحالة الثانية : من وقائع القيامة ما أخبر الله عنهم أنهم بعد القيام من القبور قالوا : { وقالوا ياويلنا هاذا يوم الدين } قال الزجاج : الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة والمقصود أنهم لما شاهدوا القيامة قالوا : { هاذا يوم الدين } أي يوم الجزاء هذا ، والمقصود أن الله تعالى ذكر في آيات كثيرة من القرآن ، أنا نرى في الدنيا محسنا ومسيئا وعاصيا وصديقا وزنديقا ، ورأينا أنه لم يصل إليهم في الدنيا ما يليق بهم من الجزاء فوجب القول بإثبات القيامة : { ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } ( النجم : 31 ) وبالجملة فهذا يدل على أن الجزاء إنما يحصل بعد الموت / والكفار وإن سمعوا هذا الدليل القوي لكنهم أنكروا وتمردوا ثم إنه تعالى إذا أحياهم يوم القيامة فإذا شاهدوا القيامة يذكرون ذلك اليوم ويقولون : { هاذا يوم الدين } أي يوم الجزاء الذي ذكر الله الدلائل الكثيرة عليه في القرآن فكفرنا بها ، ونظيره أن من خوف بشيء ولم يتلفت إليه ، ثم عاينه بعد ذلك فقد يقول هذا يوم الواقعة الفلانية فكذا ههنا ، وفيه احتمال آخر وهو أنه تعالى قال في سورة الفاتحة { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) فبين أنه لا مالك في ذلك اليوم إلا الله فقولهم هذا يوم الدين ، إشارة إلى أن هذا هو اليوم الذي لا حكم فيه لأحد إلا لله ، وإنما ذكروه لما حصل في قلوبهم من الخوف الشديد . أما قوله تعالى : { هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } ففيه بحثان :

Bagian V26/P113–V26/P114

الأول : اختلفوا في أن هذا هو من بقية كلام الكفار أو يقال تم كلامهم عند قوله تعالى : { هاذا يوم الدين } . وأما قوله : { هاذا يوم الفصل } فهو كلام غيرهم ، فبعضهم قال بالأول وزعم أن قوله : { هاذا يوم الفصل } الآية من كلام بعضهم لبعض ، والأكثرون على القول الثاني واحتجوا بوجهين : الأول : أن قوله : { كنتم به تكذبون } من كلام بعضهم لبعض خطاب مع جميع الكفار فقائل هذا القول لا بد وأن يكون غير الكفار الثاني : أن قوله : داحشروا الذين ظلموا وأزواجهم } ( الصافات : 22 ) منسوق على قوله : { } ( الصافات : 22 ) منسوق على قوله : { هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } فلما كان قوله : داحشروا الذين ظلموا } كلام غير الكفار فكذلك قوله : { } كلام غير الكفار فكذلك قوله : { هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } يجب أن يكون كلام غير الكفار ، وعلى هذا التقدير فقوله : { هاذا يوم الدين } من كلام الكفار ، وقوله : { هاذا يوم الفصل } من كلام الملائكة جوابا لهم ، والوجه في كونه جوابا لهم أن أولئك الكفار ، إنما اعتقدوا في أنفسهم كونهم محقين في إنكار دعوة الأنبياء عليهم السلام وكونهم محقين في تلك اوديان الفاسدة فقالوا : { هاذا يوم الدين } أي هذا اليوم الذي يصل فيه إلينا جزاء طاعتنا وخيراتن ، فالملائكة يقولون لهم إنه لا اعتبار بظواهر الأمور في هذا اليوم فإن هذا اليوم / يفصل فيه الجزاء الحقيقي عن الجزاء الظاهري وتميز فيه الطاعات الحقيقية عن الطاعات المقرونة بالرياء والسمعة فبهذا الطريق صار هذا الكلام من الملائكة جوابا لما ذكره الكفار . ثم قال تعالى : ! 7 < { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون } > 7 ! < < الصافات : ( 22 ) احشروا الذين ظلموا . . . . . > > وفي الآية أبحاث : البحث الأول : اعلم أنه لا نزاع في أن هذا من كلام الملائكة فإن قيل ما معنى : { احشروا } مع أنهم قد حشروا من قبل وحضروا في محفل القيامة وقالوا : { هاذا يوم الدين } ( الصافات : 20 ) وقالت الملائكة لهم بل : { هاذا يوم الفصل } ( الصافات : 21 ) أجاب القاضي عنه ، فقال المراد احشروهم إلى دار الجزاء وهي النار ، ولذلك قال بعده : { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي خذوهم إلى ذلك الطريق ودلوهم عليه ثم سأل نفسه فقال : كيف يصح ذلك وقد قال بعده { وقفوهم إنهم } ومعلوم أن حشرهم إلى الجحيم ، إنما يكون بعد المسألة ، وأجاب أنه ليس في العطف بحرف الواو ترتيب فلا يمتنع أن يقال احشروهم وقفوهم ، مع أنا بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل الحشر إلى النار ، هذا ما قاله القاضي ، وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال إنهم إذا قاموا من قبورهم لم يبعد أن يقفوا هناك بحيرة تلحقهم بسبب معاينة أهوال القيامة ، ثم إن الله تعالى يقول للملائكة : احشروا الذين ظلموا واهدوهم إلى صراط الجيحم ، أي سوقوهم إلى طريق جهنم وقفوهم هناك وتحصل المسألة هناك ثم من هناك يساقون إلى النار وعلى هذا التقدير فظاهر النظم موافق لما عليه الوجه . البحث الثاني : الآمر في قوله تعالى : { تكذبون احشروا الذين ظلموا } هو الله فهو تعالى أمر الملائكة أن يحشروا الكفار إلى موقف السؤال والمراد من الحشر أن الملائكة يسوقونهم إلى ذلك الموقف .

Bagian V26/P114–V26/P115

البحث الثالث : أن الله أمر الملائكة بحشر ثلاثة أشياء : الظالمين ، وأزواجهم ، والأشياء التي كانوا يعبدونها . وفيه فوائد : الفائدة الأولى : أنه تعالى قال : { احشروا الذين ظلموا } ثم ذكر من صفات الذين ظلموا كونهم عابدين لغير الله وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو الكافر وذلك يدل على أن كل وعيد ورد في حق الظالم فهو مصروف إلى الكفار ومما يؤكد هذا قوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ( البقرة : 254 ) . الفائدة الثانية : اختلفوا في المراد بأزواجهم وفيه ثلاثة أقوال الأول : المراد بأزواجهم أشباههم أي أحزابهم ونظراؤهم من الكفر فاليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني والذي يدل على جواز أن يكون المراد من الأزواج الأشباه وجوه الأول : قوله تعالى : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : 7 ) أي أشكالا وأشباها الثاني : أنك تقول عندي من هذا أزواج أي أمثال وتقول زوجان من الخف لكون كل واحد منهما نظير الآخر وكذلك الرجل والمرأة سميا زوجين لكونهما متشابهين في أكثر أحكام النكاح وكذلك العدد الزوج سمي بهذا الاسم لكون كل واحد من سميه مثالا للقسم الثاني في العدد الصحيح ، قال الواحدي فعلى هذا القول يجب أن يكون المراد بالذين ظلموا الرؤساء ونك لو جعلت الذين ظلموا عاما في كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى القول الثاني : في تفسير الأزواج أن المراد قرناؤهم من الشياطين لقوله تعالى : دوإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } ( الأعراف : 202 ) ، والقول الثالث : أن المراد نساؤهم اللواتي على دينهم . أما قوله : { } ( الأعراف : 202 ) ، والقول الثالث : أن المراد نساؤهم اللواتي على دينهم . أما قوله : { وما كانوا يعبدون من دون الله } ففيه قولان الأول : المراد ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان والطواغيت ، ونظيره قوله : { فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة } ( البقرة : 24 ) قيل المراد بالناس عباد الأوثان والمراد بالحجارة الأصنام التي هي أحجار منحوتة ، فإن قيل إن تلك الأحجار جمادات فما الفائدة في حشرها إلى جهنم ؟ أجاب القاضي بأنه ورد الخبر بأنها تعاد وتحيا لتحصل المبالغة في توبيخ الكفار الذين كانوا يعبدونها ولقائل أن يقول هب أن الله تعالى يحيي تلك الأصنام إلا أنه لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز من الله تعالى تعذيبها ؟ واوقرب أن يقال إن الله تعالى لا يحيي تلك الأصنام بل يتركها على الجمادية . ثم يلقيها في جهنم لأن ذلك مما يزيد في تخجيل الكفار القول الثاني : : أن المراد من قولهه : { وما كانوا يعبدون من دون الله } الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ما عبدوا فلما قبلوا منهم ذلك الدين صاروا كالعابدين لأولئك الشياطين وتأكد هذا بقوله تعالى : { ألم أعهد إليكم يبنى وإذ أخذ أن لا تعبدوا } ( يس : 60 ) والقول الأول أولى لأن الشياطين عقلاء وكلمة ما لا تليق بالعقلاء والله أعلم .

Bagian V26/P115–V26/P116

ثم قال : { الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم } قال ابن عباس : دلوهم يقال هديت الرجل إذا دللته وإنما استعملت الهداية ههنا ، لأنه جعل بدل الهداية إلى الجنة ، كما قال : { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك ، وعن ابن عباس { فاهدوهم وقالوا ياويلنا هاذا يوم الدين هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم } يقال : وقفت الدابة اقفها وقفا فوقفت هي وقوفا ، والمعنى احبسوهم وفي الآية قولان أحدهما : : على التقديم والتأخير ، والمعنى قفوهم واهدوهم ، والأصوب أنه لا حاجة إليه ، بل كأنه قيل : فاهدوهم إلى صراط الجحيم فإذا انتهوا إلى الصراط قيل { وقفوهم } فإن السؤال يقع هنللهك وقوله : { أنهم } قيل عن أعمالهم في الدنيا وأقوالهم ، وقيل المراد سألتهم الخزنة { ألم يأتكم رسل منكم قالوا بلى ولاكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } ( الزمر : 71 ) ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد ذلك وهو قوله تعالى : { ما لكم لا تناصرون } أي أنهم يسألون توبيخا لهم ، فيقال : { ما لكم لا تناصرون } قال ابن عباس / رضي الله عنهما : لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا ، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر : نحن جميع منتصر فقيل لهم يوم القيامة ما لكم غير متناصرين ، وقيل يقال لكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب . ثم قال تعالى : { بل هم اليوم مستسلمون } يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع ، ومعناه في الأصل طلب السلامة بترك المنازعة ، والمقصود أنهم صاروا منقادين لا حيلة لهم في دفع تلك المضار لا العابد ولا المعبود . ! 7 < { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } > 7 ! < < الصافات : ( 27 ) وأقبل بعضهم على . . . . . > > ثم قال تعالى : { وأقبل بعضهم على بعض } قيل هم والشياطين ، وقيل الرؤساء والأتباع . { يتساءلون } أي يسأل بعضهم بعضا ، وهذا التساؤل عبارة عن التخاصم وهو سؤال التبكيت يقولون غررتمونا ، ويقول : أولئك لم قبلتم منا ، وبالجملة فليس ذلك تساؤل المستفهمين ، بل هو تساؤل التوبيخ واللوم ، والله أعلم . ! 7 < { قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ فى العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون ويقولون أءنا لتاركوءالهتنا لشاعر مجنون بل جآء بالحق وصدق المرسلين إنكم لذآئقو العذاب الا ليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين } > 7 < الصافات : ( 28 ) قالوا إنكم كنتم . . . . . > >

Bagian V26/P116–V26/P117

واعلم أن الله تعالى لما حكى عنهم أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون شرح كيفية ذلك التساؤل فقال : { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } وهذا قول الأتباع لمن دعاهم إلى الضلالة ، وفي تفسير اليمين وجوه الأول : أن لفظ اليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات ، وبيان كيفية هذه الاستعارة ، أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر لوجوه أحدها : اتفاق الكل على أن أشرف الجانبين هو اليمين والثاني : لا يباشرون الأعمال الشريفة إلا باليمين مثل مصافحة الأخيار والأكل والشرب وما على العكس منه يباشرونه باليد اليسرى الثالث : أنهم كانوا يتفاءلون وكانوا يتيمنون بالجانب الأيمن ويسمونه بالبارح الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء الخامس : أن الشريعة حكمت بأن الجانب الأيمن لكاتب الحسنات والأيسر لكاتب السيئات السادس : أن الله تعالى وعد لمحسن أن يؤتى كتابه بيمينه ، والمسيء أن يؤتى كتابه بيساره ، فثبت أن الجانب الأيسر ، وإذا كان كذلك لا جرم ، استعير لفظ اليمين للخيرات والحسنات والطاعات ، فقوله : { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } يعني أنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون لنا أن مقصودكم من الدعوة إلى تلك الأديان نصرة الحق وتقوية الصدق والوجه الثاني : في التأويل أنه يقال فلان يمين فلان ، إذا كان عنده بالمنزلة الحسنة ، فقال هؤلاء الكفار لأئتمتهم الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر : إنكم كنتم تخدوعونا وتوهمون لنا ، أننا عندكم بمنزلة اليمين ، أي بالمنزلة الحسنة ، فوثقنا بكم وقبلنا عنكم الوجه الثالث : أن أئمة الكفار كانوا قد حلفوا لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق ، فوثقوا بإيمانهم وتمسكوا بعهودهم التي عهدوها لهم ، فمعنى قوله : { كنتم تأتوننا عن اليمين } أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا الوجه الرابع : أن لفظ اليمين مستعار من القوة والقهر ، لأن اليمين موصوفة بالقهر وبها يقع البطش ، والمعنى أنكم كنتم تأتوننا عن القوة والقهر ، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتعيرونا عليه ، ثم حكى الله تعالى عن الرؤساء أنهم أجابوا الأتباع من وجوه الأول : أنهم قالوا لهم { بل لم تكونوا مؤمنين } يعني أنكم ما كنتم موصوفين بالإيمان حتى يقال إنا أزلناكم عنه الثاني : قولهم : { وما كان لنا عليكم من سلطان } يعني لا قدرة لناعليكم حتى نقهركم ونجبركم الثالث : { بل كنتم قوما طاغين } أي ضالين غالين في معصية الله الرابع : قولهم : { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } والمعنى أن الله تعالى لما إخبر عن / وقوعنا في العذاب / فلو لم يحصل وقوعنا في العذاب لما كان خبر الله حقا ، بل كان باطلا ، ولما كان خبر الله أمرا واجبا لا جرم ، كان الوقوع في العذاب الأليم لازما ، قال مقاتل قوله تعالى : { فحق علينا قول ربنا } إشارة إلى قول الله لإبليس : { لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ( ص : 85 ) وقوله تعالى : { إنا لذائقون } يعني لما وجب أن يحق علينا قول ربنا وجب أن نكون ذائقين لهذا العذاب الخامس قولهم : { فأغويناكم إنا كنا غاوين } والمعنى أنا إنما أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية ، وفيه دقيقة أخرى ، كأنهم قالوا : إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاو آخر ولزم التسلسل وذلك محال ، فعلمنا أن حصول الغواية والرشاد ليس من قبلنا ، بل من قبل غيرنا ، وذلك الغير هو الذي ذكره فيما قبل ، وهو قوله : { فحق علينا قول ربنا } ولما حكى الله تعالى كلام الأتباع للرؤساء وكلام الرؤساء للأتباع قال بعده : { فإنهم يومئذ فى العذاب مشتركون } يعني فالمتبوع والتابع والمخدوم والخادم مشتركون في الوقوع في العذاب كما كانوا في الدنيا مشتركين في الغواية ، ثم قال أيضا : { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } وعني بالمجرمين ههنا الكفار بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الكلمة : { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون } والضمير في قوله : { أنهم } عائد إلى المذكور السابق وهو قوله : { بالمجرمين } وهذا يدل على أن لفظ المجرم المطلق مختص في القرآن بالكافر ، ثم بين تعالى أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب لأنهم كانوا مكذبين بالتوحيد وبالنبوة ، أما التكذيب بالتوحيد فهو قوله تعالى : { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون } يعني ينكرون ويتعصبون لإثبات الشرك ويستنكفون عن الإقرار بالتوحيد .

Bagian V26/P117

وأما التكذيب بالنبوة فهو قولهم : { لتاركو ءالهتنا لشاعر مجنون بل } ويعنون محمدا ، ثم إنه تعالى كذبهم في ذلك الكلام فقال : { بل جاء بالحق وصدق المرسلون } وتقرير هذا الكلام أنه جاء بالدين الحق لأنه ثبت بالعقل أنه تعالى منزه عن الضد والند والشريك فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بتقرير هذه المعاني كان مجيئه بالدين الحق ، قرأ ابن كثير { أينا بعض ءالهتنا } بهمزة وياء بعدها خفيفية ساكنة بلا مد ، وقرأ نافع في رواية قالون وأبو عمرو على هذا التفسير يمدان والباقون بهمزتين بلا مد وقوله تعالى : { وصدق المرسلون } يعني صدقهم في مجيئهم بالتوحيد ونفي الشريك ، وهذا تنبيه على أن القول بالتوحيد دين لكل الأنبياء ، ولما حكى الله عنهم تكذيبهم بالتوحيد والنبوة نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور فقال : { إنكم لذائقون العذاب الاليم } كأنه قيل فكيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده فأجاب عنه بقوله : { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } والمعنى أن الحكم يقتضي الأمر بالحسن والطاعة والنهي عن القبيح والمعصية والأمر والنهي لا يكمل المقصود منهما / إلا بالترغيب في لثواب والترهيب بالعقاب وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحقيقه صونا للكلام عن الكذب ، فلهذا السبب وقعوا في العذاب ثم قال : { إلا عباد الله المخلصين } يعني ولكن عباد الله ( المخلصين ناجون وهو ) من الاستثناء المنقطع .

Bagian V26/P117–V26/P118

! 7 < { أولائك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون فى جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضآء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } > 7 < الصافات : ( 41 - 50 ) أولئك لهم رزق . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف أحوال المتكبرين عن قبول التوحيد المصرين علي إنكار النبوة أردفه بذكر حال المخلصين في كيفية الثواب ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكرنا في فتح اللام وكسرها من المخصلين قراءتين فالفتح أن الله تعالى أخصلهم بلطفه واصطفاهم بفضله والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلوما ، ولم يبين أن أي الصفات منه هو المعلوم فلذلك اختلفت الأقوال ، فقيل معناه إن ذلك الرزق معلوم الوقت وهو مقدار غدوة وعشية وإن لم يكن ثمة لا بكرة ولا عشية ، قال تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ( مريم : 62 ) ، وقيل معناه أن ذلك الرزق معلوم الصفة لكونه مخصوصا بخصائص خلقها الله فيه من طيب طعم ورائحة ولذة حسن منظر ، وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ولا متى ينقطع ، وقيل معناه : القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وكرامته عليهم ، وقد بين الله تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على سبيل التفضل ، ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقا بين أن ذلك الرزق ما هو فقال : { فواكه } وفيه قولان الأول : أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة ، وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات / فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد ، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ والثاني : أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى ، يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبدا كان الأدام أولى بالحضور ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق ، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال : { وهم مكرمون } لأن الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم . ولما ذكر تعالى مأكولهم وصف تعالى مساكنهم فقال : { في جنات النعيم على سرر متقابلين } ومعناه أنه لا كلفة عليهم في التلاقي للأنس والتخاطب ، وفي بعض الأخبار أنهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم ، ولا يجوز أن يكونوا متقابلين إلا مع حصول الخواطر والسرائر ولن يكونوا كذلك إلا مع الفسحة والسعة ، ولا يجوز أن يسمع بعضهم خطاب بعض ويراه على بعد إلا بأن يقوي الله أبصارهم وأسماعهم وأصواتهم ، ولما شرح الله صفة المأكل والمسكن ذكر بعده صفة الشرب فقال : { يطاف عليهم بكأس من معين } يقال للزجاجة التي فيها الخمر كأس وتسمى الخمرة نفسها كأسا قال : وكأس شرت على لذة وأخرى تداويت منها بها

Bagian V26/P118–V26/P120

وعن الأخفش : كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وقوله : { من معين } أي من شراب معين ، أو من نهر معين ، المعين مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي معينا لظهوره يقال عان الماء إذا ظهر جاريا ، قاله ثعلب فهو مفعول من العين نحو مبيع ومكيل ، وقيل سمي معينا لأنه يجري ظاهر العين ، ويجوز أن يكون فعيلا من المعين وهو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في المسير إذا اشتد فيه / وقوله : { بيضاء } صفة للخمر ، قال الأخفش ، خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ، وقوله : { لذة } فيه وجوه أحدها : أنها وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة في وصفه بهاتين الصفتين وثانيها : قال الزجاج أي ذات لذة فعلى هذا حذف المضاف وثالثها : قال الليث : اللذ واللذيذ يجريان مجرى واحدا في النعت ويقال شراب لذ ولذيذ قال تعالى : { بيضاء لذة للشاربين } وقال تعالى : { من خمر لذة } ( محمد : 15 ) ولذلك سمي النوم لذا لاستلذاذه ، وعلى هذا لذة بمعنى لذيذة ، والأقرب من هذه الوجوه الأول . ثم قال تعالى : { للشاربين لا فيها غول } وفيه أبحاث : البحث الأول : قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء ، وقال أبو عبيدة الغول أن يغتال عقولهم ، وأنشد قول مطيع بن إياس : وما زالت الكأس تغتالهم وتذهب بالأول الأول وقال الليث : الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا ، قال الواحدي رحمه الله وحقيقته الإهلاك ، يقال غاله غولا أي أهلكه ، والغول والغائل المهلك ، ثم سمي الصداع غولا لأنه يؤدي إلى الهلاك . ثم قال تعالى : { ولا هم عنها ينزفون } وقرىء بكسر الزاي قال الفراء من كسر الزاي فله معنيان يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمرته ، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر ومن فتح الزاي فمعناه / لا يذهب عقولهم أي لا يسكرون يقال نزف الرجل فهو منزوف ونزيف ، والمعنى ليس فيها قط نوع من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون أيضا ، وخصه بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر ، ولما ذكر الله تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم من ثلاثة أوجه الأول : قوله : { وعندهم قاصرات الطرف } ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى : { حور مقصورات فى الخيام } ( الرحمن : 72 ) والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن . الصفة الثانية : قوله تعالى : { عين } قال الزجاج : كبار الأعين حسانها واحدها عيناء . الصفة الثالثة : قوله تعالى : { كأنهن بيض مكنون } المكنون في اللغة المستور يقال كننت الشيء وأكنته ، ومعنى هذا التشبيه أن ظاهر البيض بياض يشوبه قليل من الصفرة ، فإذا كان مكنونا كان مصونا عن الغبرة والقترة ، فكان هذا اللون في غاية الحسن والعرب كانوا يسمون النساء بيضات الخدور . ولما تمم الله صفات أهل الجنة قال : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } فإن قيل على أي شيء عطف قوله : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ؟ قلنا على قوله : { يطاف عليهم } والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراء قال الشاعر : وما بقيت من اللذات إلا محادثة الكرام على المدام والمعنى فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا .

Bagian V26/P120–V26/P121

! 7 < { قال قآئل منهم إنى كان لى قرين يقول أءنك لمن المصدقين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرءاه فى سوآء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الا ولى وما نحن بمعذبين إن هاذا لهو الفوز العظيم لمثل هاذا فليعمل العاملون } > 7 ! < < الصافات : ( 51 ) قال قائل منهم . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى كما ذكر في أهل الجنة أنهم يتساءلون عند الاجتماع على / شرب خمر الجنة فإن محادثة العقلاء بعضهم مع بعض على لشرب من الأمور اللذيذة ، وتذكر الخلاص عند اجتماع أسباب الهلاك من الأمور اللذيذة ، ذكر تعالى في هذه الآية أن أهل الجنة إذا اجتمعوا على الشرب وأخذوا في المكالمة والمساءلة كان من جملة تلك الكلمات أنهم يتذكرون أنهم كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله ، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالسعادة الأبدية ، والمقصود من ذكر هذه الأشياء أن أهل الجنة يتكامل سرورهم وبهجتهم . أما قوله : { قال قائل منهم إنى كان لى قرين } أي قال قائل : من أهل الجنة إني كان لي قرين في الدنيا { يقول أءنك لمن المصدقين } أي كان يوبخني على التصديق بالبعث والقيامة ويقول تعجبا : { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون } أي لمحاسبون ومجازون ، والمعنى أن ذلك القرين كان يقول هذه الكلمات على سبيل الاستنكار ، ثم إن ذلك الرجل الذي هو من أهل الجنة يقول لجلسائه يدعوهم إلى كمال السرور بالاطلاع إلى النار لمشاهدة ذلك القرين ومخاطبته { هل أنتم مطلعون فأطلع } والأقرب أنه تكلف أمرا اطلع معه لأنه لو كان مطلعا بلا تكلف لم يكن إلى اطلاعه حاجة فلذلك قال بعضهم إنه ذهب إلى بعض أطراف الجنة فاطلع عندها إلى النار { فاطلع فرءاه فى سواء } أي في وسط الجحيم قال له موبخا : { تالله إن كدت لتردين } أي لتهلكني بدعائك إياي إلى إنكار البعث والقيامة { ولولا نعمة ربى } بالإرشاد إلى الحق والعصمة عن الباطل { لكنت من المحضرين } في النار مثلك ، ولما تمم ذلك الكلام حصل قبل ذبح الموت والثاني : أن الذي يتكامل خيره وسعادته فإذا عظم تعجبه بها قد يقول أيدوم هذا لي ؟ أفيبقى هذا لي ؟ وإن كان على يقين من دوامه ، ثم عند فراغهم من هذه المباحثات يقولون : { إن هاذا لهو الفوز العظيم } . وأما قوله : { لمثل هاذا فليعمل العاملون } فقيل إنه من بقية كلامهم ، وقيل إنه ابتداء كلام من الله تعالى أي لطلب مثل هذه السعادات يجب أن يعمل العاملون . المسألة الثانية : قال بعضهم المراد من هذا القائل ومن قرينه ما ذكره الله تعالى في سورة الكهف ( 32 ) في قوله : { واضرب لهم مثلا رجلين } إلى آخر الآيات ، وروي أن رجلين كانا شريكين فحصل لهما ثمانية آلاف دينار فقال أحدهما للآخر أقاسمك فقاسمه واشترى دارا بألف دينارا فأراها صاحبه وقال : كيف ترى حسنها فقال : ما أحسنها فخرج وقال : اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك دارا من دور الجنة ، فتصدق بألف دينار ، ثم إن صاحبه تزوج بامرأة حسناء بألف دينار فتصدق هذا بألف دينار لأجل أن يزوجه الله من الحور العين / ثم إن صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار فتصدق هذا بألفي دينار ، ثم إن الله أعطاه في الجنة ما طلب / فعند هذا قال : { إنى كان لى قرين } إلى قوله : { فاطلع فرءاه فى سواء الجحيم } ( الصافات : 55 ) .

Bagian V26/P121–V26/P122

المسألة الثالثة : قوله : { أءنك لمن المصدقين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون } اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة قرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة غير ممدودة والثالثة بكسر الألف من غير استفهام ، ووافقه الكسائي إلا نه يستفهم الثالثة بهمزتين ، وقرأ ابن عامر الأولى والثالثة بالاستفهام بهمزتين والثانية بكسر الألف من غير استفهام ، وقرأ الباقون بالاستفهام في جميعها ، ثم اختلفوا فإبن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعدها ياء ساكنة خفيفة ، وأبو عمرو مطولة ، وعاصم وحمزة بهمزتين . وأما قوله : { إن كدت لتردين } قرأ نافع برواية ورش لترديني بإثبات الياء في الوصل والباقون بحذفها . المسألة الرابع : احتج أصحابنا على أن الهدى والضلال من الله تعالى بقوله تعالى : { ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين } وقالوا : مذهب الخصم أن كل ما فعله الله تعالى من وجوه الإنعام في حق المؤمن فقد فعله في حق الكافر ، وإذا كان ذلك الإنعام مشتركا فيه امتنع أن يكون سببا لحصول الهداية للمؤمن . وأن يكون سببا لخلاصه من الكفر والردى فوجب أن تكون تلك النعمة المخصوصة أمرا زائدا على تلك الإنعامات التي حصل الاشتراك فيها ، وما ذلك إلا بقوة الداعي إلى الإيمان وتكميل الصارف عن الكفر . المسألة الخامسة : احتج نفاة عذاب القبر بقول الرجل الذي من أهل الجنة { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الاولى } فهذا يدل على أن الإنسان لا يموت إلا مرة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلا مرتين والجواب : أن قوله : { إلا موتتنا الاولى } المراد منه كل ما وقع في الدنيا والله أعلم . ! 7 < { أذالك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج فىأصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين فإنهم لاكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا ءابآءهم ضآلين فهم علىءاثارهم يهرعون ولقد ضل قبلهم أكثر الا ولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد الله المخلصين } > 7 < الصافات : ( 62 ) أذلك خير نزلا . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما قال بعد ذكر أهل الجنة ووصفها { لمثل هاذا فليعمل العاملون } ( الصافات : 61 ) أتبعه بقوله : { أذالك خير نزلا أم شجرة الزقوم } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يورد ذلك على كفار قومه ليصير ذلك زاجرا لهم عن الكفر ، وكما وصف من قبل مآكل أهل الجنة ومشاربهم وصف أيضا في هذه الآية مآكل أهل النار ومشاربهم .

Bagian V26/P122–V26/P123

أما قوله : { أذالك خير نزلا أم شجرة } فالمعنى أن الرزق المعلوم المذكور لأهل الجنة { أذالك خير نزلا } أي خير حاصلا { أم شجرة الزقوم } وأصل النزل الفضل الواسع في الطعام يقال طعام كثير النزل ، فاستعير للحاصل من الشيء ، ويقال أرسل الأمير إلى فلان نزلا وهو الشيء الذي يصلح حال من ينزل بسبه ، إذا عرفت هذا فنقول حاصل يالرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة والسرور ، وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم ، ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام ، إما على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن المؤمنين لما ختاروا ما أوصلهم إلى الرزق الكريم ، والكافرين اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب الأليم فقيل لهم ذلك توخبيا لهم على سوء اختيارهم ، وأما { الزقوم } فقال الواحدي رحمه الله لم يذكر المفسرون . للزقوم تفسيرا إلا الكلبي فإنه روي أنه لما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعري أكثر الله في بيوتكم الزقوم ، فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد بالزقوم ، فقال أبو جهل لجاريته زقمينا فأتته بزبد وتمر ، وقال : تزقموا . ثم قال الواحدي ومعلوم أن الله تعالى لم يرد بالزقوم ههنا الزبد والتمر ، قال ابن دريد لم يكن للزقوم اشتقاق من التزقم وهو الإفراط من أكل الشيء حتى يكره ذلك يقال بات فلان يتزقم . وظاهر لفظ القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعام منتنة الرائحة شديدة الخشونة موصوفة بصفات كل من تناولها عظم من تناولها ، ثم إنه تعالى يكره أهل النار على تتناول بعض أجزائها . أما قوله تعالى : { إنا جعلناها فتنة للظالمين } ففيه أقوال : الأول : أنها إنما صارت فتنة للظالمين ، من حيث إن الكفار لما سمعوا هذه الآية ، قالوا : كيف يعقل أن تنبت الشجرة في جهنم / مع أن النار تحرق الشجرة ؟ والجواب عنه أن خالق النار قادر على أن يمنع النار من إخراق الشجر ، ولأنه إذا جاز أن يكون في النار زبانية والله تعالى يمنع النار عن إحراقهم فلم لا يجوز مثله في هذه الجشرة ؟ إذا عرفت هذا السؤال والجواب بمعنى كون شجرة الزقوم فتنة للظالمين هو أنهم لما سمعوا هذه الآية وقعت تلك الشبهة في قلوبهم وصارت تلك الشبهة سببا لتماديهم في الكفر فهذا هو المراد من كونها فتنة لهم والوجه الثاني : في التفسير أن يكون المراد صيرورة هذه الشجرة فتنة لهم في النار لأنهم إذا كلفوا تناولها وشق ذلك عليهم / فحينئذ يصير ذلك فتنة في حقهم الوجه الثالث : أن يكون المراد من الفتن الامتحان والاختبار ، فإن هذا شيء بعيد عن العرف والعادة مخالف للمألوف والمعروف ، فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن والنبوة .

Pertanyaan