Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الشجرة وصفها بصفات الصفة الأولى : قوله إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم قيل منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها الصفة الثانية : قوله : { طلعها كأنه رءوس الشياطين } قال صاحب ( الكشاف ) : الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها ، إما استعارة لفظية أو معنوية ، وقال ابن قتيبة سمي ( طلعا ) لطلوعه كل سنة ، ولذلك قيل طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره ، وأما تشبيه هذا الطلع برؤوس الشياطين ففيه سؤال ، لأنه قيل إنا ما رأينا رؤوس الشياطين فكيف يمكن تشبيه شيء بها ؟ وأجابوا عنه من وجوه : الأول : ة وهو الصحيح أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح والتشويه في الصورة والسيرة ، فكما حسن التشبيه بالملك عند إرادة تقرير الكمال والفضيلة في قوله : { إن هاذا إلا ملك كريم } ( يوسف : 31 ) فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة ، والحاصل أن هذا من باب التشبيه لا بالمحسوس بل بالمتخيل ، كأنه قيل إن أقبح الأشياء في الوهم والخيار هو رؤوس الشياطين فهذه الشجرة تشبهها في قبح النظر وتشويه الصورة ، والذي يؤكد هذا أن العقلاء إذا رأوا شيئا شديد الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة ، قالوا : إنه شيطان ، وإذا رأوا شيئا حسن الصورة والسيرة ، قالوا إنه ملك ، وقال امرؤ القيس : أتقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال والقول الثاني : أن الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف ، وهي من أقبح الحيات ، وبها يضرب المثل في القبح ، والعرب إذا رأت منظرا قبيحا قالت : كأنه شيطان الحماطة ، والحماطة شجرة معينة والقول الثالث : أن رؤوس الشياطين ، نبت معروف قبيح الرأس ، والوجه الأول هو الجواب الحق ، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الشجرة وذكر صفتها بين أن الكفار { لاكلون منها فمالئون منها البطون } واعلم أن إقدامهم على ذلك الأكل يحتمل وجهين : الأول : أنهم أكلوا منها لشدة الجوع ، فإن قيل وكيف يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة / طعمها ؟ قلنا : إن الواقع في الضرر العظيم ربما استروح منه إلى ما يقاربه في الضرر ، فإذا جوعهم الله الجوع الشديد فزعوا في إزالة ذلك الجوع إلى تناول هذا الشيء وإن كان بالصفة التي ذكرتموها الوجه الثاني : أن يقال الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة تكميلا لعذابهم . وعلم أنهم إذا شبعوا فحينئذ يشتد عطشهم ويحتاجون إلى الشراب ، فعند هذا وصف الله شرابهم ، فقال : { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } ( الصافات : 67 ) قال الزجاج : الشوب اسم عام في كل ما خلط بغيره ، والحميم الماء الحار المتناهي في الحرارة ، والمعنى أنه إذا غلبهم ذلك العطش الشديد سقوا من ذلك الحميم ، فيحنئذ يشوب الزقوم بالحميم نعوذ بالله منهما .
واعلم أن الله وصف شرابهم في القرآن بأشياء منها كونه غساقا ، ومنها قوله : { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } ( محمد : 15 ) ومنها ما ذكره في هذه الآية ، فإن قيل ما الفائدة في كلمة { ثم } في قوله : { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } ؟ قلنا فيه وجهان الأول : أنهم يملأن بطونهم من شجرة الزقوم وهو حار يحرق بطونهم فيعظم عشطهم / ثم إنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة والغرض تكميل التعذيب ، والثاني : أنه تعالى ذكر الطعام بتلك البشاعة والكراهة ، ثم وصف الشراب بما هو أبشع منه ، فكان المقصود من كلمة ثم بيان أن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول ، ثم قال تعالى : { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } قال مقاتل : أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم ، وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم ، وذلك بأن يكون الحميم من موضع خارج عن الجحيم ، فهم يوردون الحميم لأجل الشرب كما تورد الإبل إلى الماء ، ثم يوردون إلى الجحيم ، فهذا قول مقاتل ، واحتج على صحته بقوله تعالى : { هاذه جهنم التى يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم ءان } ( الرحمن : 43 ، 44 ) وذلك يدل على صحة ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما وصف عذابهم في أكلهم وشربهم قال : { إنهم ألفوا ءاباءهم ضالين فهم علىءاثارهم يهرعون } قال الفراء : الإهراع الإسراع يقال هرع وأهرع إذا استحث ، والمعنى أنهم يتبعون آباءهم ابتاعا في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم ، والمقصود من الآية أنه تعالى علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين وترك ابتاع الدليل ، ولو لم يوجد في القرآن آية غير هذه الآية في ذم التقليد لكفي . ثم إنه تعالى ذكر لرسوله ما يوجب التسلية له في كفرهم وتكذيبهم ، فقال : { ولقد ضل قبلهم أكثر الاولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين } فبين تعالى أن إرساله للرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف ، ويجب أن يكون له صلى الله عليه وسلم أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ، ويستمر على الدعاء إلى الله وإن تمردوا ، فليس عليه إلا البلاغ . ثم قال تعالى : { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } وهذا وإن كان في الظاهر خطابا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلا أن المقصود منه خطاب الكفار لأنهم سمعوا بالأخبار جميع ما جرى من أنواع العذاب على قوم نوح وعلى عاد وثمود وغيرهم ، فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوف يصلح أن يكون زاجرا لهم عن كفرهم . وقوله تعالى : { إلا عباد الله المخلصين } فيه قولان أحدهما : أنه استثناء من قوله : { ولقد ضل قبلهم أكثر الاولين } والثاني : أنه استثناء من قوله : { كيف كان عاقبة المنذرين } ( يونس : 73 ) فإنها كانت أقبح العواقب وأفظعها إلا عاقبة عباد الله المخلصين ، فإنها كانت مقرونة بالخير والراحة . ! 7 < { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه فى الا خرين سلام على نوح فى العالمين إنا كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الا خرين } > 7 < الصافات : ( 75 ) ولقد نادانا نوح . . . . . > >
اعلم أنه تعالى لما قال من قبل : { ولقد ضل قبلهم أكثر الاولين } ( الصافات : 71 ) وقال : { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ( الصافات : 73 ) أتبعه بشرح وقائع الأنبياء عليهم السلام فالقصة الأولى : حكاية حال نوح عليه السلام وقوله : { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون } فيه مباحث : الأول : أن اللام في قوله : { فلنعم المجيبون } جواب قسم محذوف والمخصوص بالمدح محذوف ، أي فلنعم المجيبون نحن . البحث الثاني : أنه تعالى ذكر أن نوحا نادى ولم يذكر أن ذلك النداء في أي الوقائع كان ؟ لا جرم حصل فيه قولان الأول : وهو المشهور عند الجمهور أنه نادى الرب تعالى في أن ينجيه من محنة الغرق وكرب تلك الواقعة والقول الثاني : أن نوحا عليه السلام لما اشتغل بدعوة قومه إلى الدين الحق بالغوا في إيذائه وقصدوا قتله ، ثم إنه عليه السلام نادى ربه واستنصره على كفار قومه ، فأجابه الله تعالى ومنعهم من قتله وإيذائه ، واحتج هذا القائل على ضعف القول الأول بأنه عليه السلام إنما دعا عليهم لأجل أن ينجيه الله تعالى وأوله ، وأجاب الله دعاءه فيه فكان حصول تل كالناة كالمعلوم المتيقن في دعائه ، وذلك يمنع من أن يقال المطلوب من هذا النداء حصول هذه النجاة . ثم إنه تعالى لما حكى عن نوح أنه ناداه قال بعده : { فلنعم المجيبون } وهذه اللفظة تدل على أن / تلك الإجابة كانت من النعم العظيمة ، وبيانه من وجوه الأول : أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال : { ولقد نادانا نوح } والقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم والثاني : أنه أعاد صيغة الجمع في قوله : { فلنعم المجيبون } وذلك أيضا يدل على تعظيم تلك النعمة . لا سيما وقد وصف تلك الإجابة بأنها نعمت الإجابة والثالث : أن الفاء في قوله : { فلنعم المجيبون } يدل على أن حصول هذه الإجابة مرتب على ذلك النداء ، والحكم المرتب على الوصف المناسب يقتضي كونه معللا به ، وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة ، ثم إنه تعالى لما بين أنه سبحانه نعم المجيب على سبيل الإجمال ، بين أن الإنعام حصل في تلك الإجابة من وجوه الأول : قوله تعالى : { ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } وهو على القول الأول الكرب الحاصل بسبب الخوف من الغرق ، وعلى الثاني الكرب الحاصل من أذى قومه والثاني : قوله : { وجعلنا ذريته هم الباقين } يفيد الحصر وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فنوا ، قال ابن عباس : ذريته بنوه الثلاثة : سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس والروم ، وحام أبو السودان ، ويافث أبو الترك . النعمة الثالثة : قوله تعالى : { وتركنا عليه فى الاخرين سلام على نوح فى العالمين } يعني يذكرون هذه الكلمة ، فإن قيل فما معنى قوله : { فى العالمين } قلنا معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا أي لا يخلو أحد منهم منها ، كأنه قيل أثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين فيسلمون عليه بكليتهم ، ثم إنه تعالى لما شرح تفاصيل إنعامه عليه قال : { إنا كذلك نجزى المحسنين } والمعنى أنا إنما خصصنا نوحا عليه السلام بتلك التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوأة من ذريته ومن تبقية ذكره الحسن في ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسنا ، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا لله مؤمنا ، والمقصود منه بيان أن أعظم الدرجات وأشرف المقامات الإيمان بالله والانقياد لطاعته .
! 7 < { وإن من شيعته لإبراهيم إذ جآء ربه بقلب سليم إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون أءفكا ءالهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة فى النجوم فقال إنى سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلىءالهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون } > 7 ! < < الصافات : ( 83 ) وإن من شيعته . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : الضمير في قوله من شيعته إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : وهو الأظهر أنه عائد إلى نوح عليه السلام أي من شيعة نوح أي من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه لإبراهيم ، قالوا : وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح ، وروى صاحب ( الكشاف ) أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة الثاني : قال الكلبي المراد من شيعة محمد لإبراهيم بمعنى أنه كان على دينه ومنهاجه فهو من شيعته وإن كان سابقا له والأول أظهر ، لأنه تقدم ذكر نوح عليه السلام ، ولم يتقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فعود الضمير إلى نوح أولى . المسألة الثانية : العامل في { إذ } ما دل عليه قوله : { وإن من شيعته } من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم . أما قوله : { إذ جاء ربه بقلب سليم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { بقلب سليم } قولان : الأول : قال مقاتل والكلبي يعني خالص من الشرك ، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله والثاني : قال الأصوليون المراد أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل دنس من المعاصي ، فيدخل فيه كونه سليما عن الشرك وعن الشك وعن الغل والغش والحقد والحسد . عن ابن عباس أنه كان يحب للناس ما يحب لنفسه ، وسلم جميع الناس من غشه وظلمه وأسلمه الله تعالى فلم يعدل به أحدا ، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بأنه تعالى ذكر بعد هذه الكلمة إنكاره على قومه الشرك بالله ، وهو قوله : { إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون } واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأن اللفظ مطلق فلا يقيد بصقة دون صفة ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } ( الأنبياء : 51 ) مع أنه تعالى قال : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) وقال : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين } ( الأنعام : 75 ) فإن قيل ما معنى المجيءي بقلبه ربه ؟ قلنا معناه أنه أخلص لله قلبه ، فكأنه أتحف حضرة الله بذلك القلب ، ورأيت في التوراة أن الله قال لموسى أجب إلهك بكل قلبك . واعلم أنه تعالى لما ذكر أن إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ذكر أن من جملة آثار تلك السلامة أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد فقال : { إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون } والمقصود من هذا الكلام تهجين تلك الطريقة وتقبيحها . / ثم قال : { ءالهة دون الله تريدون فما } قال صاحب ( الكشاف ) أئفكا مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دونه إفكا ، وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يقرر عندهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم ، ويجوز أن يكون إفكا مفعولا به يعني أتريدون إفكا ، ثم فسر الإفك بقوله : { دون الله تريدون } على أنها إفك في أنفسها / ويجوز أن يكون حالا بمعنى تريدون آلها من دون الله آفكين .
ثم قال : { فما ظنكم برب العالمين } وفيه وجهان أحدهما : أتظنون برب العالمين أنه يجوز جعل هذه الجمادات مشاركة له في المعبودية وثانيها : أتظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في المعبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء . ثم قال : { فنظر نظرة فى النجوم فقال إنى سقيم } عن ابن عباس أنهم كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم على مقتضى عادتهم ، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه فأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خاليا في بيت الأصنام فيقدر على كسرها وههنا سؤالان الأول : أن النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أقدم عليه إبراهيم والثاني : أنه عليه السلام ما كان سقيما فلما قال إني سقيم كان ذلك ذبا ، واعلم أن العلماء ذكروا في الجواب عنهما وجوها كثيرة الأول : أنه نظر نظرة في النجوم في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه سقامة كالحمى في بعض ساعات الليل والنهار ، فنظر ليعرف هل هي في تلك الساعة وقال : { إنى سقيم } فجعله عذرا في تخلفه عن العيد الذي لهم وكان صادقا فيما قال ، لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت ، وإنما تخلف لأجل تكسير أصنامهم الوجه الثاني : في الجواب أن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا أصحاب النجوم يعظمونها ويقضون بها على غائب الأمور ، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي في علوم النجوم وفي معانيه لا أنه نظر بعينه إليها ، وهو كما يقال فلان نظر في الفقه وفي النحو وإنما أراد أن يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون ويتعرف من حيث يتعرفون حتى إذا قال : { إنى سقيم } سكنوا إلى قوله .
أما قوله : { إنى سقيم } فمعناه سأسقم كقوله : { إنك ميت } ( الزمر : 30 ) أي ستموت الوجه الثالث : أن قوله : { فنظر نظرة فى النجوم } هو قوله تعالى : { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا } ( الأنعام : 76 ) إلى آخر الآيات وكان ذلك النظر لأجل أن يتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي قديمة أو محدثة ، وقوله : { إنى سقيم } يعني سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ الوجه الرابع : قال ابن زيد كان له نجم مخصوص ، وكلما طلح على صفة مخصوصة مرض إبراهيم ولأجل هذا الاستقراء لما رآه في ذلك الوقت طالعا على تلك الصفة المخصوصة قال : { إنى سقيم } أي هذا السقم واقع لا محالة الوجه الخامس : أن قوله : { إنى سقيم } أي مريض القلب سبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك ، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { لعلك باخع نفسك } ( الشعراء : 3 ) الوجه السادس : في الجواب أنا لا نسلم أن النظر في / علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام ، لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص ، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل . وأما الكذب فغر لازم لأنه ذكر قوله : { إنى سقيم } على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة ، إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم . الوجه السابع : قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ) قلت لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز فقال ذلك الرجل فكيف يحكم بكذب الرواة العدول ؟ فقلت لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى / ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد بكونه كذبا خبرا شبيها بالكذب ؟ والوجه الثامن : أن المراد من قوله { فنظر نظرة فى النجوم } أي نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم ، فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة أي متفقرقة ومنه نجوم الكتابة ، والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كي يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذرا أحسن من قوله : { إنى سقيم } والمراد أنه لا بد من أن أصير سقيما كما تقول لمن رأيته على أوقات السفر إنك مسافر . واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما قال : { إنى سقيم } تولوا عنه معرضين فتركوه وعذروه في أن لا يخرج اليوم فكان ذلك مراده { فراغ إلىءالهتهم } يقال : راغ إليه إذا مال إليه في السر على سبيل الخفية ، ومنه روغان الثعلب . وقوله : { ألا تأكلون } يعني الطعام الذي كان بين أيديهم ، وإنما قال ذلك استهزاء بها ، وكذا قوله : { ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا } فأقبل عليهم مستخفيا كأنه قال فضربهم ضربا لأن راغ عليهم في معنى ضربهم أو فراغ عليهم ضربا بمعنى ضاربا .
وفي قوله : { باليمين } قولان الأو : معناه بالقوة والشدة لأن اليمين أقوى الجارحتين والثاني : أنه أتى بذلك الفعل بسبب الحلف ، وهو قوله تعالى عنه : { وتالله لاكيدن أصنامكم } ( الأنبياء : 57 ) ثم قال : { فأقبلوا إليه يزفون } قرأ حمزة { يزفون } بضم الياء والباقون بفتحها وهما لغتان ، قال ابن عرفة من قرأ بالنصب فهو من زف يزف ، ومن قرأ بالضم فهو من أزف يزف ، قال الزجاج : يزفون يسرعون وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها ، وقرأ حمزة يزفون أي يحملون غيرهم على الزفيف ، قال اوصمعي يقال أزففت الإبل إذا حملتها على أن تزف ، قال وهو سرعة الخطوة ومقاربة المشي والمفعول محذوف على قراءته كأنهم حملوا دوابهم على ازسراع في المشيء ، فإن قيل مقتضى هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها عدوا إليه وأخذوه ، وقال في سورة أخرى في عين هذه القصة { قالوا من فعل هاذا بئالهتنا إنه لمن الظالمين قالا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } ( الأنبياء : 59 ، 60 ) وهذا يقتضي أنهم في أول الأمر ما عرفوه فبين هاتين الآيتين تناقض ؟ قلنا : لا يبعد أن يقال إن جماعة / عرفوه فعمدوا إليه مسرعين . والأكثرون ما عرفوه فتعرفوا أن ذلك الكاسر من هو ، والله أعلم .
! 7 < { قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه فى الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الا سفلين وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لى من الصالحين فبشرناه بغلام حليم } > 7 ! < < الصافات : ( 95 ) قال أتعبدون ما . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن القوم لما عاتبوا إبراهيم على كسر الأصنام فهو أيضا ذكر لهم الدليل الدال على فساد المصير إلى عبادتها فقال : { أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون } ووجه الاستدلال ظاهر وهو أن الخشب والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبودا للإنسان ألبتة ، فإدا نحته وشكله على الوجه المخصوص لم يحدث فيه إلا آثار تصرفه ، فلو صار معبودا عند ذلك لكان معناه أن الشيء الذي ما كان معبودا لما حصلت آثار تصرفاته فيه صار معبودا عند ذلك ، وفساد ذلك معلوم ببديهة العقل . المسألة الثانية : احتج جمهور الأصحاب بقوله : { والله خلقكم وما تعملون } على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال النحويون : اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله : { وما تعملون } معناه وعملكم ، وعلى هذا التقدير صار معنى الآية والله خلقكم وخلق عملكم ، فإن قيل هذه الآية حجة عليكم من وجوه الأول : أنه تعالى قال : دأتعبدون ما تنحتون } أضاف العبادة والنحت إليهم إضافة العفل إلى الفاعل ولو كان ذلك واقعا بتخليق الله لاستحال كونه فعلا للعبد الثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخا لهم على عبادة الأصنام ، لأنه تعالى بين أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق ، فلما تركوا عبادته سبحانه وهو خالقهم وعبدوا اوصنام لا جرم أنه سبحانه وتعالى وبخهم على هذا الخطأ العظيم فقال : { } أضاف العبادة والنحت إليهم إضافة العفل إلى الفاعل ولو كان ذلك واقعا بتخليق الله لاستحال كونه فعلا للعبد الثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخا لهم على عبادة الأصنام ، لأنه تعالى بين أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق ، فلما تركوا عبادته سبحانه وهو خالقهم وعبدوا اوصنام لا جرم أنه سبحانه وتعالى وبخهم على هذا الخطأ العظيم فقال : { أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون } ولو لم يكونوا فاعلين لأفعالهم لما جاز توخبيهم عليها سلمنا أن هذه الآية ليست حجة عليكم لكن لا نسلم أنها حجة لكم ، قوله لفظة ما مع ما بعدها في تقدير المصدر ، قلنا هذا ممنوع وبيانه أن سيبويه والأخفش اختلفا في أنه هل يجوز أن يقال أعجبني / ما قمت أي قيامك فجوزه سيبويه ومنعه الأخفش وزعم أن هذا لا يجوز إلا في الفعل المتعدي وذك يدل على أن ما مع ما بعدها في تقدير المفعول عند الأخفش ، سلمنا أن ذلك قد يكون بمعنى المصدر ، لكنه أيضا قد يكون بمعنى المفعول ويدل عليه وجوه الأول : قوله : { أتعبدون ما تنحتون } والمراد بقوله : { ما تنحتون } المنحوت لا النحت لأنهم ما عبدوا النحت وإنما عبدوا المنحوت فوجب أن يكون المراد بقوله : { ما تعملون } المعمول لا العمل حتى يكون كل واحد من هذين اللفظين على وفق الآخر والثاني : أنه تعالى قال : { فإذا هى تلقف ما يأفكون } ( الأعراف : 117 ) وليس المراد أنها تلقف نفس الإفك بل أراد العصي والجبال التي هي متعلقات ذلك الإفك فكذا ههنا الثالث : أنا لعرب تسمي محل العمل عملا يقال في الباب والخاتم هذا عمل فلان والمراد محل عمله فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن لفظة ما مع بعدها كما تجيء بمعنى المصدر فقد تجيء أيضا بمعنى المفعول فكان حمله ههنا على المفعول أولى لأن المقصود في هذه الآية تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام لا بيان أنهم لا يوجدون إفعال أنفسهم / لأن الذي جرى ذكره في أول الآية إلى هذا الموضع هو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال ، واعلم أن هذه السؤالات قوية وفي دلائلنا كثيرة ، فالأولى ترك الاستدلال بهذه الآية والله أعلم .
واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم هذه الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريق الإيذاء فقالوا : ابنوا له بنيانا واعلم أن كيفية ذلك البناء لا يدل عليها لفظ القرآن ، قال ابن عباس : بنو حائطا من حجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملأه نارا فطرحوه فيها ، وذلك هو قولهتعالى : { فألقوه فى الجحيم } وهي النار العظيمة ، قال الزجاج : كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ، والألف واللام في الجحيم يدل على النهاية والمعنى في جحيمه ، أي في جحيم ذلك البنيان ، ثم قال تعالى : { فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين } والمعنى أن في وقت المحاجة حصلت الغلبة له ، وعندما ألقوه في النار صرف الله عنه ضرر النار ، فصار هو الغالب عليهم . واعلم أنه لما انقضت هذه الواقعة قال إبراهيم : { إنى ذاهب إلى ربى } ونظير هذه الآية قوله تعالى : دوقال إني مهاجر إلى ربي } ( العنكبوت : 26 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن الموضع الذي تكثر فيه الأعداء تجب مهاجرته ، وذلك لأن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه ، مع أن الله سبحانه خصه بأعظم أنواع النصرة ، لما أحس منهم بالعداوة الشديدة هاجر من تلك الديار ، فلأن يجب ذلك على الغير كان أولى . المسألة الثانية : في قوله { } ( العنكبوت : 26 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن الموضع الذي تكثر فيه الأعداء تجب مهاجرته ، وذلك لأن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه ، مع أن الله سبحانه خصه بأعظم أنواع النصرة ، لما أحس منهم بالعداوة الشديدة هاجر من تلك الديار ، فلأن يجب ذلك على الغير كان أولى . المسألة الثانية : في قوله { وقال إنى ذاهب إلى ربى } قولان الأول : المراد منه مفارقة تلك الديار ، والمعنى إني ذاهب إلى مواضع دين ربي والثول الثاني : قال الكلبي : ذاهب بعبادتي إلى ربي ، فعلى القول الأول المراد بالذهاب إلى الرب هو الهجرة من الديار ، وبه اقتدى موسى حيث قال : { كلا إن معى ربى سيهدين } ( الشعراء : 62 ) وعلى القول الثاني المراد رعاية أحوال القلوب ، وهو أن لا يأتي / بشيء من الأعمال إلا لله تعالى ، كما قال : { وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) قيل إن القول الأول أولى ، لأن المقصود من هذه الآية بيان مهاجرته إلى أرض الشأم ، وأيضا يبعد حمله على الهداية في الدين ، لأنه كان على الدين في ذلك الوقت إلا أن يحمل ذلك على الثبات عليه ، أو يحمل ذلك على الاهتداء إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في أمر الدين . المسألة الثالثة : قوله : { سيهدين } يدل على أن الهداية لا تحصل إلا من الله تعالى ، كما يقول أصحابنا ولا يمكن حمل هذه الهداية على وضع الأدلة وإزاحة الأعذار ، لأن كل ذلك قد حصل في الزمان الماضي ، وقوله : { سيدهين } يدل على اختصاص تلك الهدية بالمستقبل ، فوجبحمل الهداية في هذه الآية على تحصيل العلم والمعرفة في قلبه ، فإن قيل إبراهيم عليه السلام جزم في هذه الآية بأنه تعالى سيهديه ، وأن موسى عليه السلام لم يجزم به ، بل قال : { قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل } ( القصص : 22 ) فما الفرق ؟ قلنا العبد إذا تجلى له مقامات رحمة الله فقد يجزم بحصول المقصود ، وإذا تجلى له مقامات كونه غنيا عن العالمين ، فحينئذ يستحقر نفسه فلا يجزم ، بل لا يظهر إلا الرجاء والطمع .
المسألة الرابعة : قوله تعالى : { إنى ذاهب إلى ربى } يدل على فساد تمسك المشبهة بقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) لأن كلمة إلى موجودة في قوله : { إنى ذاهب إلى ربى } مع أنه لم يلزم أن يكون الإله موجودا في ذلك المكان ، فكذلك ههنا . واعلم أنه صلوات الله عليه لما هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال : { هب لى من الصالحين } أي هب لي بعض الصالحين ، يريد الولد ، لأن لفظ الهبة غلب في الولد ، وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى : { ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا } ( مريم : 53 ) وقال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } ( الأنبياء : 72 ) { ووهبنا له يحيى } ( الأنبياء : 90 ) وقال علي بن أبي طالب لابن عباس رضي الله عنهم حين هنأه بولده : على أبي الأملاك شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، ولذلك وقعت التسمية بهبة الله تعالى وبهبهة الوهاب وبموهوب ووهب . واعلم أن هذا الدعاء اشتمل على ثلاثة أشياء : على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ الحلم ، وأنه يكون حليما ، وأي حلم يكون أعظم من ولد حين عرض عليه أبوه الذبح { قال ستجدنى إن شاء الله من الصابرين } ( الصافات : 102 ) ثم استسلم لذلك ، وأيضا فإن إبراهيم عليه السلام كان موصوفا بالحلم ، قال تعالى : { إن إبراهيم لاواه حليم } ( التوبة : 114 ) { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } ( هود : 75 ) فبين أن ولده موصوف بالحلم ، وأنه قائم مقامه في صفات الشرف والفضيلة ، واعلم أن الصلاح أفضل الصفات بدليل أن الخليل عليه السلام طلب الصلاح لنفسه ، فقال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) وطلبه للولد فقال : { رب هب لى من الصالحين } وطلبه سليمان عليه السلام بعد كمال درجته في الدين والدنيا ، فقال : { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } ( النمل : 19 ) وذلك يدل على أن الصلاح أشرف مقامات العباد . ! 7 < { فلما بلغ معه السعى قال يابنى إنىأرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدنىإن شآء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزى المحسنين إن هاذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه فى الا خرين سلام على إبراهيم كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } > 7 < الصافات : ( 102 - 113 ) فلما بلغ معه . . . . . > > واعلم أن سبحانه وتعالى لما قال : { فبشرناه بغلام حليم } ( الصافات : 101 ) أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلغه ، فقال : { فلما بلغ معه السعى } ومعناه فلما أدرك وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي ، وقوله : { معه } في موضع الحال والتقدير كائنا معه ، والفائدة في اعتبار هذا المعنى أن الأب أرفق الناس بالولد ، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته ، قال بعضهم : كان في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة ، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك الغلام حليما ، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه ، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة ، والإتيان بذلك الجواب الحسن .
/ أما قوله : { إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذه اللفظة وجهان الأول : قال السدي : كان إبراهيم حين بشر بإسحق قبل أن يولد له قال : هو إذن لله ذبيح فقيل زبراهيم قد نذرت نذرا فف بنرك فلما أصبح { قال ياءادم بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } . وروي من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية في منامه ، كأن قائلا يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هدا ، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح ، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان ؟ فمن ثم سمي يوم التروية ، فلما أمسى رأى مثل ذلك ، فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول أهل التفسير وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة ، وعلى هذا فتقدير اللفظ : إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك والقول الثاني : أنه رأى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي ، وعلى هذا القول فالمرئي في المنام ليس إلا أنه يذبح ، فإن قيل إما أن يقال إنه ثبت بالدليل عند الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه في المنام فهو حق حجة أو لم يثبت ذلك بالدليل عندهم ، فإن كان الأول فلم راجع الولد في هذه الواقعة ، بل كان من الواجب عليه أن يشتغل بتحصيل ذلك المأمور ، وأن لا يراجع الولد فيه ، وأن لا يقول له ؛ { فانظر ماذا ترى } وأن لا يوقف العمل على أن يقول له الولد { افعل ما تؤمر } ؟ ، وأيضا فقد قلتم إنه بقي في اليوم الأول متفكرا ، ولو ثبت عنده بالدليل أن كل ما رآه في النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروي والتفكر حاجة ، وإن كان الثاني ، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن ما يرونه في المنام حق ، فكيف يجوز له أن يقدم على ذبح ذلك الطفل بمجرد رؤيا لم يدل الدليل على كونها حجة ؟ والجواب : لا يبعد أن يقال إنه كان عند الرؤيا مترددا فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحي الصريح ، والله أعلم . المسأل الثانية : اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو ؟ فقيل إنه إسحق وهذ قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم ، وقيل إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والكلبي ، واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا ابن الذبيحين ) وقال له أعرابي : ( يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال : إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده ، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل ، ففداه بمائة من الإبل ، والذبيح الثاني إسماعيل ) . الحجة الثانية : نقل عن اوصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ، فقال : يا أصمعي أين عقلك ، ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه المنحر بمكة ؟ .
الحجة الثالثة : أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحق في قوله : { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين } ( الأنبياء : 85 ) وهو صبره على الذبح ، ووصفه أيضا بصدق الوعد في قوله : { إنه كان صادق الوعد } ( مريم : 54 ) لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به . الحجة الرابعة : قوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } ( هود : 71 ) فنقول لو كان الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب ، منه أو بعد ذلك فالأول : باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحق ، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه ، وإلا حصل الخلف في قوله : { ومن وراء إسحاق } والثاني : باطل لأن قوله : { فلما بلغ معه السعى قال يابنى بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } يدل على أن ذلك الإبن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه ، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر ، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق . الحجة الخامسة : حكى الله تعالى عنه أنه قال : { إنى ذاهب إلى ربى سيهدين } ( الصافات : 99 ) ثم طلب من الله تعالى ولدا يستأنس به في غربته فقال : { رب هب لى من الصالحين } ( الصافات : 100 ) وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد ، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد ، لأن طلب الحاصل محال وقوله : { هب لى من الصالحين } لا يفيد إلا طلب الولد الواحد ، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله : { من الصالحين } لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول ، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحق ، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو إسماعيل ، ثم إن الله تعالى ذكر قيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل . الحجة السادسة : الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة ، فكأن الطبيح بمكة . ولو كان الذبيح إسحق كان الذبح بالشام ، واحتج من قال إن ذلك الذبيح هو إسحق بوجهين : الوجه الأول : أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك ، أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال : { إنى ذاهب إلى ربى سيهدين } وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ثم قال : فبشرناه بغلام حليم } ( الصافات : 101 ) فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحق ، ثم قال بعده : { } ( الصافات : 101 ) فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحق ، ثم قال بعده : { فلما بلغ معه السعى } وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام ، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحق ، وأما آخر الآية فهو أيضا يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده : { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } ومعناه أنه بشره بكونه نبيا من الصالحين ، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح ، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحق عليه السلام .
الحجة الثانية : على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه السلام من / يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فهذا جملة الكلام في هذا الباب ، وكان الزجاج يقول : الله أعلم أيهما الذبيح والله أعلم . واعلم أنه يتفرع على ما ذكرنا اختلافهم في موضع الذبح فالذين قالوا الذبيح هو إسماعيل قالوا : كان الذبح بمنى ، والذين قالوا : إنه إسحق قالوا : هو بالشام وقيل ببيت المقدس ، والله أعلم . المسألة الثالثة : اختلف الناس في أن إبراهيم عليه السلام كان مأمورا بهذا بما رأى ، وهذا الاختلاف مفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه ، وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال فقال أكثر أصحابنا إنه يجوز ، وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية إنه لا يجوز ، فعلى القول الأول أنه سبحانه وتعالى أمره بالذبح ، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل حضور وقته ، وعلى القول الثاني أنه تعالى ما أمره بالذبح ، وإنما أمره بمقدمات الذبح وهذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ ، واحتج أصحابنا على أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده ، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه وذلك يفيد المطلوب إنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين الأول : أنه عليه السلام قال لولده إني أرى في المنام أني أذبحك فقال الولد افعل ما تؤمر وهذا يدل على أنه عليه السلام كان مأمورا بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح ، ثم إنه أتى بمقدمات الذبلح وأدخلها في الوجود ، فحينئذ يكون قد أمر بشيء وقد أتى به ، وفي هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء ، لكنه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } فدل هذا على أنه أتى بالمأمور به ، وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذبح ، وهذا يدل على أنه تعالى كان قد أمره بنفس الذبح ، وإذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته وذلك يدل على المقصود ، وقالت المعتزلة : لا نسلم أن الله أمره بذبح الولد بل نقول إنه تعالى أمره بمقدمات الذبح ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه ما أتى بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح ، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به بدليل قوله تعالى : { وناديناه أن ياإبراهيم إبراهيم قد صدقت الرؤيا } وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره في المنام بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح وتلك المقدمات عبارة عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه ، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل إن ورد الأمر الثاني : الذبح عبارة عن قطع الحلقوم فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءا أعاد الله التأليف إليه ، فلهذا السبب لم يحصل الموت والوجه الثالث : وهو الذي عليه تعويل القوم أنه تعالى لو أمر شخصا معينا بإيقاع فعل معين في وقت معين / فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن ، فإذا أنهاه عنه فذلك النهي يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح ، فلو حصل هذا النهي عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين ، لأنه تعالى إن كان عالما بحال ذلك الفعل لزم أن يقال إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن ، وإن لم يكن عالما به لزم جهل الله تعالى الحسن ، وإن لم يكن عالما به لزم جهل الله تعالى وإنه محال ، فهذا تمام الكلام في هذا الباب والجواب : عن الأول أنا قد دللنا على أنه تعالى إنما أمره بالذبح .
/ أما قوله تعالى : { قد صدقت الرؤيا } فهذا يدل على أنه اعترف بكون تلك الرؤيا واجب العمل بها ولا يدل على أنه أتى بكل ما رآه في ذلك المام . وأما قوله ثانيا كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءا أعاد الله تعالى التأليف إليه ، فنقول هذا باطل لأن إبراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما أمر به . وأما قوله ثالثا إنه يلزم ، إما الأمر بالقبيح وإما الجهل ، فنقول هذا بناء على أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسنا في ذاته ولا ينهي إلا عما يكون قبيحا في ذاته ، وذلك بناء على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل ، وأيضا فهب أنا نسلم ذلك إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء تارة يحسن لكون المأمور به حسنا وتارة لأجل أن ذلك الأمر يفيد صحة مصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسنا ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يروض عبده ، فإنه يقول له إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني ، ويكون ذلك الفعل من الأفعال الشاقة ، ويكون مقصود السيد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل ، بل أن يوطن العبد نفسه على ازنقياد والطاعة ، ثم إن السيد إذا علم منه أنه وطن نفسه على الطاعة فقد يزيل الألم عنه ذلك التكليف ، فكذا ههنا ، فما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتم كلامكم . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه ، والدليل عليه أنه أمر بالذبح وما أراد وقوعه ، أما أنه أمر بالذبح فلما تقدم في المسألة الأولى . وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فإنه يقع ، وحيث لم يقع هذا الذبح علمنا أنه تعالى ما أراد وقوعه ، وأما عند المعتزلة فلأن الله تعالى نهى عن ذلك الذبح ، والنهي عن الشيء يدل على أن الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى أمر بالذبح ، وثبت أنه تعالى ما أراده ، وذلك يدل على أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة ، وتمام الكلام في أن الله تعالى أمر بالذبح ما تقدم في المسألة المتقدمة ، والله أعلم . المسألة الخامسة : في بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة وبيانه من وجوه الأول : أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح ، فورد أولا في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق ، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة ، فحينئذ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئا فشيئا الثاني : أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقا ، قال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام } ( الفتح : 27 ) وقال عن يوسف عليه السلام : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين } ( يوسف : 4 ) وقال في حق إبراهيم عليه السلام : { إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } ( الصافات : 102 ) والمقصود من ذلك تقوية الدلالة على كونهم صادقين ، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام / فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق ، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين صادقين في كل الأحوال ، والله أعلم .
/ ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على وفق الرؤية كما في قوله تعالى في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم : { لتدخلن المسجد الحرام } ثم وقع ذلك الشيء بعينه ، ومنها ما يقع على الضد كما في حق إبراهيم عليه السلام فإنه رأى الذبح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة ، ومنها ما يقع على ضرب من التأويل والمناسبة كما في رؤيا يوسف عليه السلام ، فلهذا السبب أطبق أهل التعبير على أن المنامات واقعة على هذه الوجوه الثلاثة . المسألة السادسة : قرأ حمزة والكسائي : { ترى } بضم التاء وكسر الراء ، أن ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم ؟ وقيل ما تشير ، والباقون بفتح التاء ، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل . المسألة السابعة : الحكمة في مشاورة الإبن في هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم ، وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالمية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا ، ثم إنه تعالى حكى من ولد إبراهيم عليه السلام أنه قال : { افعل ما تؤمر } ومعناه افعل ما تؤمر به ، فحذف الجار كما حذف من قوله : أمرتك الخبر فافعل ما أمرت ( به ) ثم قال : { ستجدنى إن شاء الله من الصابرين } وإنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن ، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله . ثم قال تعالى : { فلما أسلما } يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد ، وقد قرىء بهن جميعا إذ انقاد له وخضع ، وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له ، ومعناه سلم من أن ينازع فيه ، وقولهم سلم لأمر الله وأسلم له منقولان عنه بالهمزة ، وحقيقة معناها أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة ، وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله وعن قتادة في أسلما أسلم هذا ابنه وهذا نفسه ، ثم قال تعالى : دوتله للجبين } أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه جبينان ، والجبهة بينهما ، قال ابن الأعرابي التليل والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع ، فالمعنى أنه صرعه على جبينه ، وقال مقاتل كبه على جبهته ، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة . ثم قال تعالى : { } أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه جبينان ، والجبهة بينهما ، قال ابن الأعرابي التليل والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع ، فالمعنى أنه صرعه على جبينه ، وقال مقاتل كبه على جبهته ، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة . ثم قال تعالى : { وناديناه أن ياإبراهيم إبراهيم قد صدقت الرؤيا } وفيه قولان الأول : أن هذا جواب فلما عند الكوفيين والفراء والواو زائدة والوق الثاني : أن عند البصريين لا يجوز ذلك والجواب مقدر والتقدير : فلما فعل ذلك وناداه الله أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ، سعد سعادة عظيمة وآتاه الله نبوة ولده وأجزل له الثواب ، قالوا : وحذف الجواب ليس بغريب في القرآن والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفا كان أعظم وأفخم ، قال المفسرون لما أضجعه للذبح نودي من الجبل : { أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا } قال المحققون : السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذا التكلف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر من ولده كمال الطاعة والانقياد ، لا جرم قال قد صدقت الرؤيا / يعني حصل المقصود من تلك الرؤيا .
/ وقوله : { إنا كذلك نجزى المحسنين } ابتداء إخبار من الله تعالى ، وليس يتثل بما تقدم من الكلام ، والمعنى أن إبراهيم وولده كانا محسنين في هذه الطاعة ، فكما جزينا هذين المحسنين فكذلك نجزي كل المحسنين . ثم قال تعالى : { إن هاذا لهو البلاء المبين } أي الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها { وفديناه بذبح عظيم } الذبح مصدر ذبحت والذبح أيض ما يذبح وهو المراد في هذه الآية ، وههنا مباحث تتعلق بالحكايات فالأول : حكي في قصة الذبيح أن إبراهيم عليه السلام لما أراد ذبحه قال : يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب ، فلما تسوطا شعب ثبير أخبره بما أمر به ، فقال : يا أبت اشدد رباطي في كيلا أضطرب ، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن ، واستحد شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد ، واقرأ على أمي سلامي وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها ، فقال إبراهيم عليه السلام : نعم العون أنت يا بني على أمر الله ، ثم أقب عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان ثم وضع السكين على حلقه فقال : كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة وقد تحول بينك وبين أمر الله سبحانه وتعالى ففعل ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا . البحث الثاني : اختلفوا في ذلك الكبش فقيل إنه الكبش لذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله ، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله تعالى به إسماعيل ، وقال آخرون أرسل الله كبشا من الجنة قد رعى أربعين خريفا ، وقال السدي : نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل ، فقام عنه إبراهيم فأخذه فذبحه ، وخلى عن ابنه ، ثم اعتنق ابنه وقال : يا بني اليوم وهبت لي ، وأما قوله : { عظيم } فقيل سمي عظيما لعظمه وسمنه ، وقال سعيد بن جبير حق له أن يكون عظيما وقد رعى في الجنة أربعين خريفا ، وقيل سمي عظيما لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد إبراهيم ، ثم قال تعالى : { إنه من عبادنا المؤمنين } الضمير في قوله : { أنه } عائد إلى إبراهيم ، ثم قال تعالى : { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } فقوله : { نبيا } حال مقدرة أي بشرناه بوجود إسحاق مقدرة نبوته ، ولمن يقول إن الذبيح هو إسماعيل أن يحتج بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : { نبيا } حال ولا يجوز أن يكون المعنى فبشرناه بإسحاق حال كون إسحق نبيا لأن البشارة به متقدمة على صيرورته نبيا ، فوجب أن يكون المعنى وبشرناه بإسحاق حال ما قدرناه نبيا ، وحال ما حكمنا عليه فصبر ، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ كانت هذه البشارة بشارة بوجود إسحاق حاصلة بعد قصة الذبيح ، فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق ، أقصى ما في الباب أن يقال لا يبعد أن يقال هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة عن قصة الذبيح إلا أنها كانت متقدمة عليها في الوقوع والوجود ، إلا أنا نقول الأصل رعاية الترتيب وعدم التغيير في النظم ، والله أعلم بالصواب .
/ ثم قال تعالى : { وباركنا عليه وعلى إسحاق } وفي تفسير هذه البركة وجهان الأول : أنه تعالى أخرج جميع أنبياء بني إسرائيل من صلب إسحاق والثاني : أنه أبقى الثناء الحسن على إبراهيم وإسحاق إلى يوم القيامة ، لأن البركة عبارة عن الدوام والثبات ، ثم قال تعالى : { ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } وفي ذلك تنبيهخ على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن / لئلا تصير هذه الشبهة سببا لمفاخرة اليهود ، ودخلت تحت قوله : { محسن } الأنبياء والمؤمنين وتحت قوله : { محسن } الأنبياء والمؤمنون وتحت قوله : { ظالم } الكافر والفاسق والله أعلم . ! 7 < { ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ونصرناهم فكانوا هم الغالبون وءاتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم وتركنا عليهما فى الا خرين سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزى المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } > 7 < الصافات : ( 114 - 122 ) ولقد مننا على . . . . . > > اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن وجوه الأنعام وإن كانت كثيرة إلا أنها محصورة في نوعين إيصال المنافع إليه ودفع المضار عنه والله تعالى ذكر القسمين ههنا ، فقوله : { ولقد مننا على موسى وهارون } إشارة إلى إيصال المنافع إليهما ، وقوله : { ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم } إشارة إلى دفع المضار عنهما . أما القسم الأول : وهو إيصال المنافع ، فلا شك أن المنافع على قسمين : منافع الدنيا ومنافع الدين ، أما منافع الدنيا فالوجود والحياة والعقل والتربية الصحة وتحصيل صفات الكمال في ذات كل واحد منهما ، وأما منافع الدين فالعلم والطاعة ، وأعلى هذه الدرجات النبوة الرفيعة المقرونة بالمعجزات الباهرة القاهرة ، ولما ذكر الله تعالى هذه التفاصيل في سائر السور ، لا جرم اكتفى ههنا بهذا الرمز . / وأما القسم الثاني : وهو دفع الضرر فهو المراد من قوله : { ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم } وفيه قولان : قيل إنه الغرق ، أغرق الله فرعون وقومه ، ونجى الله بني إسرائيل ، وقيل الرماد أنه تعالى نجاهم من إيذاء فرعون حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه من على موسى وهارون ، فصل أقسام تلك المنة . والهاء في قوله : { ونصرناهم } أي نصرنا موسى وهارون وقومهما : { وكانوا هم الغالبين } في كل الأحوال بظهور الحجة وفي آخر الأمر بالدورة والرفعة وثانيهما : قوله تعالى : { وءاتيناهما الكتاب المستبين } والمراد منه التوراة ، وهو الكتاب المشتمل على جميع العلوم التي يحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا ، كما قال : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ) ، وثالثها : قوله تعالى : { وهديناهما الصراط المستقيم } أي دللناهما على طريق الحق عقلا وسمعا ، وأمددناهما بالتوفيق والعصمة ، وتشبيه الدلائل الحقة بالطريق المستقيم واضح ورابعها : قوله تعالى : { وتركنا عليهما فى الاخرين } وفيه قولان الأول : أن المراد { وتركنا عليهما فى الاخرين } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قولهم : { سلام على موسى وهارون } والثاني : أن المراد { وتركنا عليهما فى الاخرين } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الثناء الحسن والذكر الجميل ، وعلى هذا التقدير فقوله بعد ذلك : { سلام على موسى وهارون } هو كلام الله تعالى ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الأربعة من أبواب التعظيم والتفضيل قال : { إنا كذلك نجزى المحسنين } وقد سبق تفسيره ، ثم قال تعالى : { إنما من عبادنا المؤمنين } والمقصود التنبيه ، على أن الفضيلة الحاصلة بسبب الإيمان أشرف وأعلى وأكمل من كل الفضائل ، ولولا ذلك لما حسن ختم فضائل موسى وهارون بكونهما من المؤمنين ، والله أعلم . ! 7 < { وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب ءابآئكم الا ولين فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين وتركنا عليه فى الا خرين سلام على إل ياسين إنا كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين } > 7 ! < < الصافات : ( 123 ) وإن إلياس لمن . . . . . > > اعلم أن هذه القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر : { وإن إلياس } بغير همزة على وصل الألف والباقون بالهمزة وقطع الألف ، قال أبو بكر بن مهران : من ذكر عند الوصل الألف فقد أخطأ ، وكان أهل الشام ينكرونه ولا يعرفونه ، قال الواحدي وله وجهان أحدهما : أنه حذف الهمزة من إلياس حذفا ، كما حذفها ابن كثير من قوله : { إنها لإحدى الكبر } ( المدثر : 35 ) وكقول الشاعر : ويلمها في هواء الجو طالبة والآخر أنه جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف كقوله : { واليسع } . المسألة الثانية : في إلياس قولان : يروى عن ابن مسعود أنه قرأ وإن إدريس ، وقال إن إلياس هو إدريس ، وهذا قول عكرمة ، وأما أكثر المفسرين فهم متفقون على أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل وهو إلياس بن ياسين ، من ولد هارون أخي موسى عليهم السلام ، ثم قال تعالى : { إذ قال لقومه ألا تتقون } والتقدير اذكر يا محمد لقومك : { إذ قال نوح ألا تتقون } أي ألا تخافون الله ، وقال الكلبي ألا تخافون عبادة غير الله . واعلم أنه لما خوفهم أولا على سبيل الإجمال ذكر ما هو السبب لذلك الخوف فقال : { أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين } وفيه أبحاث :
الأول : في ( بعل ) قولان أحدهما : أنه اسم علم لصنم كان لهم كمناة وهبل ، وقيل كان من ذهب ، وكان طوله عشرين ذراعا وله أربعة أوجه ، وفتنوا به وعظموه ، حتى عينوا له أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء ، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة ، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس وهم أهل بعلبك من بلاد الشأم ، وبه سميت مدينتهم بعلبك . واعلم أن قولهم بعل اسم لصنم من أصنامهم لا بأس به ، وأما قولهم إن الشيطان كان يدخل في جوف بعلبك ويتكلم بشريعة الضلالة . فهذا مشكل لأنا إن جوزنا هذا كان ذلك قادحا في كثير من المعجزات ، لأنه نقل في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم كلام الذئب معه وكلام الجمل معه وحنين الجذع ، ولو جوزنا أن يدخل الشيطان فيجوف جسم ويتكلم . فحينئذ يكون هذا الاحتمال قائما في الذئب والجمل والجذع ، وذلك يقدح في كون هذه الأشياء معجزات القول الثاني : أن البعل هو الرب بلغة اليمن ، يقال من بعل هذه الدار ، أي من ربها ، وسمي الزوج بعلا لهذا المعنى ، قال تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن } ( البقرة : 228 ) وقال تعالى : { وهاذا بعلى شيخا } ( هود : 72 ) فعلى هذا التقدير المعنى ، أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله . البحث الثاني : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد خالقا لأفعال نفسه ، فقالوا : لو لم يكن غير الله خالقا لما جاز وصف الله بأنه أحسن الخالقين ، والكلام فيه قد تقدم في قوله تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) . البحث الثالث : كان الملقب بالرشيد الكاتب يقول لو قيل : أتدعون بعلا وتدعون أحسن الخالقين . أوهم أنه أحسن ، لأنه كان قد تحصل فيه رعاية معنى التحسين وجوابه : أن فصاحة / القرآن ليست لأجل رعاية هذه التكاليف ، بل لأجل قوة المعاني وجزالة الألفاظ . واعلم أنه لما عابهم على عبادة غير الله صرح بالتوحيد ونفى الشركاء ، فقال : { الله ربكم ورب ءابائكم الاولين } وفيه مباحث . الأول : أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن حدوث الأشخاص البشرية كيف يدل على وجود الصانع المختار ، وكيف يدل على وحدته وبراءته عن الأضداد والأنداد ، فلا فائدة في الإعادة .
البحث الثاني : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { الله ربكم ورب ءابائكم } كلها بالنصب على البدل من قوله : { أحسن الخالقين } والباقون بالرفع على الاستئناف ، والأول اختيار أبي حاتم وأبي عبيد ، ونقل صاحب ( الكشاف ) أن حمزة إذا وصل نصب ، وإذا وقف رفع ، ولما حكى الله عنه أنه قرر مع قومه التوحيد قال : { فكذبوه فإنهم لمحضرون } أي لمحضرون النار غدا ، وقد ذكرنا الكلام فيه عند قوله : { لكنت من المحضرين } ( الصافات : 57 ) ثم قال تعالى : { إلا عباد الله المخلصين } وذلك لأن قومه ما كذبوه بكليتهم ، بل كان فيهم من قبل ذلك التوحيد فلهذا قال تعالى : { إلا عباد الله المخلصين } يعني الذين أتوا بالتوحيد الخالص فإنهم لا يحضرون ثم قال : { وتركنا عليه فى الاخرين سلام على إل ياسين } قرأ نافع وابن عامر ويعبوب ( آل ياسين ) على إضافة لفظ آل إلى لفظ ياسين والباقون بكسر الألف وجزم اللام موصولة بياسين ، أما القراءة الأولى ففيها وجوه الأول : وهو الأقرب أنا ذكرنا أنه إلياس بن ياسين فكان إلياس آل ياسين الثاني : ( آل ياسين ) آل محمد صلى الله عليه وسلم والثالث : أن ياسين اسم القرآن ، كأنه قيل سلام الله على من آمن بكتاب الله الذي هو ياسين ، والوجه هو الأول لأنه أليق بسياق الكلام ، وأما القراءة الثانية ففيها وجوه الأول : قال الزجاج يقال ميكال وميكائيل وميكالين ، فكذا ههنا إلياس وإلياسين والثاني : قال الفراء هو جمع وأراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين ، كقولهم المهلبون والسعدون قال : أنا ابن سعد أكرم السعدينا ثم قال تعالى : { إنا كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين } وقد سبق تفسيره والله أعلم . ! 7 < { وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا فى الغابرين ثم دمرنا الا خرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وباليل أفلا تعقلون } > 7 ! < < الصافات : ( 133 ) وإن لوطا لمن . . . . . > > هذا هو القصة الخامسة ، وإنه تعالى إنما ذكر هذه القصة ليعتبر بها مشكرو العرب ، فإن الذين كفروا من قومه هلكوا والذين آمنوا نجوا ، وقد تقدم شرح هذه القصة ، وقد نبههم بقوله تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وباليل } وذلك لأن القوم كانوا يسافرون إلى الشام والمسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في الليل وفي أول النهار ، فلهذا السبب عين تعالى هذين الوقتين . ثم قال تعالى : { أفلا تعقلون } يعني أليس فيكم عقول تعتبرون بها ، والله أعلم . ! 7 < { وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعرآء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فأامنوا فمتعناهم إلى حين } > 7 ! < < الصافات : ( 139 ) وإن يونس لمن . . . . . > > واعلم أن هذا هو القصة السادسة وهو آخر القصص المذكورة في هذه السورة ، وإنما صارت هذه القصة خاتمة للقصص ، لأجل أنه لما لم يصبر على أذى قومه وأبق إلى الفلك وقع في تلك الشدائد فيصبر هذا سببا لتصبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه . أما قوله : { وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) قريء يونس بضم النون وكسرها .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?