Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

حصہ V01/P327–V01/P328

وقد روينا في خبر : يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله تعالى جزاء الشاكرين ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له : أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول الله تعالى : كما أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الأجر عليه فيعطي أضعاف جزاء الشاكرين ، وكتب ابن أبي نجيح يعزي بعض الخلفاء فقال في كتابه : إن أحق من عرف حق الله فيما أخذ منه من عظم حق الله تعالى عنده فيما أبقى ، واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك والباقي بعدك هو المأجور فيك ، واعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون فيه أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون به ، وفي الأخبار : ما من عبد إلا يعطى أجره بحساب وحد إلا الصابرين فإنهم يجازفون مجازفة بغير ميزان ولا حد ، وجاء في الخبر أن أبواب الجنة مصراعان يأتي عليها زحام كثير إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد لا يدخل منه إلا الصابرون أهل البلاء في الدنيا ، واحد بعد واحد . وقد قال الله تعالى في جزاء المخلصين : ( أولئك لهم رزق معلوم ) الصافات : 41 ، وقال تعالى في جزاء الصابرين ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر : 10 ، قيل في التفسير : يغرف لهم غرفا ، المعنى في ذلك أن الصبر أشق شيء على النفس وأكرهه وأمره على الطبع وأصعبه فيه الألم والكظم عند الذل والحلم ومنه التواضع والكتم وفيه الأدب وحسن الخلق وبه يكون كف الأذى عن الخلق واحتمال الأذى من الخلق ، وهذه من عزائم الأمور التي يضيق منها أكثر الصدور وفيه إكراه النفوس وحملها على الشدة والبؤس ، وقد جاء أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس ، ولأجل ذلك اشترط الله تعالى على المتقين والصادقين الصبر في الشدائد والمكاره وحقق بالصبر صدقهم وتقواهم وأكمل به وصفهم وأعمال برهم فقال تعالى : ( والصابرين في البأساء والضراء وحين الباس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة : 177 ، فمعنى الصبر حبس النفس عن السعي في هواها وحبسها أيضا عن مجاهدتها لمرضاة مولاها بمثل ما يوجب المجاهدة على قدر ما يبتلي به العبد لأن المجاهدة على قدر البلاء والحبس عن نحو الشرود وحبسها على دوام الطاعة وصبرها عن شره الطبع الذي يظهر سوء الأدب بين يدي الرب سبحانه وتعالى وصبرها على حسن الأدب في المعاملة ، ثم يتفرع الصبر إلى معان شتى : من الصبر عن تفاوت الأهواء والصبر على الثبات في خدمة المولى فمن ذلك ما توجب المجاهدة صرف الهمة عنه وتطهير القلب منه من خطرات الهوى ونزعات الأعداء وتزيين الدنيا ، ومن الآفات ما يوجب الصبر كف الجوارح عنها وحبس النفس عن المشي فيها ، ومن الصبر حبس النفس على الحق وعكوفها عليه بمعاملة اللسان والقلب والجسم ، وبذلك ؛ وصف الله تعالى المؤمنين الذين يعملون الصالحات واشترط لصلاح أعمالهم الصبر وأخبر أن الناس كلهم في خسران إلا من كان من أهل الحق والصبر وعظم الصبر فأفرده بإعادة التواصي به ، ومن الصبر حبس النفس على عبادة الخالق سبحانه وتعالى ، وصبرها على القناعة وعلى صنع الرازق ، ومن الصبر كف الأذى عن الخلق ، وهو مقام العادلين يدخل في قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) النحل : 90 ، ثم احتمال الأذى عن الخلق وهو مقام المحسنين يدخل في قوله : والإحسان ، ومن الصبر الصبر على الإنفاق وإعطاء أهل الحقوق حقوقهم الأقرب فالأقرب وهذا مقام المنفقين يدخل في قوله تعالى : ( وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) النحل : 90 ومنه الصبر على الفحشاء وهو الأمر الفاحش في العلم والإيمان والصر عن المنكر وهو ما أنكره العلماد ، والصبر عن البغي وهو التطاول والغلو ومجاوزة الحد بالكبر والإسراف في أمور الدنيا ، فهذه الآية كلها جامعة لمعنى الصبر وهي قطب القرآن ، ثلاث منها وهي الأول الصبر على العدل والإحسان والإعطاء ، وثلاث منها الصبر عن الفحشاء والمنكر والبغي .

حصہ V01/P328–V01/P330

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : أجمع آية في كتاب الله عز وجل لأمر ونهي هذه الاية ، وقال الله تعالى : ( ونعم أجر العاملين ) آل عمران : 136 الذين صبروا فما أنعم أجرهم حتى وصفهم بالصبر وما أكرم رزقهم ووصفهم حتى مدحهم بالصبر ، والصبر يحتاج إليه قبل العلم ، ومعه وبعده ، يحتاج في أول العمل أن يصبر على تصحيح النية وعزم العقود والوفاء بها حتى تصح الأعمال لأن النبي عليه السلام قال : إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، وقال الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) البينة : 5 ، وحقيقة النية الإخلاص ولأن الله تعالى قدم الصبر على العمل فقال تعالى : ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) هود : 11 ، والصبر : التأني في العمل حتى يتم ويعمل لقوله تعالى : ( ونعم أجر العاملين ) آل عمران : 136 الذين صبروا ، والصبر بعد العمل هو الصبر على كتمه وترك التظاهر به والنظر إليه ليخلص من السمعة والعجب فيكمل ثوابه كما خلص من الرياء ، كما قال الله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) محمد : 33 وقال تعالى في مثله : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) البقرة : 264 ، وقال بعض السلف لا يتم المعروف إلا بثلاث : تعجيله ، وتصغيره ، وكتمه ، ومن الصبر حبس النفس عن المكافأة والصبر على الأذى توكلا على المولى عز وجل ، ومنه قوله تعالى : ( ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم : 12 وهذا صبر الخصوص ومنه قال بعض أهل المعرفة : لا يثبت للعبد مقام في التوكل حتى يؤذى ويصبر على الأذى ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله عز وجل : ( ودع أزاهم وتوكل على الله ) الأحزاب : 48 ، وفي قوله تعالى : ( فاتخذه وكيلا ) ( واصبر على ما يقولون ) المزمل : 9 - 10 وهذا هو أول الرضا ، والمقام الثاني من الرضا : هو الصبر على الأحكام وهو صبر أهل البلاء الأمثل فالأمثل بالأنبياء لقوله : نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل ، ولقوله تعالى في المجمل : ( ولربك فاصبر ) المدثر : 7 ، ثم فسره في الكلام المفسر ، وأصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ، ومن الصبر حبس النفس على التقوى ، والتقوى اسم جامع لكل خير ، فالصبر معنى داخل في كل بر فإذا جمعهما العبد فهو من المحسنين وما على المحسنين من سبيل ، ومنه قوله تعالى : ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) يوسف : 90 وقال تعالى : ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) آل عمران : 186 أي إن تصبروا على الأذى عن المكافأة وتتقوا عند الابتلاء والمكاره ولا تجاوزوا فإنه أفضل كما قال تعالى : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقتتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) النحل : 126 ، وقوله تعالى : ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) الشورى : 41 ثم قال عز وجل : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) الشورى : 43 ، قال : فالأول أعني المكافأة والانتصار بالحق من العدل والعدل حسن ، والثاني أعني العفو والصبر من الفضل وهو الإحسان وهذا مجاز قوله تعالى : ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) الزمر : 18 ، فاستماع القول هو العدل والعدل حسن وهو الانتصار والعفو أحسن وفيه المدح بالهدى والعقل ، وهذا هو مقام المخبتين قيل : هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا فالمدح بالوصف لأهل هذا المقام هو الإخبات وهو الخشوع والطمأنينة بحسن الجزاء من الله سبحانه وتعالى في الآخرة لقرب اللقاء وسرعة فناء الدنيا أمدح كما قال تعالى : ( وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ) الحجر : 85 ، والتقوى والصبر معينان أحدهما منوط بالآخر لا يتم كل واحد منهما إلا بصاحبه فمن كانت التقوى مقامه كان الصبر حاله فصار الصبر أفضل الأحوال من حيث كان التقوى أعلى المقامات إذ الأتقى هو الأكرم عند الله تعالى ، والأكرم على الله تعالى هو الأفضل ، وقد شرف الله تعالى الصبر بأن أضافه إليه بعد الأمر به فقال : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) النحل : 127 وقال تعالى : ( ولربك فاصبر ) المدثر : 7 وإن كان كل شيء به وكل عمل صالح له ولا يصف الله تعالى عبدا ولا يثني عليه حتى يبتليه فإن صبر وخرج من البلاء سليما مدحه ووصفه وإلا بين له كذبه ودعواه ، وقيل لسفيان الثوري رضي الله عنه : ما أفضل الأعمال قال الصبر عند الابتلاء .

حصہ V01/P330–V01/P331

وقال بعض العلماء : وأي شيء أفضل من الصبر وقد ذكره الله تعالى في كتابه في نيف وتسعين موضعا ولا نعلم شيئا ذكره الله تعالى هذا العدد إلا الصبر فلا يطمعن طامع في مدح الله له وحسن ثنائه عليه قبل أن يبتليه فيصبر له ولا يطمعن أحد في حقيقة الإيمان وحسن اليقين قبل أن يمدحه الله تعالى ويثني عليه ، ولو أظهر الله تعالى على جوارحه سائر الأعمال ثم لم يمدحه بوصف ولم يثن عليه بخير لم يؤمن عليه سوء الخاتمة ، وذلك أن من أخلاق الله تعالى أنه إذا أحب عبدا ورضي عمله مدحه ووصفه ، فمن ابتلاه بكراهة ومشقة أو بهوى وشهوة فصبر لذلك أو صبر عن ذلك ، فإن الله تعالى يمدحه ويثني عليه بكرمه وجوده فيدخل هذا العبد في أسماء الموصوفين ويصير واحدا من الممدوحين فعندها يثبت قدمه من الزلل ويخت له بما سبق من صالح العمل ، ومن الصبر ، صبر على العوافي أن لا يجريها في المخالفة والصبر على الغنى أن لا يبذله في الهوى ، والصبر على النعمة أن لا يستعين بها على معصية ، فحاجة المؤمن إلى الصبر في هذه المعاني ومطالبته بالصبر عليها كحاجته ومطالبته بالصبر على المكاره والفقر وعلى الشدائد والضر ، ويقال : إن البلاء والفقر يصبر عليهما المؤمن والعوافي لا يصبر فيها إلا صديق ، وكان سهل يقول : الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء ، وكذلك قالت الصحابة رضي الله عنهم : لما فتحت الدنيا فنالوا من العيش واتسعوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر فعظموا الاختبار بالسراء وهو ما سر على الاختبار بالضراء وهو ما ضر . وقد قال تعالى : ( الذين ينفقون في السراء والضراء ) آل عمران : 134 فمدحهم بوصف واحد في الحالين المختلفين لحسن يقينهم وسخاوة نفوسهم وحقيقة زهدهم ، ومن هذا المعنى قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) المنافقون : 9 لأن فيهما ما يسر ويشغل عن الذكر ، ثم قال عز وجل : ( إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) التغابن : 14 لأن في الأواج والأولاد ما يفرح به فيوافق فيه الهوى ويخالف بوجودهما المولى فصار ا عدوين في العقبى لما يؤول إليه من شأنهما ، ومن هذا الخبر الذي روى عن النبي لما نظر إلى ابنه الحسن يتعثر في قميصه فنزل عن المنبر واحتضنه ثم قال صدق الله : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) التغابن : 15 أي لما رأيت ابني هذا لم أملك نفسي أن أخذته ، ففي هذا عبرة لأولي الأبصار ، وروي عنه في الحديث أيضا : الولد محزنة مبخلة مجبنة ، فهذه مصادر الحزن والبخل والجبن أي يحمل حب الأولاد والأموال على ذلك ، فمن صبر على السراء وهي العوافي والغنى والأولاد وغير ذلك وأخذ الأشياء من حقها ووضعها في حقها فهو من الصابرين الشاكرين لا يزيد عليه أهل البلاء والفقر إلا بحقيقة الرضا والشكر ، وقد جمع الله تعالى بين ما سر وضر وجعلهما من وصف المتقين ومدحهم بالإحسان معهما فقال تعالى : ( أعدت للمتقين ) ( الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) آل عمران : 133 - 134 ، ومن الصبر كتمان المصائب والأوجاع وترك الاستراحة إلى الشكوى بهما فذلك هو الصبر الجميل قيل : هو الذي لا شكوى فيه ولا إظهار .

حصہ V01/P331–V01/P332

وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما : الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه : صبر على أداء الفرائض لله تعالى ، وصبر عن محارم الله تعالى ، وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى ، فمن صبر على أداء فرائض الله تعالى فله ثلاثمائة درجة ، ومن صبر على محارم الله تعالى فله ستمائة درجة ، ومن صبر في المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة ، وهذا يحتاج إلى تفسير ، ولم يفضل ابن عباس الصبر على المصيبة لأنه أفضل من الصبر عن المحارم وعلى الفرائض بل لأن الصبر على ذينك من أحوال المسلمين والصبر على المصيبة من مقامات اليقين وإنما فضل المقام في اليقين على مقام الإسلام ومن ذلك ما روي من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : أسألك من اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا ، فأحسن الناس صبرا عند المصائب أكثرهم يقينا وأكثر الناس جزعا وسخطا في المصائب أقلهم يقينا ، ومثل هذا الخبر الذي رويناه عن سلمة بن وردان عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له في وسط الجنة ، ومن ترك الكذب بني له في ربض الجنة ، فقد علمت أن ترك الكذب وترك المراء مبطلا أفرض وأوجب فينبغي أن يكون أفضل ، ولكن المعنى فيه أن الكذب والمراء بالباطل يتركه المسلمون ، فأما المراء والعبد محق صادق ثم لا يماري زهدا في التظاهر ورغبة في الصمت والسلامة فلا يصبر على هذا إلا الموقنون وهم خصوص المؤمنين ، فمقامه من اليقين ، والزهد وإيثار الخمول والصمت على الكلام والشهوة به أفضل وهو من اليقين فصار هذا المؤمن بمقامه أفضل من عموم المؤمنين الذين يتركون الكذب والمماراة وإن كانا أفرض وأوجب فهذا بيان ذلك معناه ، ومن الصبر إخفاء أعمال البر ومنع النفس الفكاهة والتمتع بذكرها وإخفاء المعروف والصدقات فإن كتمه من الأدب مع السلامة في الإعلان وبرء الساحة في الإخبار ولكن إخفاؤه أفضل وأزكى وأحب إلى الله تعالى بل هي من كنوز البر أعني هذه الثلاثة إخفاء الأوجاع والمصائب والصدقة أي من الذخائر النفيسة عند تبارك وتعالى ، ومن الصبر صون الفقر وإخفاؤه ، والصبر على بلاء الله تعالى في طوارق الفاقات ، وهذا حال الزاهدين الراضين وأفضل الصبر : الصبر على الله تعالى بالمجالسة له والإصغاء إليه وعكوف الهم وقوة الوجد به ، وهذا خصوص للمقربين أو حياء منه أو حبا له أو تسليما أو تفويضا إليه وهو السكون تحت جريان الأقدار وشهودها من الأنعام ، ومن حسن تدبير الأقسام في شهود المسألة والحكمة فيها والقصد بالابتلاء بها وهو داخل في قوله تعالى : ( ولربك فاصبر ) المدثر : 7 ، وفي قوله تعالى : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) الطور : 48 وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وغيره من الأئمة : أصبحت وما لي سرور إلا في مواضع القدر ، وروي أيضا إلا انتظار القضاء ، ويقال : من علامة اليقين تسليم القضاء بحسن الصبر والرضا ، وهو مقام العارفين ، وقال سهل في تأويل قول علي رضي الله عنه : إن الله تعالى يحب كل عبد نومة قال : هو الساكن تحت جريان الأحكام يعني من غير كراهة ، ولا اعتراض ، فأما اشتراط الصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى في قول النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الصبر عند الصدمة الأولى فلأنه يقال : إن كل شيء يبدو صغيرا ثم يكبر إلا المصيبة ، فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر ، فاشترط لعظم الثواب لها عند أول كبرها قبل صغرها وهي في صدمة القلب أول ما يبغته الشيء ، فينظر إلى نظر الله تعالى فيستحي فيحسن الصبر كما قال : فإنك بأعيننا وهذا مقام المتوكلين على الله تعالى ، والصبر أيضا عن إظهار الكرامات وعن الإخبار بكشف القدرة والآيات داخل في حسن الأدب من المعاملات ، وهو من معنى الحياء من الله تعالى ، وهذا طريق المحبين لله تعالى وهو حقيقة الزهد ، ومن فضائل الصبر حبس النفس عن حب المدح والحمد والرياسة .

حصہ V01/P332–V01/P334

وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا مقطوعا : الصبر في ثلاث ، الصبر في تزكية النفس ، والصبر عن شكوى المصيبة ، والصبر على الرضا بقضاء الله تعالى على خيره وشره ، ومن الصبر حبس النفس عن الخمول والتواضع والذلة إيثارا للآخرة على الدنيا وهربا إلى الله تعالى وتحققا بوصف العبودية وترك المنازعة والتشبه بمعاني أوصاف الربوبية تسليما للإلهية واستسلاما للأحدية فلا يخرجك قلة الصبرعن ذلك إلى الطلب بشيء منه فتزل قدم بعد ثبوتها نعوذ بالله من ذلك ، ومن الصبر صبر على العيال في الكسب لهم والإنفاق عليهم والاحتمال للأذى منهم ، فإن في العيال طرقات إلى الله تعالى أدناها الإهتمام بهم ، وأعلاها الرضا عن الله تعالى والتوكل عليه فيهم ، وأوسطها الإنفاق وحبس الإنفاق وحبس النفس عليهم ، واعلم أن أكثر معاصي العباد في شيئين : قلة الصبر عما يحبون ، أو قلة الصبر على ما يكرهون ، وقد قرن الله تعالى الكراهة بالخير والمحبة بالشر في قوله تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) البقرة : 216 وحد الصبر وهو أوله فريضة بمثل أول الإخلاص ، والصبر أيضا حيلة من لا حيلة له لأن الأمر إذا كان بيد غيرك لم يكن إلا الصبر عليه ولأن الشيء إذا كان لا يأتيك إلا قليلا قليلا وأنت محتاج إليه لم يكن إلا الصبر عليه وإلا انقطع ذلك القليل ، وأصل قلة الصبر ضعف اليقين بحسن جزاء من صبرت له لأنه لو قوي يقينه كان الأجل من الوعد عاجلا إذا كان الواعد صادقا فيحسن صبره لقوة الثقة بالعطاء ولا يصبر العبد إلا بأحد معنيين مشاهدة العوض وهو أدناهما ، وهذا حال المؤمنين ومقام أصحاب اليمين أو النظر إلى المعوض وهو حال الموقنين ومقام المقربين ، فمن شهد العوض عني بالصبر ، ومن نظر إلى المعوض حمله النظر وقد جعل بعض العارفين الصبر على ثلاثة معان ، وإنه في أهل مقامات ثلاث ، فقال : أوله ترك الشكوى قال وهذه درجة التائبين ، والثانية الرضا بالمقدور وهذه درجة الزاهدين ، والثالثة المحبة لما يصنع به مولاه وهذه درجة الصادقين وقد نوع القدماء من السلف الصبر على ثلاثة أنواع . وروينا عن الحسن وغيره : الصبر على ثلاثة معان صبر عن المعصية وهو أفضلها ، وصبر على الطاعة ، وصبر في المصائب ، وهذا داخل في جمل ما فرقناه من معاني الصبر ، ومجمل ذلك أن الصبر فرض وفضل يعرف ذلك بمعرفة الأحكام ، فما كان أمرا أو إيجابا فالصبر عليه أو عنه فرض ، وما كان حثا وندبا فالصبر عليه أو عنه فضل والتصبر غير الصبر وهو مجاهدة النفس وحملها على الصبر وترغيبها فيه وهو التعمل للصبر والتصنع للصبور بمنزلة التزهد ، وهو أن يعمل في أسباب الزهد ليحصل الزهد والصبر ، هو التحقق بالوصف وذلك هو المقام ، ولا يخرج العبد من الصبر كراهة النفس ولا وجدان المرارة والألم بل يكون مع ذلك صابرا لأن هذا وصف البشرية لما ينافي طبعها ، ولكن يكون حاله الكظم عن الشكوى ونفي السخط لحكم المولى لأن عدم ذلك وفقده هو الرضا وحقيقة التوكل ، وهذان من أعلى مقامات اليقين ، وفقد مراتب اليقين لا يخرج عن حد الصبر والذي يخرج عن حد الصبر ضده وهو الجزع ومجاوزة الحد من السعلم وإظهار السخط وكثرة الشكوى وظهور الذم والتبرم ، ومن رياضة النفس على التصبر وهو مقام المتصبرين وحال ضعفاء المريدين أن النفس الأمارة إذا جنحت بك إلى فضول الشهوات أو نازعتك إلى مطالبة متقدم العادات أن تمنعها حاجتها من كل شيء فيشغلها منع الحاجة ووجود الفاقة مما لا بد منه عن طلب فضول الشهوات فإذا رضتها بالمنع ومنعتها محبوبها بالتصبر عن الحلال انقادت لك بالصبر عن فضول الشهوات فتكون تاركة لشهوة بعوض عاجل من مباح وتكون صابرة عن فضول شهوة لما منعتها من منال الفاقة وتاركة للهوى طمعا في نوال الحاجة من الغذاء وهذا من أكبر أبواب الرياضات للنفوس الطامحات وفيه فضل الأقوياء من المتصبرين الذين لم تستجب لهم نفوسهم بالصبر والصلاة ولم تنقد بالجوع والظماء ، فأما الضعفاء من أهل الطبقة الثالثة لا من الأولين أهل الصوم والصلاة ولا من هؤلاء فإنهم لا يصبرون على تصبر النفس عن الحاجة كما لا تصبر نفوسهم عن الشهوة فرياضة هؤلاء لنفوسهم أن يقطعوها من كل حرام معناه من الحلال ومن كل شهوة مهلكة وصفها من شهوة مقتصدة لتسكن نفوسهم بذلك في حبسها عن المحرمات وتنقطع شهوتها عما وراء ذلك من الموبقات فبهذا تطمئن نفوس الضعفاء ، وقد أختلف الناس في الصبر والشكر أيهما أفضل وليس يمكن الترجيح بين مقامين لأن في كل مقام طبقة متفاوتين ، والمحققون من أهل المعرفة يقولون إنه لا يجتمع عبدان في مقام بالسواء بل لا بد من أن يكون أحدهما أعلى بعلم أو عمل أو وجد أو مشاهدة وإن كان الصواب والقصد والأصل واحدا وأعلى التفاوت مشاهدات الوجه .

حصہ V01/P334

وقد قال الله تعالى : ( ومن أصدق من الله حديثا ) النساء : 87 ولكل وجهة هو موليها ، وقال تعالى : ( قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم يمن هو أهدى سبيلا ) الإسراء : 84 ، قيل : أقصد وأقرب طريقا ، وظاهر الكتاب والسنة يدلان على تفضيل الصبر لقوله تعالى : ( يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) القصص : 54 فالشاكر يؤتى أجره مرة فأشبه مقام الصبر مقام الخوف وأشبه مقام الشكر مقام الرجاء ، وقد قال الله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) الرحمن : 46 ، وقد اتفق أهل المعرفة على تفضيل الخوف على الرجاء من حيث اتفقوا على فضل العلم على العمل ، فالصبر حال من مقام الخوف فقرب حال الصابر في الفضل من مقامه والشكر حال من مقام الرجاء كذلك يقرب حال الشاكر من مقامه ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي ذكرناه من قبل : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته وذكر الحديث المتقدم فقرن الصبر باليقين الذي لا شيء أعز منه ولا أجل وارتفاع الأعمال وعلو اليقين به ، وفي مناجاة أيوب عليه السلام : إن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه : يا أيوب إني آليت على نفسي لا نشرت للصابرين ديوان توبيخ ولا نظروا إلى حد الصراط ولا أروعهم نقص الميزان دارهم دار السلام .

حصہ V01/P334–V01/P335

بيان آخر من تفضيل الصبر الصبر : حال البلاء ، والشكر : حال النعمة والبلاء أفضل لأنه على النفس أشق لقول الله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر : 10 ، فالشاكر يوفي أجره بحساب لأن إنما تحقيق للوصف ونفي ما عداه . بيان آخر من فضل الصبر قد رفع علي كرم الله وجهه الصبر على أربع مقامات اليقين وجعلها دعائمه التي بها يستبين وجعله فيه فوقها فقال في حديثه الطويل الذي وصف فيه شعب الإيمان : والصبر على أربع دعائم : على الشوق ، والشفقة ، والزهد ، والترقب ، فمن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات ، فجعل هذه المقامات أركان الصبر لأنها توجد عنه وتحتاج إليه في جميعها وجعل الزهد أحد أركانه ، وقد جعل الله تعالى الصبر حال التقوى ورفع للمتقين في الإكرام درجات ، فقال عز وعلا : ( إنه من يتق ويصبر ) يوسف : 90 وقال تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 ، فأكرم وأتقى فوق أن يقال كرامكم المتقون لأن أكرم وأتقى يدل على تفاوت ، فمن كان أتقى كان أكرم عند الله سبحانه وتعالى ، ومن كان أصبر على ما يوجب التقوى كان أتقى ، وأعلم أن الصبر سبب دخول الجنة وسبب النجاة من النار لأنه جاء في الخبر : خفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات فيحتاة المؤمن إلى الصبر على المكاره ليدخل الجنة ويحتاج إلى الصبر عن الشهوات لينجو من النار ، فأما تفصيل التفضيل فعلى ثلاثة أوجه ، أحدها : أن المقامات أعلى من الأحوال ، وقد يكون الصبر والشكر حالين ، وقد يكونان مقامين ، فمن كان مقامه الصبر كان حاله الشكر عليه فهو أفضل لأنه صاحب مقام ، ومن كان مقامه الشكر كان حاله الصبر عليه فحاله مزيد لمقامه فقد صار الصبر مزيدا للشاكر في مقامه ، الوجه الثاني من التفضيل : المقربون أعلى من أصحاب اليمين فالصابرون من المقربين أفضل من الشاكرين من أصحاب اليمين والشاكرون من المقربين أفضل من الصابرين من أصحاب اليمين فإن قيل : فإن كان الشاكر والصابر من المقربين فيهما أفضل قيل : فقد قلنا إن اثنين لا يتفقان في مقام من كل وجه لانفراد الوجه بمعاني لطائف اللطيف بمثل ما انفردت الوجوه بلطيف الصنعة مع تشابه الصفات واستواء الأدوات ، فأفضلهما حينئذ أعرفهما لأنه أحبهما إلى الله تعالى وأقربهما منه وأحسنهما يقينا لأن اليقين أعز ما أنزل الله تعالى . وجه آخر من بيان التفضيل نقول : إن الصبر عما يوجب الشكر أفضل وإن الشكر على ما يوجب الصبر أفضل ، فقد يختلف باختلاف الأحوال تفسيره أن الصبر عن حظ النفس وعن التنعم والترفه أفضل إن كان عبدا حاله النعمة فالصبر عن النعيم والغنى مقام في المعرفة وهو أفضل لأن فيه الزهد المجمع على تفضيله ، ونقول إن الشكر على الفقر والبلاء والمصائب أفضل إن كان عبدا حاله الجهد والبلاء فالشكر عليه مقام له في المعرفة فهو حينئذ أفضل لأن فيه الرضا المتفق على فضله . نوع آخر من الاستدلال على فضل الصابر وتفضيل الصبر جملة

حصہ V01/P335–V01/P336

الصابر العارف أفضل من الشاكر العارف لأن الصبر حال الفقر والشكر حال الغنى ، فمن فضل الشكر على الصبر في المعنى فكأنه قد فضل الغنى على الفقر ، وليس هذا مذهب أحد من القدماء إنما هذه طريقة علماء الدنيا طرقوا لنفوسهم بذلك وطرقوا الخلق إلى نفوسهم من ذلك ، فإن من فضل الغنى على الفقر فقد فضل الرغبة على الزهد والعز على الذل والكبر على التواضع ، وفي هذا تفضيل الراغبين والأغنياء على الزاهدين والفقراء ، ويخرج ذلك إلى تفضيل أبناء الدنيا على أبناء الآخرة : وإنما فضلنا الصبر على الشكر في الجملة والمعنى ، لأن الصبر حال من مقامه البلاء ، وأهل البلاء هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء ولأن الصبر أبعد من أهواء النفوس وأقرب إلى الضر والبؤس وأشد في مكاره النفوس وأنفر لطباعها وأشد مباينة لما يلائمها فإذا سكنت معه وجد عندها كان أعجز لوصفها وأعجب في طمأنينتها فمدحت بالسكون والطمأنينة وكانت راضية مرضية ، وأيضا فإن الله تعالى أمر بالصبر وبالغ فيه بالمصابرة ووكدهما بالمرابطة في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ) آل عمران : 200 ، قيل : في أحد الوجوه رابطوا عليهما فهذه ثلاثة أمور في مكان واحد بمعنى الصبر ، فهذا يدل على تعظيمه للصبر ومحبته تعالى فمن وجد منه ذلك كان أشد تعظيما لشعائر الله عز وجل ، ومن عظم شعائر الله فهو أتقى لله تعالى ، ومن كان أتقى لله كان أكرم على الله لقوله تعالى : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) الحج : 32 ، ثم قال تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 ، والصبر أيضا مقام أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدوة بهم وباهى الله تعالى بهم عبده فقال تعالى : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) الأحقاف : 35 وأيضا فإن العزائم في الدين أولى من الرخص . روينا عن سفيان الثوري رضي الله عنه عن حبيب بن أبي ثابت قال : سئل مسلم البطين : أيما أفضل الصبر أم الشكر ؟ فقال : الصبر والشكر والعافية أحب إلينا ، وقد قيل في معنى قوله تعالى : ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) الزمر : 18 قيل : شدائده وعزائمه لأن إباحة حلال الدنيا حسن والزهد فيه أحسن ، وقد جعل الله تعالى الصبر من العزائم في قوله : ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) آل عمران : 186 ، وقد شرك الله تعالى عباده في الشكر وأفرد عز وجل لنفسه تعالى الصبر فينبغي أن يكون المفرد للمفرد أعلى من المشترك بالعبد فقال تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك ) لقمان : 14 وقال تعالى على لسان نبيه : من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل ولم يشرك في الصبر من خلقه أحدا ، فقال تعالى : ( ولربك فاصبر ) المدثر : 7 ، وقال : واصبر لحكم ربك واعلم أن الشكر داخل في الصبر والصبر جامع للشكر ، لأن من صبر أن لا يعصي الله بنعمة فقد شكرها ومن أطاع الله فصبر نفسه على طاعته فقد شكر نعمته ، وقد سئل الجنيد رحمه الله عن غني شاكر وفقير صابر أيهما أفضل ؟

حصہ V01/P336–V01/P339

فقال : ليس مدح الغني للوجود ولا مدح الفقير للعدم إنما المدح في الاثنين قيامهما بشروط ما عليهما ، فشرط الغني يصحبه فيما عليه أشياء تلائم صفته وتمتعها وتلذها ، والفقير يصحبه فيما عليه أشياء تؤلم صفته وتقبضها وتزعجها ، فإذا كان الاثنان قائمين لله تعالى بشروط ما عليهما كان الذي آلم صفته وأزعجها أتم حالا ممن متع صفته ونعمها ، هذا نقل كلام الجنيد رحمه الله تعالى ، وكان أبو العباس بن عطاء قد خالفه في ذلك فيقال : إن الجنيد دعا عليه فلحقه ما أصابه من البلاء منه ، قتل أولاده ، وإتلاف ماله ، وزوال عقله أربع عشرة سنة ، فكان يقول : دعوة الجنيد أصابتني ، ورجع عن قوله في تفضيل الغنى على الفقر ، فصار يفضل الفقر ويشرفه ، وأيضا فقد روينا في الخبر : أعرفكم بنفسه أعرفكم بما ابتلاه به منها وما ابتلاها به منه فأعظم ما ابتلانا به محبتنا بها وابتلاها بعدواتنا ، فمن أفضل ممن صبر على مجاهدة عدوه على أنه مع ذلك عدو الله تعالى منازع لصفات الربوبية ، ومن أشد بلاء ممن ابتلي بعداوتك وبتليت بمحبته وأنت في ذلك تترك محبته لمحبة الله تعالى وتصبر على عداوته بدوام مجاهدته لمرضاة الله تعالى ، فهذا أعدل العدل وأفضل الفضل ولا سبيل إلى ذلك إلا بفضل أثرة من الله تعالى وحسن عنايته ودوام نظره إذ لا توفيق ولا قوة ولا صبر إلا به سبحانه وتعالى ، فأما المسألة التي سئل عنها بعض القدماء عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر فشكر ، فقال : كلاهما سواء قال : لأن الله تعالى أثنى على عبدين أحدهما صابر والآخر شاكر بثناء واحد ، فقال تعالى في وصف أيوب عليه السلام : ( نعم العبد إنه أواب ) ص : 30 وقال في وصف سليمان عليه السلام : ( نعم العبد إنه أواب ) ص : 30 ، ففي قول هذا رحمه الله غفلة عن لطائف الأفهام وذهاب عن حقيقة تدبر الكلام إذ عندنا بين ثناء الله عز وجل على أيوب في الفضل على ثنائه على سليمان عليهما السلام ثلاثة عشر معنى ، وشركه سليمان عليه السلام بعد ذلك في وصفين آخرين وإفراد أيوب عليه السلام بفضل ثناء ثلاثة عشر معنى ، أول ذلك قوله عز وجل في أول مدحه : ( واذكر ) ص : 41 فهذه كلمة مباهاة باهى بأيوب عند رسوله المصطفى عليه السلام وشرفه وفضله بقوله تعالى : ( واذكر ) ص : 41 يا محمد فأمره بذكره والاقتداء به كقوله تعالى : ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) الأحقاف : 35 ، قيل : هم أهل الشداء والبلاء منهم أيوب عليه السلام قرضوا بالمقاريض ونشروا بالمناشير وكانوا سبعين نبيا وقيل : هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وهؤلاء آباء الأنبياء وأفاضلهم لقوله تعالى : ( واذكر في الكتاب ابراهيم ) مريم : 41 ولقوله تعالى : ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ) ص : 45 يعني أصحاب القوة والتمكن وأهل البصائر واليقين ، ثم رفع زيوب إلى مقامهم فضمه إليهم وجعله سلوة له ثم ذكره إياه وذكره به ، ثم قال تعالى : ( عبدنا ) ص : 41 فأضافه إليه عز وجل إضافة تخصيص وتقريب ولم يدخل بينه وبينه لام الملك فيقول عبدا لنا فألحقه بنظرائه من أهل البلاء في قوله تعالى : ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب ) ص : 45 وهم أهل الابتلاء الذين باهى بهم الأنبياء وجعل من ذرياتهم الأصفياء فأضاف أيوب إليهم في حسن الثناء ، وفي لفظ التذكرة به في الثناء ثم قال : ( إذ نادى ربه ) مريم : 3 فأفرده بنفسه لنفسه وانفرد له في الخطاب بوصفه وقال : ( مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) الأنبياء : 83 فوصفه بمواجهة التملق له ولطيف المناجاة وظهر له بوصفه الرحمة فاستراح إليه به فناداه فشكا إليه واستغاث به فأشبه مقامه ، مقام موسى ويونس عليهما السلام في قولهما : سبحانك تبت إليك ، وفي قول الآخر : لا إله إلا أنت ، سبحانك إني كنت من الظالمين ، وهذا خطاب المشاهدة ونظر المواجهة ، ثم وصفه بالاستحابة له وأهله لكشف الضر عنه وجعل كلامه سببا لتنفيذ قدرته ومكانا لمجاري حكمته ومفتاحا لفتح إجابته ، ثم قال بعد ذلك كله : ووهبنا له أهله فزاد على سليمان في الوصف إذ كان بين من وهب لأهله وبين من وهب له أهله فضل في المدح لأنه قال في وصف سليمان : ووهبنا لداود سليمان فأشبه فضل أيوب في ذلك على سليمان كفضل موسى على هارون لأنه قال عز وجل في مدح موسى عليه السلام وتفضيله على هارون : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) مريم : 53 ، وكذلك قال في مدح داود : ( ووهبنا لداود سليمان ) ص : 30 فوهب لموسى أخاه كما وهب لداود ابنه وأشبه مقام أيوب في المباهاة والتذكرة به مقام داود عليه السلام لأنه قال تعالى في وصف داود لنبيه عليه السلام : ( اصبرعلى ما يقولون واذكر عبدنا داود ) ص : 17 وكذلك قال تعالى في نعت أيوب : ( واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه ) ص : 41 ، فقد شبه أيوب بداود وموسى عليهما السلام في المعنى ورفعه إليهما في المقام ، وهما في نفوسنا أفضل من سليمان عليهم السلام ، فأشبه أن يكون حال أيوب على من حال سليمان ، وعلم الله تعالى المقدم ولكن هكذا ألقى في قلوبنا والله أعلم ، ثم قال تعالى بعذ ذلك كل ( رحمة منا ) ص : 43 فذكر رنفسه ووصفه عند عبده تشريفا له وتعظيما ، ثم قال عز وجل : ( وذكرى لأولي الألباب ) ص : 43 فجعله إماما للعقلاء وقدوة لأهل الصبر والبلاء وتذكرة وسلوة من الكروب للأصفياء ، ثم قال تعالى : ( إنا وجدناه صابرا ) ص : 44 فذكر نفسه سبحانه وتعالى ذكرا ثانيا لعبده ووصل اسمه باسمه حبا له وقربا منه ، لأن النون والألف في وجدنا اسمه تبارك وتعالى ، والهاء اسم عبده أيوب ، ثم قال صابرا فوصفه بالصبر فأظهر مكانه في القوة وخلقه بخلقه ، ثم قال تعالى في آخر أوصافه : ( نعم العبد إنه أواب ) ص : 44 ، فهذان أول وصف سليمان وآخره ههنا شركه في الثناء وزاد أيوب بما تقدم من المدح والوصف الذي لا يقوم له شيء فمن قوله عز وجل : ( واذكر عبدنا أيوب ) ص : 41 إلى قوله : ( نعم العبد إنه أواب ) ص : 44 عظيم من الفرقان عند أهل الفهم والتبيان وجعل في أول وصف سليمان أنه وهبه لأبيه داود عليهما السلام فصار حسنة من حسنات داود عليه السلام واشتمل قوله تعالى : ( نعم العبد إنه أواب ) ص : 44 على أول وصفه وأوسطه وهو آخر وصف أيوب عليه السلام ، وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام وقد روينا في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود عليهما السلام لمكان ملكه ، وآخر اصحابي دخولا الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه ، وفي لفظ آخر : يدخل سليمان بن داود الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا ، وقد جاء في الآثار إن أول من يدخل الجنة أهل البلاء إمامهم أيوب وهو إمام أهل البلاء وإن أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد ، وأول من يدخله أهل البلاء فقد زاد أيوب على سليمان عليهما السلام بعموم هذه الأخبار لأنه سيد أهل البلاء وتذكرة وعبرة لأولي النهي وإمام أهل الصبر والضر والابتلاء ، ولم نقصد بما ذكرناه التفضيل بين الأنبياء لأنا قد نهينا عن ذلك فيما روينا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تفضلوا بين الأنبياء ولكن الله تعالى قد أخبرنا أن بعضهم مفضل على بعض في قوله : ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ) الإسراء : 55 وإنما أظهرنا فضل الثناء المستودع في الكتاب فاستنبطنا باطن الوصف المكرر في الخطاب في قصة أبوب على قصة سليمان عليهما السلام بما ظهر لنا من فهم فصل الخطاب وتدبر معاني الكلام وعلم الله تعالى المقدم وهو عز وجل أعلم وأحكم وقد ندبنا إلى الاستنباط في قول الرسول عليه السلام : اقرؤوا القرآن والتمسوا غرائبه ولأن في ذلك عز الأهل الصبر والبلاء وتقوية لقلوبهم وتعريفا لسوابغ نعم الله تعالى عليهم وإظهارا لبواطن النعم وتنبيها على لطائف الكلم وتزهيدا في الدنيا والنفس وترغيبا في الآخرة والصبر وتفضيلا لطريق أهل البلاء الذين هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، فجاء من ذلك تفضيل المتبلي الصابر على بلائه ورضاه بحكم مولاه وتسليما لمرضاته على المنعم عليه ، الشاكر على نعمائه ، إذ النعم ملائمة للطبع موافقة للنفس لا يحتاج معها إلى كد النفس بالصبر عليها ولا حملها على المشقة فيها بالرضا بها ، والبلاء مباين للطبع نافرة منه النفس يحتاج إلى حمل عليه ومشقة فيه ، وما كرهته النفس فهو خير وأفضل ولا سبيل إليه إلا بسكينة من الله تعالى وتصبر عليه بقوة به عز وجل وعناية منه : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) النحل : 127 ، وهذا آخر شرح مقامات الصبر .

حصہ V01/P339

شرح مقام الشكر ووصف الشاكرين وهو الثالث من مقامات اليقين

حصہ V01/P339–V01/P340

قال الله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 147 فقرن الشكر بالإيمان ورفع بوجودهما العذاب ، وقال تعالى : ( وسنجزي الشاكرين ) آل عمران : 145 ، وروي عن النبي لله أنه قال : الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : الشكر نصف الإيمان ، وقد أمر الله تعالى بالشكر وقرنه بالذكر في قوله تعالى : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) البقرة : 152 ، قد عظم الذكر بقوله : ( ولذكر الله أكبر ) فصار الشكر أكبر لاقترانه به ورضا الله تعالى بالشكر مجازاة من عباده لفرط كرمه لأن قوله تعالى : ( فاذكروني أذكركم واشكرو لي ) البقرة : 152 خروج من لفظ المجازاة لتحقيق الأمر وتعظيم الشكر لأن الفاء للشرط ولاجزاء والكاف المتقدمة للتمثيل ، فقوله تعالى : فاذكروني متصل بقوله : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) ( فاذكروني ) ( واشكروا لي ) البقرة : 151 - 152 ، والمعنى كمثل ما أرسلت فيكم رسولا منكم فاشكروا لي ، والعرب تكتفي من مثل بالكاف كما اكتفت من سوف بالسين في قوله تعالى : ( سنؤتيهم ) ( سنستدرجهم ) الأعراف : 182 وهذا تفضيل للشكر عظيم لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى . وقد روينا في أخبار أيوب عليه السلام : إن الله تعالى أوحى إليه : إني رضيت بالشكر مكافأة من أوليائي في كلام طويل ، وفي أحد الوجوه من قوله عز وجل : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) الأعراف : 16 ، قال : طريق الشكر ، فلولا أن الشكر طريق يوصل إلى الله تعالى لما عول العدو على قطعه ولولا أن الشاكر حبيب رب العالمين ما نقصه إبليس اللعين في قوله تعالى : ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) الأعراف : 17 وكذلك قال الله تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) سبأ : 13 ، كما قال تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) سبأ : 20 ، وقد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثن فيه واستثنى في خمسة أشياء : في الإغناء ، والإجابة ، والرزق ، والمغفرة ، والتوبة ، فقال تعالى : ( فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) التوبة : 28 وقال تعالى : ( فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ) الأنعام : 41 ، وقال تعالى : ( يرزق من يشاء ) البقرة : 212 ( ويغفر لمن يشاء ) المائدة : 40 ، وقال عز وجل : ( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ) التوبة : 27 ، وختم بالمزيد عند الشكر من غير استثناء فقال تعالى : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) إبراهيم : 7 ، فالشاكر على مزيد والشكور في نهاية المزيد وهو الذي يكثر شكره على القليل من العطاء ويتكرر منه الشكر والثناء على الشيء الواحد من النعم وهذا خلق من أخلاق الربوبية لأنه سماه باسم من أسمائه والمزيد هو إلى المنعم يجعله ما شاء ، فأفضل المزيد حسن اليقين ومشاهدة الأوصاف ، وأول المزيد شهود النعم ، إنها من المنعم بها من غير حول ولا قوة إلا به عز وجل ، وأوسط المزيد دوام الحال ومتابعة الخدمة والاستعمال ، وقد يكون المزيد أخلاقا وقد يكون علوما وقد يكون في الآخرة وتثبيتا عند فراق العاجلة ، وقد جعل الله تعالى الشكر مفتاح كلام أهل الجنة وختام تمنيهم في قوله تعالى : ( الحمد لله الذي صدقنا وعده ) الزمر : 74 ، وقال تعالى : ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) يونس : 10 ، فلولا أنه أحب الأعمال إليه ما بقاه عليهم لديه .

حصہ V01/P340–V01/P341

وروينا في مناجاة أيوب عليه السلام : إن الله تعالى أوحى إليه في صفة الصابرين دارهم دار السلام إذا دخلوها ألهمتهم الشكر وهو خير الكلام وعند الشكر أستزيدهم وبالنظر إلي أزيدهم وهذا غاية الفضل ، فأول الشكر معرفة النعم ، إنها من المولى وحده لا شريك له فيها ، ولا ظهير له عليها ، إذ قد نفى ذلك عن نفسه لأنه هو الأول في كل شيء ، لا شيء معه ولا ظهير له في شيء إذ قد جعل الضراء والسراء منه وإليه جاريين على عباده فقال تعالى : ( وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ) سبأ : 22 ، الشرك الخلط والظهير المعين ، ثم قال تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ) النحل : 53 ، وقال تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ) الأنعام : 17 ، وقال تعالى في جمل النعم بعد إضافتها إليه : ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) الجاثية : 13 ، وقال تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان : 20 ، فالأسباب مع صحتها والأواسط مع ثبوتها إنما هي حكمه وأحكامه ، فظروف العطاء وآثار المعطي لا تؤثر في الحكم بها والجعل لها حكما ولاجعلا يعني لا تحكم ولا تجعل لأنها محكومات فكيف تحكم ومجعولات فكيف تجعل لا حاكم إلا الله وحده ولا يشرك في حكمه أحدا وهذا الحرف في مقرأ أهل الشام أبلغ وأوكد لأنه يخرج على الأمر لأنهم قرؤوه بالتاء وجزم الكاف ولا تشرك في حكمه أحدا ، فالأسباب أحكام حق وأواسط حكمه فمشاهدة المنعم في النعمة وظهور المعطي عند العطاء حتى ترى النعمة منه والعطاء عنه هو شكر القلب لأن الشكر عند الشاكرين معرفة القلب ووصفة لا وصف اللسان ، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأمر باقتناء الشكر وإتخاذه مالا في الآخرة عوضامن إاقتناء الأموال في الدنيا ، فقال في حديث ثوبان وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما : حين نزل في الكنوز ما نزل سأله عمر : أي المال نتخذ ؟ فقال : ليتخذن أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا . وروينا في أخبار موسى عليه السلام وداود عليه السلام : يا رب كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك ، وفي لفظ آخر : وشكري لك نعمة أخرى منك توجب علي الشكر لك فأوحى الله تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتني ، وفي خبر آخر : إذا عرفت أن النعم مني فقد رضيت منك بذلك شكرا وشكر اللسان حسن الثناء على الله تعالى وكثرة الحمد والمدح له وإظهار إنعامه وإكرامه ونشر أياديه وإحسانه وأن لا يشكو لمالك إلى المملوك ولا المعبود الجليل إلى العبد الذليل ، وفي الخبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : كيف أصبحت قال : بخير فأعاد عليه النبي السلام السؤال ثانية كيف أنت ؟ فقال : بخير فأعاد عليه الثالثة كيف أنت ؟

حصہ V01/P341–V01/P342

فقال : بخير أحمد الله تعالى وأشكره ، فقال : هذا الذي أردت منك يعني إظهار الحمد والشكر والثناء ، وإنما كان السلف يتساءلون عن أحوالهم إذا التقوا ليستخرجوا بذلك حمدا لله تعالى وشكره فيكونوا شركاءه في ذلك لأنهم سبب ذكره لله تعالى فمن علمت أنه يشكو مولاه ويتكره عندك قضاءه إذا سألته عن حاله فلا تسأله فتكون أنت سبب شكواه وشريكه في جهله ، وما أقبح بالعبد أن يشكو المولى الذي ليس كمثله شيء والذي بيده ملكوت كل شيء إلى عبد مملوك لا يقدر على شيء ، ومن الشكر أن يشكر الله تعالى على اليسير لأن القليل من الحبيب كثير ولأن الله تعالى حكيم فمنعه حكمة وقدرة ، فإذا عرف وجه الحكمة في المنع مع القدرة على العطاء علم أنه منعه ليعطيه فثم صار المنع عطاء واليسير منه كثيرا ، ويعلم أن الذل والصبر عند المنع عز وشرف ، وهو أفضل وأنفس عند العلماء من التعزز بالعبيد والشرف بهم ، وأن الطمع والتذلل إليهم والاستشراف إلى عبد مملوك مثلك ذل ذليل وحسن الذل للعزيز كحسن الذل للحبيب وقبح الذل للذليل كقبح الذل للعدو . وقد قال الله تعالى : ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) العنكبوت : 17 ، وقال تعالى في معناه : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) الأعراف : 194 ، والعبادة هي الخدمة والطاعة بذل ولا يحسن للعبد المقبل أن يظهر فقره وفاقته إ لى غير مولاه الذي يلي تدبيره ويتولاه لأنه عليم خبير بحاله يسمعه ويراه فهو أعلم بما يصلحه منه ، وقد قال الله تعالى في معناه : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) الشورى : 27 ، فعلى الموقن أن يشكر في القبض والمنع كما يشكر في العطاء والبسط ثم يشهد الشاكر بقلبه شهادة يقين ويعلم أن وصفه وصف العبودية وحكمه أحكام العبيد محكوم عليه بأحكام الربوبية وأنه لا يستحق على الله شيئا وأن الله عز وجل يستحق عليه كل شيء فالعبد خلقه وصنعته والرب صانعه ومالكه ، فإذا شهد العبد هذه الشهادة رأى لله عز وجل عليه كل شيء فرضي منه بأدنى شيء ولم ير له على الله تعالى شيئا فلم يقنع لله تعالى منه بشيء ولم يطالب مولاه بشيء ، فكثرة الذكر وحسن الثناء وجميل النشر للنعماء وتعديد النعم والآلاء هو شكر اللسان لأن معنى الشكر في اللغة هو الكشف والإظهار يقال : كثر وشكر بمعنى إذا كشف عن ثغره فأظهره فيكون إظهار الشكر وكشفه باللسان ما ذكرناه كما جاء في الخبر ليس شيء من الأذكار يضاعف ما يضاعف الحمد .

حصہ V01/P342–V01/P343

وفي الحديث : من قال سبحان الله فله عشر حسنات ، ومن قال : لا إله إلا الله فله عشرون حسنة ، ومن قال : الحمد لله كتبت له ثلاثون حسنة ليس أن الحمد أعلى من التوحيد ولكن لفضل مقام الشاكر ولأن الله تعالى افتتح به كلامه في كتابه ، وفي الخبر : الحمد رداء الرحمن عز وجل ، وفي الخبر أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله رب العالمين ، ويكون أيضا ظهور الشكر وغلبته في القلب شكر القلب ، ويكون شكر الله تعالى لعبده كشفه له ما ستره عنه وإظهاره له ما حجبه منه من العلوم والقدر وهو المزيد فيفيده ذلك حسن معرفته به سبحانه وتعالى وعلو مشاهدته منه وكله يرجع إلى معنى الكشف والإظهار ، وأما شكر الجوارح للمنعم المفضل سبحانه وتعالى فهو أن لا يعصيه بنعمة من نعمه وأن يستعين بنعمته على طاعته ولا يستعين بها على معاصيه فيكون قد كفرها كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا ) إبراهيم : 28 ، قيل : استعانوا بنعمه علي معاصيه فالخلق لا يقدرون على تبديل نعمة الله عز وجل ولكن معناه : بدلوا شكر نعمة الله كفرا وهذا من المضمر معناه لظهور دليله عليه لأنه أمرهم بالطاعة بالنعم فخالفوه فعصوه بها فكان ذلك تبديلهم لما أمروا ، ومثله قوله تعالى : ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) الواقعة : 82 المعنى شكر رزقكم تجعلونه تكذيبكم برسل الله تعالى وهذا من المحذوف أيضا وهي في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مظهرة مفسرة . روينا عنه عليه السلام : أنه قرأ وتجعلون شكركم فهذا ظاهر وبمعناه : ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب أي يعاقب من كفر بالنعمة فضيع شكرها بمعصيته بها يعاقبه بزوالها ، وكذلك قوله تعالى : ( ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) إبراهيم : 7 ، قيل : إن كفرتم النعمة فقد يكون العذاب في الدنيا تبديل النعمة عقوبات وتغييرها هوان ومذلات ، وقد يكون العذاب مؤجلا كقوله تعالى : ( إن عذابها كان غراما ) الفرقان : 65 ، قال : طالبهم على النعم بالشكر فلم يكن عندهم فأغرمهم ثمن النعمة فحبسهم في جهنم ، وقد قال الله تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان : 20 ، ثم قال : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) الأنعام : 120 ففيه تنبيه لذوي الألباب الذين وصل لهم القول ليتذكروا أن يذروا ظاهر الإثم شكر الظاهر النعم ، ويذروا باطن الإثم شكر الباطن النعم وظاهر النعم عوافي الأجساد ووجود الكفايات من الأموال وظاهر الإثم أعمال الجوارح من معاني حظوظ النفس وباطن النعم معافاة القلوب وسلامة العقود ، وباطن الإثم أعمال القلوب السيئة مثل الإصرار وسوء الظن ونيات السوء ، وقال مطرف بن عبد الله : لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أبتلى فأصبر ، لأن مقام العوافي أقرب إلى السلامة ، فلذلك اختار حال الشكر على الصبر لأن الصبر حال أهل البلاء .

حصہ V01/P343–V01/P344

وقد روينا عن الحسن البصري معنى ذلك الخبر الذي لا شر فيه العافية مع الشكر والصبر عند المصيبة فكم من منعم عليه غير شاكر وكم من مبتلى غير صابر ، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذا في قوله : وعافيتك أحب إلي ، وقال لعلي رضي الله عنه حين سمعه يثول في مرضه : اللهم إني أسألك الصبر ، قال : لقد سألت الله تعالى البلاء فسله العافية ، ومن الشكر الأعمال الصالحة ، وبالعمل فسر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الشكر للمنعم فقال تعالى : ( اعملوا آل داود شكرا ) سبأ : 13 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما عوتب في اجتهاده وقيامه حتى تورمت قدماه : أفلا أكون عبدا شكورا ، فأخبر أن المجاهدة وحسن المعاملة شكر المستعمل وجزاء المنعم ، وقد قال بعض العلماء : شكر القلب المعرفة بأن بالنعم من المنعم لا غير وشكر العمل كلما وهب الله عز وجل لك عملا أحدثت له عملا ثانيا شكرا منك للعمل الأول ، وعلى هذا يتصل الشكر بدوام المعاملة ، وأول الشكر عند العارفين أن لا تعصيه بنعمة من نعمه فتجعلها في طاعة الهوى ، فأما شكر الشاكرين فهو أن تطيعه بكل نعمة فتجعلها في سبيل المولى وهذا شكر جملة العبد ، وحقيقة الشكر التقوى وهو اسم يستوعب جمل العبادة التي أمر الله تعالى بها عباده في قوله تعالى : ( يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) البقرة : 21 ، ثم عبر حقيقة عن الشكر بتقواه وأخبر سبحانه وتعالى أن التقوى هو الشكر فقال سبحانه وتعالى : ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) آل عمران : 123 ، وفي الشكر مقامان عن مشاهدتين : أعلاهما مقام شكور وهو الذي يشكر على المكاره والبلاء والشدائد واللأواء ، ولا يكون كذلك حتى يشهد ذلك نعما توجب عليه الشكر بصدق يقينه وحقيقة زهده وهذا مقام في الرضا وحال من المحبة ، وبهذا الوصف ذكر الله تعالى نبيه نوحا عليه السلام في قوله تعالى : ( إنه كان عبدا شكورا ) الإسراء : 3 في التفسير أنه كان يشكر الله تعالى على كل حال من خير أو شر أو نفع أو ضر . وروينا في الخبر : ينادي مناد يوم القيامة ليقم الحمادون فيقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنة قيل : ومن الحمادون ؟ قال : الذين يشكرون الله تعالى على كل حال ، وفي لفظ آخر : على السراء والضراء ، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان : 20 ، قال : ظاهرة العوافي والغنى وباطنه البلوى والفقر فهذه نعم الآخرة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا عيش إلا عيش الآخرة ، والمقام الثاني من الشكر أن ينظر العبد إلى من هو دونه ممن فضل هو عليه في أمور الدنيا وأحوال الدين فيعظم نعمة الله تعالى عليه بسلامة قلبه ودينه وعافيته مما أبتلى الآخر به ويعظم نعمة الدنيا عليه لما آتاه الله تعالى وكفاه فيما أحوج الآخر وألجأه إليه فيشكر على ذلك ثم ينظر إلى من هو فوقه في الدين ممن فضل عليها بعلم الإيمان وبحسن يقين فيمقت نفسه ويزري عليه وينافس في مثل ما رأى من أحوال من هو فوقه ويرغب فيها ، فإذا كان كذلك كان من الشاكرين ودخل تحت اسم الممدوحين .

حصہ V01/P344–V01/P346

وقد روينا معنى ذلك في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه قال من نظر في الدنيا إلى من هو دونه ونظر في الدين إلى من هو فوقه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في الدنيا إلى من هو فوقه ونظر في الدين إلى من هو دونه لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا ، وقد شرحنا هذا في مقام الرضا ، فكرهنا إعادته ههنا ، وكل وصف يكون العبد شاكرا به ، يكون الشكر مقاما له فيه ، فإن كفر النعمة يلزمه بضده لأن الكفر ضد الشكر ، ومن كبائر النعم ثلاث من جهلها أضاع الشكر عليها ومعرفتها شكر العارفين ، أولها استتار الله تعالى بقدرته وعزته عن الأبصار ولو ظهر للعباد لكانت معاصيهم كفرا لأنهم لم يكونوا ينقصون من المعاصي المكتوبة عليهم جناح بعوضة ولأنه تبارك وتعالى كان يظهر بوصف لا يمتنعون معه عن المعاصي ، ووراء هذا سرائر الغيوب ، إلا أنهم كانوا يكفرون بالمواجهة لانتهاك حرمة المشاهدة أيضا لما كان لهم في الإيمان به من عظيم الدرجات ما لهم الآن لأنهم حينئذ يؤمنون بالشهادة وهم اليوم يؤمنون بالغيب ، فرفعت لهم الدرجات بحسن اليقين ، ولذلك مدحهم الله تعالى ووصفهم ، والنعمة الثانية إخفاء القدر والآيات عن عموم الخلق لأنها من سر الغيب ، وصلاح العبيد ، واستقامة الدنيا والدين ، ولو ظهرت لهم لكانت خطاياهم الصغائر كبائر مع معاينة الآيات ، ولما ضوعفت لهم على أعمالهم الحسنات كمضاعفتها الآن للإيمان بالغيب ، والنعمة الثالثة تغيب الآجال عنهم إذ لو علموا بها لما كانوا يزدادون ولا ينقصون من أعمالهم الخير والشر ذرة ، فكان مع علمهم بالأجل أشد مطالبة لهم وأوقع للحجة عليهم فأخفى ذلك عنهم معذرة لهم من حيث لا يعلمون ، ولطفا بهم ونظرا لهم من حيث لا يحتسبون ، ثم بعد ذلك من لطائف النعم شمول ستره لهم فيحجب بعضهم من بعض ، وسترهم عند العلماء والصالحين ، ولولا ذلك لما نظروا إليهم ، ثم حجب الصالحين والأولياء عنهم ، ولو أظهر عليهم آيات يعرفون بها حتى يكون الجاهلون على يقين من ولاية الله تعالى لهم وقربهم منه لبطل ثواب المحسنين إليهم ولحرم قبول عملهم ولحبطت أعمال المسيئين إليهم ، ففي حجب ذلك وستره ما علم العاملون لهم في الخير والشر على الرجاء وحسن الظن بالغيب من وراء حجاب اليقين ، وتأخرت عقوبات المؤذيين لهم عن المعاجلة لما ستر عليهم من عظيم شأنهم عند الله تعالى وجليل قدرهم ، ففي ستر هذا نعم عظيمة على الصالحين في نفوسهم من سلامة دينهم وقلة فتنتهم ونعم جليلة عن المنتهكين لحرمتهم ، المصغرين لشعائر الله تعالى من أجلهم ، إذ كانوا أساءوا إليهم من وراء حجاب ، فهذا هو لطف خفي من لطف المنعم الوهاب سبحانه وتعالى ، كما جاء في الخبر : يقول الله عز وجل : من آذى وليا من أوليائي فقد بارزني بالمحاربة ، ثم أنا الثائر لولي لا أكل نصرته إلى غيري .

حصہ V01/P346–V01/P347

وعن جعفر الصادق رضي الله عنه في معنى هذه النعم التي أوجبنا الشكر في إخفائها قال : إن الله تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث ، رضاه في طاعته ، فلا تحتقروا منها شيئا لعل رضاه فيه ، وخبأ غضبه في معاصيه ، فلا تحتقروا منها شيئا لعل غضبه فيه ، وخبأ ولايته في عباده المؤمنين ، فلا تحتقروا منهم أحدا لعله ولي الله تعالى ، ويكون مثل ذلك مثل من آذى نبيا وهو لا يعلم بنبوته وإن الله تعالى نبأه قبل أن يخبره أنه نبي الله عز وجل ورسوه إليه فلا يكون وزره وزر من انتهك حرمة نبي قد أعلمه أنه نبي الله تعالى لعظيم حرمة النبوة ، وللشاكرين طريقان : أحدهما أعلى من الآخر أولهما شكر الراجين وهو حسن المعاملة لما أملوه ورجوه من ظواهر النعم فعملوا رجاء إتمامها فكان حالهم المسارعة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة شكرا لما ابتدأهم به وخصهم دون سائر خلقه ، وأعلاهما شكر الخائفين وهو خوف سوء الخاتمة والإشفاق من درك الشقاء بحكم السابقة نعوذ بالله تعالى منه فكان خوفهم دليلا على اغتباطهم بموهبة الإيمان ، وكان اغتباطهم يدل على عظيم قدر الإسلام في قلوبهم ونفيس مكانه عندهم فعظمت النعمة به عليهم فمعرفتهم بذلك هو شكرهم فصارالخوف والإشفاق طريقا لهم في الشكر للرازق . وقد جعل الله تعالى ذلك نعمة وكل نعمة تقتضي شكرا في قوله تبارك وتعالى : ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) المائدة : 23 قال بعض المفسرين : أنعم الله عليهما بالخوف وهذا أحد وجهي الكلام ولو لم يشكر العبد مولاه إلا أنه تبارك وتعالى على هذه الأوصاف والأخلاق التي هي صفاته وأخلاقه من نهاية الكرم والجود الذي لا غاية له ومن غاية التفضل والحلم الذي لا نهاية له ، فلما كان تبارك وتعالى بهذه الأخلاق المرجوة والصفات الحسنى وجب أن يشكره العبيد لأجله تعالى لا لأجل نعمه وأفعاله ؛ وهذا ذكر المحبين إذ لو كان الله تعالى على غير هذه الصفات والأخلاق التي عرفه بها العارفون ولا بد لهم منه أي شيء كان يصنع العباد وأي حيلة كانت لهم فله الحمد كله وله الشكر كله كما هو مستحقه وأهله بحمده لنفسه ، ولا ينبغي إلا له سبحانه وتعالى ، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله إذ كان ولم يزل على ما هو الآن ولايزال أبدا على ما كان من الأوصاف والنعوت التامات والأسماء الحسنى والأمثال العلى ، ومعرفة هذا هو شكر العارفين ومشاهدته هو مقام المقربين فشكر هؤلاء لله تعالى لأجل الله تعالى ودعاء هؤلاء التحميد والتقديس وأعمالهم الإجلال والتعظيم للأجل وسؤالهم تجلي الصفات والنصيب من مشاهدة معاني الذات ووصف هذا لا يوصف وشرحه بالمعقول لا يعرف ، وهذا داخل في مشاهدة قوله لمن شهد سر الكلام إذ يقول عز وجل : ( ليس كمثله شيء ) الشورى : 11 وعن هذه المشاهدة اغتبط موسى عليه السلام بالربوبية وأنس بالتقريب فانبسط بالتمكين فقال لي : ما ليس لك فقال : الله تعالى وما هو ، فقال لي : مثلك وليس لك مثل نفسك فقال عز وجل : صدقت ، يعني لي أنت على هذه الأوصاف التي هي غاية الطالبين ولا مزيد عليها للراغبين وليس لك كأنت إذ ليس كمثلك شيء وأن لا إله إلا أنت ، فمن غامض النعم الشكر على هذه المعاني ما روي عنك وصرفه من فضول الدنيا فإنه أقل للشغل والإهتمام وأيسر للحساب ، ثم ابتلي به غيرك من الدنيا مما شغله به عنه وقطعه دونه ، ففي صرف الدنيا عنك وابتلاء غيرك بها نعمتان عليهما شكران وكذلك إذا رأيت مبتلي في دينه بصفات المنافقين أو مبتلي بنفسه بأخلاق المتكبرين أومنهما فيما عليه من أفعال الفاسقين عددت جميع ذلك نعما من الله تعالى عليك إذ لم يجعلك كذلك لأنك قد كنت أنت ذاك لولا فضل الله عليك ورحمته فتحسب كل ما وجه إلى غيرك من الشر أو صرفه عنك من الخيران تعده نعما عليك بمثل ما وجه إلىك من الخير وصرف عنك من الشر لأن النفوس كنفس واحدة في الأمر بالسوء والمشيئة والقدرة واحدة فقد رحمك بما صرف عنك من السوء فذلك من فضل الله تعالى عليك فمعرفته بذلك شكر منك لله تعالى وأكثر عقوبات الخلق من قلة الشكر على النعم وأصل قلة الشكر الجهل بالنعمة ، وسبب الجهل بالنعمة قصور العلم بالله تعالى وطول الغفلة عن المنعم وترك التفكر في نعمه والتذكر لآلائه ، ومنه سبحانه وتعالى فقد أمر بذلك في قوله تعالى : ( فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ) الأعراف : 69 قيل : نعمه .

حصہ V01/P347–V01/P348

وقال المفسرون : واذكروا نعمة الله عيكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به وبمعناه قوله تعالى : ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) البقرة : 185 ، يعني على نعمة الهداية وتوفيق الطاعة فإذا جهل العبد النعمة لم يعرفها ، وإذا لم يعرفها لم يشكر عليها وإذا لم يشكر عليها انقطع مزيده ، ومن انقطع عنه المزيد فهو في نقصان ما أدعى وأيضا فإن من لم يشكر النعم لجهله بها لم يؤمن عليه كفرها ، فإن كفرها أدركه العذاب الشديد للوعيد إلا أن تداركه نعمة من ربه وأصول نعم المرافق للأحراث أربعة ؛ أولها : النطفة التي أخرجت من خزانة الأرحام جميع البهائم والأنام ، ثم الحرث الذي أخرج من خزانة الأرض جميع الثمر ، ثم الماء الذي لنا منه شراب ومنه شجر ، ثم النار التي فيها ضياء ومصالح الأطعمة وبها لأهل البصائر تذكرة ، وهذه النعم هي التي ذكرها المنعم في آخر سورة الواقعة وأضافها إلى نفسه عز وجل ولم يجعل فيه شريكا معه وفتح للعباد العمال أبوابها . ومن أفضل النعم وأجلها نعمة الإيمان به سبحانه وتعالى ، ثم نعمة الرسول ، ثم نعمة القرآن ، ثم أن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، وقبل ذلك أول نعمة عقلناها أن جعلنا موجودين دون سائر المعدومات ، ثم جعلنا حيوانا دون سائر الموات ، ثم جعلنا بشر دون سائرالحيوان ثم جعلنا ذكورا دون الإناث ، ثم صورنا في أحسن تقويم ثم عوافي القلوب من الزيغ عن السنة ومن الميل إلى دواعي النفس الأمارة ، ثم صحة الأجسام ثم كشف الستر ، ثم حسن الكفاية لحاجة ، ثم صنوف ما أظهر من الأزواج للأقوات ، ثم تسخير الصنعة لنا مما بين السماء والأرض ؛ فهذه أمهات النعم فكلما كثرت هذه المعاني و حسنت كثر الشكر عليهما فعظيم النعم بها ، ( وإن تعدوا نعمت الله لاتحصوها ) إبراهيم : 34 وكان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : خص بمعرفة النعم وبمعرفة عظيم حلم الله تعالى وستره الصديقون . وقد قال الله تعالى أصدق القائلين وأحسن الواصفين : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) إبراهيم : 34 ، فتمت النعمة بوصفيه اللذين هو لهما أهل من المغفرة والرحمة ثم قال أيضا في مثله : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) إبراهيم : 34 فكان أعظم للنعمة وأوسع في الكرم والمنة على وصفي الإنسان اللذين هو أهل لهما من الظلم والكفر ، فهو سبحانه وتعالى أهل التقوى وأهل المغفرة والعبد أهل لما وصفه به مولاه عز وجل إلى أن يجود عليه بقديم ما به تولاه فبنعمته أطاعه العاملون ، ومن نعمته جازاهم وبنعمته عصاه الجاهلون ، ومن نعمته ستر وحلم عنهم ، ومن النعم إظهار الجميل وستر القبيح فلا ندري أي النعمتين أعظم جميل ما أظهر أو قبيح ما ستر ، وقد يمدح الله تعالى بالوصفين معا في الدعاء المأثور : يا من أظهر الجميل وستر القبيح ، ومن النعمة الصحة والفراغ هما أول نعيم الدنيا وأصول أعمال الآخرة وبهما تكون المغابنات كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ، وقال الفضيل بن عياض : عليكم بمداومة الشكر على النعم فقل نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم ، وقال بعض السلف : النعم وحشية فقيدوها بالشكر ، وقد روي في خبر : ما عظمت نعمة الله تعالى على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه ، فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال .

حصہ V01/P348–V01/P349

وقد قال الله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد : 11 قيل : لا يغير نعمه عليهم حتى يغيروها بتضييع الشكر فيعاقبهم بالتغيير والوجه الآخر لا يغير ما بهم من عقوبة حتى يغيروا معاصيهم بالتوبة ، فذكر بذلك السبب الأول من حكمه ثم ذكر السبب الثاني من حكمته وهو مسبب الأسباب للحكمة والمشيئة ويقال : إن تحت كل شعرة من جسم العبد نعمة ، وبكل عرق في جسده نعمتان في تسكينه وتحريكه ، وفي كل عظم أربع نعم ، وبكل مفصل سبع نعم ، وفي جسم الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا ، ومثل ذلك من العظام ، وفي كل طرفة نعمتان ، وبكل نفس نعمتان ، وفي كل دقيقة تأتي عليه من عمره نعم لا تحصى ، والدقيقة جزء من اثني عشر جزءا من شعيرة ، والشعيرة جزء من اثني عشر جزءا من ساعة ، والأنفاس أربعة وعشرون ألف نفس في اليوم والليلة ، وفي أخبار موسى عليه السلام : يارب كيف أشكرك ولك في كل شعرة من جسدي نعمتان إن لينت أصلها وإن طمنت رأسها . وقد روينا في الأثر : من لم يعرف نعم الله تعالى عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه ؛ هذا مع سوابغ العوافي والكفايات والوقايات ، ويقال : إن في باطن الجسم من النعم سبعة أضعاف النعم التي في ظاهره ، وإن في القلب من النعم أضعاف ما في الجسم كله من النعم ، وإن نعم الإيمان بالله تعالى والعلم واليقين أضعاف نعم الأجسام والقلوب ؛ فهذه كلها نعم مضاعفة على نعم مترادفة لا يحصيها إلا من أنعم بها ولا يعلمها إلا من خلقها ، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ، سوى نعم المطعم والمشرب والملبس والمنكح من دخول ذلك وخروجه وكثرة تكرره وتزايده بأن أدخل مهناه وأخرج أذاه وبأن طيب مدخله ويسر مخرجه وبقى منفعته وما أحال من صورته وغير من صفته فللتزهيد والذلة والاعتبار والتذكرة ؛ وتلك أيضا نعم ، قال : يقال إن الرغيف لا يستدير حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صنعة من السماء والأرض وما بينهما من الأجسام والأعراض والأفلاك والرياح والليل والنهار وبني آدم وصنائعهم والبهائم ومعادن الأرض ، أولها ميكائيل الذي يكيل الماء من الخزائن فيفرغه على السحاب ثم السحاب التي تحمله فيرسله ثم الرياح التي تحمل السحاب والرعد والبرق والملكان اللذان يسوقان السحاب وآخرها الخباز فإذا استدار رغيفا طلب سبعة آلاف صانع كل صانع أصل من أصول الصنائع ؛ فهذه كلها نعم في حضور رغيف فكيف بمازاد عليه مما وراءه ، فعلى العبد بكل نعمة شكران طولب بشكرنعمة واحدة علي حقيقتها هلك إلا أن تغمده رحمة من ربه فتغمره لتمام النعمة . وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : اللهم إني أسألك تمام النعمة ، فقال : هل تدري ماتمام النعمة ؟ قال : لا ، قال : دخول الجنة وقيل لبعض الحكماء : ما النعيم ؟

حصہ V01/P349–V01/P351

قال : الغني فإني رأيت الفقير لا عيش له ، قيل : زدنا ، قال العافية فإني رأيت السقيم لا عيش له قيل : زدنا قال : الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له ، قيل : زدنا ، قال : الشباب فإني رأيت الهرم لا عيش له ، قيل : زدنا ، قال : لا أجد مزيدا ، وبعض ما ذكره هو أحد الوجوه في قوله تعالى : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) الأحقاف : 20 قيل : الشباب وقيل : الفراغ وقيل الأمن والصحة ، وفي قوله تعالى : ( وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) آل عمران : 152 قيل : العوافي والغنى ، وبمعناه في قوله تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان : 20 قيل : ظاهرة العوافي وباطنة البلاوي لأنه سبب نعيم الآخرة ومزيدها لقوله تعالى : ( ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) البقرة : 155 ، وقد جاء في الخبر : من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وأنشدت في معناه لبعض أهل القناعة : إذا القوت تأتي لك . . . والصحة والأمن وأصبحت أخا حزن . . . فلا فارقك الحزن وأنشد الآخر : كن وفلقة خبز . . . وكوز ماء وأمن ألذ من كل عيش . . . يحويه سحب وسجن وحدثونا أن عابدا عبد الله تعالى سبعين عاما ، فأرسل الله تعالى إليه ملكا يبشره بدخول الجنة برحمة الله تعالى ، فهجس في نفسه بل بعملي فاطلع الله تعالى على ذلك منه فأوحى إلى عرق ساكن من عروقه أن تحرك عليه ، قال : فاضطرب لذلك وقلق وانقطعت عبادته وذهبت أعماله شغلا منه بنفسه وقلق بنفسه ، ثم أوحى الله تعالى إلى العرق أن اسكن فسكن ، فرجع العبد إلى عبادته فأوحى الله تعالى إليه إنما قيمة عبادتك عرق واحد سكن من عروقك فاعترف . وروينا معناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف آخر أن رجلا عبد الله سبعين عاما قال : فيأمر الله عز وجل به إلى الجنة برحمته فيقول : بل بعملي فيقول الله عز وجل : أدخلوا عبدي الجنة بعمله قال : فيمكث في الجنة سبعين عاما فيأمر الله تعالى به أن يخرج ، ويقال له : قد استوفيت ثواب عملك قال : فيسقط في يديه ويندم فينظر أقوى شيء كان في نفسه بينه وبين ربه فإذا هوالرجاء وحسن الظن فيقول : يارب اتركني في الجنة برحمتك لا بعملي قال : فيقول الله عز وجل : دعوا عبدي في جنتي برحمتي ، وحدثت عن رجل شكا إلى بعض أهل المدينة فقره وأ ظهر لذلك غمه فقال له الرجل : أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا ، قال : فيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف قال : لا ، قال : فيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرة آلاف ، قال : لا ، قال : فيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا ، قال : أفما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا وهذا كما قال لأن في الإنسان قيم هذه الأشياء من الجوارح وزيادة من المال لأنها ديات جوارحه لو قطعت . وحدثني بعض الشيوخ في معناه أن بعض القراء المقربين اشتد به الفقر حتى أحزنه وضاق به ذرعا ، قال : فرأى في المنام كأن قائلا يقول له تود أنا أنسيناك سورة الإنعام وأن لك ألف دينار ؟ قال : لا ، قال : فسورة هود ؟

سوالات