Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

حصہ V02/P264–V02/P265

فأما محاسبة الكفار فهذه مسألة اختلف الناس فيها ، فمنهم من ذهب إلى أنهم يحاسبون ، ومنهم من أنكر حسابهم ، وقد اختلف الآثار في ذلك ، فقد جاء في بعضها ما يدل على حسابهم وبه تعلق من قال به ، وجاء في كثير منها ما يدل على أنهم لا يحاسبون ، وبه احتج من أنكر حسابهم ، وإنما يرجع عند الاختلاف إلى كتاب الله تعالى ، ففيه الشفاء وبه الغنى ، فيفصل ما أجمل القائلون ونعدل في القول الشديد فيما تأوله المتأولون ، فنقول : والله أعلم أن الله سبحانه ذكر في كتابه آيتين تدل على مسألة الكفار عن الشرك الذي أدخلوا في التوحيد ، وعن إجابة المرسلين وتكذيبهم قال الله تعالى : ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) القصص : 62 ثم قال في الآية الأخرى : ( ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ) القصص : 65 فنقول أنهم على هذا يسألون عن التوحيد فقط وعن تكذيب المرسلين هاتين الآيتين ، وقال في الآيتين الآخرتين : ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) القصص : 78 وقال في الأخرى : ( فيومئد لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) الرحمن : 39 ثم قال : ( يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) الرحمن : 41 فهذا نص في ترك المسألة على الذنوب والأعمال ، فنقول بهاتين الآيتين : إنهم لا يسألون عن الأعمال ، وإنما يحاسب على العمل من كانت بينه وبينه معاملة ومن ثبتت له حسنات يقع بها ترجيح وموازنة . وقد روينا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى : ( وففوهم إنهم مسؤولون ) الصافات : 42 ، قال عن قول لا إله إلا الله ، وقد رويناه مرفوعا إلى النبي فهذ على معنى ماذكرناه أنهم يسألون عن التوحيد ، فالناس من أهل الجنة والنار يحشرون يوم القيامة على ست طبقات ؛ طائفة تدخل الجنة بغير حساب وهم السابقون المقربون ، وطائفة تدخل الجنة بعد الحساب اليسير وهم خصوص المؤمنين والصالحين ، ومنهم من يدخل بعد الحساب الطويل والمناقشة وهم أصحاب اليمين وعموم المؤمنين وكذلك أهل النار ثلاث طبقات ؛ طائفة تدخل النار بغير سؤال ولا حساب ، عالمان من عبدة الأوثان من ولد يافث بن نوح وهم يأجوج ومأجوج خلق خلقوا للنار ، وطائفة تدخل النار بعد الحساب الطويل والمناقشة ، وهم أهل الكبائر والمنافقون ، وطائفة بسؤال وتوقيف من غير محاسبة على الأعمال وهم ، أمم الأنبياء المرسل إليه م المرسلون لقوله تعالى : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) الأعراف : 6 . وقد روينا في الخبر المشهور : من نوقش الحساب عذب فقيل : يا رسول الله أليس الله تعالى يقول : فسوف يحاسب حسابايسيرا ؟

حصہ V02/P265

فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب ، وقد كان إمامنا سهل بن عبد الله يقول : يسأل الكفار عن التوحيد ولا يسألون عن السنة ، ويسأل المبتدعون عن السنة ، ويسأل المسلمون عن الأعمال ، فأما قوله تعالى : ( إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ) الغاشية : 25 - 26 ففيها وجهان : أحد الوجهين أن يكون هذا كلاما منفصلا عما قبله يراد به المسلمون لأنه ذكر خبر الكفار فختمه بالعذاب ، فقال في أول الكلام : ( إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر ) الغاشية : 23 - 24 هذا آخر خبرهم ، ثم استأنف مخبرا عن غيرهم فقال إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ، والوجه الآخر أن يكون قوله تعالى : ( ثم إن علينا حسابهم ) الغاشية : 25 أي جزاءهم ، فالحساب أيما ذكر للكفار يكون بمعنى المجازاة على أعمالهم السيئة وكذلك قوله تعالى : ( ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) النور : 39 يعني جزاءه ، إلا إن الفراء وغيره من أهل اللسان خالفونا في هذا فاعتبروه بما بعده فجعلوه دليلا على المحاسبة قالوا : احتمل أن يكون قوله فوفاه حسابه أن يكون جزاءه كما قلنا واحتمل أن يريد محاسبته ، فلما قيل : والله سريع الحساب كشف التنزيل التأويل بذلك أن حسابه يعني محاسبته ، وكذلك قال الزجاج في تأويل ما ذكرناه آنفا من قوله : ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) القصص : 78 فقال معناه لا يسألون لتوجه من قبلهم أو ليرجع إليه م من علم ذلك وسبقه عليهم ، أي قد فرغ الله عز وجل من ذلك فأحكمه بما سبق من علمه ، وواطأه مقاتل بن سليمان على هذا التأويل باختلاف معنى بمعنى صنعته التفسير ، لأنه لم يكن له في اللغة تمكين ، فقال : معنى ذلك : ولا يسأل هؤلاء المجرمون عن ذنوب السالفين ؛ فجعل الهاء والميم على من تقدم ذكره من قارون وأصحابه والقرون السالفة ، لأن ذكرهم كان سياق هذا الخطاب في قوله تعالى : ( أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ) القصص : 78 ، ثم قال : ولايسأل عن ذنوبهم ؛ يعني هؤلاء المجرمون ؛ يعني مشركي هذه الأمة ، وقال أيضا هو وغيره : إن الكفار سألوا فقالوا : ترى ماذا فعل الله تعالى بالقرون الأولى الذين يقص علينا نبأهم ؟ قال : فنزلت هذه الآية فهي بمنزلة قول فرعون ، قال : فما بال القرون الأولى ؟ فقال موسى عليه السلام : علمها عند ربي ، إلا أن الله عز وجل قد قال في ذكر الحساب بمعنى الجزاء دعطاء حسابا يعني مجازاة ، وقيل : كفاية بمعنى كفاهم وأحسبهم ذلك ، كما قال تعالى : ( حسبهم جهنم ) المجادلة : 8 ، أي كافيهم ذلك .

حصہ V02/P265–V02/P266

الفصل الثامن والثلاثون في الإخلاص وشرح النيات والأمر بتحسينها في تصرف الأحوال والتحذير من دخول الآفات عليها في الأفعال

حصہ V02/P266–V02/P267

: قال الله الكبير المتعال : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) البينة : 5 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يغل عليهن قلب رجل مسلم : إخلاص العمل لله تعالى ، وقال : إنما الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى ، وقد روينا في الحديث من طريق أهل البيت عليهم السلام : لايقبل الله تعالى قولا إلا بعمل ولا قولا وعملا إلا بنية ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى والورع عما حرم الله تعالى وصدق النية فيما عند الله عز رجل ، فينبغي أن يكون للعبد في كل شيء نية حتى في مطعمه ومشربه وملبسه ونومه ونكاحه ؛ فإن ذلك كله من أعماله التي يسأل عنها ؛ فإن كانت لله تعالى وفيه كانت في ميزان حسناته ، وإن كانت في سبيل الهوى ولغير المولى كانت في ميزان سيئاته ، إذ لكل عبد ما نوى وإن كان ذلك غفلة وسهوا من غير نية ولا عقد طوبة ولا حسبة ، لم يكن له في ذلك شيء ، ولم يجد عمله في الآخرة شيئا ، وكان فيه لا له ولا عليه ، وكان ذلك في الدنيا على مثال الأنعام التي تتصرف عن غير مقول ولا تكليف ولكن بإلهام وتوفيق ، وأخاف أن يدخل في وصف من قال الله تعالى : ( أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 ، أي غفلة وسهوا ، وقيل : تفريطا وتضييعا ، وقيل : مقدما إلى الهلاك ، فالنية الصالحة هي أول العمل الصالح وأول العطاء من الله تعالى وهو مكان الجزاء ، وإنما يكون للعبد من ثواب الأعمال على حسب ما يهب الله تعالى له من النيات ، فربما اتفق في العمل الواحد نيات كثيرة على مقدار ما يحتمل العبد من النية ، وعلى مقدار علم العامل ، فيكون له بكل نية حسنة ، ثم يضاعف كل حسنة عشر أمثالها ، لأنها أعمال تجتمع في عمل ، وصورة النية معنيان ، أحدهما : صحة قصد القلب إلى العمل بحسن التيقظ فيه والإخلاص به لوجه الله تعالى ابتغاء ما عنده من الأجر ، فكل عمل كان على علم بهذه النية فهو صالح متقبل بفضل الله تعالى وبرحمته ، لأن صاحبه قد اتقى الشرك والجهل والهوى ، فعمله مرفوع في الخزائن مدخر له الجزاء وحقيقة الإخلاص سلامته من وصفين ؛ وهما : الرياء والهوى ، ليكون خالصا كماوصف الله تعالى الخالص من اللبن ، فكان بذلك تمام النعمة علينا ، فقال : ( من بين فرث ودم لبنا خالصا ) النحل : 66 ، فلو وجد فيه أحد الوصفين من فرث أو دم لم يكن خالصا ، ولم تتم النعمة به علينا ولم تقبله نفوسنا ، فكذلك معاملتنا لله عز وجل إذا شابها رياء بخلق أو هوى من شهوة نفس ، ولم تكن خالصة لم يتم بها الصدق والأدب في المعاملة ولم يقبلها الله تعالى منا فاعتبروا . وروينا عن سعيد بن أبي بردة عن كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري : أنه من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس ، ومن تزين للناس بما يعلم الله تعالى منه غير ذلك شانه الله تعالى ، فما ظنك ؟

حصہ V02/P267–V02/P268

وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزير : اعلم يا عمر أن الله تعالى عون للعبد بقدر النية ، فمن تمت نيته تم عون الله تعالى إياه ، ومن قصرت عنه نيته قصر عنه من عون الله تعالى بقدر ذلك ، وقد قال الله تعالى في تصديق ذلك : ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) النساء : 35 ، فجعل سبب التوفيق إرادة الإصلاح ؛ فذلك هو أول التوفيق من الموفق المصلح للعامل الصالح ، وقال بعض السلف : رأيت الخير إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيرا وإن لم ينصب رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبر تصغره النية ، وكتب بعض الأدباء إلى أخيه : أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل ، وقال داود الطائي : من أكبر همه التقوى لو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته نيته يوما إلى نية صالحة ، فكذلك الجاهل بالله تعالى وأيامه همه الدنيا والهوى ، ولو تعلقت جوارحه بكل أعمال الصالحات لكان مرجوعا إلى إرادة الدنيا وموافقة الهوى ، لأن سرها كان همه النفس لعاجل عرض الدنيا ، وقال محمد بن الحسين : ينبغي للرجل أن تكون نيته بين يدي عمله ، وقال أيوب السجستاني وغيره : تخلص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال ، وقال الثوري : كانوا يتعلمون النية للعمل كما يتعلمون العلم ، وقال بعض العلماء : طلب النية للعمل قبل العمل وما دمت تنوي الخير فأنت بخير ، وقال زيد بن أسلم : خصلتان هما كمال أمرك تصبح ولا تهيم لله تعالى بمعصية وتمسي ولا تهيم لله تعالى بمعصية ، وكذلك قال بعض السلف في معناه : إن نعمة الله تعالى أكثر من أن تحصوها وإن ذنوبكم أخفى من أن تعلموها ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين يغفر لكم ما بين ذلك . وروينا في الخبر عن بعض المريدين : أنه كان يطوف على العلماء يقول : من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى فإني أحب أن لاتجيء علي ساعة من ليل أو نهار إلا وأنا عامل من عمال الله تعالى ، فقيل له : قد وجدت صاحبك اعمل الخير ما استطعت ، فإذا أقترت أو تركته فهم بعمله ، فإن الهام بعمل الخير كعامله . وروينا عن عيسى عليه الصلاة والسلام : طوبى لعين نامت ولا تهم بمعصية وانتهت إلى غير إثم . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ، ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة ، وقد جاء في الخبر المشهور نية المرء خير من عمله .

حصہ V02/P268

تفسير قوله نية المرء خير من عمله

حصہ V02/P268–V02/P269

فيه عشرة أوجه ؛ قيل : إن النية سر وأعمال السر تضاعف ، وقيل : لأنها غيب لا يطلع عليها غير الله تعالى ، والظواهر مشتركة ، وأيضا فإن الله عز وجل يهبها للعبد خالصة لا يشوبها شيء إذا وهبها ، ولا يدخل عليها الآفات ؛ فهذا عطاء مهيأ وسائر الأعمال مدخر له ، وأيضا لأنها من شرط العمل حتى لا يصح عمل إلا بها وهي تصح بمجردها ، وكان عبد الرحيم بن يحىى الأسود يقول : معنى قوله نية المرء خير من عمله يعني إخلاصه في العمل خير من العمل ، قال : فالإخلاص بغير عمل خير من عمل غير مخلص والنية عنده : هو الإخلاص نفسه ، وعند غيره : هو الصدق في الحال باستواء السريرة والعلانية ، وقد قال الجنيد رحمه الله تعالى في الفرق بين الإخلاص والصدق معنى لطيفا لم يفسره ويحتاج إلى تفسير ، حدثنا بعض الأشياخ عنه قال : شهد جماعة على رجل بشهادة فلم تضره وكانوا مخلصين ، ولو كانوا صادقين لعوقب ؛ يعني أن صدقهم أن لا يعملوا عمله أومثل عمله الذي شهدوا به عليه ؛ فهذا صدق الحال ، وهو حقيقة النية وإخلاصها عند المحققين ، وقد قيل في معنى قوله : نية المرء خير من عمله لأن نية المؤمن دائمة متصلة ، والأعمال منقطعة ، وبالنية خلد أهل التوحيد في الجنة ، وخلد أهل الشرك في النار لدوام نياتهم على التوحيد ودوام نيات الآخرين على الشرك مدة الدهر ؛ فهذه المعاني كلها على هذا الوجه الذي يقول فيه : إن معناه أن النية خير من العمل ، وفيه وجه آخر يكون الكلام فيه على التقديم والتأخير أي نية المؤمن هي من عمله خير ، كأنه قال : هي بعض أعماله الخير ، فهذا كقوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) البقرة : 160 ، معناه نأت منها بخير ، وكما قال : ( يسألونك كأنك حفي عنها ) الأعراف : 781 ، معناه : يسألونك عنها كأنك حفي بهم ، فآخر قوله عنها ومعناه التقديم فيكون هذا على التأويل أن النية من أعمال القلوب ، وأنها من أعمال العبد خير كثير ، وهذه الأقوال كلها صحيحة وهي موجودة في النية ففضلت النية العمل ، لأن هذه المعاني من صفتها ، وقال بعض التابعين : قلوب الأبرار تغلي بالبر وقلوب الفجار تغلي بالفجور والله تعالى مطلع على نياتهم فيثيبهم بقدر ذلك فانظر ما همك وما نيتك . وروينا عن الله سبحانه وتعالى في بعض الكتب أنه قال : ليس كل كلام الحكيم أتقبل ، ولكني أنظر إلى همه وهواه ، فمن كان همه وهواه لي جعلت صمته ذكرا ونظره عبرا ؛ وهذا داخل في عموم الخبرالذي رويناه عن نبيناصلى الله عليه وسلم : أن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، وسئل سفيان الثوري : هل يؤاخذ العبد بالنية ؟

حصہ V02/P269–V02/P270

قال : نعم إذا كانت عزما أخذ بها ، وفي الخبر : أن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد بها الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول : ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بذلك وجهي ، ثم ينادي الملائكة : اكتبوا له كذا واكتبوا له كذا ، فيقولون : ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك ، فيقال إنه نواه ، وفي حديث أبي كبشة الأنماري : الناس أربعة : رجل آتاه الله عز وجل ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله ، فيقول رجل : لو آتاني الله تعالى ما آتاه لعملت كما يعمل ؛ فهما في الخير سواء ، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول رجل : لو آتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل ؛ فهما في الوزر سواء ، ألا ترى كيف شركه بحسن النية في محاسن عمله وشرك الآخر بسوء النية بنيته في مساوئ عمله ؟ وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال : إن بالمدينة أقواما ، ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا نصبنا نصبا ولا أصابتنا مخمصة ، إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة ، قالوا : وكيف ذلك يارسول الله وليسوا معنا ؟ قال : حبسهم العذر فشركونا بحسن النية . وقال بعض السلف : صلاح الأعمال وفسادها بصلاح النيات وفسادها ، وكان مطرف يقول : صلاح عمل بصلاح قلب ، وصلاح قلب بصلاح نية ، ومن صفا صفي له ، ومن خلط خلط عليه ، وكذلك جاء في الخبر وهو أصل من أصول الدين قولهصلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوج بها فهجرته إلى ما هاجر إليه فأخبر أن لا عمل إلا بالنية ، ثم جعل لكل عبد نية ثم رد طالبي الدنيا والأزواج إلى نياتهم ، وحكم عليهم بها ، وجعلها نصيبهم من الله تعالى ، وفق ذلك لهم أو لم يوفقه ، فبطلت هجرتهم بفساد نياتهم وصارت همتهم بدنياهم وهواهم سبب حرمان ثواب المخلصين لله بحسن نياتهم ، وطلب آخرتهم ؛ وكان ذلك في الآخرة حسرة عليهم في الدنيا وشيئا لهم . وفي حديث ابن مسعود : من هاجر يبتغي شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوج امرأة منا فكان يسمى مهاجر أم قيس ، وقال أبو داود : هذا الحديث ربع العلم ، وذلك أنه قال : جمعت السنن الصحاح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أربعة آلاف حديث ، ثم قال : قد أمررتها على أربعة أحاديث ؛ كل حديث ربع العلم ، قال : وهذا الحديث أولها ، وإنما قال ذلك لأنه فرض الفروض لا يتم فرض إلا به ، وكذلك جاء في الخبر : أن رجلا قتل في سبيل الله عز وجل فكان يدعى قتيل الحمار ، وذلك أنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته ، وفي حديث أبي عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم : من غزا وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى ، وقال : إني استعنت رجلا يغزو معي ، فقال : لا حتى تجعل لي جعلا : فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ليس له من ديناه وآخرته إلا ما جعلت له .

حصہ V02/P270–V02/P271

وروينا في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه : لو كان لي هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس ، قال : فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن قل له : إن الله تعالى قد قبل صدقتك وقد شكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به ، وفي أخبار كثيرة : من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، وفي حديث عبد الله بن عمر : من تكن الدنيا نيته جعل الله فقره بين عينيه وفارقها أرغب مايكون فيها ، ومن تكن الآخرة نيته جعل لله غناه في قلبه وجمع عليه ضيعته وفارقها أزهد ما يكون فيها ، وحديث أم سلمة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم جيشا يخسف بهم في البيداء فقلت : يا رسول الله يكون فيهم المكره والأجير ، فقال : يحشرون على نياتهم ، وفي حديث عمر مثله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما يقتتل المقتتلون على النيات ، وفي حديث فضالة : من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها ، وكذلك قال في الخبر : إذا التقى الصفات نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا ، فلان يقاتل عصبية إلا فلانا يقولون قتل فلان في سبيل الله فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى . وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يبعث كل عبد على ما مات عليه ، وفي حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : لأنه أراد قتل صاحبه ، والنية عند قوم الإخلاص بعينه ، وعند آخرين الصدق ، وعند الجملة أنها صحة العقد وحسن القصد ، وهي عند الجماعة من أعمال القلوب مقدمة في الأعمال وأول كل عمل ، وقد قال الله تعالى : ( واذكروا الله ذكرا كثيرا ) الأحزاب : 41 قيل : في التفسير خالصا فسمي الخالص كثيرا ، وهو ما خلصت فيه النية لوجه الله تعالى ، ووصف ذكر المنافقين بالقلة فقال : ( يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) النساء : 142 يعني غير خالص ، وسميت سورة : ( قل هو الله أحد ) سورة الإخلاص لأنها خالصة في ذكر صفات الله تعالى وحده ، لا يختلط بذكره جنة ولا نار ولا وعد ولا وعيد ولا أمر ولانهي و كذلك قيل سورة التوحيد إذ لا شريك فيها من سواه فأول سلطان العدو على القلب عند فساد النية فإذا تغيرت من العبد طمع فيه فيتسلط عليه وأول ارتداد العبد عن الاستقامة ضعف النية ، فإذا ضعفت النية قويت النفس فتمكن الهوى ، فإذا قويت النية صح العزم وضعفت صفات النفس ، ولأنه ينتقل العبد من معصية إلى معصية دونها فيكون تاركا للأولى بنية الترك لله تعالى كان أنفع له وأحمد عاقبة وأصلح لقلبه وأقرب إلى توبته من افتعال الطاعات مشوبة بالهوى وفساد النيات ، لأنه يكون حينئذ متقلبا في المعاصي بفساد نيته ، وخالط عملا سيئا بسيء مثله ، ودرأ بالسيئة لسيئة قبلها ، وهذا بخلاف وصف الله تعالى من قوله : ( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) التوبة : 102 وقوله : ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) الرعد : 22 ، ومخالف لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : اتبع السيئة الحسنة تمحها ، وفي حديث أبي هريرة : من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان ، ومن أدان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق ، وفي حديث ابن مسعود ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء فقال : إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش ، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته ، وقال ثابت البناني : نية المؤمن أبلغ من عمله ، إن المؤمن ينوي أن يصوم النهار ويقوم الليل ويخرج من ماله فلا تتابعه نفسه على ذلك فنيته أبلغ من عمله ، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل القلب بالملك والجوارح جنوده ، قال : فإذا صلح القلب صلح الجسد ، وإذا فسد فسد الجسد ؛ معناه إذا صلحت للعبد نيته دامت للعبد استقامته ، وإذا خلص وصفا من شوب الكدر والهوى خلصت الأعمال من الرياء وصفت من الشهوات والأهواء ، وإذا فسدت نيته بحب الدنيا فسدت أعمال الجوارح بحب المدح والرياء .

حصہ V02/P271–V02/P272

وقد حدثونا في الإسرائيليات أن عابدا عبد الله تعالى دهرا طويلا فجاءه قوم فقالوا : إن ههنا قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى ، فغضب لذلك ، فأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها ، فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال : أين تريد رحمك الله ؟ قال : أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله ، قال : وما أنت وذاك ؟ تركت عبادتك والاشتغال بنفسك وتفرغت لغير ذلك ؟ فقال : إن هذا من عبادتي ، فقال له : إني لا أتركك تقطعها ، قال : فقاتله فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض وقعد على صدره ، فقال له إبليس : أطلقني حتى أكلمك ، فقام عنه فقال له إبليس : يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك ، أنبي أنت ؟ قال : لا ، قال : فلا عليك ممن كان يعبدها ، فلو اشتغلت بعبادتك وتركتها فإن لله تعالى في أرضه أنبياء لو شاء بعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها فقال العابد : لا بد لي من قطعها ، قال : فنابذه إبليس للقتال فغلبه العابد فأخذه وصرعه وقعد على صدره ، فلما رأى إبليس أنه لا طاقة له به ولاسلطان له عليه قال : يا هذا هل لك في أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع من هذا الأمر الذي جئت تطلبه قال : وما هو ؟ قال : قم عني أخبرك به ، فأطلقه العابد فقال له إبليس : أنت رجل فقير لا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك ، ولعلك تحب أن تفضل على إخوانك ، وتواسي جيرانك ، وتتسع في حالك وتستغني عن الناس ، قال : نعم ، قال : فارجع عن هذا الأمر الذي جئت فيه ولك علي أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين ، فإذا أصبحت أخذتهما فصنعت بهما ما شئت ، وأنفقت على نفسك وعيالك وتصدقت على إخوانك ، فيكون لك أفضل من ذلك وأنفع للمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانه ، ولا يضرهم قطعها شيئا ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك لها ، قال : فتفكر العابد فيما قال له وقال : صدق الشيخ ، لست بني فيلزمني قطع هذه الشجرة ولا أمرني الله تعالى أن أقطعها فأكون قد عصيت بتركها ، وإنما هو شيء تفضلت به ، وماذا يضرالموحدين من بقائها وهذا الذي ذكره أكثرمنفعة لعموم الناس ، قال : فعاهده على الوفاء بذلك وحلف له فرجع العابد إلى متعبده فبات ليلته فأصبح فإذا ديناران عند رأسه فأخذهما ، ثم كذلك الغد ، ثم أصبح اليوم الثالث فلم ير شيئا ، ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد فغضب وأخذ فأسه على عاتقه وخرج يؤم الشجرة ليقطعها وقال : إن فاتني أمر الدنيا لا أتركن أمر الآخرة ، قال : فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال : أين تريد ؟ قال : أقطع تلك الشجرة ، قال : كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك إليه ا ، قال : فتناوله العابد ليأخذه كما فعل أول مرة فقال : هيهات قال : فأخذه إبليس فصرعه فإذا هو كالعصفور بين يديه ، قال : وقعد إبليس على صدره وقال : لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك ، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به ، قال : يا هذا قد غلبتني فحل عني وأخبرني عنك كيف قد غلبتك أول مرة فصرعتك والآن غلبتني فصرعتني ؟ فكيف ذلك ؟

حصہ V02/P272–V02/P273

قال له إبليس : لأنك أول مرة غضبت لله تعالى وكانت نيتك الآخرة فسخرني الله لك فغلبتني ، وهذه المرة جئت مغاضبا لنفسك وكانت نيتك الدنيا فسلطني الله تعالى عليك فصرعتك ، وهكذا حدثونا في قصة تطول أن ملكة من بني إسرائيل راودت عابدا عن نفسه فقال : اجعلوا لي ماء في الخلاء أتنظف ، قال ، ثم صعد على موضع في القصر فرمى بنفسه فأوحى الله عز وجل إلى ملك الهوى : الزم عبدي قال : فلزمه حتى وضعه بالأرض على قدميه رويدا ، فقيل لإبليس : ألا أغويته ؟ فقال : ليس لي سلطان على من خالف هواه وبذل نفسه لله تعالى . وفي حديث معاذ بن جبل أن العبد يوم القيامة ليسأل عن كل شيء حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بأصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه ، وروينا في خبر مقطوع من تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ، ومن تطيب لغير الله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة ، وليس الطيب من أكبر المأمور به ولا من الإثم المنهى عنه ، وإنما لصاحبه منه نيته ، فإن كان نيته اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار النعمة لله تعالى ، كان بذلك مطيعا وكان له ثواب ما نواه ، وإن تطيب لغير ذلك كان به عاصيا لاتباعه هواه . وعن بعض السلف الصالح قال : كتبت كتابا وأردت أن أتربه في منزل جاري فتحرجت من ذلك ثم قلت : تراب وما تراب ؟ فترتبه فهتف بي هاتف سيعلم من استخف بتراب ما يلقى غدا من سوء الحساب ، وقال بعض العلماء : إن لأستحب أن يكون لي في لك شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي ، وحدثت أن رجلا صلى مع سفيان صلاة العيد وكان قد خرج معه بغلس ، فلما أصبح نظر وإذ إزار سفيان مقلوب فقال له : يا أبا محمد قد لبست ثوبك مقلوبا فأصلحه قال : فمد سفيان يده ليسوي إزاره ثم قبضها فلم يسوه فقا له الرجل : ما منعك أن تسويه عليك ؟ قال : إني لبسته لله عز وجل فلا أريد أن أسويه لغير ذلك ونادى رجل امرأته وكان فوق سطح يسرح شعره فقال : هاتي المدري ليفرق به شعره فقالت امرأته : وأجيء بالمرآة فسكت هنية ثم قال : نعم ، فقال له من سمعه لأي شيء سكت عن المرآة ؟ فقال له : إني قلت لها : هاتي المدري بينة ، فلما قالت والمرآة ؟ فلم يكن لي في لمرآة نية ، فتوفقت حتى هيأ الله لي نية فقلت نعم جيئي بها . وحدثونا عن بعض أصحاب بشر أن فتحا الموصلي دخل عليه فقام له بشر ، قال : وما رأيته قام لغيره ، فقمت فأجلسني ، فلما انصرف قلت له : قمت أنت إليه فلما قمت أنا أجلستني ، فقال : أنا قمت إليه لأجل الله تعالى وأنت قمت لأجلي فأجلستك ، وحدثونا أن بعض الفقراء كان يصحب أبا سعيد الخراز فكان يخف بين يديه في حوائجه ، ويخدم الفقراء ، ويسارع في قضاء حوائج أبي سعيد وأصحابه ، قال : فتكلم أبو سعيد يوما في إخلاص الحركة فوقر ذلك قي قلب الشاب فكأنه أخذ الإخلاص التفقد لحركته وخدمته فترك ما كان يعمله من قضاء حوائج أبي سعيد في الخفة بين يدي إخوانه حتى أضر ذلك بأبي سعيد فقال له : يا بني قد كنت تسعى في حوائج إخوانك ثم قطعت ذلك فما السبب ؟

حصہ V02/P273–V02/P274

فقال يا أستاذ إنك تكلمت في الإخلاص وأني خشيت أن تكون أفعالي مدخولة فتركتها ، قال أبو سعيد : لا تغفل إن الإخلاص لايقطع المعاملة ولا ينبغي للعاقل أن يترك العمل لأجل الإخلاص فيفوته الإخلاص والعمل ، ولم أقل لك : اترك ما أنت عليه إنما قلت لك : أخلص فيه فإن طلبك للإخلاص قد قطعك عن عمل البر وقد أضر ذلك بنا فارجع إلى ما كنت فيه وأخلص فيه لله تعالى ، فينبغي للعبد أن يكون له نية خالصة في جميع تصرفه في حركته وسكونه وسعيه وتركه ، فإن الحركة والسكون اللذين هما أصلا الأعمال من أعماله التي يسأل عنها فيحتاج إلى النية والإخلاص فيهما ، فليجعل جميع ذلك لله تعالى وفيه بعقد واحد على مراتب من المقامات عنده ، إما حبا له وإجلالا له ، وإما خوفا منه أو رجاء له ، أو لأجل ما أمره به ، فينوي أداء الفرائض ، أو لما ندبه فينوي المسارعة إلى الخير ، وفيما أبيح له فتكون نيته في ذلك صلاحا لقلبه ، وإسكان نفسه ، واستقامة حاله ، وذلك كله لأجل الدين وعدة الآخرة ، وشكرا لربه تعالى ، ودخولا فيما أحل له ، واعترافا بما أنعم عليه ، واتباعا لسنة نبيه فيه ولا يكون واقفا مع طبع ولا جاريا على العادة ، وقال أبو عبدة بن عقبة : من سره أن يكمل عمله فليحسن نيته ، فإن الله عز وجل يأجرالعبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة ، فأحسن تفسير النية بما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإحسان فقال : تعبد الله كأنك تراه فهذه شهادة العارفين ومعرفة الموقنين ، فهم مخلصو المخلصين ، وقال ابن المبارك : رب عمل صغير تعظمه النية ، وقال بعضهم : القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من حركات الأعمال بالصلاة والصيام ونحوه ، وقال الأنطاكي : إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح ، وروي عن علي عليه السلام : من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه ، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة ، وقال داود الطائي : رأيت الخير كله يجمعه حسن النية فكفاك به خيرا ، وإن لم ينصب ، وروي عن الحسن في تفسير قوله تعالى : ( وآتيناه أجره في الدنيا ) العنكبوت : 27 ، قال : نيته الصادقة اكتسب بها الأجر في الآخرة . وروي عن عبد الرحمن بن مربح قال : من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا الله عز وجل ، ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك أعطاه الله عز وجل بالأصل ، ووضع عنه الفرع ، ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد إلا المراءاة ثم فكر وبدا له فجعل آخر ذلك لله عز وجل أعطاه الله تعالى بالفرع ووضع عنه الأصل ، كأنه حسب ذلك توبة ؛ والتوبة مكفرة لماسلف والله أعلم ، وقد تلتبس الفضائل بالمناقص لدقة معانيها وخفي علومها كصلاة العبد النفل وهو يحسب أنه الأوجب ، من ذلك أن رجلا كان يصلي فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله تعالى بالغيب أفضل له ، فلما سلم جاءه فقال له صلى الله عليه وسلم : ما منعك أن تجيبني حين دعوتك ؟ فقال : كنت أصلي ، فقال : ألم تسمع قول الله تعالى : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 ؟

حصہ V02/P274–V02/P275

فكان إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل له ، لأن صلاته نافلة وإجابة الرسولصلى الله عليه وسلم فرض عليه ، قال بعضهم : من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع ، ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به ، وقال سفيان : إنماحرموا الوصول بتضييع الأصول : فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه ، ثم وقوفه على حده ، ثم إحكامه لحاله التي أقيم فيها ، ثم قيامه بعلمه الذي فتح له ، فيبتدئ العمل بما افترض عليه بعد اجتنابه مانهى عنه مبلغ علمه ووسع وجده ، لا يشتغل بطلب فضل حتى يحكم عمل فرض ، لأن الفضل ربح لا يصح إلا بعد رأس المال ، ولكل فضل آفة قاطعة ، فمن سلم منها حاز فضله ، ولكل أمر نفيس مؤونة ثقيلة ، فمن تحملها أدرك نفيسها ، ومن تعذرت عليه السلامة فهيهات أن يصير إلى فضل كرامة ، ومن لم يصبر على تحمل غرامة لم يدرك علو مقامه ، وقد يلتبس التكلف بالإخلاص وإظهار العلم بظهور التزين به ، قال الثوري رحمه الله : زين نفسك بالعلم لولا تزين به ؛ أي أدبها لله عز وجل فتكون زينا في أوليائه ، ولا تتزين به عند الناس ليمدحوك عليه ويلتبس الاختبار بالاختيار ما كان عن حاجة وتطرقت به إلى الله عز وجل ، والاختيار ما زاد في الشهوة وكان سلما إلى الخلق كالتباس ستر العورة من الثياب بالفاخر منها للنعمة والتكثر من الأسباب ، و وقد يتطوع العبد بعمل يضيع به فرضا وأحكام الفرض لجواز السلامة هو الفضل . وقد روي : إذا دعي أحدكم للطعام فإن كان مفطرا فليجب وإن كن صائما فليقل إني صائم ، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل ، ولكن إظهار عمله من حيث لا يؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل العمال على الأعمال ، إذ الأعمال موقوفة على العامل ، فإنما يعطي الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء عز وجل على غيره في العمل لواحد ، فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له : ارفع التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك ؛ فهو خير من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك ، لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه ولم تعتذر إليه عذرا بينا يقبله منك ويعرفه شق عليه ذلك إن كان صادقا في دعائك ، قال ابن شبرمة : سأل كرز بن وبرة ربه عز وجل أن يعطيه الاسم الأعظم على أن لا يسأله شيئا من أمر الدنيا ، فأعطاه الله تعالى ذلك فسأل أن يقوي أن يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات ، فقيل لكرز : أتعبت نفسك في العبادة ، فقال : كم مقدار الدنيا قيل سبعة آلاف سنة ؟ قال : أما يرضى عبد أن يعمل سبعة آلاف سنة وينجو من يوم مقداره خمسين ألف سنة ؟ وقال سري السقطي : ركعتان تخلصهماخير لك من أن تكتب سبعين حديثا أو قال سبعمائة حديث .

حصہ V02/P275–V02/P276

الفصل التاسع والثلاثون في ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة الأوقات

حصہ V02/P276–V02/P277

أما الأقوات فقد كان بعض السلف ينقص منها حتى يرد النفس إلى أقل قوامها ، ، فمن أراد هذا الطريق فلينقص في كل أكلة ربع سبع رغيف فيكون تاركا لرغيف في شهر برياضة وتمهل ، فلا يؤثر النقصان عليه شيئا حتى تقف النفس على الأكل في ثلث بطنها وهو ثلث أكله المعتاد ، وهذا طريق المريدين ، ومن العلماء من لم يكن يعرض للأقوات ولكن يعمل في زيادة الأوقات فيؤخر أكله وقتا بعد وقت حتى ينتهي إلى أكثر طاقة النفس لحمل الجوع بضعف الجسم عن الفرض أو خشية اضطراب العقل ، فمن أراد هذا الطريق أخر فطره كل ليلة إلى نصف سبع الليل حتى يكون قد طوى ليلة في نصف شهر ؛ وهذا طريق من أراد الطي السبع والعشر والخمس عشرة يوما إلى الأربعين ، لأنه يعمل في تجوعه على مزيد الأيام ولا يعمل في نقصان الطعام فلا يؤثر ذلك نقصا في عقله ولا ضعفا عن أداء الفرائض ، إذا كان على صحة قصد وحسن نية وصدق عقد ، فإنه يعان على ذلك ويحفظ فيه ويكون طعمه إذا أكل عند كل وقت يزيد فيه النقص ضرورة عن غيرتعمل لنقصانه ، لأن معاه تضيق لا محالة ، فكلما زاد جوعه نقص أكله على هذا إلى أن ينتهي في الجوع ، وينتهي في قلة الطعم ، ولا ينال فضيلة الجوع التي وردت به الأخبار إلا بالطي ، ومن الناس من يقول : حد الجوع الأول من الوقت إلى مثله كالغد أربعة وعشرون ساعة ، وحده الآخر اثنان وسبعون ساعة ؛ فهذا حد الجوع من الأوقات فأما حده في الأقوات فكان بعضهم يقول : حد الجوع أن لا تطلب نفسك الأدم ، فمتى طلبت نفسك الأدم مع الخبز فلست جائعا ؛ فهذا حد الأول ، وقيل : حده الجوع أن تطلب الخبز فلا تميز بينه وبين غيره ، فمتى تاقت النفس إلى الخبز بعينه فليست بجائعة لأن لها شهوة في التخير ، ومتى لم تميز بين خبز وغيره من مأكول ؛ فهذا حد الجوع وهو الفاقة والحاجة إلى الطعام الذي جعله الله تبارك وتعالى غذاء للأجسام ؛ وهذا يكون في آخر الحدين من الأوقات بعد الثلاث إلى خمس وسبع ، ويكون طلب العبد عند هذا الجوع القوام من العيش والضرورة من القوت وهو ما سد الجوعة وأعان على أداء الفريضة ؛ وهذا حال الصديقين وقد سمعت بعض هذه الطائفة يقول : حد الجوع أن يبزق العبد ، فإذا لم يقع على بزاقه ذباب فقد خلت معدته من الطعام يريد أن بزاقه قد خلا من الدسومة والدهنية وصار صافيا مثل الماء فلا يسقط عليه الذباب مع نطق حاسته التي ركبت فيه وخفي إدراكه لما يقع عليه ، فأما أكل العادات والتنقل في الشهوات والأكل حتى يشبع ، فهذا عند العلماء مكروه ، وأهله عندهم بمنزلة البهائم وأما الأكل على شبع والامتلاء حتى يتخم فهذا فسق عند العلماء وقد قاله لي بعض العارفين .

حصہ V02/P277–V02/P278

وروينا أنه قيل لأبي بكر : إن ابنك أكل البارحة حتى بشم ، فقال : لو مات ما صليت عليه ، فأما الصوم فليس هو عندهم الجوع المقصود لإسكان النفس وإخماد الطبع لأن الصوم يصير عادة ويرجع الصائم إلى قوة طبعه إذا أفطر ، فأما إذا كان يصوم ويفطر على الشهوت ويمتلئ من الأكل فإن صوم هذا لا يزيده إلا قوة طبع وظهور نفس ، وتفتق عليه الشهوات ، ويدخل عليه الفتور عن الطاعات ، ويجلب عليه الكسل والسبات ، وربما قوي طبعه جملة واحدة فظهرت عليه نفسه بقوة مجملة إلا إنه لا يجري في نهاره إلا فيما أجريت عادته عليه وجعل حاله فيه من أبواب الدنيا والتنقل في الهوى ، وإن كان ظاهر حاله أسباب الآخرة عنده لقصور علمه ، فإن شهودها دنيا ، فالتقلل وأخذ البلغة من القوت في الأوقات مع الإفطار أصلح لقلب هذا ، وأدوم لعمله ، وأبلغ في آخرته من مثل هذا الصوم ، لأن هذا الذي وصفناه هو صوم أبناء الدنيا المترفين ليس بصوم أهل الآخرة الزاهدين ولكن بالتقلل والطي وترك الشهوات واجتناب الشبهات تنكسر النفس وتذل ، ويخمد الطبع ، وتضعف الصفة عن العادة ، وتقوي إرادة الآخرة ، ويعمل المريد في سعيها وتخرج حلاوة الدنيا من القلب فيصير العبد مع التجوع والطي وترك النزهات كأنه زاهد . وروينا في حديث أسامة بن زيد وأبي يزيد الطويل اختصرته : إن أقرب الناس من الله عز وجل يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا ، الأحفياء الأتقياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا ، تعرفهم بقاع الأرض وتحف بهم ملائكة السماء ، نعم الناس بالدنيا ونعموا بطاعة الله عز وجل ، افترش الناس الفرش وافترشوا الجباه والركب ، ضيع الناس فعل النبيين وأخلاقهم وحفظوهم ، تبكي الأرض إذا فقدتهم ويسخط الله تعالى على كل بلدة ليس فيها منهم ، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف ، أكلوا الفلق ولبسوا الخرق ، شعثا غبرا ، يراهم الناس يظنون أن بهم داء ، يقال : قد خولطوا وقد ذهبت عقولهم ، ولكن نظر القوم بقلوبهم إلى أن ذهبت الدنيا عنهم ، فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول ، عقلوا حيث ذهبت عقول الناس ، لهم الشرف في الآخرة ، يا أسامة إذا رأيتهم في بلدة فاعلم أنهم أمان لتلك البلدة ، لا يعذب الله عز وجل قوما هم فيهم ، الأرض بهم رحيمة ، والجبار عنهم راض ، اتخذهم لنفسك أخدانا عسى أن تنجو بهم ، وإن استطعت أن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن فإنك تدرك بذلك شرف المنازل وتحل مع النبيين ، وتفرح بقدوم روحك الملائكة ، ويصلي عليك الجبار عز وجل ، وممن اشتهر بالطي وكثر النقل عنه بذلك الخمس عشرة يوما إلى عشرين إلى شهر ، جماعة من العلماء يكثر عددهم ؛ منهم : ابن عمرو العوفي ، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ، وإبراهيم التميمي ، وحجاج بن قرافصة ، وحفص بن العابد المصيصي ، والمسلم بن سعد ، وزهير البنائي ، وسليمان الخواص ، وسهل بن عبد الله ، وإبراهيم الخواص ، وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستا ، وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام ، وكان أبو الجوزاء صاحب ابن عباس يطوي سبعا ، وروي أن الثوري وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثا ثلاثا ، وقد رأينا من كان يطوي تسعا وخمسا ، وكثيرا ممن يطوي ثلاثا ثلاثا .

حصہ V02/P278–V02/P279

وقد قال بعض العلماء : من طوى أربعين يوما من الطعام ظهرت له قدرة من الملكوت ، وكان يقول : لا يزهد العبد حقيقة الزهد الذي لا مشوبة فيه إلا بمشاهدة قدرة من غيب الملكوت ، وبعضهم يقول : لا يوقن العبد يقينا ثابتا بحكم عليه لاستقامة فيه ، ولبسة حال لازمة ، وعلم نافذ في الملكوت ، إلا بمشاهدة قدرة من قدرة الغيب ، برأي عين تظهر له بشهادة دائمة ، يقوم بها ويضطره ؛ فعند هذا يعرف من الله تعالى ، ومنه المخصوص القيوم به ، ويصح لعبد مراد بهذا الطريق المنهج أربعين في سنة وأربعة أشهر ، على ما نزلنا من تأخير الأوقات وقتا بعد وقت ، ورتبنا من رياضة النفس في الأوقات حتى تندرج الليالي في الأيام ، وتدخل الأيام في الليالي ، فتكون الأربعون بمنزلة يوم واحد وليلة واحدة ، وهذا طريق بعض المقربين ، لا يقدر عليه إلا مراد به ، محمول فيه ، مكاشف بشهادة تشغله عن نفسه ، وتقطعه عن طبعه وعادته ، وتنسيه جوعه ، ويكشف له حقيقته ومرجوعه ، وقد عرفنا من كان فعل ذلك ، وظهرت له آيات من الملكوت ، وكشف له عن معاني قدرة من الجبروت ، تجلى الله له عز وجل بها ومنها كيف شاء ، وقد وقف بعض هذه الطائفة على راهب فذاكره بحاله ، وطمع في إسلامه ، وترك ما هو عليه من الغرور ، فكلمه في ذلك بكلام كثير إلى أن قال له الراهب : فإن المسيح كان يطوي أربعين يوما وأن معتقد إعجاز هذا وأنه لا يكون إلا النبي ، فقال له الصوفي : فإن طويت خمسين يوما ما تترك ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام ، وتعلم أن ما نحن عليه حق وأنك على باطل ؟ قال : نعم فقعد عنده لا يبرح ولا يذهب إلا من حيث يراه الراهب إلى أن طوى خمسين يوما ، فقال : أزيدك أيضا ، فطوى إلى تمام الستين فعجب الراهب منه واعتقد فضله وفضل دينه ، وقال : ما كنت أظن أن أحدا يجاوز فعل المسيح عليه السلام ولكن هذه أمة تشبه الأنبياء في العلم والفضل ، فكان سبب إسلامه ، وممن كان يطوي أربعين يوما إبراهيم التميمي وحجاج بن قرافصة ، فأما الثلاثين والعشرين فقد حكي عن عدد كثير منهم : سهل بن عبد الله وجماعة من البصريين ، وأما من يأكل في الشهر أكلتين وثلاثة وأربعة فهم كثير من الشاميين والجزريين ، وإن أحب المريد أن يقسم فطره قسمين فيأكل رغيفا عند إفطاره في أول الليل فيسكن بذلك جوعه ، ويأكل رغيفا عند السحر يستعين به على صومه فحسن ، وإن أحب عمل في تأخير الإفطار على رياضة ، ووقف عند السحر فلم يجاوزه ، فيكون أكله سحرا فيحصل له بذلك خمسة أشياء جوع النهار للصائم ، وجوع الليل للقائم ، وخلو القلب لفراغ المعدة ، ورقة الفكر واجتماع الهم لخلو القلب ، وسكون النفس للمعلوم فلا ينازعه قبل وقته ؛ وهذا أوسط الطرقات وأحبها إلي وهو طريق السائرين . وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامكم هذا قط ، وإن كان ليقوم حتى تزلع رجلاه ، وما واصل وصالكم هذا قط غير أنه قد أخر الفطر إلى السحر .

حصہ V02/P279

وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السحر ، فإن كان المريد يصوم يوما ويفطر يوما ؛ وهو أعدل طرقات الصيام أيضا ، أكل يوم فطره بعد الظهر وليلة صومه عند الفجر ، فإن لم يفعل فليأكل يوم فطره نصف أكله بالأمس فكأنه صائم ، فإن لم يفعل اضطراب جسمه وداخله الفتور في حاله ، ومن لم يكن له معلوم فلا بأس أن يأكل شبعه ثم يتربص حتى ينتهي جوعه ؛ فعلامة جوعه ، أن لا تختار نفسه الخبز دون غيره من المأكولات ، فإن اختارت نفسه الخبز ففيه بقية من الشبع ، وعلامة شبعه بعد الأكل أن يأكل الخبر البحت على شهوة ، فإذا تاقت نفسه إلى الأدم فقد ابتدأ شبعه ، فإن تخيرت الأدام فهو شبعان ، وترك المعلوم في الطعام طريق صوفية البغداديين ، والوقوف مع المعلوم طريقة البصريين ، ولما قدم صوفية أهل البصرة على أبي القاسم الجنيد بعد وفاة سهل رحمه الله تعالى قال لهم : كيف تعملون في الصوم ؟ فقالوا : نصوم بالنهار فإذا أمسينا قمنا إلى قفافنا ، فقال : آه آه لو كنتم تصومون بلا قفاف كان أتم لحالكم ؛ أي لا تسكنون إلى معلوم ، فقالوا : لا نقوى على هذا ولعمري أن طريق البغداديين بترك المعلوم من المطعوم أعلى ؛ وهو طريق المتوكلين من الأقوياء وطريقة البصريين بالمعلوم ، والتوقيت أسلم من آفات النفوس وأقطع للتشرف والتطلع ؛ وهو طريق المريدين والعاملين .

حصہ V02/P279–V02/P280

ذكر رياضة المريدين في المأكول وفضل الجوع وطريقة السلف في التقلل والأكل

حصہ V02/P280–V02/P281

كان أبو ذر يقول في بعض إنكاره : قد غيرتم بنخلكم الشعير ولم يكن منخل ، وخبزتم المرقق وجمعتم بين أدمين ، واختلف عليكم بألوان الطعام وغدا أحدكم في ثوب ، ورجع في آخر ، ولم يكونوا هكذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول : قوتي في كل جمعة صاع من شعير والله العظيم لا أزيد عليه حتى ألقاه ، فإني سمعته يقول صلى الله عليه وسلم : أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة من مات على مثل ما تركته عليه ، وقد كان قوت جماعة من الصحابة صاع من حنطة في كل جمعة ، فإذا أكلوا التمر اقتاتوا صاعا ونصفا ، وكان قوت أهل الصفة مد من تمر بين اثنين في كل يوم ، والمد رطل وثلث ، وكان الحسن يقول : المؤمن مثل العنيزة يكفيه الكف من الحشف ، والقبضة من السويق ، والجرعة من الماء ، والمنافق مثل السبع سرطا سرطا وبلعا بلعا ، لا يطوي بطنه لجاره ، ولا يؤثر أخاه بفضله ، وجهوا هذه الفضول أمامكم ، وكان أبو يزيد البسطامي يقول : إذا وجد الفقير الماء سقط عنك فرضه . وفي الحديث المشهور العام : المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء ، هذا على التمثيل في الاتساع والكثرة ؛ أي يأكل أضعاف أكل المؤمن ، فكان المؤمن يأكل سبع أكل المنافق ، والعرب ترفع في ذكر ضعف الشيء وإضعافه إلى سبعة ، وقد فسر ذلك عالمنا أبومحمد سهل فقال : معنى يأكل في سبعة أمعاء ؛ أحدها شره ، وطمع ، وحرص ، ورغبة ، وغفلة ، وعادة ، أي فالمنافق يأكل بهذه المعاني ، والمؤمن يأكل بمعنى الفاقة ، والزهد ، ولهذا كان يقول : لو كانت الدنيا دما غبيطا كان قوت المؤمن منها حلالا ، لأن أكل المؤمن عنده ضرورة للقوام ، ومن الناس من يضيف هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مخطئ في ذلك ، إنما هو كلام إمامنا سهل بن عبد الله التستري رحمه الله ، وقد سئل عن قوت المؤمن فقال : قوته الله تعالى ، قال : سألت عن قوامه ، فقال : الذكر فقال : إنما سألت عن غذائه ، فقال : غذاؤه العلم ، قلت : سألت عن طعمة الجسم ، فقال : ما لك والجسم ، دع الجسم على من تولاه قديما يتولاه الآن ، ثم قال : الجسد صنعة إذا عابت ردها إلى صانعها ، وسئل أيضا عن الحلال ، فقال : ما لم يعص الله في أوله ولم ينس في آخره ، وذكر عند تناوله وشكر بعد فراغه ، وكان يقول : القوت للمؤمنين والقوام للصالحين ، والضرورة للصديقين ، ومن كان ذا معلوم فالمستحب له أن لا يزيد على رغيفين في يوم وليلة ، وليجعل بينهما وقتا طويلا مرة وقصيرا أخرى على حسب الحاجة وتوقان النفس إلى الغذاء ، لاعلى طرد العادة والشهوة ، والرغيف ستة وثلاثون لقمة يكون قوام النفس في كل ساعة ثلاث لقمات ، فإذا أراد أن يأكل الرغيف على هذا التقسيم فليجرع بعد كل ثلاث لقم جرعة ماء ، فذلك اثنا عشر جرعة في تضاعيف ستة وثلاثين لقمة ، ففي ذلك قوام الجسم وصلاحه في كل يوم وليلة على هذا الترتيب .

سوالات