Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
قال : أحب أن تعفيني قلت : فإذا أعفيتك فمن أسأل ، لقد أصبح الأدلاء متحيرين قال : هذا أمر شديد ، وسمعته يقول : أنا منذ أكثر من سبعين سنة في فقد وقال : ما قل من الدنيا كان أقل للحساب ، قلت له : إن رجلا قال : إن أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث ليس هما عندي زهاد ، أحمد له خبز يأكله وبشر له دراهم تجيئه من خراسان ، فتبسم أبو عبد الله ثم قال : من الزهاد أنا ، وسمعته يقول : وقع للتيمي فضرب فيه فسطاطا أو خباء عشرين سنة ، وسمعته يقول : وذكر قوما من المترفين فقال : الدنو منهم فتنة والجلوس معهم فتنة ، قلت لأبي عبد الله : إن مولى ابن المبارك حدثني أن سعيد بن عبد الغفار قال لابن المبارك : ما تقول إذا نزل دار من تكره ناحيته بأجر قال : لا بأس بها ، قلت لأبي عبد الله : فإذا أجاز الذي تكره ناحيته رجلا فاشترى دار غلة ترى إن أنزلها بأجر قال : لا ، قال أبو وهب : قال أبو عبد الله يعني المبارك في رجل يشتري جارية من رجل فإذا هي صافنة قال : يردها على الذي كانت له ولا يردها على الذي اشتراها منه وهي صافنة ، وذكره عن سفيان عباس العنبري عن رجل قال : كنت مع عبد الرحمن بن مهدي بعبادان ، وكنا نغسل أيدينا من ماء السيل وكان هو لا يفعل ، يأمر غلامه فيجيء من ماء البحر عبد الصمد ابن مقاتل ، قال : كانوا يكتبون الكتاب ولا يتربونه من دور السيل ، يرسلون فيأخذون من طين البحر ، قال : وكتب إلينا ابن حشرم وكتب في كتابه أن بشرا كان لا يشرب بعبادان من الحياض التي اتخذها الملوك ، وكان يشرب من ماء البحر . وروينا عن سعيد بن خيثم عن محمد بن خالد قال : مر إبراهيم النخعي على امرأة يقال لها أم بكر من مراد وهي تغزل فقال : يا أم بكر ، أما آن لك أن تتركينه فقالت : يا أبا عمران كيف أتركه وقد سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : إنه من أطيب الكسب ، قلت لأبي عبد الله : إن حسنا مولى ابن المبارك حكى عن سعيد بن عبد الغفار أنه قال لابن المبارك : ما تقول في رجلين دخلا على من تكره ناحيته فأجازهما ، فقبل واحد ولم يقبل الآخر فخرج الذي قبل ، فاشترى منه الذي لم يقبل ، ما تقول ؟ فسكت ابن المبارك فقال له ابن سعيد : ما يسكتك ، لم لا تجيبني فقال : لو علمت أن الجواب خير لي لأجبتك ، قال سعيد : أليس أصلنا على الكراهة : قال ابن المبارك : نعم فقال أبو عبد الله : ومن يقوى على هذا ؟ قال له : فما تقول في رجل أجازه فاشترى دارا ؟
ترى أن أنزلها فسكت ابن المبارك فقال : لم لا تجيبني فقال : هذا أضيق أكره أن أجيبك فقلت له : إن الثوري قال : ما في أيدي الحشم سحت فأنكر أبو عبد الله أن عبد الوهاب قال في الرجل : يجاز ثم يدفعها إلى الآخر إن المال عنده شيء واحد فقال : هذا شديد قلت : إذا أعطي تكرهه للأول ، والثاني لا ترى به بأسا قال : إنما اكرهه للأول من طريق المحاباة ، والثاني ليس هو مثل عطية الأول ، قال : من أعطى هذا المال أو حوبي على أثره فليقبل وليفرق كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ بعث عمر رضي الله عنه بمال إلى أبي عبيدة ففرق ، وبعث مروان إلى أبي هريرة ففرق ، وبعث إلى ابن عمر ففرق ، وبعث إلى عائشة رضي الله تعالى عنها ففرقت ، قلت : فعلى أي وجه قبلها منهم ابن عمر ؟ فإن قوما يحتجون يقولون : لو لم يكن مباحا لأخذ ، فأنكر ذلك وقال : إنه لما رأى أن حوبي كره أن يرد إليهم وفرقه بالسوية قلت : فإن معاذا يروى عنه أنه فضل عنده دينار ، فطلبت منه امرأته فأعطاها فقال : كانت محتاجة إليه فقلت له : أنت تقول من بلى من هذا المال بشيء فليعدل في تفريقه ، وعائشة رضي الله عنها لما شكا ابن المنكدر إليها قالت : لو أن عندي عشرة آلاف لأعنتك ، فلما خرج أرسل إليها بعشرة آلاف فبعثت خلفه فأعطته فقالت : إنها كانت بليت بقولها ، ومع هذا قد أخرجته وذكر من زهدها وورعها وقال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يسألونها ، مثل أبي موسى الأشعري وغيره ولم يكن في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثلها وإنما كانت ابنة ثمانية عشرة سنة . أبو يحيى الناقد قال : حدثنا أبو طالب قال : قلت : حدثوني عن عبد الله بن يحيى ابن أبي كثير عن أبيه عن رجل من الأنصار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إذن القلب فقال : نعم هكذا قلت ، ما هذا الحديث ؟ قال : نهى عن أكل إذن القلب قال : لايؤكل ، وعن عبد الله بن أحمد قال : قلت لأبي الغدة فقال : لا تؤكل ، النبي صلى الله عليه وسلم كرهها في حديث الأوزاعي عن واصل عن مجاهد ، وروينا عن عبد الله بن يزيد عن أم سلمة سألها النبي صلى الله عليه وسلم عن إذن القلب فقالت : ألقيته فقال : طاب قدرك ، وهذا آخر كتاب المعاش وما اتصل به من الآثار في الورع والله تعالى أعلم .
الفصل الثامن والأربعون فيه كتاب تفصيل الحلال والحرام وما بينهما من الشبهات وفضل الحلال وذم الشبهة وتمثيل ذلك بصور الألوان
: روينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا ، فمن لم يأكله أصابه من غباره يعني والله أعلم أنه يدخل عليه ، وإن لم يعمل به من غير قصد له ولا اكتساب ، كما يدخل الغبار في المشام للمجتاز لفشو الربا وانتشار مداخله مما لا يمكن التحرز منه ، وفي الخبر : درهم من ربا أعظم عند الله عز وجل من ثلاثين زنية في الإسلام ، وما تواعد الله عز وجل ولا تهدد في معصية مثل ما تواعد في أكل الربا ، فإنه عز وجل عظم شأنه بوصفين عظيمين إعظاما له وترهيبا منه ، فذكر في أوله المحاربة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي آخره الخلود في النار ينتظم ذلك في قوله : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) البقرة : 278 ثم اشترط للإيمان ترك الربا بقوله : إن ، وهي للشرط والجزاء ثم قال : ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) البقرة : 279 ثم أوجب التوبة منه بعد إعلامه الظلم منه فقال : وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون ، ثم نص على تحريمه في قوله : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) البقرة : 275 ثم تواعد بالخلود بعد ذلك كله فقال : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) البقرة : 275 ، وهذا من شديد الخطاب وعظيم العذاب . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ، فسوى بينه وبين العلم في الفرض فأوجب الطلب لهما ، مثل فرض الحلال للأكل مثل طلب العلم للجاهل ، والفرائض إذا شرعت ثبتت إلى يوم القيامة ، فإذا أمر بطلبها دل على وجودها لأنه لا يؤمر بطلب مفترض علينا يكون معدوما ، فالحلال موجود من حيث افترض علينا وأمرنا بطلبه ، ولكن طريقه ضيق ووجوهه غامضة والتسبب إليه فيه مشقة ، والحاصل منه فيه خشونة وقلة ، ومع ذلك فإن المعاون عليه قليل والطالب غريب وهذه أسباب تكرهها النفوس ، وعسى أن تكرهو شيئا وهو خير لكم ، ثم إن الفرائض لها علوم وأحكام ؛ فمن لم يعرف علومها ولم يقم بأحكامها فكأنه لم يعلمها ، وكان عمر رضي الله عنه يضرب أهل السوق بالدرة ويقول : لا يتجر في سوقنا إلا من تفقه وإلا أكل الربا : وكان بعض العلماء يقول : تفقه ثم ادخل السوق فبع واشتر ، وتأول معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم قال : هو طلب علم الحلال والحرام والبيع والشراء ، إذا أراد الإنسان أن يدخل فيه افترض عليه علمه ، ففي الخبر : من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله عز وجل ، ومن طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء ، ويقال : إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ، ومن أقام نفسه في مقام ذل في طلب الحلال ، تساقطت عنه ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر في الشتاء إذا يبس ، وكان بعض العلماء يقول لبعض المجاهدين : أين أنت من عمل الأبطال : كسب الحلال والنفقة على العيال ؟
وقد كان شعيب بن حرب ، وغيره يقول : لا تحقر دانقا من حلال تكسبه تنفقه على نفسك وعيالك أو أخ من إخوانك ، فلعله لا يصل إلى جوفك أو لا يصل إلى غيرك حتى يغفر لك ، وفي الخبر : من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه ، وفي بعض الروايات زهده الله في الدنيا ويقال : من أكل حلالا وعمل في سنة فهو من أبدال هذه الأمة . وقد كان سهل يقول : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يأكل الحلال بالورع . وروينا عن إبراهيم بن أدهم وفضيل بن عياض رضي الله عنهما : لم ينبل من نبل بالحج ولا بالجهاد ولا بالصوم ولا بالصلاة ، وإنما ينبل عندنا من كان يعقل ما يدخل جوفه يعني الرغيف من حله ، وقال يوسف بن أسباط لشعيب بن حرب : أشعرت أن الصلاة جماعة سنة وأن كسب الحلال فريضة ؟ قال : نعم ، وسأل رجل إبراهيم بن أدهم قال : أنا رجل أتكسب في السوق ، فإذا عملت فاتتني الصلاة في جماعة فأيما أحب إليك أصلي في جماعة أو أكتسب فقال : اكتسب من حلال وأنت في جماعة ، وقد كان إبراهيم بن أدهم يعمل هو وإخوانه في الحصاد في شهر رمضان ، فكان يقول لهم : انصحوا في عملكم بالنهار حتى تأكلوا حلالا ولا تصلوا بالليل ، وإن لكم ثواب الصلاة في جماعة وأجر المصلين بالليل ، وقال بعض السلف : أفضل الأشياء ثلاث ؛ عمل في سنة ودرهم حلال وصلاة في جماعة . وكان سهل رحمه الله يقول : لا يبلغ العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يؤدي هذه الأربع ؛ أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي في الظاهر والباطن والصبر على ذلك إلى الممات ، وقال : من لم يكن مطعمه من حلال لم يكشف الحجاب عن قلبه ولم ترفع العقوبة عن قلبه ولم يبال بصلاته وصيامه إلا أن يعفو الله عز وجل عنه ، وقال : من اختار أن يرى خوف الله في قلبه ويكاشف بآيات الصديقين ، لا يأكل إلا حلالا ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة ، وكان يقول : إنما حرموا مشاهدة الملكوت ، وحجبوا عن الوصول بشيئين سوء الطعمة وأذى الخلق ، وكان يقول : بعد سنة ثلاثمائة لا تصح لأحد توبة ، قيل : ولم قال : يفسد الخبز وهم لا يصبرون عنه ، وقد روى مرة الطيب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : جسم غذي بحرام لا يدخل الجنة ، النار أولى به ، وفي الخبر : أنه أكل من كسب غلامه ثم سأله عنه فقال : رقيت لقوم فأعطوني ، وفي لفظ آخر : تكهنت لهم فأدخل يده في فيه وجعل يقيء حتى استقاءه عن آخر لقمة ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الإمعاء . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : أو ما علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا ؟
وفي الخبر : أنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله الله مستجاب الدعوة فقال : يا سعد ، أطب طعمتك تستجب دعوتك ، وقال العلماء : الدعاء محجوب عن السماء بفساد الطعمة ، ويقال : إنه الله لا يستجيب دعاء عبد حتى يصلح طعمته ويرضى عمله ، وقال جماعة من السلف : الجهاد عشرة أجزاء ؛ تسعة في طلب الحلال ، وقال علي بن فضيل لأبيه : يا أبت ، إن الحلال عزيز فقال : يا بني إنه وإن عز فقليله عند الله كثير ، يقال : إن من صلى وفي جوفه طعام حرام ، أو على ظهره سلك من حرام لم تقبل صلاته ، وقال بعض السلف : يا مسكين إذا صمت فانظر عند من تفطر وطعام من تأكل ، فإن العبد ليأكل الأكلة فيتقلب قلبه وينغل كما نغل الأديم ، فلا يعود إلى حاله أبدا وهذا أحد التأويلين في قوله صلى الله عليه وسلم : كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، قال : هو الذي يصوم ويفطر على الحرام ، وفي الخبر : من طلب الدنيا حلالا مفاخرا مكاثرا ألقي الله عز وجل وهو عليه غضبان ، وحدثونا من آثار السلف أن الواعظ والمذكر كان إذا جلس للناس ونصب نفسه سأل أهل العلم عن مجالسته فكانوا يقولون : تفقدوا منه ثلاثا ، انظروا إلى صحة اعتقاده وإلى غريزة عقله وإلى طعمته ، فإن كان معتقد البدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق ، وإن كان سيء الطعمة فاعلموا أنه ينطق عن الهوى ، وإن كان غير ممكن العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه ، وهذا التفقد والبحث عن طريق قد مات فمن عمل به فقد أحياه . وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا فذمه ثم قال : رب ، أشعث أغبر مشرد في الآفاق ، مطعمه حرام وملبسه حرام غذي بالحرام ، يرفع يده في صلاته فيقول : يا رب يا رب ، فأنى يستجاب له ذلك ، وفي الحديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن لله عز وجل ملكا على بيت المقدس ينادي في كل ليلة : من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل ، قيل الصرف النافلة والعدل الفريضة ، وفي حديث أبي هريرة : المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة ، فإذا صحت المعدة صدرت العروق إليها بالصحة ، وإذا سقمت المعدة صدرت العروق إليها بالسقم ، ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان ؛ فإذا ثبت الأساس وقوي استقام البناء وارتفع ، وإذا ضعف الأساس واعوج انهار البنيان ووقع ، وقد قال الله : ( أحسن الخالقين ) الصافات : 125 ، أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خيرا من أسس بنيانه على شفا حرف جرف هار فانهار به في نار جهنم .
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : من اكتسب مالا من حرام وإن تصدق به لم يقبل منه ، وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار ، وقيل في معنى قول الله عز وجل : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم ) النساء : 29 ، قيل : من أكل حراما فقد قتل نفسه لأنه كان سبب هلاكها وتعذيبها ، وفي الأخبار المشهوة عن علي وغيره : أن الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب ، وقال يوسف بن أسباط وسفيان الثوري رحمهما الله : لا طاعة للوالدين في الشبهة ، وقال الفضيل بن عياض : من قام في موقف ذل في طلب الحلال حشره الله مع الصديقين ورفعه إلى الشهداء في موقف القيامة ، وقال أبو سليمان أو غيره من العلماء : لا يفلح من استحيا من طلب الحلال ، وفي بعض التفسير فإن له معيشة ضنكا ، قيل أكل الحرام كما قيل في قول : ( فلنحيينه حياة طيبة ) قال : نرزقه حلالا وقد قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) البقرة : 172 ، قيل : من الحلال كما قال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ) المؤمنون : 51 ، أي من الحلال ، فأمر بأكل الحلال قبل العمل الصالح ، وهكذا قال بعض العلماء : زكاة الأعمال بأكل الحلال ، فكلما كانت الطعمة أحل كان العمل أزكى وأنفع ، وكان بشر بن الحارث إذا ذكر أحمد بن حنبل يقول : قد فضل علي بثلاث ؛ صبره على العيال وأنا أضيق عن ذلك وهو يطلب الحلال لنفسه ولغيره وكان يقول : ما أترك الطيبات زهدا فيها وإنما أتركها لأنه لا يصفو لي درهمها ، ولو صح لي الدرهم الذي اشتريها به لأكلتها ، وقد قال علماء الظاهر : إن الحلال من عشرة أوجه ومنهم من قال : يوجد من سبعة أشياء وأصل ذلك كله يرجع إلى ثلاثة أشياء : تجارة بصدق وصناعة بنصح وعطية بحكم ، ثم تنقسم العطية أربعة أقسام ؛ فيكون فيئا أو ميراثا أو هبة عن طيب نفس ، أو صدقة مع وجود فقر ، ومدار ذلك كله وقطبه أن الحلال مشتق من اسمه بمعنيين ؛ ما انحل الظلم عنه أو حل العلم فيه ، فما انحل الظلم عنه انحلت المطالبة عنه ، وما حل في العلم حلت الإباحة والأمر به ، والحلال عند العلماء ما لم يعص الله عز وجل في أخذه ، قال بعض علماء الباطن : الحلال ما لم يعص الله عز وجل في أوله ولم ينس في آخره .
وذكر عند تناوله وشكر بعد فراغه ، وكان سهل إذا سئل عن الحلال يقول : هو العلم ، وقال : لو فتح العبد فمه إلى السماء وشرب القطر ثم تقوى بذلك على معصية أو لم يطع الله عز وجل بتلك القوة لم يكن ذلك حلالا ، وقال طائفة من أهل العلم : إن المتصنع للناس والمتزين لهم يأكل حراما ، لأنه لم ينصح مولاه في عمله ، وقال بعض الموحدين : لا يكون حلالا حتى لا يشهد فيه سوى الله تعالى ، وإن من أشرك في رزق الله العباد فذلك شبهة وإن حل من طريق الأحكام ، واحتجوا بقول عيسى عليه السلام : يأكلون رزقه ويشركون فيه خلقه ، ومن الأبدال من يقول الحلال ما لم يؤخذ من أيدي الخلق ولم ينتقل إلى أملاكهم ، وكان بعضهم لا يأكل إلا مما أنبتت الأرض التي هي غير مملوكة ، وقوله عدل أن الحلال ما لم يؤخذ من أيدي الظالمين ، وما أخذ من أيدي المتقين ، وحدثت عن بعض الأبدال في قصة طويلة ذكرها ، أن بعض العامة من السياحين دفع إليه شيئا من الطعام فلم يأكله ، فسأله عن امتناعه فقال : نحن لا نأكل إلا حلالا ، فلذلك تستقيم قلوبنا على الزهد في الدنيا وتدوم على حالة واحدة ، ونكاشف بالملكوت ونشاهد الآخرة ثم قال : لو أكلت مما تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء مما نحن عليه من علم اليقين ، ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا في كلام طويل ، قال له الرجل في آخره : فإني أصوم الدهر وأختم القرآن في كل شهر ثلاثين ختمة فقال له البدل : هذه الشربة من اللبن التي رأيتني فد شربتها أحب إلي من ثلاثين ختمة في ثلاثمائة ركعة من أعمالك ، وكانت شربة من لبن من أروى وحشية وهو الأنثى من الوعل ، وقال بعض السائحين : قلت لبعض الأبدال وقد حدثه عن أكل الحلال بمثل هذا الحديث : أنتم تقدرون على الحلال ولا تطعمون إخوانكم من المسلمين فقال : لا يصلح لجملة الخلق ولم نؤمر بذلك ، لأنهم لو أكلوا كلهم حلالا لبطلت المملكة وتعطلت الأسواق وخربت الأمصار ، ولكنه قليل في قليل من الخلق وخصوص في مخصوصين أو معنى هذا الكلام ، وقال بعض العلماء : لا أعلم حلالا لا شك فيه إلا ماء الغدران ، وماأنبتت أرض غير مملوكة أوهدية من أخ صالح أو معاملة تقي بصدق ونصح ، وكان يحيى ابن معين قد صحب أحمد بن حنبل رضي الله عنه في السفر سنين ، ولم يكن أحمد يأكل معه لأجل كلمة بلغته عنه وهو أنه قال : أنا لا أسأل أحدا شيئا ، ولو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته ، فهجره أحمد رضي الله عنه حتى اعتذر إليه يحيى وقال : إنما كنت أمزح قال : تمزح بالدين ، أما علمت أن الأكل بالدين قدمه الله على العمل فقال : كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ، وقد كان كثير من الورعين يقول : منذ أربعين سنة ما دخل جوفي إلا ماء أعلم من أين هو ، وبعضهم يقول : منذ ستين سنة ما أكلت إلا من حيث أعلم ، وكان وهب بن الورد لا يأكل إلا من حيث يعلم أو يشهد عنده شاهدان بصحته ، وقد كان بشر يقول : من فقر جاع ، ومن تغافل شبع ، وعند العلماء : إن من طلب الدنيا حلالا فهو أزهد فيها ممن أكل الشبهات من غير طلب ، وفي الخبر : من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله تعالى من أي أبواب النار أدخله ، وقيل : ذلك في التوراة مكتوب .
ذكر تفصيل الحلال من الشبهة والأصل في ذلك حديث النعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين والشبهات بين ذلك لا يعلمها كثير من الناس ، من تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه وإن لكل مالك حمى وإن حمى الله في أرضه محارمه ، يقال : إن هذا الحديث ثلث العلم ، فالحلال ما ظهر وتبين وكنت على يقين منه واطمأن به قلب المؤمن العالم ، والحرام أيضا ما تبين وانكشف على يقين منه ولم يختلف أحد من المسلمين فيه ، ونفر قلب المؤمن واشمأز منه وقد تطمئن بعض القلوب إلى شيء لقلة ورعها ، وقد تنفر بعض القلوب من شيء لقصور علمها وليس يقع بمثل هذين القلبين اعتبار ، وإنما الاعتبار بقلب المعيار الذي قد جعل كالمحك يختبر به معادن الملكوت وهو قلب المؤمن الموقن العالم ، وهذا القلب في القلوب أعز من الذهب إلابريز في سائر المعادن . وقد روينا عن بعض السلف عن تفسير قوله تعالى : ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) الأنعام : 129 ، قال : إذا فسدت أعمال الناس جعل عليهم ولاة يشبهون أعمالهم ، وقال بعض العلماء في معناه : إذا فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم والشبهات على وجوه ، أحدها ما أشبه الحلال من وجه وما اختلط أيضا بها فاختلط ولم يتميز منهما ، والشبهة أيضا ما دل باطن العلم على تحليله فهو حلال الحكم وأظهر باطن الورع الوقوف عنه ، والشبهة ما أباحه علم الظاهر وكرهه علماء الباطن لحبك القلوب وحوازها ولعدم الطمأنينة ومواجيد القلوب ، كنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على ما أسمع منه وهو يعلم خلافه ، فمن قضيت له على أخيه فإن أقطع له قطعة من النار ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم بظاهر الأمر وردهم إلى حقيقة علم العبد بما شهد وعرف من عيب نفسه المستتر عن الأبصار ، والشبهة أيضا ما اختلف فيه لخفاء أدلته ولتكافؤها بالسوية وما لم تره عينك فتقع على غيبه ، والحلال والحرام ما أجمعواعليه وظهرت الأدلة عليه ، والشبهة أيضا ما حل سببه وصودف فيه حكمه إلا أن عينه مجهولة غير متيقن تحليلها ، والشبهة أيضا ما فقد منه بعض القيام بالأحكام أو ما اعتل سببه الذي يوصل العبد ويتطرق إليه من فضول جهل أو حدوث آفة من آفات النفوس ، فهذه الأنواع كلها من الشبهات ، ثم تختلف نفس الشبهات فيكون ذلك شبهة الحلال وتكون شبهة الحرام ، شبهة كدرة ، وتكون شبهة متقاربة لأن الحلال عند علماء الباطن على ثلاث مقامات ، حلال كاف وهذا عموم وكأنه ما حل من طريق الحكم ، وحلال صاف وهذا خصوص وكأنه ما ظهرت الأدلة فيه وحل سببه ووجدت السنة فيه ، وحلال شاف وهذا خصوص الخصوص ، وكان ذلك ما علم أصله وأصل وجرى على أيدي المتقين ولم يخالطه جهل ، فلذلك تفاوتت الشبهات لتفاوت حلال ضدها ، فأما الحرام فطعمة الفاسقين ، أكله فسوق وطلبه فسوق وإطعامه فسوق ، والمعاونة عليه فسوق والمدمن عليه فاسق ، وهو من الكبائر وليس من حاجة المسلمين ولا يغنيهم ، والحلال هو ما أجله الكتاب والسنة وحللته الأحكام والعلوم من سائر الأسباب والمعاني المطلقة والمباحة التصرف في العلم ، وهو بغية المؤمنين وطعمة المتقين ومقام الصالحين ، فطلبه جهاد وإطعامه بر والمعاونة عليه تقوى وأكله عبادة ، والمدمن عليه مؤمن تقي ، والشبهة ما اختلف العلماء فيه ولم يجمعوا عليه ، أو ما التبس باطنه فاشتبه لغموض الأدلة أو خفاء الاستدلال فلم يكن بينا فلم يجمع أهل الظاهر .
والورع عليه كما قال صلى الله عليه وسلم : لا يعلمه كثير من الناس فهذه طعمة عموم المسلمين فإن ابتليت بهذا فخذ منها حاجتك وضرورتك من كل شيء ، تكن بذلك فاضلا ويصح لك مقام في الورع ، والاستكثار منه والاقتناء مكروه ، وتركه إذا أمكن أفضل لأن في الخبر : من تركه فقد استبرأ لدينه أي تنزه وتنظف وتفقد دينه واحتاط له ، وقيل : إن الأيمان نزه نظيف فتنظفوا وتنزهوا ، ومعنى التنزه التباعد من الدناءة والأوساخ ، ومن ذلك قيل : خرجنا نتنزه ، وخرج فلان في نزهة إذا تباعد عن المصر وفارق جملة الناس ، ثم قال : وعرضه أي استبرأ لعرضه أن يتكلم الناس فيه بسوء وينسبوه إلى فحش ، وقد جعلنا الشبهة طريقا إلى الحرام وموقعة فيه لأن في الخبر : من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه أي يطلب الشبهة ويدمن عليها ويستكثر منها يسرع الوقوع في الحرام ، أي تسرع إليه وتدخله فيه ، وقال بعض العلماء : ما أخذ من يد تقي عدل بحكم جائز فهو حلال ، وما أخذ من يد من لا يعرف بعدالة ولا جرح فهو شبهة ، وما أخذ من يد ظالم أو فاجر فهو حرام وإن أخذ بحكم جائز وهذا القول يقرب من الحق ، ومثله من المقال مثل ما قال بعض أهل العلم : إن من لم يعرف أن ماله خالطه خيانة ولا معاملة ظالم فذلك حلال ، ومن خالط الظلمة واكتسب المال من خيانات فما في يده حرام وإن اختلط ماله فلم يتميز ، وكان يعامل بعض الظلمة ويعامل أهل التقوى والإيمان فما في يده شبهة . وقد جاء في الخبر : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة ، معناه دع ما تشك فيه إنه حلال إلى شيء آخر لا شك فيه ، فإن الشر ريبة وليس بيقين ، وفي لفظ آخر : الإثم حيك الصدور . وقد جاء في الحديث : الإثم حواز القلوب أي ما حز في القلب وأثر فيه بنكث فهو إثم ، لأن الله تعالى علق الإثم بالقلب وجعله من أوصافه في قوله عز وجل : ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) البقرة : 283 ، وفي الخبر : البر ما اطمأن إليه القلب وسكنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس فدعه لأنه قال : المؤمنون شهداء الله وقال : ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رأوه قبيحا فهو عندالله قبيح كما قال سبحانه : ( فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) التوبة : 105 لأن كراهتك نظر الله إليك دليل على وجود الريبة فيك ، وفصل الخطاب من ذلك أنه ليس على العبد أكثر من جهده وطاقته ، وأن يعمل في دينه بمبلغ علمه وما يؤدي إليه اجتهاده ووسعه ، وأن لا يخبأ لنفسه خبيئة ولا يرخص لنفسه بهواه رخصة ، فإن قصر علمه استعان بعلم غيره ، فما أخطأ حقيقته وراء ذلك فهو معفو الخطأ ، وبعض الورعين يقول : الحلال ما لم يتناوله أيدي الظالمين ، وقال بعضهم : ما لم تجر عليه يد ظالم ، وقال بعض العلماء : لا يكون حلالا حتى لا يتخالج في القلب منه شيء وحتى يسكن القلب إليه ويطمئن به ، وقال آخر : الحلال ما عرض على أهل الظاهر والباطن ، فإذا لم ينكروا منه شيئا فذلك الحلال ، وقد كان اجتمع جماعة من العلماء يتذاكرون أي الأعمال أشد فقال بعضهم : الجهاد وقال بعضهم : الصيام والصلاة وقال آخر : مخالفة الهوى وقال بعضهم : الورع ، فأجمعوا على الورع ورجعوا إلى هذا القول ، وقال حسان بن أبي سنان : ما شيء عندي أسهل من الورع قيل : وكيف ؟
قال : إذا حاك في صدري شيء تركته وهذا سهل على من ساعده القدر بالزهد وقواه على ذي النفس الشهوانية ، كما أن الزهد سهل على من أمده الله بروح التأييد باليقين ، وعزيز على من ابتلي بحب الدنيا ، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال والذي نقيم به وجوهنا عن الله عزوجل هو الورع ، فقال له أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : صدقت ، ولعمري أن اليقين إذا وجد والزهد إذا حصل سهل والورع والإخلاص وهما عمدة الأعمال . وحكي عن يوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وغيرهم من عباد أهل الشام أن قائلهم يقول : منذ ثلاثين سنة ماحاك في صدري شيء إلا تركته ، وبعضهم يقول : منذ أربعين سنة ما وقف قلبي عن شيء وتخالج فيه إلا تركته ، وقال بعضهم : منذ ثلاثين سنة ما أبالي على أي حال رآني الناس إلا أن يكون حاجة الإنسان ، وحكي أن بعض الورعين وقع منه دينار فانكب ليأخذه ، فوجد دينارين فلم يعرف ديناره منها فتركهما معا ، وحكي أن امرأة من المتعبدات من أهل القلوب سألت إبراهيم الخواص عن تغير وجدته في قلبها فقال : عليك بالتفقد فقالت : قد تفقدت فما وجدت شيئا أعرفه ، فأطرق ساعة ثم قال : ألا تذكرين ليلة المشعل فقالت : بلى فقال : هذا التغير من ذلك ، فذكرت أنها كانت تغزل فوق سطح لها فانقطع خيطها ، فمر مشعل السلطان فغزلت في ضوئه خيطا وأدخلت في غزلها ، ونسجت منه قميصا فلبسته قال : فنزعت القميص وباعته وتصدقت بثمنه ، فرجع قلبها إلى الصفا ، قد حكي عن ذي النون المصري رحمه الله فوق ذلك أنه لما سجن لم يأكل طعاما ولم يشرب أياما ، فوجهت إليه امرأة يعرفها من العابدات بطعام إلى السجن وقالت : هذا من حلال ، فلم يأكله فقالت له بعد ذلك ، فقال : ذلك الطعام من حلال إلا أنه جاءني في طريق حرام فلم آكله فقالت : وكيف ذلك قال : جاءني في يد السجان وهو ظالم فلذلك لم آكله وهذه خصال الورعين ، والورع هو باب الزهد ومفتاح الخوف وحقيقة الصدق ، فعموم الورع أول عموم الزهد وخصوصه أول خصوص الزهد . فينبغي للعبد أن يبتدئ بطلب الحلال فيكون هو همه وقصده ، فيجعل ما استطاب من المكاسب وأعلى ما قدر عليه مما يسلم فيه ، فيجعل ذلك لحاجة نفسه فيما يطعم ويلبس ، ويجعل مادخل عليه من الشبهات مما في نفسه منه جزازات في مؤونة عياله وفيما يرتقق به من مؤونة البيت مما لا يطعم ولا يلبس ، مثل الحطب والبز وأجرة البيت وما أشبه ذلك ، وسنذكر تمثيل ذلك بصور الألوان حتى تعرفه ، وفي هذه رخصة وله فيه مجاهدة وحسن نية ومعاملة إذا أخذ نفسه به وصبر عليه ، وكان ذلك من باله وهمه فاحتسب في ذلك ما عند الله عز وجل ، وتحرى بذلك لدين الله عز وجل ، فإن الله عز وجل يشكر له سعيه ، ويجزل عليه أجره ، وهذا طريق يوصل إلى الله عز وجل وهو محجة كثير من السلف ، ولو أن عبدا شك في شيء فتحرز منه شكر الله له نيته ، وإن كان قد أخطأ حقيقة الشيء عنده فكان الشيء حلالا في علم الله عز وجل ولو أنه أقدم على شيء بقلة مبالاة فلم يدعه ، فتناول شيئا على أنه حلال عنده كان مأزور السوء نيته وقلة ورعه ، وإن كان أصاب الحقيقة عند الله فهو أفضل وله أجران : أجر العلم ومقام التوفيق ، ومن قصد ترك العلم وأخطأ الحقيقة عند الله عز وجل فعليه وزران : وزر الجهل ونقص العصمة ، ومن عمل بعلم فأخطأ الحقيقة فله أجر واحد ، ومن عمل بجهل فأصاب الحقيقة فعليه إثم الجهل وهو معصوم في الفعل ، وحكى وهب اليماني مما نقل من الزبور أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام : قل لبني إسرائيل : إني لا أنظر إلى صيامكم ولا إلى صلاتكم ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي ، ذلك الذي أؤيده بنصري وأباهي به ملائكتي ، وقد كان بعض العلماء يقول لأهله : أرفقوا بدهن المصباح فإنما توقدون بلحمي ودمي ، قيل : وكيف ؟
قال لأنكم توقدون من كسبي ، وكسبي من ديني وديني من لحمي ودمي ، وقد كان يقال : من تفقد من أين يكسب الدرهم تبصر أين يضعه ، ومن لم يبال من أين اكتسب لم يبال فيما أنفقه ، وقد قال بعض العلماء لرجل رآه بطالا وكان ذا عيال قال له : احترف فإنه إذا كان لك كسب أكل عيالك دنياك ، وإن لم يكن لك كسب أكلوا دينك ، وروي أن بعض الزهاد وقعت منه قطعة فجعل يطلبها عامة يومه فقيل له : أنت قد زهدت في الدنيا كلها وأنت تطلب هذه القطعة هذا الطلب فقال : إن طلبي هذه القطعة من زهدي في الدنيا لأني لا أعتاض منها غيرها ، لأنها من حيث أعلم وأنا لا آكل إلا من حيث أعلم ، وقد كان بشر يقول : المال إذا اجتمع من الشبهات لا ينفق إلا في الشهوات ، وقال سري السقطي : لا يصبر على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، وفي الخبر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام فنهاه عنه فأعاد مسألته عنه فقال : إن لي غلاما حجاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن كان لا بد فأعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك ، وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال : لا تأكلوه ، وفي خبر آخر : إن كان جامدا فألقوها ، وإن كان ذائبا فاستصحبوا به ، وعن جماعة من علماء الكوفة : لا بأس بشحوم الميتة تطلى بها السفن ويدبغ بها الجلود . وقد روينا فيه حديثا مسندا ، فهذا حجة فيما ذكرناه من أن حكم الشبهات أن ينفق منها فيما لايطعم ولا يلبس إلا إن يضطر إليها فيتناول منها مقدار الحاجة ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بلبن فسأل عن أصله فأخبر به ، فسأل عن أصل أصله فأخبر به ، فلما رضيه شرب منه ، فهذا حكم الحلال أن تعرف عين الشيء ثم تعرف أصله ، فإذا صح لك أصله وأصل أصله سقط عنك ما وراء ذلك ، فإن لم تعلم رأى عين وأخبرك مسلم تقي أخباره لك مقام ذلك ، وفي الخبر : لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلاتقي ، لأن التقي قد استبرأ لدينه واجتهد بعلمه واحتاط لنفسه ، فقد سقط عنك البحث والاجتهاد لأنه قد ناب عنك فيه وقام لك به ، فكفاك كلفته فغنيت عن تكلفه ، فلذلك جاءت الأحاديث على هذا المعنى : إذا دخل أحدكم إلى منزل أخيه فقدم إليه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأل ويشرب من شرابه ولا يسأل ، لأنه قد كفى والسؤال عما قد كفى تكلف ، والتكلف ليس مما يعني المسلم ، وفي الخبر الآخر : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، فلهذا سقط عنا السؤال من البحث ولذلك كان المتقدمون يستحبون أكل طعام العلماء والصالحين .
وأما من لا يحتاط لنفسه ولا يستبرئ لدينه ولا يتقي في مكسبه حتى لا يبالي من أين أكل ولا من أين اكتسب ولا من أين جاءه الدرهم أبدا ، فهذا غير تقي فحينئذ يلزمك أنت البحث لنفسك والاجتهاد والاحتياط لدينك إذا لم يقم به غيرك ولم يكلفه أخوك ، ففي مثل هذا جاء الخبر : لا يأكل طعامك إلا تقي ولا تأكل إلا طعام تقي ، والتقي هو الورع الدين المتقي للحرام المجتنب للآثام ، ففي دليل خطابه : لا تأكل طعام غير تقي فلا يصح التقوى من عبد يتصرف حتى يكون مستعملا في تجارته وصناعته حكم الكتاب والسنة ، ويشهد له العلم بسلامته وبراءة دينه من الخيانة والمكر في المعاملة ، من الكذب والغبن في التجارة والصنعة ، بالصدق والنصح في جميع ذلك وحتى يحل السبب المعتاض منهما ، وكل تجارة وصناعة يخالف العبد فيها حكم الكتاب والسنة فليست بتجارة ولا صناعة حلال ، وإن كان الاسم موجودا لعدم المعنى الذي تصح به الأسماء في الحكم ، لأن وجود الأسماء فارغة لا يغني مع عدم صحة المعاني لموافقته شيئا ، فإذا كان ما يسميه الجاهلون تجارة وصناعة وما يسميه المستحلون بيعا وشراء ومعاملة ، وهو غير موافق للعلم ، فليس ذلك بتجارة ولا صناعة ولا معاملة ، ولا يستحل به أكل الحلال لأنه باطل واسمه عند العلماء خيانة وخلابة ، أو غيلة أو حيلة أو محاتلة ، وهذه أسماء محرمة للمكاسب لفساد معانيها وعدم حقائقها يتعلق عليها أحكام مذمومة ، ، لا يحل بها أخذ لأن التسمية إلى العلماء من قبل ، أن إيجاب الأحكام منهم يسمون على صحة المعاني بوقوع الأحكام إذا كانوا هم الحكام ، فقد اعتزل هذا التصرف ، وإن وجد فيه الاسم المبيح لفقد المعنى الصحيح ، وهو حكم الكتاب والسنة ، فإن وجد الاسم بحقيقة المعنى حتى تسميه العلماء تجارة وصناعة ، إلا أنهما لم يصادفا حكم الله تعالى فيه بالسلامة من الربا واجتناب البيوع الفاسدة ، فهذا حرام أيضا لعدم حكم الله عز وجل فيه بالإطلاق ، وإن كان الشراء مباحا وصودف الأحكام فيه إلا أن عين المأخوذ المعتاض حرام رأي عين أو خبر من صدق ، فهذا الكسب حرام أيضا لأنا على يقين من وجود الحرام فيه حتى يصفو العوض المشتبه من عين الحرام بأحد معنيين : إما بيقين أنه حلال الأصل وحلال أصل الأصل ، بأن لانعلم في عينه حراما رأيناه ولا أخبرناه ، فيحل به حينئذا أكل المال ونسميه مع ذلك شبهة ، وهو شبهة الحلال إذ لسنا على يقين من حلاله ، لا مكان دخول الحرام فيه لغلبة الأموال المأكلولة بالباطل وبالأسباب المكروهة من قبل الأجناد ، ومن قلة المتقين واختلاط ذلك بالأملاك الصحيحة وبأموال التجار والصناع ، فما كنا من حلاله على علم ظن سميناه شبهة لفقد علم اليقين . وفي الخبر : جاء عقبة بن الحرث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني تزوجت امرأة ، فجاءتنا امرأة سوداء فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة فقال : دعها فقلت : إنها كاذبة فقال : وكيف ؟ وقد زعمت أنها قد أرضعتكما لا خير لك فيها دعها عنك ، وفي لفظ آخر : كيف ؟
وقد قيل ، وفي حديث عبد الله بن زمعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي بالولد له لأنه ولد على فراشه ، وأبطل دعوى الرجل فيه وإن كان منه ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا قال لسودة : احتجبي عنه يا سودة وهي أخته ثم قال : الولد للفراش وكذلك يجب التقوى في الفراش للورع ، وإن الأحكام على الظاهر تجيزها فيكون تركها مقاما للورعين والحلال عند الورعين اسم ما انحلت عنه المطالبة وحل فيه العلم على حلال المقتبس في قوله عز وجل : ( وحلائل أبنائكم ) النساء : 23 ، وحلائل جمع حليلة وقيل : إنما سميت المرأة حليلة الرجل لأن يحل معها أين حلت ، أي يوجد عندها ويقيم كأنها فعيلة من فعول أي حلول ، والمعنى الآخر سميت حليلة ، والرجل حليلها لأن الآثام قد انحلت بينهما ، أي لأنها تحل له ويحل لها والحلال في العلم اسم لما أباحه الكتاب والسنة بسبب جائز مباح ، وكان الحلال هو ما وجد فيه ثلاث معان : سبب مباح في العلم وعلم بأصل الدرهم والمعتاض به وبأصل أصله أنه خالص من شبهة ومصادقة حكم الله عز وجل في المعاملة ، فإذا فقد أحد هذه المعاني فهو شبهة إلى الحلال أقرب ، وإذا فقد معنيان فهي شبهة الحرام ، فإذا فقدت المعاني الثلاث حتى يكون السبب الذي وصل به الدرهم والمعتاض منه مكروها ، أو يكون عين الدرهم مكروها مجهولا ولم يصادف فيه حكم الشرع في البيع والشراء أو الهبة بطيب نفس ، فهذا هو الحرام بعينه والحرام والحلال ضدان ظاهران ، والشبهات أعني شبهة الحلال وشبهة الحرام مشتبهان ، فهي تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه فمثل الحلال والحرام . من أصول الألوان مثل : البياض والسواد ، هما أصلان ليسا فرعين لشيء ولا متوالدين من شيء ومثل شبهة الحلال كمثل الصفرة لأنه لون متولد من البياض ، ومثل شبهة الحرام كالخضرة لون متولد من السواد ، فإن رأيت الصفرة فهي علامة شبهة الحلال رددتها إليه وحكمت عليها به ، كما أن الخضرة أقرب إلى السواد ، فإن اجتمع في لون صفرة وخضرة فهي الشبهات المخلطة في الشيء ، فانظر إلى الأغلب منها الأكثر ، فاحكم عليه ، فإن كانت الصفرة هي الأكثر والأغلب ، فهذا شبهة الحلال ، تناول منه غير متسع فيه إذ ليس حلالا صافيا وهذا مثل أموال التجار والصناع المختلطة بأرزاق الجند والمعاملات ، وإن رأيت الخضرة أكثر وأغلب فهذا شبهة الحرام ، خذ منه ضرورتك إذ ليس بشبهة صافية ، وهذا مثلا أملاك أولياء السلطان ، لالتباس ملك أيديهم في خدمتهم لأمرائهم حتى تري البياض المحض الذي هو علامة الحلال فخذ كيف شئت واتسع ، لاجناح عليك على أنك لا تكون زاهدا بذلك ، وهذا مثل لفيء المشركين والغنائم في سبيل الله ، ومثل المواريث الطيبة وما أنبتت الأرض التي هي غير مغصوبة ، ومثل ماء السماء والسيح في الأنهار وصيد البر والبحر ، وإن رأيت السواد الغريب فهو علامة الحرام ، فاجتنبه ولا تأخذ منه شيئا ، فإن فعلت كنت بذلك فاسقا وأكل الحرام من الكبائر ، وهذا مثل المغصوب والجنايات ، وما أكل بأسباب المعاصي وما تملك من غير طيب نفس من الواهب ، واعلم أن الحلال والحرام فرعان للتقوى والفجور والعلم والجه ، والعلم والتقوي هما حلالان للمتقين العلماء ، فإذا كثر المتقون ووجد المؤمنون كان الحلال أظهر وأكثر ، ووجود الحرام بظهوره وكثرته ، بكثرته وجود الجهل والفجور وهما حالا الجاهلين الفجار ، فإذا كثر الجاهلون وظهر الفاسقون كان الحرام أغلب وأكثر ، وأصل وجود الحلال في الكافة عدل الأئمة واستقامة الولاة ، وطاعة أوليائهم فيما لهم معهم في سبيل الله عز وجل لصلاح الدين وحيطة المسلمين ، كما إن أصل ظهور الحلال وانتشاره هوالرعية ، فإذا قل ذلك وكان الأمر على ضده غمض الحلال واختفى ، فظهر الحرام وفشا ، فكان الحلال قليلا عزيزا ، وكان في خصوص من المسلمين يخص الله به من يشاء ويصرفه إلى من أحب ، كيف أحب من طريق التوفيق والهداية وبمعنى العصمة والوقاية ؟
وقد جاء في الخبر إذا فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم ، وقال بعض أهل التفسير في قوله عز وجل : ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) الأنعام : 129 ، قال : إذا فسدت أعمال الناس ، جعل عليهم أئمة يشبهون أعمالهم ، وقد روينا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : رزق المؤمن ، مثل قطر الحب ، فهذا يحتمله معنيان ، أحدهما الضيق والقلة والثاني في الصفاء ، وهذا على معنى ما قال سهل رحمه الله : لو كانت الدنيا دما غبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا ، فهذا على معنيين ، أحدهما أن المؤمن موفق معصوم قد عمل لله عز وجل بما علم ، والله قد حفظه من حيث لا يعلم بأن يستخرج له الحلال من الحرام باختياره من عمله ، كما يستخرج له العلم من الجهل ، والتوحيد من الشرك بلطف قدرته ، فمن تذكر به وتبصر به أقامه مقام التوحيد من الحكمة ، والمعنى الثاني المؤمن عنده ، لا يتناول شيئا إلا فاقة أو ضرورة ، فقد حلت له وإن حرمت على غيره ، وهذا هوالمؤمن الصديق وقد قيل لابن المبارك يظهر بعد المائتين عدل فقال : تذاكرنا ذلك عن حماد بن سلمة ، فغضب وقال : إن استطعت أن تموت بعد المائتين فمت ، فإنه يحدث في ذلك الزمان أمراء فجرة ووزراء ظلمة وأمناء خونة ، وقراء فسقة حديثهم فيما بينهم ، التلاوم يسمون عند الله الأنتان ، وقال بعض السلف الصالح : إني لأستحي من الله عز وجل أن أسأله بعد المائتين أن يرزقني حلالا ، ولكني أسأله رزقا لا يعذبني عليه ، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : ما ترك لنا بنو فلان من الحلال شيئا ، يعني الملوك والأمراء ، ويقال إن عليا رضي الله عنه ، لم يأكل بعد قتل عثمان ، ونهب الدار إلا طعاما مختوما عليه ، وروي في الخبر العامل الذي أراد علي رضي الله عنه ، أن يستعمله على صدقات قال : فدعا بطينة مختومة طننت أن فيها جوهرا أو تبرا ففض ختامها ، فإذا فيها سويق شعير فنثره بين يدي وقال : كل من طعامنا ، فقلت : أتختم عليه يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم هذا شيء اصطفيته لنفسي ، وأخاف أن يختلط فيه ما ليس منه ، والحديث فيه طول فاختصرت هذا منه . وروي أن جماعة من الصحابة ما شبعوا من الطعام منذ قتل عثمان رضي الله عنه لاختلاط أموال أهل المدينة بنهب الدار ، منهم ابن عمر وسعد وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ، وكان يوسف ووكيع بن الجراح يقولان : الدنيا عندنا على ثلاث منازل ، حلال وحرام وشبهات ، فحلالها حساب ، وحرامها عقاب ، وشبهاتها عتاب ، فخذ من الدنيا ما لا بد لك منه فإن كان ذلك حلالا كنت زاهدا ، وإن كان شبهة كنت ورعا وكان في عتاب بسير ، وقد روينا عنهما أنهما قالا : لو زهد أحد في زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء في الزهد ما سميناه زاهدا قيل : ولم ؟ قال : لأن الزهد عندنا إنما يكون في الحلال المحض ، والحلال المحض لا يعرف اليوم ، ومات يوسف ووكيع قبل المائتين ، وقد كان وكيع بن الجراح أشبه العلماء بالسلف ، وكان يشبه بعبد الله بن مسعود وقد كان يشدد في الطعمة فسئل عن الحلال ، فجعل يعزره ويقول : أين الحلال ؟ وكيف لي بالحلال ؟ ثم قال : لوسألنا مسترشد عن علمنا في الحلال فقلنا له : كل أصول البردي وألقي ثوبك وادخل في الفرات قيل : وأنت يا أبا سفيان من أين تأكل ؟ قال : آكل من رزق الله وأرجو عفو الله ، وقد كان بشر بن الحارث من المتقدمين ، سئل عن الحلال قيل له : من أين تأكل يا أبا نصر ؟
فقال : من حيث تأكلون ، وليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهويضحك ، وقال مرة أخرى في رواية عنه : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وسأله رجل عما لا يسكر من النبيذ فقال : انظر في الدرهم الذي تشتري به التمر من أين هو ؟ فإن كان حلالا وإلا هلكت دع عنك ما لا يسكر ، وقد كان سري السقطي يتحري في أكل الحلال ولم يكن يأكل إلا من حيث يعرف ، وكان إذا ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه أثنى عليه وقال : تعنون ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء ، وكان يقول : لا يقوى على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، ويقال إن بشر بن الحارث كان يأكل من قبله ، وذكر لنا أن سريا السقطي وقف على بشر وهو يتكلم فاطلع في حلقته وقال : يا بشر ، لعل يدا نقين تلبسها وتستريح من هذا الاسم : يعني قولهم بشر الحافي ، فسكت بشر ، فظن من كان من أصحاب سري عند بشر أنه قد وجد عليه فقالوا : يا أبا نصر ، إنه لم يرد إلا خيرا فقال : سبحان الله ، هو سري كما سري ، وكان سري رحمه الله قد وجه إلى أحمد بن حنبل رضي الله عنه بمال فرده ، فجاء سري فكلمه بكلام من هذا العلم فعرفه فيه ما يدق من آفة الرد فقبل منه ولم يكن بعد ذلك يرد عليه شيئا . وحدثونا عنه أنه قال : انتهيت ذات يوم في سفر إلى نبات من الأرض وعند غدير ماء ، قال : وكنت جائعا فأكلت من الحشيش ، وشربت من ذلك الماء بكفي ، ثم استندت على ظهري ، ثم خطر ببالي أني إن كنت أكلت حلالا فاليوم ، فهتف بي هاتف يقول : يا سري زعمت أنك أكلت حلالا ، فالقوة التي بلغتك إلى ههنا من أين هي ؟ قال : فاستغفرت الله تعالى مما كان وقع في قلبي ، وكان شقيق البلخي رحمه الله يقول : إن المكاسب اليوم قد فسدت ، وإن التجارات والصناعات شبهات كلها ، لا يحل الاستكثار والادخار منهما لوجود الغش وعدم النصح ، قال : وإنما ينبغي للمسليمن أن يدخلوا فيها ضرورة ، وقال : الناس كقتلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأنهم أعانوا على إماتة السنن ، ودرس طرق الأنبياء ، ومن أبطل سنن نبي فكأنما قتله هذا بقوله في سنة سبعين ومائة ، فإذا كان الأمر أيها المسلم الموقن بتوحيد الله ووعيده ، على هذا عند العلماء من السلف والأخيار من الخلف ، في ذلك الوقت ، فكيف بوقتك هذا ؟ وقد افترض عليك الزهد في الدنيا ، وقد وجب عليك الأخذ بالبلغة ، مما لابد منه من كل شيئ ، فإن استكثرت أو جمعت من مثل هذه الأشياء كان ذلك معصية ، وكل ما يظهره الله عز وجل لك من غير الأمور وبديهات المصائب ، فإنما هو تزهد لك في الدنيا إن فطنت لذلك ، وكل ما صرف عنك مثل هذا فهو خير ، وإن كرهت ، وفي الخبر : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ولو كان من حلال ، فإن كان لا بد فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس ، فقد صار الأكل في ثلث البطن خير من الأكل ملأه لأنه شر ، وما نقص من الشر فهو خير ، وفي الخبر : ما شيء أبغض إلى الله من بطن مليء ولو من حلال .
وقد جاء في الخبر : لا يعذب الله عبدا جعل رزقه في الدنيا قوتا ، وفي قوله تعالى : ( ورزق ربك خير وأبقى ) طه : 131 قيل : يوم بيوم ، وقيل : القناعة ، وقد كان المسلمون يتورعون عن الشبهات في وقت العدل ، ومع وجود الفضل ، حدثونا : أن الفضل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك رضي الله عنهم ، اجتمعوا عند وهيب بن الورد بمكة ، فذكروا الرطب فقال وهيب : هو أحب الطعام إلي إلا أني لا آكله ، قيل : ولم ؟ قال : لأنه قد اختلط رطب مكة بهذه البساتين التي اشتروها هؤلاء ، يعني زبيدة وأشباهها ، فقال له ابن المبارك : رحمك الله إن نظرت إلى مثل هذا ، ضاق عليك الخبز ، فقال : وما سببه ؟ قال : نظرت في أصول الضياع بمصر فإذا هي قد اختلطت بالصوافي ، قال : فغشي على وهيب ، فقال له سفيان : ما أردت بهذا ؟ قتلت الرجل ، قال ابن المبارك : والله ما أردت إلا أن أهون عليه ، قال : فلما أفاق وهيب قال لله علي أن لا آكل خبزا أبدا حتى ألقاه ، قال : فكان يشرب اللبن ، قال : فأتته أمه بلبن فقال : من أين لك هذا ؟ قالت من شاة بني فلان ، قال : ومن أين لهم ثمنها ؟ قالت : من كذا وكذا ، فرضيه ، فلا أدناه من فيه ، قال : قد بقي شيء فأين ترعى هذه الشاة ؟ فسكتت ، فقال : لتخبريني ، فإذا هي ترعى مع غنم لابن عبد الصمد الهاشمي أمير مكة في الحي ، فقال : هذا اللبن للمسلمين ، فيه حق لا يحل لي أن أشربه دونهم ، وهم شركائي فيه ، فقالت له أمه : اشربه فإن الله يغفر لك ، فقال : ما أحب أني شربته وأنه غفر لي ، قالت : ولم ؟ قال : أكره أن أنال مغفرته بمعصية ، وقد كان لطاووس اليماني بضاعة يتجر له فيها من التمر ، فاشترى مضاربه ببضاعة أديما من بعض أولياء السلطان وكتب إليه بذلك ، وكتب إليه طاووس : أفسدت علينا مالنا ، ما أحب أن أتلبس بشيء منه فبع الأديم باليمن ، وتصدق بثمنه ، ولا تدخل منه إلى الحرم درهما واحدا ، وأنا أستغفر الله من طعمة الفقراء ، وأرجو أن أنجو كفافا لا علي ولا لي ، فيقال : إن ذلك كان سبب فقره ولم يكن له مال غيره ، فبقي بغير معلوم من دنيا ، وكان خالد القشيري لما ولي مكة بعد ابن الزبير أجرى نهرا في طريق أهل اليمن إلى مكة ، فكان طاووس ووهب بن منبه اليمانيان رضي الله عنهما إ ذا مرا عليه لم يتركا دوابهما أن تشرب منه ، وقد كان سهل رحمه الله يقول : رجل بات في قرية جائعا قام إلى الغداة لم يقدر أن يصلي من الجوع ، أعطاه الله في منزله جميع صلاة المصلين القائمين في قريته ، قيل : وكيف ذلك ، قال : طلب الحلال ، فلم يجده فكره أن يدخل جوفه حراما فبات طاويا فله أجر المصلين القائمين في تلك الليلة وهو سليمان التيمي رحمه الله ترك أكل الحنطة ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنها تطحن في هذا الأرحى ، فقال : المسلمون شركاء في الماء وهؤلاء يأخذون خراجها دون سائر الناس . وحدثت أن امرأة أهدت إلى بشر بن الحارث سلة عنب ، فقالت : هذه من صنيعة أبي فردها بشر عليها ، فقالت : سبحان الله تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وميراثي منه وشهادتك مكتوبة في كتاب الشراء ، فقال : صدقت ملك أبيك ولكنك أفسدت الكرم ، قالت : بماذا ؟
قال : سقيته من نهر طاهر يعني طاهر بن الحسين بن مصعب بن عبد الله بن طاهر صاحب المأمون ، وهذا النهر هوالخندق المعترض في الجانب الغربي ، لم يكن يشرب من الخندق ولا يمشي على الجسر وقد كان بشر يقول : منذ ثلاثين سنة أشتهي شواء وما أتركه زهدا فيه ولو صح لي درهمه لأكلته ، فهذه سيرة المتقدمين وطريق السالفين ، من سلكها لحق بهم وكان كأحدهم ، ومن خالفها فليس على سنة السلف ، ولا من صالحي الخلف وسعة رحمة الله الواسعة بمشيئته السابقة ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وقد كان من سيرة القدماء من أهل الورع أن لا يستوعب أحدهم كلية حقه بل يترك شيئا خشية أن يستوفي الحلال كله ، فيقع في الشبهة ، فإنه يقال : من استوعب الحلال حام حول الحرام ، فكانوايستحبون أن يتركوا بينهم وبين الحرام من حقهم حاجزا من الحلال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ومنهم من كان يترك من حقه شيئا لغير هذه النية ، ولكن لقول الله عز وجل ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) النحل : 90 قالوا : فالعدل أن تأخذ حقك كله وتعطي الحق ، والإحسان أن تترك بعض حقك وتبذل فوق ما عليك من الحق لتكون محسنا ، ولأن الله تعالى كما أمر بالعدل قد أمربالإحسان لقوله : ( حقا على المتقين حقا على المحسنين ) البقرة : 18 ، - 236 ، وهذه الطريقة قد جهلت من عمل بها فقد أظهرها ، حدثونا عن بعضهم قال : أتيت بعض الورعين بدين له علي وكان خمسين درهما ، قال : ففتح يده فعددت فيها إلى تسع وأربعين درهما فقبض يده ، فقلت : هذا درهم قد بقي لك من حقك ، قال : قد تركته لك إني أكره أن أستوعب مالي كله ، فأقع بما ليس لي ، قد كان عبد الله بن المبارك وغيره يقول : من اتقى من تسعة وتسعين شيئا ولم يتق من شيء واحد لم يكن من المتقين ، ومن تاب من تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن من التوابين ، ومن زهد في تسعة وتسعين شيئا ولم يزهد في شيء واحد فليس من الزاهدين ، وقد روى عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون الرجل من المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذارا مما به البأس ، وروينا عن أبي الدرداء : إنما التقوى أن يتقي الله العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما ، يكون حجابا بينه وبين الحرام ، وبمعنى هذا ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : كنا نترك سبعين بابا من الحلال مخافة باب واحد من الحرام ، وهذا طريق قد مات أهله ، فمن سلكه فقد أحياهم فأما أموال التجار والصناع والمتصرفين في المعايش المباحة بالأسباب الجائزة في العلم ، مع موافقة الكتاب والسنة فهي شبهات ، ثم تتنوع بنوعين : فتكون شبهة حلال إذا عاملت المتقين وأخذت من الورعين ، وتكون شبهة حرام إذا عاملت قليلي التقوى والورع ، وأما غير ذلك من أموال الجند فإنه حرام لفساد سببه ولمخالفة الأحكام ، فما كان عن معاملة لهم وكسب ولم تعلم شيئا بعينه غصبا ولا جناية فهو أسهل ، وما علمته فهو نص الحرام ، فالله الله في نفسك انظر أيها المسكين لمعادك واحفظ لدينك ، فإن كسبك من دينك وطمعتك من إيمانك ، فإن تهاونت بذلك فقد تهاونت بالدين ، ونبذت الأحكام وضيعت اليوم نفسك ولم تنظر فيما قدمت لغد ونعوذ بالله من سوء القضاء ، ويقال إن العدو إذا ظفر من العبد بسوء الطعمة لم يعترض عليه في الأعمال ، وقال : قد ظفرت منك بحاجتي ، اعمل الآن ما شئت ولم يعد عليه من أعماله إلا ظلمة في قلبه ، وقسوة وضعفا في عزيمة ، وفتورا ومعصية وحرم التوفيق والعصمة ، ولم يورث علم المكتوب والحكمة ، فإن كان المتصرف في السوف على الوصف المكروه ، مخالفا للعلم في تصرفه مفارقا للأحكام لايبالي من أي وجه ظهر وبأي سبب عليه قدر ، غير متق في كسبه ولا مرع لدين الله عز وجل فيه وحكمه ، فهوآكل للمال بالباطل قاتل لنفسه مفسد لدينه غاش للمسلمين ، والله لا يصلح عمل المفسدين كما لايضيع أجر المصلحين ، ومع ذلك فهو غير ناصح لله عز وجل ولخلقه في الدين ، مقامه في الظلم وحاله الهوى ، والله لا يحب الظالمين ، فهو مأمور بالتوبة في جميع تصرفه مفترض عليه الإنابة في جميع تقلبه قبل أن يبغته الموت ويفجأ الفوت ، فيلقى الله تعالى ظالما ذا هوى فقد قال تعالى : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الحجرات : 11 ، وقال تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) الشعراء : 227 ، وقال بعض الحكماء : الدنيا بحر عجاج والتجار فيه غاصة ، فواحد يغوص فيخرج درا ، وهؤلاء أبناء الآخرة الذين لها يعملون ، وآخر يغوص فيخرج آجرا وهؤلاء عمال الدنيا الذين عليها يحرصون ، وآخر يخرج سمكا ، وهؤلاء المقتصدون ، وآخر في قعره قد غرق ، وهؤلاء المطرودون عن الطاعة إلى الأسواق كلما أرادوا أعمال البر طردوا عنها إلى السوق وشغلوا ، فقد غرقوا في بحر الخطايا ، وآخر طاف مع الأمواج يضطرب يطلب النجاة ، كلما رفعته موجة طمع في النجاة ثم تغطيه موجة أخرى فيخاف الهلكة ، وهؤلاء المريدون الاستقامة في زماننا هذا ، ترفعهم التوبة إلى النجاة وتحطهم العادة إلى الهلكة .
لم وحاله الهوى ، والله لا يحب الظالمين ، فهو مأمور بالتوبة في جميع تصرفه مفترض عليه الإنابة في جميع تقلبه قبل أن يبغته الموت ويفجأ الفوت ، فيلقى الله تعالى ظالما ذا هوى فقد قال تعالى : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الحجرات : 11 ، وقال تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) الشعراء : 227 ، وقال بعض الحكماء : الدنيا بحر عجاج والتجار فيه غاصة ، فواحد يغوص فيخرج درا ، وهؤلاء أبناء الآخرة الذين لها يعملون ، وآخر يغوص فيخرج آجرا وهؤلاء عمال الدنيا الذين عليها يحرصون ، وآخر يخرج سمكا ، وهؤلاء المقتصدون ، وآخر في قعره قد غرق ، وهؤلاء المطرودون عن الطاعة إلى الأسواق كلما أرادوا أعمال البر طردوا عنها إلى السوق وشغلوا ، فقد غرقوا في بحر الخطايا ، وآخر طاف مع الأمواج يضطرب يطلب النجاة ، كلما رفعته موجة طمع في النجاة ثم تغطيه موجة أخرى فيخاف الهلكة ، وهؤلاء المريدون الاستقامة في زماننا هذا ، ترفعهم التوبة إلى النجاة وتحطهم العادة إلى الهلكة . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ، وأوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه لا تتخذوا الأهل والمال في زمن العقوبات ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . نحمدك يا من هيأت القلوب للتيقظ لمرضاتك ، وفتحت أقفالها بأسرار معرفتك وأنوار هباتك ، ونصلي ونسلم على من أرسلته بطب القلوب ، وأيدته بما أنزلت عليه من قوت القلوب وتبيين الغيوب ، وعلى آله الذي تحققوا برياضة النفوس فتحلوا بأنوار اليقين ، وأصحابه السائرين على منهجه المبين . أما بعد ، فقد تم بحمده تعالى طبع كتاب قوت القلوب في معاملة المحبوب ، للأمام الفاضل والأستاذ الكامل سيدنا ومولانا الشيخ أبي طالب المكي رحمه الله وأثابه رضاه ، وهو كتاب له من اسمه أكبر نصيب ، ومن المتكلم على آفات النفوس والاستشهاد بالآي كلا مطرب غريب ، وفي تبيين طريق السلف الصالح ما يجعل الغائب كأنه حاضر مبصر ، وفي أحوال أهل اليقين ما يزيح الخفاء ويجلو من عين القلب النظر ، وبالجملة ، فهو كتاب شهرته طبقت الآفاق ، وهي أقل مما فيه ، وليس الخبر يكفي ما العيان يكفيه .
دستیاب متن ختم۔
سوالات
- توحید کیا ہے، اللہ کی وحدانیت پر مسلمانوں کا ایمان؟
- اسلام موت کے بعد کی زندگی کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- حدیث کیا ہے اور اس کی صحت کیسے پرکھی جاتی ہے؟
- قرآن صبر کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- قرآن زندگی کے مقصد کے بارے میں کیا کہتا ہے؟
- اخلاص کیا ہے اور یہ کیوں اہم ہے؟
- اسلام تزکیۂ قلب کو کیسے بیان کرتا ہے؟