Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

حصہ V01/P171–V01/P172

فقال : يابني الكلام اليوم أكثر والعلم فيما مضى كان أكثر وقيل : كانوا ينتفعون بصمت العلم مثل ما ينتفعون بكلامه ، وقد قيل : من لم ينتفع بسكوت المتكلم لم ينتفع بكلامه ، وقيل لبعض العلماء : فلان أعلم أم فلان ؟ فقال فلان أعلم وفلان أكثر كلاما ففرق بين العلم والكلام ، وقيل لبعض علماء خراسان عند وفاته : دلنا على رجل نجلس إليه بعدك فقال لهم : فلان فذكر لهم رجلا صموتا متعبدا لا يعرف بكثير علم فقيل له : إن فلانا ليس عنده من العلم ما يجيب عن كل ما نسأله عنه من العلم فقال : قد علمت ، ولكن عنده من الورع مالا يتكلم بما لايعلم وكان الأعمش يقول : من الكلام كلام جوابه السكوت ، وقال بعض السلف : الصمت زين العالم وستر الجاهل ، وقال غيره : الصمت جوابه وفي الخبر : الصمت زين للعالم وشين للجاهل ، وقال بعضهم : ليس شيء أشد على الشيطان من عالم حليم إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت بحلم ، يقول الشيطان : انظروا إليه سكوته أشد علي من كلامه ، وقال بعض السلف : تعلم الصمت كما تتعلم الكلام ، فإن يكن الكلام يهديك فإن الصمت يقيك ولك في الصمت خصلتان تدفع به جهل من هو أجهل منك وتعلم به علم من هو أعلم منك ، وقال بعض العلماء : تعلم لاأدري ولا تتعلم أدري فإن قلت لاأدري علموك حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري ، وقد قال العلماء : إذا أخطأ العالم قول أدري أصيبت مقاتله ، وقال عيسى عليه السلام : الخير كله في ثلاثة : في الصمت ، والكلام ، والنظر ، فمن لم يكن صمته تفكرا فهو في سهو ، ومن لم يكن كلامه ذكرا فهو في لغو ، ومن لم يكن نظره عبرا فهو في لهو ، وقال بعضهم : يأتي على الناس زمان يكون أفضل أعمالهم النوم وأفضل علومهم الصمت يعني لفساد الأعمال ولاشتباه العلم ، ويقول أيضا مع ذلك : وأفضل أحوالهم الجوع لانتشار الحرام وغموض الحلال ، وقال بعض العلماء : الصمت نوم العقل والنطق يقظته وكل يقظة تحتاج إلى نوم وما صمت عاقل قط إلا اجتمع عقله وحضر لبه ، وفي وصية ابن عباس مجاهدا لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أسلم ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلم فيما لايعنيك حتى ترى له موضعا فرب متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت ، وقال بعض العلماء : يستبين ورع الرجل في منطقه وفي الخبر : من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه مات قلبه ، ويقال : إذا قل الكلام كثر الصواب ، وعن جماعة السلف : إن تسعة أعشار السلامة في الصمت ، ويقال : كل كلمة من هزل أو مزح أو لغو يوقف العبد عليها خمس مواقف بتوبيخ وتقرير ، أولها أن يقال له لم قلت كلمة كذا أكانت فيما يعنيك ؟ والثانية هل نفعتك إذ قلتها ؟ والثالثة هل ضرتك لو لم تقلها ؟ والرابعة ألا سكت فربحت السلامة من عاقبتها ؟

حصہ V01/P172–V01/P173

والخامسة هلا جعلت مكانها قول سبحان الله والحمد لله فغنمت ثوابها ، ويقال ما من كلمة إلا وينشر لها ثلاثة دواوين : الديوان الأول لم ، والثاني كيف ، والثالث لمن ، فإن نجا من الثلاث وإلا طال وقوفه للحساب ، وقال الحسن : لسان المؤمن وراء قلبه إذا أراد أن يتكلم تفكر فإن كان له تكلم وإن كان عليه أمسك ، وقلب المنافق على طرف لسانه أي كل شيء خطر بقلبه تكلم به ولا يتوقف ولا ينثني ، وفي الخبر : من آفة العالم أن يكون الكلام أعجب إليه من الصمت وفي الكلام تنميق وزيادة ، وفي الصمت سلامة وغنم ، وفي موعظة النبي صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ، والأخبار في الصمت وفي جميع ماذكرناه من المعاني تكثر ولم نقصد جمعها وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بأمر الخالق وتقوي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم وضعف النية والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن العين باب القلب ومنها يدخل آفاته وعندها توجد شهواته ولذاته ، وقد قال بعض العلماء : من كثرت لحظاته دامت حسراته والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد الإهتمام بها لما شهد به الإيقان وتنسي ادكار العباد وتواصل ذكر المعبود ، والخلوة من أكبر العوافي ، وذلك أنه قد جاء في الحديث : سلوا الله العافية فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية ، ثم قد روي في الخبر : العزلة عن الناس عافية ، فدخل ذلك في معنى ماندب إليه من السؤال وفيما فضل بعد اليقين على جميع الأحوال ولا يكون المريد صادقا حتى يجد في الخلوة من اللذة والحلاوة والمزيد ما لا يجده في الجماعة ويجد في السر من النشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ويكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في السر ، ومثل الخلوة في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من المحبة ، الخوف يصلح لجميع العابدين والمحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك الخلوة والانفراد يصلح لجميع المريدين والأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من الأئمة العالمين إلا أن الخلوة تحتاج إلى عقل آخر والوحدة والانفراد يحتاج إلى إيمان ثان .

حصہ V01/P173

ي الكلام تنميق وزيادة ، وفي الصمت سلامة وغنم ، وفي موعظة النبي صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ، والأخبار في الصمت وفي جميع ماذكرناه من المعاني تكثر ولم نقصد جمعها وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بأمر الخالق وتقوي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم وضعف النية والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن العين باب القلب ومنها يدخل آفاته وعندها توجد شهواته ولذاته ، وقد قال بعض العلماء : من كثرت لحظاته دامت حسراته والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد الإهتمام بها لما شهد به الإيقان وتنسي ادكار العباد وتواصل ذكر المعبود ، والخلوة من أكبر العوافي ، وذلك أنه قد جاء في الحديث : سلوا الله العافية فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية ، ثم قد روي في الخبر : العزلة عن الناس عافية ، فدخل ذلك في معنى ماندب إليه من السؤال وفيما فضل بعد اليقين على جميع الأحوال ولا يكون المريد صادقا حتى يجد في الخلوة من اللذة والحلاوة والمزيد ما لا يجده في الجماعة ويجد في السر من النشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ويكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في السر ، ومثل الخلوة في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من المحبة ، الخوف يصلح لجميع العابدين والمحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك الخلوة والانفراد يصلح لجميع المريدين والأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من الأئمة العالمين إلا أن الخلوة تحتاج إلى عقل آخر والوحدة والانفراد يحتاج إلى إيمان ثان . وقد روينا عن سفيان الثوري وعن بشر بن الحرث : إذا استوحشت من الوحدة واستأنست بالخلق لم آمن عليك الرياء ، وكان أبو محمد يقول : اجتمع الخير كله في هذه الخصال الأربع وبها صار الإبدال إبدالا : إخماص البطون ، والصمت ، واعتزال الخلق ، وسهر الليل ، وحدثت عن عبد العزيز عن سهل رحمه الله قال : مخالطة الولي للناس ذل وتفرده عز وقل مارأيت وليا لله عز وجل إلا منفردا ، وقال بعض العارفين : الأنس بالوحدة علامة وجود الطريق فمن علامة صدق الإرادة بعد صحة التوبة وقوة العزم على الاستقامة إيثار هذه الأربع التي ذكرناه على أضدادها ووجود القلب عندها وانشراح الصدر بها وحسن الخلق معها لأن ضدها هو أبواب الدنيا ومفاتيح الغفلة وطرقات الهوى ، من ذلك فإن في الشبع قسوة القلب وظلمته وفي ذلك قوة صفات النفس وانتشار حظوظها وفي قوتها وبسطها ضعف الإيمان وخمود أنواره وفي ضعف النفس وخمود طبعها قوة الإيمان واتساع شعاع أنوار اليقين وفي ذلك قرب العبد من القريب ومجالسته للحبيب والشبع مفتاح الرغبة في الدنيا ، وقال بعض الصحابة : أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبع إذ القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم شهواتهم .

حصہ V01/P173–V01/P174

وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجوعون من غير إعواز أي مختارين لذلك ، وقال ابن عمر : ماشبعت منذ قتل عثمان رضي الله عنه ، وقال هذا في زمن الحجاج ، وفي حديث أبي حجيفة لما تجشأ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : اكفف عنا جشاءك فإن أطولكم شبعا في الدنيا ، أكثركم جوعا في الآخرة ، فقال : والله ما تمليت طعاما من يومئذ إلى يومي هذا ، وأرجو أن يعصمني الله عز وجل فيما بقي ، ويستحب على هذا أن يكون جوع العبد في الدنيا أكثر من شبعه وهي علامة الأولياء ، فمن كان له أكلة بين جوعتين إلى منتهاهما فجوعه حينئذ أكثر من شبعه ، ومن كان له بعد جوعة بالغة شبعة متوسطة فقد اعتدل شبعه وأكله وجوعه ، ومن أكل في يوم مرتين أو أكل من غير جوع ثم شبع فشبعه أكثر من جوعه ، وهذا مكروه ، وكل من أكل بعد الجوع ، ورفع يده قبل الشبع فجوعه أكثر من شبعه وهذا أوسط الأحوال ، وقال هشام عن الحسن : والله لقد أدركت أقواما كانوا لا يشبعون يأكل أحدهم حتى إذا رد نفسه أمسك ذائبا ناحلا مقبلا على نية يعيش عمره كله ما طوى له ثوب قط ولا أمر أهله بصنعة طعام قط ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا قط ، وقال جعفر بن حيان عن الحسن : المؤمن لا يأكل في كل بطنه ، ولا تزال وصيته تحت جنبه . وروينا عن الثوري : خصلتان تقسيان القلب ؛ طول الشبع ، وكثرة الكلام ، وروينا عن مكحول خصال ثلاث يحبها الله عز وجل وثلاث يبغضها الله عز وجل ، فأما اللاتي يحبها : فقلة الأكل ، وقلة النوم ، وقلة الكلام ، وأما اللاتي يبغض : فكثرة الأكل ، وكثرة الكلام ، وكثرة النوم ، فأما النوم فإن في مداومته طول الغفلة وقلة العقل ونقصان الفطنة وسهوة القلب ، وفي هذه الأشياء الفوت وفي الفوت الحسرة بعد الموت ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قالت أم سليمان بن داود لابنها : يابني لاتكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم تترك العبد فقيرا يوم القيامة وقيل كان شبان يتعبدون في بني إسرائيل فكانوا إذا حضر عشاؤهم قام فيهم عالمهم فقال : يا معشر المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا ، وكان بعض السلف يقول : أدنى أحوال المؤمن : الأكل والنوم ، وأفضل أحوال المنافق : الأكل والنوم ، وقال بعض الناس لفيلسوف من الحكماء : صف لي شيئا أستعمله حتى أكون أنام النهار ، فقال : ياهذا ماأضعف عقلك إن نصف عمرك نوم والنوم من الموت ، تريد أن تجعل ثلاثة أرباعه نوما وربعه حياة ؟ قال : وكيف ؟ قال : أنت إذا عشت أربعين سنة فإنما هي عشرون سنة أفتريد أن تجعلها عشر سنين ؟

حصہ V01/P174–V01/P175

وأما كثرة الكلام فإن فيه قلة الورع وعدم التقوى وطول الحساب وكثرة المطالبين وتعلق المظلومين وكثرة الأشهاد من الأملاك المكاتبين ودوام الإعراض من الملك الكريم ، لأن الكلام مفتاح كبائر اللسان ، فيه الكذب والغيبة والنميمة والبهتان ، وفيه شهادة الزور ، وفيه قذف المحصن والافتراء على الله تعالى والإيمان ، وفيه القول فيما لايعني والخوض فيما لاينفع ، وقد جاء في الخبر : أكثر خطايا ابن آدم في لسانه وأكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فيما لايعنيه ، وفي اللسان التزين والتصنع للخلق والتحريف والإحالة لمعاني الصدق ، وفيه المداهنة والمواراة والتملق لأهل الأهواء وفي اجتماع هذا على العبد شتات قلبه وفي شتاته تفريق همه ، وفي تفريق همه سقوطه من مقام المقربين ، وفي وصية ابن عباس لمجاهد لا تمارين حليما ولا سفيها فإن الحليم يقلاك وإن السفيه يؤذيك ، وفي الخبر : إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض ، وفي لفظ آخر ليتكلم بها فيهوي في جهنم سبعين خريفا ، وقال لقمان لابنه : لأن تعيش أخرس يسيل لعابك على صدرك خير لك من أن تنطق في نادي القوم بما لايعنيك ، وفي خبر : من افتتح بكلمة سوء ثم خاض الناس في مثلها كان عليه مثل أوزارهم ، وفي الخبر : لايأتي بخير السوء إلا رجل السوء ، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم أنه كان إذا صحبه رجل فجاء بخبر سوء فارقه ، وروينا في الحديث : من حدث بما سمعت أذناه ورأت عيناه كتبه الله تعالى من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا . وروينا عن علي رضي الله عنه : مذيع الفاحشة في الناس كفاعلها ، وفي الخبر : إن بعض فقراء أهل الصفة استشهد في سبيل الله عز وجل فقالت أمه : هنيئا لك في الجنة جاهدت في سبيل الله وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت شهيدا ، طوبى لك الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك أنه في الجنة ؟ فلعله كان يتكلم فيما لا ينفعه أو يبخل بما لا يضره وفي لفظ آخر : لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل بما لايغنيه ، وفي الخبر : إن بعض الصحابة قال لرجل إنه لنؤوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اغتبتم أخاكم سلوه أن يستغفر لكم ، وفي خبر آخر : إنهم قالوا ماأعجز فلانا فقال : أكلتموه ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت لامرأة : ماأطول ذيلها وفي لفظ آخر قالت : إنها لقصيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اغتبتها وفي خبر آخر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : لقد تكلمت بكلمة لو مزج بها ماء البحر لامتزج ، فهذا من وصف المبالغة في الشدة ، وفي الخبر الجامع لهذه المعاني في وصف الغيبة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال في أخيه مافيه فقد اغتابه .

حصہ V01/P175–V01/P176

وفي حديث أبان عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشد من ذلك أنه قال الغيبة ما إن قلت في أخيك لم تزكه به فهذا نهاية القول من الشدة وغاية التشديد في الغيبة والغيبة اسم لغوي معناه شرعي مشتق من غيب الإنسان وفسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أن يقول العبد في أخيه ما فيه وعظمها بقوله هي أشد من الزنا ، فمتى قال العبد لأخيه في غيبته ما يعلمه يقينا فيه مما لا يقوله بمحضره أو مما ينقصه به أو لا يزكيه فيه فقد اغتابه ، فلو لم يكن في الصمت إلا السلامة من الغيبة لكان ذلك غنيمة موفورة ، كيف وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثة أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو ذكر الله عز وجل ، وأما مخالطة الناس فإنها تضعف العزم الذي كان قويا في أعمال البر وتحل العقد المبرم الذي استوطنه العبد في الخلوة لقلة المتعاونين على البر والتقوى وكثرة المتعاونين على الإثم والعدوان ، وفي مخالطة الناس قوة الطلب والحرص على عاجل الدنيا لما يعاين من إقبال أهلها عليه وفيه الفتور عن الخدمة بالنظر إلى أهل الغفلة والملل للطاعة بمجالسة أهل البطالة ونقصان حلاوة المعاملة وذهاب نور العلم وسرعة خروج الوجد بالفهم لاستماع كلام أهل الجهالة والنظر إلى الموتى من أبناء الدنيا كما روي عن عيسى عيه السلام : لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم ، قيل : ومن الموتى ؟ قال : المحبون للدنيا الراغبون فيها ، وقد كان الحسن يقول في قوله عز وجل : ( وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) فاطر : 22 ، قال : الفقراء والأغنياء كان الفقراء حيوا بذكر الله عز وجل والأغنياء ماتوا على الدنيا ، وأعظم ما في مخالطة الناس ومجالسة أهل البطالة وذوي غفلتهم ضعف اليقين برؤيتهم ، وأضر ما ابتلي به العبد وأعمله في هلاكه وأشده لحجبه وإبعاده ضعف يقينه بما وعد به بالغيب وتوعد عليه في الشهادة وهذا أخوف ما خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته فيما روينا عنه أنه قال : أخوف ماأخاف على أمتي ضعف اليقين ، وذلك أن ضعف اليقين هو أصل الرغبة في الدنيا والحرص على التكاثر منها والتضرع إلى أبنائها والطمع فيهم ، كما قال ابن مسعود : إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع إلى بيته وما معه من دينه شيء يلقى هذا فيقول : إنك لذيت وذيت ويلقى هذا فيقول أنت كيت وكيت ولعله لا يخلى منهم بشيء ويرجع إلى بيته وقد أسخط الله عز وجل ، وقد قال بعض التابعين : إن العبد ليقعد في الخلوة على خصال من الخير فيخرج إلى الناس فيحللون ما عقده عقدة عقدة حتى يرجع وقد انحلت العقد كلها ، وقوة اليقين أصل كل عمل صالح لأن في قوة يقينه سرعة منقلبه وطول مثواه في دار إقامته إيثار التقلل من الفاني وتقديمه للباقي وضعف حرصه وقلة طلبه وفقد طمعه وفراغه من الاشتغال بعاجله وإقباله وشغله بما ندب إليه من مستقره ، وفي جميع ذلك إخلاصه في أعماله وحقيقة زهده في تصرف أحواله وفي قصر أمله وتحسين عمله ، ألم تسمع إلى وصف من أخبر الله عز وجل عنه بالتكاثر الذي ألهاه حتى زار برزخه ومثواه كيف تهدده حتى يعلم يقينا وتوعده إذا رأى آخرته عيانا فقال سبحانه : ( ألهاكم التكاثر ) التكاثر : 1 أي شغلكم الجمع للمكاثرة حتى حللتم القبور ، ثم قال : ( كلا لو تعلمون علم اليقين ) التكاثر : 5 أي لشغلكم العمل الصالح للآخرة عن اللعب واللهو الذي هو مقتضى الشك إذ هو ضد اليقين فاشتغلتم بالآخرة عن التكاثر من الدنيا كما شغلكم التكاثر باللهو واللعب لعدم علم اليقين ، كما قال : ( أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) السجدة : 12 بعد أن قال : ( بل هم في شك يلعبون ) الدخان : 9 ثم ثوعدهم على ذلك مرتين وتهددهم بالسؤال عن النعيم الذي شغلهم وهو التكاثر في فضول العاجل وقيل : هو الجمع والمنع ، فاعلم أن الذي قطع العباد عن التوبة وعرج بالتائبين عن الاستقامة ثلاثة أشياء : الكسب ، والإنفاق ، والجمع ، وهذه الأسباب متعلقة بالخلق وموجودة بوجودهم ومفقودة بالانفراد عنهم فمن زهد في هذه الثلاثة فقد زهد في الخلق ومن رغب في الخلق فقد رغب في هذه الثلاث ، وقال الثوري : من خالط الناس داراهم ومن داراهم راياهم ومن راياهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا ، وقد قال بعض هذه الطائفة من الصالحين : قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق : كيف الطريق إلى التحقيق ؟

حصہ V01/P176–V01/P177

وقال مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع الله تعالى في كل وقت مع الدوام فقال : لاتنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت : لا بد لي من ذلك ، قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بد لي من ذلك ، قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة ، قلت : أنا بين أظهرهم لا بد من معاملتهم ، قال : فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة ، قلت : هذه العلة فقال : ياهذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله عز وجل على الدوام هذا ما لايكون ، وقد جاء في فضل العزلة والانفراد وفي فضل الصمت ، وفي جميع ماذكرناه من الجوع والسهر ومن مكابدة الليل ما يكثر جمعه فيما نبهنا عليه وأشرنا إليه بلاغ وغنية لمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ولمن أريد بالمعاملة والمتاجرة ولا حول ولا قوة إلا بالله . من الصالحين : قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق : كيف الطريق إلى التحقيق ؟ وقال مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع الله تعالى في كل وقت مع الدوام فقال : لاتنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت : لا بد لي من ذلك ، قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بد لي من ذلك ، قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة ، قلت : أنا بين أظهرهم لا بد من معاملتهم ، قال : فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة ، قلت : هذه العلة فقال : ياهذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله عز وجل على الدوام هذا ما لايكون ، وقد جاء في فضل العزلة والانفراد وفي فضل الصمت ، وفي جميع ماذكرناه من الجوع والسهر ومن مكابدة الليل ما يكثر جمعه فيما نبهنا عليه وأشرنا إليه بلاغ وغنية لمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ولمن أريد بالمعاملة والمتاجرة ولا حول ولا قوة إلا بالله .

حصہ V01/P177

الفصل الثامن والعشرون فيه كتاب مراقبة المقربين ومقامات الموقنين ذكر المقام الأول من المراقبة

حصہ V01/P177–V01/P179

العبد إذا قوي يقينه علم علم يقين أن أوقاته هذه التي وكل تربيته إليها وجعل سبب نمائه وحياته منها وهي مكررة عليه في البرزخ ومردودة إليه يوم القيامة ومعادة عليه في الجنة إن دخلها ليس يجازى هناك إلا بمقدار ما أعطي من المعاملة ههنا ، ولا يعطي ثم إلا بقدر ما وفق ههنا ، لا يسأل إلا عن أوقاته ، ولا يحاسب إلا بساعاته ، ولا يجازى إلا عليها ولا ترد عليه أوقات غيره ، كما لا يعاد هو في صورة غيره ولا يعطى جزاء سواه كما لم يعامل ههنا معاملة سواه ولكن الله يبدئ ويعيد ، فيمن ذلك قوله تعالى : ( كما بدأكم تعودون ) الأعراف : 92 وقال تعالى : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) القلم 35 ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ) ص : 29 من تدبره : ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) ص : 28 أي تدبروا آياته هل ترون جزاء هؤلاء لوصف هؤلاء أم هل تجدون وصف هؤلاء له جزاء أو لا ومثله قوله تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) النساء : 123 فنفى أمانيهم بليس وأنبت حكمه بلكن وهي مضمرة في الكلام المعني لكن من يعمل سوءا يجزيه ، وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المؤمن يجزى بسيئته في الدنيا من المصائب والجوع والعري ، والمنافق تبقى ذنوبه عليه حتى يوفي يوم القيامة كأنه حمار يجازى بها في الآخرة ، وكان الحسن يقول : عباد الله ، اتقوا هذه الأماني ، فإنها أودية النوكى يحلون فيها ، والله ما أتى عبد الله بأمنيته خيرا من دنياه ولا آخرته ، وقال بعض العلماء : كلما قل العقل كثرت الأماني ، وكتب بعض السلف إلى بعض إخوانه من أبناء الد نيا يعظه : أخبرني عن هذا الذي تكدح فيه وتحرص عليه من أمر الدنيا هل بلغت فيه ما تريد وأدركت ما تتمنى ؟ فقال : لا والله ، فقال : أرأيتك هذا الذي أنت حريص عليه لم تنل منه ما تريد فكيف تنال من الآخرة وقد أعرضت عنها وصرفت عنها فما أراك تضرب إلا في حديد بارد ، وقال بعض العلماء : من ظن أنه يدخل الجنة بغير عمل فهو متمن ومن قال أدخلها بعمل فهو متعن ، وقال بعضهم : الأماني تنقص العقل ، وفي الخبر : ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ومن هذا قول الله عز وجل : ( هل جزآء الإحسان إلا الإحسان ) الرحمن : 60 وقال في ضده : ( من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ) غافر : 40 وقال في معناه : ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) التوبة : 16 وكذلك قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) البقرة : 214 وقال في مثله : ( أم حست الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الجاثية : 21 ثم قال : ( ساء ما يحكمون ) العنكبوت : 4 فأبطل حسبانهم وأدحض حكمهم ثم أحكم ماعنده بقوله : ( سواء محياهم ومماتهم ) الجاثية : 21 أي هم كما كانوا في المحيا محسنين يعملون الصالحات كانت لهم الحسنى في الممات وكما كانوا في المحيا مفسدين يعملون السيئات كانت لهم السوأى والمكروهات ، وقيل : كانت هذه الآية مبكاة للعابدين لأنها محكمة غير متشابهة ، وكذلك جميع ما ذكرناه من نظائرها هو من المحكم الذي هو أم الكتاب غير منسوخ ولا متشابه ، وهذه الآي من عزائم القرآن وهو من أحسن ما أنزل علينا من ربنا الذي أمر الله سبحانه وتعالى باتباعه ووصف أهل الهدى وأولي الألباب باستماعه في قوله تعالى : ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنة ) الزمر : 18 قيل عزائمه ووعيده ، وقد قيل في قوله تعالى : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 47 قبل الرجاء الخائب بالإغترار والظن الكاذب ، وقيل : عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فوجدوها عند المحاسبة سيئات ، والصحيح ما صح بعد الحساب والحق ماثقل عند الميزان كما قال تعالى : ( والوزن يومئذ الحق ) الأعراف : 8 قيل : العلم والعمل ، كما قال تعالى : ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) الأعراف : 52 ثم قال : ( فلنقصن عليهم بعلم ) الأعراف : 7 ثم قال تعالى : ( وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ) الزمر : 48 قيل : كانوا يقدمون الذنب ويؤخرون التوبة ويسوفون بالمغفرة ، وكانت هذه الآية محزنة للخائفين ومخافة للعارفين وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أعد النار للكافرين ثم أمر المؤمنين باتقائها ثم وصف الكافرين فيها وخوف عباده بها فقال تعالى : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) آل عمران : 131 وقال سبحانه : ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون ) الزمر : 16 ويقال : إن العبد يستحق النار بأول معصية عصى مولاه بها بعد المعرفة ثم هو بعد ذلك في المشيئة وإن في كل عبد خصلة كريهة يخاف عليه منها وكان عبد الواحد ابن زيد يقول : ما صح خوف خائف قط ظن أنه لا يدخل النار وما صدق خوف من ظن أنه يدخل النار فظن أنه يخرج منها أي أن حقيقة الخوف خشية دخول النار ثم الخلود فيها ، وقد روينا مثل ذلك عن الحسن وقد ذكر له الرجل الذي يخرج من النار بعد ألف عام فبكى ثم قال : ياليتني مثل ذلك الرجل ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال إني في الجنة فهو في النار ومن قال : إني عالم فهو جاهل ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : من أراد أن يعلم كيف منزلته من الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله في قلبه ، فإن الله ينزل العبد منه بحسب ما أنزله من نفسه .

حصہ V01/P179

ذكر المقام الثاني من المراقبة

حصہ V01/P179–V01/P180

ثم يعلم العبد يقينا أن لكل عمل صالح نعيما في الجنة وروحا في البرزخ ولك عمل حسن ومعرفة خالصة مقاما في الجنة ، وقد قسم جزء هناك لعطاء معاملة ههنا وأن لكل عمل سيء وجهل قبيح عذابا في الآخرة وكربا في البرزخ ومقاما من النار قد قسم جزء هناك لعمل ههنا ثم قد أخفى الله ذلك الجزء من الخير والشر وأظهر أعمالهما للحمكين وأبان لهما طريقين يجريان إلى دارين بن حكمة منه ثم قدم المعاملات من المعنيين وأخر المثوبات من النوعين إحكاما منه للأفعال واستسعاء للعبد بالأعمال ابتلاء منه لتجزي كل نفس بما تسعى منة منه ورحمة وقدرة منه ومحبة لا يسئل عما يفعل لأنه ملك قهار عزيز جبار وهم يسئلون لأنهم عبيد مقهرون وذلل مجبورون ولا تضرب لهم الأمثال لأنه قد جاوز الإحتجاج والاعتدال ولا يسوى بالعبيد لأنه قد فات التقدير والتحديد فله الحجة والقدرة النافذة في كل شيء ليس كمثله شيء في جميع ذلك كله ، وقد أحكم الله تعالى ما ذكرناه في توحيد نفسه بالمشيئة والأفعال ونهيه عن الشرك به وضرب الأمثال وعجب ممن يسوي بينه وبين خلقه في الأحكام وجعل ذلك جحود النعمة وشركا في ملكه وأخبر به عن المشركين وإضلالهم أتباعهم بعد ضلالهم المبين وإضلالهم بتسويتهم بينه وبين عباده في الأحكام في قوله تعالى : ( قالوا وهم فيها يختصمون ) ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين ) ( إذ نسويكم برب العالمين ) ( وما أضلنا إلا المجرمون ) الشعراء : 96 ، 97 ، 98 ، 99 ، قيل : أنزلت في القدرية لأنهم أضافوا الحول والقوة في الشر إلى الخلق فسووا بينهم وبين الخالق ، وقد قال الله تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) الصافات : 96 فأضاف الأعمال إلى أنه خلقها كخلقه إياهم فهم المجرمون الذين أنزلت فيهم هذه الآية التي ذكر فيها القدرية فوصفوا بإنكارهم في قوله تعالى : ( إن المجرمين في ضلال وسعر ) ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ) ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) القمر : 47 ، 48 ، 49 هم المجرمون الذين أضلوا أتباعهم وهم الغاوون الذين كبكبوا في النار مع أشياعهم وقد أحكم الله تعالى تفضيل ما ذكرناه آنفا في خمس آيات محكمات تنظم جمل معاني ما ذكرناه تركنا شرح ذلك وبسطه خشية الإطالة لأنا لم نقصد الإحتجاج في الاستدلال من ذلك قوله تعالى : ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) النحل : 71 يعني : فضل الموالي على العبيد فماالذين فضلوا يعني الموالي برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ، والآية الثانية قوله تعالى : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء ) الروم : 28 أي : فكذلك أنا لا شريك لي من عبيدي فلا تجعلوا لي ما لم أجعل أحد لا خلقي ولا عبيدي عليكم إذ لم أسو بينكم وبين عبيدكم فلا تشركوا عبيدي في حكمي ، والثالثة قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) النحل : 75 يعني : الإنفاق ، ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه فجعلهما على وصفين أحدهما بخيل لم يقدره على الإنفاق ثم ذم بالبخل والعجز وهو الذي أعجزه ومنعه وجعل الآخر جوادا إذا قدره وأعطاه الإنفاق ثم مدحه بالجود ، وقال في الآية الرابعة : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ) النحل : 76 هو الحكمة والعلم ثم قال : ( هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ) النحل : 76 فجعل له عبدين : أحدهما سفيه جاهل أبكم عن الحكمة ولم يقدره على علم ولم يعطه استقامة ثم ذمه بوصفه ومقته لمنعه وجعل الآخر آمرا بالعدل عن أمره مستقيما على صراطه المستقيم الذي هو عليه وهو أقامه كما قال : ( هذا صراط علي مستقيم ) فهل يسلك أحد طريقه إلا به وهل يجوز عبد على سبيله إلا بحوله ثم مدحه بإعطائه إياه ووصفه بوصفه ثم علم سبحانه أن للعقل في هذا تشبيها وتمثيلا بخلقه وتجويزا وتظليما من خالقه على قياس العقول ، إن من فعل بعبدين له مثل هذا ثم مدح أحدهما وهو أعطاه وأقدره وذم الآخر وهو الذي منعه وأعجزه أنه قد ظلمه فحسم ذلك عزوجل بنهيه وأحكم النهي عن التمثيل به في الآية الخامسة الفاصلة القاضية التي نهانا فيها أن نضرب له بنا الأمثال مثل ما أجرى علينا من الأفعال ، فقال سبحانه وتعالى : ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) النحل : 74 فوكد ذلك بتحقيق علمه وغاية جهلنا ثم أيد هذا بقوله سبحانه : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) فسلم الراسخون في العلم الأحكام كلها للحاكم فسلموا من عذابه وآمن المؤمنون بجميع الأقدار أنها عدل وحكمة من حاكم عادل حكيم فأمنوا من عقابه لأنهم آمنوا بالمتشابه وأعطاهم بفضله من فضله جزيل ثوابه فهلك الزائغون بالأقاويل تتبعا للشبهات وابتغاء للتأويل فوقعوا في الضلال وهلكوا غدا في المآل .

حصہ V01/P180–V01/P181

كم النهي عن التمثيل به في الآية الخامسة الفاصلة القاضية التي نهانا فيها أن نضرب له بنا الأمثال مثل ما أجرى علينا من الأفعال ، فقال سبحانه وتعالى : ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) النحل : 74 فوكد ذلك بتحقيق علمه وغاية جهلنا ثم أيد هذا بقوله سبحانه : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) فسلم الراسخون في العلم الأحكام كلها للحاكم فسلموا من عذابه وآمن المؤمنون بجميع الأقدار أنها عدل وحكمة من حاكم عادل حكيم فأمنوا من عقابه لأنهم آمنوا بالمتشابه وأعطاهم بفضله من فضله جزيل ثوابه فهلك الزائغون بالأقاويل تتبعا للشبهات وابتغاء للتأويل فوقعوا في الضلال وهلكوا غدا في المآل . وقد روى الضحاك عن ابن عباس تصديق ما ذكرناه قبيل قوله عزوجل : ( لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) الحجر : 44 قال ابن عباس : طبق أسفل من طبق سبع دركات على قدر أعمالهم كذلك يقتسمون الدركات بقدرما اجترموا كما اقتسم أهل الجنة الدرجات بالفضائل لكل باب منهم جزء مقسوم يعني نصيبا معلوما مفروضا لكل طبقة سكان ، وقال بعض العلماء : تالله ما في الجنة قصر ولا نهر ولا نعيم إلا عليه اسم صاحبه مكتوب واسم ذلك العمل الذي هو جزاؤه مكتوب وكذلك جهنم ما فيها غل ولا قيد ولاشعب ولاعذاب إلا وعليه وصف ذلك العمل الذي هو جزاؤه واسم صاحبه مكتوب ، وقال : قد أدخلهم الجنة قبل أن يطيعوه وأدخلهم النار قبل أن يعصوه ، وقال بعض العارفين أيضا : الخالق أهون من أن يعصوه عزوجل بما لم يردوا لله أعز من أن يرضيه إلا من أحب لكنه غضب على قوم في العدم فلما أظهرهم استملهم بأعمال أهل الغضب ليحلهم دار الغضب ورضي عن قوم في القدم فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل الرضا ليحلهم دار الرضا ، وقال بعض أهل المعرفة : أظهر الخلق في العدم وأوجدهم سبعا إياهم اقتدارا ثم أظهر لهم أعمالهم وخيرهم الأعمال منه اختيارا فاختار كل عبد منهم عملا بعينه ثم طوى الأعمال فيهم وطواهم في الغيب فلما أظهرهم الآن في الوجود حجبهم بالعقول وأجرى كل عبد منهم اختياره لنفسه فبذلك وقعت الحجة عليهم إذا كشف لهم غدا ما حجبه عنهم اليوم وحدثت عن بعض هذه الطائفة قال : كان قد بقي في نفسي شيء من القدر وكنت أستكشفه من العلماء فلا ينكشف حتى قيض الله تعالى لي بعض الأبدال فاستكشفته إياه فقال : ويحك ما تصنع بالاحتجاج نحن يكشف لنا عن سر الملكوت فننظر إلى الطاعات تنزل صورا من السماء حتى تقع على جوارح قوم فتتحرك الجوارح بها وننظر إلى المعاصي صورا مصورة تنزل من السماء فتقع على جوارح قوم فتتحرك بها ، قال : فكشف عن قلبي القدر وأوقع لي العلم بمشاهدة القدرة وكنت أنا مرة خاطبت بعض إخواننا في شيء من الاستطاعة مع الفعل لا أنه قبله ولا بعده فتكلمت في ذلك بمذهب المثبتة من أهل الكلام قبل أن يكشف لي بمشاهدة علم اليقين فرأيت في النوم كأن قائلا يقول : القدر من القدرة ، والقدرة صفة القادر ، فيقع القدر على الحركة ولا يتبين فتظهر الأفعال من الجوارح ، أو قال فتتحرك الجوارح بالأفعال ولا تتبين فكيف يتكلم في شيء لا يتبين فجعلت على نفسي أني لا أناظر أحدا منهم بعد ذلك في شيء من هذا الباب ، وقد حدثونا عن بعض العابدين قال : صليت من السحر ركعتين ثم غفوت بعدهما فرأيت قصرا عاليا ذا شرف بيض كأنها الكواكب فاستحسنته فقلت لمن هذا القصر ؟

حصہ V01/P181–V01/P182

قيل لي : هذا ثواب هاتين الركعتين ففرحت فجعلت أطوف حوله فرأيت شرافة من ركنه قد وقعت فشانه ذلك فاغتممت وقلت : لو كانت هذه الشرافة في أعلاه في هذا الموضع لتم حسن هذا القصر فإن ثلمها قد شانه فقال لي غلام هناك : قد كانت هذه الشرافة في مكانها من القصر إلا أنك التفت في صلاتك فسقطت ، وحدثونا عن بعض الزهاد أنه كوشف مقامه من الجنة فرأى الحور العين وقلن نحن أزواجك ، فلما خرجت تعلقت بي الحور وقلن : ننشدك الله إلا ماحسنت أعمالك فإنك كلما حسنتها ازددنا لك حسنا وازددت بنا نعيما ، وحدثونا عن رابعة العدوية رحمها الله تعالى قالت : سبحت ذات ليلة تسبيحات من السحر ثم نمت فرأيت شجرة خضرة نضرة لا توصف عظما وحسنا وإذا عليها ثلاثة أنواع من الثمر لا أعرفه من ثمار الدنيا كثدي الأبكار ثمرة بيضاء وثمرة حمراء وثمرة صفراء ، فهن يلمعن كالأقمار والشموس في خلال خضرة الشجرقالت : فاستحسنتها فقلت : لمن هذه ؟ فقال لي قائل : هذه لك بتسبيحاتك آنفا ، قالت : فجعلت أطوف حولها فإذا تحتها ثمرة منتشرة على الأرض في لون الذهب فقلت : لو كانت هذه الثمرة مع هذه الثمار على هذه الشجرة لكان أحسن فقال لي الشخص : كانت هناك إلا أنك حين سبحت تفكرت هل اختمر العجين أم لا فانتثرت هذه الثمرة فهذه عبرة لأولي الأبصار ومواعظ لأهل التقوى والأذكار .

حصہ V01/P182

ذكر المقام الثالث من المراقبة

حصہ V01/P182–V01/P183

روي أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو لقيت الله تعالى بعمل سبعين نبيا لخشيت أنك لا تنجو من هول ذلك اليوم ، وقال بعض السلف : لو أن العبد كان يجر على وجهه من أول الدنيا إلى قيام الساعة في طاعة الله وعبادته لاحتقره يوم القيامة لما يرى من الزلازل والأهوال ، وفي الحديث : معالجة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف وإن ألم شعرة من الموت لو وضع على جميع الخلائق لماتوا وإن بين الخلائق وبين الموت وبين دخول الجنة مائة ألف هول كل هول منها يزيد على ألم الموت مائة ألف ضعف لا ينجو العبد من كل هول منها إلا برحمة فيحتاج العبد إلى مائة ألف رحمة تنجيه من تلك الأهوال يكون ذلك العدد من الرحمة مقسوما على مائة ألف حسنة أعطيها من حسناته في الدنيا التي أحسن بها إليه يكون مكانا لظهور الرحمة وطريقا لعطائها غدا حكمة من الحكيم وقسما مدبرا من الرحيم لأن الصالحات طرق الجزاء والحسنات كلها عن الرحمة الواحدة التي سبقت له بها النجاة ثم سقطت في طرقات الأعمال أماكن الثواب فيعطى ذلك ههنا اليوم وهوالعطاء الأول يحسن توفيقه ولطف عنايته ويعطى الجزاء هناك غدا بفضل رحمته وتمام نعمته ذلك تقدير العزيز العليم كما قال تعالى : ( هل جزاءالإحسان إلا الإحسان ) الرحمن : 60 قيل في الخبر : ما جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة ، وقال بعض العلماء : وليس لقول لا إله إلا الله جزاء إلا النظر لوجه الله تعالى والجنة جزاء الأعمال ألم تر أنه لو حرم التوحيد اليوم لحرم الجنة ولو منع الإسلام اليوم لم يغفر الله له أبدا كما قال عز وجل : ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ) المائدة : 72 وقال : ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ) محمد : 34 فهذا مما لاحيلة فيه ولا سبيل إليه ، وقد قال : ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) المدثر : 56 قيل : هو أهل أن يعطى التقوى ومن أعطاه التقوى فهو أهل أن يعطيه المغفرة كقوله تعالى : ( وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ) الفتح : 26 وقال : ( واتقوا الله لعلكم ترحمون ) الحجرات : 10 وقال : ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) الأعراف : 56 وقال سبحانه تماما على الذي أحسن وقال تعالى : ( وسنزيد المحسنين ) البقرة : 58 ، إلى قوله ماعلى المحسنين من سبيل ، وقال تعالى : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) الشورى : 23 ، فمن كانت أعماله الحسنات فهو من المحسنين ومن كانت أعماله سيئة فهو من المسيئين فاشتقاق الحسنة من الحسن وجزاؤها الحسنى وهي الجنة واشتقاق السيئة من السوء وجزاؤها السوأى وهي النار وقدسبق خلقهما قبل خلق الخلائق وفرغ من نصيب العباد من الجنة والنار وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فهذا أول المراقبة لأنها عن غير المشاهدة ترى الرقيب ثم تراقب ، وقد خص الله تعالى بالطيبات من الأعمال الطيبين من العمال وابتلى بالخبيثات من الأعمال الخبيثين من العمال وفرغ من ذلك بعلمه وقدره بحكمه وأخفاه بلطفه فقال تعالى : ( الخبيثات للخبيثين ) النور : 26 قيل الخبيثات من الأفعال والأقوال للخبثين من الرجال ، وقال : ( الطىبات للطيبين ) النور : 26 وقيل : الطيبات من الأعمال والمقال للطيبين من الرجال ، ثم أخبر بحسن خاتمة أوليائه وسوء خاتمة أعدائه فقال تعالى : ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) النحل : 32 ، قيل : طابت حياتهم فطابت وفاتهم وطابت أعمالهم فطاب الموت لهم ، وقال في وصف الظالمين : ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) النحل : 28 قالوا : فيم كنتم ؟

حصہ V01/P183

قالوا : كنا مستضعفين في الأرض قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا أظلمت حياتهم وأعمالهم فأظلمت قبوررهم ومثواهم فمن شهد ما ذكرناه يقينا دامت مراقبته وحسنت معاملته فاتصلت أوراده وكثر من الخير ازدياده ونفدت مشاهدته لصفاء يقينه ودوام مزيده فكان ممن ندب الله عز وجل في قوله تعالى : ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) الصافات : 61 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وكان ممن وصف إذ يقول : ( يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) المؤمنون : 61 أي يسارعون الموت ويسابقون الفوت ويسارعون الغافلين ويسابقون البطالين ولعل بطالا من الشاطحين جاهلا بحكمة الحكيم يتوهم علينا بظنه أنا نقول إنه لا يعطي إلا شيئا بشيء ولسنا نقول ذلك إنما نقول إنه يعطي شيئين بلا شيء ، فهو المعطي الأول للشيء الذي هوالظرف والمكان من العبادة والإيمان وهو الذي يعطي الشيء الذي هو النعيم والجنان إلا أنه أجرى ذلك بتقديره في مجاري حكمته كما سبق ذلك في علمه ثم أنشأه في معلومه لأنه حكيم عليم . ندب الله عز وجل في قوله تعالى : ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) الصافات : 61 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وكان ممن وصف إذ يقول : ( يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) المؤمنون : 61 أي يسارعون الموت ويسابقون الفوت ويسارعون الغافلين ويسابقون البطالين ولعل بطالا من الشاطحين جاهلا بحكمة الحكيم يتوهم علينا بظنه أنا نقول إنه لا يعطي إلا شيئا بشيء ولسنا نقول ذلك إنما نقول إنه يعطي شيئين بلا شيء ، فهو المعطي الأول للشيء الذي هوالظرف والمكان من العبادة والإيمان وهو الذي يعطي الشيء الذي هو النعيم والجنان إلا أنه أجرى ذلك بتقديره في مجاري حكمته كما سبق ذلك في علمه ثم أنشأه في معلومه لأنه حكيم عليم .

حصہ V01/P183

ذكر المقام الرابع من مراقبة الموقنين

حصہ V01/P183–V01/P185

ثم يعلم العبد يقينا أنه تنشر له سنوه في الآخرة شهورا وتبسط شهوره أياما وتفترش أيامه ساعات وتكشف ساعاته أنفاسا ثم يسأل عن كل نفس وينشر له بكل فعلة فعلها وإن صغرت ثلاثة دواوين : الأول لم فعلت وهذا مكان الابتلاء بالأحكام فإن سلم له نشر له ، الديوان الثاني وهو كيف فعلت وهو موضع المطالبة بصحة العلم فإن صح له هذا نشر عليه ، الديوان الثالث وهولمن فعلت وهذا مكان المطالبة في الإخلاص فإن اعتل بكيف أو بلم أو بلمن خيف عليه الهلكة إلا أن يتعطف عليه الكريم المنان بحيث لا يحتسب فيستنقذه ويسمج له وقد قال تعالى : ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ) الأنبياء : 47 أي جئنا بها أي أحضرناها وقرئت بالمد آتينا بها بمعنى جازينا بها ، وقال عزوجل : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) ( ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) الزلزال : 7 - 8 وقيل : هذه أحكم آية في كتاب الله عز وجل وهي مجملة مبهمة عامة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن شيء لم يوح إليه فيه بشيء يقول : ما عندي فيه إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ، فمن يعمل مثقال ذرة الآية ، ولما تعلم صعصعة جد الفرزدق من أسفل القرآن إلى هذه السوة قال : حسبي حسبي قد عرفت الخير والشر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انصرف الرجل فقيها وقيل الذرة قشرة الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤس الإبر . وروي عن ابن عباس أنه قال إذا وضعت كفك على التراب ثم رفعتها فكل شيء تعلق بها من التراب فهو ذرة ، وقد قيل أربع ذرات خردلة ، وذكر بعض العلماء أن الذرة جزء من ألف جزء من شعيرة ، ففي الأعمال مايزن هذا الشبح ومايثقل به هذا الخفاء ، فلذلك أخبر به الخبير وحذر منه الرؤوف وفي معنى ما ذكرنا آنفا من حسب أنه يدخل الجنة بعمل فهو متعن ومن حسب أنه يدخلها بغير عمل فهو متمن يعني أنه ينبغي أن يعمل ما عليه ولا ينظر إليه ثم يتوكل في ذلك على الله عزوجل ويرجو قبوله بكرمه ويخاف رده بعدله ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى عباده الصابرين له المتوكلين في أعمالهم عليه فأنعم أجرهم فقال : ( نعم أجر العاملين ) ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) العنكبوت : 58 - 59 فالمزيد في الجنة بفضل الله ورحمته هو تأبيد جزاء المعاملة الموهوبة اليوم ودوام خلود العامل في تأبيد جزائه ألم تسمع قوله تعالى : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) الشورى : 23 مع قوله : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) إلى قوله : ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) سبأ : 37 ومثله ( ولكل درجات مما عملوا ) الأنعام : 132 ونحوه : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ) القصص : 54 أي وبما يدرؤون بالحسنة الحديثة السيئة القديمة فلما استعملهم في الدنيا بعملين بالصبر وبدرء السيئة الماضية بالحسنة المستأنفة أعطاهم في الآخرة أجرين ، وهذا من الكلام المحذوف الموجز فمحذوفه وبما يدرأون أي وبما يدفعون أيضا فلما حذفت بما أشكل الكلام فأشبهت الواو واو النسق ومؤخره السيئة والمعنى يدفعون السيئة التي تقدمت منهم بالحسنة التي يعملونها بعدها فتكون الحسنة المستقبلة رافعة لعقاب السيئة الفارطة منهم ومن أحسن الصبر : الصبرعلى المصيبة ومن أحسن الحسنات : التوبة النصوح بعد ماسلف من الذنوب والفضوح فكأنهم قد عملوا عملين صبروا عن الشهوة ودفعوا بالتوبة ما سلف من السيئة فأعطاهم أجرين لما استعملهم بعملين إذ لا صبر إلا به ولا توبة لهم إلا منه كما قال تعالى : ( وما صبرك إلا بالله ) النحل : 127 وقال : ( توبة من الله ) النساء : 92 وليس من العبد أو إليه فيما من الله وإلا كان مشركا في اسم أول ، ومن أحسن الحسنات مراقبة الرقيب عند خطرات القلوب ومن أفضل القربات محاسبة النفس للحسيب واستجابتها بطاعة الحبيب وكذلك حكمته في مزيد أهل النار ودركات بعضهم على بعض في العتو والفساد فقال تعالى : ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) النساء : 167 زدناهم عذابا فوق العذاب أي زدناهم عذابا فوق عذاب الذين كفروا ولم يصدوا عن سبيل الله وبمعناه قوله تعالى : ( إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ) النساء : 168 فلم يغفر لهم بكفرهم ولم ينور لهم طريق الهداية بظلمهم ، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الظلم ظلمات يوم القيامة ومثل ذلك قوله تعالى : ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) البروج : 10 فصار عليهم عذابان : عذاب جهنم بما لم يتوبوا وعذاب الحريق بما فتنوا المؤمنين ، ومثله قوله تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) التوبة : 55 أي يريد أن يعذبهم بها في الدنيا ويريد أيضا أن تزهق أنفسهم على الكفر ليعذبهم بها في الآخرة وهذا نص صريح : إن الله تعالى يريد الكفر من الكافر لأن تزهق انتصب بالعطف على يريد الأول والواو فيه للجمع وقد قيل إن في هذه الآية تقديما وتأخيرا فيكون المعنى : ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم في الآخرة فأراد أن يجمع العذابين عليهم في جهنم : أحدهما الأموال والأولاد ، والثاني لإرادته تعالى أن تخرج نفوسهم على الكفر فمن لا مال له ولا ولد له منهم كان عليه عذاب واحد في جهنم لأجل قوله تعالى : بها أي بسببها ، وهذا مواصل للخبر الذي جاء أن فقراء الكفار يدخلون النار بعد أغنيائهم بخمسمائة عام لأجل الفقر الذي كانوا فيه في الدنيا كما أن الفقراء من المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأجل غنى أولئك .

حصہ V01/P185–V01/P187

اء الكفار يدخلون النار بعد أغنيائهم بخمسمائة عام لأجل الفقر الذي كانوا فيه في الدنيا كما أن الفقراء من المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأجل غنى أولئك . وفي الخبر أيضا وتدخل المرضى إلى الجنة قبل الأصحاء بأربعين خريفا ويدخل المقتول في سبيل الله مقبلا قبل المقتول في الله مدبرا بأربعين خريفا وتدخل المماليك قبل الموالي بأربعين خريفا ويدخل سليمان بن داود الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا لمكان ملكه فالحسرة العظمى والفوات الأكبر الذي لا درك له وهو تأبيد حرمان ما أعطي غيرك من المزيد هناك لفوت أوقاتك في الدنيا ههنا ثم درك ذلك بأوقاته العامرة ههنا تأبيد مزيد جزائه ثم وهذا هو التغابن ؛ غبن العاملون البطالين وغبن السابقون المخلفين وغبن المسارعون المثبطين ثم خلود العبد البطال المغبون في الدنيا في تأبيد حرمان مزيد الغابن العامل ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ما من ساعة تأتي على ابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها إلا كانت عليه حسرة وان دخل الجنة ، وفي لفظ آخر ، وهو أشد إلا كانت عليه ترة يوم القيامة أي مطالبة ومؤاخذة ، فالحسرة في الجنة بعد دخولها والظفر بنعيمها هو ما ذكرناه من حرمان مزيد العاملين فيها ثم دوام الحرمان مؤبد بها وهو كون العبد في نقصان درجة غيره ثم هو مخلد في النقصان سرمدا ومع ذلك فلا يؤبه له ولا يفطن به كيلا ينقص عليه نعيمه والطرفة والنفس إذا خلتا من اليقظة والذكر فيهما بمنزلة الساعة الخالية إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الساعة ولم يذكر ما دونها لأن اسم الساعة أقل الزمان المستعمل عند العرب ليواطىء بقوله قول الله سبحانه وتعالى : ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) الأعراف : 34 ومعلوم أنه إذا جاء الأجل لا يستأخرون نفسا ولا طرفة عين وكذلك لا يستقدمون طرفة ولانفسا ، فذكرت الساعة دون ما نقص منها لئلا يخرج الكلام عن حد استعمالهم وعرفهم وليستدل بها على ما دونها في القلة من النفس والطرفة ، وكذلك دل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصه على الساعة على ما دونها لأن حكمته من حكمة مولاه وكلامه على معاني كلامه وقد دخلت الساعة فما دونهافي الأيام التي قال الله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) الحاقة : 24 قيل : هي والله أيامكم هذه وستخلو فأشغلوها بالأعمال الصالحة قبل خلوها منكم وانقضائها عنكم ، وكان الحسن يقول : يا ابن آدم إنما أنت مراحل كلما مضى منك يوم أو ليلة قطعت مرحلة فإذا فنيت المراحل بلغت المنزل إلى الجنة أو النار ، فالساعات تنقلنا والأيام تطوينا ، وكما قال بعض الحكماء : مثل العبد في عمره مثل رجل في سفينة تسير وهو قاعد كذلك العبد يدنو من الآخرة وهو غافل ويقال : إن العبد تعرض عليه ساعاته في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربعة وعشرين خزانة فيرى في كل خزانة نعيما ولذة وعطاء وجزاء لما كان أودع خزانته من ساعاته في الدنيا من الحسنات فيسره ذلك ويغتبط به ، فإذا مرت به في الدنيا ساعة لم يذكر الله تعالى فيها رآها في الآخرة خزائن فرغا لا عطاء فيها ولا جزاء عليها فيسوءه ذلك ويتحسر كيف فاته أن لم يدخر فيها شيئا فيرى جزاءه مدخرا ثم يلقى في نفسه الرضا والسكون فلو لم يتحسر العبد إلا على فوت الفضائل والمندوب إليه من الخيرات لكان في فوت المسابقة والمسارعة حسرات فكيف بمن فاته أوقاته في السيئات وفرطت منه في الخسارات ولو لم يشتغل العبد في عمره إلا بالحلال والمباحات لكان ذلك نقصانا من الدرجات له فكيف بمن شغل بالمحظورات ؟

حصہ V01/P187

فسبحان الله ما أعظم الخطر وأصعب الأمر وأقل المشاهدين لذلك وأغفل البطالين ، وقد قال بعض العلماء : هب أن المسيء قد غفر له ، أليس قد فاته ثواب المحسنين ، وقد جاء في الأثر أن بعض أهل الجنة بيناهم في نعيم إذ سطع لهم نور من فوقهم أضاءت منه منازلهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا فنظروا إلى رجال من فوقهم أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء قد فضلوا عليهم في الأنوار والنعيم والجمال كما فضل القمر على سائر الكواكب فينظرون إليهم يطيرون على نجب تسرح بهم في الهواء حيث شاؤوا ويتزاورون بعضهم بعضا يزورون ذا الجلال والإكرام فينادون هؤلاء : يا إخواننا ما أنصفتمونا ، كنا نصلي كماتصلون ونصوم كما تصومون فما هذا الذي فضلتم به علينا ؟ قال : فإذا النداء من الله عز وجل إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون ويعطشون حين تروون ويعرون حين تكتسون ويبكون حين تضحكون ويقومون حين تنامون ويخافون حين تأمنون فلذلك فضلواعليكم اليوم ، فذلك قوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا بعملون ) السجدة : 17 ، وقد جاء في الخبر : أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب . ن تروون ويعرون حين تكتسون ويبكون حين تضحكون ويقومون حين تنامون ويخافون حين تأمنون فلذلك فضلواعليكم اليوم ، فذلك قوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا بعملون ) السجدة : 17 ، وقد جاء في الخبر : أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب .

سوالات