Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

حصہ V01/P205–V01/P206

وروينا في لفظ أبلغ من هذا كفضلي على أمتي ، فالموقنون من المؤمنين أعلى إيمانا والعالمون من الموقنين أرفع مقاما ثم على قدر بياض الماء يستبين من القنديل حسنه وصفاؤه ومثل هذا العقل في صحته من الإعتلال وصفائه من كدر الأحوال والأموال ويجمع ذلك كله القنديل وهو القلب ، فعلى قدر رقة القلب ولطف جوهره وصفائه من كدره وحسن طهارته عن الآثار تكون هذه العلوم فيه والأنوار وجوهر الزجاجة في الصفاء محتاج إلى صفاء الماء كما أن صفاء الماء محتاج إلى صفاء الجوهر وبمعيارهما يكون القلب والعقل ووقود النور محتاج إلى قوة الفتيلة ومدد الزيت فبموضعها في القوة والمدد يكون العلم بالله تعالى واليقين ذلك تقدير العزيز العليم وكل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم يفارقه خواطر الهوى الجهل والطمع وحب الدنيا ثم يضعف خاطر الهوى ويقوى على قدر تمكن هذه الثلاثة من النفس وحقائقها على مثل ماذكرناه من تمكن خواطر اليقين وضعفها لوجود مكانها وهو العلم والإيمان والعقل ، وفي القلب يظهر سلطان ذلك أجمع فأي جند كانت المشيئة معه غلب ، وروينا عن علي عليه السلام أن الله فى أرضه آنية وهي القلوب فأحبها إليه أرقها وأصفاها وأصلبها ، ثم فسره فقال : أصلبها في الدين وأصفاها في اليقين وأرقها على الإخوان فمثل القلوب مثل الأواني في تقارب جوهرها ، فأرقها وأصفاها وأعلاها يصلح للملك والوجه والطيب ، وأكثفها وأرداها يصلح للأدناس ، وما بين ذلك يصلح لما بينهما ، ومثلهما أيضا مثل الموازين الطيار اللطيف والمعيار يصلح لوزن الذهب بالتحرير والمعيار والكثيف الجافي يصلح للقت والأنعام وما بينهما يصلح لما بين ذلك فيوزن بكل ميزان ما يصلح له من كل شيء موزون كما يجعل في كل إناء ما يليق به من كل شيء مرذول أو مصون ، كذلك الحكم و الحكمة في الملكوت الباطن كالحكمة والحكم في الملكوت الظاهر بتعديل الظاهر الباطن ، وفي تفسير قوله عز وجل : ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ) النور : 35 ، فسره أبي بن كعب قال : مثل نور المؤمن وكذلك كان يقرأه قال : فقلب المؤمن هو المشكاة فيها مصباح ، فكلامه نور وعمله نور ويتقلب في نور ، ثم قال في قوله تعالى : ( أو كظلمات في بحر لجي ) النور : 40 قال قلب المنافق فكلامه ظلمة وعمله ظلمة ويتقلب في ظلمة وكان زيد بن أسلم يقول في قوله تعالى : ( في لوح محفوظ ) البروج : 22 ، قال قلب المؤمن وقال أبو محمد سهل مثل القلب والصدر مثل العرش والكرسي . وروينا في حديث ابن عمر قال قيل يا رسول الله أين الله في الأرض ؟ قال : في قلوب عباده المؤمنين ، وفي الخبر المأثور عن الله تعالى لم يسعني سمائي ولاأرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن ، وفي بعضها اللين الوادع فاللين يعني السهل الرقيق القريب والوادع يعني الساكن المطمئن ، وفي الخبر : ما ألبس العبد لبسة أحسن من خشوع في سكينة فهذه لبسة المتقين وصبغة الله تعالى للعارفين ، وفي الحديث قيل : يا رسول الله من خير الناس ؟

حصہ V01/P206–V01/P207

قال : كل مؤمن محموم القلب ، ثم فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هو التقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ، وقال بعض العارفين في معنى قوله تعالى : ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) الشعراء : 89 أي مما سوى الله ليس فيه غير الله وفي قول أهل التفسير : سليم من الشرك والنفاق ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل وهذا لا يعدمه المؤمنون إلا الصديقين وقال : أكثرمنافقي أمتي قراؤها ، وهذا لا يعدمه العابدون إلا العارفين ، ومن خواطر اليقين ما يرد بشيء لا تظهر دلائله في الظاهر لخفائه وغموض شواهده فليس يعلم إلا بباطن العلم وغامض الفهم والغوص على لطائف معاني التبيين وباطن الاستنباط منفهم التنزيل وتعليم التأويل كما قال الحبيب الخليل رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ، كما قال علي بن أبي طالب : ماعندنا شيء أسره إلينا رسول الله سوى كتاب الله تعالى إلا أن يؤتي الله تعالى عبدا فهما في كتابه ، وكما جاء في تفسير قوله تعالى : ( يؤتي الحكمة من يشاء ) البقرة : 269 قال : الفهم في كتاب الله ، وقال أصدق القائلين : ( ففهمناها سليمان ) الأنبياء : 79 فخصه بفهم منه زاده به فوق الحكم والعلم الذي شرك فيه أباه فزاده على فتيا أبيه . وروينا عن علي عليه السلام في الحديث الطويل الذي يقول فيه : واليقين على أربع شعب ، على تبصرة الفطنة ، وتأويل الحكمة ، وموعظة العبرة ، وسنة الأولين ، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة كان في الأولين إلا أن أهل اليقين المرادين به العارفين بأحكام الله تعالى الباطنة يعلمون تفصيل خواطر اليقين ومقتضاها من حيث أشهدوا مطلعها من الغيب وبحيث عرفوا موجبها من الوصف بنور الله الثاقب وقربه الحاضر وسلطانه النافذ ، كما جاء في الخبر : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى أي باليقين ، وفي لفظ آخر : اتقوا فراسة العالم فكأنه مفسر له ومنه قوله تعالى : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) الحجر : 75 وقوله : ( قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) البقرة : 118 أي بنور اليقين ، وكان أبو الدرداء يقول : المؤمن ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق والله إنه للحق يقذفه الله تعالى في قلوبهم ويجريه على ألسنتهم ، وقال بعض العلماء : ظن المؤمن كهانة أي كأنه سحر من نفاذه وصحة وقوعه ، وقال بعض العلماء : يد الله تعالى على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا بما هيأ الله عز وجل لهم من الحق ، وقال آخر : لو شئت لقلت إن الله يطلع الخاشعين على بعض سره ، وكتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد : احفظوا ما تسمعون من المتعظين فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة ، وقال الله تعالى : ( ومن أصدق من الله قيلا ) النساء : 87 : ( يا أىها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) الأنفال : 29 قيل نور تفرقون به بين الشبهات ويقين تفرقون به المشكلات ، ومن هذا قوله سبحانه وتعالى : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) الطلاق : 2 قيل مخرجا من كل أمر ضاق على الناس ويرزقه من حيث لا يحتسب يعلمه علما بغير تعليم ويفطنه بغير تجربة أي بالشاهد الصحيح والحق الصريح ، ومثله قوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) العنكبوت : 69 قيل : الذين يعملون بما يعلمون ، قال يوفقهم ويهديهم إلى ما لا يعلمون حتى يكونوا علماء حكماء ، وقال بعض السلف : نزلت هذه الآية في المتعبدين المنقطعين إلى الله سبحانه وتعالى المستوحشين من الناس فيسوق الله تعالى إليهم من يعلمهم أو يلهمهم التوفيق والعصمة .

حصہ V01/P207–V01/P209

وفي الخبر : من علم بما يعلم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم ووفقه فيمايعمل حتى يستوجب الجنة ، ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار ، فمعنى أورثه علم ما لم يعلم أي من علوم المعارف التي هي مواريث أعمال القلوب مثل الفرق بين الاختبار والاختيار والابتلاء والاجتباء والمثوبة والعقوبة ومعرفة النقص من المزيد والقبض والبسط والحل والعقد والجمع والتفرقة إلى غير ذلك من علوم العارفين بعد حس التفقه والأدب عن مشاهدة الرقيب والقرب لصحة المواجيد والقلوب ، وقال بعض التابعين : من عمل بعشر ما يعلم علمه الله تعالى ما يجهل ، وقد قال حذيفة : أنتم اليوم في زمان من ترك عشر ما يعلم هلك وسيأتي بعدكم زمان من عمل بعشر ما يعلم نجا ، وقال بعضهم : كلما ازداد العبدعبادة واجتهادا ازداد القلب قوة ونشاطا ، وكلما مل العبد وفتر ازداد القلب ضعفا ووهنا ، وليس يكاد علم اليقين يقدح في معدن العقل لأن علوم العقل مخلوقات ولا يكاد ينتجه الفكر ولا يخرجه التدبر فما أنتجته الأفكار واستخرجته الفطرة من الخواطر والعلوم فتلك علوم العقل وهي كشوف المؤمنين ومحمودات لأهل الدين فأما خاطر اليقين فإنه يظهر من عين اليقين ينادي به العبد مناداة ويبغته مفاجأة لأنه مخصوص به مراد مقصود به محبوب متولى به مطلوب لا يجده إلا عارف أو خائف أو محب ومن سوى هؤلاء فبحاله محجوب وبعاداته مطلوب وإلى مقامه ناظر وفي طريقه بمعقوله سائر فأما العارفون المواجهون بعين اليقين المكاشفون بعلم الصديقين فإنهم مسيرون محمولون سابقون مستهترون قد وضعت الأذكار عنهم الأوزار ، كما جاء في الخبر : سيروا سبق المفردون بالفتح والمفردون أيضا بالكسر فهم مفردون لله تعالى بما أفردهم الله تعالى كما قال جل ذكره : ( حافظات للغيب بما حفط الله ) النساء : 34 ، قيل : ومن المفردون ؟ قال : المستهترون بذكر الله وضع الذكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا ، فلما أفردهم الله تعالى ممن سواهم له أفردوه عما سواه به فذكرهم فاستولى عليهم ذكره فاصطلم قلوبهم نوره تعالى فاندرج ذكرهم في ذكره فكان هو الذاكر لهم وكانوا هم المكان لمجاري قدرته عز وجل فلا يوزن مقدارهذا الذكر ولا يكتب كيفية هذا البر فلو وضعت السموات والأرض في كفة لرجح ذكره تعالى لهم بهما وهم الذين قال لهم فترى من واجهته بوجهي لعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه لوكانت السموات والأرض في موازينهم لاستقللتها لهم أول ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم وهذا هو ظاهر أوصافهم وأول عطاياهم فطلب هؤلاء لا يعرف ونصيبهم لا يكيف ومطلوبهم كنه قدره لا يوصف عطاؤهم غير مخلوق ومشاهدتهم وصف التحقيق بعين اليقين إلى حق اليقين فأول نصيبهم من مطلوبهم علم اليقين وهو صفاء المعرفة بالله تعالى وآخر علم الإيمان أول عين اليقين وهو مشاهدة وصف معروف وهذه وجهة التوحيد ولا آخر لأول علم اليقين ولا انقطاع لآخر نصيبهم من مشاهدتهم ، فظاهر التوحيد توحيد الله تعالى في كل شيء وتوحيده بكل شيء ومشاهدة إيجاده قبل كل شيء ولا نهاية لعلم التوحيد ولا غاية لمزيد عطاء الموحدين ولكن لهم نهايات يوقفون تحتها وغايات يصدرون عنها تجعل أماكن لمزيدهم ويزدادون في وسعها ويمدون بعلوم يطلبون بها ما يكاشفون به لما وراءها أبدا لا بديلا آخر ولا أمد ولا يصل العبد إلى مشاهدة علم التوحيد إلا بعلم المعرفة وهونور اليقين ولا يعطي نور اليقين حتى تمخض الجوارح بالأعمال الصالحات ، كمايمخض الزق باللبن حتى تظهر الزبدة ، وهي اليقين ، وليست هذه الزبدة غاية الطالبين ولا بغية الصديقين لأن وراءها صفوها وخالصها ثم تذاب هذه الزبدة حتى يخلص سمنها وهو صفوها ونهايتها وهذا مثل لعين اليقين بعد علمه وبعد مشاهدة الوجه بمرآة القرب وهي نوره فحينئذ لا يفارقه وجده وحضوره فيرفع العبد من خواطر اليقين إلى مشاهدة الصفات بعد ذوب علم الخواطر يتجوهر نور شعاع وجه الذات وهذا مقام الإحسان وإن الله لمع المحسنين بعد مجاهدتهم النفوس فيه وبيعها مع الأموال منه فأحسن إليهم باشترائها منهم وكان معهم كما قال سيجزيهم وصفهم فإنما كانوا محسنين لأن المحسن معهم كما كانوا أعلين إذ الأعلى معهم فقد قال : ( وأنتم الأعلون والله معكم ) محمد : 35 وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، وينتقل العبد من أعمال الجوارح وهي المجاهدة التي طرح عليه ثقلها فحملها فتحمل فيما حمل وتحفظ له ما استحفظ إلى علم اليقين وهو الروح والرضا وهذا هو هداية السبيل ، وأول هذا كله أن يدخل العبد بعد التوبة النصوحة في أحوال المريدين وأعمال المجاهدين للنفس والعدو ثم ينتقل إلى خواطر اليقين فهذا ميراث المجاهدين ، كما قال : ( والذين جاهدوا فينا ) العنكبوت : 69 يعني نفوسهم وأموالهم وجاهدوا عدوهم إذ يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء فصابرهم فغلبوه فباعوا النفوس والأموال فأعتقوا من رق الهوى ونجوا من أهوال الحساب : ( لنهدينهم سبلنا ) العنكبوت : 69 أي لنطرقنهم إلى مكاشفات العلوم ولنسمعنهم غرائب الفهوم ولنوصلنهم إلى أقرب الطرق إلينا بحسن مجاهدتهم فينا ، ثم ختم الأمر بقوله تعالى : ( وإن الله لمع المحسنين ) العنكبوت : 69 هذا مقام مشاهدة الصفات فكان المجاهد فيه معهم أولا بالتوفيق فيه صبروا له بالتأييد وكان المحسن معهم آخر اليوم فيه أحسنوا إلى نفوسهم غدا .

حصہ V01/P209–V01/P210

) محمد : 35 وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، وينتقل العبد من أعمال الجوارح وهي المجاهدة التي طرح عليه ثقلها فحملها فتحمل فيما حمل وتحفظ له ما استحفظ إلى علم اليقين وهو الروح والرضا وهذا هو هداية السبيل ، وأول هذا كله أن يدخل العبد بعد التوبة النصوحة في أحوال المريدين وأعمال المجاهدين للنفس والعدو ثم ينتقل إلى خواطر اليقين فهذا ميراث المجاهدين ، كما قال : ( والذين جاهدوا فينا ) العنكبوت : 69 يعني نفوسهم وأموالهم وجاهدوا عدوهم إذ يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء فصابرهم فغلبوه فباعوا النفوس والأموال فأعتقوا من رق الهوى ونجوا من أهوال الحساب : ( لنهدينهم سبلنا ) العنكبوت : 69 أي لنطرقنهم إلى مكاشفات العلوم ولنسمعنهم غرائب الفهوم ولنوصلنهم إلى أقرب الطرق إلينا بحسن مجاهدتهم فينا ، ثم ختم الأمر بقوله تعالى : ( وإن الله لمع المحسنين ) العنكبوت : 69 هذا مقام مشاهدة الصفات فكان المجاهد فيه معهم أولا بالتوفيق فيه صبروا له بالتأييد وكان المحسن معهم آخر اليوم فيه أحسنوا إلى نفوسهم غدا . وروينا عن الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : العلم علمان ، فعلم باطن في القلب فذاك هو النافع ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : 125 ما هذا الشرح ؟ قال : هو التوسعة يعني : أن النور إذا قذف في القلب اتسع له الصدر وانشرح ، وقال بعض العارفين : لي قلب إذا عصيته عصيت الله تعالى يعني أنه لا يقذف فيه إلا طاعة ولا يقر فيه إلا حق فقد صار رسوله إليه فإذا عصاه فقد عصا المرسل بمعنى الخبر الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل وبقوله صلى الله عليه وسلم : المؤمن ينظر بنور الله ، فمن نظر بنور الله كان على بصيرة من الله تعالى وكان عمله بنوره طاعة تعالى ، وقال بعض العارفين : منذ عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة وما ساكنته طرفة عين ، وسئل بعض العلماء عن علم الباطن أي شيء هو ؟ فقال : سر من سر الله تعالى يقذفه في قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا . وقد روينا فيه خبرا مسندا أحببنا أن نسنده وقد جاء رجل إلى النبي فقال : علمني من غرائب العلم فقال : هل عرفت الرب فأخبر أن غرائب العلوم في المعرفة وقد أمر صلى الله عليه وسلم بأصل العلوم الذي فيه غرائب الفهوم فقال : اقرأوا القرآن والتمسوا غرائبه يعني تدبر معانيه واستنباط بواطنه إذ بكلامه عرفه أولياؤه وقد قيل : تكلموا تعرفوا ، فمن عرف معاني الكلام ووجوه الخطاب عرف به معاني الصفات وغرائب علوم أسماء الذات ، وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن ، وقال بعض أهل المعرفة في فهم هذه الآية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان قال : العدل تدبر القرآن وفهمه والإحسان مشاهدة الفهم ، وفي تأويل قوله عليه الصلاة والسلام في صفة العدل شاهد لقوله هذا في حديثه الذي وصف فيه شعب الإيمان فقال : الإيمان على أربع دعائم : على الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد ، ثم قال والعدل على أربع شعب : غائص الفهم ، وزهرة العلم ، وروضة الحلم ، وشرائع الحكم ، فمن فهم فسر جمل العلم ومن علم عرف شرائع الحكم ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا ، وقال بعض المكاشفين ظهر لي الملك : فسألني أن أملي عليه شيئا من ذكري الخفي من مشاهدتي من التوحيد وقال : ما نكتب لك عملا ونحن نحب أن نصعد لك بعمل نتقرب به إلى الله تعالى فقلت : أليس يكتبان الفرائض ؟ قال : بلى ، قلت : فيكفيهما ذلك .

حصہ V01/P210–V01/P211

وقال بعض العارفين قال : سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهدة اليقين فالتفت إلى شماله وقال : ما تقول رحمك الله ثم التفت إلى يمينه فقال ماتقول رحمك الله ثم أطرق إلى صدره وقال : ما تقول رحمك الله ثم أجابني بأغرب جواب ماسمعته قط وأعلاه فقلت رأيتك التفت عن شمالك ويمينك ثم أقبلت على صدرك فماذا ؟ فقال : سألتني عن مسألة لم يكن عندي فيها علم عتيد فالتفت إلى صاحب الشمال فسألته عنها وظننت أن عنده منها علما فقال : لا أدري فسألت صاحب اليمين وهو أعلم منه فقال : لا أدري فنظرت إلى قلبي فسألته فحدثني بما أجبتك وإذا هو أعلم منها ، وقد كان أبو يزيد وغيره يقولون : ليس العلم الذي يحفظ من كتاب الله فإذا نسي ما حفظ صار جاهلا إنما العلم الذي يأخذ علمه من ربه عز وجل أي وقت شاء بلا تحفظ ولا درس فهذا لعمري لا ينسى علمه وهو ذاكر أبدا لا يحتاج إلى كتاب وهو العالم الرباني وهذا هو وصف قلوب الأبدال من الموقنين ليسوا واقفين مع حفظ إنما هم قائمون بحافظ . وقد روينا في الخبر : إن من أمتي محدثين ومكلمين وإن عمر منهم وقرأ ابن عباس : وما أرسلنامن قبلك من رسول ولا نبي ولامحدث يعني الصديقين وهذا كان طريق السلف من الصحابة وخيار التابيعن إذا سئلوا وفقوا وألهموا الصواب لقربهم من حسن التوقيق وسلوكهم حقيقة محجة الطريق فخاطر اليقين إذا ورد على قلب مؤمن اضطرته مشاهدته إلى القيام به وإن خفي على غيره وحكم عليه بيانه وبرهانه بصحة دليله وإن التبس على من سواه . وقد قال الله تعالى في تخصيص الموقنين : ( قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) البقرة : 118 هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ، وقال في نعت المتقين : ( وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ) يونس : 6 وقال تعالى : ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) آل عمران : 138 وقال في فضل العلماء : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) العنكبوت : 49 وقال : ( قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) الأنعام : 97 فحقيقة العلم إنما هو من التقوى واليقين وهذا هوعلم المعرفة المخصوص به المقربون وهب لهم الآيات وخصهم بالبيان والدلالات بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ، فهذه الخواطر تبدو في القلوب عن هذه الأواسط التي هي خزائن الله تعالى من خزائن الأرض و خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون والفقه صفة القلب لا لسان العرب ، تقول : فقهت بمعنى فهمت ، وابن عباس يفسر قول الله عز وجل : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) الأعراف : 179 يقول لا يفهمون بها ويجعل الفقه الفهم فخاطر اليقين والروح والملك من خزائن الله وخاطر العقل والنفس والعدو من خزائن الأرض كما قيل النفس ترابية خلقت من الأرض فهي تميل إلى التراب والروح روحاني خلق من الملكوت فهي ترتاح إلى العلو والقلب خزانة من خزائن الملكوت مثله كالمرآة تقدح هذه الخواطر عن أوساطها من خزائن الغيب فتوقد في القلب فيتلألأ فيه للتأثير ، فمنها مايقع في سمع القلب ، فيكون فهما ، ومنها ما يقع في بصر القلب فيكون نظرا وهو المشاهدة ، ومنهاما يقع في لسان القلب فيكون كلاما وهو الذوق ، ومنها ما يقع في شم القلب فيكون علما وهو الفكر وهو العقل المكتسب بتلقيح العقل الغريزي وهذا أقلها لبثا وأيسرها عناء وما وقع في ناظر القلب وحسه فخرق شفافه ووصل إلى سويدائه وهو المباشرة كان وجدا وهذا هو الحال عن مقام مشاهدة ، ومن هذا قوله : أسألك إيمانا يباشر قلبي .

حصہ V01/P211–V01/P212

وقال بعض العارفين : إذا كان الإيمان في ظاهر القلب كان العبد محبا للآخرة وللدنيا وكان مرة مع الله تعالى ومرة مع نفسه فإذا دخل الإيمان إلى باطن القلب أبغض العبد الدنيا وهجر هواه وقد قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله : للقلب تجويفان ، أحدهما باطن وفيه السمع والبصر وكان يسمى هذا قلب القلب ، والتجويف الآخر ظاهر القلب وفيه العقل ، ومثل العقل في القلب مثل النظر في العين هو صقال لموضع مخصوص فيه بمنزلة الصقال الذي في سواد العين فإذا كانت هذه الخواطر عن أواسط الهداة به وهي الملك والروح كانت تقوى وهدى ورشدا وكانت من خزائن الخير ومفتاح الرحمة قدحت في قلب العبد نورا وطيبا أدركه الحفظة وهم أملاك اليمين فأثبتوهاحسنات وإن كانت الخواطر عن أواسط الغواة وهم العدو والنفس كانت فجورا وضلالا وهي من خزائن الشر ومعالق الأعراض قدحت في القلوب ظلمة ونتنا أدرك ذلك الحفظة من أملاك الشمال فكتبوها سيئات وكل هذا إلهام وإلقاء من خالق النفس ومسويها وجبار القلوب ومقلبها حكمة منه وعدلا لمن شاء ، ومنة وفضلا لمن أحب ، كما قال : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) الانعام : 115 أي بالهداية صدقا لأوليائه ما وعدهم من ثوابه وبالاضلال عدلا على أعدائه ما أعد لهم من عقابه . ثم قال تعالى : ( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) الأنبياء : 23 فهذه جنود منقادة لأمره وهو ملك جبار عزيز قهار تعالى عن مباشرة الأشياء إذا كانت تنقاد لمشيئته وتطوع لقدرته فتنفذ قدرته إرادته تظهر حكمته أفعاله إذا أراد شيئا قال له : كن بخفي قدرته فكان بظاهر حكمته ، والرب سبحانه قادر على كل شيء ، بيده ملكوت كل شيء حكيم في كل شيء ، والعبد ضعيف عاجز جاهل لا يقدر على شيء قد ابتلي بالأسباب ووقع عليه الحجاب وجعل مكانا للأحكام بالعقاب والثواب فالأسباب أواسط البلاء والعبد موضع الابتلاء . والأول سبحانه وتعالى هوالمبلي المريد المبدئ المعيد وينشئكم فيما لا تعلمون وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا وليس يشهد العبد إلا ما أشهد فكذلك تفاوت العباد في المشاهدة ولا يستبين له إلا ما أبين له وأريد به فعند ذلك اختلفوا في الأدلة فإذا أراد الله عز وجل إظهار شيء من خزائن الغيب حرك النفس بلطيف القدرة فتحركت بإذنه فقدح من جوهرها بحركتها ظلمة تكتب في القلب همة سوء فينظر العدو إلى القلب وهو مراصد ينتظر والقلوب له مبسوطة والنفوس لديه منشورة يرى ما فيها ما كان من عمله المبتلي به المصرف فيه فإذا رأى همة قد قدحت في النفس فأثرت ظلمة في القلب ظهر مكانه فقوي بذلك سلطانه والهمة ترد على أحد ثلاث معان لا تحصى فروعها لأن همة كل عبد على قدر بغيته أحدهما هوى وهو عاجل حظ النفس أو أمنيته وهذا عن الجهل الغريزي أو دعوى حركة أو سكون وهو آفة العقل ومحبة القلب ، فأي هذه الثلاث قدح في القلب فهو وسوسة نفس وحضور عدو منسوب إليه محكوم عليه بالذم ليست تصدر إلا بأحد ثلاثة أصول بجهل ، أو غفلة ، أو طلب فضول دنيا ، وهن مما لا يعني ومضافات إلى الدنيا وأعمالها .

حصہ V01/P212–V01/P213

والأفضل مجاهدة النفس والعدو عن إمضائها وحبس الجوارح عن السعي فيها إن كن من فضول الدنيا المباحات فإن كن هذه الثلاث وردن بمحرمات ففرض عليه كف الجوارح عن السعي فيها فإن أمرح قلبه في ذكرها أو نشر خطواته في طلبها كن حجابا بين قلبه وبين اليقين وإن كن وردن بمباحات ففضل له بنفيها عن قلبه كيلا يكون قلبه موطنا للغفلات وأصلهن الابتلاء من الله تعالى بالتقليب والامتحان منه في التصريف ولذلك خلق النفس والروح والموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها ليظهر أحسن العمل بالزهد فيها وينظر كيف تعملون فإذا أراد الله تعالى سلامة هذا العبد بعد أن أشرف على الهلاك والبعد بتسليط العدو عليه وتسويل النفس له نظر القلب عند الابتلاء فهدى النفس بنور إيمانه إلى الله تعلى فأسر الالتجاء إليه وأخفى التوكل عليه عائذا لائذا به واضطر مخلصا له فهناك توكل عليه فكان حسبه وعندها فوض إليه أمره فوقاه مكر عدوه وحينئذ اضطر إليه واتقاه فجعل له مخرجا ونجاه فينظر الله تعالى إلى القلب نظرة تخمد النفس وتمحق الهمة وتخنس العدو لسقوط مكانه وتذهب لخنوسه شدة سلطانه فيصفو القلب من التأثير بنور السراج المنير ويملس من التحرير بقوة القهار العزيز فيخاف العبد مقام الرب لصفاء القلب عن نظر الرب تعالى فيفزع من الخطيئة ويهرب أو يستغفر منها ويتوب ويظهر عليه شعار تقواه . وإن أراد الله تعالى بعبد هلكة وكان قد حكم بوقوع الشر نظر القلب بعد الهمة بهوى النفس إلى العقل فرجع العقل إلى النفس فسولت وطوعت فسكن العقل واطمأن إلى تسويل النفس وطوعها فانشرح الصدر بالهوى لسكون العقل وانتشر الهوى في القلب لشرح الصدر وتوسعته فقوي سلطان العدو لاتساع مكانه فأقبل بتزيينه وغروره وأمانيه ووعده يوحي بذلك زخرفا من التحول وغرورا فيضعف سلطان الإيمان لقوة سلطان العدو وخفاء نور اليقين فغلب الهوى لقوة الشهوة فأحرقت الشهوة العلم والبيان فارتفع الحياء واستتر الإيمان بالشهوة فظهرت المعصية لغلبة الهوى وارتفاع الحياء ، وهذان المعنيان من ظهور الخيروالشر والطاعة والمعصية فلهذه الأسباب يوجدان في طرفة عين فتصير أجزاء العبد جزأ واحدا ومفصلاته تعود بالمراد منه فصلا واحدا كالبرق في السرعة بتغليب القدرة على المشيئة إذا قال جل وعلا له : ( كن فيكون ) آل عمران : 59 . وإن أراد الله تعالى إظهار خير وإلهام تقوى من خزائن الملكوت حرك الروح بخفي اللطف فتحركت بأمره جلت قدرته فقدح من جوهرها نور سطع في القلب همة عالية وهمة الخير ترى بأحد ثلاثة معان لا تحصى فروعها لأن كل عبد همته في الخير مبلغ علمه ومنتهي مقامه ، فأحد الأصول مسارعة إلى أمر يفرض أو ندب لفضل يكون عن عمل حال العبد أو علم يكون فطنة له أظهر عليه من مكاشفة غيب من ملك أو ملكوت ، والمعنى الثالث بتحمل مباح من تصرف فيما يعني مما يعود صلاحه عليه واستراحة النفس بما أبيح له يكون نفعه لغيره أو ترويحات من الأفكار لقلبه الغائص في البحار يكون حملا لكربه وتخفيفا لثقله ، فهذه مرافق للعبد باختيار من المعبود وحكمة من الحكيم وفي كلها رضاه سبحانه وتعالى فإمضاؤها أفضل للعبد وبعضها أفضل من بعض ، وهذه الأصول الستة من الخير والشر هي الفرق بين لمة الملك وبين لمة العدو وبين إلهام التقوى وإلهام الفجور التي هي النية والوسوسة ، وهما الاختيار أو الاختبار ، وقد تكون هذه المعاني مكاشفات مزيد للعبد ينظر إلى الله منها ويجد الله تعالى بما أوجده منه عندها ويكون تعريفا من الله يتعرف إليه بها ويفتح له باب الأنس والشوق منها ثم تتفاوت العباد في مشاهدتها على حسب علوهم في اليقين وعلى قدر قوتهم ومكانهم من التمكين إلا أن أصول معاني الخير وأواسطها إلهام الملك والإلقاء في الروح وقوادح الأنوار في كتب الإيمان وفروعها الآخرة والعلم مما أمر به أو ندب إليه والمباح وأصول معاني الشر أضدادها أواسطها النفس والعدو وأسبابها الشهوة والهوى يظهرن عن الجهل ويوقعن الحجاب ويصدرن إلى عقاب .

حصہ V01/P213–V01/P214

فإذا أراد الله تعالى إظهار خير من خزانة الروح حركها فسطعت نورا في القلب فأثرت فينظر الملك إلى القلب فيرى ما أحدث الله تعالى فيه فيظهر مكانه فيتمكن على مثال فعل العدو في خزانة الشر ، وهي النفس ، والملك مجبول على الهداية مطبوع على حب الطاعة كما أن العدو مجبول على الغواية مطبوع على حب المعصية فيلقي الملك الإلهام وهو خطوره على القلب بقدح خواطره يأمر بتقييد ذلك ويحسنه له ويحثه عليه وهذا هو إلهام التقوى والرشد وينظر الملك إلى اليقين كما ينظر العدو إلى النفس فيشهد اليقين للملك بذلك فيطمئن العقل ويسسكن إلى شهادة اليقين ويصير العقل الآن بإذن الله تعالى مع الملك بتأييد الله تعالى كما كان مع النفس أول مرة مطمئنا إليها فينشرح الصدر لطمأنينة العقل فتظهر أدلة العلم لانشراح الصدر فيقوى سلطان اليقين لصفاء الإيمان وتندرج ظلمة الهوى في نور اليقين وتنطفئ شعلة الشهوة لظهور نور الإيمان ويزين الإيمان بزينة الحياء فتضعف صفات النفس لسقوط الشهوة ويقوى القلب لضعف النفس ويزيد الإيمان بقوة اليقين وظهور أدلة العلم فتغلب الهدايةلمزيد الإيمان ولبسة الحياء فتظهر الطاعة لغلبة الحق والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

حصہ V01/P214–V01/P215

ذكر نوع آخر من البيان وقد تختلف اللمتان من الملك والعدو ويتفاوت الإلهام والوسوسة في المعاني من الخير والشر ، فربما تقدمت لمة العدو بالأمر بالشر وتقدح بعدها لمة الملك نصرة للعبد وتثبيتا على الخير وعناية من الرب تعالى فينهي عن ذلك ، فعلى العبد أن يعصي الخاطر الأول ويطبع الخاطر الثاني ، وقديتقدم إلهام الملك بالأمر بالخير ثم يقدح بعده خاطر العدو بالنهي عنه والتثبيط والإملاء فيه بالتأخير محنة من الله تعالى للعبد لينظر كيف يعمل وحسدا من العدو فعليه أن يطيع الخاطر الأول ويعصي الخاطر الثاني ، ثم تدق الخواطر من إلهام الملك بالخير ومن وسوسة العدو بالشر ، وقد يتفاوت ذلك من ضعف خاطر الخبر لقوة الرغبة في الدنيا ومن قوة خاطر الشر لقوة الشهوة والهوى وفي المزيد والنقص منهما والتقديم والتأخير بهما لتفاوت الأحكام والإرادة من الحاكم ومن قبل تقليب القدرة وغرائب الأحكام بالمشيئة لأن له في خزانة الخير خزانة الشر إذا شاء وله في خزانة الشر خزائن الخير إذا أحب لمن يحبه لئلا يسكن إلى سواه ولا يدل العبد بما منه أبداه ، فإذا شهد العارف ذلك لم يقطع بخير ولم يدل به أبدا لأنه لا يأمن مكر الله تعالى بتقليب خزائن الشر من خزائن الخير إذا عليه أبداه ولم ييأس من شر عليه أبداه لأنه يرجو تقليب خزائن الخير من خزئان الشر فيكون بين الخوف والرجاء ولا يدرك ذلك إلا بدقائق العلوم ولطائف الفهوم وغوامض الفطن وصفاء الأنوار من تعليم الرحيم الجبار ، فما كان للعبد يجد بعد خطرة الشر خطرة خير منها تنهاه عنها فهو منظور إليه متدارك وهذا هو الواعظ القائم في القلب والزاجر المؤيد للعقل ، وقد تترادف خواطر الشر من النفس والهوى فلا يتعاقبها خاطر خير من الملك وهذا علامة البعد ونهاية قسوة القلب ، وقد تتابع خواطر الخير والبر من الروح والملك ويعافى العبد من خاطري الهوى والنفس وهذا علامة القرب وهو حال المقربين وقد ترد خواطر العدو ووساوسه بالخير والبر ابتلاء من الله تعالى لعبده وحيلة من العدو ومكرا من النفس يريد العدو بذلك الشر أو يخرجه آخر إلى إثم أو خير ليقطعه بذلك عن واجب أو يشغله به عن الأفضل في الحال فيكون ظاهره برا وباطنه إثما ويكون أوله خيرا وآخره إثما ، وبغية العدو من ذلك باطنه وآخره ، وشهوة النفس في ذلك هواها ومناها قد لبسا ظاهره بالخير تزيينا وموها أوله بالبر تحسينا وهذا من أدق ما يبتلى به العاملون ولا يعرف بواطنه وسرائره إلا العالمون . فأما خاطر الملك فلا يرد إلا بخبر صريح وبر محض على كل حال إذا ورد لأن الخداع والحيلة ليس من وصف الملائكة ولكن قد تنقطع خواطر الملك من القلب إذا اشتدت قسوته ودامت معصيته من المتعبدين فيخلى بين القلب وبين نوازع العدو اللعين ويتخلى العدو بهوى النفس فيستحوذ ويقترن بالعبد نعوذ بالله من إبعاده وعدم خيره وإرشاده ولايزال العبد مع إلهام الملك في مقام الإيمان ، فإذا رفع إلى مقام اليقين تولاه الله تعالى بواسطة أنوار الروح ، فكان الروح مكان إلقاء الحق حتى يرد عليه من الله تعالى بواسطة أنوار الروح ، من السرائر ما لا يطلع عليه الملك ولا يكون ذلك حتى تفنى خواطر النفس بالهوى ولا تبقى منها باقية ، وتطوى النفس فتندرج في الروح فلا يظهر منها داعية ثم يتولاه الله تعالى بنور اليقين فيسطع له نور اليقين من خزانة الغيب المحجوب بمكاشفات الجبروت فيشهد العبد شهادة الحق بالحق معاينة الغيب بفقد كونه ووجد كينونته وما لا يصلح بعد ذلك كشفه إلا لأهله أو لمن سأل عنه ، وهذا يكون في مقام التوحيد وهذا أنصبة المقربين . ذكر بيان آخر من تفصيل المعاني

حصہ V01/P215–V01/P216

وكل عمل وإن قل لا بد فيه من ثلاثة معان قد استأثر الله تعالى بتوليها أولها التوفيق وهو الإتفاق أن يجمع بينك وبين الشيء ثم القوة وهو اسم لثبات الحركة التي هي أول العقل ثم الصبر وهو تمام الفعل الذي به يتم ، فقد رد الله عز وجل هذه الأصول التي يظهر عنها كل عمل إليه ، فقال سبحانه : ( وما توفيقي إلا بالله ) هود : 88 ، وقال : ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) الكهف : 39 ، وقال عز وجل : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) النحل : 127 ، وقد أجمل الله عز وجل ذكر تقليب الكون بمشيئته في قوله تعالى : ( يقلب الله الليل والنهار ) النور : 44 ، والمعنى بما فيهما لأنهما ظرفان للأشياء فعبر عنهما بهما كقوله تعالى : ( بل مكر الليل والنهار ) سبأ : 33 ، والمعنى مكركم في الليل والنهار فعبر بهما عن مكرهم لأنهما مكان لمكرهم ، وكذلك قوله تعالى : ( وله ما سكن في الليل والنهار ) الأنعام : 13 فيها وجهان أحدهما أي ما أقام من السكن والثاني ما سكن من السكون وإنما ذكر السكون دون الحركة لأنه هو الأصل حتى تحرك وهو الأقرب إلى العجز والعدم والتحريك حادث جار بأحداث الله تعالى وإجرائه ، ويجوز أيضا ذكر السكون ليستدل به على الحركة لأنه ضدها ، كما قال الله تعالى : ( سرابيل تقيكم الحر ) النحل : 81 وهي أيضا تقي البرد فذكر أحد الوصفين ليستدل به على الآخر . وقال سبحانه : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) الأنعام : 110 ، وكان قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب لما شهد من عظيم القدرة ولطيف الصنع في التقليب ، ولما رأى من سرعة نفاذ القدرة بالمراد في المقلبات مما لم يشهد سواه فجعله قسما له تعظيما لقدرة المحلوف به وخوفا من سابق العلم بالتقليب فكان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قالوا له : وتخاف يا رسول الله ؟ قال وما يؤمنني والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، وفي لفظ حديث آخر : إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ، وقد روي عنه : مثل القلب مثل العصفور في تقلبه يتقلب في كل ساعة ، وفي خبر آخر : مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استجمعت غليا والخبر المشتهر مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن ، فالقلب مكان للتقليب بما فيه من خزائن الغيب كالليل والنهار مكان للأحكام بالتصريف من اختلاف الأزمان في الأوقات والإيمان بتقليب القلوب وبأن المقلب يحول بين القلب وبين صاحبه واجب .

حصہ V01/P216–V01/P217

وقد قرن الله عز وجل الإيمان بالبعث الأمر بهما في قوله تعالى : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ) الأنفال : 24 ، وفسره ابن عباس فقال : يحول بين المؤمن وبين الكفر ويحول بين الكافر وبين الإيمان وقيل يحول بين العبد وبين الاستجابة لله تعالى والرسول وقيل : يحول بين المؤمن وبين سوء الخاتمة وبين الكافر وبين حسن الخاتمة وقيل يحول بين المؤمن وبين أن يلقيه في كبيرة يهلك فيها وبين المنافق وبين أن يوفقه لطاعة فينجو بها ويحول بين الموحد وبين الخاتمة بالتوحيد ، وهذه مخاوف للمؤمنين بتحقيق الوعيد وكذلك الكون بأسره عند الموحدين في القدرة بالتقليب كمثل ريشة في ريح عاصف تقلبه القدرة على مشيئة القادر وليس في القدرة ترتيب ولا مسافة ولا بعد ولا يحتاج إلى زمان ولا مكان ، فما ظهر من الملك وثبت للعيون بمكان وزمان فلأجل الحكمة والصنعة والإتقان وما خفي من الملكوت وتقلب ببصائر القلوب فبلطف القدرة وقهر السلطان ونصيب كل عبد من مشاهدة القدرة بقدر نصيبه من التوحيد ونصيبه من التوحيد حسب قسمه من اليقين وقسمه ، من اليقين على قربه من القريب وقربه علي حسب قرب الله تعالى من قلبه وقرب الله تعالى منه بقدر علمه بالله تعالى واتساعه في العلم بالله عز وجل على نحو مكانه من مزيد الإيمان ومزيد إيمانه على قدر إحسان الله تعالى إليه وإحسانه إليه على قدر عنايته به وإيثاره له وعلم الله من وراء ذلك وذاك سر القدرة المحجوب المخزن ونصيب كل عبد من الجهل على قدر نصيبه من الغفلة ونصيبه من الغفلة على حسب حب الدنيا وحبه للدنيا على قدر قوة الهوى وقوة الهوى على قدر غلبة سلطان النفس ونشر صفاتها عليه وقوة صفات النفس على قدر ضعف اليقين وضعف يقينه على كثافة الحجاب والبعد بينه وبين الله عز وجل والحجاب والبعد ميراثه الكبر وقسوة القلب والقسوة تورث الانهماك في المعاصي وإدمان المعاصي عن الإعراض والمقت ، والإعراض والمقت ، من قلة عناية المولى بعبده وسوء نظره له ، ومن وراء ذلك سر القدر الذي به عن الخلق قد استأثره ، فهذه الأوصاف المذمومة العبد مبتل بها على تضاد تلك الصفات المحمودة التي هي من المنعم بها ولكل وجهة هو موليها ومكان الهوى من القلب على قدر تزيين العدو له وتسليطه عليه ، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ، ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) آل عمران : 160 ، وان يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ، فإذا كان الهادي هو المضل فمن يهدي ؟ .

حصہ V01/P217–V01/P219

وقد قال تعالى : ( فإن الله لا يهدي من يضل ) النحل : 37 أي فإن الله من شأنه أن أحدا لا يهدي من أضله ومن كان أضله الله في سابق علمه فكيف يهديه الآن ، كذلك قال على الحرف الآخر فإن الله لا يهدي من يضل فإذا كان المعطي هو المانع فمن يعط ولو كان الخير كله في قلب عبد ما قدر أن يوصل إلى قلبه من قلبه ذرة ولا استطاع أن ينفع نفسه بنفسه خردلة لأن قلبه وان كان جارحته فهو خزانته وله فيه ما لا يعلم هو فهو لا يطلع على ما فيه كما قال معجبا لمن جهله وأضله أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا فكيف به أن يملك ما فيه فيصرفه بما يحب ، وقد قال : سبحان مصرف القلوب وقد خاطب الله تعالى سيد البشر وأمره أن يخبر فقال : ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ) الأعراف : 188 ، ثم قال بعد ذلك : ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) الجن : 21 ، ثم قال بعد ذلك : ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) الجن : 22 ، وإذا كان المالك عزيزا جبارا وكان كل شيء بيده لم يوصل إلى ما عنده بقوة ولا حيلة فليس الطريق إليه إلا الصدق والإخلاص والذل والافتقار وقد حجب العقل المكيد عن النظر إلى المبدئ المعيد بما أظهر له من صورته وحركته فستره عن الأول المصور وعن القادر المحرك فادعى عن نظره إلى حركته وسكونه التي هي حجة له عن المحرك لغيب ادعاء الحركة والسكون بنفسه لوقوف نظره على نفسه إذ كان مشهودا وعمي عن النظر إلى الشاهد المحرك المسكن لبعد مقامه لأنه غيب من وراء الحركة والغيب لا يشهد إلا بغيب وهو اليقين كما لا تدرك الشهادة إلا بشهادة وهي العين فمن عمي بصره لم ير من الملك شيئا كذلك من حجب قلبه لم ير من الملك شيئا ، فلعدم اليقين عمي عند المشاهدة ولإيقاع الحجة والحجاب أدرك بالمعقول الشهادة ، ولو كان من أولي البصائر لاعتبر الحركة الغيبية بالمتحرك المشاهد فكما أن الحركة غيب في الجسم ظهر عنها المتحرك فأظهر سبحانه المتحرك وأخفى الحركة فيه وأظهر الصنعة وأخفى الصنع فيها لتفصيل حكمته كذلك الصانع ذو الصنعة الأول والحاكم الأعلى ذو الحكمة الأغلب غيب عن الحركة التي أخفاها هو من ورائها بلطائف القدرة فشهد المعقول ما أشهدهما أظهر له ووجه به لأنه معقول عليه محدود له وعمي عما غيب عنه لفقد اليقين منه فعندهما ادعى الحركة والسكون للشاهد فحجبه ذلك عن الشهيد وشهد الموحد بشهادة التوحيد فوجد لما كشف له الملكوت بنور اليقين فأفرد ، وقد قال بعض العارفين : من نظر في توحيده إلى عقله لم ينجه توحيده من النار ومن كان توحيده في الدنيا معلقا بمعقوله لم يحمل توحيده معه لي اليقين أحسب أن هذا إيمان الذي يقال أخرجوا من النار من كان في قلبه وزن مثقال من إيمان فما زاد على هذا المقدار فهو متصل باليقين وهو مؤيد بالروح يمده روح التأييد فلا ينطفئ فهو المزحزح عن النار وقد قال بعض علمائنا : من ظن أنه يصل إلى الله بغير الله تعالى قطع به ، ومن استعان على عبادة الله تعالى بنفسه وكل إلى نفسه ، ثم إن الخلق محجوبون بعد هذا الحجاب بثلاثة حجب بعضها أكثف من بعض أحدها أواسط وأسباب معترضة وشهوات جاذبة وعادات راجعة صادرة ، فالأسباب توقفهم عليها والشهوات تجذبهم إليها والعادات تردهم فيها ، فأي هذه الحجب ظهر في القلب وبعضها أشد عليه من بعض فهو مكان للعدو أوسع من مكان فتمكن سلطانه على قدر سعة مكانه فقويت النفس بتزيين العدو وسولت بتأميلها فملكت العبد ملكا أشد من ملك ، فإذا ملكت النفس العبد كان مملوكها وأسيرها وكانت بالهوى أميرة فاستهواه الشيطان حينئذ بالغواية والإضلال واستحوذ عليه بمعاني المشاركة في الأولاد والأموال ، فشغله بذلك عن الله سبحانه وتعالى وأنساه ذكر الله عز وجل ، وهذا هو الاقتران الذي ذمه الله تعالى في قوله : ( ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) النساء : 38 وهو فوق النزغ الهمز والخاطر بعد الهمة وهو خطور العدو على القلب بالوسوسة يزين الهمة ويملي للعبد ويرجيه ويفسح له في أمله ويمنيه بالتوبة حتى تهون عليه المصية ويعده بعدها بالمغفرة حتى يجرئه على الخطيئة وهذا هو الوعد بالغرور وبعده الهلاك والثبور ، كما قال يعدهم أي التوبة ويمنيهم المغفرة وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، وهذا كله تصديق ظن العدو بالعبد واتباع العبد له بالهوى عن مقام البعد وكشف لعلم الله تعالى بإظهار الحكم وإنفاذ المشيئة وهو الابتلاء بالأسباب فصار العدو سببا لقوله تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) سبأ : 20 ، ثم أحكم ذلك بسابق علمه فقال ( وما كان له عليهم من سلطان ) سبأ : 21 ، يعني بحوله وقوته وبقهره ومشيئته إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك أي لنرى وقيل لنعلم العلم الذي يجازي عليه بالثواب والعقاب وقيل : لنختبر ونكشف وقيل : لنعلم المؤمنين ذلك فيستبين لهم ويعلم من عمل تلك الأعمال التي ظهرت منه فتوقع عليه بذلك الحجة ويتبين له كذبه كما قال : ( فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) العنكبوت : 3 ، فعلى هذه المعاني مجاز كل ما في كتاب الله عز وجل من قوله لنعلم وحتى نعلم إذ كان علمه تعالى قد سبق المعلومات وإذا كانت الأشياء عن علمه بعلمه جاريات فجعل تسليط العدو بسلطانه كشفا وإظهارا لما أخفاه من سابق علمه كما جعل أفعال العباد الظاهر كشفا وإظهارا لإرادته الباطنة ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبق العلم وجف القلم وقضى القضاء وتم القدر بالسعادة من الله تعالى لأهل طاعته وبالشقاء من الله تعالى لأهل معصيته .

حصہ V01/P219–V01/P220

ذكر تقسيم الخواطر وتفصيل أسمائها فأما تسمية جملة الخواطر فما وقع في القلب من علم الخبر فهو إلهام وما وقع من علم الشر فهو وسواس وما وقع في القلب من المخاوف فهو الحساس وما كان من تقدير الخير وتأميله فهو نية وما كان من تدبيرالأمور المباحات وترجيها والطمع فيها فهو أمنية وأمل وما كان من تذكرة الآخرة والوعد والوعيد فهو تذكر وتفكير وما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة وما كان من تحدث بمعاشها وتصريف أحوالها فهو هم وما كان من خواطر العادات ونوازع الشهوات فهو لمم ، ويسمى جميع ذلك خواطر لأنه خطور همة نفس أو خطور عدو بحسد أو خطرة ملك بهمس ، ثم إن ترتيب الخواطر المنشأة من خزائن الغيب القادحة في القلب على ستة معان ، وهذه حدود الشيء المظهر ثلاثة منها معفوة وثلاثة منها مطالب بها ، فأول ذلك الهمة وهو ما يبدو من وسوسة النفس بالشيء يجده العبد بالحس كالبرقة فإن صرفها بالذكر امتحت وإن تركها بالغفلة كانت خطرة وهو خطور العدو بالتزيين وإن نفى الخاطر ذهب وإن ولي عنه قوي فصار وسوسة وهذا محادثة النفس للعدو وإصغاؤها إليه وإن نفى العبد هذه الوسوسة بذكر الله خنس العدو وصغت النفس ، وهذه الثلاث معفوة برحمة الله تعالى غير مؤاخذ بها العبد وإن أمرج العبد النفس في محادثة العدو وطاولت النفس العود بالإصغاء والمحادثة قويت الوسوسة فصارت نية فإن أبدل العبد هذه النية بنية خير فاستغفر منها وتاب وإلا قويت فصارت عقدا فإن حل هذا العقد بالتوبة وهو الإصرار والأقوى فصار عزما وهو القصد . وهذه الثلاثة من أعمال القلب مأخوذ بها العبد ومسؤول عنها فإن تداركه الله تعالى بعد العزم وإلا تمكن العزم فصار طلبا وسعيا وأظهر العمل على الجوارح من خزائن الغيب والملكوت فصار من أعمال الجسم في خزانة الملك والشهادة ، فهذه الأعمال توجد من أعمال البر والإثم ، فما كان منها من البر همة ونية وعزما كان محسوبا للعبد في باب النيات مكتوبا له في ديوان الإرادة له به حسنات وما كان منها من الشر نية وعقدا وعزما فعلى العبد فيه مؤاخذه من باب أعمال القلوب ونيات السوء وعقود المعاصي وليس شيء مجانس للعدو مؤاخ له إلا النفس جمع الله تعالى بينهما في الوسوسة بقوله : ( الوسواس الخناس ) الناس : 4 ، وقوله : ( ونعلم ما توسوس به نفسه ) ق : 16 ، وكل شيء خلقه الله تعالى فله مثل وضد ، فمثل النفس الشيطان وضدهما الروح ، ثم إن أعمال الجوارح من النوعين الطاعة والمعصية أعظم في الأجر والوزر معا إلا ما لا يتأتى أن يعمله بظاهر الجسم من شهادة التوحيد أو وجود شك أو كفر أو اعتقاد بدعة . باب آخر من البيان والتفصيل

حصہ V01/P220–V01/P222

فأما ما كان من لائح يلوح في القلب من معصية ثم يتقلب فلا يلبث فهذا نزغ من قبيل العدو وما كان في القلب من هوى ثابت أو حال مزعج دائم لابث فهو من قبل النفس الأمارة بطبعها أو مطالبة منها بسوء عادتها وما ورد على العبد من همه بخطيئة ووجد العبد فيها كراهتها ، فالورود من قبل العدو والكراهة من قبل الإيمان وما وجده العبد وجدا بهوى أو معصية ثم ورد عليه المنع من ذلك فالوجد من النفس والوارد بالمنع من الملك وما وجده العبد من فكر في عاقبة الدنيا أو تدبير الحال ونظر إلى معهود فهذا من قبل العقل وما وجد من خوف أو حياء أو ورع أو زهد أو من شأن الآخرة فهذا عن الإيمان وما شهد القلب من تعظيم أو هيبة أو إجلال أو قرب فهذا من اليقين وهو من مزيد الإيمان وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه كما قال صاحب الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بك وإنما هذا تفصيل الحدود وإظهار المكان وإحكام العلم كما قال تعالى : ( وكل شيء فصلناه تفصيلا ) الإسراء : 12 ، وقال : ( قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) الأنعام : 97 ، وليس في التوحيد ولا في المشاهدة تفكر ولا في الإشارة عيان ولا في القدرة ترتيب ولكن لا بد من علم التفصيل لا عن التوحيد وهو التفرقة بلسان الشرع عن عين الجمع لإظهار الطرق واستنارة السبل وتطريق السالكين وترتيب العاملين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة والله غالب على أمره ، وقد فصل بعض العلماء أعمال العباد وفرق بين الأمر والإرادة فقال : إن أعمال العباد لا تخلو من ثلاثة أنواع : فرض وفضل ومعصية ، قال : فنقول إن الفرض بأمر الله تعالى ومحبة الله ومشيئة الله ، تجتمع هذه المعاني الثلاثة في الفرائض قال : ونقول إن النفل لا بأمر الله لأنه لم يوجبه ولم يعاقب على تركه ولكن بمحبة الله ومشيئته جل وعلا أي لأنه شرعه وندب إليه فقال : ونقول إن المعصية لا بأمر الله لأنه لم يشرعها على ألسنة المرسلين ولا بمحبة الله لأنه قد كرهها إذ لم يأمر بها ولم يندب إليها ولكن بمشيئة الله جلت عظمته أن لا يخرج شيء من إرادته كما لم يخرج شيء من علمه ، والإرادة والمشيئة اسمان بمعنى واحد فقد دخل كل شيء فيها كما دخل كل شيء في العلم فالله سبحانه عالم بما أراده وقد سبق به علمه كذلك هو مريد لما علمه أظهرت إرادته سابق علمه وكشف علم الغيب بظهور إرادته الشهادة فهو عالم الغيب والشهادة فالغيب علمه والشهادة معلومة فكيف يخالف المعلوم العلم وهو إجراؤه والإرادة نفذت العلم في معلومات الخلق وهذا فرض التوحيد فخرجت النوافل عن الأمر خرجت المعاصي عن المحبة في تفصيل الأحكام ، وتبين الحلال والحرام ولم تخرج معصية عن مشيئة ، وقد قال الله جل ثناؤه : ( وكل صغير وكبير مستطر ) القمر : 53 ، وقد قال رسول الله : كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس فذكر عرضين لطيفين هما سببا المنع والعطاء وقد فرق عالمنا بين الأمر والإرادة فرقا لطيفا فحدثني بعض أصحابنا أنه سئل عن قول الله عز وجل لما أمر إبليس بالسجود لآدم أراد منه ذلك أم لا فقال أراده ولم يرده منه يعني أراده شرعا وإظهارا وعليه إيجابا ولم يرده منه وقوعا ولا كونا إذ لا يكون إلا ما إراد الله تعالى إذ لو أراد كونه لكان ولو أراده فعلا لوقع لقوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) يس : 82 ، فلما لم يكن علمت أنه لم يرده ، فقد كان الأمران معا إرادته بالتكليف والتعبد وإرادته بأن لا يسجد كما لم يقدر من أن يمتنع من أن يؤمن ، فكذلك القول في نهيه لآدم عن أكل الشجرة إنه أراد الأكل منه ولم يرده له أي أراده وقوعا وكونا لأنه قد وجد وكان كقوله إذا أردناه أن نقوله له كن فيكون فلما كان علمت أنه أراده ولم يرده شرعا ولاأمرا لأنه لم يأمره به ولاشرعه له فقد كان الأمران جميعا إرادته أن يكون العبد مكلفا مأمورا وإرادته الأكل منه لأنه قد كان وكذلك القول في كل ما أمر به وأراده إنه أراد الأمر والنهي لهم ليكونوا مكلفين متعبدين ولم يرده ممن لم يكن منه الائتمار والانتهاء لأنه قال تعالى : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) النحل : 40 ، فأخبر أنه إذا أراد شيئا كونه كما أنه إذا كون شيئا فقد أراده بدلالة كونه ، فلما لم يمكن الأمر من العاصين علمنا أنه لم يرده إذ لو أراده كان ، ولما كان النهي من المأمورين علمنا أنه أراد كونه إذ لو لم يرده لم يكن ، فصار كون الشيء دليلا على إرادته ، وقد وقعت الإرادة بالأمر والنهي فكان الكل مأمورين منتهين ولم يقع الفعل من الكل لأنه لم يرد وقوعه إذ لو أراده كان وهذا أصل الابتلاء وإرادة ظهور البلاء ، يأمر الله تعالى بالشيء ويريد كون ضده وقد أراد الأمر به حسب وينهى عن الشيء ويريد كونه وقد أراد النهي عنه فقط ، وقد كان عالمنا أبو الحسن رحمة الله عليه يتكلم في علم الأمر والخير وفي الابتلاء والقهر بمعان لا يهتدى إليها اليوم ولا يسأل عنها أحد أي يظهر الأمر بالترك ويظهر النهي بالفعل ويظهر الأحكام لوقوع البلاء ويقهر الجوارح بالجبر على إرادته للابتلاء وقد فرق الحسن البصري رحمه الله قبله وهو إمامنا في هذا العلم بين التعذيب على جريان العلم ومخالفة الأمر لما بلغه أن عمرو بن عبيد وهو إمام المعتزلة اليوم وإليه نسبوا لما اعتزل عن الحسن البصري بعد أن صحبه ولم يختم له بصحبته بلغه أنه يقول إن الله لا يقضي بالشيء ثم يعذب عليه فقال له : ويلك إن الله عز وجل لا يعذب على جريان حكمه وإنما يعذب على مخالفة أمره ، تفسير ذلك أن ما حكمه الله تعالى منفردا به لم يجعل فيه أمرا ولا نهيا لا يعذب عليه لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه بشهوة ولا فعل وإن ما قضاه على العبد مما أدخله فيه بقصده وشهوته عذبه عليه وهذا من شؤم النفس وتكدير الخلق أنها إذا أدخلت في شيء انقلب عليها شره والأمة مجتمعة على قول ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن واجتمعت على قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فهذا عام في كل شيء ليس في بعض الأشياء دون بعض والحول في اللغة هو الحركة والعرب تقول للشخص يبدو من بعيد يظن أنه إنسان أو شجرة أو صخرة انظروا إليه فإن كان يحول فهو إنسان أي يتحرك والقوة هو الثبات بعد الحركة وهو أول الصبر حتى يظهر الفعل بقوة الله تعالى ، وقد روينا في تفسير ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله .

حصہ V01/P222–V01/P223

ة كونه ، فلما لم يمكن الأمر من العاصين علمنا أنه لم يرده إذ لو أراده كان ، ولما كان النهي من المأمورين علمنا أنه أراد كونه إذ لو لم يرده لم يكن ، فصار كون الشيء دليلا على إرادته ، وقد وقعت الإرادة بالأمر والنهي فكان الكل مأمورين منتهين ولم يقع الفعل من الكل لأنه لم يرد وقوعه إذ لو أراده كان وهذا أصل الابتلاء وإرادة ظهور البلاء ، يأمر الله تعالى بالشيء ويريد كون ضده وقد أراد الأمر به حسب وينهى عن الشيء ويريد كونه وقد أراد النهي عنه فقط ، وقد كان عالمنا أبو الحسن رحمة الله عليه يتكلم في علم الأمر والخير وفي الابتلاء والقهر بمعان لا يهتدى إليها اليوم ولا يسأل عنها أحد أي يظهر الأمر بالترك ويظهر النهي بالفعل ويظهر الأحكام لوقوع البلاء ويقهر الجوارح بالجبر على إرادته للابتلاء وقد فرق الحسن البصري رحمه الله قبله وهو إمامنا في هذا العلم بين التعذيب على جريان العلم ومخالفة الأمر لما بلغه أن عمرو بن عبيد وهو إمام المعتزلة اليوم وإليه نسبوا لما اعتزل عن الحسن البصري بعد أن صحبه ولم يختم له بصحبته بلغه أنه يقول إن الله لا يقضي بالشيء ثم يعذب عليه فقال له : ويلك إن الله عز وجل لا يعذب على جريان حكمه وإنما يعذب على مخالفة أمره ، تفسير ذلك أن ما حكمه الله تعالى منفردا به لم يجعل فيه أمرا ولا نهيا لا يعذب عليه لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه بشهوة ولا فعل وإن ما قضاه على العبد مما أدخله فيه بقصده وشهوته عذبه عليه وهذا من شؤم النفس وتكدير الخلق أنها إذا أدخلت في شيء انقلب عليها شره والأمة مجتمعة على قول ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن واجتمعت على قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فهذا عام في كل شيء ليس في بعض الأشياء دون بعض والحول في اللغة هو الحركة والعرب تقول للشخص يبدو من بعيد يظن أنه إنسان أو شجرة أو صخرة انظروا إليه فإن كان يحول فهو إنسان أي يتحرك والقوة هو الثبات بعد الحركة وهو أول الصبر حتى يظهر الفعل بقوة الله تعالى ، وقد روينا في تفسير ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله . وهذا التفصيل في هذه المعاني من الأحكام هو ظاهر العلم وفرض القدر وفحوى التنزيل والشرع والجبر للملك الجبار يجبر خلقه على ما شاء كما خلقهم لما شاء ويردهم إلى ما شاء كما ينشئهم فيما يشاء فالحكم لله العلي الكبير الواحد القهار يقهر عباده كيف شاء ويجري عليهم ما يشاء وله الحجة البالغة والعزة القاهرة والقدرة النافذة والمشيئة السابقة بوصف الربوبية وبحكم الجبرية وعليهم الاستسلام والانقياد والطاعة والاجتهاد طوعا وكرها بوصف العبودية وبحق الملكة إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم إن تعذبهم فإنهم عبادك وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ، ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) الروم : 4

حصہ V01/P223

الفصل الحادي والثلاثون فيه كتاب العلم وتفضيله وأوصاف العلماء وذكر فضل علم المعرفة على سائر العلوم وكشف طرق العلماء من السلف الصالح وذكر بيان تفضيل علوم الصمت وطريق الورعين في العلم والفرق بين العلم الظاهر والباطن وبين علماء الدنيا والآخرة وفضل أهل المعرفة على علماء الظاهر وذكر علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا ووصف العلم وطريق التعليم وذم ما أحدثه المتأخرون من القصص والكلام وباب ذكر ما أحدث الناس من القول والفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف وبيان فضل الإيمان واليقين على سائر العلوم والتحذير من الرأي

حصہ V01/P223–V01/P224

وذكر معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم وفي الحديث الآخر اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم ، قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله : أراد بذلك علم حال يعني علم حال العبد من مقامه الذي أقيم فيه بأن يعلم أحدكم حاله الذي بينه وبين الله عز وجل في دنياه وآخرته خاصة فيقوم بأحكام الله تعالى عليه في ذلك ، وقال بعض العارفين معناه طلب علم المعرفة وقيام العبد بحكم ساعته وما يقتضي منه في كل ساعة من نهاره ، وقال بعض علماء الشام إنما عنى به طلب علم الإخلاص ومعرفة آفات النفس ووساوسها ومعرفة مكايد العدو وخدعه وغروره وما يصلح الأعمال ويفسدها فريضة كله من حيث كان الإخلاص في الأعمال فريضة ومن حيث أعلم بعداوة إبليس ثم أمر بمعاداته وذهب إلى هذا القول عبد الرحيم ابن يحيى الأرموي ومن تابعه ، وقال بعض البصريين في معناه : طلب علم القلوب ومعرفة الخواطر وتفصيلها فريضة لأنها رسل الله تعالى إلى العبد ووسواس العدو والنفس فيستجيب لله تعالى بتنفيذ ما منه إليه ومنها ابتلاء الله تعالى للعبد واختبار تقتضيه مجاهدة نفسه في نفيها ولأنها أول النية التي هي أول كل عمل وعنها تظهر الأفعال وعلى قدرها تضاعف الأعمال فيحتاج أن يفرق بين لمة الملك ولمة العدو وبين خاطر الروح ووسوسة النفس وبين علم اليقين وقوادح العقل ليميز بذلك الأحكام ، وهذا عند هؤلاء فريضة وهو مذهب مالك بن دينار وفرقد السنجي وعبد الواحد بن زيد وأتباعهم من النساك وقد كان أستاذهم الحسن البصري يتكلم في ذلك وعنه حملوا علوم القلوب ، وقال عباد أهل الشام معناه طلب علم الحلال فريضة إذ قد أمر الله تعالى به وأجمع المسلمون على تفسيق آكل الحرام ، وقد جاء في خبر مفسر طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ومال إلى هذا القول إبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط ووهيب بن الورد وحبيب بن حرب . وقال بعض هذه الطائفة من أهل المعرفة : معناه طلب علم الباطن فريضة على أهله قالوا وهذا مخصوص لأهل القلوب ممن استعمل به واقتضى منه دون غيره من عوام المسليمن ولأنه جاء في لفظ الحديث : تعلموا اليقين فمعناه اطلبوا علم اليقين وعلم اليقين لا يوجد إلا عند الموقنين وهو من أعمال الموقنين المخصوص في قلوب العارفين وهو العلم النافع الذي هو حال العبد عند الله تعالى ومقامه من الله تعالى كما شهد له الخبر الآخر في قوله صلى الله عليه وسلم : وعلم باطن في القلب وهو العلم النافع فهذا تفسير ما أجمل في غيره ، وقال جندب : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلمنا الإيمان ثم يعلمنا القرآن فازددنا إيمانا وسيأتي زمان قوم يتعلمون القرآن قبل الإيمان يعين تعلمنا علم الإيمان وهذا مذهب نساك أهل البصرة ، وقال بعض السلف : إنما معناه طلب علم ما لم يسع جهله من علم التوحيد وأصول الأمر والنهي ، والفرق بين الحلال والحرام إذ لا غاية لسائر العلوم بعد ذلك وكلها يقع عليه اسم علم من حيث هي معلومات ثم قد أجمعوا أن ليس تعليم ما زاد على ما ذكرناه فرضا وإنما فيه فضل أو ندب ، وقال بعض فقهاء الكوفة : معناه طلب علم البيع والشراء والنكاح والطلاق وإذا أراد الدخول فيه افترض عليه مع دخوله في ذلك طلب علمه لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا يتجر في سوقنا هذا إلا من تفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى وكما قيل تفقه ثم اتجر ومال إلى هذا سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابهما ، وقال بعض المتقدمين من علماء خراسان : هو أن يكون الرجل في منزله فيريد أن يعمل شيئا من أمر الدين أو يخطر على قلبه مسألة الله سبحانه وتعالى فيها حكم وتعبد وعلى العبد في ذلك اعتقاد أو عمل فلا يسعه أن يسكت على ذلك ولا يجوز له أن يعمل فيه برأيه ولا يحكم بهواه فعليه أن يلبس نعليه ويخرج فيسأل عن أعلم أهل بلده فيسأله عن ذلك عند النازلة فهذا فريضة وحكي هذا القول عن ابن المبارك وبعض أصحاب الحديث .

حصہ V01/P224–V01/P225

وقال آخرون : يعني طلب علم التوحيد فرض وإنما اختلفوا في كيفية الطلب وماهية الإصابة ، فمنهم من قال من طريق الاستدلال والاعتبار ، ومنهم من قال من طريق البحث والنظر ، ومنهم من قال من طريق التوفيق والأثر ، وقالت طائفة من هؤلاء : إنما أراد طلب علم الشبهات والمشكلات إذا سمعها العبد وابتلى بها وقد كان يسعه ترك الطلب إذا كان غافلا عنها على أصل التسليم ومعتقد جملة المسلمين لا يقع في وهمه ولا يحيك في صدره شيء من الشبهات فيسعه ترك البحث فإذا وقع في سمعه شيء من ذلك ووقر في قلبه ولم يكن عنده تفصيل ذلك وقطعه ومعرفة تمييز حقه من باطله لم يحل له أن يسكت عليه لئلا يعتقد باطلا أو ينفي حقا فافترض عليه طلب ذلك من العلماء به فيستكشفه حتى يكون على اليقين من أمره فيعتقد من ذلك الحق وينفي الباطل ولا يقعد عن الطلب فيكون مقيما على شبهة فيتبع الهوى أو يكون شاكا في الدين فيعدل عن طريق المؤمنين أو يعتقد بدعة فيخرج بذلك عن السنة ومذهب الجماعة وهو لا يعلم ، ولهذا المعنى كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في دعائه : اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه وأرنا الباطل باطلا فنجتنبه ولا تجعل ذلك متشابها علينا فنتبع الهوى ، وهذا مذهب أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي وداود بن علي والحسين الكرابيسي والحرث بن أسد المحاسبي ومن تابعهم من المتكلمين ، فهذه أقوال العلماء في معنى هذا الخبر : حكينا ذلك عن علمنا بمذاهبهم على معنى مذهب كل طائفة واحتججنا لكل قول ، فالألفاظ لنا والمعنى لهم وهذا كله حسن ومحتمل وهؤلاء كلهم وإن اختلفوا في تفسير الحديث بألفاظ فإنهم متقاربون في المعنى إلا أهل الظاهر منهم فإنهم حملوه على ما يعلمونه وأهل الباطن تأولوه على علمهم ولعمري أن الظاهر والباطن علمان لا يستغني أحدهما عن صاحبه بمنزلة الإسلام والإيمان مرتبط كل واحد بالآخر كالجسم والقلب لا ينفك أحدهما عن صاحبه ، وهؤلاء المختلفون في الأقوال مجمعون أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك طلب علم الأقضية والفتاوى ولا علم الاختلاف والمذاهب ولا كتب الأحاديث مما لا يتعين فرضه وإن كان الله تعالى لا يخلى من ذلك من يقيمه بحفظه والذي عندنا في حقيقة معنى هذا الخبر والله أعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة يعني علم هذه الفرائض الخمس التي بني الإسلام عليها من حيث لم يفترض على المسلمين غيرها ، ثم إن العمل لا يصح إلا بعلمه فأول العمل العلم به فصار علم العمل فرضا من حيث افترض العمل .

حصہ V01/P225–V01/P226

فلما لم يكن على المسلمين فرض من الأعمال إلا هذه الخمس فصار طلب علم هذه الخمس فرضا لأنه فرض الفرض وعلم التوحيد داخل فيها لأنه في أوله شهادة أن لا إله إلا الله بإثبات صفاته المتصلة بذاته ونفي صفات سواه المنفصلة عن إياه كله داخل في علم شهادة : أن لا إله إلا الله وعلم الإخلاص داخل في صحة الإسلام إذا لا يكون مسلما إلا بإخلاص العمل لقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله فبدأ به واشترط للإسلام والأصل في هذا أنه لم يرد صلى الله عليه وسلم علم كل ما جاز أن يكون معلوما بإجماع الأمة ، إنه لم يعن بذلك علم الطب أو علم النجوم ولا علم النحو أو الشعر أوالمغازي وهذه تسمى علوما لأنها تكون معلومة وأربابها علماء بها إلا أن الشرع لم يرد بالأمر بمقتضاها والأمة مجمعة أيضا أنه لم يرد بذلك علم الفتيا والقضاء ولا علم افتراق المذاهب واختلاف الآراء وهذه تسمى علوما عند أهلها وبعضها فرض على الكفاية وكلها ساقطة عن الأعيان ، والخبر جاء بلفظ العموم بذكر الكلية وبمعنى الاسم فقال : طلب العلم فريضة ثم قال : على كل مسلم بعد قوله : اطلبوا العلم فكان هذا على الأعيان فكأنه على ما وقع عليه إسم العلم ومعناه المعهود المعروف بإدخال التعريف عليه فأشير بالألف واللام إليه فإذا بطلت هذه الوجوه صح أن قوله صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم أي طلب علم ما بني الإسلام عليه فافترض على المسلمين علمه فريضة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين سأله : أخبرني ماذا افترض الله تعالى علي ، وفي لفظ آخر : أخبرنا بالذي أرسلك الله تعالى إلينا به ، فأخبره بالشهادتين والصلوات الخمس والزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت ، فقال : هل علي غيرها ؟ فقال : لا إلا أن تطوع فقال : والله لا أزيد عليه شيئا ولا أنقص منه شيئا فقال : أفلح ودخل الجنة إن صدق فكان علم هذه الخمس فريضة من حيث كان معلومه فريضة إذ لا عمل إلا بعلم . وقد قال عز وجل : ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) الزخرف : 86 ، وقال في مثله : ( حتى تعلموا ما تقولون ) النساء : 43 ، وقال : ( هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ) الأنعام : 148 ، وقال : ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله ) الروم : 29 ، وقال تعالى : ( ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) ( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) الجاثية : 18 - 19 ، وقال سبحانه وتعالى : ( فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو ) هود : 14 ، وقال : ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) الأنبياء : 7 ، فهذه الآية افترض الله فيها طلب العلم وذلك الخبر الذي جاء في أبنية الإسلام الخمسة افترض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه هذه الأعمال ثم قال مجملا : طلب العلم فريضة ثم وكده بقوله صلى الله عليه وسلم على كل مسلم فكان تفسير ذلك وتفصيله أن علم هذه الخمس التي هي بنية الإسلام فرض لأجل فرضها . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق مرسل أنه مر برجل والناس مجتمعون عليه فقال : ما هذا ؟ فقالوا رجل علامة فقال : بماذا ؟

حصہ V01/P226–V01/P227

قالوا بالشعر والأنساب وأيام العرب ، فقال : هذا علم لا يضر جهله ، وفي لفظ آخر : علم لا ينفع وجهل لا يضر ، وروينا في الخبر : إن من العلم جهلا وإن من القول عيا ، وفي الخبر الآخر : قليل من التوفيق خير من كثير من العلم ، وفي خبر غريب : كل شيء يحتاج إلى العلم يجتاج إلى التوفيق والخبر المشهور قوله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بك من علم لا ينفع فسماه علما إذ له معلوم وأن أصحابه علماء عند أصحابهم ثم رفع المنفعة عنهم واستعاذ بالله منه . وقد روينا في خبر أن الشيطان ربما سبقكم بالعلم ، قلنا : يا رسول الله كيف يسبقنا بالعلم ؟ قال : يقول اطلب العلم ولا تعمل حتى تعلم فلا يزال في العلم قائلا وللعمل مسوفا حتى يموت وما عمل ، ففي هذا الخبر دليلان ، أحدهما أنه أريد به طلب فضول العلم الذي لا نفع له في الآخرة ولا قربة في طلبه من الله والثاني أن العلم المفضل المندوب إليه إنما هو الذي يقتضي العمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بعمل بغير علم ولايكره طلب علم للعمل به ألا تسمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر الآخر : فضل من علم أحب إلي من فضل من عمل وخير دينكم الورع .

سوالات