Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

حصہ V02/P292–V02/P293

وإلى معنى الأول أشار أبو سعيد بن الأعرابي حيث قال في الوجد إنه مشاهدة الرقيب وحضور الفهم وملاحظة الغيب ولا يبعد أن يكون السماع سببا لكشف ما لم يكن مكشوفا قبله فإن الكشف يحصل بأسباب منها التنبيه والسماع منبه ومنها تغير الأحوال ومشاهدتها وإدراكها فإن إدراكها نوع علم يفيد إيضاح أمور لم تكن معلومة قبل الورود ومنها صفاء القلب والسماع يؤثر في تصفية القلب والصفاء يسبب الكشف ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع فيقوى به على مشاهدة ما كان تقصر عنه قبل ذلك قوته كما يقوى البعير على حمل ما كان لا يقوى عليه قبله وعمل القلب الاستكشاف وملاحظة أسرار الملكوت كما أن عمل البعير حمل الأثقال فبواسطة هذه الأسباب يكون سببا للكشف بل القلب إذا صفا ربما يمثل له الحق في صورة مشاهدة أو في لفظ منظوم يقرع سمعه يعبر عنه بصوت الهاتف إذا كان في اليقظة وبالرؤيا إذا كان في المنام وذلك جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وعلم تحقيق ذلك خارج عن علم المعاملة وذلك كما روي عن محمد بن مسروق البغدادي أنه قال خرجت ليلة في أيام جهالتي وأنا نشوان وكنت أغني هذا البيت بطور سيناء كرم ما مررت به ... إلا تعجبت ممن يشرب الماء فسمعت قائلا يقول وفي جهنم ماء ما تجرعه ... خلق فأبقى له في الجوف أمعاء قال فكان ذلك سبب توبتي واشتغالي بالعلم والعبادة فانظر كيف أثر الغناء في تصفية قلبه حتى تمثل له حقيقة الحق في صفة جهنم في لفظ مفهوم موزون وقرع ذلك سمعه الظاهر وروى عن مسلم العباداني أنه قال قدم علينا صالح المري وعتبة الغلام وعبد الواحد بن زيد ومسلم الأسواري فنزلوا على الساحل قال فهيأت لهم ذات ليلة طعاما فدعوتهم إليه فجاؤا فلما وضعت الطعام بين أيديهم إذا بقائل يقول رافعا صوته هذا البيت وتلهيك عن دار الخلود مطاعم ... ولذة نفس غيها غير نافع قال فصاح عتبة الغلام صيحة وخر مغشيا عليه وبكى القوم فرفعت الطعام وما ذاقوا والله منه لقمة وكما يسمع صوت الهاتف عند صفاء القلب فيشاهد أيضا بالبصر صورة الخضر عليه السلام فإنه يتمثل لأرباب القلوب بصور مختلفة وفي مثل هذه الحالة تتمثل الملائكة للأنبياء عليهم السلام إما على حقيقة صورتها وإما على مثال يحاكي صورتها بعض المحاكاة وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام مرتين في صورته وأخبر عنه بأنه سد الأفق وهو المراد بقوله تعالى {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى} إلى آخر هذه الآيات وفي مثل هذه الأحوال من الصفاء يقع الإطلاع على ضمائر القلوب وقد يعبر عن ذلك الإطلاع بالتفرس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وقد حكى أن رجلا من المجوس كان يدور على المسلمين ويقول ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فكان يذكر له تفسيره فلا يقنعه ذلك حتى انتهى إلى بعض المشايخ من الصوفية فسأله فقال له معناه أن تقطع الزنار الذي على وسطك تحت ثوبك فقال صدقت هذا معناه وأسلم وقال الآن عرفت أنك مؤمن وأن إيمانك حق وكما حكى عن إبراهيم الخواص قال كنت ببغداد في جماعة من الفقراء في الجامع فأقبل شاب طيب الرائحة حسن الوجه فقلت لأصحابي يقع لي أنه يهودي فكلهم كرهوا ذلك فخرجت وخرج الشاب ثم رجع إليهم وقال أي شيء قال الشيخ في فاحتشموه فألح عليهم فقالوا له قالإنك يهودي قال فجاءني وأكب على يدي وقبل رأسي وأسلم وقال نجد في كتبنا أن الصديق لا تخطىء فراسته فقلت امتحن المسلمين فتأملتهم فقلت إن كان فيهم صديق ففي هذه الطائفة لأنهم يقولون حديثه سبحانه ويقرءون كلامه فلبست عليكم فلما اطلع على الشيخ وتفرس في علمت أنه صديق قال وصار الشاب من كبار الصوفية وإلى مثل هذا الكشف الاشارة بقوله عليع السلام لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء

حصہ V02/P293–V02/P294

وإنما تحوم الشياطين على القلوب إذا كانت مشحونة بالصفات المذمومة فإنها مرعى الشيطان وجنده ومن خلص قلبه من تلك الصفات وصفاه لم يطف الشيطان حول قلبه وإليه الإشارة بقوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين وبقوله تعالى {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} والسماع سبب لصفاء القلب وهو شبكة للحق بواسطة الصفاء وعلى هذا يدل ما روى أن ذا النون المصري رحمه الله دخل بغداد فاجتمع إليه قوم من الصوفية ومعهم قوال فاستأذنوه في أن يقول لهم شيئا فأذن لهم في ذلك فأنشأ يقول صغير هواك عذبني ... فكيف به إذا احتنكا ... وأنت جمعت في قلبي هوى قد كان مشتركا ... أما ترثى لمكتئب ... إذا ضحك الخلي بكى فقام ذو النون وسقط على وجهه ثم قام رجل آخر فقال ذو النون الذي يراك حين تقوم فجلس ذلك الرجل وكان ذلك إطلاعا من ذي النون على قلبه أنه متكلف متواجد فعرفه أن الذي يراه حين يقوم هو الخصم في قيامه لغير الله تعالى ولو كان الرجل صادقا لما جلس فإذا قد رجع حاصل الوجد إلى مكاشفات وإلى حالات واعلم أن كل واحد منهما ينقسم إلى ما يمكن التعبير عنه عند الافاقة منه وإلى ما لا تمكن العبارة عنه أصلا ولعلك تستبعد حالة أو علما لا تعلم حقيقته ولا يمكن التعبير عنه عن حقيقته فلا تستبعد ذلك فإنك تجد في أحوالك القريبة لذلك شواهد أما العلم فكم من فقيه تعرض عليه مسألتان متشابهتان في الصورة ويدرك الفقيه بذوقه أن بينهما فرقا في الحكم وإذا كلف ذكر وجه الفرق لم يساعده اللسان على التعبير وإن كان من أفصح الناس فيدرك بذوقه الفرق ولا يمكنه التعبير عنه وإدراكه الفرق علم يصادفه في قلبه بالذوق ولا يشك في أن لوقوعه في قلبه سببا وله عند الله تعالى حقيقة ولا يمكنه الإخبار عنه لا لقصور في لسانه بل لدقة المعنى في نفسه عن أن تناله العبارة وهذا مما قد تفطن له المواظبون على النظر في المشكلات وأما الحال فكم من إنسان يدرك في قلبه في الوقت الذي يصبح فيه قبضا أو بسطا ولا يعلم سببه وقد يتفكر إنسان في شيء فيؤثر في نفسه اثر فينسى ذلك السبب ويبقى الأثر في نفسه وهو يحس به وقد تكون الحالة التي يحسها سرورا ثبت في نفسه بتفكره في سبب موجب للسرور أو حزنا فينسى المتفكر فيه ويحس بالأثر عقيبه وقد تكون تلك الحالة حالة غريبة لا يعرب عنها لفظ السرور والحزن ولا يصادف لها عبارة مطابقة مفصحة عن المقصود بل ذوق الشعر الموزون والفرق بينه وبين غير الموزون يختص به بعض الناس دون بعض وهي حالة يدركها صاحب الذوق بحيث لا يشك فيها أعني التفرقة بين الموزون والمنزحف فلا يمكنه التعبير عنها بما يتضح مقصوده لمن لا ذوق له وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها بل المعاني المشهورة من الخوف والحزن والسرور إنما تحصل في السماع عن غناء مفهوم وأما الأوتار وسائر النغمات التي ليست مفهومة فإنها تؤثر في النفس تأثيرا عجيبا ولا يمكن التعبير عن عجائب تلك الآثار وقد يعبر عنها بالشوق ولكن شوق لا يعرف صاحبه المشتاق إليه فهو عجيب والذي اضطرب قلبه بسماع الأوتار أو الشاهين وما أشبهه ليس يدري إلى ماذا يشتاق ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمرا ليس يدري ما هو حتى يقع ذلك للعوام ومن لا يغلب على قلبه لا حب آدمي ولا حب الله تعالى وهذا له سر وهو أن كل شوق فله ركنان أحدهما صفة المشتاق وهو نوع مناسبة مع المشتاق إليه والثاني معرفة المشتاق إليه ومعرفة صورة الوصول إليه فإن وجدت الصفة التي بها الشوق ووجد العلم بصورة المشتاق إليه كان الأمر ظاهرا وإن لم يوجد العلم بالمشتاق ووجدت الصفة المشوقة وحركت قلبك الصفة واشتعلت نارها اورث ذلك دهشة وحيرة لا محالة

حصہ V02/P294–V02/P295

ولو نشأ آدمى وحده بحيث لم ير صورة النساء ولا عرف صورة الوقاع ثم راهق الحلم وغلبت عليه الشهوة لكان يحس من نفسه بنار الشهوة ولكن لا يدري أنه يشتاق إلى الوقاع لأنه ليس يدري صورة الوقاع ولا يعرف صورة النساء فكذلك في نفسه الآدمي مناسبة مع العالم الأعلى واللذات التي وعد بها في سدرة المنتهى والفراديس العلا إلا أنه لم يتخيل من هذا الأمور إلا الصفات والأسماء كالذي سمع لفظ الوقاع واسم النساء ولم يشاهد صورة امرأة قط ولا صورة رجل ولا صورة نفسه في المرآة ليعرف بالمقايسة فالسماع يحرك منه الشوق والجهل المفرط والاشتغال بالدنيا قد أنساه نفسه وأنساه ربه وأنساه مستقره الذي إليه حنينه واشتياقه بالطبع فيتقاضاه قلبه أمرا ليس يدري ما هو فيدهش ويتحير ويضطرب ويكون كالمختنق الذي لا يعرف طريق الخلاص فهذا وأمثاله من الأحوال التي لا يدرك تمام حقائقها ولا يمكن المتصف بها أن يعبر عنها فقد ظهر انقسام الوجد إلى ما يمكن إظهاره وإلى ما لا يمكن إظهاره واعلم أيضا أن الوجد ينقسم إلى هاجم وإلى متكلف ويسمى التواجد وهذا التواجد المتكلف فمنه مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها ومنه ما هو محمود وهو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة فإن للكسب مدخلا في جلب الأحوال الشريفة ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن فإن هذه الأحوال قد تتكلف مباديها ثم تتحقق آواخرها وكيف لا يكون التكلف سببا في أن يصير المتكلف في الآخرة طبعا وكل من يتعلم القرآن أو لا يحفظه تكلفا ويقرؤه تكلفا مع تمام التأمل وإحضار الذهن ثم يصير ذلك ديدنا للسان مطردا حتى يجري به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه قرأها في حال غفلته وكذلك الكاتب يكتب في الابتداء بجهد شديد ثم تتمرن على الكتابة يده فيصير الكتب له طبعا فيكتب أوراقا كثيرة وهو مستغرق القلب بفكر آخر فجميع ما تحتمله النفس والجوارح من الصفات لا سبيل إلى اكتسابه إلا بالتكلف والتصنع أولا ثم يصير بالعادة طبعا وهو المراد بقول بعضهم العادة طبيعة خامسة فكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها بل ينبغي أن يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصا ولم يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرر على نفسه الأوصاف المحبوبة والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخا خرج عن حداختياره فاشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص فكذلك حب الله تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة إذا فقدها الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها ومشاهدة أحوالهم وتحسين صفاتهم في النفس وبالجلوس معهم في السماع وبالدعاء والتضرع إلى الله تعالى في أن يرزقه تلك الحلة بأن ييسر له أسبابها ومن أسبابها السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحسنين والمشتاقين والخاشعين فمن جالس شخصا سرت إليه صفاته من حيث لا يدري ويدل على إمكان تحصيل الحب وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم ارزقني حبك وحب من أحبك وحب من يقربني إلى حبك فقد فزع صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء في طلب الحب فهذا بيان انقسام الوجد إلى مكاشفات وإلى أحوال وانقسامه إلى ما يمكن الإفصاح عنه وإلى ما لا يمكن وانقسامه إلى المتكلف وإلى المطبوع فإن قلت فما بال هؤلاء لا يظهر وجدهم عند سماع القرآن وهو كلام الله ويظهر عند الغناء وهو كلام الشعراء فلو كان ذلك حقا من لطف الله تعالى ولم يكن باطلا من غرور الشيطان لكان القرآن أولى به من الغناء فنقول الوجد الحق هو ما ينشأ من فرط حب الله تعالى وصدق إرادته والشوق إلى لقائه وذلك يهيج بسماع القرآن أيضا

حصہ V02/P295–V02/P297

وإنما الذي لا يهيج بسماع القرآن حب الخلق وعشق المخلوق ويدل على ذلك قوله تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} وقوله تعالى {مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} وكل ما يوجد عقيب السماع في النفس فهو وجد فالطمأنينة والاقشعرار والخشية ولين القلب كل ذلك وجد وقد قال الله تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} وقال تعالى {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} فالوجل والخشوع وجد من قبيل الأحوال وإن لم يكن من قبيل المكاشفات ولكن قد يصير سببا للمكاشفات والتنبيهات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم وقال لأبي موسى الأشعري لقد أوتى مزمارا من مزامير آل داود عليه السلام وأما الحكايات الدالة على أن أرباب القلوب ظهر عليهم الوجد عند سماع القرآن فكثيرة فقوله صلى الله عليه وسلم شيبتني هود وأخواتها خبر عن الوجد فإن الشيب يحصل من الحزن والخوف وذلك وجد وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النساء فلما انتهى إلى قوله تعالى {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال {حسبك} وكانت عيناه تذرفان بالدموع وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذا الآية أو قرئ عنده {إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} فصعق وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قرأ {إن تعذبهم فإنهم عبادك} فبكى وكان صلى الله عليه وسلم إذا مر بآية رحمة دعا واستبشر والاستبشار وجد وقد أثنى الله تعالى على أهل الوجد بالقرآن فقال تعالى {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل وأما ما نقل من الوجد بالقرآن عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين فكثير فمنهم من صعق ومنهم من بكى ومنهم من غشي عليه ومنهم من مات في غشيته وروى أن زرارة بن أوفى وكان من التابعين كان يؤم الناس بالرقة فقرأ {فإذا نقر في الناقور} فصعق ومات في محرابه رحمه الله وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقرأ إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع فصاح صيحة وخر مغشيا عليه فحمل إلى بيته فلم يزل مريضا في بيته شهرا وأبو جرير من التابعين قرأ عليه صالح المري فشهق ومات وسمع الشافعي رحمه الله قارئا يقرأ {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} فغشي عليه وسمع علي بن الفضيل قارئا يقرأ {يوم يقوم الناس لرب العالمين} فسقط مغشيا عليه فقال الفضيل شكر الله لك ما قد علمه منك وكذلك نقل عن جماعة منهم وكذلك الصوفية فقد كان الشبلي في مسجده ليلة من رمضان وهو يصلي خلف إمام له فقرأ الإمام {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} فزعق الشبلي زعقة ظن الناس أنه قد طارت روحه وأحمر وجهه وارتعدت فرائصه وكان يقول بمثل هذا يخاطب الأحباب يردد ذلك مرارا وقال الجنيد دخلت على سرى السقطي فرأيت بين يديه رجلا قد غشي عليه فقال لي هذا رجل قد سمع آية من القرآن فغشي عليه فقلت اقرءوا عليه تلك الآية بعينها فقرئت فأفاق فقال من أين قلت هذا فقلت رأيت يعقوب عليه السلام كان عماه من أجل مخلوق فبمخلوق أبصر ولو كان عماه من أجل الحق ما أبصر بمخلوق فاستحسن ذلك ويشير إلى ما قاله الجنيد قول الشاعر وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها وقال بعض الصوفية كنت أقرأ ليلة هذه الآية {كل نفس ذائقة الموت} فجعلت أرددها فإذا هاتف يهتف بي كم تردد هذه الآية فقد قتلت أربعة من الجن ما رفعوا رءوسهم إلى السماء منذ خلقوا

حصہ V02/P297–V02/P298

وقال أبو علي المغازلي للشبلي ربما تطرق سمعي آية من كتاب الله تعالى فتجذبني إلى الإعراض عن الدنيا ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس فلا أبقى على ذلك فقال ما طرق سمعك من القرآن فاجتذبك به إليه فذلك عطف منه عليك ولطف منه بك وإذا ردك إلى نفسك فهو شفقة منه عليك فإنه لا يصلح لك إلا التبري من الحول والقوة في التوجه إليه وسمع رجل من أهل التصوف قارئا يقرأ {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} فاستعادها من القارىء وقال كم أقول لها ارجعي وليست ترجع وتواجد وزعق زعقة فخرجت روحه وسمع بكر بن معاذ قارئا يقرأ {وأنذرهم يوم الآزفة} الآية فاضطرب ثم صاح ارحم من أنذرته ولم يقبل إليك بعد الإنذار بطاعتك ثم غشى عليه وكان إبراهيم ابن أدهم رحمه الله إذا سمع أحدا يقرأ {إذا السماء انشقت} اضطربت أوصاله حتى كان يرتعد وعن محمد بن صبيح قال كان رجل يغتسل في الفرات فمر به رجل على الشاطىء يقرأ {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} فلم يزل الرجل يضطرب حتى غرق ومات وذكر أن سلمان الفارسي أبصر شابا يقرأ فأتى على آية فاقشعر جلده فأحبه سلمان وفقده فسأل عنه فقيل له إنه مريض فأتاه يعوده فإذا هو في الموت فقال يا عبد الله أرأيت تلك القشعريرة التي كانت بي فإنها أتتني في أحسن صورة فأخبرتني أن الله قد غفر لي بها كل ذنب وبالجملة لا يخلو صاحب القلب عن وجد عند سماع القرآن فإن كان القرآن لا يؤثر فيه أصلا ف مثله كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون بل صاحب القلب تؤثر فيه الكلمة من الحكمة يسمعها قال جعفر الخلدي دخل رجل من أهل خراسان على الجنيد وعنده جماعة فقال للجنيد متى يستوي عند العبد حامده وذامه فقال بعض الشيوخ إذا دخل البيمارستان وقيد بقيدين فقال الجنيد ليس هذا من شأنك ثم أقبل على الرجل وقال إذا تحقق أنه مخلوق فشهق الرجل شهقة ومات فإن قلت فإن كان سماع القرآن مفيدا للوجد فما بالهم يجتمعون على سماع الغناء من القوالين دون القارئين فكان ينبغي أن يكون اجتماعهم وتواجدهم في حلق القراء لا حلق المغنين وكان ينبغي أن يطلب عند كل اجتماع في كل دعوة قارىء لأقوال فإن كلام الله تعالى أفضل من الغناء لا محالة فاعلم أن الغناء أشد تهييجا للوجد من القرآن من سبعة أوجه الوجه الأول أن جميع آيات القرآن لا تناسب حال المستمع ولا تصلح لفهمه وتنزيله على ما هو ملابس له فمن استولى عليه حزن أو شوق أو ندم فمن أين يناسب حاله قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وقوله تعالى {والذين يرمون المحصنات} وكذلك جميع الآيات التي فيها بيان أحكام الميراث والطلاق والحدود وغيرها وإنما المحرك لما في القلب ما يناسبه والأبيات إنما يضعها الشعراء إعرابا بها عن أحوال القلب فلا يحتاج في فهم الحال منها إلى تكلف نعم من يستولي عليه حالة غالبة قاهرة لم تبق فيه متسعا لغيرها ومعه تيقظ وذكاء ثاقب يتفطن به للمعاني البعيدة من الألفاظ فقد يخرج وجده على كل مسموع كمن يخطر له عند ذكر قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} حالة الموت المحوج إلى الوصية وأن كل إنسان لا بد أن يخلف ماله وولده وهما محبوباه من الدنيا فيترك أحد المحبوبين للثاني ويهجرهما جميعا فيغلب عليه الخوف والجزع أو يسمع ذكر الله في قوله {يوصيكم الله في أولادكم} فيدهش بمجرد الاسم عما قبله وبعده أو يخطر له رحمة الله على عباده وشفقته بأن تولى قسم مواريثهم بنفسه نظرا لهم في حياتهم وموتهم فيقول إذا نظر لأولادنا بعد موتنا فلا نشك بأنه ينظر لنا فيهيج منه حال الرجاء ويورثه ذلك استبشارا وسرورا أو يخطر له من قوله تعالى {للذكر مثل حظ الأنثيين} تفضيل الذكر بكونه رجلا على الأنثى وأن الفضل في الآخرة لرجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله

حصہ V02/P298–V02/P299

وأن من ألهاه غير الله تعالى عن الله تعالى فهو من الإناث لا من الرجال تحقيقا فيخشى أن يحجب أو يؤخر في نعيم الآخرة كما أخرت الأنثى في أموال الدنيا فأمثال هذا قد يحرك الوجد ولكن لمن فيه وصفان أحدهما حالة غالبة مستغرقة قاهرة والآخر تفطن بليغ وتيقظ بالغ كامل للتنبيه بالأمور القريبة على المعاني البعيدة وذلك مما يعز فلأجل ذلك يفزع إلى الغناء الذي هو ألفاظ مناسبة للأحوال حتى يتسارع هيجانها وروي أن أبا الحسين النوري كان مع جماعة في دعوى فجرى بينهم مسألة في العلم وأبو الحسين ساكت ثم رفع رأسه وأنشدهم رب ورقاء هتوف في الضحى ... ذات شجو صدحت في فنن ذكرت إلفا ودهرا صالحا ... وبكت حزنا فهاجت حزني فبكائي ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقني ولقد أشكو فما أفهمها ... ولقد تشكو فما تفهمني غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفني قال فما بقي أحد من القوم إلا قام وتواجد ولم يحصل لهم هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه وإن كان العلم جدا وحقا الوجه الثاني أن القرآن محفوظ للأكثرين ومتكرر على الأسماع والقلوب وكلما سمع أولا عظم أثره في القلوب وفي الكرة الثانية يضعف أثره وفي الثالثة يكاد يسقط أثره ولو كلف صاحب الوجد الغالب أن يحضر وجده على بيت واحد على الدوام في مرات متقاربة في الزمان في يوم أو أسبوع لم يمكنه ذلك ولو ابدل ببيت آخر لتجدد له أثر في قلبه وإن كان معربا عن عين ذلك المعنى ولكن كون النظم واللفظ غريبا بالإضافة إلى الأولى يحرك النفس وإن كان المعنى واحدا وليس يقدر القارئ على أن يقرأ قرآنا غريبا في كل وقت ودعوة فإن القرآن محصور لا يمكن الزيادة عليه وكله محفوظ متكرر وإلى ما ذكرناه أشار الصديق رضي الله عنه حيث رأى الأعراب يقدمون فيسمعون القرآن ويبكون فقال كنا كما كنتم ولكن قست قلوبنا ولا تظنن أن قلب الصديق رضي الله عنه كان أقسى من قلوب الأجلاف من العرب وانه كان أخلى عن حب الله تعالى وحب كلامه من قلوبهم ولكن التكرار على قلبه اقتضى المرون عليه وقلة التأثر به لما حصل له من الأنس بكثرة استماعه إذ محال في العادات أن يسمع السامع آية لم يسمعها قبل فيبكي ثم يدوم على بكائه عليها عشرين سنة ثم يرددها ويبكي ولا يفارق الأول الآخر إلا في كونه غريبا جديدا ولكل جديد لذة ولكل طارئ صدمة ومع كل مألوف أنس يناقض الصدمة ولذا هم عمر رضي الله عنه أن يمنع الناس من كثرة الطواف وقال قد خشيت أن يتهاون الناس بهذا البيت أي يأنسوا به ومن قدم حاجا فرأى البيت أولا بكى وزعق وربما غشي عليه إذ وقع عليه بصره وقد يقيم بمكة شهرا ولا يحس من ذلك في نفسه بأثر فإذا المغنى يقدر على الأبيات الغريبة في كل وقت ولا يقدر في كل وقت على آية غريبة الوجه الثالث أن لوزن الكلام بذوق الشعر تأثيرا في النفس فليس الصوت الموزون الطيب كالصوت الطيب الذي ليس بموزون وإنما يوجد الوزن في الشعر دون الآيات ولو زحف المغني البيت الذي ينشده أو لحن فيه أو مال عن حد تلك الطريقة في اللحن لاضطرب قلب المستمع وبطل جده وسماعه ونفر طبعه لعدم المناسبة وإذا نفر الطبع اضطرب القلب وتشوش فالوزن إذن مؤثر فلذلك طاب الشعر الوجه الرابع أن الشعر الموزون يختلف تأثيره في النفس بالألحان التي تسمى الطرق والاستانات وإنما اختلاف تلك الطرق بمد المقصور وقصر المدود والوقف في أثناء الكلمات والقطع والوصل في بعضها وهذا التصرف جائز في الشعر ولا يجوز في القرآن إلا التلاوة كما أنزل فقصره ومده والوقف والوصل والقطع فيه على خلاف ما تقضيه التلاوة حرام أو مكروه وإذا رتل القرآن كما أنزل سقط عنه الأثر الذي سببه وزن الألحان وهو سبب مستقل بالتأثير وإن لم يكن مفهوما كما في الأوتار والمزمار والشاهين وسائر الأصوات التي لا تفهم

حصہ V02/P299–V02/P300

الوجه الخامس أن الألحان الموزونة تعضد وتؤكد بإيقاعات وأصوات أخر موزونة خارج الحلق كالضرب بالقضيب والدف وغيره لأن الوجد الضعيف لا يستثار إلا بسبب قوي وإنما يقوى بمجموع هذه الأسباب ولكل واحد منها حظ في التأثير وواجب أن يصان القرآن عن مثل هذه القرائن لأن صورتها عند عامة الخلق صورة اللهو واللعب والقرآن جد كله عند كافة الخلق فلا يجوز أن يمزج بالحق المحض ما هو لهو عند العامة وصورته صورة اللهو عند الخاصة وإن كانوا لا ينظرون إليها من حيث إنها لهو بل ينبغي أن يوقر القرآن فلا يقرأ على شوارع الطرق بل في مجلس ساكن ولا في حال الجنابة ولا على غير طهارة ولا يقدر على الوفاء بحق حرمة القرآن في كل حال إلا المراقبون لأحوالهم فيعدل إلى الغناء الذي لا يستحق هذه المراقبة والمراعاة ولذلك لا يجوز الضرب بالدف مع قراءة القرآن ليلة العرس وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب الدف في العرس فقال أظهروا النكاح ولو بضرب الغربال أو بلفظ هذا معناه وذلك جائز مع الشعر دون القرآن ولذلك لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت الربيع بنت معوذ وعندها جوار فسمع إحداهن تقول وفينا نبي يعلم ما في غد على وجه الغناء فقال صلى الله عليه وسلم دعي هذا وقولي ما كنت تقولين وهذه شهادة بالنبوة فزجرها عنها وردها إلى الغناء الذي هو لهو لأن هذا جد محض فلا يقرن بصورة اللهو فإذا يتعذر بسببه تقوية الأسباب التي بها يصير السماع محركا للقلب فواجب في الاحترام العدول إلى الغناء عن القرآن كما وجب على تلك الجارية العدول عن شهادة النبوة إلى الغناء الوجه السادس أن المغني قد يغني ببيت لا يوافق حال السامع فيكرهه وينهاه عنه ويستدعي غيره فليس كل كلام موافقا لكل حال فلو اجتمعوا في الدعوات على القارئ فربما يقرأ آية لا توافق حالهم إذ القرآن شفاء للناس كلهم على اختلاف الأحوال فآيات الرحمة شفاء الخائف وآيات العذاب شفاء المغرور الآمن وتفصيل ذلك مما يطول فإذا لا يؤمن أن لا يوافق المقروء الحال وتكرهه النفس فيتعرض به لخطر كراهة كلام الله تعالى من حيث لا يجد سبيلا إلى دفعه فالاحتراز عن خطر ذلك حزم بالغ وحتم واجب إذ لا يجد الخلاص عنه إلا بتنزيله على وفق حاله ولا يجوز تنزيل كلام الله تعالى إلا على ما أراد الله تعالى وأما قول الشاعر فيجوز تنزيله على غير مراده ففيه خطر الكراهة أو خطر التأويل الخطأ لموافقة الحال فيجب توقير كلام الله وصيانته عن ذلك وهذا ما ينقدح في علل انصراف الشيوخ إلى سماع الغناء عن سماع القرآن وههنا وجه سابع ذكره أبو نصر السراج الطوسي في الاعتذار عن ذلك فقال القرآن كلام الله وصفة من صفاته وهو حق لا تطيقه البشرية لأنه غير مخلوق فلا تطيقه الصفات المخلوقة ولو كشف للقلوب ذرة من معناه وهيبته لتصدعت ودهشت وتحيرت والألحان الطيبة مناسبة للطباع ونسبتها نسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق والشعر نسبته نسبة الحظوظ فإذا علقت الألحان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف شاكل بعضها بعضاكان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب لمشاكلة المخلوق المخلوق فما دامت البشرية باقية ونحن بصفاتنا وحظوظنا نتنعم بالنغمات الشجية والأصوات الطيبة فانبساطنا لمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى القصائد أولى من انبساطنا إلى كلام الله تعالى الذي هو صفته وكلامه الذي منه بدأ وإليه يعود وهذا حاصل المقصود من كلامه واعتذاره وقد حكى عن أبي الحسن الدراج أنه قال قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد للزيارة والسلام عليه فلما دخلت الرى كنت أسأل عنه فكل من سألته عنه قال أيش تعمل بذلك الزنديق فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف ثم قلت في نفسي قد جبت هذا الطريق كله فلا أقل من أن أراه

حصہ V02/P300–V02/P301

فلم أزل أسأل عنه حتى دخلت عليه في مسجد وهو قاعد في المحراب وبين يديه رجل وبيده مصحف وهو يقرأ فإذا هو شيخ بهي حسن الوجه واللحية فسلمت عليه فأقبل على وقال من أين أقبلت فقلت من بغداد فقال وما الذي جاء بك فقلت قصدتك للسلام عليك فقال لو أن في بعض هذه البلدان قال لك إنسان أقم عندنا حتى نشتري لك دارا أو جارية أكان يقعدك ذلك عن المجيء فقلت ما امتحنني الله بشيء من ذلك ولو امتحنني ما كنت أدري كيف أكون ثم قال لي أتحسن أن تقول شيئا فقلت نعم فقال هات فأنشأت أقول رأيتك تبني دائما في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني كأني بكم والليت أفضل قولكم ... ألا ليتنا كنا إذ الليت لا يغني قال فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وابتل ثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه ثم قال يا بني تلوم أهل الري يقولون يوسف زنديق هذا أنا من صلاة الغداة أقرأ في المصحف لم تقطر من عيني قطرة وقد قامت القيامة علي لهذين البيتين فإذا القلوب وإن كانت محترقة في حب الله تعالى فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن وذلك لوزن الشعر ومشاكلته للطباع ولكونه مشاكلا للطبع اقتدر البشر على نظم الشعر وأما القرآن فنظمه خارج عن أساليب الكلام ومنهاجه وهو لذلك معجز لا يدخل في قوة البشر لعدم مشاكلته لطبعه وروي أن إسرافيل أستاذ ذي النون المصري دخل عليه رجل فرآه وهو ينكت في الأرض بإصبعه ويترنم ببيت فقال هل تحسن أن تترنم بشيء فقال لا قال فأنت بلا قلب إشارة إلى أن من له قلب وعرف طباعه علم أنه تحركه الأبيات والنغمات تحريكا لا يصادف في غيرها فيتكلف طريق التحريك إما بصوت نفسه أو بغيره وقد ذكرنا حكم المقام الأول في فهم المسموع وتنزيله وحكم المقام الثاني في الوجد الذي يصادف في القلب فلنذكر الآن أثر الوجد أعني ما يترشح منه إلى الظاهر من صعقة وبكاء وحركة وتمزيق ثوب وغيره فنقول المقام الثالث من السماع نذكر فيه آداب السماع ظاهرا وباطنا وما يحمد من آثار الوجد وما يذم فأما الآداب فهي خمس جمل الأول مراعاة الزمان والمكان والإخوان قال الجنيد السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع الزمان والمكان والإخوان ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام أو خصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه فهذا معنى مراعاة الزمان فيراعي حالة فراغ القلب له وأما المكان فقد يكون شارعا مطروقا أو موضعا كريه الصورة أو فيه سبب يشغل القلب فيجتنب ذلك وأما الإخوان فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهد الظاهر مفلس من لطائف القلوب كان مستثقلا في المجلس واشتغل القلب به وكذلك إذا حضر متكبر من أهل الدنيا يحتاج إلى مراقبته وإلى مراعاته أو متكلف متواجد من أهل التصوف يرائي بالوجد والرقص وتمزيق الثياب فكل ذلك مشوشات فترك السماع عند فقد هذه الشروط أولى ففي هذه الشروط نظر للمستمع الأدب الثاني هو نظر الحاضرين أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرهم السماع فلا ينبغي أن يسمع في حضورهم فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر والمريد الذي يستضر بالسماع أحد ثلاثة أقلهم درجة هو الذي لم يدرك من الطريق إلا الأعمال الظاهرة ولم يكن له ذوق السماع فاشتغاله بالسماع اشتغال بما لا يعنيه فإنه ليس من أهل اللهو فيلهو ولا من أهل الذوق فيتنعم بذوق السماع فليشتغل بذكر أو خدمة وإلا فهو تضييع لزمانه الثاني هو الذي له ذوق السماع ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى الشهوات والصفات البشرية ولم ينكسر بعد انكسارا تؤمن غوائله فربما يهيج السماع منه داعية اللهو والشهوة فيقطع عليه طريقه ويصده عن الاستكمال

حصہ V02/P301–V02/P302

الثالث أن يكون قد انكسرت شهوته وأمنت غائلته وانفتحت بصيرته واستولى على قلبه حب الله تعالى ولكنه لم يحكم ظاهر العلم ولم يعرف أسماء الله تعالى وصفاته وما يجوز عليه وما يستحيل فإذا فتح له باب السماع نزل المسموع في حق الله تعالى على ما يجوز وما لا يجوز فيكون ضرره من تلك الخواطر التي هي كفر أعظم من نفع السماع قال سهل رحمه الله كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل فلا يصلح السماع لمثل هذا ولا لمن قلبه بعد ملوث بحب الدنيا وحب المحمدة والثناء ولا لمن يسمع لأجل التلذذ والاستطابة بالطبع فيصير ذلك عادة له ويشغله ذلك عن عبادته ومراعاة قلبه وينقطع عليه طريقه فالسماع مزلة قدم يجب حفظ الضعفاء عنه قال الجنيد رأيت إبليس في النوم فقلت له هل تظفر من أصحابنا بشيء قال نعم في وقتين وقت السماع ووقت النظر فإني أدخل عليهم به فقال بعض الشيوخ لو رأيته أنا لقلت له ما أحمقك من سمع منه إذا سمع ونظر إليه إذا نظر كيف تظفر به فقال الجنيد صدقت الأدب الثالث أن يكون مصغيا إلى ما يقول القائل حاضر القلب قليل الالتفات إلى الجوانب متحرزا عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح الله تعالى له من رحمته في سره متحفظا عن حركة تشوش على أصحابه قلوبهم بل يكون ساكن الظاهر هادئ الأطراف متحفظا عن التنحنح والتثاؤب ويجلس مطرقا رأسه كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه متماسكا عن التصفيق والرقص وسائر الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة ساكتا عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بد فإن غلبه الوجد وحركه بغير اختيار فهو فيه معذور غير ملوم ومهما رجع إليه الاختيار فليعد إلى هدوئه وسكونه ولا ينبغي أن يستديمه حياء من أن يقال انقطع وجده على القرب ولا أن يتواجد خوفا من أن يقال هو قاسي القلب عديم الصفاء والرقة حكي أن شابا كان يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق فقال له الجنيد يوماإن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني فكان بعد ذلك يضبط نفسه حتى يقطر من كل شعرة منه قطرة ماء ولا يزعق فحكى أنه اختنق يوما لشدة ضبطه لنفسه فشهق شهقة فانشق قلبه وتلفت نفسه وروي أن موسى عليه السلام قص في بني إسرائيل فمزق واحد منهم ثوبه أو قميصه فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام قل له مزق لي قلبك ولا تمزق ثوبك قال أبو القاسم النصراباذي لأبي عمرو بن عبيد أنا أقول إذا اجتمع القوم فيكون معهم قوال يقول خيرا لهم من أن يغتابوا فقال أبو عمرو الرياء في السماع وهو أن ترى من نفسك حالا ليست فيك شر من أن تغتاب ثلاثين سنة أو نحو ذلك فإن قلت الأفضل هو الذي لا يحركه السماع ولا يؤثر في ظاهره أو الذي يظهر عليه فاعلم أن عدم الظهور تارة يكون لضعف الوارد من الوجد فهو نقصان وتارة يكون مع قوة الوجد في الباطن لكن لا يظهر لكمال القوة على ضبط الجوارح فهو كمال وتارة يكون لكون حال الوجد ملازما ومصاحبا في الأحوال كلها فلا يتبين للسماع مزيد تأثير وهو غاية الكمال فإن صاحب الوجد في غالب الأحوال لا يدوم وجده فمن هو في وجد دائم ثم فهو المرابط للحق والملازم لعين الشهود فهذا لا تغيره طوارق الأحوال ولا يبعد أن تكون الإشارة بقول الصديق رضي الله عنه كنا كما كنتم ثم قست قلوبنا معناه قويت قلوبنا واشتدت فصارت تطيق ملازمة الوجد في كل الأحوال فنحن في سماع معاني القرآن على الدوام فلا يكون القرآن جديدا في حقنا طارئا علينا حتى تتأثر به

حصہ V02/P302–V02/P303

فإذا قوة الوجد تحرك وقوة العقل والتماسك تضبط الظاهر وقد يغلب أحدهما الآخر إما الشدة قوته وإما لضعف ما يقابله ويكون النقصان والكمال بحسب ذلك فلا تظنن أن الذي يضطرب بنفسه على الأرض أتم وجدا من الساكن باضطرابه بل رب ساكن أتم وجدا من المضطرب فقد كان الجنيد يتحرك في السماع في بدايته ثم صار لا يتحرك فقيل له في ذلك فقال {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء} إشارة إلى أن القلب مضطرب جائل في الملكوت والجوارح متأدبة في الظاهر ساكنة وقال أبو الحسن محمد بن أحمد وكان بالبصرة صحبت سهل بن عبد الله ستين سنة فما رأيته تغير عند شيء كان يسمعه من الذكر أو القرآن فلما كان في آخر عمره قرأ رجل بين يديه {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} الآية فرأيته قد ارتعد وكاد يسقط فلما عاد إلى حاله سألته عن ذلك فقال نعم يا حبيبي قد ضعفنا وكذلك سمع مرة قوله تعالى {الملك يومئذ الحق للرحمن} فاضطرب فسأله ابن سالم وكان من أصحابه فقال قد ضعفت فقيل له فإن كان هذا من مضعف فما قوة الحال فقال أن لا يرد عليه وارد إلا وهو يلتقيه بقوة حاله فلا تغيره الواردات وإن كانت قوية وسبب القدرة على ضبط الظاهر مع وجود الوجد استواء الأحوال بملازمة الشهود كما حكي عن سهل رحمه الله تعالى أنه قال حالتي قبل الصلاة وبعدها واحدة لأنه كان مراعيا للقلب حاضر الذكر مع الله تعالى في كل حال فكذلك يكون قبل السماع وبعده إذ يكون وجده دائما وعطشه متصلا وشربه مستمرا بحيث لا يؤثر السماع في زيادته كما روى أن ممشاد الدينوري أشرف على جماعة فيهم قوال فسكنوا فقال ارجعوا إلى ما كنتم فيه فلو جمعت ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همي ولا شفي بعض ما بي وقال الجنيد رحمه الله تعالى لا يضر نقصان الوجد مع فضل العلم وفضل العلم أتم من فضل الوجد فإن قلت فمثل هذا لم يحضر السماع فاعلم أن من هؤلاء من ترك السماع في كبره وكان لا يحضر إلا نادرا لمساعدة أخ من الإخوان وإدخالا للسرور على قلبه وربما حضر ليعرف القوم كمال قوته فيعلمون أنه ليس الكمال بالوجد الظاهر فيتعلمون منه ضبط الظاهر عن التكلف وإن لم يقدروا على الإقتداء به في صيرورته طبعا لهم وإن اتفق حضورهم مع غير أبناء جنسهم فيكونون معهم بأبدانهم نائين عنهم بقلوبهم وبواطنهم كما يجلسون من غير سماع مع غير جنسهم بأسباب عارضة تقتضي الجلوس معهم وبعضهم نقل عنه ترك السماع ويظن أنه كان سبب تركه استغناءه عن السماع بما ذكرناه وبعضهم كان من الزهاد ولم يكن له حظ روحاني في السماع ولا كان من أهل اللهو فتركه لئلا يكون مشغولا بما لا يعنيه وبعضهم تركه لفقد الإخوان قيل لبعضهم لم لا تسمع فقال ممن ومع من الأدب الرابع أن لا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه ولكن إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة لأن التباكي استجلاب للحزن والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط فكل سرور مباح فيجوز تحريكه ولو كان ذلك حراما لما نظرت عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يزفنون هذا لفظ عائشة رضي الله عنها في بعض الروايات وقد روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم حجلوا لما ورد عليهم سرور أوجب ذلك وذلك في قصة ابنة حمزة لما اختصم فيها علي بن أبي طالب وأخوه جعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم فتشاحوا في تربيتها فقال صلى الله عليه وسلم لعلي أنت مني وأنا منك فحجل علي وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي فحجل وراء حجل علي وقال لزيد أنت أخونا ومولانا فحجل زيد وراء حجل جعفر ثم قال صلى الله عليه وسلم هي لجعفر لأن خالتها تحته والخالة والدة

حصہ V02/P303–V02/P304

وفي رواية أنه قال لعائشة رضي الله عنها أتحبين أن تنظري إلى زفن الحبشة والزفن والحجل هو الرقص وذلك يكون لفرح أو شوق فحكمه حكم مهيجه إن كان فرحه محمودا والرقص يزيده ويؤكده فهو محمود وإن كان مباحا فهو مباح وإن كان مذموما فهو مذموم نعم لا يليق اعتياد ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب وماله صورة اللعب واللهو في أعين الناس فينبغي أن يجتنبه المقتدي به لئلا يصغر في أعين الناس فيترك الإقتداء به وأما تمزيق الثياب فلا رخصة فيه إلا عند خروج الأمر عن الاختيار ولا يبعد أن يغلب الوجد بحيث يمزق ثوبه وهو لا يدري لغلبة سكر الوجد عليه أو يدري ولكن يكون كالمضطر الذي لا يقدر على ضبط نفسه وتكون صورته صورة المكره إذ يكون له في الحركة أو التمزيق متنفس فيضطر إليه اضطرار المريض إلى الأنين ولو كلف الصبر عنه لم يقدر عليه مع أنه فعل اختياري فليس كل فعل حصوله بالإرادة يقدر الإنسان على تركه فالتنفس فعل يحصل بالإرادة ولو كلف الإنسان أن يمسك النفس ساعة لاضطر من باطنه إلى أن يختار التنفس فكذلك الزعقة وتمزيق الثياب قد يكون كذلك فهذا لا يوصف بالتحريم فقد ذكر عند السري حديث الوجد الحاد الغالب فقال نعم يضرب وجهه بالسيف وهو لا يدري فروجع فيه واستبعد أن ينتهي إلى هذا الحد فأصر عليه ولم يرجع ومعناه أنه في بعض الأحوال قد ينتهي إلى هذا الحد في بعض الأشخاص فإن قلت فما تقول في تمزيق الصوفية الثياب الجديدة بعد سكون الوجد والفراغ من السماع فإنهم يمزقونها قطعا صغارا ويفرقونها على القوم ويسمونها الخرقة فاعلم أن ذلك مباح إذا قطع قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات فإن الكرباس يمزق حتى يخاط منه القميص ولا يكون ذلك تضييعا لأنه تمزيق لغرض وكذلك ترقيع الثياب لا يمكن إلا بالقطع الصغار وذلك مقصود والتفرقة على الجميع ليعم ذلك الخير مقصود مباح ولكل مالك أن يقطع كرباسه مائة قطعة ويعطيها لمائة مسكين ولكن ينبغي أن تكون القطع بحيث يمكن أن ينتفع بها في الرقاع وإنما منعنا في السماع التمزيق المفسد للثوب الذي يهلك بعضه بحيث لا يبقى منتفعا به فهو تضييع محض لا يجوز بالاختيار الأدب الخامس موافقه القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف أو قام باختيار من غير إظهار وجد وقامت له الجماعة فلا بد من الموافقة فذلك من آداب الصحبة وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه بالتمزيق فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة إذا المخالفة موحشة ولكل قوم رسم ولا بد من مخالقة الناس بأخلاقهم كما ورد في الخبر لا سيما إذا كانت أخلاقا فيها حسن العشرة والمجاملة وتطييب القلب بالمساعدة وقول القائل إن ذلك بدعة لم يكن في الصحابة فليس كل ما يحكم بإباحته منقولا عن الصحابة رضي الله عنهم وإنما المحذور ارتكاب بدعة تراغم سنة مأثورة ولم ينقل النهي عن شيء من هذا والقيام عند الدخول للداخل لم يكن من عادة العرب بل كان الصحابة رضي الله عنهم لا يقومون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال كما رواه أنس رضي الله عنه ولكن إذا لم يثبت فيه نهي عام فلا نرى به بأسا في البلاد التي جرت العادة فبها بإكرام الداخل بالقيام فإن المقصود منه الإحترام والإكرام وتطييب القلب به وكذلك سائر أنواع المساعدات إذا قصد بها تطييب القلب واصطلح عليها جماعة فلا بأس بمساعدتهم عليها بل الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهي لا يقبل التأويل ومن الأدب أن لا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه ولا يشوش عليهم أحوالهم إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح والمتواجد هو الذي يلوح للجميع منه أثر التكلف ومن يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب القلوب محك للصدق والتكلف

حصہ V02/P304–V02/P305

سئل بعضهم عن الوجد الصحيح فقال صحته قبول قلوب الحاضرين له إذا كانوا أشكالا غير أضداد فإن قلت فما بال الطباع تنفر عن الرقص ويسبق إلى الأوهام أنه باطل ولهو ومخالف للدين فلا يراه ذو جد في الدين إلا وينكره فاعلم أن الجد لا يزيد على جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى الحبشة يزفنون في المسجد وما أنكره لما كان في وقت لائق به وهو العيد ومن شخص لائق به وهم الحبشة نعم نفرة الطباع عنه لأنه يرى غالبا مقرونا باللهو واللعب واللهو واللعب مباح ولكن للعوام من الزنوج والحبشة ومن أشبههم وهو مكروه لذوي المناصب لأنه لا يليق بهم وما كره لكونه غير لائق بمنصب ذي المنصب فلا يجوز أن يوصف بالتحريم فمن سأل فقيرا شيئا فأعطاه رغيفا كان ذلك طاعة مستحسنة ولو سأل ملكا فأعطاه رغيفا أو رغيفين لكان ذلك منكرا عند الناس كافة ومكتوبا في تواريخ الأخبار من جملة مساوية ويعير به أعقابه وأشياعه ومع هذا فلا يجوز أن يقال ما فعله حرام لأنه من حيث إنه أعطى خبزا للفقير حسن ومن حيث أنه بالإضافة إلى منصبه كالمنع بالإضافة إلى الفقير مستقبح فكذلك الراقص وما يجري مجراه من المباحات ومباحات العوام سيئات الأبرار وحسنات الأبرار سيئات المقربين ولكن هذا من حيث الالتفات إلى المناصب وأما إذا نظر إليه في نفسه وجب الحكم بأنه هو في نفسه لا تحريم فيه والله أعلم فقد خرج من جملة التفصيل السابق أن السماع قد يكون حراما محضا وقد يكون مباحا وقد يكون مكروها وقد يكون مستحبا أما الحرام فهو لأكثر الناس من الشبان ومن غلبت عليهم شهوة الدنيا فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة وأما المكروه فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين ولكنه يتخذه عادة له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو وأما المباح فهو لمن لا حظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن وأما المستحب فهو لمن غلب عليه حب الله تعالى ولم يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة والحمد لله وحده وصلى الله عليه وسلم على محمد وآله كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الكتاب التاسع من ربع العادات الثاني من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا تستفتح الكتب إلا بحمده ولا تستمنح النعم إلا بواسطة كرمه ورفده والصلاة على سيد الأنبياء محمد رسوله وعبده وعلى آله الطيبين وأصحابه الطاهرين من بعده أما بعد فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوى بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسد هذه الثلمة إما متكفلا بعملها أو متقلدا لتنفيذها مجددا لهذه السنة الداثرة ناهضا بأعبائها ومتشمرا في إحيائها كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها ومستبدا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها وها نحن نشرح علمه في أربعة أبواب الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته الباب الثاني في أركانه وشروطه الباب الثالث في مجاريه وبيان المنكرات المألوفة في العادات الباب الرابع في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته والمذمة في إهماله وإضاعته ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه وإشارات العقول السليمة إليه الآيات والأخبار والآثار

حصہ V02/P305–V02/P307

أما الآيات فقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ففي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى ولتكن أمر وظاهر الأمر الإيجاب وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر وقال وأولئك هم المفلحون وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف بل قال ولتكن منكم أمة فإذا مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة وقال تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية وقال تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون وهذا غاية التشديد إذ علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر وقال عز وجل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين أنهم كانوا به خير أمة أخرجت للناس وقال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فبين أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء ويدل ذلك على الوجوب أيضا وقال تعالى الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقرن ذلك بالصلاة والزكاة في نعت الصالحين والمؤمنين وقال تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وهو أمر جزم ومعنى التعاون الحث عليه وتسهيل طرق الخير وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان وقال تعالى لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون فبين أنهم أثموا بترك النهي وقال تعالى فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض الآية فبين أنه أهلك جميعهم إلا قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين وقال تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما وقال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما الآية والإصلاح نهي عن البغي وإعادة إلى الطاعة فإن لم يفعل فقد أمر الله تعالى بقتاله فقال فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وذلك هو النهي عن المنكر وأما الأخبار فمنها ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده وروى عن أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى لا يضركم من ضل إذا اهتديتم

حصہ V02/P307–V02/P308

فقال يا أبا ثعلبة مر بالمعروف وأنه عن المنكر فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام إن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم قيل بل منهم يا رسول الله قال لا بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون عليه أعوانا وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن تفسير هذه الآية فقال إن هذا ليس زمانها إنها اليوم مقبولة ولكن قد أوشك أن يأتي زمانها تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا وتقولون فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم معناه تسقط مهابتهم من أعين الأشرار فلا يخافونهم وقال صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن الله يقول لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم وقال صلى الله عليه وسلم ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ليسأل العبد ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره فإذا لقن الله العبد حجته قال رب وثقت بك وفرقت من الناس وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والجلوس على الطرقات قالوا ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها قالوا وما حق الطريق قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال صلى الله عليه وسلم كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كيف أنتم إذا طغى نساؤكم وفسق شبانكم وتركتم جهادكم قالوا وإن ذلك لكائن يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه يا رسول الله كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراوالمنكر معروفا قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه قال كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون يقول الله تعالى بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقفن عند رجل يقتل مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه ولا تقفن عند رجل يضرب مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره فإنه قال اللعنة تنزل على من حضر ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارا بأنه عاجز ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير وهذا يقتضي لزوم الهجر للخلق

حصہ V02/P308–V02/P309

ولهذا قال عمر ابن عبد العزيز رحمه الله ما ساح السواح وخلوا دورهم وأولادهم إلا بمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس ورأوا أنه لا يقبل ممن تكلم ورأوا الفتن ولم يأمنوا أن تعتريهم وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين قال ففر قوم فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبوة من السر لقلنا ما هم بأفضل من هؤلاء فيما بلغنا أن الملائكة عليهم السلام لتلقاهم وتصافحهم والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه ويسألها أين أمرت فتخبره وليس بنبي وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها ومعنى الحديث أن يحضر لحاجة أو يتفق جريان ذلك يديه فأما الحضور قصدا فممنوع بدليل الحديث الأول وقال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث الله عز وجل نبيا إلا وله حوارى فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله تعالى يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون بكتاب الله وبأمره وبسنة نبيهم فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رءوس المنابر يقولون ما يعرفون ويعملون ما ينكرون فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك إسلام وقال ابن مسعود رضي الله عنه كان أهل قرية يعملون بالمعاصي وكان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون فقام أحدهم فقال إنكم تعملون كذا وكذا فجعل ينهاهم ويخبرهم بقبيح ما يصنعون فجعلوا يردون عليه ولا يرعوون عن أعمالهم فسبهم فسبوه وقاتلهم فغلبوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني وقاتلتهم فغلبوني ثم ذهب ثم قام الآخر فنهاههم فلم يطيعوه فسبهم فسبوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب ثم قام الرابع فقال اللهم إني لو نهيتهم لعصوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب قال ابن مسعود رضي الله عنه كان الرابع أدناهم منزلة وقليل فيكم مثله وقال ابن عباس رضي الله عنهما قيل يا رسول الله أتهلك القرية وفيها الصالحون قال نعم قيل بم يا رسول الله قال بتهاونهم وسكوتهم على معاصي الله تعالى وقال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى الله تبارك وتعالى إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا على أهلها فقال يا رب إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين قال اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عذب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا عملهم عمل الأنبياء قالوا يا رسول الله كيف قال لم يكونوا يغضبون لله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر

حصہ V02/P309–V02/P310

وعن عروة عن أبيه قال قال موسى صلى الله عليه وسلم يا رب أي عبادك أحب إليك قال الذي يتسرع إلى هواي كما يتسرع النسر إلى هواه والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالثدي والذي يغضب إذا أتيت محارمي كما يغضب النمر لنفسه فإن النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا وهذا يدل على فضيلة الحسبة مع شدة الخوف وقال أبو ذر الغفاري قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا رسول الله هل من جهاد غير قتال المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم يا أبا بكر إن لله تعالى مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء مرزوقين يمشون على الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة كما تزينت أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله ومن هم قال الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمحبون في الله والمبغضون في الله {ثم قال} والذي نفسي بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلثمائة ألف باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل منهم ليزوج بثلثمائة ألف حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن فنظر إليها تقول له أتذكر يوم كذا وكذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر كلما نظر إلى واحدة منهن ذكرت له مقاما أمر فيه بمعروف ونهى فيه عن منكر وقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله عز وجل قال رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله فإن لم يقتله فإن القلم لا يجرى عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش وقال الحسن البصري رحمه الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بئس القوم قوم لا يأمرون بالقسط وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر وأما الآثار فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعوا عليه خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم وسئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه وقال مالك بن دينار كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى الرجال والنساء منزله يعظهم ويذكرهم بأيام الله عز وجل فرأى بعض بنيه يوما وقد غمز بعض النساء فقال مهلا يا بني مهلا وسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيش فأوحى الله تعالى إلى نبي زمانه أن أخبر فلانا الخبر أني لا أخرج من صلبك صديقا أبدا أما كان من غضبك لي إلا أن قلت مهلا يا بني مهلا وقال حذيفة يأتي على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم وأوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون عليه السلام إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم وقال بلال بن سعد إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة وقال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني كيف منزلتك من قومك قال حسنة قال كعب إن التوراة لتقول غير ذلك قال وما تقول قال تقول إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه فقال صدقت التوراة وكذب أبو مسلم

حصہ V02/P310–V02/P311

وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتي العمال ثم قعد عنهم فقيل له لو أتيتهم فلعلهم يجدون في أنفسهم فقال أرهب إن تكلمت أن يروا أن الذي بي غير الذي بي وإن سكت رهبت أن آثم وهذا يدل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف فعليه أن يبعد عن ذلك الموضع ويستتر عنه حتى لا يجري بمشهد منه وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم فإذا لم يعرف القلب المعروف ولم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله وقال سهل بن عبد الله رحمه الله أيما عبد عمل في شيء من دينه بما أمر به أو نهى عنه وتعلق به عند فساد الأمور وتنكرها وتشوش الزمان فهو ممن قد قام لله في زمانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناه أنه إذا لم يقدر إلا على نفسه فقام بها وأنكر أحوال الغير بقلبه فقد جاء بما هو الغاية في حقه وقيل للفضيل ألا تأمر وتنهي فقال إن قوما أمروا ونهوا فكفروا وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا وقيل للثوري ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقال إذا انبثق البحر فمن يقدر أن يسكره فقد ظهر بهذه الأدلة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وأن فرضه لا يسقط مع القدرة إلا بقيام قائم به فلنذكر الآن شروطه وشروط وجوبه الباب الثاني في أركان الأمر بالمعروف وشروطه اعلم أن الأركان في الحسبة التي هي عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربعة المحتسب والمحتسب عليه والمحتسب فيه ونفس الاحتساب فهذه أربعة أركان ولكل واحد منها شروطه الركن الأول المحتسب وله شروط وهو أن يكون مكلفا مسلما قادرا فيخرج منه المجنون والصبي والكافر والعاجز ويدخل فيه آحاد الرعايا وإن لم يكونوا مأذونين ويدخل فيه الفاسق والرقيق والمرأة فلنذكر وجه اشتراط ما اشترطناه ووجه إطراح ما أطرحناه أما الشرط الأول وهو التكليف فلا يخفى وجه اشتراطه فإن غير المكلف لا يلزمه أمر وما ذكرناه أردنا به شرط الوجوب فأما إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا العقل حتى إن الصبي المراهق للبلوغ المميز وإن لم يكن مكلفا فله إنكار المنكر وله أن يريق الخمر ويكسر الملاهي وإذا فعل ذلك نال به ثوابا ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ليس بمكلف فإن هذه قربة وهو من أهلها كالصلاة والإمامة وسائر القربات وليس حكمه حكم الولايات حتى يشترط فيه التكليف ولذلك اثبتناه للعبد وآحاد الرعية نعم في المنع بالفعل وإبطال المنكر نوع ولاية وسلطنة ولكنها تستفاد بمجرد الإيمان كقتل المشرك وإبطال أسبابه وسلب أسلحته فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضر به فالمنع من الفسق كالمنع من الكفر وأما الشرط الثاني وهو الإيمان فلا يخفى وجه اشتراطه لأن هذا نصرة للدين فكيف يكون من أهله من هو جاحد لاصل الدين وعدو له وأما الشرط الثالث وهو العدالة فقد اعتبرها قوم وقالوا ليس للفاسق أن يحتسب وربما استدلوا فيه بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله مثل قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وقوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من أنتم فقالوا كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشر وناتيه وبما روي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى صلى الله عليه وسلم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني

حصہ V02/P311–V02/P312

وربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره ومتى يستقيم الظل والعود اعوج وكل ما ذكروه خيالات وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب وبرهانه هو أن نقول هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع ثم حسم لباب الاحتساب إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم والأنبياء عليهم السلام قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا والقرآن العزيز دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية وكذا جماعة من الأنبياء ولهذا قال سعيد بن جبير إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير وإن زعموا أن ذلك لا يشترط عن الصغائر حتى يجوز للابس الحرير أن يمنع من الزنا وشرب الخمر فنقول وهل لشارب الخمر أن يغزو الكفار ويحتسب عليهم بالمنع من الكفر فإن قالوا لا خرقوا الإجماع إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر وشارب الخمر وظالم الأيتام ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعده فإن قالوا نعم فنقول شارب الخمر هل له المنع من القتل أم لا فإن قالوا لا قلنا فما الفرق بينه وبين لابس الحرير إذ جاز له المنع من الخمر والقتل كبيرة بالنسبة إلى الشرب كالشرب بالنسبة إلى لبس الحرير فلا فرق وإن قالوا نعم وفصلوا الأمر فيه بأن كل مقدم على شيء فلا يمنع عن مثله ولا عما دونه وإنما يمنع عما فوقه فهذا تحكم فإنه كما لا يبعد أن يمنع الشارب من الزنا والقتل فمن أين يبعد أن يمنع الزاني من الشرب بل من أين يبعد أن يشرب ويمنع غلمانه وخدمه من الشرب ويقول يجب على الانتهاء والنهي فمن أين يلزمني من العصيان بأحدهما أن أعصي الله تعالى بالثاني وإذا كان النهي واجبا علي فمن أين يسقط وجوبه بإقدامي إذ يستحيل أن يقال يجب النهي عن شرب الخمر عليه ما لم يشرب فإذا شرب سقط النهي فإن قيل فيلزم على هذا أن يقول القائل الواجب على الوضوء والصلاة فأنا أتوضأ وإن لم أصل وأتسحر وإن لم أصم لأن المستحب لي السحور والصوم جميعا ولكن يقال أحدهما مرتب على الآخر فكذلك تقويم الغير مرتب على تقويمه بنفسه فليبدأ نفسه ثم بمن يعول والجواب أن التسحر يراد للصوم ولولا الصوم لما كان التسحر مستحبا وما يراد لغيره لا ينفك عن ذلك الغير وإصلاح الغير لا يراد لإصلاح النفس ولا إصلاح النفس لإصلاح الغير فالقول بترتب أحدهما على الآخر تحكم وأما الوضوء والصلاة فهو لازم فلا جرم أن من توضأ ولم يصل كان مؤديا أمر الوضوء وكان عقابه أقل من عقاب من ترك الصلاة والوضوء جميعا فليكن من ترك النهي والانتهاء أكثر عقابا ممن نهى ولم ينته كيف والوضوء شرط لا يراد لنفسه بل للصلاة فلا حكم له دون الصلاة وأما الحسبة فليست شرطا في الانتهاء والائتمار فلا مشابهة بينهما فإن قيل فيلزم على هذا أن يقال إذا زنى الرجل بامرأة وهي مكرهة مستورة الوجه فكشفت وجهها باختيارها فأخذ الرجل يحتسب في أثناء الزنا ويقول أنت مكرهة في الزنا ومختارة في كشف الوجه لغير محرم وها أنا غير محرم لك فاسترى وجهك فهذا احتساب شنيع يستنكره قلب كل عاقل ويستشنعه كل طبع سليم فالجواب أن الحق قد يكون شنيعا وأن الباطل قد يكون مستحسنا بالطباع والمتبع الدليل دون نفرة الأوهام والخيالات فإنا نقول قوله لها في تلك الحالة لا تكشفي وجهك واجب أو مباح أو حرام فإن قلتم إنه واجب فهو الغرض لأن الكشف معصية والنهي عن المعصية حق

حصہ V02/P312–V02/P313

وإن قلتم إنه مباح فإذن له أن يقول ما هو مباح فما معنى قولكم ليس للفاسق الحسبة وإن قلتم إنه حرام فنقول وكان هذا واجبا فمن أين حرم بإقدامه على الزنا ومن الغريب أن يصير الواجب حراما بسبب ارتكاب حرام آخر وأما نفرة الطباع عنه واستنكارها له فهو لسببين أحدهما أنه ترك الأهم واشتغل بما هو مهم وكما أن الطباع تنفر عن ترك المهم إلى ما لا يعني فتنفر عن ترك الأهم والاشتغال بالمهم كما تنفر عمن يتحرج عن تناول طعام مغصوب وهو مواظب على الربا وكما تنفر عمن يتصاون عن الغيبة ويشهد بالزور لأن الشهادة بالزور أفحش وأشد من الغيبة التي هي إخبار عن كائن يصدق فيه المخبر وهذا الاستبعاد في النفوس لا يدل على أن ترك الغيبة ليس بواجب وأنه لو اغتاب أو أكل لقمة من حرام لم تزد بذلك عقوبته فكذلك ضرره في الآخرة من معصيته أكثر من ضرره من معصية غيره فاشتغاله عن الأقل بالأكثر مستنكر في الطبع من حيث إنه ترك الأكثر لا من حيث إنه أتى بالأقل فمن غصب فرسه ولجام فرسه فاشتغل بطلب اللجام وترك الفرس نفرت عنه الطباع ويرى مسيئا إذ قد صدر منه طلب اللجام وهو غير منكر ولكن المنكر تركه لطلب الفرس بطلب اللجام فاشتد الإنكار عليه لتركه الأهم بما دونه فكذلك حسبة الفاسق تستبعد من هذا الوجه وهذا لا يدل على أن حسبته من حيث إنها حسبة مستنكرة الثاني أن الحسبة تارة تكون بالنهي بالوعظ وتارة بالقهر ولا ينجع وعظ من لا يتعظ أولا ونحن نقول من علم أن قوله لا يقبل في الحسبة لعلم الناس بفسقه فليس عليه الحسبة بالوعظ إذ لا فائدة في وعظه فالفسق يؤثر في إسقاط فائدة كلامه ثم إذا سقطت فائدة كلامه سقط وجوب الكلام فأما إذا كانت الحسبة بالمنع فالمراد منه القهر وتمام القهر أن يكون بالفعل والحجة جميعا وإذا كان فاسقا فإن قهر بالفعل فقد قهر بالحجة إذ يتوجه عليه أن يقال له فأنت لم تقدم عليه فتنفر الطباع عن قهره بالفعل مع كونه مقهورا بالحجة وذلك لا يخرج الفعل عن كونه حقا كما أن يذب الظالم عن آحاد المسلمين ويهمل أباه وهو مظلوم معهم تنفر الطباع عنه ولا يخرج دفعه عن المسلم عن كونه حقا فخرج من هذا أن الفاسق ليس عليه الحسبة بالوعظ على من يعرف فسقه لأنه لا يتعظ وإذا لم يكن عليه ذلك وعلم أنه يفضى إلى تطويل اللسان في عرضه بالإنكار فنقول ليس له ذلك أيضا فرجع الكلام إلى أن أحد نوعي الاحتساب وهو الوعظ قد بطل بالفسق وصارت العدالة مشروطة فيه وأما الحسبة القهرية فلا يشترط فيها ذلك فلا حرج على الفاسق في إراقة الخمور وكسر الملاهي وغيرها إذا قدر وهذا غاية الإنصاف والكشف في المسألة وأما الآيات التي استدلوا بها فهو إنكار عليهم من حيث تركهم المعروف لا من حيث أمرهم ولكن أمرهم دل على قوة علمهم وعقاب العالم أشد لأنه لا عذر له مع قوة علمه وقوله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون المراد به الوعد الكاذب وقوله عز وجل وتنسون أنفسكم إنكار من حيث إنهم نسوا أنفسهم لا من حيث إنهم أمروا غيرهم ولكن ذكر أمر الغير استدلالا به على علمهم وتأكيدا للحجة عليهم وقوله يا ابن مريم عظ نفسك الحديث هو في الحسبة بالوعظ وقد سلمنا أن وعظ الفاسق ساقط الجدوى عند من يعرف فسقه ثم قوله فاستحى مني لا يدل على تحريم وعظ الغير بل معناه استحى مني فلا تترك الأهم وتشتغل بالمهم كما يقال احفظ أباك ثم جارك وإلا فاستحي فإن قيل فليجز للكافر الذمي أن يحتسب على المسلم إذا رآه يزني لأن قوله لا تزن حق في نفسه فمحال أن يكون حراما عليه بل ينبغي أن يكون مباحا أو واجبا قلنا الكافر إن منع المسلم بفعله فهو تسلط عليه فيمنع من حيث إنه تسلط وما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا

حصہ V02/P313–V02/P314

وأما مجرد قوله لا تزن فليس بمحرم عليه من حيث إنه نهى عن الزنا ولكن من حيث إنه إظهار دالة الاحتكام على المسلم وفيه إذلال للمحتكم عليه والفاسق يستحق الإذلال ولكن لا من الكافر الذي هو أولى بالذل منه فهذا وجه منعنا إياه من الحسبة وإلا فلسنا نقول إن الكافر يعاقب بسبب قوله لا تزن من حيث إنه نهى بل نقول إنه إذا لم يقل لا تزن يعاقب عليه إن رأينا خطاب الكافر بفروع الدين وفيه نظر استوفيناه في الفقهيات ولا يليق بغرضنا الآن الشرط الرابع كونه مأذونا من جهة الأمام والوالي فقد شرط قوم هذا الشرط ولم يثبتوا للآحاد من الرعية الحسبة وهذا الاشتراط فاسد فإن الآيات والاخبار التي اوردناها تدل على أن كل من رأى منكرا فسكت عليه عصى إذ يجب نهيه أينما رآه وكيفما رآه على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له والعجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم وهؤلاء أخس رتبة من أن يكلموا بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاء طالبين لحقوقهم في دمائهم وأموالهم إن نصرتكم أمر بالمعروف واستخراج حقوقكم من أيدي من ظلمكم نهى عن المنكر وطلبكم لحقكم من جملة المعروف وما هذا زمان النهي عن الظلم وطلب الحقوق لأن الإمام الحق بعد لم يخرج فإن قيل في الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية واحتكام على المحكوم عليه ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم مع كونه حقا فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من الوالي وصاحب الأمر فنقول أما الكافر فممنوع لما فيه من السلطنة وعز الاحتكام والكافر ذليل فلا يستحق أن ينال عز التحكم على المسلم وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة وما فيه من عز السلطنة والاحتكام لا يحوج إلى تفويض كعز التعليم والتعريف إذ لا خلاف في أن تعريف التحريم والايجاب لمن هو جاهل ومقدم على المنكر بجهله لا يحتاج إلى إذن الوالي وفيه عز الإرشاد وعلى المعرف ذلك التجهيل وذلك يكفي فيه مجرد الدين وكذلك النهي وشرح القول في هذا أن الحسبة لها خمس مراتب كما سيأتي أولها التعريف والثاني الوعظ بالكلام اللطيف والثالث السب والتعنيف ولست أعني بالسب الفحش بل أن يقول يا جاهل يا أحمق ألا تخاف الله وما يجري هذا المجرى والرابع المنع بالقهر بطريق المباشرة ككسر الملاهي وإراقة الخمر واختطاف الثوب الحرير من لابسه واستلاب الثوب المغصوب منه ورده على صاحبه والخامس التخويف والتهديد بالضرب ومباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو عليه كالمواظب على الغيبة والقذف فإن سلب لسانه غير ممكن ولكن يحمل على اختيار السكوت بالضرب وهذا قد يحوج إلى استعانة وجمع أعوان من الجانبين ويجر ذلك إلى قتال وسائر المراتب لا يخفى وجه استغنائها عن إذن الإمام إلا المرتبة الخامسة فإن فيها نظرا سيأتي أما التعريف والوعظ فكيف يحتاج إلى إذن الإمام وأما التجهيل والتحميق والنسبة إلى الفسق وقلة الخوف من الله وما يجري مجراه فهو كلام صدق والصدق مستحق بل أفضل الدرجات كلمة حق عند إمام جائر كما ورد في الحديث فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه وكذلك كسر الملاهي وإراقة الخمور فإنه تعاطي ما يعرف كونه حقا من غير اجتهاد فلم يفتقر إلى الإمام وأما جمع الأعوان وشهر الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة ففيه نظر سيأتي واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض بل كل من أمر بمعروف فإن كان الوالي راضيا به فذاك وإن كان ساخطا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة كما روي أن مروان بن الحكم خطب قبل صلاة العيد فقال له رجل إنما الخطبة بعد الصلاة فقال له مروان اترك ذلك يا فلان فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه

سوالات

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn · 29 · Qur'an & Sunnah