Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
الطبقة الثانية تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وترك كبائر الفواحش كلها إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه لا عن عمد وتجريد قصد ولكن يبتلى بها في مجاري أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها ولكنه كلما أقدم عليها لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على أن يتشمر للاحتراز من أسبابها التي تعرضه لها وهذه النفس جديرة بأن تكون هي النفس اللوامة إذ تلوم صاحبها على ما تستهدف له من الأحوال الذميمة لا عن تصميم عزم وتخمين رأي وقصد وهذه أيضا رتبة عالية وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى وهي أغلب أحوال التائبين لأن الشر معجون بطينة الآدمي قلما ينفك عنه وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره حتى يثقل ميزانه فترجح كفة الحسنات فأما أن تخلو بالكلية كفة السيئات فذلك في غاية البعد وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله تعالى إذ قال تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة فكل إلمام يقع بصغيرة لا عن توطين نفسه عليه فهو جدير بأن يكون من اللمم المعفو عنه قال تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم لتندمهم ولومهم أنفسهم عليه وإلى مثل هذه الرتبة الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه علي كرم الله وجهه خياركم كل مفتن تواب وفي خبر آخر المؤمن كالسنبلة يفيء أحيانا ويميل أحيانا وفي الخبر لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة أي الحين بعد الحين فكل ذلك أدلة قاطعة على أن هذا القدر لا ينفض التوبة ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرين ومن يؤيس مثل هذا عن درجة التائبين كالطبيب الذي يؤيس الصحيح عن دوام الصحة بما يتناوله من الفواكه والأطعمة الحارة مرة بعد أخرى من غير مداومة واستمرار وكالفقيه الذي يؤيس المتفقه عن نيل درجة الفقهاء بفتوره عن التكرار والتعليق في أوقات نادرة غير متطاولة ولا كثيرة وذلك يدل على نقصان الطبيب والفقيه بل الفقيه في الدين هو الذي لا يؤيس الخلق عن درجات السعادات بما يتفق لهم من الفترات ومقارفة السيئات المختطفات قال النبي صلى الله عليه وسلم كل بنى آدم خطاءون وخير الخطائين التوابون المستغفرون وقال تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة فما وصفهم بعدم السيئة أصلا الطبقة الثالثة أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوات فى بعضالذنوب فيقدم عليها عن صدق وقصد شهوة لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان وهو يود لو أقدره الله تعالى على قمعها وكفاه شرها هذا أمنيته في حال قضاء الشهوة عند الفراغ يتندم ويقول ليتني لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسى
في قهرها لكنه تسول نفسه ويسوف توبته مرة بعد أخرى ويوما بعد يوم فهذه النفس هي التي تسمى النفس المسولة وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فأمره من حيث مواظبته على الطاعات وكراهته لما تعاطاه مرجو فعسى الله أن يتوب عليه وعاقبته مخطرة من حيث تسويفه وتأخيره فربما بختطف قبل التوبة ويقع أمره في المشيئة فإن تداركه الله بفضله وجبر كسره وامتن عليه بالتوبة التحق بالسابقين وإن غلبته شقوته وقهرته شهوته فيخشى أن يحق عليه في الخاتمة ما سبق عليه من القول في الأزل لأنه مهما تعذر على المتفقه مثلا الاحتراز عن شواغل التعلم دل تعذره على أنه سبق له في الأزل أن يكون من الجاهلين فيضعف الرجاء في حقه وإذا يسرت له أسباب المواظبة على التحصيل دل على أنه سبق له في الأزل أن يكون من جملة العالمين فكذلك ارتباط سعادات الآخرة ودركاتها بالحسنات والسيئات بحكم تقدير مسبب الأسباب كارتباط المرض والصحة بتناول الأغذية والأدوية وارتباط حصول فقه النفس الذي به تستحق المناصب العلية في الدنيا بترك الكسل والمواظبة على تفقيه النفس فكما لا يصلح لمنصب الرياسة والقضاء والتقدم بالعلم إلا نفس صارت فقيهة بطول التفقيه فلا يصلح لملك الآخرة ونعيمها ولا القرب من رب العالمين إلا قلب سليم صار طاهرا بطول التزكية والتطهير هكذا سبق في الأزل بتدبير رب الأرباب ولذلك قال تعالى ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها فمهما وقع العبد في ذنب فصار الذنب نقدا والتوبة نسيئة كان هذا من علامات الخذلان قال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة حتى يقول الناس إنه من أهلها ولا يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها فإذن الخوف من الخاتمة قبل التوبة وكل نفس فهو خاتمة ما قبله إذ يمكن أن يكون الموت متصلا به فليراقب الأنفاس وإلا وقع في المحذور ودامت الحسرات حين لا ينفع التحسر الطبقة الرابعة أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ومن غير أن يتأسف على فعله بل ينهمك انهماك الغافل في اتباع شهواته فهذا من جملة المصرين وهذه النفس هي النفس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير ويخاف على هذا سوء الخاتمة وأمره في مشيئة الله فإن ختم له بالسوء شقي شقاوة لا آخر لها وإن ختم له بالحسنى حتى مات على التوحيد فينتظر له الخلاص من النار ولو بعد حين ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفي لا تطلع عليه كما لا يستحل أن يدخل الإنسان خرابا ليجد كنزا فيتفق أن يجده وأن يجلس في البيت ليجعله الله عالما بالعلوم من غير تعلم كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم فطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار وطلب المال بالتجارة وركوب البحار وطلبها بمجرد الرجاء مع خراب الأعمال كطلب الكنور في المواضع الخربة وطلب العلوم من تعليم الملائكة وليت من اجتهد تعلم وليت من اتجر استغنى وليت من صام وصلى غفر له فالناس كلهم محرومون إلا العالمون والعالمون كلهم محرومون إلا العاملون والعاملون كلهم محرومون إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم وكما أن من خرب بيته وضيع ماله وترك نفسه وعياله جياعا يزعم أنه ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في بيته الخرب يعد عنه ذوي البصائر من الحمقى والمغرورين وإن كان ما ينتظره غير مستحيل في قدرة الله تعالى وفضله فكذلك من ينتظر
المغفرة من فضل الله تعالى وهو مقصر عن الطاعة مصر على الذنوب غير سالك سبيل المغفرة يعد عند أرباب القلوب من المعتوهين والعجب من عقل هذا المعتوه وترويجه حماقته في صيغة حسنة إذ يقول إن الله كريم وجنته ليست تضيق على مثلي ومعصيتي ليست تضره ثم تراه يركب البحار ويقتحم الأوعار في طلب الدينار وإذا قيل له إن الله كريم ودنانير خزائنه ليست تقصر على فقرك وكسلك بترك التجارة ليس يضرك فاجلس في بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب فيستحمق قائل هذا الكلام ويستهزىء به ويقول ما هذا الهوس السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وإنما ينال ذلك بالكسب وهكذا قدره مسبب الأسباب وأجرى به سنته ولا تبديل لسنة الله ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد وأن سنته لا تبديل لها فيهما جميعا وأنه قد أخبر إذ قال وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فكيف يعتقد أنه كريم في الآخرة وليس بكريم في الدنيا وكيف يقول ليس مقتضى الكرم الفتور عن كسب المال ومقتضاه الفتور عن العمل للملك لذلك المقيم والنعيم الدائم وأن ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد في الآخرة وهذا يمنعه مع شدة الاجتهاد في غالب الأمر في الدنيا وينسى قوله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون فنعوذ بالله من العمى والضلال فما هذا إلا انتكاس على أم الرأس وانغماس في ظلمات الجهل وصاحب هذا جدير بأن يكون داخلا تحت قوله تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحا أي أبصرنا أنك صدقت إذ قلت وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فأرجعنا نسعى وعند ذلك لا يمكن من الانقلاب ويحق عليه العذاب فنعوذ بالله من دواعي الجهل والشك والارتياب السائق بالضرور إلى سوء المنقلب والمآب بيان ما ينبغي أن يبادر إليه التائب إن جرى عليه ذنب إما عن قصد وشهوة غالبة أو عن إلمام بحكم الاتفاق اعلم أن الواجب عليه التوبة والندم والاشتغال بالتكفير بحسنة تضاده كما ذكرنا طريقه فإن لم تساعده النفس على العزم على الترك لغلبة الشهوة فقد عجز عن أحد الواجبين فلا ينبغي أن يترك الواجب الثاني وهو أن يدرأ بالحسنة السيئة ليمحوها فيكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فالحسنات المكفرة للسيئات إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح ولتكن الحسنة في محل السيئة وفيما يتعلق بأسبابها فأما بالقلب فليكفره بالتضرع إلى الله تعالى في سؤال المغفرة والعفو ويتذلل تذلل العبد الآبق ويكون ذله بحيث يظهر لسائر العباد وذلك بنقصان كبره فيما بينهم فما للعبد الآبق المذنب وجه للتكبر على سائر العباد وكذلك يضمر بقلبه الخيرات للمسلمين والعزم على الطاعات وأما باللسان فبالاعتراف بالظلم والاستغفار فيقول رب ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي ذنوبي وكذلك يكثر من ضروب الاستغفار كما أوردناه في كتاب الدعوات والأذكار وأما بالجوارح فبالطاعات والصدقات وأنواع العبادات وفي الآثار ما يدل على أن الذنب إذا اتبع بثمانية أعمال كان العفو عنه مرجوا أربعة من أعمال القلوب وهي التوبة أو العزم على التوبة وحب الإقلاع عن الذنب وتخوف العقاب عليه ورجاء المغفرة له وأربعة من أعمال الجوارح وهي أن تصلي عقيب الذنب ركعتين ثم تستغفر الله تعالى بعدهم سبعين مرة وتقول سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة ثم تتصدق بصدقة ثم تصوم
يوما وفي بعض الآثار تسبغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلى ركعتين وفى بعض الأخبار تصلي أربع ركعات وفى الخبر إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تكفرها السر بالسر والعلانية بالعلانية ولذلك قيل صدقة السر تكفر ذنوب الليل وصدقة الجهر تكفر ذنوب النهار وفي الخبر الصحيح أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني عالجت امرأة فأصبت منها كل شىء إلا المسيس فاقض علي بحكم الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم أو ما صليت معنا صلاة الغداة قال بلى فقال صلى الله عليه وسلم أن الحسنات يذهبن السيئات وهذا يدل على أن ما دون الزنا من معالجة النساء صغيرة إذ جعل الصلاة كفارة له بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس كفارات لما بينهن إلا الكبائر فعلى الأحوال كلها ينبغي أن يحاسب نفسه كل يوم ويجمع سيئاته ويجتهد في دفعها بالحسنات فإن قلت فكيف يكون الاستغفار نافعا من غير حل عقدة الإصرار وفي الخبر المستغفر من الذنب وهومصر عليه كالمستهزىء بآيات الله وكان بعضهم يقول استغفر الله من قولي أستغفر الله وقيل الاستغفار باللسان توبة الكذابين وقالت رابعة العدوية استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير فاعلم أنه قد ورد في فضل الاستغفار أخبار خارجة عن الحصر ذكرناها في كتاب الأذكار والدعوات حتى قرن الله الاستغفار ببقاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقال تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فكان بعض الصحابة يقول كان لنا أمانان ذهب أحدهما وهو كون الرسول فينا وبقي الاستغفار معنا فإن ذهب هلكنا فنقول الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان من غير أن يكون للقلب فيه شركة كما يقول الإنسان بحكم العادة وعن رأس الغفلة أستغفر الله وكما يقول إذا سمع صفة النار نعوذ بالله منها من غير أن يتأثر به قلبه وهذا يرجع إلى مجرد حركة اللسان ولا جدوى له فأما إذا انضاف إليه تضرع القلب إلى الله تعالى وابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق إرادة وخلوص نية ورغبة فهذه حسنة في نفسها فتصلح لأن تدفع بها السيئة وعلى هذا تحمل الأخبار الواردة في فضل الاستغفار حتى قال صلى الله عليه وسلم ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة وهو عبارة عن الاستغفار بالقلب وللتوبة والاستغفار درجات وأوائلها لا تخلو عن الفائدة وإن لم تنته إلى أواخرها ولذلك قال سهل لا بد للعبد في كل حال من مولاه فأحسن أحواله أن يرجع إليه في كل شيء فإن عصى قال يا رب استر علي فإذا فرغ من المعصية قال يا رب تب علي فإذا تاب قال يا رب ارزقني العصمة وإذا عمل قال يا رب تقبل مني وسئل أيضا عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب فقال أول الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة ثم التوبة فالاستجابة أعمال الجوارح والإنابة أعمال القلوب والتوبة إقباله على مولاه بأن يترك الخلق ثم يستغفر الله من تقصيره الذي هو فيه ومن الجهل بالنعمة وترك الشكر فعند ذلك يغفر له ويكون عنده مأواه ثم التنقل إلى الانفراد ثم الثبات ثم البيان ثم الفكر ثم المعرفة ثم المناجاة ثم المصافاة ثم الموالاة ثم محادثة السر وهو الخلة ولا يستقر هذا في قلب عبد حتى يكون العلم غذاءه والذكر قوامه والرضا زاده والتوكل صاحبه ثم ينظر الله إليه فيرفعه إلى العرش فيكون مقامه مقام حملة العرش وسئل أيضا عن قوله صلى الله عليه وسلم التائب حبيب الله فقال إنما يكون حبيبا إذا كان فيه جميع ما ذكر في قوله تعالى {التائبون العابدون} الآية وقال الحبيب هو الذي لا يدخل فيما يكرهه حبيبه
والمقصود إن للتوبة ثمرتين {إحداهما} تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له والثانية نيل الدرجات حتى يصير حبيبا وللتكفير أيضا درجات فبعضه محو لأصل الذنب بالكلية وبعضه تخفيف له ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة فالاستغفار بالقلب والتدارك بالحسنات وإن خلا عن حل عقدة الإصرار من أوائل الدرجات فليس يخلو عن الفائدة أصلا فلا ينبغي أن تظن أن وجودها كعدمها بل عرف أهل المشاهدة وأرباب القلوب معرفة لا ريب فيها أن قول الله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} صدق وأنه لا تخلو ذرة من الخير عن أثر كما لا تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر ولو خلت الشعيرة الأولى عن أثر لكانت الثانية مثلها ولكان لا يرجح الميزان بأحمال الذرات وذلك بالضرورة محال بل ميزان الحسنات يرجح بذرات الخير إلى أن يثقل فترفع كفة السيئات فإياك أن تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها وذرات المعاصي فلا تنفيها كالمرأة الخرقاء تكسل عن الغزل تعللا بأنها لا تقدر في كل ساعة إلا على خيط واحد وتقول أي غني يحصل بخيط وما وقع ذلك في الثياب ولا تدري المعتوهة أن ثياب الدنيا اجتمعت خيطا خيطا وأن أجسام العالم مع اتساع أقطاره اجتمعت ذرة فإذن التضرع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا بل أقول الاستغفار باللسان أيضا حسنة إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة اللسان في تلك الساعة بغيبة مسلم أو فضول كلام بل هو خير من السكوت عنه فيظهر فضله بالإضافة إلى السكوت عنه وإنما يكون نقصانا بالإضافة إلى عمل القلب ولذلك قال بعضهم لشيخه أبي عثمان المغربي إن لساني في بعض الأحوال يجري بالذكر والقرآن وقلبي غافل فقال اشكر الله إذ استعمل جارحة من جوارحك في الخير وعوده الذكر ولم يستعمله في الشر ولم يعوده الفضول وما ذكره حق فإن تعود الجوارح للخير حتى يصير لها ذلك كالطبع يدفع جملة من المعاصي فمن تعود لسانه الاستغفار إذا سمع من غيره كذبا سبق لسانه إلى ما تعود فقال أستغفر الله ومن تعود الفضول سبق لسانه إلى قول ما أحمقك وما أقبح كذبك ومن تعود الاستعاذة إذا حدث بظهور مبادىء الشر من شرير قال بحكم سبق اللسان نعوذ بالله وإذا تعود الفضول قال لعنه الله فيعصي في إحدى الكلمتين ويسلم في الأخرى وسلامته أثر اعتياد لسانه الخير وهو من جملة معاني قوله تعالى {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} ومعاني قوله تعالى {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه}
{أجرا عظيما} فانظر كيف ضاعفها إذ جعل الاستغفار في الغفلة عادة اللسان حتى دفع بتلك العادة شر العصيان بالغيبة واللعن والفضول هذا تضعيف في الدنيا لأدنى الطاعات وتضعيف الآخرة {أكبر لو كانوا يعلمون} فإياك وأن تلمح في الطاعات مجرد الآفات فتفتر رغبتك عن العبادات فإن هذه مكيدة روجها الشيطان بلعنته على المغرورين وخيل إليهم أنهم أرباب البصائر وأهل التفطن للخفايا والسرائر فأي خير في ذكرنا باللسان مع غفلة القلب فانقسم الخلق في هذه المكيدة إلى ثلاثة أقسام ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات أما السابق فقال صدقت يا ملعون ولكن هي كلمة حق أردت بها باطلا فلا جرم أعذبك مرتين وأرغم أنفك من وجهين فأضيف إلى حركة اللسان حركة القلب فكان كالذي داوى جرح الشيطان بنثر الملح عليه وأما الظالم المغرور فاستشعر في نفسه خيلاء الفطنة لهذه الدقيقة ثم عجز عن الإخلاص بالقلب فترك مع ذلك تعويد اللسان بالذكر فأسعف الشيطان وتدلى بحبل غروره فتمت بينهما المشاركة والموافقة كما قيل وافق شن طبقه وافقه فاعتنقه وأما المقتصد فلم يقدر على إرغامه بإشراك القلب في العمل وتفطن لنقصان حركة اللسان بالإضافة إلى القلب ولكن اهتدى إلى كماله بالإضافة إلى السكوت والفضول فاستمر عليه وسأل الله تعالى أن يشرك القلب مع اللسان في اعتياد الخير فكان السابق كالحائك الذي ذمت حياكته فتركها وأصبح كاتبا والظالم المتخلف كالذي ترك الحياكة أصلا وأصبح كناسا والمقتصد كالذي عجز عن الكتابة فقال لا أنكر مقدمة الحياكة ولكن الحائك مذموم بالإضافة إلى الكاتب لا بالإضافة إلى الكناس فإذا عجزت عن الكتابة فلا أترك الحياكة ولذلك قالت رابعة العدوية استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير فلا تظن أنها تذم حركة اللسان من حيث أنه ذكر الله بل تذم غفلة القلب فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه فإن سكت عن الاستغفار باللسان أيضا احتاج إلى استغفارين لا إلى استغفار واحد فهكذا ينبغي أن تفهم ذم ما يذم وحمد ما يحمد وإلا جهلت معنى ما قال القائل الصادق حسنات الأبرار سيئات المقربين فإن هذه أمور تثبت بالإضافة فلا ينبغي أن تؤخذ من غير إضافة بل ينبغي أن لا تستحقر ذرات الطاعات والمعاصي ولذلك قال جعفر الصادق إن الله تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث رضاه في طاعته فلا تحقروا منها شيئا فلعل رضاه فيه وغضبه في معاصيه فلا تحقروا منها شيئا فلعل غضبه فيه وخبأ ولايته في عباده فلا تحقروا منهم أحدا فلعله ولي الله تعالى وزاد وخبأ إجابته في دعائه فلا تتركوا الدعاء فربما كانت الإجابة فيه الركن الرابع في دواء التوبة وطريق العلاج لحل عقدة الإصرار اعلم أن الناس قسمان شاب لا صبوة له نشأ على الخير واجتناب الشر وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجب ربك من شاب ليست له صبوة وهذا عزيز نادر والقسم الثاني هو الذي لا يخلو عن مقارفة الذنوب ثم هم ينقسمون إلى مصرين وإلى تائبين وغرضنا أن نبين العلاج في حل عقدة الإصرار ونذكر الدواة فيه فاعلم أن شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء فكل داء حصل من سبب فدواؤه حل ذلك السبب ورفعه وإبطاله ولا يبطل الشيء لا بضده ولا سبب للإصرار إلا الغفلة والشهوة ولا يضاد الغفلة إلا العلم ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة والغفلة رأس الخطايا قال الله تعالى {وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} فلا دواء إذن للتوبة إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر وكما يجمع السكنجبين بين حلاوة السكر وحموضة الخل ويقصد بكل منهما غرض آخر في العلاج بمجموعهما فيقمع الأسباب المهيجة للصفراء فهكذا ينبغي أن تفهم علاج القلب مما به من مرض الإصرار فإن لهذا الدواء أصلان أحدهما العلم والآخر الصبر ولا بد من بيانهما
فإن قلت أينفع كل علم لحل الإصرار أم لا بد من علم مخصوص فاعلم أن العلوم بجملتها أدوية لأمراض القلوب ولكن لكل مرض علم يخصه كما أن علم الطب نافع في علاج الأمراض بالجملة ولكن يخص كل علة علم مخصوص فكذلك دواء الإصرار فلنذكر خصوص ذلك العلم على موازنة مرض الأبدان ليكون أقرب إلى الفهم فنقول يحتاج المريض إلى التصديق بأمور {الأول} أن يصدق على الجملة بأن للمرض والصحة أسبابا يتوصل إليها بالاختيار على ما رتبه مسبب الأسباب وهذا هو الإيمان بأصل الطب فإن من لا يؤمن به لا يشتغل بالعلاج ويحق عليه الهلاك وهذا وزانه مما نحن فيه الإيمان بأصل الشرع وهو أن للسعادة في الآخرة سببا هو الطاعة وللشقاوة سببا هو المعصية وهذا هو الإيمان بأصل الشرائع وهذا لا بد من حصوله إما عن تحقيق أو تقليد وكلاهما من جملة الإيمان الثاني أنه لا بد أن يعتقد المريض في طبيب معين أنه عالم بالطب حاذق فيه صادق فيما يعبر عنه لا يلبس ولا يكذب فإن إيمانه بأصل الطب لا ينفعه بمجرده دون هذا الإيمان ووزانه مما نحن فيه العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان بأن كل ما يقوله حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف الثالث أنه لا بد أن يصغي إلى الطبيب فيما يحذره عنه من تناول الفواكه والأسباب المضرة على الجملة حتى يغلب عليه الخوف في ترك الاحتماء فتكون شدة الخوف باعثة له على الاحتماء ووزانه من الدين الإصغاء إلى الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى والتحذير من ارتكاب الذنوب واتباع الهوى والتصديق بجميع ما يلقى إلى سمعه من ذلك من غير شك واسترابة حتى ينبعث به الخوف المقوي على الصبر الذي هو الركن الآخر في العلاج الرابع أن يصغي إلى الطبيب فيما يخص مرضه وفيما يلزمه في نفسه الاحتماء عنه ليعرفه أولا تفصيل ما يضره من أفعاله وأحواله ومأكوله ومشروبه فليس على كل مريض الاحتماء عن كل شيء ولا ينفعه كل دواء بل لكل علة خاصة علم خاص وعلاج خاص ووزانه من الدين أن كل عبد فليس يبتلى بكل شهوة وارتكاب ذنب بل لكل مؤمن ذنب مخصوص أو ذنوب مخصوصة وإنما حاجته في الحال مرهقة إلى العلم بأنها ذنوب ثم إلى العلم بآفاتها وقدر ضررها ثم العلم بكيفية التوصل إلى الصبر عنها ثم إلى العلم بكيفية تكفير ما سبق منها فهذه علوم يختص بها أطباء الدين وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فالعاصي إن علم عصيانه فعليه طلب العلاج من الطبيب وهو العالم وإن كان لا يدري أن ما يرتكبه ذنب فعلى العالم أن يعرفه ذلك وذلك بأن يتكفل كل عالم بإقليم أو بلدة أو محلة أو مسجد أو مشهد فيعلم أهله دينهم ويميز ما يضرهم عما ينفعهم وما يشقيهم عما يسعدهم ولا ينبغي أن يصبر إلى أن يسئل عنه بل ينبغي أن يتصدى لدعوة الناس إلى نفسه فإنهم ورثة الأنبياء والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم بل كانوا ينادونهم في مجامعهم ويدورون على أبواب دورهم في الابتداء ويطلبون واحدا واحدا فيرشدونهم فإن مرضى القلوب لا يعرفون مرضهم كما أن الذي ظهر على وجهه برص ولا مرآة معه لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره وهذا فرض عين على العلماء كافة وعلى السلاطين كافة أن يرتبوا في كل قرية وفي كل محلة فقيها متدينا يعلم الناس دينهم فإن الخلق لا يولدون إلا جهالا فلا بد من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع والدنيا دار المرضى إذ ليس في بطن الأرض إلا ميت ولا على ظهرها إلا سقيم ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان والعلماء أطباء والسلاطين قوام دار المرضى فكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلم إلى السلطان ليكف شره كما يسلم الطبيب المريض الذي لا يحتمي أو الذي غلب عليه الجنون إلى القيم ليقيده بالسلاسل والأغلال ويكف شره عن نفسه وعن سائر الناس
وإنما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل إحداها أن المريض به لا يدري أنه مريض والثانية أن عاقبته غير مشاهدة في هذا العالم بخلاف مرض البدن فإن عاقبته موت مشاهد تنفر الطباع منه وما بعد الموت غير مشاهد وعاقبة الذنوب موت القلب وهو غير مشاهد في هذا العالم فقلت النفرة عن الذنوب وإن علمها مرتكبها فلذلك تراه يتكل على فضل الله في مرض القلب ويجتهد في علاج مرض البدن من غير اتكال والثالثة وهو الداء العضال فقد الطبيب فإن الأطباء هم العلماء وقد مرضوا في هذه الأعصار مرضا شديدا عجزوا عن علاجه وصارت لهم سلوة في عموم المرض حتى لا يظهر نقصانهم فاضطروا إلى إغواء الخلق والإشارة عليهم بما يزيدهم مرضا لأن الداء المهلك هو حب الدنيا وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافا من أن يقال لهم فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم فبهذا السبب عم على الخلق الداء وعظم الوباء وانقطع الدواء وهلك الخلق لفقد الأطباء بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء فليتهم إذ لم ينصحوا لم يغشوا وإذا لم يصلحوا لم يفسدوا وليتهم سكتوا وما نطقوا فإنهم إذا تكلموا لم يهمهم في مواعظهم إلا ما يرغب العوام ويستميل قلوبهم ولا يتوصلون إلى ذلك إلا بالإرجاء وتغليب أسباب الرجاء وذكر دلائل الرحمة لأن ذلك ألذ في الأسماع وأخف على الطباع فتنصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد استفادوا مزيد جراءة على المعاصي ومزيد ثقة بفضل الله ومهما كان الطبيب جاهلا أو خائبا أهلك بالدواء حيث يضعه في غير موضعه فالرجاء والخوف دواءان ولكن لشخصين متضادي العلة أما الذي غلب عليه الخوف حتى هجر الدنيا بالكلية وكلف نفسه ما لا تطيق وضيق العيش على نفسه بالكلية فتكسر سورة إسرافه في الخوف بذكر أسباب الرجاء ليعود إلى الاعتدال وكذلك المصر على الذنوب المشتهى للتوبة الممتنع عنها بحكم القنوط واليأس استعظاما لذنوبه التي سبقت يعالج أيضا بأسباب الرجاء حتى يطمع في قبول التوبة فيتوب فأما معالجة المغرور المسترسل في المعاصي بذكر أسباب الرجاء فيضاهي معالجة المحرور بالعسل طلبا للشفاء وذلك من دأب الجهال والأغبياء فإذن فساد الأطباء هي المعضلة الزباء التي لا تقبل الدواء أصلا فإن قلت فاذكر الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الواعظ في طريق الوعظ مع الخلق فاعلم أن ذلك يطول ولا يمكن استقصاؤه نعم نشير إلى الأنواع النافعة في حل عقدة الإصرار وحمل الناس على ترك الذنوب وهي أربعة أنواع {الأول} أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين وكذلك ما ورد من الأخبار والآثار
مثل قوله صلى الله عليه وسلم ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا ويقول الآخر يا ليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا فيقول الآخر يا ليتهم إذ علموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا وفي بعض الروايات ليتهم تجالسوا فتذكروا ما علموا ويقول الآخر يا ليتهم إذ لم يعلموا بما يعملوا تابوا مما عملوا وقال بعض السلف إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب الشمال وهو أمير عليه أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب واستغفر لم يكتبها عليه وإن لم يستغفر كتبها وقال بعض السلف ما من عبد يعصى إلا استأذن مكانه من الأرض أن تخسف له واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسفا فيقول الله تعالى للأرض والسماء كفا عن عبدي وأمهلاه فإنكما لم تخلقاء ولو خلقتماه لرحمتماه ولعله يتوب إلي فأغفر له ولعله يستبدل صالحا فأبدله له حسنات فذلك معنى قوله تعالى إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمات واستحلت المحارم أرسل الله الطابع فيطبع على القلوب بما فيها وفي حديث مجاهد القلب مثل الكف المفتوحة كلما أذنب العبد ذنبا انقبضت إصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فيسد على القلب فذلك هو الطبع وقال الحسن إن بين العبد وبين الله حدا من المعاصي معلوما إذا بلغه العبد طبع الله على قلبه فلم يوفقه بعدها لخير والأخبار والآثار في ذم المعاصي ومدح التائبين لا تحصى فينبغي أن يستكثر الواعظ منها إن كان وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ما خلف دينارا ولا درهما إنما خلف العلم والحكمة وورثه كل عالم بقدر ما أصابه النوع الثاني حكايات الأنبياء والسلف الصالحين وما جرى عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق مثل أحوال آدم صلى الله عليه وسلم في عصيانه وما لقيه من الإخراج من الجنة حتى روى أنه لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته فاستحيا التاج والإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه فجاءه جبريل عليه السلام فأخذ التاج عن رأسه وحل الإكليل عن جبينه ونودي من فوق العرش اهبطا من جواري فإنه لا يجاورني من عصاني قال فالتفت آدم إلى حواء باكيا وقال هذا أول شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب وروى أن سليمان بن داود عليهما السلام لما عوقب على خطيئته لأجل التمثال الذي عبد في داره أربعين يوما وقيل لأن المرأة سألته أن بحكم لأبيها فقال نعم ولم يفعل وقيل بل أحب بقلبه أن
يكون الحكم لأبيها على خصمه لمكانها منه فسلب ملكه أربعين يوما فهرب تائها على وجهه فكان يسأل بكفه فلا يطعم فإذا قال أطعموني فإني سليمان بن داود رشج وطرد وضرب وحكى أنه استطعم من بيت لامرأته فطردته وبصقت في وجهه وفي رواية أخرجت عجوز جرة فيها بول فصبته على رأسه إلى أن أخرج الله الخاتم من بطن الحوت فلبسه بعد انقضاء الأربعين أيام العقوبة قال فجاءت الطيور فعكفت على رأسه وجاءت الجن والشياطين والوحوش فاجتمعت حوله فاعتذر إليه بعض من كان جنى عليه فقال لا ألومكم فيما فعلتم من قبل ولا أحمدكم في عذركم الآن إن هذا أمر كان من السماء ولا بد منه وروي في الإسرائيليات أن رجلا تزوج امرأة من بلدة أخرى فأرسل عبده ليحملها إليه فراودته نفسه وطالبته بها فجاهدها واستعصم قال فنبأه الله ببركة تقواه فكان نبيا في بني إسرائيل وفي قصص موسى عليه السلام أنه قال للخضر عليه السلام بم أطلعك الله على علم الغيب قال بتركي المعاصي لأجل الله تعالى وروي أن الريح كانت تسير بسليمان عليه السلام فنظر إلى قميصه نظرة وكان جديدا فكأنه أعجبه قال فوضعته الريح فقال لم فعلت هذا ولم آمرك قالت إنما نطيعك إذا أطعت الله وروي أن الله تعالى أوحى إلى يعقوب عليه السلام أتدري لم فرقت بينك وبين ولدك يوسف قال لا قال لقولك لأخوته أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون لم خفت عليه الذئب ولم ترجني ولم نظرت إلى غفلة أخوته ولم تنظر إلى حفظي له وتدري لم رددته عليك قال لا قال لأنك رجوتني وقلت {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} وبما قلت اذهبو فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا وكذلك لما قال يوسف لصاحب الملك {اذكرني عند ربك} قال الله تعالى {فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين} وأمثال هذه الحكايات لا تنحصر ولم يرد بها القرآن والأخبار ورود الأسمار بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار لتعلم أن الأنبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم في الذنوب الكبار نعم كانت سعادتهما في أن عوجلوا بالعقوبة ولم يؤخروا إلى الآخرة والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما ولأن عذاب الآخرة أشد وأكبر فهذا أيضا مما ينبغي أن يكثر جنسه على أسماع المصرين فإنه نافع في تحريك دواعي التوبة النوع الثالث أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنوب وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله في الدنيا أكثر لفرط جهله فينبغي أن يخوف به فإن الذنوب كلها يتعجل في الدنيا شؤمها في غالب الأمر كما حكي في قصة داود وسليمان عليهما السلام حتى إنه قد يضيق على العبد رزقه بسبب ذنوبه وقد تسقط منزلته من القلوب ويستولي عليه أعداؤه قال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وقال ابن مسعود إني لأحسب أن العبد ينسى العلم بالذنب يصيبه وهو معنى قوله عليه السلام من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا وقال بعض السلف ليست اللعنة سوادا في الوجه ونقصا في المال إنما اللعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت في مثله أو شر منه وهو كما قال لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد فإذا لم يوفق للخير ويسر له الشر فقد أبعد والحرمان عن رزق التوفيق أعظم حرمان وكل ذنب فإنه يدعو إلى ذنب آخر ويتضاعف فيحرم العبد به عن رزقه النافع من مجالسة
العلماء المنكرين للذنوب ومن مجالسة الصالحين بل يمقته الله تعالى ليمقته الصالحون وحكي عن بعض العارفين أنه كان يمشي في الوحل جامعا ثيابه محترزا عن زلقة رجله حتى زلقت رجله وسقط فقام وهو يمشي في وسط الوحل ويبكي ويقول هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ويجانبها حتى يقع فى ذنب وذنبين فعندها يخوض في الذنوب خوضا وهو إشارة إلى أن الذنب تتعجل عقوبته بالانجرار إلى ذنب آخر ولذلك قال الفضيل ما أنكرت من تغير الزمان وجفاء الإخوان فذنوبك ورثتك ذلك وقال بعضهم إني لأعرف عقوبة ذنبي في سوء خلق حماري وقال آخر أعرف العقوبة حتى في فأر بيتي وقال بعض صوفية الشام نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي فأخذ بيدي فاستحييت منه فقلت يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت من هذه الصورة الحسنة وهذه الصنعة المحكمة كيف خلقت للنار فغمز يدي وقال لتجدن عقوبتها بعد حين قال فعوقبت بها بعد ثلاثين سنة وقال أبو سليمان الداراني الاحتلام عقوبة وقال لا يفوت أحدا صلاة جماعة إلا بذنب يذنبه وفي الخبر ما أنكرتم من زمانكم فبما غيرتم من أعمالكم وفي الخبر يقول الله تعالى إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي وحكي عن أبي عمرو بن علوان في قصة يطول ذكرها قال فيها كنت قائما ذات يوم أصلى فخار قلبي هوى طاولته بفكرتي حتى تولد منه شهوة الرجال فوقعت إلى الأرض واسود جسدي كله فاستترت في البيت فلم أخرج ثلاثة أيام وكنت أعالج غسله في الحمام بالصابون فلا يزداد إلا سوادا حتى انكشف بعد ثلاث فلقيت الجنيد وكان قد وجه إلي فأشخصني من الرقة فلما أتيته قال لي أما استحييت من الله تعالى كنت قائما بين يديه فساررت نفسك بشهوة حتى استولت عليك برقة وأخرجتك من بين يدي الله تعالى فلولا أني دعوت الله لك وتبت إليه عنك للقيت الله بذلك اللون قال فعجبت كيف علم بذلك وهو ببغداد وأنا بالرقة واعلم انه لا يذنب العبد ذنبا إلا ويسود وجه قلبه فإن كان سعيدا أظهر السواد على ظاهره لينزجر وإن كان شقيا أخفى عنه حتى ينهمك ويستوجب النار والأخبار كثيرة في آفات الذنوب في الدنيا من الفقر والمرض وغيره بل من شؤم الذنب في الدنيا على الجملة أن يكسب ما بعده صفته فإن ابتلي بشيء كان عقوبة له ويحرم جميل الرزق حتى يتضاعف شقاؤه وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه وأما المطيع فمن بركة طاعته أن تكون كل نعمة في حقه جزاء على طاعته ويوفق لشكرها وكل بلية كفارة لذنوبه وزيادة في درجاته النوع الرابع ذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب كالخمر والزنا والسرقة والقتل والغيبة والكبر والحسد وكل ذلك مما لا يمكن حصره وذكره مع غير أهله وضع الدواء في غير موضعه بل ينبغي أن يكون العالم كالطبيب الحاذق فيستدل أولا بالنبض والسحنة ووجود الحركات على العلل الباطنة ويشتغل بعلاجها فيستدل بقرائن الأحوال على خفايا الصفات وليتعرض لما وقف عليه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له واحد أوصني يا رسول الله ولا تكثر علي قال لا تغضب وقال له آخر أوصني يا رسول الله فقال
عليك السلام عليك باليأس مما في أيدي الناس فإن ذلك هو الغنى وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر وصل صلاة مودع وإياك وما يعتذر منه وقال رجل لمحمد بن واسع أوصني فقال أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة قال وكيف لي بذلك قال الزم الزهد في الدنيا فكأنه صلى الله عليه وسلم توسم في السائل الأول مخايل الغضب فنهاه عنه وفي السائل الآخر مخايل الطمع في الناس وطول الأمل وتخيل محمد بن واسع في السائل مخايل الحرص على الدنيا وقال رجل لمعاذ أوصني فقال كن رحيما أكن لك بالجنة زعيما فكأنه تفرس فيه آثار الفظاظة والغلظة وقال رجل لإبراهيم بن أدهم أوصني فقال إياك والناس وعليك بالناس ولا بد من الناس فإن الناس هم الناس وليس كل الناس بالناس ذهب الناس وبقي النسناس وما أراهم بالناس بل غمسوا في ماء الياس فكأنه تفرس فيه آفة المخالطة وأخبر عما كان هو الغالب على حاله في وقته وكان الغالب أذاه بالناس والكلام على قدر حال السائل أولى من أن يكون بحسب حال القائل وكتب معاوية رحمه الله إلى عائشة رضي الله عنها أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري فكتبت إليه من عائشة إلى معاوية سلام الله عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس سخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس والسلام عليك فانظر إلى فقهها كيف تعرضت للآفة التي تكون الولاة بصددها وهي مراعاة الناس وطلب مرضاتهم وكتبت إليه مرة أخرى أما بعد فاتق الله فإنك إذا اتقيت الله كفاك الناس وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا والسلام فإذن على كل ناصح أن تكون عنايته مصروفة إلى تفرس الصفات الخفية وتوسم الأحوال اللائقة ليكون اشتغاله بالمهم فإن حكاية جميع مواعظ الشرع مع كل واحد غير ممكنة والاشتغال بوعظه بما هو مستغن عن التوعظ فيه تضييع زمان فإن قلت فإن كان الواعظ يتكلم في جمع أو سأله من لا يدرى باطن حاله أن يعظه فكيف يفعل فاعلم أن طريقه في ذلك أن يعظه بما يشترك كافة الخلق في الحاجة إليه إما على العموم وإلا على الأكثر فإن في علوم الشرع أغذية وأدوية فالأغذية للكافة والأدوية لأرباب العلل ومثاله ما روي أن رجلا قال لأبي سعيد الخدري أوصني قال عليك بتقوى الله عز وجل فإنها رأس كل خير وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام وعليك بالقرآن فإنه نور لك في أهل الأرض وذكر لك في أهل السماء وعليك بالصمت إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان وقال رجل للحسن أوصني فقال أعز أمر الله يعزك الله وقال لقمان لابنه يا بني زاحم العلماء بركبتيك ولا تجادلهم فيمقتوك وخذ من الدنيا بلاغك وأنفق فضول كسبك لآخرتك ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا وعلى أعناق الرجال كلا وصم صوما يكسر شهوتك ولا تصم صوما يضر بصلاتك فإن الصلاة أفضل من الصوم ولا تجالس السفيه ولا تخالط ذا الوجهين وقال أيضا لابنه يا بني لا تضحك من غير عجب ولا تمش في غير أرب ولا تسأل عما لا يعنيك ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك فإن مالك ما قدمت ومال غيرك ما تركت يا بني إن من يرحم يرحم ومن يصمت يسلم ومن يقل الخير يغنم ومن يقل الشر يأثم ومن لا يملك لسانه يندم وقال رجل لأبي حازم أوصني فقال كل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته غنيمة
فالزمه وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه وقال موسى للخضر عليهما السلام أوصني فقال كن بساما ولا تكن غضابا وكن نفاعا ولا تكن ضرارا وانزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعير الخطائين بخطاياهم وابك على خطيئتك يا ابن عمران وقال رجل لمحمد بن كرام أوصني فقال اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك وقال رجل لحامد اللفاف أوصني فقال اجعل لدينك غلافا كغلاف المصحف أن تدنسه الآفات قال وما غلاف الدين قال ترك طلب الدنيا إلا مالا بد منه وترك كثرة الكلام إلا فيما لا بد منه وترك مخالطة الناس إلا فيما لا بد منه وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى أما بعد فخف مما خوفك الله واحذر مما حذرك الله وخذ مما في يديك لما بين يديك فعند الموت يأتيك الخبر اليقين والسلام وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأل أن يعظه فكتب إليه أما بعد فإن الهول الأعظم والأمور المفظعات أمامك ولا بد لك من مشاهدة ذلك إما بالنجاة وإما بالعطب واعلم أن من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر ومن نظر في العواقب نجا ومن أطاع هواه ضل ومن حلم غنم ومن خاف أمن ومن أمن اعتبر ومن اعتبر أبصر ومن أبصر فهم ومن فهم علم فإذا زللت فارجع وإذا ندمت فأقلع وإذا جهلت فاسأل وإذا غضبت فأمسك وكتب مطرف بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله أما بعد فإن الدنيا دار عقوبة ولها يجمع من من لا عقل له وبها يغتر من لا علم عنده فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء لما يخاف من عاقبة الداء وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عدي بن أرطأة أما بعد فإن الدنيا عدوة أولياء الله وعدوة أعداء الله فأما أولياؤه فغمتهم وأما أعداؤه فغرتهم وكتب أيضا إلى بعض عماله أما بعد فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة الله عليك واعلم أنك لا تأتي إلى الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك واعلم إن الله عز وجل آخذ للمظلومين من الظالمين والسلام فهكذا ينبغي أن يكون وعظ العامة ووعظ من لا يدري خصوص واقعته فهذه المواعظ مثل الأغذية التي يشترك الكافة في الانتفاع بها ولأجل فقد مثل هؤلاء الوعاظ انحسم باب الاتعاظ وغلبت المعاصي واستسرى الفساد وبلي الخلق بوعاظ يزخرفون أسجاعا وينشدون أبياتا ويتكلفون ذكر ما ليس في سعة علمهم ويتشبهون بحال غيرهم فسقط عن قلوب العامة وقارهم ولم يكن كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب بل القائل متصلف والمستمع متكلف وكل واحد منهما مدبر ومتخلف فإذن كان طلب الطبيب أول علاج المرضى وطلب العلماء أول علاج العاصين فهذا أحد أركان العلاج وأصوله الأصل الثاني الصبر ووجه الحاجة إليه أن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ما يضره وإنما يتناول ذلك إما لغفلته عن مضرته وإما لشدة غلبة شهوته فله سببان فما ذكرناه هو علاج الغفلة فيبقى علاج الشهوة وطريق علاجها قد ذكرناه في كتاب رياضة النفس وحاصله أن المريض إذا اشتدت ضراوته لمأكول مضر فطريقه أن يستشعر عظم ضرره ثم يغيب ذلك عن عينه فلا يحضره ثم يتسلى عنه بما يقرب منه في صورته ولا يكثر ضرره ثم يصبر بقوة الخوف على الألم الذي يناله في تركه فلا بد على كل حال من مرارة الصبر فكذلك يعالج الشهوة في المعاصي كالشاب مثلا إذا غلبته الشهوة فصار لا يقدر على حفظ عينه ولا حفظ قلبه أو حفظ جوارحه في السعي وراء شهوته فينبغي أن يستشعر ضرر ذنبه بأن يستقري المخلوقات التي جاءت فيه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا اشتد خوفه تباعد من الأسباب المهيجة لشهوته ومهيج الشهوة من خارج هو
حضور المشتهى والنظر إليه وعلاجه الهرب والعزلة ومن داخل تناول لذائذ الأطعمة وعلاجه الجوع والصوم الدائم وكل ذلك لا يتم إلا بصبر ولا يصبر إلا عن خوف ولا يخاف إلا عن علم ولا يعلم إلا عن بصيرة وافتكار أو عن سماع وتقليد فأول الأمر حضور مجالس الذكر ثم الاستماع من قلب مجرد عن سائر الشواغل مصروف إلى السماع ثم التفكر فيه لتمام الفهم وينبعث من تمامه لا محالة خوفه وإذا قوي الخوف تيسر بمعونته الصبر وانبعثت الدواعي لطلب العلاج وتوفيق الله وتيسيره من وراء ذلك فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء واستشعر الخوف فاتقى وانتظر الثواب وصدق بالحسنى فسييسره والله تعالى لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسييسره الله للعسرى فلا يغني عنه ما اشتغل به من ملاذ الدنيا مهما هلك وتردى وما على الأنبياء إلا شرح طرق الهدى وإنما لله الآخرة والأولى فإن قلت فقد رجع الأمر كله إلى الإيمان لأن ترك الذنب لا يمكن إلا بالصبر عنه والصبر لا يمكن إلا بمعرفة الخوف والخوف لا يكون إلا بالعلم والعلم لا يحصل إلا بالتصديق بعظم بعزم ضرر الذنوب والتصديق بعظم ضرر الذنوب هو تصديق الله ورسوله وهو الإيمان فكأن من أصر على الذنب لم يصر عليه إلا لأنه غير مؤمن فاعلم أن هذا لا يكون لفقد الإيمان بل يكون لضعف الإيمان إذ كل مؤمن مصدق بأن المعصية سبب البعد من الله تعالى وسبب العقاب في الآخرة ولكن سبب وقوعه في الذنب أمور أحدها أن العقاب الموعود غيب ليس بحاضر والنفس جبلت متأثرة بالحاضر فتأثرها بالموعود ضعيف بالإضافة إلى تأثرها بالحاضر الثاني أن الشهوات الباعثة على الذنوب لذاتها ناجزة وهي في الحال آخذة بالمخنق وقد قوي ذلك واستولى عليها بسبب الاعتياد والإلف والعادة طبيعة خامسة والنزوع عن العاجل لخوف الآجل شديد على النفس ولذلك قال تعالى كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقال عز وجل بل تؤثرون الحياة الدنيا وقد عبر عن شدة الأمر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلق النار فقال لجبريل عليه السلام اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفها بالشهوات ثم قال اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها وخلق الجنة فقال لجبريل عليه السلام اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فحفها بالمكاره ثم قال اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد فإذا كون الشهوة مرهقة في الحال وكون العقاب متأخرا إلى المآل سببان ظاهران في الاسترسال مع حصول أصل الإيمان فليس كل من يشرب في مرضه ماء الثلج لشدة عطشه مكذبا بأصل الطب ولا مكذبا بأن ذلك مضر في حقه ولكن الشهوة تغلبه وألم الصبر عنه ناجز فيهون عليه الألم المنتظر الثالث أنه ما من مذنب مؤمن إلا وهو فى الغالب عازم على التوبة وتكفير السيئات بالحسنات وقد وعد بأن ذلك يخبره إلا أن طول الأمل غالب على الطباع فلا يزال يسوف التوبة والتكفير فمن حيث رجاؤه التوفيق للتوبة ربما يقدم عليه مع الإيمان الرابع أنه ما من مؤمن موقن إلا وهو معتقد أن الذنوب لا توجب العقوبة إيجابا لا يمكن العفو عنها فهو يذنب وينتظر العفو عنها اتكالا على فضل الله تعالى فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار على الذنب مع بقاء أصل الإيمان نعم قد يقدم المذنب بسبب خامس يقدح في أصل إيمانه وهو كونه شاكا في صدق الرسل وهذا هو الكفر كالذي يحذره الطبيب عن تناول ما يضره في المرض فإن كان المحذر ممن لا يعتقد فيه أنه عالم بالطب فيكذبه أو يشك فيه فلا يبالي به فهذا هو الكفر
فإن قلت فما علاج الأسباب الخمسة فأقول هو الفكر وذلك بأن يقرر على نفسه في السبب الأول وهو تأخر العقاب أن كل ما هو آت آت وأن غدا للناظرين قريب وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله فما يدريه لعل الساعة قريب والمتأخر إذا وقع صار ناجزا ويذكر نفسه أنه أبدا في دنياه يتعب في الحال لخوف أمر فى الاستقبال إذ يركب البحار ويقاسي الأسفار لأجل الربح الذي يظن أنه قد يحتاج إليه في ثاني الحال بل لو مرض فأخبره طبيب نصراني بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت وكان الماء البارد ألذ الأشياء عنده تركه مع أن الموت آلمه لحظة إذا لم يخف ما بعده ومفارقته للدنيا لا بد منها فكم نسبة وجوده في الدنيا إلى عدمه أزلا وأبدا فلينظر كيف يبادر إلى ترك ملاذه بقول ذمي لم تقم معجزة على طبه فيقول كيف يليق بعقلي أن يكون قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عندي دون قول نصراني يدعي الطب لنفسه بلا معجزة على طبه ولا يشهد له إلا عوام الخلق وكيف يكون عذاب النار عندي أخف من عذاب المرض وكل يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا وبهذا التفكر بعينه يعالج اللذة الغالبة عليه ويكلف نفسه تركها ويقول إذا كنت لا أقدر على ترك لذاتي أيام العمر وهي أيام قلائل فكيف أقدر على ذلك أبد الآباد وإذا كنت لا أطيق ألم الصبر فكيف أطيق ألم النار وإذا كنت لا أصبر عن زخارف الدنيا مع كدوراتها وتنغصها وامتزاج صفوها بكدرها فكيف أصبر عن نعيم الآخرة وأما تسويف التوبة فيعالجه بالفكر في إن أكثر صياح أهل النار من التسويف لأن المسوف يبني الأمر على ما ليس إليه وهو البقاء فلعله لا يبقى وإن بقي فلا يقدر على الترك غدا كما لا يقدر عليه اليوم فليت شعري هل عجز في الحال إلا لغلبة الشهوة والشهوة ليست تفارقه غدا بل تتضاعف إذ تتأكد بالاعتياد فليست الشهوة التي أكدها الإنسان بالعادة كالتي لم يؤكدها وعن هذا هلك المسوفون لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين ولا يظنون أن الأيام متشابهة في أن ترك الشهوات فيها أبدا شاق وما مثال المسوف إلا مثاله من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة فقال أؤخرها سنة ثم أعود إليها وهو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه فلا حماقة في الدنيا أعظم من حماقته إذ عجز مع قوته عن مقاومة ضعيف فأخذ ينتظر الغلبة عليه إذا ضعف هو في نفسه وقوي الضعيف وأما المعنى الرابع وهو انتظار عفو الله تعالى فعلاجه ما سبق وهو كمن ينفق جميع أمواله ويترك نفسه وعياله فقراء منتظرا من فضل الله تعالى أن يرزقه العثور على كنز في أرض خربة فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان وهو مثل من يتوقع النهب من الظلمة في بلده وترك ذخائر أمواله في صحن داره وقدر على دفنها وإخفائها فلم يفعل وقال أنتظر من فضل الله تعالى أن يسلط غفلة أو عقوبة على الظالم الناهب حتى لا يتفرغ إلى داري أو إذا انتهى إلى داري مات على باب الدار فإن الموت ممكن والغفلة ممكنة وقد حكي في الأسمار أن مثل ذلك وقع فأنا أنتظر من فضل الله مثله فمنتظر هذا منتظر أمر ممكن ولكنه في غاية الحماقة والجهل إذ قد لا يمكن ولا يكون
وأما الخامس وهو شك فهذا كفر وعلاجه الأسباب التي تعرفه صدق الرسل وذلك يطول ولكن يمكن أن يعالج بعلم قريب يليق بحد عقله فيقال له ما قاله الأنبياء المؤيدون بالمعجزات هل صدقه ممكن أو تقول أعلم أنه محال كما أعلم استحالة شخص واحد في مكانين في حالة واحدة فإن قال أعلم استحالته كذلك فهو أخرق معتوه وكأنه لا وجود لمثل هذا في العقلاء وإن قال أنا شاك فيه فيقال لو أخبرك شخص واحد مجهول عند تركك طعامك في البيت لحظة أنه ولغت فيه حية وألقت سمها فيه وجوزت صدقه فهل تأكله أو تتركه وإن كان ألذ الأطعمة فيقول أتركه لا محالة لأني أقول إن كذب فلا يفوتني إلا هذا الطعام والصبر عنه وإن كان شديدا فهو قريب وإن صدق فتفوتني الحياة والموت بالإضافة إلى ألم الصبر عن الطعام وإضاعته شديد فيقال له يا سبحان الله كيف تؤخر صدق الأنبياء كلهم مع ما ظهر لهم من المعجزات وصدق كافة الأولياء والعلماء والحكماء بل جميع أصناف العقلاء ولست أعني بهم جهال العوام بل ذوي الألباب عن صدق رجل واحد مجهول لعل له غرضا فيما يقول فليس في العقلاء إلا من صدق باليوم الآخروأثبت ثوابا وعقابا وإن اختلفوا في كيفيته فإن صدقوا فقد أشرفت على عذاب يبقى أبد الآباد وإن كذبوا فلا يفوتك إلا بعض شهوات هذه الدنيا الفانية المكدرة فلا يبقى له توقف إن كان عاقلا مع هذا الفكر إذ لا نسبة لمدة العمر إلى أبد الآباد بل لو قدرنا الدنيا مملوءة بالذرة وقدرنا طائرا يلتقط فى كل ألف ألف سنة حبة واحدة منها لفنيت الذرة ولم ينقص أبد الآباد شيئا فكيف يفتر رأي العاقل في الصبر عن الشهوات مائة سنة مثلا لأجل سعادة تبقى أبد الآباد ولذلك قال أبو العلاء أحمد بن سليمان التنوخي المعري قال المنجم والطبيب كلاهما ... لا تبعث الأموات قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما لذلك قال علي رضي الله عنه لبعض من قصر عقله عن فهم تحقيق الأمور وكان شاكا إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعا وإلا فقد تخلصت وهلكت أي العاقل يسلك طريق الأمن في جميع الأحوال فإن قلت هذه الأمور جلية ولكنها ليست تنال إلا بالفكر فما بال القلوب هجرت الفكر فيها واستثقلته وما علاج القلوب لردها إلى الفكر لا سيما من آمن بأصل الشرع وتفصيله فاعلم أن المانع من الفكر أمران أحدهما أن الفكر النافع هو الفكر في عقاب الآخرة وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم وهذا فكر لداغ مؤلم للقلب فينفر القلب عنه ويتلذذ بالفكر في أمور الدنيا على سبيل التفرج والاستراحة والثاني أن الفكر شغل في الحال مانع من لذائذ الدنيا وقضاء الشهوات وما من إنسان إلا وله في كل حالة من أحواله ونفس من أنفاسه شهوة قد تسلطت عليه واسترقته فصار عقله مسخرا لشهوته فهو مشغول بتدبير حيلته وصارت لذته في طلب الحيلة فيه أو في مباشرة قضاء الشهوة والفكر يمنعه من ذلك أما علاج هذين المانعين فهو أن يقول لقلبه ما أشد غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت وما بعده تألما بذكره مع استحقار ألم مواقعته فكيف تصبر على مقاساته إذا وقع وأنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت وما بعده ومتألم به وأما الثاني وهو كون الفكر مفوتا للذات الدنيا فهو أن يتحقق أن فوات لذات الآخرة أشد وأعظم فإنها لا آخر لها ولا كدورة فيها ولذات الدنيا سريعة الدثور وهي مشوبة بالمكدرات فما فيها لذة صافية عن كدر وكيف وفي التوبة عن المعاصي والإقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة الله تعالى واستراحة بمعرفته وطاعته
وطول الأنس به ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة وروح الأنس بمناجاة الله تعالى لكان ذلك كافيا فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة نعم هذه اللذة لا تكون في ابتداء التوبة ولكنها بعد ما يصير عليها مدة مديدة وقد صار الخير ديدنا كما كان الشر ديدنا فالنفس قابلة ما عودتها تتعود والخير عادة والشر لجاجة فإذن هذه الأفكار هي المهيجة للخوف المهيج لقؤة الصبر عن اللذات ومهيج هذه الأفكار وعظ الوعاظ وتنبيهات تقع للقلب بأسباب تتفق لا تدخل في الحصر فيصير الفكر موافقا للطبع فيميل القلب إليه ويعبر عن السبب الذي أوقع الموافقة بين الطبع والفكر الذي هو سبب الخير بالتوفيق إذ التوفيق هو التأليف بين الإرادة وبين المعنى الذي هو طاعة نافعة في الآخرة وقد روي في حديث طويل أنه قام عمار بن ياسر فقال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ماذا بني فقال علي رضي الله عنه بني على أربع دعائم على الجفاء والعمى والغفلة والشك فمن جفا احتقر الحق وجهر بالباطل ومقت العلماء ومن عمي نسي الذكر ومن غفل حاد عن الرشد ومن شك غرته الأماني فأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب فما ذكرناه بيان لبعض آفات الغفلة عن التفكر وهذا القدر في التوبة كاف وإذا كان الصبر ركنا من أركان دوام التوبة فلا بد من بيان الصبر فنذكره في كتاب مفرد إن شاء الله تعالى كتاب الصبر والشكر وهو الكتاب الثاني من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أهل الحمد والثناء المنفرد برداء الكبرياء المتوحد بصفات المجد والعلاء المؤيد صفوة الأولياء بقوة الصبر على السراء والضراء والشكر على البلاء والنعماء والصلاة على محمد سيد الأنبياء وعلى أصحابه سادة الأصفياء وعلى آله قادة البررة الأتقياء صلاة محروسة بالدوام عن الفناء ومصونة بالتعاقب عن التصرم والانقضاء أما بعد فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر كما وردت به الآثار وشهدت له الأخبار وهما أيضا وصفان من أوصاف الله تعالى واسمان من أسمائه الحسنى إذ سمى نفسه صبورا وشكورا فالجهل بحقيقة الصبر والشكر جهل بكلا شطري الإيمان ثم هو غفلة عن وصفين من أوصاف الرحمن ولا سبيل إلى الوصول إلى القرب من الله تعالى إلا بالإيمان وكيف يتصور سلوك سبيل الإيمان دون معرفة ما به الإيمان ومن به الإيمان والتقاعد عن معرفة الصبر والشكر تقاعد عن معرفة من به الإيمان وعن إدراك ما به الإيمان فما أحوج كلا الشطرين إلى الإيضاح والبيان ونحن نوضح كلا الشطرين في كتاب واحد لارتباط أحدهما بالآخر إن شاء الله تعالى الشطر الأول في الصبر وفيه بيان فضيلة الصبر وبيان حده وحقيقته وبيان كونه نصف الإيمان وبيان اختلاف أساميه باختلاف متعلقاته وبيان أقسامه بحسب اختلاف القوة والضعف وبيان مظان الحاجة إلى الصبر وبيان دواء الصبر وما يستعان به عليه فهي سبعة فصول تشتمل على جميع مقاصده إن شاء الله تعالى بيان فضيلة الصبر وقد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر
في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وقال تعالى وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا وقال تعالى ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وقال تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا وقال تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ولأجل كون الصوم من الصبر وأنه نصف الصبر قال الله تعالى الصوم لي وأنا أجزي به فأضافه إلى نفسه من بين سائر العبادات ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى واصبروا إن الله مع الصابرين وعلق النصرة على الصبر فقال تعالى بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون فالهدى والرحمة والصلوات مجموعة للصابرين واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم الصبر نصف الإيمان على ما سيأتي وجه كونه نصفا وقال صلى الله عليه وسلم من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطي حظه منهما لم يبال بما فاته من قيام الليل وصيام النهار ولأن تصبروا على ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرىء منكم بمثل عمل جميعكم ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضا وينكركم أهل السماء عند ذلك فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ثم قرأ قوله تعالى ما عندكم ينفد وما عنده الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم الآية الآية وروى جابر أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال الصبر والسماحة حديث الصبر كنز من كنوز الجنة غريب لم أجده وسئل مرة ما الإيمان فقال الصبر حديث الحج عرفه تقدم في الحج معناه معظم الحج عرفة وقال أيضا صلى صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس // حديث أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس لا أصل له مرفوعا وإنما هو من قول عمر بن عبد العزيز هكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب محاسبة النفس وقيل أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام تخلق بأخلاقي وأن من أخلاقي أني أنا الصبور وفي حديث عطاء عن ابن عباس لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار فقال أمؤمنون أنتم فسكتوا فقال عمر نعم يا رسول الله قال وما علامة إيمانكم قالوا نشكر على الرخاء ونصبر على البلاء ونرضى بالقضاء فقال صلى الله عليه وسلم مؤمنون ورب الكعبة وقال صلى الله عليه وسلم في الصبر على ما تكره خير كثير وقال المسيح عليه السلام إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان الصبر رجلا لكان كريما والله يحب الصابرين والأخبار في هذا لا تحصى
وأما الآثار فقد وجد في رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران أحدهما أفضل من الآخر الصبر في المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى واعلم أن الصبر ملاك الإيمان وذلك بأن التقوى أفضل البر والتقوى بالصبر وقال علي كرم الله وجهه بني الإيمان على أربع دعائم اليقين والصبر والجهاد والعدل وقال أيضا الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له وكان عمر رضي الله عنه يقول نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين يعني بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الهدى والعلاوة ما يحمل فوق العدلين على البعير وأشار به إلى قوله تعالى {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} وكان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب بكى وقال واعجباه أعطى وأثنى أي هو المعطي للصبر وهو المثني وقال أبو الدرداء ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر هذا بيان فضيلة الصبر من حيث النقل وأما من حيث النظر بعين الاعتبار فلا تفهمه إلا بعد فهم حقيقة الصبر ومعناه إذ معرفة الفضيلة والرتبة معرفة صفة فلا تحصل قبل معرفة الموصوف فلنذكر حقيقته ومعناه وبالله التوفيق بيان حقيقة الصبر ومعناه اعلم أن الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين وجميع مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور معارف وأحوال وأعمال فالمعارف هي الأصول وهي تورث الأحوال والأحوال تثمر الأعمال فالمعارف كالأشجار والأحوال كالأغصان والأعمال كالثمار وهذا مطرد في جميع منازل السالكين إلى الله تعالى واسم الإيمان تارة يختص بالمعارف وتارة يطلق على الكل كما ذكرناه في اختلاف اسم الإيمان والإسلام في كتاب قواعد العقائد وكذلك الصبر لا يتم إلا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة فالصبر على التحقيق عبارة عنها والعمل هو كالثمرة يصدر عنها ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفية الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم فإن الصبر خاصية الإنس ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة أما في البهائم فلنقصانها وأما في الملائكة فلكمالها وبيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات وصارت مسخرة لها فلا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوة وليس فيها قوة تصادم الشهوة وتردها عن مقتضاها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا وأما الملائكة عليهم السلام فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والابتهاج بدرجة القرب منها ولم تسلط عليهم شهوة صارفة صادة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة ثم شهوة النكاح على الترتيب وليس له قوة الصبر البتة إذ الصبر عبارة عن
ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضاد مقتضياتهما ومطالبهما وليس في الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم ولكن الله تعالى بفضله وسعة جوده أكرم بني آدم ورفع درجتهم عن درجة البهائم فوكل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين أحدهما يهديه والآخر يقويه فتميز بمعونة الملكين عن البهائم واختص بصفتين إحداهما معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ومعرفة المصالح المتعلقة بالعواقب وكل ذلك حاصل من الملك الذي إليه الهداية والتعريف فالبهيمة لا معرفة لها ولا هداية إلى مصلحة العواقب بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ وأما الدواء النافع مع كونه مضرا في الحال فلا تطلبه ولا تعرفه فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أن اتباع الشهوات له مغبات مكروهة في العاقبة ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضر فكم من مضر يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلا ولكن لا قدرة له على دفعه فافتقر إلى قدرة وقوة يدفع بها في نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوة حتى يقطع عداوتها عن نفسه فوكل الله تعالى به ملكا آخر يسدده ويؤيده ويقويه بجنود لم تروها وأمر هذا الجند بقتال جند الشهوة فتارة يضعف هذا الجند وتارة يقوي ذلك بحسب إمداد الله تعالى عبده بالتأييد كما أن نور الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا لا ينحصر فلنسم هذه الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم في قمع الشهوات وقهرها باعثا دينيا ولنسم مطالبة الشهوات بمقتضياتها باعث الهوى وليفهم أن القتال قائم بين باعث الدين وباعث الهوى والحرب بينهما سجال ومعركة هذا القتال قلب العبد ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب الله تعالى ومدد باعث الشهوة من الشياطين الناصرين لأعداء الله تعالى فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة فإن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة فقد نصر حزب الله والتحق بالصابرين وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين فإن ترك الأفعال المشتهاة عمل يثمره حال يسمى الصبر وهو ثبات باعث الدين الذي هو في مقابلة باعث الشهوة وثبات باعث الدين حال تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات ومضاداتها لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة فإذا قوي يقينه أعني المعرفة التي تسمى إيمانا وهو اليقين بكون الشهوة عدوا قاطعا لطريق الله تعالى قوي ثبات باعث الدين وإذا قوي ثباته تمت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة فلا يتم ترك الشهوة إلا بقوة باعث الدين المضاد لباعث الشهوة وقوة المعرفة والإيمان تقبح مغبة الشهوات وسوء عاقبتها وهذان الملكان هما المتكفلان بهذين الجندين بإذن الله تعالى وتسخيره إياهما وهما من الكرام الكاتبين وهما الملكان الموكلان بكل شخص من الآدميين وإذا عرفت أن رتبة الملك الهادي أعلى من رتبة الملك المقوي لم يخف عليك أن جانب اليمين هو أشرف الجانبين من جنبتي الدست الذي ينبغي أن يكون مسلما له فهو إذن صاحب اليمين والآخر صاحب الشمال وللعبد طوران في الغفلة والفكر وفي الاسترسال والمجاهدة فهو بالغفلة معرض عن صاحب اليمين ومسيء إليه فيكتب أعراضه سيئة وبالفكر مقبل عليه ليستفيد منه الهداية فهو به محسن فيكتب إقباله له حسنة وكذا بالاسترسال هو معرض عن صاحب اليسار تارك للاستمداد منه فهو به مسيء إليه فيثبت عليه سيئة وبالمجاهدة مستمد من جنوده فيثبت له به حسنة وإنما ثبتت هذه الحسنات والسيئات بإثباتهما فلذلك سميا كراما كاتبين
سوالات
- توحید کیا ہے، اللہ کی وحدانیت پر مسلمانوں کا ایمان؟
- اسلام موت کے بعد کی زندگی کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- رمضان کے روزوں کے احکام کیا ہیں؟
- نبی محمد صلی اللہ علیہ وسلم نے اچھے اخلاق کے بارے میں کیا تعلیم دی؟
- قرآن صبر کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- قرآن زندگی کے مقصد کے بارے میں کیا کہتا ہے؟
- اخلاص کیا ہے اور یہ کیوں اہم ہے؟
- اسلام تزکیۂ قلب کو کیسے بیان کرتا ہے؟