Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

حصہ V04/P148–V04/P149

الشمال وهو أمير عليه ألق هذه السيئة حتى ألقى من حسناته واحدة تضعيف العشر وأرفع له تسع حسنات فتلقي عنه السيئة وروى أنس في حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه فقال أعرابي وإن تاب عنه قال محي عنه قال فإن عاد قال النبي صلى الله عليه وسلم يكتب عليه قال الأعرابي فإن تاب قال محي من صحيفته قال إلى متى قال إلى أن يستغفر ويتوب إلى الله عز وجل إن الله لا يمل من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار فإذا هم العبد بحسنة كتبها صاحب اليمين قبل أن يعملها فإن عملها كتبت عشر حسنات ثم يضاعفها الله سبحانه وتعالى إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بخطيئة لم تكتب عليه فإذا عملها كتبت خطيئة واحدة ووراءها حسن عفو الله عز وجل وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لا أصوم إلا الشهر لا أزيد عليه ولا أصلي إلا الخمس لا أزيد عليها وليس لله في مالي صدقة ولا حج ولا تطوع أين أنا إذا مت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نعم معي إذا حفظت قلبك من اثنتين الغل والحسد ولسانك من اثنتين الغيبة والكذب وعينيك من اثنتين النظر إلى ما حرم الله وأن تزدري بهما مسلما دخلت معي الجنة على راحتي هاتين وفي الحديث الطويل لأنس أن الأعرابي قال يا رسول الله من يلي حساب الخلق فقال الله تبارك وتعالى قال هو بنفسه قال نعم فتبسم الأعرابي فقال صلى الله عليه وسلم مم ضحكت يا أعرابي فقال إن الكريم إذا قدر عفا وإذا حاسب سامح فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق الأعربي ألا لا كريم أكرم من الله تعالى هو أكرم الأكرمين {ثم قال} فقه الأعرابي وفيه أيضا إن الله تعالى شرف الكعبة وعظمها ولو أن عبدا هدمها حجرا حجرا ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى قال الأعرابي ومن أولياء الله تعالى قال المؤمنون كلهم أولياء الله تعالى أما سمعت قول الله عز وجل {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} وفي بعض الأخبار المؤمن أفضل من الكعبة والمؤمن طيب طاهر والمؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة وفي الخبر خلق الله تعالى جهنم من فضل رحمته سوطا يسوق به عباده إلى الجنة وفي خبر آخر يقول الله عز وجل إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ولم أخلقهم لأربح عليهم وفي حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلق الله تعالى شيئا إلا جعل له ما يغلبه وجعل رحمته تغلب غضبه وفي الخبر المشهور إن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي تغلب غضبي وعن معاذ بن جبل وأنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله لم تسمه النار ومن لقي الله لا يشرك به شيئا حرمت عليه النار

حصہ V04/P149–V04/P151

ولا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان وفي خبر آخر لو علم الكافر سعة رحمة الله ما آيس من جنته أحد ولما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى إن زلزلة الساعة شيء عظيم {قال} أتدرون أي يوم هذا هذا يوم يقال لآدم عليه الصلاة والسلام قم فابعث بعث النار من ذريتك فيقول كم فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة قال فأبلس القوم وجعلوا يبكون وتعطلوا يومهم عن الاشتغال والعمل فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما لكم لا تعملون فقالوا ومن يشتغل بعمل بعد ما حدثتنا بهذا فقال كم أنتم في الأمم أين تأويل وثاريث ومنسك ويأجوج ومأجوج أمم لا يحصيها إلا الله تعالى إنما أنتم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود وكالرقمة في ذراع الدابة فانظر كيف كان الخوف يسوق الخلق بسياط الخوف ويقودهم بأزمة الرجاء إلى الله تعالى إذ ساقهم بسياط الخوف أولا فلما خرج ذلك بهم عن حد الاعتدال إلى إفراط اليأس داواهم بدواء الرجاء وردهم إلى الاعتدال والقصد والآخر لم يكن مناقضا للأول ولكن ذكر في الأول ما رآه سببا للشفاء واقتصر عليه فلما احتاجوا إلى المعالجة بالرجاء ذكر تمام الأمر فعلى الواعظ أن يقتدي بسيد الوعاظ فيتلطف في استعمال أخبار الخوف والرجاء بحسب الحاجة بعد ملاحظة العلل الباطنة وإن لم يراع ذلك كان ما يفسد بوعظه أكثر مما يصلح وفي الخبر لو لم تذنبوا لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم وفي لفظ آخر لذهب بكم وجاء بخلق يذنبون فيغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم وفي الخبر لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب قيل وما هو قال العجب وقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها وفي الخبر ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب أحد حتى إن إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه وفي الخبر إن لله تعالى مائة رحمة ادخر منها عنده تسعا وتسعين رحمة وأظهر منها في الدنيا رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق فتحن الوالدة على ولدها وتعطف البهيمة على ولدها فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى التسع والتسعين ثم بسطها على جميع خلقه وكل رحمة منها طباق السموات والأرض قال فلا يهلك على الله يومئذ إلا هالك وفي الخبر ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة ولا ينجيه من النار قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وقال عليه أفضل الصلاة والسلام اعملوا وابشروا واعلموا أن أحدا لن ينجيه عمله وقال صلى الله عليه وسلم إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أترونها للمطيعين المتقين بل هي للمتلوثين المخلطين وقال صلى الله عليه وسلم بعثت بالحنيفية السمحة السهلة وقال صلى الله عليه وسلم وعلى كل عبد مصطفى أحب أن يعلم أهل الكتابين أن في ديننا سماحة ويدل على معناه استجابة الله تعالى للمؤمنين في قولهم {ولا تحمل علينا إصرا} وقال تعالى {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} وروى محمد بن الحنفية عن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال لما نزل قوله تعالى {فاصفح الصفح الجميل} قال يا جبريل وما الصفح الجميل قال عليه السلام إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتبه فقال يا جبريل فالله تعالى أكرم من أن يعاتب من عفا عنه فبكى جبريل وبكى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الله تعالى إليهما ميكائيل عليه السلام وقال إن ربكما يقرئكما السلام ويقول كيف أعاتب من عفوت عنه هذا ما لا يشبه كرمي والأخبار الواردة في أسباب الرجاء أكثر من أن تحصى

حصہ V04/P151–V04/P152

وأما الآثار فقد قال علي كرم الله وجهه من أذنب ذنبا فستره الله عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة ومن أذنب ذنبا فعوقب عليه في الدنيا فالله تعالى أعدل من أن يثني عقوبته على عبده في الآخرة وقال الثوري ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبوي لأني اعلم أن الله تعالى أرحم بي منهما وقال بعض السلف المؤمن إذا عصى الله تعالى ستره عن أبصار الملائكة كيلا تراه فتشهد عليه وكتب محمد بن صعب إلى أسود بن سالم بخطه إن العبد إذا كان مسرفا فاعلى نفسه فرفع يديه يدعو ويقول يا رب حجبت الملائكة صوته وكذا الثانية والثالثة حتى إذا قال الرابعة يا ربي قاله الله تعالى حتى متى تحجبون عني صوت عبدي قد علم عبدي أنه ليس له رب يغفر له الذنوب غيري أشهدكم إني قد غفرت له وقال إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه خلا لي الطواف ليلة وكانت ليلة مطيرة مظلمة فوقفت في الملتزم عند الباب فقلت يا رب اعصمني حتى لا أعصيك أبدا فهتف بي هاتف من البيت يا إبراهيم أنت تسألني العصمة وكل عبادي المؤمنين يطلبون مني ذلك فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر وكان الحسن يقول لو لم يذنب المؤمن لكان يطير في ملكوت السماوات ولكن الله تعالى قمعه بالذنوب وقال الجنيد رحمه الله تعالى إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيئين بالمحسنين ولقي مالك بن دينار أبانا فقال له إلى كم تحدث الناس بالرخص فقال يا أبا يحيى إني لأرجو أن ترى من عفو الله يوم القيامة ما تخرق له كساءك هذا من الفرح وفي حديث ربعي بن حراش عن أخيه وكان من خيار التابعين وهو ممن تكلم بعد الموت قال لما مات أخي سجي بثوبه وألقيناه على نعشه فكشف الثوب عن وجهه واستوى قاعدا وقال إني لقيت ربي عز وجل فحياني بروح وريحان وربي غير غضبان وإني رأيت الأمر أيسر مما تظنون فلا تفتروا وإن محمدا صلى الله عليه وسلم ينتظرني وأصحابه حتى أرجع إليهم قال ثم طرح نفسه فكأنها كانت حصاة وقعت في طشت فحملناه ودفناه وفي الحديث أن رجلين من بني إسرائيل تواخيا في الله تعالى فكان أحدهما يسرف على نفسه وكان الآخر عابدا وكان يعظه ويزجره فكان يقول دعني وربي أبعثت علي رقيبا حتى رآه ذات يوم على كبيرة فغضب فقال لا يغفر الله لك قال فيقول الله تعالى يوم القيامة أيستطيع أحد أن يحظر رحمتي على عبادي اذهب أنت فقد غفرت لك ثم يقول للعابد وأنت فقد أوجبت لك النار قال فوالذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة أهلكت دنياه وآخرته وروي أيضا أن لصا كان يقطع الطريق في بني إسرائيل أربعين سنة فمر عليه عيسى عليه السلام وخلفه عابد من عباد بني إسرائيل من الحواريين فقال اللص في نفسه هذا نبي الله يمر وإلى جنبه جواريه لو نزلت فكنت معهما ثالثا قال فنزل فجعل يريد أن يدنو من الحواري ويزدري نفسه تعظيما للحواري ويقول في نفسه مثلي لا يمشي إلى جنب هذا العابد قال وأحس الحواري به فقال في نفسه هذا يمشي إلى جانبي فضم نفسه ومشى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام فمشى بجنبه فبقي اللص خلفه فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام قل لهما ليستأنفا العمل فقد أحبطت ما سلف من أعمالهما أما الحوارى فقد أحبطت حسناته لعجبه بنفسه وأما الآخر فقد أحبطت سيئاته بما ازدرى على نفسه فأخبرهما بذلك وضم اللص إليه في سياحته وجعله من حواريه وروى عن مسروق أن نبيا من الأنبياء كان ساجدا فوطىء عنقه بعض العصاة حتى ألزق الحصى بجبهته قال فرفع النبي عليه الصلاة والسلام رأسه مغضبا فقال اذهب فلن يغفر الله لك فأوحى الله تعالى إليه تتألى على في عبادي إني قد غفرت له

حصہ V04/P152–V04/P153

ويقرب من هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت على المشركين ويلعنهم في صلاته فنزل عليه قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء الآية فترك الدعاء عليهم وهدى الله تعالى عامة أولئك للإسلام وروى في الأثر أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة قال فإذا أدخلا الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه فيقول يا رب ما كان هذا في الدنيا بأكثر مني عبادة فرفعته علي في عليين فيقول الله سبحانه إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى وأنت كنت تسألني النجاة من النار فأعطيت كل عبد سؤله وهذا يدل على أن العبادة على الرجاء أفضل لأن المحبة أغلب على الراجي منها على الخائف فكم من فرقف في الملوك بين من يخدم اتقاء لعقابه وبين من يخدم إرتجاه لإنعامه وإكرامه ولذلك أمر الله تعالى بحسن الظن ولذلك قال صلى الله عليه وسلم سلوا الله الدرجات العلى فإنما تسألون كريما وقال إذا سألتم الله فأعظموا الرغبة واسألوا الفردوس الأعلى فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء وقال بكر بن سليم الصواف دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها فقلنا يا أبا عبد الله كيف تجدك قال لا أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون من عفو الله ما لم يكن لكم في حساب ثم ما برحنا حتى أغمضناه وقال يحيى بن معاذ في مناجاته يكاد رجائي لك من الذنوب يغلب رجائي إليك مع الأعمال لأني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أحرزها وأنا بالآفة معروف وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف وقيل إن مجوسيا استضاف إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فقال إن أسلمت أضفتك فمر المجوسي فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم لم تطعمه إلا بتغيير دينه ونحن من سبعين سنة نطعمه على كفره فلو أضفته ليلة ماذا كان عليك فمر إبراهيم يسعى خلف المجوسي فرده وأضافه فقال له المجوسي ما السبب فيما بدا لك فذكر له فقال له المجوسي أهكذا يعاملني ثم قال أعرض على الإسلام فأسلم ورأى الأستاذ أبو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاجي في المنام وكان يقول بوعيد الأبد فقال له كيف حالك فقال وجدنا الأمر أهون مما توهمنا ورأى بعضهم أبا سهل الصعلوكي في المنام على هيئة حسنة لا توصف فقال له يا أستاذ بما نلت هذا فقال بحسن ظني بربي وحكى أن أبا العباس بن سريج رحمه الله تعالى رأى في مرض موته في منامه كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه يقول أين العلماء قال فجاءوا ثم قال ماذا عملتم فيما علمتم قال فقلنا يا رب قصرنا وأسأنا قال فأعاد السؤال كأنه لم يرض بالجواب وأراد جوابا غيره فقلت أما أنا فليس في صحيفتي الشرك وقد وعدت أن تغفر ما دونه فقال اذهبوا به فقد غفرت لكم ومات بعد ذلك بثلاث ليال وقيل كان رجل شريب جمع قوما من ندمائه ودفع إلى غلامه أربعة دراهم وأمره أن يشتري شيئا من الفواكه للمجلس فمر الغلام بباب مجلس منصور بن عمار وهو يسأل لفقير شيئا ويقول من دفع إليه أربعة دراهم دعوت له أربع دعوات قال فدفع الغلام إليه الدراهم فقال منصور ما الذي تريد أن أدعو لك فقال لي سيد أريد أن أتخلص منه فدعا منصور وقال الأخرى

حصہ V04/P153–V04/P154

قال أن يخلف الله على دراهمي فدعا ثم قال الآخرى قال أن يتوب الله على سيدي فدعا ثم قال الأخرى فقال أن يغفر الله لي ولسيدي ولك وللقوم فدعا منصور فرجع الغلام فقال له سيده لم أبطأت فقص عليه القصة قال وبما دعا فقال سألت لنفسي العتق فقال له اذهب فانت حر قال وأيش الثاني قال أن يخلف الله على الدراهم قال لك أربعة آلاف درهم وايش الثالث قال أن يتوب الله عليك قال تبت إلى الله تعالى قال وأيش الرابع قال أن يغفر الله لي ولك وللقوم قال هذا الواحد ليس إلى فلما بات تلك الليلة رأى في المنام كأن قائلا يقول له أنت فعلت ما كان إليك أفترى أني لا أفعل ما إلى قد غفرت لك وللغلام ولمنصور بن عمار وللقوم الحاضرين أجمعين وروى عن عبد الوهاب بن عبد الحميد الثقفي قال رأيت ثلاثة من الرجال وإمرأة يحملون جنازة قال فأخذت مكان المرأة وذهبنا إلى المقبرة وصلينا عليها ودفنا الميت فقلت للمرأة من كان هذا الميت منك قالت ابني قلت ولم يكن لكم جيران قالت بلى ولكن صغروا أمره قلت وأيش كان هذا قالت مخنثا قال فرحمتها وذهبت بها إلى منزلي وأعطيتها دراهم وحنطة وثيابا قال فرأيت تلك الليلة كأنه أتاني آت كأنه القمر ليلة البدر وعليه ثياب بيض فجعل يتشكرني فقلت من أنت فقال المخنث الذي دفنتموني اليوم رحمني ربي بإحتقار الناس إياي وقال إبراهيم الأطروش كنا قعودا ببغداد مع معروف الكرخي على دجلة إذ مر أحداث في زورق يضربون بالدف ويشربون ويلعبون فقالوا لمعروف أما تراهم يعصون الله مجاهرين ادع الله عليهم فرفع يديه وقال إلهى كما فرحتم في الدنيا ففرحهم في الآخرة فقال القوم إنما سألناك أن تدعو عليهم فقال إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم وكان بعض السلف يقول في دعائه يا رب وأي أهل دهر لم يعصوك ثم كانت نعمتك عليهم سابغة ورزقك عليهم دارا سبحانك ما أحلمك وعزتك إنك لتعصى ثم تسبغ النعمة وتدر الرزق حتى كأنك يا ربنا لا تغضب فهذه هي الأسباب التي بها يجلب روح الرجاء إلى قلوب الخائفين والآيسين فأما الحمقى المغرورون فلا ينبغي أن يسمعوا شيئا من ذلك بل يسمعون ما سنورده في أسباب الخوف فإن أكثر الناس لا يصلح إلى على الخوف كالعبد السوء والصبى العرم لا يستقيم إلا بالسوط والعصا وإظهار الخشونة في الكلام وأما ضد ذلك فيسد عليهم باب الصلاح في الدين والدنيا الشطر الثاني من الكتاب في الخوف وفيه بيان حقيقة الخوف وبيان درجاته وبيان أقسام المخاوف وبيان فضيلة الخوف وبيان الأفضل من الخرف والرجاء وبيان دواء الخوف وبيان معنى سوء الخاتمة وبيان أحوال الخائفين من الأنبياء صلوات الله عليهم والصالحين رحمة الله عليهم ونسأل الله حسن التوفيق بيان حقيقة الخوف اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الإستقبال وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرجاء ومن أنس بالله وملك الحق قلبه وصار ابن وقته مشاهدا لجمال الحق على الدوام لم يبق له التفات إلى المستقبل فلم يكن له خوف ولا رجاء بل صار حاله أعلى من الخوف والرجاء فإنهما زمانان يمنعان النفس عن الخروج إلى رعوناتها وإلى هذا أشار الواسطي حيث قال الخوف حجاب بين الله تعالى وبين العبد وقال أيضا إذا ظهر الحق على السرائر لا يبقى فيها فضلة لرجاء ولا لخوف وبالجملة فالمحب إذا شغل قلبه في مشاهدة المحبوب بخوف الفراق كان ذلك نقصا في الشهود وإنما دوام الشهود غاية المقامات ولكنا الآن إنما نتكلم في أوائل المقامات فنقول حال الخوف ينتظم أيضا من علم وحال وعمل

حصہ V04/P154–V04/P156

أما العلم فهو العلم بالسبب المفضى إلى المكروه وذلك كمن جنى على ملك ثم وقع في يده فيخاف القتل مثلا ويجوز العفو والإفلات ولكن يكون تألم قلبه بالخوف بحسب قوة عليه بالأسباب المفضية إلى قتله وهو تفاحش جنايته وكون الملك في نفسه حقودا غضوبا منتقما وكونه محفوفا بمن يحثه على الإنتقام خاليا عمن يتشفع إليهم في حقه وكان هذا الخائف عاطلا عن كل وسيلة وحسنة تمحو أثر جنايته عند الملك فالعلم بتظاهر هذه الأسباب سبب لقوة الخوف وشدة تألم القلب وبحسب ضعف هذه الأسباب يضعف الخوف وقد يكون الخوف لا عن سبب جناية قارفها الخائف بل عن صفة المخوف كالذي وقع في مخالب سبع فإنه يخاف السبع لصفة ذات السبع وهي حرصه وسطوته على الإفتراس غالبا وإن كان إفتراسه بالإختيار وقد يكون من صفة جبلية للمخوف منه كخوف من وقع في مجرى سيل أو جوار حريق فإن الماء يخاف لأنه بطبعه مجبول على السيلان والإعراق وكذا النار على الإحراق فالعلم بأسباب المكروه هو السبب الباعث المثير لإحراق القلب وتألمه وذلك الإحراق هو الخوف فكذلك الخوف من الله تعالى تارة يكون لمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي وتارة يكون بهما جميعا وبحسب معرفته بعيوب نفسه ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه وأنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فتكون قوة خوفه فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أنا أخوفكم لله وكذلك قال الله تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ثم إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارج وعلى الصفات أما في البدن فبالنحول والصفار والغشية والزعقة والبكاء وقد تنشق به المرارة فيفضى إلى الموت أو يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل أو يقوى فيورث القنوط واليأس وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط وإستعدادا للمستقبل ولذلك قيل ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه وقال أبو القاسم الحكيم من خاف شيئا هرب منه ومن خاف الله هرب إليه وقيل لذي النون متى يكون العبد خائفا قال إذا نزل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمى مخافة طول السقام وأما في الصفات فبأن يقمع الشهوات ويكدر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سما فتحترق الشهوات بالخوف وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب الذبول والخشوع والذلة والإستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد بل يصير مستوعب الهم بخوفه والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنة بالأنفاس واللحظات مؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكلمات ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدري أنه يغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلك فيكون ظاهره وباطنه مشغولا بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه وهكذا كان حال جماعة من الصحابة والتابعين وقوة المراقبة والمحاسبة والمجاهدة بحسب قوة الخوف الذي هو تألم القلب وإحتراقه وقوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله وصفاته وأفعاله وبعيوب النفس وما بين يديها من الأخطار والأهوال وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال أن يمنع عن المحظورات ويسمى الكف الحاصل عن المحظورات ورعا فإن زادت قوته كف عما يتطرق إليه إمكان التحريم فيكف أيضا عما لا يتيقن تحريمه ويسمى ذلك تقوى إذ التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وقد يحمله على أن يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس وهو الصدق في التقوى فإذا انضم إليه التجرد للخدمة فصار لا يبنى مالا يسكنه ولا يجمع ما لا يأكله ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه ولا يصرف إلى غير الله تعالى نفسا من أنفاسه فهو الصدق وصاحبه جدير بأن يسمى صديقا ويدخل في الصدق التقوى ويدخل في التقوى الورع ويدخل في الورع العفة فإنها عبارة عن الإمتناع عن مقتضى الشهوات خاصة فإذن الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والإقدام ويتجدد له بسبب الكف اسم العفة وهو كف عن مقتضى الشهوة وأعلى منه الورع فإنه أعم لأنه كف عن كل محظور وأعلى منه التقوى فإنه اسم للكف عن المحظور والشبهة جميعا ووراءه اسم الصديق والمقرب وتجرى الرتبة الآخرة مما قبلها مجرى الأخص من الأعم فإذا ذكرت الأخص فقد ذكرت الكل كما أنك تقول الإنسان إما عربي وإما عجمي والعربي إما قرشي أو غيره والقرشي إما هاشمي أو غيره والهاشمي إما علوي أو غيره والعلوي إما حسنى أو حسيني فإذا ذكرت أنه حسنى مثلا فقد وصفته بالجميع وإن وصفته بأنه علوي وصفته بما هو فوقه مما هو أعم منه فكذلك إذا قلت صديق فقد قلت إنه تقي وورع وعفيف فلا ينبغي أن تظن أن كثرة هذه الأسامي تدل على معان كثيرة متباينة فيختلط عليك كما اختلط

حصہ V04/P156–V04/P157

على من طلب المعاني من الألفاظ ولم يتبع الألفاظ المعاني فهذه إشارة إلى مجامع معاني الخوف وما يكتنفه من جانب العلو كالمعرفة الموجبة له ومن جانب السفل كالأعمال الصادرة منه كفا وإقداما بيان درجات الخوف وإختلافه في القوة والضعف اعلم أن الخوف محمود وربما يظن أن كل ما هو خوف محمود فكل ما كان أقوى وأكثر كان أحمد وهو غلط بل الخوف سوط الله يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى والأصلح للبهيمة أن لا تخلو عن سوط وكذا الصبي ولكن ذلك لا يدل على أن المبالغة في الضرب محمودة وكذلك الخوف له قصور وله إفراط وله إعتدال والمحمود هو الإعتدال والوسط فأما القاصر منه فهو الذي يجرى مجرى رقة النساء يخطر بالبال عند سماع آية من القرآن فيورث البكاء وتفيض الدموع وكذلك عند مشاهدة سبب هائل فإذا غاب ذلك السبب عن الحس ورجع القلب إلى الغفلة فهذا خوف قاصر قليل الجدوى ضعيف النفع وهو كالقضيب الضعيف الذي تضرب به دابة قوية لا يؤلمها ألما مبرحا فلا يسوقها إلى المقصد ولا يصلح لرياضتها وهكذا خوف الناس كلهم إلا العارفين والعلماء ولست أعني بالعلماء المترسمين برسوم العلماء والمتسمين بأسمائهم فإنهم أبعد الناس عن الخوف بل أعني العلماء بالله وبأيامه وأفعاله وذلك مما قد عز وجوده الآن ولذلك قال الفضيل بن عياض إذا قيل لك هل تخاف الله فاسكت فإنك إن قلت لا كفرت وإن قلت نعم كذبت وأشار به إلى أن الخوف هو الذي يكف الجوارح عن المعاصي ويقيدها بالطاعات وما لم يؤثر في الجوارح فهو حديث نفس وحركة خاطر لا يستحق أن يسمى خوفا وأما المفرط فإنه الذي يقوى ويجاوز حد الإعتدال حتى يخرج إلى اليأس والقنوط وهو مذموم أيضا لأنه يمنع من العمل وقد يخرج الخوف أيضا إلى المرض والضعف وإلى الوله والدهشة وزوال العقل فالمراد من الخوف ما هو المراد من السوط وهو الحمل على العمل ولولاه لما كان الخوف كما لا لأنه بالحقيقة نقصان لأن منشأه الجهل والعجز أما الجهل فإنه ليس يدري عاقبة أمره ولو عرف لم يكن خائفا لأن المخوف هو الذي يتردد فيه وأما العجز فهو أنه متعرض لمحذور لا يقدر على دفعه فإذن هو محمود بالإضافة إلى نقص الآدمي وإنما المحمود في نفسه وذاته هو العلم والقدرة وكل ما يجوز أن يوصف الله تعالى به وما لا يجوز وصف الله تعالى به فليس بكمال في ذاته وإنما يصير محمودا بالإضافة إلى نقص هو أعظم منه كما يكون إحتمال ألم الدواء محمودا لأنه أهون من ألم المرض والموت فما يخرج إلى القنوط فهو مذموم وقد يخرج الخوف أيضا إلى المرض والضعف وإلى الوله والدهشة وزوال العقل وقد يخرج إلى الموت وكل ذلك مذموم وهو كالضرب الذي يقتل الصبي والسوط الذي يهلك الدابة أو يمرضها أو يكسر عضوا من أعضائها وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسباب الرجاء وأكثر منها ليعالج به صدمة الخوف المفرط المفضى إلى القنوط أو أحد هذه الأمور فكل ما يراد لأمر فالمحمود منه ما يفضى إلى المراد المقصود منه وما يقصر عنه أو يجاوزه فهو مذموم وفائدة الخوف الحذر والورع والتقوى والمجاهدة والعبادة والفكر والذكر وسائر الأسباب الموصلة إلى الله تعالى وكل ذلك يستدعى الحياة مع صحة البدن وسلامة العقل فكل ما يقدح في هذه الأسباب فهو مذموم فإن قلت من خاف فمات من خوفه فهو شهيد فكيف يكون حاله مذموما فاعلم أن معنى كونه شهيدا أن له رتبة بسبب موته من الخوف كان لا ينالها لو مات في ذلك الوقت لا بسبب الخوف فهو بالإضافة إليه فضيلة فأما بالإضافة إلى تقدير بقائه وطول عمره في طاعة الله وسلوك سبله فليس بفضيلة بل للسالك إلى الله تعالى بطريق

حصہ V04/P157–V04/P158

الفكر والمجاهدة والترقي في درجات المعارف في كل لحظة رتبة شهيد وشهداء ولولا هذا لكانت رتبة صبي يقتل أو مجنون يفترسه سبع أعلى من رتبة نبي أو ولي يموت حتف أنفه وهو محال فلا ينبغي أن يظن هذا بل أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله تعالى فكل ما أبطل العمر أو العقل أو الصحة التي يتعطل العمر بتعطيلها فهو خسران ونقصان بالإضافة إلى أمور وإن كان بعض أقسامها فضيلة بالإضافة إلى أمور أخر كما كانت الشهادة فضيلة بالإضافة إلى ما دونها لا بالإضافة إلى درجة المتقين والصديقين فإذن الخوف إن لم يؤثر في العمل فوجوده كعدمه مثل السوط الذي لا يزيد في حركة الدابة وإن أثر فله درجات بحسب ظهور أثره فإن لم يحمل إلا على العفة وهي الكف عن مقتضى الشهوات فله درجة فإذا أثمر الورع فهو أعلى وأقصى درجاته أن يثمر درجات الصديقين وهو أن يسلب الظاهر والباطن عما سوى الله تعالى حتى لا يبقى لغير الله تعالى فيه متسع فهذا أقصى ما يحمد منه وذلك مع بقاء الصحة والعقل فإن جاوز هذا إلى إزالة العقل والصحة فهو مرض يجب علاجه إن قدر عليه ولو كان محمودا لما وجب علاجه بأسباب الرجاء وبغيره حتى يزول ولذلك كان سهل رحمه الله يقول للمريدين الملازمين للجوع أياما كثيرة احفظوا عقولكم فإنه لم يكن لله تعالى ولي ناقص العقل بيان أقسام الخوف بالإضافة إلى ما يخاف منه اعلم أن الخوف لا يتحقق إلا بإنتظار مكروه والمكروه أما أن يكون مكروها في ذاته كالنار وإما أن يكون مكروها لأنه يفضى إلى المكروه كما تكره المعاصي لأدائها إلى مكروه في الآخرة وكما يكره المريض الفواكه المضرة لأدائها إلى الموت فلا بد لكل خائف من أن يتمثل في نفسه مكروها من أحد القسمين ويقوى إنتظاره في قلبه حتى يحرق قلبه بسبب استشعاره ذلك المكروه ومقام الخائفين يختلف فيما يغلب على قلوبهم من المكروهات المحذورة فالذين يغلب على قلوبهم ما ليس مكروها لذاته بل لغيره كالذين يغلب عليهم خوف الموت قبل التوبة أو خوف نقض التوبة ونكث العهد أو خوف ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله تعالى أو خوف زوال رقة القلب وتبدلها بالقساوة أو خوف الميل عن الإستقامة أو خوف إستيلاء العادة في اتباع الشهوات المألوفة أو خوف أن يكله الله تعالى إلى حسناته التي أتكل عليها وتعزز بها في عباد الله أو خوف البطر بكثرة نعم الله عليه أو خوف الإشتغال عن الله بغير الله أو خوف الإستدراج بتواتبر النعم أو خوف إنكشاف غوائل طاعاته حيث يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب أو خوف تبعات الناس عنده في الغيبة والخيانة والغش وإضمار السوء أو خوف ما لا يدرى أنه يحدث في بقية عمره أو خوف تعجيل العقوبة في الدنيا والإفتضاح قبل الموت أو خوف الإغترار بزخارف الدنيا أو خوف إطلاع الله على سريرته في حال غفلته عنه أو خوف الختم له عند الموت بخاتمة السوء أو خوف السابقة التي سبقت له في الأزل فهذه كلها مخاوف ولكل واحد خصوص فائدة وهو سلوك سبيل الحذر عما يفضى إلى المخوف فمن يخاف استيلاء العادة عليه فيواظب على الفطام عن العادة والذي يخاف من اطلاع الله تعالى على سريرته يشتغل بتطهير قلبه عن الوساوس وهكذا إلى بقية الأقسام وأغلب هذه المخاوف على اليقين خوف الخاتمة فإن الأمر فيه مخطر وأعلى الأقسام وأدلها على كمال المعرفة خوف السابقة لأن الخاتمة تتبع السابقة وفرع يتفرع عنها بعد تخلل أسباب كثيرة فالخاتمة تظهر ما سبق به القضاء في أم الكتاب والخائف من الخاتمة بالإضافة إلى الخائف من السابقة كرجلين وقع الملك في حقهما بتوقيع يحتمل أن يكون فيه حز الرقبة ويحتمل أن يكون في تسليم الوزارة إليه ولم يصل التوقيع إليهما بعد فيرتبط قلب أحدهما بحالة وصول التوقيع ونشره وأنه

حصہ V04/P158–V04/P159

عماذا يظهر ويرتبط قلب الآخر بحالة توقيع الملك وكيفيته وأنه ما الذي خطر له في حال التوقيع من رحمة أوغضب وهذا التفات إلى السبب فهو أعلى من الالتفات إلى ما هو فرع فكذلك الإلتفات إلى القضاء الأزلي الذي جرى بتوقيعه القلم أعلى من الالتفات إلى ما يظهر في الأبد وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان على المنبر فقبض كفيه اليمنى ثم قال هذا كتاب الله كتب فيه أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يزاد فيهم ولا ينقص ثم قبض كفه اليسرى وقال هذا كتاب الله كتب فيه أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يزاد فيهم ولا ينقص وليعملن أهل السعادة بعمل أهل الشقاوة حتى يقال كأنهم مونهم بل هم هم ثم يستنقذهم الله قبل الموت ولو بفواق ناقة وليعملن أهل الشقاوة بعمل أهل السعادة حتى يقال كأنهم منهم بل هم هم ثم يستخرجهم الله قبل الموت ولو بفواق ناقة السعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله والأعمال بالخواتيم وهذا كانقسام الخائفين إلى من يخاف معصيته وجنايته وإلى من يخاف الله تعالى نفسه لصفته وجلاله وأوصافه التي تقتضي الهيبة لا محالة فهذا أعلى رتبة ولذلك يبقى خوفه وإن كان في طاعة الصديقين وأما الآخر فهو في عرضة الغرور والأمن إن واظب على الطاعات فالخوف من المعصية خوف الصالحين والخوف من الله خوف الموحدين والصديقين وهو ثمرة المعرفة بالله تعالى وكل من عرفه وعرف صفاته علم من صفاته ما هو جدير بأن يخاف من غير جناية بل العاصي لو عرف الله حق المعرفة لخاف الله ولم يخف معصيته ولولا أنه مخوف في نفسه لما سخره للمعصية ويسر له سبيلها ومهد له أسبابها فإن تيسير أسباب المعصية إبعاد ولم يسبق منه قبل المعصية معصية استحق بها أن يسخر للمعصية وتجري عليه أسبابها ولا سبق قبل الطاعة وسيلة توسل بها من يسرت له الطاعات ومهد له سبيل القربات فالعاصي قد قضي عليه بالمعصية شاء أم أبى وكذا المطيع فالذي يرفع محمد صلى الله عليه وسلم إلى أعلى عليين من غير وسيلة سبقت منه قبل وجوده ويضع أبا جهل في أسفل سافلين من غير جناية سبقت منه قبل وجوده جدير بأن يخاف منه لصفة جلاله فإن من أطاع الله أطاع بأن سلط عليه إرادة الطاعة وآتاه القدر وبعد خلق الإرادة الجازمة والقدرة التامة يصير الفعل ضروريا والذي عصى عصى لأنه سلط عليه إرادة قوية جازمة وآتاه الأسباب والقدرة فكان الفعل بعد الإرادة والقدرة ضروريا فليت شعري ما الذي أوجب إكرام هذا وتخصيصه بتسليط إرادة الطاعات عليه وما الذي أوجب إهانة الآخر وإبعاده بتسليط دواعي المعصية عليه وكيف يحال ذلك على العبد وإذا كانت الحوالة ترجع إلى القضاء الأزلي من غير جناية ولا وسيلة فالخوف ممن يقضي بما يشاء ويحكم بما يريد حزم عند كل عاقل ووراء هذا المعنى سر القدر لا يجوز إفشاؤه ولا يمكن أن تفهم الخوف منه في صفاته جل جلاله إلا بمثال لولا إذن الشرع لم يستجرىء على ذكره ذو بصيرة فقد جاء في الخبر إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري فهذا المثال يفهمك حاصل المعنى وإن كان لا يقف بك على سببه فإن الوقوف على سببه وقوف على سر القدر ولا يكشف ذلك إلا لأهله والحاصل أن السبع يخاف لا لجناية سبقت إليه منك بل لصفته وبطشه وسطوته وكبره وهيبته ولأنه يفعل ما يفعل ولا يبالي فإن قتلك لم يرق قلبه ولا يتألم بقتلك وإن خلاك لم يخلك شفقة عليك وإبقاء على روحك بل أنت عنده أخس من أن يلتفت إليك حيا كنت أو ميتا بل إهلاك ألف مثلك وإهلاك نملة عنده على وتيرة واحدة إذ لا يقدح

حصہ V04/P159–V04/P160

ذلك في عالم سبعيته وما هو موصوف به من قدرته وسطوته ولله المثل الأعلى ولكن من عرفه عرف بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى وأوثق وأجلى من المشاهدة الظاهرة أنه صادق في قوله هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ويكفيك من موجبات الهيبة والخوف المعرفة بالاستغناء وعدم المبالاة الطبقة الثانية من الخائفين أن يتمثل في أنفسهم ما هو المكروه وذلك مثل سكرات الموت وشدته أو سؤال منكر ونكير أو عذاب القبر أو هول المطلع أو هيبة الموقف بين يدي الله تعالى والحياء من كشف الستر والسؤال عن النقير والقطمير أو الخوف من الصراط وحدته وكيفية العبور عليه أو الخوف من النار وأغلالها وأهوالها أو الخوف من الحرمان عن الجنة دار النعيم والملك المقيم وعن نقصان الدرجات أو الخوف من الحجاب عن الله تعالى وكل هذه الأسباب مكروهة في نفسها فهي لا محالة مخوفة تختلف أحوال الخائفين فيها وأعلاها رتبة هو خوف الفراق والحجاب عن الله تعالى وهو خوف العارفين وما قبل ذلك هو خوف العاملين والصالحين والزاهدين وكافة العالمين ومن لم تكمل معرفته ولم تنفتح بصيرته لم يشعر بلذة الوصال ولا بألم البعد والفراق وإذا ذكر له أن العارف لا يخاف النار وإنما يخاف الحجاب وجد ذلك في باطنه منكرا وتعجب منه في نفسه وربما أنكر لذة النظر إلى وجه الله الكريم لولا منع الشرع إياه من إنكاره فيكون اعترافه به باللسان عن ضرورة التقليد وإلا فباطنه لا يصدق به لأنه لا يعرف إلا لذة البطن والفرج والعين بالنظر إلى الألوان والوجوه الحسان وبالجملة كل لذة تشاركه فيها البهائم فأما لذة العارفين فلا يدركها غيرهم وتفصيل ذلك وشرحه حرام مع من ليس أهلا له ومن كان أهلا له استبصر بنفسه واستغنى عن أن يشرحه له غيره فإلى هذه الأقسام يرجع خوف الخائفين نسأل الله تعالى حسن التوفيق بكرمه بيان فضيلة الخوف والترغيب فيه اعلم أن فضل الخوف تارة يعرف بالتأمل والاعتبار وتارة بالآيات والأخبار أما الاعتبار فسبيله أن فضيلة الشيء بقدر غنائه في الإفضاء إلى سعادة لقاء الله تعالى في الآخرة إذ لا مقصود سوى السعادة ولا سعادة للعبد إلا في لقاء مولاه والقرب منه فكل ما أعان عليه فله فضيلة وفضيلته بقدر غايته وقد ظهر أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلا بتحصيل محبته والأنس به في الدنيا ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة ولاتحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام الذكر ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلا بانقطاع حب الدنيا من القلب ولا ينقطع ذلك إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات ولا تنقعمع الشهوة بشىء كما تقمع بنار الخوف فالخوف هو النار المحرقة للشهوات فإن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات وبقدر ما يكف عن المعاصي ويحث على الطاعات ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف كما سبق وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفة والورع والتقوى والمجاهدة وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرب إلى الله زلفى وأما بطريق الاقتباس من الآيات والأخبار فما ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر وناهيك دلالة على فضيلته جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرحمة والعلم والرضوان وهي مجامع مقامات أهل الجنان وقال الله تعالى وهدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون وقال تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وصفهم بالعلم لخشيتهم وقال عز وجل {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} وكل ما دل على فضيلة العلم دل على فضيلة الخوف لأن الخوف ثمرة العلم ولذلك جاء في خبر موسى عليه أفضل الصلاة والسلام وأما الخائفون فإن لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه فانظر كيف أفردهم بمرافقة الرفيق الأعلى وذلك لأنهم العلماء والعلماء لهم رتبة مرافقة الأنبياء لأنهم ورثة الأنبياء ومرافقة الرفيق الأعلى للأنبياء ومن يلحق بهم ولذلك لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته بين البقاء في الدنيا وبين القدوم على الله تعالى كان يقول أسألك الرفيق الأعلى

حصہ V04/P160–V04/P161

فإذن إن نظر إلى مثمره فهو العلم وإن نظر إلى ثمرته فالورع والتقوى ولا يخفى ما ورد في فضائلهما حتى إن العاقب صارت موسومة بالتقوى مخصوصة بها كما صار الحمد مخصوصا بالله تعالى والصلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقال الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله أجمعين وقد خصص الله تعالى التقوى بالإضافة إلى نفسه فقال تعالى {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} وإنما التقوى عبارة عن كف بمقتضى الخوف كما سبق ولذلك قال تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ولذلك أوصى الله تعالى الأولين والآخرين بالتقوى فقال تعالى {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} وقال عز وجل {وخافون إن كنتم مؤمنين} فأمر بالخوف وأوجبه وشرطه في الإيمان فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف وإن ضعف ويكون ضعف خوفه بحسب ضعف معرفته وإيمانه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضيلة التقوى وإذا جمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم فإذا هم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم فيقول يا أيها الناس إني قد أنصت لكم مند خلقتكم إلى يومكم هذا فانصتوا إلي اليوم إنما هي أعمالكم ترد عليكم أيها الناس إني قد جعلت نسبا وجعلتم نسبا فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم قلت إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان وفلان أغنى من فلان فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي أين المتقون فيرفع للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلون الجنة بغير حساب حديث رأس الحكمة مخافة الله رواه أبو بكر بن لال الفقيه في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب وضعفه من حديث ابن مسعود ورواه في دلائل النبوة من حديث عقبة بن عامر ولا يصح أيضا وقال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود إن أردت أن تلقاني فأكثر من الخوف بعدي // حديث إن أردت أن تلقاني فأكثر من الخوف بعدي قاله لابن مسعود لم أقف له على أصل وقال الفضيل من خاف الله دله الخوف على كل خير وقال الشبلي رحمه الله ما خفت الله يوما إلا رأيت له بابا من الحكمة والعبرة ما رأيته قط وقال يحيى بن معاذ ما من مؤمن يعمل السيئة إلا ويلحقها حسنتان خوف العقاب ورجاء العفو كثعلب بين أسدين وفي خبر موسى عليه الصلاة والسلام وأما الورعون فإنه لا يبقى أحد إلا ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعين فإني أستحي منهم وأجلهم أن أوقفهم للحساب والورع والتقوى أسام اشتقت من معان شرطها الخوف فإن خلت عن الخوف لم تسم بهذه الأسامي وكذلك ما ورد في فضائل الذكر لا يخفى وقد جعله الله تعالى مخصوصا بالخائفين فقال {سيذكر من يخشى} وقال تعالى {ولمن خاف مقام ربه جنتان} وقال صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإن خافتي في الدنيا أمنته يوم القيامة حديث من خاف الله خافه كل شيء الحديث رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب من حديث أبي أمامة بسند ضعيف جدا ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين بإسناد ضعيف معضل وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم أتمكم عقلا أشدكم خوفا لله تعالى وأحسنكم فيما أمر الله تعالى به ونهى عنه نظرا وقال يحيى بن معاذ رحمة الله عليه مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة وقال ذو النون رحمه الله تعالى من خاف الله تعالى ذاب قلبه واشتد حبه وصح له لبه وقال ذو النون أيضا ينبغي أن يكون الخوف أبلغ من الرجاء فإذا غلب الرجاء تشوش القلب وكان أبو الحسين الضرير يقول علامة السعادة خوف الشقاوة لأن الخوف زمام بين الله تعالى وبين عبده فإذا انقطع زمامه هلك مع الهالكين وقيل ليحيى بن معاذ من آمن الخلق غدا فقال أشدهم خوفا اليوم

حصہ V04/P161–V04/P162

وقال سهل رحمه الله لا تجد الخوف حتى تأكل الحلال وقيل للحسن يا أبا سعيد كيف نصنع نجالس أقواما يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير فقال والله إنك إن تخالط أقواما يخوفونك حتى يدركك أمن خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك الخوف وقال أبو سليمان الداراني رحمة الله ما فارق الخوف قلبا إلا خرب وقالت عائشة رضي الله عنها قلت يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الرجل يسرق ويزني قال لا بل الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه // حديث عائشة قلت يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الرجل يسرق ويزني قال لا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد قلت بل منقطع بين عائشة وبين عبد الرحمن بن سعد بن وهب قال الترمذي وروي عن الرحمن بن حازم عن أبي هريرة والتشديدات الواردة في الأمن من مكر الله وعذابه لا تنحصر وكل ذلك ثناء على الخوف لأن مذمة الشيء ثناء على ضده الذي ينفيه وضد الخوف الأمن كما أن ضد الرجاء اليأس وكما دلت مذمة القنوط على فضيلة الرجاء فكذلك تدل مذمة الأمن على فضيلة الخوف المضاد له بل نقول كل ما ورد في فضل الرجاء فهو دليل على فضل الخوف لأنهما متلازمان فإن كل من رجا محبوبا فلابد وأن يخاف فوته فإن كان لا يخاف فوته فهو إذا لا يحبه فلا يكون بانتظاره راجيا فالخوف والرجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر نعم يجوز أن يغلب أحدهما على الآخر وهما مجتمعان ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر في الحال لغفلته عنه وهذا لأن من شرط الرجاء الخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف فإذن المحبوب الذي يجوز وجوده يجوز عدمه لا محالة فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء وتقدير عدمه يوجع القلب وهو الخوف والتقدير أن يتقابلان لا محالة إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكا فيه نعم أحد طرفي الشك قد يترجح على الآخر بحضور بعض الأسباب ويسمى ذلك ظنا فيكون ذلك سبب غلبة أحدهما على الآخر فإذا غلب على الظن وجود المحبوب قوي الرجاء وخفي الخوف بالإضافة إليه وكذا بالعكس وعلى كل حال فهما متلازمان ولذلك قال تعالى {ويدعوننا رغبا ورهبا} وقال عز وجل {يدعون ربهم خوفا وطمعا} ولذلك عبر العرب عن الخوف بالرجاء فقال تعالى {ما لكم لا ترجون لله وقارا} أي لا تخافون وكثيرا ما ورد في القرآن الرجاء بمعنى الخوف وذلك لتلازمهما إذ عادة العرب التعبير عن الشيء بما يلازمه بل أقول كل ما ورد في فضل البكاء من خشية الله فهو إظهار لفضيلة الخشية فإن البكاء ثمرة الخشية فقد قال تعالى {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} وقال تعالى {يبكون ويزيدهم خشوعا} وقال عز وجل {أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون} وقال صلى الله عليه وسلم ما من عبد مؤمن تخرج من عينيه دمعة وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية الله تعالى ثم تصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار حديث إذا اقشعر جلد المؤمن من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه الحديث أخرجه الطبراني والبيهقي فيه من حديث العباس بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم لا يلج النار أحد بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع حديث قال عقبة بن عامر ما النجاة يا رسول الله قال أمسك عليك لسانك الحديث تقدم وقالت عائشة رضي الله عنها قلت يا رسول الله أيدخل أحد من أمتك الجنة بغير حساب قال نعم من ذكر ذنوبه فبكى حديث ما من قطرة أحب إلى الله من قطرة دمعة من خشية الله الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة وقال حسن غريب وقد تقدم

حصہ V04/P162–V04/P163

وقال صلى الله عليه وسلم اللهم ارزقني عينين هطالتين تشفيان القلب بذروف الدمع مع خشيتك قبل أن تصير الدموع دما والأضراس جمرا حديث سبعة يظلهم الله في ظله الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه من استطاع أن يبكي فليبك ومن لم يستطع فليتباك وكان محمد بن المنكدر رحمه الله إذا بكى مسح وجهه ولحيته بدموعه ويقول بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسته الدموع وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى حتى ينكسر صلبه وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله ما تغرغرت عين بمائها إلا لم يرهق وجه صاحبها قتر ولا ذلة يوم القيامة فإن سالت دموعه أطفأ الله بأول قطرة منها بحارا من النيران ولو أن رجلا بكى في أمة ما عذبت تلك الأمة وقال أبو سليمان البكاء من الخوف والرجاء والطرب من الشوق وقال كعب الأحبار رضي الله عنه والذي نفسي بيده لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إلي من أن أتصدق بجبل من ذهب وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار وروي عن حنظلة قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا موعظة رقت لها القلوب وذرفت منها العيون وعرفنا أنفسنا فرجعت إلى أهلي فدنت مني المرأة وجرى بيننا من حديث الدنيا فنسيت ما كنا عليه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذنا في الدنيا ثم تذكرت ما كنا فيه فقلت في نفسي قد نافقت حيث تحول عني ما كنت فيه من الخوف والرقة فخرجت وجعلت أنادي نافق حنظلة فاستقبلني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال كلا لم ينافق حنظلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول نافق حنظلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا لم ينافق حنظلة فقلت يا رسول الله كنا عندك فوعظتنا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون وعرفنا أنفسنا فرجعت إلى أهلي فأخذنا في حديث الدنيا ونسيت ما كنا عندك عليه فقال صلى الله عليه وسلم يا حنظلة لو أنكم كنتم أبدا على تلك الحالة لصافحتكم الملائكة في الطريق وعلى فراشكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة // حديث حنظلة كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا الحديث وفيه نافق حنظلة الحديث وفيه ولكن يا حنظلة ساعة وساعة أخرجه مسلم مختصرا فإذن كل ما ورد في فضل الرجاء والبكاء وفضل التقوى والورع وفضل العلم ومذمة الأمن فهو دلالة على فضل الخوف لأن جملة ذلك متعلقة به إما تعلق السبب أو تعلق المسبب بيان أن الأفضل هو غلبة الخوف أو غلبة الرجاء أو اعتدالهما اعلم أن الأخبار في فضل الخوف والرجاء قد كثرت وربما ينظر الناظر إليها فيعتريه شك في أن الأفضل أيهما وقول القائل

حصہ V04/P163–V04/P164

الخوف أفضل أم الرجاء سؤال فاسد يضاهي قول القائل الخبز أفضل أم الماء وجوابه أن يقال الخبز أفضل للجائع والماء أفضل للعطشان فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل وإن كان العطش أغلب فالماء أفضل وإن استويا فهما متساويان وهذا لأن كل ما يراد لمقصود ففضله يظهر بالإضافة إلى مقصوده لا إلى نفسه والخوف والرجاء دواءان يداوى بهما القلوب ففضلهما بحسب الداء الموجود فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر الله تعالى والاغترار به فالخوف أفضل وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة الله فالرجاء أفضل وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية فالخوف أفضل ويجوز أن يقال مطلقا الخوف أفضل على التأويل الذي يقال فيه الخبز أفضل من السكنجبين إذ يعالج بالخبز مرض الجوع وبالسكنجبين مرض الصفراء ومرض الجوع أغلب وأكثر فالحاجة إلى الخبز أكثر فهو أفضل فبهذا الاعتبار غلبة الخوف أفضل لأن المعاصي والاغترار على الخلق أغلب وإن نظر إلى مطلع الخوف والرجاء فالرجاء أفضل لأنه مستقى من بحر الرحمة ومستقى الخوف من بحر الغضب ومن لاحظ من صفات الله تعالى ما يقتضي اللطف والرحمة كانت المحبة عليه أغلب وليس وراء المحبة مقام وأما الخوف فمستنده الالتفات إلى الصفات التي تقتضي العنف فلا تمازجه المحبة ممازجتها للرجاء وعلى الجملة فما يراد لغيره ينبغي أن يستعمل فيه لفظ الأصلح لا لفظ الأفضل فنقول أكثر الخلق الخوف لهم أصلح من الرجاء وذلك لأجل غلبة المعاصي فأما التقي الذي ترك ظاهر الإثم وباطنه وخفيه وجليه فالأصلح أن يعتدل خوفه ورجاؤه ولذلك قيل لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا وروي أن عليا كرم الله وجهه قال لبعض ولده يا بني خف الله خوفا ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك وارج الله رجاء ترى أنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك ولذلك قال عمر رضي الله عنه لو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل ولو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل وهذا عبارة عن غاية الخوف والرجاء واعتدالهما مع الغلبة والاستيلاء ولكن على سبيل التقاوم والتساوي فمثل عمر رضي الله عنه ينبغي أن يستوي خوفه ورجاؤه فأما العاصي إذا ظن أنه الرجل الذي استثني من الذين أمروا بدخول النار كان ذلك دليلا على اغتراره

حصہ V04/P164–V04/P165

فإن قلت مثل عمر رضي الله عنه لا ينبغي أن يتساوى خوفه ورجاؤه بل ينبغي أن يغلب رجاؤه كما سبق في أول كتاب الرجاء وأن قوته ينبغي أن تكون بحسب قوة أسبابه كما مثل بالزرع والبذر ومعلوم أن من بث البذر الصحيح في أرض نقية وواظب على تعهدها وجاء بشروط الزراعة جميعها غلب على قلبه رجاء الإدراك ولم يكن خوفه مساويا لرجائه فهكذا ينبغي أن تكون أحوال المتقين فاعلم أن من يأخذ المعارف من الألفاظ والأمثلة يكثر زلله وذلك وإن أوردناه مثالا فليس يضاهي ما نحن فيه من كل وجه لأن سبب غلبة الرجاء العلم الحاصل بالتجربة إذ علم بالتجربة صحة الأرض ونقاؤها وصحة البذر وصحة الهواء وقلة الصواعق المهلكة في تلك البقاع وغيرها وإنما مثال مسألتنا بذر لم يجرب جنسه وقد بث في أرض غريبة لم يعهدها الزارع ولم يختبرها وهي في بلاد ليس يدري أتكثر الصواعق فيها أم لا فمثل هذا الزارع وإن أدى كنه مجهوده وجاء بكل مقدوره فلا يغلب رجاؤه على خوفه والبذر في مسألتنا هو الإيمان وشروطه صحته دقيقة والأرض القلب وخفايا خبثه وصفائه من الشرك الخفي والنفاق والرياء وخفايا الأخلاق فيه غامضة والآفات هي الشهوات وزخارف الدنيا والتفات القلب إليها في مستقبل الزمان وإن سلم في الحال وذلك مما لا يتحقق ولا يعرف بالتجربة إذ قد تعرض من الأسباب ما لا يطاق مخالفته ولم يجرب مثله والصواعق هي أهوال سكرات الموت واضطراب الاعتقاد عنده وذلك مما لم يجرب مثله ثم الحصاد والإدراك عند المنصرف من القيامة إلى الجنة وذلك لم يجرب فمن عرف حقائق هذه الأمور فإن كان ضعيف القلب جبانا في نفسه غلب خوفه على رجائه لا محالة كما سيحكى في أحوال الخائفين من الصحابة والتابعين وإن كان قوي القلب ثابت الجأش تام المعرفة استوى خوفه ورجاؤه فأما أن يغلب رجاؤه فلا ولقد كان عمر رضي الله عنه يبالغ في تفتيش قلبه حتى كان يسأل حذيفة رضي الله عنه أنه هل يعرف به من آثار النفاق شيئا إذ كان قد خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم المنافقين فمن ذا الذي يقدر على تطهير قلبه من خفايا النفاق والشرك الخفي وإن اعتقد نقاء قلبه عن ذلك فمن أين يأمن مكر الله تعالى بتلبيس حاله عليه وإخفاء عيبه عنه وإن وثق به فمن أين يثق ببقائه على ذلك إلى تمام حسن الخاتمة وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة خمسين سنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر // حديث إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة خمسين سنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا شبرا وفي رواية الأقدر فواق ناقة الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار وللبزار وللطبراني في الأوسط سبعين سنة وإسناده حسن وللشيخين في أثناء حديث لابن مسعود أن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع الحديث ليس فيه تقدير زمن للعمل بخمسين سنة ولا ذكر شبر {ولا} فواق ناقة وفي رواية إلا قدر فواق

حصہ V04/P165–V04/P166

ناقة فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار وقدر فواق الناقة لا يحتمل عملا بالجوارح إنما هو بمقدار خاطر يختلج في القلب عند الموت فيقتضي خاتمة السوء فكيف يؤمن ذلك فإذن أقصى غايات المؤمن أن يعتدل خوفه ورجاءه وغلبة الرجاء في غالب الناس تكون مستندة للاغترار وقلة المعرفة ولذلك جمع الله تعالى بينهما في وصف من أثنى عليهم فقال تعالى يدعون ربهم خوفا وطمعا وقال عز وجل ويدعوننا رغبا ورهبا وأين مثل عمر رضي الله عنه فالخلق الموجودة في هذا الزمان كلهم الأصلح لهم غلبة الخوف بشرط أن لا يخرجهم إلى اليأس وترك العمل وقطع الطمع من المغفرة فيكون ذلك سببا للتكاسل عن العمل وداعيا إلى الانهماك في المعاصي فإن ذلك قنوط وليس بخوف إنما الخوف هو الذي يحث على العمل ويكدر جميع الشهوات ويزعج القلب عن الركون إلى الدنيا ويدعوه إلى التجافي عن دار الغرور فهو الخوف المحمود دون حديث النفس الذي لا يؤثر في الكف والحث ودون اليأس الموجب للقنوط وقد قال يحيى بن معاذ من عبد الله تعالى بمحض الخوف غرق في بحار الأفكار ومن عبده بمحض الرجاء تاه في مفازة الاغترار ومن عبده بالخوف والرجاء استقام في محجة الادكار وقال مكحول الدمشقي من عبد الله بالخوف فهو حروري ومن عبده بالرجاء فهو مرجىء ومن عبده بالمحبة فهو زنديق ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد فإذن لا بد من الجمع بين هذه الأمور وغلبة الخوف هو الأصلح ولكن قبل الإشراف على الموت أما عند الموت فالأصلح غلبة الرجاء وحسن الظن لأن الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل وقد انقضى وقت العمل فالمشرف على الموت لا يقدر على العمل ثم لا يطيق أسباب الخوف فإن ذلك يقطع نياط قلبه ويعين على تعجيل موته وأما روح الرجاء فإنه يقوي قلبه ويحبب إليه ربه الذي إليه رجاؤه ولا ينبغي أن يفارق أحد الدنيا إلا محبا لله تعالى ليكون محبا للقاء الله تعالى فإن من أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه والرجاء تقارنه المحبة فمن ارتجى كرمه فهو محبوب والمقصود من العلوم والأعمال كلها معرفة الله تعالى حتى تثمر المعرفة المحبة فإن المصير إليه والقدوم بالموت عليه ومن قدم على محبوبه عظم سروره بقدر محبته ومن فارق محبوبه اشتدت محنته وعذابه فمهما كان القلب الغالب عليه عند الموت حب الأهل والولد والمال والمسكن والعقار والرفقاء والأصحاب فهذا رجل محابه كلها في الدنيا فالدنيا جنته إذ الجنة عبارة عن البقعة الجامعة لجميع المحاب فموته خروج من الجنة وحيلولة بينه وبين ما يشتهيه ولا يخفى حال من يحال بينه وبين ما يشتهيه فإذا لم يكن له محبوب سوى الله تعالى وسوى ذكره ومعرفته والفكر فيه والدنيا وعلائقها شاغلة له عن المحبوب فالدنيا إذن سجنه لأن السجن عبارة عن البقعة المانعة للمحبوس عن الاسترواح إلى محابه فموته قوم على محبوبه وخلاص من السجن ولا يخفى حال من أفلت من السجن وخلي بينه وبين محبوبه بلا مانع ولا مكدر فهذا أول ما يلقاه كل من فارق الدنيا عقيب موته من الثواب والعقاب فضلا عما أعده الله لعباده الصالحين مما لم تره عين ولا تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر وفضلا عما أعده الله تعالى للذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ورضوا بها واطمأنوا إليها من الأنكال والسلاسل والأغلال وضروب الخزي والنكال فنسأل الله تعالى أن يتوفانا مسلمين ويلحقنا بالصالحين ولا مطمع في إجابة هذا الدعاء إلا باكتساب حب الله تعالى ولا سبيل إليه إلا بإخراج حب غيره من القلب وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى من جاه ومال ووطن فالأولى أن تدعو بما دعا به نبينا صلى الله عليه وسلم إذ قال اللهم ارزقني حبك وحب من أحبك وحب ما يقربني إلى حبك واجعل حبك أحب إلي من الماء البارد

حصہ V04/P166–V04/P167

والغرض أن غلبة الرجاء عند الموت أصلح لأنه أجلب للمحبة وغلبة الخوف قبل الموت أصلح لأنه أحرق لنار الشهوات وأقمع لمحبة الدنيا عن القلب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه // حديث لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه أخرجه مسلم من حديث جابر وقد تقدم وقال تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ولما حضرت سليمان التيمي الوفاة قال لابنه يا بني حدثني بالرخص واذكر لي الرجاء حتى ألقى الله على حسن الظن به وكذلك لما حضرت الثوري الوفاة واشتد جزعه جمع العلماء حوله يرجونه وقال أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه لابنه عند الموت اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء وحسن الظن والمقصود من ذلك كله أن يحبب الله تعالى إلى نفسه ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام أن حببني إلى عبادي فقال بماذا قال بأن تذكر لهم آلائي ونعمائي فإذن غاية السعادة أن يموت محبا لله تعالى وإنما تحصل المحبة بالمعرفة بإخراج حب الدنيا من القلب حتى تصير الدنيا كلها كالسجن المانع من المحبوب ولذلك رأى بعض الصالحين أبا سليمان الداراني في المنام وهو يطير فسأله فقال الآن أفلت فلما أصبح سأل عن حاله فقيل له إنه مات البارحة بيان الدواء الذي به يستجلب حال الخوف اعلم أن ما ذكرناه في حال الصبر وشرحناه في كتاب الصبر والشكر هو كاف في هذا الغرض لأن الصبر لا يمكن إلا بعد حصول الخوف والرجاء لأن أول مقامات الدين اليقين الذي هو عبارة عن قوة الإيمان بالله تعالى باليوم والآخر والجنة والنار وهذا اليقين بالضرورة يهيج الخوف من النار والرجاء للجنة والرجاء والخوف يقويان على الصبر فإن الجنة قد حفت بالمكاره فلا يصبر على تحملها إلا بقوة الرجاء والنار قد حفت بالشهوات فلا يصبر على قمعها إلا بقوة الخوف ولذلك قال علي كرم الله وجهه من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ثم يؤدي مقام الصبر المستفاد من الخوف والرجاء إلى مقام المجاهدة والتجرد لذكر الله تعالى والفكر فيه على الدوام ويؤدي دوام الذكر إلى الأنس ودوام الفكر إلى كمال المعرفة ويؤدي كمال المعرفة والأنس إلى المحبة ويتبعها مقام الرضا والتوكل وسائر المقامات فهذا هو الترتيب في سلوك منازل الدين وليس بعد أصل اليقين مقام سوى الخوف والرجاء ولا بعدهما مقام سوى الصبر وبه المجاهدة والتجرد لله ظاهرا وباطنا ولا مقام بعد المجاهدة لمن فتح له الطريق إلا الهداية والمعرفة ولا مقام بعد المعرفة إلا المحبة والأنس ومن ضرورة المحبة الرضا بفعل المحبوب والثقة بعنايته وهو التوكل فإذن فيما ذكرناه في علاج الصبر كفاية ولكنا نفرد الخوف بكلام جملي فنقول الخوف يحصل بطريقتين مختلفين أحدهما أعلى من الآخر ومثاله أن الصبي إذا كان في بيت فدخل عليه سبع أو حية ربما كان لا يخاف وربما مد اليد إلى الحية ليأخذها ويلعب بها ولكن إذا كان معه أبوه وهو عاقل خاف من الحية وهرب منها فإذا نظر الصبي إلى أبيه وهو ترتعد فرائصه ويحتال في الهرب منها قام معه وغلب عليه الخوف ووافقه في الهرب فخوف الأب عن بصيرة ومعرفة بصفة الحية وسمها وخاصيتها وسطوة السبع وبطشه وقلة مبالاته

حصہ V04/P167–V04/P168

وأما خوف الابن فإيمانه بمجرد التقليد لأنه يحسن الظن بأبيه ويعلم أنه لا يخاف إلا من سبب مخوف في نفسه فيعلم أن السبع مخوف ولا يعرف وجهه وإذا عرفت هذا المثال فاعلم أن الخوف من الله تعالى على مقامين أحدهما الخوف من عذابه والثاني الخوف منه فأما الخوف منه فهو خوف العلماء وأرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف والحذر المطلعين على سر قوله تعالى ويحذركم الله نفسه وقوله عز وجل اتقوا الله حق تقاته وأما الأول فهو خوف عموم الخلق وهو حاصل بأصل الإيمان بالجنة والنار وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية وضعفه بسبب الغفلة وسبب ضعف الإيمان وإنما تزول الغفلة بالتذكير والوعظ وملازمة الفكر في أهوال يوم القيامة وأصناف العذاب في الآخرة وتزول أيضا بالنظر إلى الخائفين ومجالستهم ومشاهدة أحوالهم فإن فاتت المشاهدة فالسماع لا يخلو عن تأثير وأما الثاني وهو الأعلى فأن يكون الله هو المخوف أعني أن يخاف العبد الحجاب عنه ويرجو القرب منه قال ذو النون رحمه الله تعالى خوف النار عند خوف الفراق كقطرة قطرت في بحر لجي وهذه خشية العلماء حيث قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء ولعموم المؤمنين أيضا حظ من هذه الخشية ولكن هو بمجرد التقليد أيضا هي خوف الصبي من الحية تقليدا لأبيه وذلك لا يستند إلى بصيرة فلا جرم يضعف ويزول على قرب حتى إن الصبي ربما يرى المعزم يقدم على أخذ الحية فينظر إليه ويغتر به فيتجرأ على أخذها تقليدا له كما احترز من أخذها تقليدا لأبيه والعقائد التقليدية ضعيفة في الغالب إلا إذا قويت بمشاهدة أسبابها المؤكدة لها على الدوام وبالمواظبة على مقتضاها في تكثير الطاعات واجتناب المعاصي مدة طويلة على الاستمرار فإذن من ارتقى إلى ذروة المعرفة وعرف الله تعالى خافه بالضرورة فلا يحتاج إلى علاج لجلب الخوف كما أن من عرف السبع ورأى نفسه واقعا في مخالبه لا يحتاج إلى علاج لجلب الخوف إلى قلبه بل يخافه بالضرورة شاء أم أبى ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام خفني كما تخاف السبع الضاري ولا حيلة في جلب الخوف من السبع الضاري إلا معرفة السبع ومعرفة الوقوع في مخالبه فلا يحتاج إلى حيلة سواء فمن عرف الله تعالى عرف أنه يفعل ما يشاء ولا يبالي ويحكم ما يريد ولا يخاف قرب الملائكة من غير وسيلة سابقة وأبعد إبليس من غير جريمة سالفة بل صفته ما ترجمه قوله تعالى هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي وإن خطر ببالك أنه لا يعاقب إلا على معصية ولا يثيب إلا على طاعة فتأمل أنه لم يمد المطيع بأسباب الطاعة حتى يطيع شاء أم أبى ولم يمد العاصي بدواعي المعصية حتى يعصى شاء أم أبى فإنه مهما خلق الغفلة والشهوة والقدرة على قضاء الشهوة كان الفعل واقعا بها بالضرورة فإن كان أبعده لأنه عصاه فلم حمله على المعصية هل ذلك لمعصية سابقة حتى يتسلسل إلى غير نهاية أو يقف لا محالة على أول لا علة له من جهة العبد بل قضي عليه في الأزل وعن هذا المعنى عبر صلى الله عليه وسلم إذ قال احتج آدم موسى عليهما الصلاة والسلام عند ربهما فحج آدم موسى عليه السلام قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض فقال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم فهل وجدت فيها {وعصى آدم ربه فغوى} قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي قبل أن أعمله وقبل أن يخلقني بأربعين سنة قال صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى

حصہ V04/P168–V04/P169

فمن عرف السبب في هذا الأمر معرفة صادرة عن نور الهداية فهو من خصوص العارفين المطلعين على سر القدر ومن سمع هذا فآمن به وصدق بمجرد السماع فهو من عموم المؤمنين ويحصل لكل واحد من الفريقين خوف فإن كان عبد فهو واقع في قبضة القدرة وقوع الصبي الضعيف في مخالب السبع والسبع قد يغفل بالاتفاق فيخليه وقد يهجم عليه فيفترسه وذلك بحسب ما يتفق ولذلك الاتفاق أسباب مرتبة بقدر معلوم ولكن إذا أضيف إلى من لا يعرفه سمي اتفاقا وإن أضيف إلى علم الله لم يجز أن يسمى اتفاقا والواقع في مخالب السبع لو كملت معرفته لكان لا يخاف السبع لأن السبع مسخر إن سلط عليه الجوع افترس وإن سلط عليه الغفلة خلى وترك فإنما يخاف خالق السبع وخالق صفاته فلست أقول مثال الخوف من الله تعالى الخوف من السبع بل إذا كشف الغطاء علم أن الخوف من السبع هو عين الخوف من الله تعالى لأن المهلك بواسطة السبع هو الله فاعلم أن سباع الآخرة مثل سباع الدنيا وأن الله تعالى خلق أسباب العذاب وأسباب الثواب وخلق لكل واحد أهلا يسوقه القدر المتفرع عن القضاء الجزم الأزلي إلى ما خلق له فخلق الجنة وخلق لها أهلا سخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا وخلق النار وخلق لها أهلا سخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا فلا يرى أحد نفسه في ملتطم أمواج القدر إلا غلبه الخوف بالضرورة فهذه مخاوف العارفين بسر القدر فمن قعد به القصور عن الارتفاع إلى مقام الاستبصار فسبيله أن يعالج نفسه بسماع الأخبار والآثار فيطالع أحوال الخائفين العارفين وأقوالهم وينسب عقولهم ومناصبهم إلى مناصب الراجين المغرورين فلا يتمارى في أن الاقتداء بهم أولى لأنهم الأنبياء والأولياء والعلماء وأما الآمنون فهم الفراعنة والجهال والأغنياء أما رسولنا صلى الله عليه وسلم فهو سيد الأولين والآخرين وكان أشد الناس خوفا حديث أنه كان يصلي على طفل سمع في دعائه يقول اللهم قه عذاب القبر وعذاب النار أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على صبي أو صبية وقال لو كان أحد نجا من ضمة القبر لنجا هذا الصبي واختلف في إسناده فرواه في الكبير من حديث أبي أيوب أن صبيا دفن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي وفي رواية ثانية أنه سمع قائلا يقول هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة فغضب وقال ما يدريك أنه كذلك والله إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم حديث لما توفي عثمان بن مظعون قالت أم سلمة هنيئا لك الجنة الحديث أخرجه البخاري من حديث أم العلاء الأنصارية وهي القائلة رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله قال وما يدريك الحديث وورد أن التي قالت ذلك أم خارجة بن زيد ولم أجد فيه ذكر أم سلمة وقال محمد بن خولة الحنفية والله لا أزكي أحدا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي الذي ولدني قال فثارت الشيعة عليه فأخذ يذكر من فضائل علي ومناقبه وروي في حديث آخر عن رجل من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره حديث دخل على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول هنيئا له الجنة الحديث تقدم أيضا وكيف لا يخاف المؤمنون كلهم وهو صلى الله عليه وسلم يقول شيبتني هود وأخواتها حديث أنه وجبريل صلى الله عليهما وسلم بكيا خوفا من الله عز وجل فأوحى الله إليهما لم تبكيان الحديث أخرجه ابن شاهين في شرح السنة من حديث عمر ورويناه في مجلس عن أماني أبي سعيد النقاش بسند ضعيف

حصہ V04/P169–V04/P170

وكأنهما إذ علما أن الله هو علام الغيوب وأنه لا وقوف لهما على غاية الأمور لم يأمنا أن يكون قوله قد أمنتكما ابتلاء وامتحانا لهما ومكرا بهما حتى إن سكن خوفهما ظهر أنهما قد أمنا من المكر وما وفيا بقولهما كما أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما وضع في المنجنيق قال حسبي الله وكانت هذه من الدعوات العظام فامتحن وعورض بجبريل في الهواء حتى قال ألك حاجة فقال أما إليك فلا فكان ذلك وفاء بحقيقة قوله حسبي الله فأخبر الله تعالى عنه فقال وإبراهيم الذي وفى أي بموجب قوله حسبي الله وبمثل هذا أخبر عن موسى صلى الله عليه وسلم حيث قال إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ومع هذا لما ألقى السحرة سحرهم أوجس موسى في نفسه خيفة إذا لم يأمن مكر الله والتبس الأمر عليه حتى جدد عليه الأمن وقيل له لا تخف إنك أنت الأعلى ولما ضعفت شوكة المسلمين يوم بدر قال صلى الله عليه وسلم اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض أحد يعبدك // حديث قال يوم بدر اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض أحد يعبدك أخرجه البخاري من حديث ابن عباس بلفظ اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم الحديث فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه دع عنك مناشدتك ربك فإنه واف لك بما وعدك فكان مقام الصديق رضي الله عنه مقام الثقة بوعد الله وكان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقام الخوف من مكر الله وهو أتم لأنه لا يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار الله تعالى وخفايا أفعاله ومعاني صفاته التي يعبر عن بعض ما يصدر عنها بالمكر وما لأحد من البشر الوقوف على كنه صفات الله تعالى ومن عرف حقيقة المعرفة قصور معرفته عن الإحاطة بكنه الأمور عظم خوفه لا محالة ولذلك قال المسيح صلى الله عليه وسلم لما قيل له أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك {وقال} إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم الآية فوض الأمر إلى المشيئة وأخرج نفسه بالكلية من البين لعلمه بأنه ليس له من الأمر شيء وأن الأمور مرتبطة بالمشيئة ارتباطا يخرج عن حد المعقولات والمألوفات فلا يمكن الحكم عليها بقياس ولا حدس ولا حسبان فضلا عن التحقيق والاستيقان وهذا هو الذي قطع قلوب العارفين إذ الطامة الكبرى هي ارتباط أمرك بمشيئة من لا يبالي بك إن أهلكك فقد أهلك أمثالك ممن لا يحصى ولم يزل في الدنيا يعذبهم بأنواع الآلام والأمراض ويمرض من ذلك قلوبهم بالكفر والنفاق ثم يخلد العقاب عليهم أبد الآباد ثم يخبر عنه ويقول ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال تعالى وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم الآية فكيف لا يخاف ما حق من القول في الأزل ولا يطمع في تداركه ولو كان الأمر آنفا لكانت الأطماع تمتد إلى حيلة فيه ولكن ليس إلا التسليم فيه واستقراء خفي السابقة من جلي الأسباب الظاهرة على القلب والجوارح فمن يسرت له أسباب الشر وحيل بينه وبين أسباب الخير وأحكمت علاقته من الدنيا فكأنه كشف له على التحقيق سر السابقة التي سبقت له بالشقاوة إذ كل ميسر لما خلق له وإن كانت الخيرات كلها ميسرة والقلب بالكلية عن الدنيا منقطعا وبظاهره وباطنه على الله مقبلا كان هذا يقتضي تخفيف الخوف لو كان الدوام على ذلك موثوقا به ولكن خطر الخاتمة وعسر الثبات يزيد نيران الخوف إشعالا ولا يمكنها من الانطفاء وكيف يؤمن تغير الحال وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وإن القلب أشد تقلبا من القدر في غليانها وقد قال مقلب القلوب عز وجل إن عذاب ربهم غير مأمون فأجهل الناس من أمنه وهو ينادي بالتحذير من الأمن ولو أن الله لطف بعباده العارفين إذ روح قلوبهم بروح الرجاء لاحترقت قلوبهم من نار الخوف

سوالات