Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
أما القول الأول : فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها ، فان الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه الحواس ، فاذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمسا ، ومعنى قوله : { فنردها على أدبارها } رد الوجوه إلى ناحية القفا ، وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة ، لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة ، فان هذا الوعيد مختص بيوم القيامة على ما سنقيم الدلالة عليه ، ومما يقرره قوله تعالى : { وأما من أوتى كتابه وراء ظهره } ( الانشقاق : 10 ) فانه إذا ردت الوجوه إلى القفا أوتوا الكتاب من وراء ظهورهم ، لأن في تلك الجهة العيون والأفواه التي بها يدرك الكتاب ويقرأ باللسان . فاما القول الثاني : فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه ، ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : قال الحسن : المراد نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها ، أي على ضلالتها ، والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات ، ونظيره قوله تعالى : { معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } ( الأنفال : 24 ) تحقيق القول فيه أن الانسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس / ثم عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات ، فقد امه عالم المعقولات ، ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في صفتهم : { ناكسورؤسهم } ( السجدة : 12 ) . الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير ، وبالوجوه : رؤساؤهم ووجهاؤهم ، والمعنى من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الاقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والادبار والمذلة . الثالث : قال عبد الرحمن ابن زيد : هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى ، وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام ، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وإريحاء من أرض الشام ، كما جاؤا منها بدءا ، وطمس الوجوه على هذا التأويل يحتمل معنيين : أحدهما : تقبيح صورتهم يقال : طمس الله صورته كقوله : قبح الله وجهه ، والثاني : إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها .
فان قيل : إنه تعالى هددهم بطمس الوجوه على القول الثاني فلا إشكال ألبتة ، وان فسرناه / على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه ، بل جعل الوعيد إما الطمس أو اللعن فانه قال : { أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت } وقد فعل أحدهما وهو اللعن وهو قوله : { أو نلعنهم } وظاهره ليس هو المسخ . الثاني : قوله تعالى : { ءامنوا } تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم ، فلزم أن يكون قوله : { من قبل أن نطمس وجوها } واقعا في الآخرة ، فصار التقدير : آمنوا من قبل أن يجىء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت . الثالث : أنا قد بينا أن قوله : { قليلا يأيها الذين أوتوا الكتاب } خطاب مع جميع علمائهم ، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطا بأن لا يأتي أحد منهم بالايمان ، وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبدالله بن سلام وجمع كثير من أصحابه ، ففات المشروط بفوات الشرط ، ويقال : لما نزلت هذه الآية أتى عبدالله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم ، وقال : يا رسول الله كنت أرى أن لا أصل اليك حتى يتحول وجهي في قفاي . الرابع : أنه تعالى لم يقل : من قبل أن نطمس وجوهكم ، بل قال : { من قبل أن نطمس وجوها } وعندنا أنه لا بد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة ، ومما يدل على أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيابهم ، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم قوله : { أو نلعنهم } فذكرهم على سبيل المغايبة ، ولو كان المراد أولئك المخاطبين لذكرهم على سبيل الخطاب ، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان جائزا إلا أن الأظهر ما ذكرناه . ثم قال تعالى : { أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت } قال مقاتل وغيره : نمسخهم قردة كما فعلنا ذلك بأوائلهم . وقال أكثر المحققين : الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { قل هل أنبئكم بشر من ذالك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير } ففصل تعالى ههنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : إلى من يرجع الضمير في قوله : { أو نلعنهم } . الجواب : إلى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه ، لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم ، أو يرجع إلى الذين أوتوا على طريقة الالتفات . السؤال الثاني : قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلا بد وأن يتحدا . والجواب : أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في الخزي فيصح ذلك فيه . السؤال الثالث : قوله تعالى : { قليلا يأيها الذين أوتوا الكتاب } خطاب مشافهة ، وقوله : { أو نلعنهم } خطاب مغايبة ، فكيف يليق أحدهما بالآخر ؟ / الجواب : منهم من حمل ذلك على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى : { حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم } ( يونس : 22 ) ومنهم من قال : هذا تنبيه على أن التهديد حاصل في غيرهم ممن يكذبون من أبناء جنسهم . وعندي فيه احتمال آخر : وهو أن اللعن هو الطرد والابعاد ، وذكر البعيد لا يكون إلا بالمغايبة ، فلما لعنهم ذكرهم بعبارة الغيبة . ثم قال تعالى : { وكان أمر الله مفعولا } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : يريد لا راد لحكمه ولا ناقض لأمره ، على معنى أنه لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله ، كما تقول في الشيء الذي لا شك في حصوله : هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد . وإنما قال : { وكان } إخبارا عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه مهما أخبرهم بانزال العذاب عليهم فعل ذلك لا محالة ، فكأنه قيل لهم : أنتم تعلمون أنه كان تهديد الله في الأمم السالفة واقعا لا محالة ، فاحترزوا الآن وكونوا على حذر من هذا الوعيد والله أعلم . المسألة الثانية : احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث فقال : قوله : { وكان أمر الله مفعولا } يقتضي أن أمره مفعول ، والمخلوق والمصنوع والمفعول واحد ، فدل هذا على أن أمر الله مخلوق مصنوع ، وهذا في غاية السقوط لأن الأمر في اللغة جاء بمعنى الشأن والطريقة والفعل قال تعالى : { وما أمر فرعون برشيد } ( هود : 97 ) والمراد ههنا ذاك . ! 7 < { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } . > 7 ! < < النساء : ( 48 ) إن الله لا . . . . . > > اعلم أن الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر ، وبين أن ذلك التهديد لا بد من وقوعه لا محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر ، فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليست حالها كذلك ، بل هو سبحانه قد يعفو عنها ، فلا جرم قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور ، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك / لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية ، وبالاجماع هي غير مغفورة ، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك . الثاني : أن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود ، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك ، وإلا لم يكن الأمر كذلك . فان قيل : قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا والذين هادوا } إلى قوله : { والذين أشركوا } ( الحج : 17 ) عطف المشرك على اليهودي ، وذلك يقتضي المغايرة . قلنا : المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي ، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي ، ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعا للتناقض . إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول : قال الشافعي رضي الله عنه : المسلم لا يقتل بالذمي ، وقال أبو حنيفة : يقتل . حجة الشافعي أن الذمي مشرك لما ذكرناه ، والمشرك مباح الدم لقوله تعالى : اقتلوا المشركين . فكان الذمي مباح الدم على الوجه الذي ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله ، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي ، فوجب أن يبقى معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله . المسألة الثانية : هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر . واعلم أن الاستدلال بها من وجوه :
الوجه الأول : أن قوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأنه بالاجماع لا يغفر على سبيل الوجوب ، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه ، فاذا كان قوله : إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل ، وجب أن يكون قوله : { ويغفر ما دون ذلك } هو أن يغفره على سبيل التفضل ؛ حتى يكون النفي والاثبات متواردين على معنى واحد . ألا ترى أنه لو قال : فلان لا يعطي أحدا تفضلا ، ويعطي زائدا فانه يفهم منه أنه يعطيه تفضلا ، حتى لو صرح وقال : لا يعطي أحدا شيئا على سبيل التفضل ويعطي أزيد على سبيل الوجوب ، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام ، فثبت أن قوله : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } على سبيل التفضل . إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة ، لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا ، فلا يمكن حمل الآية عليه ، فاذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب . الثاني : أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين : الشرك وما سوى الشرك ، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة ، والكبيرة بعد التوبة والصغيرة ، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا ، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعا ، لتكن في حق من يشاء ، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك ، لكن في حق / من شاء . ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور ، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضا مغفورة . الثالث : أنه تعالى قال : { لمن يشاء } فعلق هذا الغفران بالمشيئة ، وغفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به ، وغير معلق على المشيئة ، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب ، واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه ، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { بل الله يزكى من يشاء } ( النساء : 49 ) ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا للتزكية ، وإلا كان كذبا ، والكذب على الله محال ، فكذا ههنا . واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات الوعيد ، ونحن نعارضها بعمومات الوعد ، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) فلا فائدة في الاعادة . وروى الواحدي في البسيط باسناده عن ابن عمر قال : كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار ، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات . وقال ابن عباس : إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل ، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب . ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فسكت عمر . وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اتسموا بالايمان وأقربوا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه ) .
المسألة الثانية : روي عن ابن عباس انه قال : لما قتل وحشي حمزة يوم أحد ، وكانوا قد وعدوه بالاعتاق ان هو فعل ذلك ، ثم أنهم ما وفوا له بذلك ، فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم ، وانه لا يمنعهم عن الدخول في الاسلام إلا قوله تعالى : { والذين لا يدعون مع الله إلاها ءاخر } ( الفرقان : 68 ) فقالوا : قد ارتكبنا كل ما في الآية ، فنزل قوله : { إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا } ( الفرقان : 70 ) فقالوا : هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به ، فنزل قوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فقالوا : نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته ، فنزل { قل ياأهل عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم } ( الزمر : 53 ) فدخلوا عند ذلك في الاسلام . وطعن القاضي في هذه الرواية وقال : ان من يريد الايمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد ؛ ولأن قوله : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) لو كان على اطلاقه لكان ذلك اغراء لهم بالثبات على ما هم عليه . والجواب عنه : لا يبعد أن يقال : انهم استعظموا قتل حمزة وايذاء الرسول إلى ذلك / الحد ، فوقعت الشبهة في قلوبهم أن ذلك هل يغفر لهم أم لا ، فلهذا المعنى حصلت المراجعة . وقوله : هذا إعراء بالقبيح ، فهو انه إنما يتم على مذهبه ، أما على قولنا : انه تعالى فعال لما يريد ، فالسؤال ساقط والله أعلم . ثم قال : { ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } أي اختلق ذنبا غير مغفور ، يقال : افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلقه ، وأصله من الفرى بمعنى القطع . ! 7 < { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشآء ولا يظلمون فتيلا انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا } . > 7 < النساء : ( 49 - 50 ) ألم تر إلى . . . . . > > اعمل أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } فعند هذا قالوا : لسنا من المشركين ، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى عنهم انه قالوا : { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) وحكى عنهم أنهم قالوا : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } وحكى أيضا أنهم قالوا : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) وبعضهم كانوا يقولون : أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا . وعن ابن عباس رضي الله عنه ان قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال لا ، فقالوا : والله ما نحن إلا كهؤلاء : ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار ، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل . وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الانسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الانسان نفسه ، ومنه تزكية المعدل للشاهد ، قال تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } ( النجم : 32 ) وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى ، والتقوى صفة في الباطن ، ولا يعلم حقيقتها إلا الله ، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله ، فلهذا قال تعالى : { بل الله يزكى من يشاء } .
فان قيل : أليس أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ) . قلنا : إنما قال ذلك حين قال المنافقون له : اعدل في القسمة ، ولأن الله تعالى لما زكاه / أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره . المسألة الثانية : قوله : { بل الله يزكى من يشاء } يدل على أن الايمان يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الايمان ، فلما ذكر تعالى انه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن ايمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى . المسألة الثالثة : قوله : { ولا يظلمون فتيلا } هو كقوله : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ( النساء : 40 ) والمعنى ان الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم ، أو يكون المعنى : أن الذين زكاهم الله فانه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا ، والفتيل ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ ، فعيل بمعنى مفعول ، وعن ابن السكيت : الفتيل ما كان في شق النواة ، والنقير النقطة التي في ظهر النواة ، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة ، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير ، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا . ثم قال تعالى : { انظر كيف يفترون على الله الكذب } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم على الله ، وهي تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم على الله ، وهو قولهم : { نحن أبناء الله وأحباؤه } وقولهم : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } وقولهم : ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل . المسألة الثانية : مذهبنا أن الخبر عن الشيء اذا كان على خلاف المخبر عنه كان كذبا ، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم / وقال الجاحظ : شرط كونه كذبا أن يعلم كونه بخلاف ذلك ، وهذه الآية دليل لنا لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاء والطهارة ، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة كذبهم الله فيه ، وهذا يدل على ما قلناه . ثم قال تعالى : { وكفى به إثما مبينا } وإنما يقال : كفى به في التعظيم على جهة المدح أو على جهة الذم ، أما في المدح فكقوله : { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ( النساء : 45 ) وأما في الذم فكما في هذا الموضع . وقوله : { إثما مبينا } منصوب على التمييز . ! 7 < { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هاؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا أولائك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } . > 7 < النساء : ( 51 - 52 ) ألم تر إلى . . . . . > > /اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر ، وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين ، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل ، فكان إقدامهم على هذا القول لمحض العناد والتعصب ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أنتم أهل كتاب ، وأنتم أقرب إلى محمد منكم الينا فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ، ففعلوا ذلك . فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت ، لأنهم سجدوا للأصنام ، فقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلا أم محمد ؟ فقال كعب : ماذا يقول محمد ؟ يأمر بعبادة الله وحده وينهي عن عبادة الأصنام وترك دين آبائه ، وأوقع الفرقة . قال : وما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم ، فقال : أنتم أهدى سبيلا . فهذا هو المراد من قولهم : { للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا } ( النساء : 51 ) . المسألة الثانية : اختلف الناس في الجبت والطاغوت ، وذكروا فيه وجوه : الأول : قال أهل اللغة : كل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت ، ثم زعم الأكثرون أن الجبت ليس له تصرف في اللغة . وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت أصله جبس ، فأبدلت السين تاء ، والجبس هو الخبيث الردىء ، وأما الطاغوت فهو مأخوذ من الطغيان ، وهو الاسراف في المعصية ، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم ، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى أوقعوه على الجماد ، كما قال تعالى : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 35 36 ) فأضاف الاضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات . الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله ، والطاغوت الشيطان . الثالث : الجبت الأصنام ، والطاغوت تراجمة الأصنام يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها ، وهو منقول عن ابن عباس . الرابع : روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : الجبت الكاهن ، والطاغوت الساحر . الخامس : قال الكلبي : الجبت في هذه الآية حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف ، وكانت اليهود يرجعون اليهما ، فسيما بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء / الناس وإضلالهم . السادس : الجبت والطاغوت صنمان لقريش ، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود لهما طلبا لمرضاة قريش ، وبالجملة فالأقاويل كثيرة ، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الشر والفساد . ثم قال تعالى : { أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } فبين أن عليهم اللعن من الله وهو الخذلان والابعاد ، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى ؛ وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له ، كما قال : { ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 61 ) فهذا اللعن حاضر ، وما في الآخرة أعظم ، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية ، بالضد على الضد ، كما قال في الآيات المتقدمة : { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ( النساء : 45 ) . واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة ، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله ومن كان دينه الاقبال بالكلية على خدمة الخالق والاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة ، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال والله أعلم . ! 7 < { أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } . > 7 ! < <
النساء : ( 53 ) أم لهم نصيب . . . . . > > اعلم أنه تعالى وصف اليهود في الآية المتقدمة بالجهل الشديد ، وهو اعتقادهم أن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى ، ووصفهم في هذه الآية بالبخل والحسد ، فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئا مما آتاه الله من النعمة ، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئا من النعم ، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير ، فأما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن الغير ، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة ، وإنما قدم تلك الآية على هذه الآية لأن النفس الانسانية لها قوتان : القوة العالمة والقوة العاملة ، فكمال القوة العالمة العلم ، ونقصانها الجهل ، وكمال القوة العاملة : الأخلاق الحميدة ، ونقصانها الأخلاق الذميمة ، وأشد الأخلاق الذميمة نقصانا البخل والحسد ، لأنهما منشآن لعود المضار إلى عباد الله . إذا عرفت هذا فنقول : إنما قدم وصفهم بالجهل على وصفهم بالبخل والحسد لوجهين : الأول : أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية في الشرف والرتبة وأصل لها ، فكان شرح حالها يجب / أن يكون مقدما على شرح حال القوة العملية . الثاني : أن السبب لحصول البخل والحسد هو الجهل ، والسبب مقدم على المسبب ، لا جرم قدم تعالى ذكر الجهل على ذكر البخل والحسد . وإنما قلنا : إن الجهل سبب البخل والحسد : أما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة النفس ولحصول السعادة في الآخرة ، وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا في يده ، فالبخل يدعوك إلى الدنيا ويمنعك عن الآخرة ، والجود يدعوك إلى الآخرة ويمنعك عن الدنيا ، ولا شك أن ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض الجهل . وأما الحسد فلأن الالهية عبارة عن إيصال النعم والاحسان إلى العبيد ، فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الاله عن الالهية ، وذلك محض الجهل . فثبت أن السبب الأصلي للبخل والحسد هو الجهل ، فلما ذكر تعالى الجهل أردفه بذكر البخل والحسد ليكون المسبب مذكورا عقيب السبب ، فهذا هو الاشارة إلى نظم هذه الآية ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : ( أم ) ههنا فيه وجوه : الأول : قال بعضهم : الميم صلة ، وتقديره : ألهم لأن حرف ( أم ) إذا لم يسبقه استفهام كان الميم فيه صلة . الثاني : أن ( أم ) ههنا متصلة ، وقد سبق ههنا استفهام على سبيل المعنى ، وذلك لأنه تعالى لما حكى عن هؤلاء الملعونين قولهم للمشركين : انهم أهدى سبيلا من المؤمنين ، عطف عليه بقوله : { أم لهم نصيب } فكأنه تعالى قال : أمن ذلك يتعجب ، أم من قولهم : لهم نصيب من الملك ، مع أنه لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل . الثالث : أن ( أم ) ههنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها ألبتة ، كأنه لما تم الكلام الأول قال : بل لهم نصيب من الملك ، وهذا الاستفهام استفهام بمعنى الانكار ، يعني ليس لهم شيء من الملك ألبتة ، وهذا الوجه أصح الوجوه .
المسألة الثانية : ذكروا في هذا الملك وجوها : الأول اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب ؟ فأبطل الله عليهم قولهم في هذه الآية . الثاني : أن اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود اليهم في آخر الزمان ، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم ، فكذبهم الله في هذه الآية . الثالث : المراد بالملك ههنا التمليك ، يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك اليهم ، ولو كان التمليك اليهم لبخلوا بالنقير والقطمير ، فكيف يقدرون على النفي والاثبات . قال أبو بكر الأصم : كانوا أصحاب بساتين وأموال ، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل / فنزلت هذه الآية . المسألة الثالثة : أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم ، وهذا يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان ، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن الانقياد للغير أمر مكروه لذاته ، والانسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد في مقابلته أمرا مطلوبا مرغوبا فيه ، وجهات الحاجات / محيطة بالناس ، فاذا صدر من إنسان احسان إلى غيره صارت رغبة المحسن اليه في ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له ، فلهذا قيل : بالبر يستعبد الحر ، فاذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض ، فلا يحصل الانقياد ألبتة ، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم ان الملك على ثلاثة أقسام : ملك على الظواهر فقط ، وهذا هو ملك الملوك ، وملك على البواطن فقط ، وهذا هو ملك العلماء ، وملك على الظواهر والبواطن معا ، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات الله عليهم . فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة ، ليصير كل واحد من هذه الاخلاق سببا لانقياد الخلق لهم ، وامتثالهم لأوامرهم . وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام . المسألة الرابعة : قال سيبويه : ( إذن ) في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء ، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير ، كقولك أظن زيدا قائما ، وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله ، كقوله : زيد أظن قائم ، وإن شئت قلت زيدا أظن قائما ، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه ، تقول زيد منطلق ظننت ، والسبب فيما ذكرناه أن ( ظن ) وما أشبهه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل ، لأنها لا تؤثر في معمولاتها ، فاذا تقدم دل التقديم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير ، وإذا تأخر دل على عدم العناية فلغا ، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه ، ولا في محل الاهمال من كل الوجوه ، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كان الاعمال والالغاء جائزا . واعلم أن الاعمال في حال التوسط أحسن ، والالغاء حال التأخر أحسن . إذا عرفت هذا فنقول : كلمة ( إذن ) على هذا الترتيب أيضا ، فان تقدمت نصبت الفعل ، تقول إذن أكرمك ، وإن توسطت أو تأخرت جاز الالغاء ، تقول أنا إذن أكرمك ، وأنا أكرمك إذن فتلغيه في هاتين الحالتين .
إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى : { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } كلمة ( إذن ) فيها متقدمة وما عملت ، فذكروا في العذر وجوها : الأول : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : لا يؤتون الناس نقيرا إذن . الثاني : أنها لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى إذا توسطت أو تأخرت ، وهكذا سبيلها مع الواو كقوله تعالى : { وإذا لا يلبثون خلافك } والثالث : قرأ ابن مسعود { فإذا لا يؤتوا } على إعمال ( إذن ) عملها الذي هو النصب . المسألة الخامسة : قال أهل اللغة : النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ، وأصله أنه / فعيل من النقر ، ويقال للخشب الذي ينقر فيه نقير لأنه ينقر ، والنقر ضرب الحجر وغيره بالمنقار والمنقار حديدة كالفأس تقطع بها الحجارة ، والغرض انهم يبخلون بأقل القليل . ! 7 < { أم يحسدون الناس على مآ ءاتاهم الله من فضله فقد ءاتينآ ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما فمنهم من ءامن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا } . > 7 < النساء : ( 54 - 55 ) أم يحسدون الناس . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : أم : منقطعة ، والتقدير بل يحسدون الناس . المسألة الثانية : في المراد بلفظ ( الناس ) قولان : الأول : وهو قول ابن عباس والأكثرين انه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم ، ومن هذا يقال : فلان أمة وحده ، أي يقوم مقام أمة ، قال تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا } ( النحل : 120 ) . والقول الثاني : المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين ، وقال من ذهب إلى هذا القول : ان لفظ الناس جمع ، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد . واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لارادة طائفة معينة من الناس ، لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية ، كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل الناس ، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين : المسألة الثالثة : اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين : فالقول الأول : انه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا . والقول الثاني : انهم حسدوه على انه كان له من الزوجات تسع . / واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة ، فكلما كانت فضيلة الانسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم ، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين ، ثم انه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وضم اليها انه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم . فاما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه ، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به ، بل ان جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته ، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد .
واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهود بين ما يدفع ذلك فقال : { فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما } ( النساء : 54 ) والمعنى أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك ، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونه ، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه ؟ واعلم أن { الكتاب } إشارة إلى ظواهر الشريعة { والحكمة } إشارة إلى أسرار الحقيقة ، وذلك هو كمال العلم ، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة . وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالانسان من الكمالات ، ولما لم يكن ذلك مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم : كيف استكثرتهم له التسع ، وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة بالمهر وسبعمائة سرية ؟ ثم قال تعالى : { منهم من به ومنهم من صد عنه وكفى } واختلفوا في معنى ( به ) فقال بعضهم : بمحمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والانكار . وقال آخرون : المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك جرت عادت أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر ، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم ، فان أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت ، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبرا على ما ينال من قبلهم . ثم قال : { وكفى بجهنم سعيرا } أي كفى بجهنم في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين . سعيرا ، والسعير الوقود ، يقال أوقدت النار وأسعرتها بمعنى واحد . ! 7 < { إن الذين كفروا بأاياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما } . > 7 ! < < النساء : ( 56 ) إن الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى بعدما ذكر الوعيد بالطائفة الخاصة من أهل الكتاب بين ما يعم الكافرين من الوعيد فقال : { إن الذين كفروا بئاياتنا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : يدخل في الآيات كل ما يدل على ذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه والملائكة والكتب والرسل ، وكفرهم بالآيات ليس يكون بالجحد ، لكن بوجوه ، منها أن ينكروا كونها آيات ، ومنها أن يغفلوا عنها فلا ينظروا فيها . ومنها أن يلقوا الشكوك والشبهات فيها . ومنها : أن ينكروها مع العلم بها على سبيل العناد والحسد ، وأما حد الكفر وحقيقته فقد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم } ( البقرة : 6 ) . المسألة الثانية : قال سيبويه : ( سوف ) كلمة تذكر للتهديد والوعيد ، يقال : سوف أفعل ، وينوب عنها حرف السين كقوله : { سأصليه سقر } وقد ترد كلمة ( سوف ) في الوعد أيضا قال تعالى : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وقال : { سوف أستغفر لكم ربى } قيل أخره إلى وقت السحر تحقيقا للدعاء ، وبالجملة فكلمة ( السين ) و ( سوف ) مخصوصتان بالاستقبال . المسألة الثالثة : قوله : { نصليهم } أي ندخلهم النار ، لكن قوله : { نصليهم } فيه زيادة على ذلك فانه بمنزلة شويته بالنار ، يقال شاة مصلية أي مشوية . ثم قال تعالى : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } وفيه سؤالان :
السؤال الأول : لما كان تعالى قادرا على ابقائهم أحياء في النار أبد الآباد فلم لم يبق أبدانهم في النار مصونة عن النضج والاحتراق مع أنه يوصل اليها الآلام الشديدة ، حتى لا يحتاج إلى تبديل جلودهم بجلود أخرى ؟ والجواب : أنه تعالى لا يسأل عما يفعل ، بل نقول : انه تعالى قادر على أن يوصل إلى أبدانهم آلاما عظيمة من غير إدخال النار مع انه تعالى أدخلهم النار . السؤال الثاني : الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله مكانها جلودا أخرى وعذبها كان / هذا تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز . والجواب عنه من وجوه : الأول : أن يجعل النضج غير النضيج ، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ، فاذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل إلا إلى العاصي ، وعلى هذا التقدير المراد بالغيرية التغاير في الصفة . الثاني : المعذب هو الانسان ، وذلك الجلد ما كان جزأ من ماهية الانسان ، بل كان كالشيء الملتصق به الزائد على ذاته ، فاذا جدد الله الجلد وصار ذلك الجلد الجدد سببا لوصول العذاب اليه لم يكن ذلك تعذيبا الا للعاصي . الثالث : أن المراد بالجلود السرابيل ، قال تعالى : { سرابيلهم من قطران } ( إبراهيم : 50 ) فتجديد الجلود إنما هو تجديد السرابيلات . طعن القاضي فيه ، فقال : انه ترك للظاهر ، وأيضا السرابيل من القطران لا توصف بالنضج ، وإنما توصف بالاحتراق . الرابع : يمكن أن يقال : هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع ، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهى فقد ابتدأ ، وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله ، فكذا قوله : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها } ( النساء : 56 ) يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا ، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه . الخامس : قال السدي : إنه تعالى يبدل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه جلدا آخر وهذا بعيد ، لأن لحمه متناه ، فلا بد وأن ينفد ، وعند نفاد لحمه لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد ، ولم يكن ذلك الطريق مذكورا أولا والله أعلم . ثم قال تعالى : { ليذوقوا العذاب } وفيه سؤالان : السؤال الأول : قوله : { ليذوقوا العذاب } أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع ، كقولك للمعزوز : أعزك الله ، أي أدامك على العز وزادك فيه . وأيضا المراد ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب ، وإلا فهم ذائقون مستمرون عليه . السؤال الثاني : أنه إنما يقال : فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيئا قليلا منه ، والله تعالى قد وصف أنهم كانوا في أشد العذاب ، فكيف يحسن أن يذكر بعد ذلك أنهم ذاقوا العذاب ؟ والجواب : المقصود من ذكر الذوق الاخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كاحساس الذائق المذوق ، من حيث أنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق .
ثم قال تعالى : { إن الله كان عزيزا حكيما } والمراد من العزيز : القادر الغالب ، ومن الحكيم : الذي لا يفعل إلا الصواب ، وذكرهما في هذا الموضع في غاية الحسن ، لأنه يقع في القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الانسان في النار الشديدة أبد الآبادا فقيل : هذا ليس بعجيب من الله ، / لأنه القادر الغالب على جميع الممكنات ، يقدر على إزالة طبيعة النار ، ويقع في القلب أنه كريم رحيم ، فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد العظيم ؟ فقيل : كما أنه رحيم فهو أيضا حكيم ، والحكمة تقتضي ذلك . فان نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة ، والتهديد الصادر منه لا بد وأن يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه عن الكذب ، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين ههنا في غاية الحسن . ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيهآ أبدا لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا } . > 7 ! < < النساء : ( 57 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . > > اعلم أنه قد جرت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم بأن الوعد والوعيد يتلازمان في الذكر على سبيل الأغلب ، وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن الايمان غير العمل ، لأنه تعالى عطف العمل على الايمان ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه . قال القاضي : متى ذكر لفظ الايمان وحده دخل فيه العمل ، ومتى ذكر معه العمل كان الايمان هو التصديق ، وهذا بعيد لأن الأصل عدم الاشتراك وعدم التغير ، ولولا أن الأمر كذلك لخرج القرآن عن كونه مفيدا . فلعل هذه الألفاظ التي نسمعها في القرآن يكون لكل واحد منها معنى سوى ما نعلمه ، ويكون مراد الله تعالى منه ذلك المعنى لا هذا الذي تبادرت أفهامنا اليه . هذا على القول بأن احتمال الاشتراك والافراد على السوية ، وأما على القول بأن احتمال البقاء على الأصل واحتمال التغيير متساويان فلا ، لأن على هذا التقدير يحتمل أن يقال : هذه الألفاظ كانت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعة لمعنى آخر غير ما نفهمه الآن ، ثم تغيرت إلى هذا الذي نفهمه الآن . فثبت أن على هذين التقديرين يخرج القرآن عن كونه حجة ، وإذا ثبت أن الاشتراك والتغيير خلاف الأصل اندفع كلام القاضي .
المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر في شرح ثواب المطيعين أمورا : أحدها : أنه تعالى يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وقال الزجاج : المراد تجري من تحتها مياه الأنهار ، واعلم أنه إن جعل النهر اسما لمكان الماء كان الأمر مثل ما قاله الزجاج ، أما إن جعلناه في المتعارف اسما لذلك / الماء فلا حاجة إلى هذا الاقمار ، وثانيها : أنه تعالى وصفها بالخلود والتأبيد ، وفيه رد على جهم بن صفوان حيث يقول : إن نعيم الجنة وعذاب النار ينقطعان ، وأيضا أنه تعالى ذكر مع الخلود التأبيد ، ولو كان الخلود عبارة عن التأبيد لزم التكرار وهو غير جائز ، فدل هذا أن الخلود ليس عبارة عن التأبيد ، بل هو عبارة عن طول المكث من غير بيان أنه منقطع أو غير منقطع ، وإذا ثبت هذا الأصل فعند هذا يبطل استدلال المعتزلة بقوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } ( النساء : 93 ) على أن صاحب الكبيرة يبقى في النار على سبيل التأبيد ، لأنا بينا بدلالة هذه الآية أن الخلود لطول المكث لا للتأبيد ، وثالثها : قوله تعالى : { لهم فيها أزواج مطهرة } والمراد طهارتهن من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة : { لهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } واللطائف اللائقة بهذا الموضع قد ذكرناها في تلك الآية . ورابعها : قوله : { وندخلهم ظلا ظليلا } قال الواحدي : الظليل ليس ينبىء عن الفعل حتى يقال : إنه بمعنى فاعل أو مفعول ، بل هو مبالغة في نعت الظل ، مثل قولهم : ليل أليل . واعلم أن بلاد العرب كانت في غاية الحرارة ، فكان الظل عندهم أعظم أسباب الراحة ، ولهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة . قال عليه الصلاة السلام : ( السلطان ظل الله في الأرض ) فاذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظليل كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة ، هذا ما يميل اليه خاطري ، وبهذا الطريق يندفع سؤال من يقول : إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل . وأيضا نرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس اليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء الجنة بذلك لأن على هذا الوجه الذي لخصناه تندفع هذه الشبهات . ! 7 < { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلىأهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } . > 7 ! < < النساء : ( 58 ) إن الله يأمركم . . . . . > > اعلم انه سبحانه لما شرح بعض أحوال الكفار وشرح وعيده عاد إلى ذكر التكاليف مرة أخرى ، وأيضا لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور ، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات ، أو من باب الدنيا والمعاملات ، وأيضا لما ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وكان من أجل الأعمال الصالحة الأمانة / لا جرم أمر بها في هذه الآية . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة باب الكعبة ، وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح اليه ، وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه ، فلوى علي بين أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذه منه وفتح ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين ، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية ، فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر اليه ، فقال عثمان لعلي : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا . فهذا قول سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق . وقال أبو روق : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان : أعطني المفتاح فقال : هاك بامانة الله ، فلما أراد أن يتناوله ضم يده ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مرة ثانية : ان كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأعطني المفتاح ، فقال : هاك بامانة الله ، فلما أراد أن يتناوله ضم يده ، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك مرة ثالثة ، فقال عثمان في الثالثة : هاك بامانة الله ودفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يطوف ومعه المفتاح وأراد أن يدفعه إلى العباس ، ثم قال : يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس نصيبا معك ، فأنزل الله هذه الآية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان : ( هاك خالدة تالدة لا ينزعها منك إلا ظالم ) ثم ان عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده اليوم . المسألة الثانية : اعلم أن نزول هذه الآية عند هذه القصة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القضية ، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات ، واعلم أن معاملة الانسان اما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد ، أو مع نفسه ، ولا بد من رعاية الامانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة . أما رعاية الامانة مع الرب : فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات ، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود : الامانة في كل شيء لازمة ، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم . وقال ابن عمر رضي الله عنهما : إنه تعالى خلق فرج الانسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها ، واعلم أن هذا باب واسع ، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها ، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام ، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي ، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها ، وكذا القول / في جميع الأعضاء . وأما القسم الثاني : وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع / ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن ، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم ، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة ، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم ، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، ونهيهم عن قولهم للكفار : ان ما أنتم عليه أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها ، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره . وفي اخبارها عن انقضاء عدتها .
وأما القسم الثالث : وهو أمانة الانسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والاصلح له في الدين والدنيا ، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) فقوله : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات } يدخل فيه الكل ، وقد عظم الله أمر الامانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال : { إنا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان } ( الأحزاب : 72 ) وقال : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } ( المؤمنون : 8 ) وقال : { ولا تخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 27 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا أيمان لمن لا أمانة له } وقال ميمون بن مهران : ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر : الامانة والعهد وصلة الرحم . وقال القاضي : لفظ الامانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية : { } وقال ميمون بن مهران : ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر : الامانة والعهد وصلة الرحم . وقال القاضي : لفظ الامانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلى أهلها } فوجب أن يكون المراد بهذه الامانة ما يجري مجرى المال ؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير . المسألة الثالثة : الامانة مصدر سمي به المفعول ، ولذلك جمع فانه جعل اسما خالصا . قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { الامانة } على التوحيد . المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي : من الامانات الودائع ، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة . وعن بعض السلف أنها مضمونة ، روى الشعبي عن أنس قال : استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي ، فضمنني عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وعن أنس قال : كان لانسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت ، فقال عمر : ذهب لك معها شيء ؟ قلت لا ، فألزمني الضمان ، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال : قال رسول / الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضمان على راع ولا على مؤتمن ) وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان . المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : العارية مضمونة بعد الهلاك ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : غير مضمونة . حجة الشافعي قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلى أهلها } وظاهر الأمر للوجوب ، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها ، ورد ضمانها ردها بمعناها ، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين . ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام : ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة ، لكن العام بعد التخصيص حجة ، وأيضا فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون ، وأن المودع غير مضمون ، والعارية وقعت في البين / فنقول : المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر ، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه ، بخلاف المودع ، فانه أخذ الوديعة لغرض المالك ، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم ، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع . حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا ضمان على مؤتمن ) . قلنا : إنه مخصوص في المستام ، فكذا في العارية ، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى . قوله تعالى : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الامانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق اليه فهذا هو الأمانة ، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب لانسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق ، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الانسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره ، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالامانة أولا ، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق ، فما أحسن هذا الترتيب ، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط . / المسألة الثانية : أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } والتقدير : إن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . وقال : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ( النحل : 90 ) وقال : { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى } وقال : { مئاب ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين الناس بالحق } ( ص: 26 ) وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت ) وعن الحسن قال : ان الله أخذ على الحكام ثلاثا : أن لا يتبعوا الهوى ، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس ، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا . ثم قرأ { مئاب ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض } إلى قوله : { ولا تتبع الهوى } ( ص: 26 ) وقرأ { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون } ( المائدة : 44 ) إلى قوله : { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ) ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } ( الصافات : 22 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( ينادي منادي يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة ، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار ) وقال أيضا : { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } ( إبراهيم : 42 ) وقال : { فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } ( النمل : 52 ) . فان قيل : الغرض من الظلم منفعة الدنيا . فأجاب الله عن السؤال بقوله : { لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين } ( القصص : 58 ) . المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء : في الدخول عليه ، والجلوس بين يديه ، والاقبال عليهما ، والاستماع منهما ، والحكم عليهما قال : والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب ، فان كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه . قال : ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته ، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين / ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف ، ولا يلقن المدعي عليه الانكار والاقرار ، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا ، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر ، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما ، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه . وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه ، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه ، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر ، وذلك هو المراد بقوله : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } .
/ المسألة الرابعة : قوله : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم ، بل ذلك لبعضهم ، ثم بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت سائر الدلائل على أنه لا بد للامة من الامام الأعظم ، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في البلاد ، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الاجمال . ثم قال تعالى : { إن الله يعظكم به } أي نعم شيء يعظكم به ، أو نعم الذي يعظكم به ، والمخصوص بالمدح محذوف ، أي نعم شيء يعظكم به ذاك ، وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل . ثم قال : { إن الله كان سميعا بصيرا } أي اعملوا بأمر الله ووعظه فانه أعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم ، وفيه دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى لما أمر في هذه الآيات بالحكم على سبيل العدل وبأداء الأمانة قال : { إن الله كان سميعا بصيرا } أي إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم ، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك ، ولا شك أن هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع ، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي ، وإليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : ( اعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك ) وفيه دقيقة أخرى ، وهي أن كلما كان احتياج العبد أشد كانت عناية الله أكمل ، والقضاة والولاة قد فوض الله إلى أحكامهم مصالح العباد ، فكان الاهتمام بحكمهم وقضائهم أشد ، فهو سبحانه منزه عن الغفلة والسهو والتفاوت في ابصار المبصرات وسماع المسموعات ، ولكن لو فرضنا أن هذا التفاوت كان ممكنا لكان أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان هو وقت حكم الولاة والقضاة ، فلما كان هذا الموضع مخصوصا بمزيد العناية لا جرم قال في خاتمة هذه الآية : { إن الله كان سميعا بصيرا } فما أحسن هذه المقاطع الموافقة لهذه المطالع . ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الا مر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الا خر ذالك خير وأحسن تأويلا } . > 7 ! / < < النساء : ( 59 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال : { بصيرا ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله } ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة ، فاذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة : الطاعة موافقة الارادة ، وقال أصحابنا : الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الارادة . لنا أنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة ، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مرادا أم لا ؟ فاذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مرادا ثبت حيئنذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الارادة ، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله وخبره قد تعلقا بأن الايمان لا يوجد من أبي لهب ألبتة ، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا ، ووجود الايمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر ، والجمع بين الضدين محال ، فكان صدور الايمان من أبي لهب محالا . والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا ، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريدا له ، فثبت أنه تعالى غير مريد للايمان من أبي لهب وقد أمره بالايمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الارادة ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته ، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الارادة بقول الشاعر : رب من أنضجت غيظا صدره قد تمنى لي موتا لم يطع رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الارادة . والجواب : أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة . المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه ، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع : الكتاب والسنة والاجماع والقياس ، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب . أما الكتاب والسنة فقد وقعت الاشارة إليهما بقوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } . فان قيل : أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله ، فما معنى هذا العطف ؟ قلنا : قال القاضي : الفائدة في ذلك بيان الدلالتين ، فالكتاب يدل على أمر الله ، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة ، والسنة تدل على أمر الرسول ، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة ، فثبت بما ذكرنا أن قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة .
/ المسألة الثالثة : اعلم أن قوله : { وأولى الامر منكم } يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة ، والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وانه محال ، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ / فثبت قطعا أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوما ، ثم نقول : ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة ، لا جائز أن يكون بعض الأمة ؛ لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا ، وإيجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول اليهم والاستفادة منهم ، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم ، عاجزون عن الوصول اليهم ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم ، واذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة ، ولا طائفة من طوائفهم . ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله : { وأولى الامر } أهل الحل والعقد من الأمة ، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة . فان قيل : المفسرون ذكروا في { أولى الامر } وجوها أخرى سوى ما ذكرتم : أحدها : أن المراد من أولى الأمر الخلفاء الراشدون ، والثاني : المراد أمراء السرايا ، قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عبدالله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية . وعن ابن عباس أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر ، فجرى بينهما اختلاف في شيء ، فنزلت هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر . وثالثها : المراد العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم ، وهذا رواية الثعلبي عن ابن عباس وقول الحسن ومجاهد والضحاك . ورابعها : نقل عن الروافض أن المراد به الأئمة المعصومون ، ولما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه ، وكان القول الذي نصرتموه خارجا عنها كان ذلك باجماع الأمة باطلا . السؤال الثاني : أن نقول : حمل أولى الأمر على الأمراء والسلاطين أولي مما ذكرتم . ويدل عليه وجوه : الأول : أن الامراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق ، فهم في الحقيقة أولو الأمر / أما أهل الاجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق ، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى . والثاني : أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه ، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل ، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل ، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الاجماع . الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء ، فقال : ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني ) فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال الذي ذكرناه .