Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V12/P089–V12/P090

! 7 < { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } > 7 < المائدة : ( 103 ) ما جعل الله . . . . . > > قوله تعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } في الآية مسائل : المسألة الأولى : أعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث عن أمور ما كلفوا بالبحث عنها كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها ، ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها ، بين تعالى أن ذلك باطل فقال : { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } . المسألة الثانية : أعلم أنه يقال : فعل وعمل وطفق وجعل وأنشأ وأقبل ، وبعضها أعم من بعض ، وأكثرها عموما فعل ، لأنه واقع على أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، أما إنه واقع على أعمال الجوارح فظاهر ، وأما إنه واقع على أعمال القلوب ، فدليل عليه قوله تعالى : { لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولا ءاباؤنا } إلى قوله { كذلك فعل الذين من قبلهم } ( النحل : 35 ) وأما عمل فإنه أخص من فعل ، لأنه لا يقع إلا على أعمال الجوارح ، ولا يقع على الهم والعزم والقصد ، والدليل عليه قوله عليه السلام : ( نية المؤمن خير من عمله ) جعل النية خيرا من العمل ، فلو كانت النية عملا ، لزم كون النية خيرا من نفسها ، وأما جعل فله وجوه : أحدها : الحكم ومنه قوله { وجعلوا الملئكة الذين عم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) وثانيها : الخلق ، ومنه قوله : { وجعل الظلمات والنور } ( الانعام : 1 ) . وثالثها : بمعنى التصيير ومه قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا } ( الزخرف : 3 ) . إذا عرفت هذا فنقول : قوله { ما جعل الله } أي ما حكم الله بذلك ولا شرع ولا أمر به . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أشياء : أولها : البحيرة : وهي فعلية من البحر وهو الشق ، يقال : بحر ناقته إذا شق أذنها ، وهي بمعنى المفعول ، قال أبو عبيدة والزجاج : الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها ذكرا شقوا أذن الناقة وامتنعوا من ركوبها وذبحها وسبوها لآلهتهم ، ولا يجز لها وبر ، ولا يحمل على ظهرها ، ولا تطرد من ماء ، ولا تمنع عن مرعى ، ولا ينتفع بها وإذا لقيها المعبي لم يركبها تحريجا . وأما السائبة : فهي فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض يقال : ساب الماء وسابت الحية ، فالسائبة هي التيتركت حتى تسيب إلى حيث شاءت ، وهي المسيبة كعيشة راضية بمعنى مرضية ، وذكروا فيها وجوها : أحدها : ما ذكره أبو عبيدة ، وهو أن الرجل كان إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذرا أو شكر نعمة سيب بعيرا ، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها ، وثانيها : قال الفراء : إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث ، سيبت فلم تركب ولم تحلب ولم يجز لها وبر ، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف ، وثالثها : قال ابن عباس : السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها ، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء ، فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ، ورابعها : السائبة هو العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث .

حصہ V12/P090–V12/P091

أما الوصيلة : فقال المفسرون : إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم ، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم ، فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها / ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها ، وأما الحام فيقال : حماه يحميه إذا حفظه وفيه وجوه : أحدها : الفحل إذا ركب ولد ولده . قيل : حمى ظهره أي حفظه عن الركوب فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت فحينئذ تأكله الرجال والنساء . وثانيها : إذا نتجت الناقة عشرة أبطن قالوا حمت ظهرها حكاه أبو مسلم . وثالثها : الحامهو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى ، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها ، وهو قول السدي . فإن قيل : إذا جاز إعتاق العبيد هذه البهائم من الذبح والاتعاب والايلام . قلنا : الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته ، فإذا تمرد عن طاعة الله تعالى عوقت بضرب الرق عليه ، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى ، فكان ذلك عبادة مستحسنة ، وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع المكلفين ، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها من غير أن يحصل في مقابلتها فائدة ، فظهر الفرق ، وأيضا الإنسان إذا كان عبدا فأعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه ، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية مصالح نفسها فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة فظهر الفرق . ثم قال تعالى : { ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } قال المفسرون : إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل ، فاتخذ الأصنام ، ونصب الأوثان ، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه ) والقصب المعا وجمعه الاقصاب ، ويروي يجر قصبه في النار . قال ابن عباس : قوله { ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } يريد عمرو بن لحي وأصحابه يقولون على الله هذه الأكاذيب والأباطيب في تحريمهم هذه الأنعام ، والمعنى أن الرؤساء يفترون على الله على الكذب ، فأما الأتباع والعوام فأكثرهم لا يعقلون ، فلا جرم يفترون على الله هذه الأكاذيب من أولئك الرؤساء ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنآ أولو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } > 7 ! < < المائدة : ( 104 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > والمعنى معلوم وهو رد على أصحاب التقليد وقد استقصينا الكلام فيه في مواضع كثيرة . وأعلم أن الواو في قوله { وإذا قيل لهم } واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار ، وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون . وأعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي ، وإنما يكون عالما مهتديا إذا بنى قوله على الحجة والدليل ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالما مهتديا ، فوجب أن لا يجوز الاقتداء به . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ياأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الا رض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلواة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الا ثمين } > 7 <

حصہ V12/P091–V12/P092

المائدة : ( 105 - 106 ) يا أيها الذين . . . . . > > قوله تعالى : { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } في الآية مسائل : المسألة الأولى : لما بين أنواع التكاليف والشرائع والأحكام ثم قال : { ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ) إلى قوله { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( المائدة : 104 ) فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الاعذار والانذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم وضلالتهم ، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم ، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه ، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم ، فلهذا قال : { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } . المسألة الثانية : قوله { عليك أنفسكم } أي احفظوا من ملابسة المعاصي والاصرار على الذنوب قال النحويون عليك وعندك ودونك من جملة أسماء الأفعال . تقول العرب : عليك وعندك ودونك ، فيعدونها إلى المفعول ويقيمونها مقام الفعل ، وينصبون بها ، فيقال : عليك زيدا كأنه قيل : خذ زيدا فقد علاك ، أي أشرف عليك ، وعندك زيدا ، أي حضرك فخذه ودونك ، أي قرب منك فخذه ، فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها ونقل صاحب ( الكشاف ) { عليكم أنفسكم } بالرفع عن نافع . المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوها : أحدها : ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبل من أهل الكتاب الجزية ولم يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف ، عير المنافقون المؤمنين بقبول الجزية من بعض الكفار دون البعض ، فنزلت هذه الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى ، وثانيها : أن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم . فقيل لهم : عليكم أنفسكم ، وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين ، وثالثها : أنهم كانوا يغتمون لعشائرهم لما ماتوا على الكفر فنهوا عن ذلك ، والأقرب عندي أنه لما حكى عن بعضهم أنه إذا قيل لهم : { تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( المائدة : 104 ) ذكر تعالى هذه الآية ، والمقصود منها بيان أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يتشبهوا بهم في هذه الطريقة الفاسدة ، بل ينبغي أن يكونوا مصرين على دينهم ، وأن يعلموا أنه لا يضرهم جهل أولئك الجاهلين إذا كانوا راسخين في دينهم ثابتين فيه . المسألة الرابعة : فإن قيل : ظاهر هذه الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجب . قلنا الجواب عنه من وجوه : الأول : وهو الذي عليه أكثر الناس ، إن الآية لا تدل على ذلك بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي ، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل ، خطب الصديق رضي الله عنه فقال : إنكم تقرؤن هذه الآية { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم } وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب ) .

حصہ V12/P092–V12/P093

والوجه الثاني في تأول الآية : ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا قوله { عليكم أنفسكم } يكون هذا في آخر الزمان : قال ابن مسعود لما قرئت عليه هذه الآية ليس هذا بزمانها ، ما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض ، فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا ووكل كل امرىء ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية ، وهذا القول عندي ضعيف ، لأن قوله { ذلك بأن الذين كفروا } خطاب عام ، وهو أيضا خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب . والوجه الثالث في تأويل الآية : مال ذهب إليه عبد الله بن المبارك قال : هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه قال : { عليكم أنفسكم } يعني عليكم أهل دينكم ولا يشركم من ضل من الكفار ، وهذا كقوله { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) يعني أهل دينكم فقوله { عليكم أنفسكم } يعني بأن يعظ بعضكم بعضا ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات ، وينفره عن القبائح والسيئات ، والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله { عليكم أنفسكم } معناه احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمرا بأننحفظ أنفسنا فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجبا . والوجه الرابع : أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ ، ولا يتركون الكفر ، بسبب الأمر بالمعروف ، فهاهنا لا يجب على الإنسان أن يأمرهم بالمعروف ، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين ، حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين . الوجه الخامس : أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله ، فهاهنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل ، وكان ابن شبرمة يقول : من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر . الوجه السادس : لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل فلم يقبل ذلك . الوجه السابع : { عليكم أنفسكم } من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة ، فإنلم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم . والوجه الثامن : أنه تعالى قال لرسوله { فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } ( النساء : 84 ) وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول فكذا هاهنا . المسألة الخامسة : قريء لا يضركم بفتح الراء مجزوما على جواب قوله { عليكم أنفسكم } وقريء بضم الراء ، وفيه وجهان : أحدهما : على وجه الخبر أي ليس يضركم من ضل ، والثاني : أن حقها الفتح على الجواب ولكن ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد . ثم قال تعالى : { إلى الله مرجعكم جميعا } يريد مصيركم ومصير من خالفكم { فينبئكم بما كنتم تعملون } يعني يجازيكم بأعمالكم . ! 7 < { يا أيها الذين آمنوا شهداة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } > 7 ! قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } . اعلم أنه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله { عليكم أنفسكم } أمر بحفظ المال في قوله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } وفيه مسألتان :

حصہ V12/P093–V12/P094

المسألة الأولى : اتفقوا على أن سبب نزول هذه الآية تميما الداري وأخاه عديا كان نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بديل عمرو بن العاص وكان مسلما مهاجرا ، خرجوا للتجارة فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبه بذلك ، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله ، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشا بالذهب ثلثمائة مثقال ، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما ، ففتشوا فوجدوا الصحيفة ، وفيها ذكر الإناء ، فقالوا لتميم وعدي : أين الإناء ؟ فقالا لا ندري ، والذي دفع إلينا دفعناه إليكم ، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثانية : قوله { شهادة بينكم } يعني شهادة ما بينكم وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر ، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند وقوع التنازع ، وحذف ما من قوله { شهادة بينكم } جائز لظهوره ، ونظيره قوله { هذا فراق بيني وبينك } [ الكهف : 78 ] أي ما بيني وبينك ، وقوله { لقد تقطع بينكم } [ الأنعام : 94 ] في قراءة من نصب ، وقوله { إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } يعني الشهادة المحتاج إليها عند حضور الموت ، وحين الوصية بدل من قوله { إذا حضر أحدكم } لأن زمان حضور الموت هو زمان حضور الوصية ، فعرف ذلك الرمان بهذين الأمرين الواقعين فيه ، كما يقال ائتني إذا زالت الشمس حين صلاة الظهر . والمراد بحضور الموت مشارفته وظهور أمارات وقوعه ، كقوله { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية } [ البقرة : 180 ] قالوا وقوله [ إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ] دليل على وجوب الوصية ، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان الوصية ، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين ، وإنما تحصل هذه الملازمة عند وجوب الوصية . ثم قال تعالى { اثنان ذو عدل منكم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية حذف ، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم ، وتقدير الآية : شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف ، هي أن يشهد اثنان ذو عدل منكم ، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوما .

حصہ V12/P094–V12/P095

المسألة الثانية : اختلف المفسرون في قوله { منكم } على قولين : الأول وهو قول عامة المفسرين أن المراد : اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين ، أي من أهل دينكم وملتكم ، وقوله { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } يعني أو شهادة آخرين من غير أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر ، فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر ، وهذا قول ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج . قالوا : إذا كان الإنسان في الغربة ، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته ، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة ، ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة . قال الشعبي رحمه الله : مرض رجل من المسلمين في الغربة ، فلم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان واليا عليها ، فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته . فقال أبو موسى : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما . ثم إن القائلين بهذا القول ، منهم من قال هذا الحكم بقي محكما ومنهم من قال صار منسوخا . القول الثاني ، وهو قول الحسن والزهري الفقهاؤ : أن قوله { ذوا عدل منكم } أي من أقاربكم وقوله { أو آخران من غيركم } أي من الأجانب { إن أنتم ضربتم في الأرض } أي أن توقع الموت في السفر ، ولم يكن معهم أحد من أقاربكم ، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية . وجعل الأقارب أولا لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق ، وبورثته أرحم وأرأف . واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بوجوه : الحجة الأولى : أنه تعالى قال في أول الآية { يا أيها الذين آمنوا } فعمم بهذا الخطاب جميع المؤمنين ، فلما قال بعده { أو آخران من غيركم } كان المراد أو آخران من جميع المؤمنين لا محالة . الحجة الثانية : أنه تعالى قال { أو لآخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } وهذا يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد في السفر ، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين ، لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطا بالسفر ، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر . الحجة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد الصلاة ، وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف ، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين . الحجة الرابعة : أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصاريين على بديل وكان مسلما . الحجة الخامسة : ما روينا أن أبا موسى الأشعري قضى بشهادة اليهوديين بعد أن حلفهما ، وما أنكر عليه أحد من الصحابة ، فكان ذلك إجماعا .

حصہ V12/P095–V12/P096

الحجة السادسة : إنا إنما نجيز إشهاد الكافرين إذا لم نجد أحدا من المسلمينن والضرورات قد تبيح المحذورات ، ألا ترى أنه تعالى أجاز التيمم والقصر في الصلاة ، والافطار في رمضان ، وأكل الميتة في حال الضرورة ، والضرورة حاصلة في هذه المسألة ، لأن المسلم إذا قرب أجله في الغربة ولم يجد مسلما يشهده على نفسه ولم تكن شهادة الكفار مقبولة ، فإنه يضيع أكثر مهماته ، فإنه ربما وجبت عليه زكوات وكفارات وما أداها ، وربما كان عنده ودائع أو ديون كانت في ذمته . وكما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء ، كالحيض والحبل والولادة والاستهلال لأجل أنه لا يمكن وقوف الرجال على هذه الاحوال ، فاكتفينا فيها بشهادة النساء لأجل الضرورة ، فكذا ههنا . وأما قول من يقول بأن هذا الحكم صار منسوخا فبعيد ، لاتفاق أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن ، وليس فيها منسوخ ، واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله { وأشهدوا ذوي عدك منكم } [ الطلاق : 2 ] والكافر لا يكون عدلا . أجاب الأولون عنه : لم لا يجوز ان يكون المراد بالعدل من كان عدلا في الاحتراز عن الكذب ، لا بد من كان عدلا في الدين والاعتقاد ، والدليل عليه : أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع ، مع أنهم ليسوا عدولا في مذاهبهم ، ولكنهم لما كانوا عدولا في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم ، فكذا ههنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل ، إلا أن قوله { وأشهدوا ذوي عدل منكم } عام ، وقول في هذه الآية { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منا في الحضر ، واكتفى بشهادة من لا يكون منا في السفر ، فهذه الآية خاصة ، والآية التي ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام ، لا سيما إذا كان الخاص متأخرا في النزول ، ولا شك أن سورة المائدة متأخرة ، فكان تقديم هذه الآية الخاصة على الآية العامة التي ذكرتموها واجبا بالاتفاق والله أعلم . ثم قال تعالى { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله { أو آخران } عطف على قوله { اثنان } والتقدير : شهادة بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم . المسألة الثانية : قوله { إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت } المقصود منه بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيرهم مشروط بما إذا كان المستشهد مسافرا ضاربا في الأرض وحضرت علامات نزول الموت به . ثم قال تعالى { وتحسبونهما من بعد الصلاة } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : تحسبونهما ، أي توقفونهما كما يقول الرجل : مر بي فلان على فرس فحبس علي دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته . فإن قيل : ما موقع تحبسونهما ؟ قلنا : هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن حصلت الريبة فيهما فقيل تحبسونهما . المسألة الثانية : قوله { من بعد الصلاة } فيه أقوال : الأول : قال ابن عباس من بعد صلاة أهل دينهما ، والثاني : قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر . فإن قيل : كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر ، مع أن المذكور هو الصلاة المطلقة ؟

حصہ V12/P096–V12/P098

قلنا : إنما عرف هذا التعيين بوجوه : أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ ، وثانيها : ما روي أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ، ودعا بعدي وتميم ، فاستحلفهما عند المنبر ، فصار فعل الرسول دليلا على التقييد ؛ وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب ، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها . والقول الثالث : قال الحسن : المراد بعد الظهر أو بعد العصر ، لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما . القول الرابع : أن المراد بعد أداء الصلاة أي صلاة كانت من التحليف بعد إقامة الصلاة هو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فكان احتراز الحالف عن الكذب في ذلك الوقت أتم وأكمل ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق ، والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان ، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام ، وبالمدينة عند المنبر ، وفي بيت المقدس عند الصخرة ، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان أو مكان ، وهذا على خلاف الآية ، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم . ولا شك أن الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه أقوى . ثم قال تعالى { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله { فيقسمان بالله } للجزاء يعني : تحسبونهما فيقدمان لأجل ذلك الحبس على القسم . قوله { وإن ارتبتم } اعتراض بين القسم والمقسم عليه . والمعنى : إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما ، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار ، لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع ، ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال إنها منسوخة ، وعن علي عليه السلام أنه كان يحلف الشاهد والراوي عند التهمة . المسألة الثالثة : قوله { لا نشتري به ثمنا } يعني يقسمان بالله أنا لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا قائلين لا نشتري به ثمنا ، وهو كقوله { إن الذين يشرون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [ آل عمران : 77 ] أي لا نأخذ ولا نستبدل ، ومن باع شيئا فقد اشترى ثمنه ، وقوله { ولو كان ذا قربى } أي لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا ، ولو كان ذلك الشيء حبوة ذي قربى أو نفسه ، وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بسببهم أعظم ، وهو كقوله { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين } [ النساء : 135 ] . ثم قال تعالى : { ولا نكتم شهادة الله } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا عطف على قوله { لا نشتري به ثمنا } يعني أنهما يقسمان حال ما يقولان لا نشتري به ثمنا ولا نكتم شهادة الله أي الشهادة التي أمر الله بحفضها وإظهارها . المسألة الثانية : نقل عن الشعبي أنه وقف على قوله { شهادة } ثم ابتدأ الله بالمد على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه ، وروي عنه بغير مد على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول الله لقد كان كذا ، والمعنى تالله . ثم قال تعالى { إنا إذا لمن الآثمين } يعني إذا كتمناها كنا من الآثمين . ! 7 < { فإن عثر على أنهما استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الا وليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينآ إنا إذا لمن الظالمين } . > 7 <

حصہ V12/P098–V12/P099

المائدة : ( 107 ) فإن عثر على . . . . . > > ثم قال تعالى : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } قال الليث رحمه الله : عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره . وأعثرت فلانا على أمري أي أطلعته عليه ، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء ، قال أهل اللغة : وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه ، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو ، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيا عليه قد عثر عليه ، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه ، ومنه قوله تعالى : { وكذالك أعثرنا عليهم } ( الكهف : 21 ) أي اطلعنا ، ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة . ثم قال تعالى : { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثما أي حنثا في اليمين بكذب في قول أو خيانة في ممال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا . وروي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسولل الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يوجد منال خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واخلفوا فقيل : وجد بمكة . وقيل : لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا ؟ فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأننزل الله تعالى : { فإن عثر } الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت . وكان تميم الداري يقول بعدما أسلم : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال : حلفت كاذبا وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا الثمن . ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت . المسألة الثانية : قوله { فآخران يقومان مقامهما } أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما وقوله { من الذين استحق عليهم الاوليان } المراد به موالي الميت ، وقد أكثر الناس في أنه لم وصف موالي الميت بهذا الوصف ، والأصح عندي فيه وجه واحد ، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك المال مستعليا على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال .

حصہ V12/P099–V12/P100

المسألة الثالثة : أما قوله { الأليان } ففيه وجوه : الأول : أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير : هما الأليان وذلك لأنه لما قال { إثما فآخران يقومان مقامهما } فكأنه قيل : ومن هما فقيل الأوليان : والثاني : أن يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان ، والثالث : أجاز الأخفش أن يكون قوله { الاوليان } صفة لقوله { فآخران } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة ، كقوله تعالى { كمشكاة فيها مصباح } ( النور : 35 ) فمصباح نكرة قم قال { المصباح } ثم قال في { زجاجة } ثم قال { الزجاجة } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلا ، ثم يقول إنسان من الرجل ، فصار بالعود إلى ذكره معرفة . الرابع : يجوز أن يكون قوله { الاوليان } بدلا من قوله آخران ، وإبدال المعرفة من النكرة كثير . المسألة الرابعة : إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين : الأول : معنى الأوليان الأقربان إلى الميت . الثاني : يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين ، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت ، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك ، فكان اليمين حقا لهما ، وهذا كما أن إنسانا أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولا لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه . المسألة الخامسة : القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء ، والأليان تثنية الأولى ، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع ، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله { من الذين استحق عليهم } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ، ألا ترى أنه قد تقدم { تعملون يأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم } ( المائدة : 106 ) وكذلك { اثنان ذوا عدل } ( المائدة : 106 ) ذكرا في اللفظ قبل قوله { يأيها الذين ءامنوا شهادة } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية ، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ، ووجهه ظاهر مما تقدم . ثم قال تعالى : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين } . والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال ، وفي نسبتهم إلى الخيانة . وقوله { إنا إذا لمن الظالمين } أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل . ! 7 < { ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين } . > 7 < المائدة : ( 108 ) ذلك أدنى أن . . . . . > > ثم قال تعالى : { ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } . والمعنى ذلك الحكم الذي ذكرناه والطريق الذي شرعناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، وأن يأتوا بالشهادة لا على وجهها ، ولكنهم يخافون أن يحلفوا على ما ذكروه لخوفهم من أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم ، فيظهر كذبهم ويفتضحون فيما بين الناس . ثم قال تعالى : { واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين }

حصہ V12/P100–V12/P101

والمعنى اتقوا الله أن تخونوا في اومانات واسمعوا مواقظ الله أي اعملوا بها وأطيعوا الله فيها والله لا يهدي القوم الفاسقين ، وهو تهديد ووعيد لمن خالف حكم الله وأوامره فهذا هو القول في تفسير هذه الآية التي اتفق المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعرابا ونظما وحكما ، وروى الواحدي رحمه الله في ( البسيط ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام . والحكم الذي ذكرناه في هذه الآية منسوخ عند أكثر الفقهاء والله أعلم بأسرار كلامه . ! 7 < { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب } . > 7 < المائدة : ( 109 ) يوم يجمع الله . . . . . > > قوله تعالى : { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام ، أتبعها إما بالإلهيات ، وءما بشرح أحوال الأنبياء ، أو بشرح أحوال القيامة ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر فيما تقدم أنواعا كثيرة من الشرائع أتبعها بوصف أحوال القيامة أولا ، ثم ذكر أحوال عيسى . أما وصف أحوال القيامة فهو قوله { يوم يجمع الله الرسل } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها متصلة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : قال الزجاج تقديره : واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل ، ولا يجوز أن ينصب على الظرف لهذا الفعل لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم ، ولكن على المفعول له . الثاني : قال القفال رحمه الله : يجوز أن يكون التقدير : والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل ، أي لا يهديهم إلى الجنة كما قال { ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم } ( النساء : 168 / 169 ) . والقول الثاني : أنها منقطعة عما قبلها ، وعلى هذا التقدير ففيه أيضا وجهان : الأول : أن التقدير : اذكر يوم يجمع الله الرسل . والثاني : أن يكون التقدير : يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قوله ماذا منتصب بأجبتم انتصاب مصدره على معنى أي أجابه أجبتم إجابة إنكار أم إجابة إقرار . ولو أريد الجواب لقيل بماذا أجبتم . فإن قيل : وأي فائدة في هذا السؤال ؟ قلنا : توبيخ قومهم كما أن قوله { وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت } ( التكوير : 8 ، 9 ) المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل . المسألة الثالثة : ظاهر قوله تعالى : { قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب } يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم . والجمع بين هذا وبين قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) مشكل . وأيضا قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر الناس فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم بذلك .

حصہ V12/P101–V12/P102

والجواب عنه من وجوه : الأول : قال جمع من المفسرين إن للقيامة زلازل وأهوالا بحيث تزول القلوب عن مواضعها عند مشاهدتها . فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند مشاهدة تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور ، فهنالك يقولون لا علم لنا ، فإذا عادت قلوبهم إليهم فعند ذلك يشهدون للأمم . وهذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم من الأكابر فهو عندي ضعيف ، لأنه تعالى قال في صفة أهل الثواب { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) وقال أيضا { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة } ( عبس : 38 ، 39 ) بل إنه تعالى قال : { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا } ( البقرة : 62 ) فكيف يكون حال الأنبياء والرسل أقل من ذلك ، ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل منزلة من هؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يخافون ألبتة . والوجه الثاني : أن المراد منه المبالغة في تحقيق فضيحتهم كمن يقول لغيره ما تقول في فلان ؟ فيقول : أنت أعلم به مني ، كأنه قيل : لا يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره ، وهذا أيضا ليس بقوي لأن السؤال إنما وقع عن كل الأمة وكل الأمة ما كانوا كافرين حتى تردي الرسل بالنفي تبكيتهم وفضيحتهم . والوجه الثالث : في الجواب وهو الأصح وهو الذي اختاره ابن عباس أنهم إنما قالوا لا علم لنا لأنك تعلم ما أطهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا . فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم لأن علمهم عند الله كلا علم . والوجه الرابع : في الجواب أنهم قالوا : لا علم لنا ، إلا أن علمنا جوابهم لنا وقت حياتنا ، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا . والجزاء والثواب إنما يحصلان على الخاتمة وذلك غير معلوم لنا . فلهذا المعنى قالوا لا علم لنا وقوله { إنك أنت علام الغيوب } يشهد بصحة هذين الجوابين . الوجه الخامس : وهو الذي خطر ببالي وقت الكتابة ، أنه قد ثبت في علم الأصول أن العلم غير والظن غير والحاصل عند كل أحد من حال الغير إنما هو الظن لا العلم ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( إنكم لتختصمون لدي ولعل بعضكم ألحن بحجته فمن حكمت له بغير حقه فكأنما قطعت له قطعة من النار ) أو لفظ هذا معناه . فالأنبياء قالوا : لا علام لنا ألبتة بأحوالهم ، إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن ، والظن كان معتبرا في الدنيا ، لأن الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن ، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء ، وبواطن الأمور . فلهذا السبب قالوا { لا علم لنا إلا ما علمتنا } ولم يذكروا ألبتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة . الوجه السادس : أنهم لما علموا أنه سبحانه وتعالى عالم لا يجهل ، حكيم لا يسفه ، عادل لا يظلم ، علموا أن قولهم لا يفيد خيرا ، ولا يدفع شرا فرأوا أن الأدب في السكوت ، وفي تفويض الأمر إلى عدل الحي القيوم الذي لا يموت . المسألة الرابعة : قريء { علام الغيوب } بالنصب . قال صاحب ( الكشاف ) والتقدير أن الكلام قد تم بقوله { إنك أنت } أي أنت الموصوف بأوصافك المعروفة ، من العلم وغيره . ثم نصب { علام الغيوب } على الاختصاص ، أو على النداء ، أو وصفا لاسم إن .

حصہ V12/P102–V12/P103

المسألة الخامسة : دلت على جواز إطلاق لفظ العلام عليه ، كما جاز إطلاق لفظ الخلاق عليه . أما العلامة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقها في حقه ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث . ! 7 < { إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرىء الا كمه والا برص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى وإذ كففت بنىإسراءيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هاذا إلا سحر مبين } . > 7 < المائدة : ( 110 ) إذ قال الله . . . . . > > قوله تعالى : { إذ قال الله ياعيسى عيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك } في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل { ماذا أجبتم } ( المائدة : 109 ) توبيخ من تمرد من أممهم وأشد الأمم افتقارا إلى التوبيخ والملاملا النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام لأن طعن سائر الأمم كان مقصورا على الأنبياء وطعن هؤلاء الملاعين تعدى إلى جلال الله وكبريائه حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الإله به ، وهو اتخاذ الزوجة والولد فلا جرم ذكر الله تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة والمقصود منه توبيخ النصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة على عيسى تدل على أنه عبد وليس بإله . والفائدة في هذه الحكاية تنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم . المسألة الثانية : موضع { إذ } يجوز أن يكون رفعا بالابتداء على معنى ذاك إذ بقال الله ، ويجوز أن يكون المعنى اذكر إذ قال الله . المسألة الثالثة : خرج قوله { إذا قال الله } على لفظ الماضي دون المستقبل وفيه وجوه : الأول : الدلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت وكل آت قريب ويقال : الجيش قد أتى ، إذا قرب إتيانهم . قال الله تعالى : { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) الثاني : أنه ورد على حكاية الحال ونظيره قول الرجل لصاحبه كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا فيها كذا إذ صاح صائح فتركتني وأجبته . ونظيره من القرآن قوله تعالى : { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } ( سبأ : 51 ) { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة } ( الأنفال : 50 ) { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } ( سبأ : 31 ) والوجه في كل هذه الآيات ما ذكرناه ، من أنه خرج على سبيل الحكاية عن الحال . المسألة الرابعة : { وءاتينا عيسى ابن مريم } يجوز أن يكون { عيسى } في محل الرفع لأنه منادى مفرد وصف بمضاف ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في نية الإضافة ثم جعل الابن توكيدا وكل ما كان مثل هذا جاز فيه وجهان نحو يا زيد بن عمرو ، ويا زيد بن عمرو ، وأنشد النحويون : يا حكم بن المنذر بن الجارود برفع الأول ونصبه على ما بيناه . المسألة الخامسة : قوله { نعمتى عليك } أراد الجمع كقوله { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( النحل : 18 ) وإنما جاز ذلك لأن مضاف يصلح للجنس .

حصہ V12/P103–V12/P104

واعلم أن الله تعالى فسر نعمته عليه بأمور : أولها : قوله { إذا أيدتك بروح القدس } وفيه وجهان : الأول : روح القدس هو جبريل عليه السلام ، الروح جبريل والقدس هو الله تعالى / كأنه أضافه إلى نفسه تعظيما له . الثاني : أن الأرواح مختلفة بالماهية فمنها طاهرة نورانية ومنها خبيثة ظلمانية ، ومنها مشرقة ، ومنها كدرة ، ومنها خيرة ، ومنها نذلة ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( الأرواح جنود مجندة ) فالله تعالى خص عيسى بالروح الطاهرة النورانية المشرقة العلوية الخيرة . ولقائل أن يقول : لما دلت هذه الآية على أن تأييد عيسى إنما حصل من جبريل أو بسبب روحه المختص به ، قدح هذا في دلالة المعجزات على صدق الرسل لأنا قبل العلم بعصمة جبريل نجوز أنه أعان عيسى عليه السلام على ذلك ، على سبيل إغواء الخلق وإضلالهم فما لم تعرف عصمة جبريل لا يندفع هذا وما لم تعرف نبوة عيسى عليه السلام لا تعرف عصمة جبريل ، فيلزم الدور وجوابه : ما ثبت من أصلنا أن الخالق ليس إلا الله وبه يندفع هذا السؤال . وثانيها : قوله تعالى : { تكلم الناس فى المهد وكهلا } أما كلام عيسى في المهد فهو قوله { إنى ءاتانى الكتاب وجعلنى } ( مريم : 30 ) وقوله { تكلم الناس فى المهد وكهلا } في موضع الحال . والمعنى : يكلمهم طفلا وكهلا من غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده . وثالثها : قوله تعالى : { وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } وفي { الكتاب } قولان : أحدهما : المراد به الكتابة وهي الخط . والثاني : المراد منه جنس الكتب . فإن الإنسان يتعلم أولا كتبا سهلة مختصرة ، ثم يترقى منها إلى الكتب الشريفة . وأما { الحكمة } فهي عبارة عن العلوم النظرية ، والعلوم العملية . ثم ذكر بعده { التوراة والإنجيل } وفيه وجهان : الأول : أنهما خصا بالذكر بعد ذكر الكتب على سبيل التشريف كقوله { حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى } ( البقرة : 238 ) وقوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ( الأحزاب : 7 ) والثاني : وهو الأقوى أن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية ، لا يحصل إلا لمن صار بانيا في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء . فقوله { والتوراة والإنجيل } إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ورابعها : قوله تعالى : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع { فتكون } والباقون { عليهم طيرا } بغير ألف وطير جمع طائر كضأن وضائن وركب وراكب . المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر ههنا { فتنفخ فيها } وذكر في آل عمران { فأنفخ فيه } ( آل عمران : 49 ) . والجواب : أن قوله { كهيئة الطير } أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله { فتنفخ فيها } الضمير للكاف ، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء . إذا عرفت هذا فنقول : الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر . وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير عنها تارة على وجه التذكير وأخرى على وجه التأنيث . المسألة الثالثة : أنه تعالى اعتبر الأذن في خلق الطين كهيئة الطير ، وفي صيرورته ذلك الشيء طيرا . وإنما أعاد قوله { بإذنى } تأكيدا لكون ذلك واقعا بقدرة الله تعالى وتخليقه لا بقدرة عيسى وإيجاده .

حصہ V12/P104–V12/P105

وخامسها : قوله تعالى : { وتبرىء الاكمه والابرص بإذنى } وإبراء الأكمه والأبرص معروف وقال الخليلي الأكه من ولد أعمى والأعمى من ولد بصيرا ثم عمي . وسادسها : قوله تعالى : { وإذ تخرج الموتى بإذنى } أي وإذ تخرج الموتى من قبورهم أحياء باذني أي بفعلي ذلك عند دعائك ، وعند قولك للميت أخرج بإذن الله من قبرك ، وذكر الإذن في هذه الأفاعيل إنما هو على معنى إضافة حقيقة الفعل إلى الله تعالى كقوله { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ( آل عمران : 145 ) أي إلا بخلق الله الموت فيها . وسابعها : قوله تعالى : { وإذ كففت بنى إسراءيل عنك إذ جئتهم بالبينات } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله { إذ جئتهم بالبينات } يحتمل أن يكون المراد منه هذه البينات التي تقدم ذكرها وعلى هذا التقدير فالألف وللام للعهد . ويحتمل أن يكون المراد منه جنس البينات . المسألة الثانية : روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء . ثم قال تعالى : { فقال الذين كفروا منهم إن هاذا إلا سحر مبين } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { ساحر } بالألف وكذلك في يونس وهود والصف ، وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس بالألف فقط والباقون { ساحر } فمن قرأ { ساحر } أشار إلى الرجل ومن قرأ { ساحر } أشار به إلى ما جاء به . وكلاهما حسن لأن كل واحد منهما قد تقدم ذكره . قال الواحدي رحمه الله : والاختيار { ساحر } لجواز وعوعه على الحدث والشخص ، أما وقوعه على الحدث فظاهر وأما وقوعه على الشخص ، فتقول : هذا سحر وتريد به ذو سحر كما قال تعالى : { ولاكن البر من ءامن } ( البقرة : 177 ) أي ذا البر قال الشاعر : فإنما هي إقبال وإدبار المسألة الثانية : فإن قيل : إنه تعالى شرع ههنا في تعديد نعمه على عيسى عليه السلام وقول الكفار في حقه { إن هاذا إلا سحر مبين } ليس من النعم ، فكيف ذكره ههنا ؟ والجواب : أن من الأمثال المشهورة أن كل ذي نعمة محسود وطعن الكفار في عيسى عليه السلام بهذا الكلام ، يدل على أن نعم الله في حقه كانت عظيمة فحسن ذكره عند تعديد النعم للوجه الذي ذكرناه . ! 7 < { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى وبرسولى قالوا ءامنا واشهد بأننا مسلمون } > 7 < المائدة : ( 111 ) وإذ أوحيت إلى . . . . . > > وثامنها : قوله تعالى : { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى وبرسولى } وقد تقدم تفسير الوحي . فمن قال إنهم كانوا أنبياء قال ذلك الوحي هو الوحي الذي يوحى إلى الأنبياء . ومن قال إنهم ما كانوا أنبياء قال المراد بذلك الوحي الإلهام والالقاء في القلب كما في قوله تعالى : { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } ( القصص : 7 ) وقوله { وأوحى ربك إلى النحل } ( النحل : 68 ) وإنما ذكر هذا في معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس محبوبا في قلوبهم من أعظم نعم الله على الإنسان . وذكر تعالى أنه لما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم ، آمنوا وأسلموا وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام ، لأن الإيمان صفة القلب والإسلام عبارة عن الإنقياد والخضوع في الظاهر ، يعني رمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم .

حصہ V12/P105–V12/P106

فإن قيل : إنه تعالى قال في أول الآية { اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك } ( المائدة : 110 ) ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه السلام ، وليس لأمه بشيء منها تعلق . قلنا : كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل الضمن والتبع للأم . ولذلك قال تعالى : { الفاسقين يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك } ( المائدة : 110 ) كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ، ولا يدخر شيئا لغد ويقول مع كل يوم رزقه ، ومن لم يكن له بيت فيخرب ، ولا ولد فيموت ، أينما أمسى بات . ! 7 < { إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } > 7 < المائدة : ( 112 ) إذ قال الحواريون . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله { إذ قال } وجهان : الأول : أوحيت إلى الحواريين إذ قال الحواريون الثاني : اذكر إذ قال الحواريون . المسألة الثانية : { هل يستطيع ربك } قرأ الكسائي { هل تستطيع } بالتاء { ربك } بالنصب وبإدغام اللام في التاء ، وسبب الادغام أن اللام قريب المخرج من التاء لأنهما من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا وبحسب قرب الحرف من الحرف يحسن الإدغام ، وهذه القراءة مروية عن علي وابن عباس . وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كانوا أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع وإنما قالوا هل تستطيع أن تسأل ربك . وعن معاذ بن جبل : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { هل تستطيع } بالتاء { ربك } بالنصب والباقون يستطيع بالياء ربك برفع الباء وبالإظهار فأما القراءة الأولى فمعناها : هل تسطيع سؤال ربك ؟ قالوا وهذه القراءة أولى من الثانية لأن هذه القراءة توجب شكهم في استطاعة عيسى ، والثانية توجب شكهم في استطاعة الله ، ولا شك أن الأولى أولى ، وأما القراءة الثانية ففيها إشكال ، وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم { قالوا ءامنا واشهد بأننا مسلمون } ( المائدة : 111 ) وبعد الإيمان كيف يجوز أن يقال إنهم بقوا شاكين في اقتدار الله تعالى على ذلك . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى ما وصفهم بالإيمان والإسلام بل حكى عنهم ادعاءهم لهما ثم أتبع ذلك بقوله حكاية عنهم { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } فدل ذلك على أنهم كانوا شاكين متوقفين فإن هذا القول لا يصدر عمن كان كاملا في الإيمان وقالوا : ونعلم أن قد صدقتنا وهذا يدل على مرض في القلب وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } يدل على أنهم ما كانوا كاملين في الإيمان . والوجه الثاني : في الجواب أنهم كانوا مؤمنين إلا أنهم طلبوا هذه الآية ليحصل لهم مزيد الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام { ولاكن ليطمئن قلبى } ( البقرة : 260 ) فإن مشاهدة مثل هذه الآية لا شك أنها تورث الطمأنينة ولهذا السبب قالوا وتطمئن قلوبنا .

حصہ V12/P106–V12/P107

والوجه الثالث : في الجواب أن المراد من هذا الكلام استفهام أن ذلك هل هو جائز في الحكمة أم لا وذلك لأن أفعال الله تعالى لما كانت موقوفة على رعاية وجوه الحكمة ففي الموضع الذي لا يحصل فيه شيء من وجوه الحكمة يكون الفعل ممتنعا فإن المنافي من جهة الحكمة كالمنافي من جهة القدرة ، وهذا الجواب يتمشى على قول المعتزلة ، وأما على قولنا فهو محمول على أن الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه كان ذلك محالا غير مقدرو لأن خلاف المعلوم غير مقدور . الوجه الرابع : قال السدي : { هل يستطيع ربك } أي هل يطيعك ربك إن سألته ، وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة . الوجه الخامس : لعل المراد بالرب : هو جبريل عليه السلام ، لأنه كان يربيه ويخصه بأنواع الإعانة ، ولذلك قال تعالى في أول الآية { إذ أيدتك بروح القدس } ( المائدة : 110 ) يعني أنك تدعي أنه يريبك ويخصك بأنواع الكرامة ، فهل يقدر على إنزال مائدة من السماء عليك . والوجه السادس : أنه ليس المقصود من هذا السؤال كونهم شاكين فيه بل المقصود تقرير أن ذلك في غاية الظهور كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول هل يقدر السلطان على إشباع هذا ويكون غرضه منه أن ذلك أمر جلي واضح / لا يجوز لعاقل أن يشك فيه ، فكذا ههنا . المسألة الثالثة : قال الزجاج : المائدة فاعلة من ماد يميد ، إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها وقال ابن الأنباري سميت مائدة لأنها عطية من قول العرب : ماد فلان فلانا يميده ميدا إذا أحسن إليه ، فالمائدة على هذا القول ، فاعلة من الميد بمعنى معطية ، وقال أبو عبيدة : المائدة فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية ، وأصلها مميدة ميد بها صاحبها ، أي أعطيها وتفضل عليه بها ، والعرب تقول مادني فلان يميدني إذا أحسن إليه . ثم قال تعالى : { قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } وفيه وجهان : الأول : قال عيسى اتقوا الله في تعيين المعجزة ، فإنه جار مجرى التعنت والتحكم ، وهذا من العبد في حضرة الرب جرم عظيم ، ولأنه أيضا اقتراح معجزة بعد تقدم معجزات كثيرة ، وهو جرم عظيم . الثاني : أنه أمرهم بالتقوى لتصير التقوى سببا لحصول هذا المطلوب ، كما قال : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( الطلاق : 2 ، 3 ) وقال : { رحيم يئأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ( المائدة : 35 ) وقوله : { إن كنتم مؤمنين } يعني إن كنتم مؤمنين بكونه سبحانه وتعالى قادرا على إنزال المائدة فاتقوا الله لتصير تقواكم وسيلة إلى حصول هذا المطلوب . ثم قال تعالى : ! 7 < { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } > 7 < المائدة : ( 113 ) قالوا نريد أن . . . . . > >

حصہ V12/P107–V12/P108

والمعنى كأنهم لما طلبوا ذلك قال عليس لهم : إنه قد تقدمت المعجزات الكثيرة فاتقوا الله في طلب هذه المعجزة بعد تقدم تلك المعجزات القاهرة ، فأجابوا وقالوا إنا لا نطلب هذه المائدة لمجرد أن تكون معجزة بل لمجموع أمور كثيرة : أحدها : أنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلبنا ولا نجد طعاما آخر ، وثانيها : أنا وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل ، ولكنا إذا شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد اليقين وقيت الطمأنينة ، وثالثها : أنا وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل ، ولكنا إذا شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد اليقين وقويت الطمأنينة ، وثالثها : أنا وءن علمنا بسائر المعجزات صدقك ، ولكن إذا شاهدنا هذه المعجزة ازداد اليقين والعرفان وتأكدت الطمأنينة . ورابعها : أن جميع تلك المعجزات التي أوردتها كانت معجزات أرضية ، وهذه معجزة سماوية وهي أعجب وأعظم ، فإذا شاهدناها كنا عليها من الشاهدين ، نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ، ونكون عليها من الشاهدي لله بكمال القدرة ولك بالنبوة . ثم قال تعالى : ! 7 < { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون لنا عيدا لاولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين } > 7 < المائدة : ( 114 ) قال عيسى ابن . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : أما الكلام في { اللهم } فقد تقدم بالاستقصاء في سورة آل عمران في قوله } قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } ( آل عمران : 26 ) فقوله : { } قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } ( آل عمران : 26 ) فقوله : { } ( آل عمران : 26 ) فقوله : { اللهم } نداء ، وقوله { ربنا } نداء ثان وأما قوله { تكون لنا } صفة للمائدة وليس بجواب للأمر ، وفي قراءة عبد الله { تكن } لأنه جعله جواب الأمر . قال الفراء : وما كان من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع ، ومثاله قوله تعالى : { فهب لى من لدنك وليا يرثنى } ( مريم : 5 6 ) بالجزم والرفع { فأرسله معى ردءا يصدقنى } ( القصص : 34 ) بالجزم والرفع ، وأما قوله { عيدا لاولنا وءاخرنا } أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا ، ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا ، والعيد في اللغة اسم لما عاد إليك في وقت معلوم ، واشتقاقه من عاد يعود فأصله هو العود ، فسمي العيد عيدا لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ، وقوله { قال عيسى } أي دلالة على توحيدك وصحة نبوة رسولك { وارزقنا } أي وارزقنا طعاما نأكله وأنت خير الرازقين .

حصہ V12/P108–V12/P109

المسألة الثانية : تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضا ، فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نريد أن نأكل منها } ( المائدة : 113 ) وأخروا الأغراض الدينية الروحانية ، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال { وارزقنا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية وبعضها جسمانية ، ثم إن عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لما ذكر الزرق بقوله { وارزقنا } لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرزاق فقال { وأنت خير الرازقين } فقوله { ربنا } ابتداء منه بذكر الحق سبحانه وتعالى ، وقوله { أنزل علينا } انتقال من الذات إلى الصفات ، وقوله { تكون لنا عيدا لاولنا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها صادرة عن المنعم وقوله { الشاهدين قال عيسى } إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال وقوله { وارزقنا } إشارة إلى حصة النفس وكل ذلك نزول من حضرة الجلال . فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون . ثم قال : { وأنت خير الرازقين } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق ومن غير الله إلى الله ومن الأخس إلى الأشرف ، وعند ذلك تلوح لك شمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية الإلهية ونزولها اللهم اجعلنا من أهله . المسألة الثالثة : في قراءة زيد { يكون لنا عيدا لاولنا وءاخرنا } والتأنيث بمعنى الآية . ثم قال تعالى : ! 7 < { قال الله إنى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنىأعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } > 7 ! < < المائدة : ( 115 ) قال الله إني . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم ونافع { منزلها } بالتشديد ، والباقون بالتخفيف وهما لغتان نزل وأنزل وقيل : بالتشديد أي منزلها مرة بعد أخرى ، وبالتخفيف مرة واحدة . المسألة الثانية : { فمن يكفر بعد منكم } أي بعد إنزال المائدة { فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } قال ابن عباس : يعني مسخهم خنازير وقيل : قردة وقيل : جنسا من العذاب لا يعذب به غيرهم . قال الزجاج : ويجوز أن يكون ذلك العذاب معجلا لهم في الدنيا ، ويجوز أن يكون مؤخرا إلى الآخرة ، وقوله { من العالمين } يعني عالمي زمانهم . المسألة الثالثة : قيل : إنهم سألوا عيسى عليه السلام هذا السؤال عند نزولهم في مفازة على غير ماء ولا طعام ولذلك قالا نريد أن نأكل منها . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن عيسى عليه السلام هل سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان قد أضافها إلى فنسه في الظاهر وكلاهما محتمل والله أعلم . المسألة الخامسة : اختلفوا في أنه هل نزلت المائدة . فقال الحسن ومجاهد : ما نزلت واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أن القوم لما سمعوا قوله { أعذبه عذابا أحدا من العالمين } استغفروا وقالوا لا نريدها . الثاني : أنه وصف المائدة بكونها عيدا لأولهم وآخرهم فلو نزلت لبقي ذلك العيد إلى يوم القيامة . وقال الجمهور الأعظم من المفسرين : أنها نزلت لأنه تعالى قال { إنى منزلها عليكم } وهذا وعد بالإنزال جزما من غير تعليق على شرط ، فوجب حصول هذا النزول . والجواب عن الأول : أن قوله { فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه } شرط وجزاء لا تعلق له بقوله { إنى منزلها عليكم } والجواب عن الثاني : أن يوم نزولها كان عيدا لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم .

حصہ V12/P109–V12/P111

المسألة السادسة : روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفا ، ثم قال : اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها ، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عليه السلام وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، وقال لهم ليقم أحسنكم عملا يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها . فقال شمعون رأس الحواريين : أنت أولى بذلك ، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل . وقال : بسم الله خير الرازقين ، فإذا سمكة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسما . وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد ، فقال شمعون : يا روح الله : أمن طعام الدينا أمن طعام الآخرة ؟ فقال : ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزيدكم من فضله ، فقال الحواريون : يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ، ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية ، ثم طارت المائدة ثم عصوا من بعدها ، فمسخوا قردة وخنازير . ! 7 < { وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أءنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لىأن أقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب } > 7 ! < < المائدة : ( 116 ) وإذ قال الله . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : هذا معطوف على قوله { إذ قال الله ياعيسى عيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك } ( المائدة : 110 ) وعلى هذا القول فهذا الكلام إنما يذكره لعيسى يوم القيامة ، ومنهم من قال : إنه تعالى قال هذا الكلام لعيسى عليه السلام حين رفعه إليه وتعلق بظاهر قوله { وإذ قال الله } وإذ تستعمل للماضي ، والقول الأول أصح ، لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله { هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } ( المائدة : 119 ) والمراد به يوم القيامة ، وأما التمسك بكلمة إذ فقد سبق الجواب عنه . المسألة الثانية : في قوله { قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال } سؤالان : أحدهما : أن الاستفهام كيف يليق بعلام الغيوب . وثانيهما : أنه كان عالما بأن عيسى عليه السلام لم يقل ذلك فلم خاطبه به ؟ فإن قلتم الغرض منه توبيخ النصارى وتقريعهم فنقول : إن أحدا من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى ومريم مع القول ينفي إلهية الله تعالى فكيف يجوز أن ينسب هذا القول إليهم مع أن أحدا منهم لم يقل به . والجواب : عن السؤال الأول أنه استفهام على سبيل الإنكار . والجواب : عن السؤال الثاني أن الإله هو الخالق والنصارى يعتقدون أن خالق المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى عليه السلام ومريم والله تعالى ما خلقها ألبتة وإذا كان كذلك فالنصارى قد قالوا إن خالق تلك المعجزات هو عيسى ومريم والله تعالى ليس خالقها ، فصح أنهم أثبتوا في حق بعض الأشياء كون عيسى ومريم إلهين له مع أن الله تعالى ليس إلها له فصح بهذ التأويل هذه الحكاية والرواية . ثم قال تعالى : { قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق } أما قوله { سبحانك } فقد فسرناه في قوله { سبحانك لا علم لنا } ( البقرة : 32 ) .

سوالات

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 119 · Qur'an & Sunnah