Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
ثم قال تعالى : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } واعلم أن قوله : { إن هدى الله هو الهدى } دخل فيه جميع أقسام المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات ، وتقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر الله به ، فإما أن يكون من باب الأفعال ، وإما أن يكون من باب التروك . أما القسم الأول : فإما أن يكون من باب أعمال القلوب وإما أن يكون من باب أفعال الجوارح ، ورئيس أعمال القلوب الإيمان بالله والإسلام له ، ورئيس أعمال الجوارح الصلاة ، وأما الذي يكون من باب التروك فهو التقوى وهو عبارة عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي ، والله سبحانه لما بين أولا أن الهدى النافع هو هدى الله ، أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على الترتيب وهو الإسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية ، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات الجسمانية ، والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي ، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال : { وهو الذى إليه تحشرون } يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر والبعث والقيامة . / فإن قيل : كيف حسن عطف قوله : { وأن أقيموا الصلواة } على قوله : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } ؟ قلنا : ذكر الزجاج فيه وجهين : الأول : أن يكون التقدير ، وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة . فإن قيل : هب أن المراد ما ذكرتم ، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل ؟ قلنا : وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره ، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب بخطاب الغائبين ، فيقال له : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } وإذا أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر ، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين ، ويقال له : { وأن أقيموا الصلواة واتقوه وهو الذى إليه تحشرون } فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان ، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر . والله أعلم . ! 7 < { وهو الذى خلق السماوات والا رض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير } . > 7 ! < < الأنعام : ( 73 ) وهو الذي خلق . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام ، ذكر ههنا ما يدل على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية ، وذكر فيها أنواعا كثيرة من الدلائل . أولها : قوله { وهو الذى خلق السماوات والارض بالحق } أما كونه خالقا للسموات والأرض ، فقد شرحنا في قوله : { الحمد لله الذى خلق السماوات والارض } وأما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران { ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران : 191 ) وقوله : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين } ( الأنبياء : 16 ) { ما خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 39 ) وفيه قولان . القول الأول : وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق ، فكان ذلك التصرف حسنا على الإطلاق وحقا على الإطلاق .
/ والقول الثاني : وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقا أنه واقع على وفق مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم . قال القاضي : ويدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولا حتى يمكنه الانتفاع بخلق السموات والأرض ، ولحكماء الإسلام في هذا الباب طريقة أخرى ، وهي أنه يقال : أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة لمصالح هذا العالم ومنافعه . وثانيها : قوله : { ويوم يقول كن فيكون } في تأويل هذه الآية قولان . الأول : التقدير وهو الذي خلق السموات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون ، والمراد من هذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ولكل ما فيها من الأفلاك والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون . والوجه الثاني : في التأويل أن نقول قوله : { الحق } مبتدأ و { يوم يقول كن فيكون } ظرف دال على الخبر ، والتقدير : قوله : { الحق } واقع { يوم يقول كن فيكون } كقولك يوم الجمعة القتال ، ومعناه القتال واقع يوم الجمعة . والمراد من كون قوله حقا في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق ، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث . وثالثها : قوله : { وله الملك يوم ينفخ فى الصور } فقوله : { وله الملك } يفيد الحصر ، والمعنى : أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى ، فالمراد بالكلام الثاني تقريرا لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل ، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض . فإن قال قائل : قول الله حق في كل وقت ، وقدرته كاملة في كل وقت ، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين ؟ قلنا : لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر ، فكان الأمر كما قال سبحانه : { والامر يومئذ لله } فلهذا السبب حسن هذا التخصيص ، ورابعها : قوله : { عالم الغيب والشهادة } تقديره ، وهو عالم الغيب والشهادة . واعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا وقرر فيه أصلين : أحدهما : كونه قادرا على كل الممكنات ، والثاني : كونه عالما بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادرا على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا يكون عالما بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضا منه لأنه ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي . والمؤمن بالكافر ، والصديق بالزنديق ، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث والقيامة . أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كمل الغرض والمقصود ، فقوله : { وله الملك يوم ينفخ فى الصور } / يدل على كمال القدرة ، وقوله : { عالم الغيب والشهادة } يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقا ، وأن يكون حكمه صدقا ، وأن تكون قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل . ثم قال : { وهو الحكيم الخبير } والمراد من كونه حكيما أن يكون مصيبا في أفعاله ، ومن كونه خبيرا ، كونه عالما بحقائقها من غير اشتباه ومن غير التباس . والله أعلم . المسألة الثانية : قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله : { كن فيكون } خطابا وأمرا لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال ، وإن كان للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجودا وهو محال ، بل المراد منه التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وإيجاد الموجودات .
المسألة الثالثة : قوله : { يوم ينفخ فى الصور } ولا شبهة أن المراد منه يوم الحشر ، ولاشبهة عند أهل الإسلام أن الله سبحانه خلق قرنا ينفخ فيه ملك من الملائكة وذلك القرن يسمى بالصور على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم ولكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على قولين : القول الأول : أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه وصفته مذكورة في سائر السور . والقول الثاني : إن الصور جمع صورة والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى ، وقال أبو عبيدة : الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة . قال الواحدي رحمه الله : أخبرني أبو الفضل العروضي عن الأزهري عن المنذري عن أبي الهيثم : أنه قال ادعى قوم أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة ، وروى ذلك عن أبي عبيدة قال أبو الهيثم ، وهذا خطأ فاحش لأن الله تعالى قال : { وصوركم فأحسن صوركم } ( غافر : 64 ) وقال : { ونفخ فى الصور } ( يس : 51 ، الزمر : 68 ) فمن قرأ ونفخ في الصور ، وقرأ { فأحسن صوركم } فقد افترى الكذب ، وبدل كتاب الله ، وكان أبو عبيدة صاحب أخبار وغرائب ، ولم يكن له معرفة بالنحو ، قال الفراء : كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحده ، فواحده بزيادة هاء فيه ، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه ، وإذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء لأن جمع هذا الباب سبق واحده ، ولو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا صوفة وصوف وبسرة وبسر كما قالوا غرفة وغرف ، وزلفة وزلف ، وأما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال واحدته صورة وإنما تجمع صورة الإنسان صورا لأن واحدته سبقت جمعه ، قال الأزهري : قد أحسن أبو الهيثم في هذا الكلام ، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه ، وأقول : ومما يقوي هذا الوجه أنه لو كان / المراد نفخ الروح في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ إلى نفسه لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه ، كما قال : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) وقال : { فنفخنا فيها من روحنا } وقال : { ثم خلقنا النطفة علقة } وأما نفح الصور بمعنى النفخ في القرن ، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال : { فإذا نقر فى الناقور } ( المدثر : 8 ) وقال : { ونفخ فى الصور فصعق من فى السماوات ومن فى الارض ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) فهذا تمام القول في هذا البحث ، والله أعلم بالصواب . ! 7 < { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنىأراك وقومك فى ضلال مبين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 74 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه كثيرا يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم عليه السلام وذلك لأنه يعترف بفضله جميع الطوائف والملل فالمشركون كانوا معترفين بفضله مقرين بأنهم من أولاده واليهود والنصارى والمسلمون كلهم معظمون له معترفون بجلالة قدره . فلا جرم ذكر الله حكاية حاله في معرض الاحتجاج على المشركين .
واعلم أن هذا المنصب العظيم وهو اعتراف أكثر أهل العلم بفضله وعلو مرتبته لم يتفق لأحد كما اتفق للخليل عليه السلام ، والسبب فيه أنه حصل بين الرب وبين العبد معاهدة . كما قال : { أوفوا بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) فإبراهيم وفى بعهد العبودية ، والله تعالى شهد بذلك على سبيل الإجمال تارة وعلى سبيل التفصيل أخرى . أما الإجمال ففي آيتين إحداهما قوله : { وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ( البقرة : 124 ) وهذا شهادة من الله تعالى بأنه تمم عهد العبودية . والثانية قوله تعالى : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) وأما التفصيل : فهو أنه عليه السلام ناظر في إثبات التوحيد وإبطال القول بالشركاء والأنداد في مقامات كثيرة . فالمقام الأول : في هذا الباب مناظراته مع أبيه حيث قال له : { لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) . والمقام الثاني : مناظرته مع قومه وهو قوله : { فلما جن عليه اليل } ( الأنعام : 76 ) . / والمقام الثالث : مناظرته مع ملك زمانه ، فقال : { ربي الذى يحى ويميت } . والمقام الرابع : مناظرته مع الكفارة بالفعل ، وهو قوله تعالى : { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم } ( الأنبياء : 58 ) ثم إن القوم قالوا : { حرقوه وانصروا ءالهتكم } ( الأنبياء : 68 ) ثم إنه عليه السلام بعد هذه الواقعة بذل ولده فقال : { إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } ( الصافات : 102 ) فعند هذا ثبت أن إبراهيم عليه السلام كان من الفتيان ، لأنه سلم قلبه للعرفان ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان ، ثم إنه عليه السلام سأل ربه فقال : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( الشعراء : 84 ) فوجب في كرم الله تعالى أنه يجيب دعاءه ويحقق مطلوبه في هذا السؤال ، فلا جرم أجاب دعاءه ، وقبل نداءه وجعله مقبولا لجميع الفرق والطوائف إلى قيام القيامة ، ولما كان العرب معترفين بفضله لا جرم جعل الله تعالى مناظرته مع قومه حجة على مشركي العرب . المسألة الثانية : اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكا يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة ، لكن الثنوية يثبتون إلهين ، أحدهما حكيم يفعل الخير ، والثاني سفيه يفعل الشر ، وأما الاشتغال بعبادة غير الله . ففي الذاهبين إليه كثرة . فمنهم عبدة الكواكب ، وهم فريقان منهم من يقول إنه سبحانه خلق هذه الكواكب ، وفوض تدبير هذا العالم السفلي إليها ، فهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم ، قالوا : فيجب علينا أن نعبد هذه الكواكب ، ثم إن هذه الأفلاك والكواكب تعبد الله وتطبعه ، ومنهم قوم غلاة ينكرون الصانع ، ويقولون هذه الأفلاك والكواكب أجسام واجبة الوجود لذواتها ويمتنع عليها العدم والفناء ، وهي المدبرة لأحوال هذا العالم الأسفل / وهؤلاء هم الدهرية الخالصة ، وممن يعبد غير الله النصارى الذين يعبدون المسيح ومنهم أيضا عبدة الأصنام .
واعلم أن هنا بحثا لا بد منه وهو أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام ، والدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تواريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام ، وهو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا : { لا تذرن ودا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } ( نوح : 23 ) وذلك يدل على أن دين عبدة الأصنام قد كان موجودا قبل نوح عليه السلام وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا الدين والمذهب الذي هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان في بديهة العقل ، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري ، والعلم الضروري يمتنع إطباق الخلق الكثير على إنكاره ، فظهر أنه ليس دين عبدة الأصنام كون الصنم / خالقا للسماء والأرض ، بل لا بد وأن يكون لهم فيه تأويل ، والعلماء ذكروا فيه وجوها كثيرة وقد ذكرنا هذا البحث في أول سورة البقرة ، ولا بأس بأن نعيده ههنا تكثيرا للفوائد . فالتأويل الأول : وهو الأقوى أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب ، فإن بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة ، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم ، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات والنحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها ومنهم من اعتقد حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر ، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة للإله الأكبر ، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر ، وبين أحوال هذا العالم . وعلى كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنما من الجوهر المنسوب إليه واتخذوا صنم الشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة إلى الشمس وهي الياقوت والألماس واتخذوا صنم القمر من الفضة وعلى هذا القياس ثم أقبلوا على عبادة هذه الأصنام وغرضهم من عبادة هذه الأصنام هو عبادة تلك الكواكب والتقرب إليها وعند هذا البحث يظهر أن المقصود الأصلي من عبادة هذه الأصنام هو عبادة الكواكب . وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فلهم ههنا مقامان : أحدهما : إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم كما قال الله تعالى : { ألا له الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) بعد أن بين في الكواكب أنها مسخرة . والثاني : أنها بتقدير أنها تفعل شيئا ويصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة والاشتغال بعبادة الأصل أولى من الاشتغال بعبادة الفرع ، والدليل على أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكرناه أنه تعالى لما حكى عن الخليل صلوات الله عليه أنه قال لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين فأفتى بهذا الكلام أن عبادة الأصنام جهل ، ثم لما اشتغل بذكر الدليل أقام الدليل على أن الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شيء منها للإلهية وهذا يدل على أن دين عبدة الأصنام حاصله يرجع إلى القول بإلهية هذه الكواكب وإلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة . وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا طريق إلى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بإبطال كون الشمس والقمر / وسائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له .
الوجه الثاني : في شرح حقيقة مذهب عبدة الأصنام ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي رحمه الله فقال في بعض كتبه : إن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يثبتون الإله والملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وللملائكة أيضا صور حسنة إلا أنهم كلهم محتجبون عنا بالسموات ، فلا جرم اتخذوا صورا وتماثيل أنيقة المنظر حسنة الرؤيا والهيكل فيتخذون صورة في غاية الحسن ويقولون إنها هيكل الإله ، وصورة أخرى دون الصورة الأولى ويجعلونها على صورة الملائكة ، ثم يواظبون على عبادتها قاصدين بتلك العبادة طلب الزلفى من الله تعالى ومن الملائكة ، فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد أن الله تعالى جسم وفي مكان . الوجه الثالث : في هذا الباب أن القوم يعتقدون أن الله تعالى فوض تدبير كل واحد من الأقاليم إلى ملك بعينه . وفوض تدبير كل قسم من أقسام ملك العالم إلى روح سماوي بعينه فيقولون مدبر البحار ملك ، ومدبر الجبال ملك آخر ، ومدبر الغيوم والأمطار ملك ، ومدبر الأرزاق ملك ، ومدبر الحروب والمقاتلات ملك آخر ، فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا لكل واحد من أولئك الملائكة صنما مخصوصا وهيكلا مخصوصا ويطلبون من كل صنم ما يليق بذلك الروح الفلكي من الآثار والتدبيرات ، وللقوم تأويلات أخرى سوى هذه الثلاثة ذكرناها في أول سورة البقرة ، ولنكتف ههنا بهذا القدر من البيان والله أعلم . المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر ، ومنهم من قال اسمه تارح . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح ، ومن الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن . وقال هذا النسب خطأ وليس بصواب ، وللعلماء ههنا مقامان : المقام الأول : أن اسم والد إبراهيم عليه السلام هو آزر ، وأما قولهم أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح . فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضا ، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين مثل قول وهب وكعب وغيرهما ، وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصارى ، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن . المقام الثاني : سلمنا أن اسمه كان تارح ثم لنا ههنا وجوه : الوجه الأول : لعل والد إبراهيم كان مسمى بهذين الاسمين ، فيحتمل أن يقال إن اسمه الأصلي كان آزر وجعل تارح لقباله ، فاشتهر هذا اللقب وخفي الاسم . فالله تعالى ذكره بالاسم ، / ويحتمل أن يكون بالعكس ، وهو أن تارح كان اسما أصليا وآزر كان لقبا غالبا . فذكره الله تعالى بهذا اللقب الغالب . الوجه الثاني : أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتم ، فقيل إن آزر اسم ذم في لغتهم وهو المخطىء كأنه قيل ، وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطىء كأنه عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحق ، وقيل آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية ، وهو أيضا فارسية أصلية . واعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب . والوجه الثالث : أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم ، وإنما سماه الله بهذا الاسم لوجهين : أحدهما : أنه جعل نفسه مختصا بعبادته ومن بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحب . قال الله تعالى : { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } ( الإسراء : 71 ) وثانيها : أن يكون المراد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .
الوجه الرابع : أن والد إبراهيم عليه السلام كان تارح وآزر كان عماله / والعم قد يطلق عليه اسم الأب ، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب أنهم قالوا : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( البقرة : 133 ) ومعلوم أن إسماعيل كان عما ليعقوب . وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا ههنا . واعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر وهذا الدليل لم يوجد البتة ، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات ، والدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام وإظهار بغضه ، فلو كان هذا النسب كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب صحيح والله أعلم . المسألة الرابعة : قالت الشيعة : إن أحدا من آباء الرسول عليه الصلاة والسلام وأجداده ما كان كافرا وأنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافرا وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام . وما كان والدا له واحتجوا على قولهم بوجوه : الحجة الأولى : أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا ويدل عليه وجوه : منها قوله تعالى : { الذى يراك حين تقوم وتقلبك فى الساجدين } ( الشعراء : 218 / 219 ) . قيل معناه : إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير : فالآية دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا مسلمين . وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام كان مسلما . فإن قيل : قوله : { وتقلبك فى الساجدين } يحتمل وجوها أخر : أحدها : إنه لما نسخ فرض / قيام الليل طاف الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على بيوت الصحابة لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم . فالمراد من قوله : { وتقلبك فى الساجدين } طوافه صلوات الله عليه تلك الليلة على الساجدين . وثانيها : المراد أنه عليه السلام كان يصلي بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه : كونه فيما بينهم ومختلطا بهم حال القيام والركوع والسجود . وثالثها : أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على الله كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين . ورابعها : المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه ، والدليل عليه قوله عليه السلام : ( أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري ) فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية ، فسقط ما ذكرتم . والجواب : لفظ الآية محتمل للكل ، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي . فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود ، ومما يدل أيضا على أن أحدا من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله عليه السلام : ( لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ) وقال تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وذلك يوجب أن يقال : إن أحدا من أجداده ما كان من المشركين . إذا ثبت هذا فنقول : ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم عليه السلام ما كان مشركا ، وثبت أن آزر كان مشركا . فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنسانا آخر غير آزر .
الحجة الثانية : على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام . أن هذه الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة والجفاء . ومشافهة الأب بالجفاء لا تجوز ، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم ، إنما قلنا : إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه الآية لوجهين : الأول : أنه قرىء { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر } بضم آزر وهذا يكون محمولا على النداء ونداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء . الثاني : أنه قال لآزر : { إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } ( الأنعام : 74 ) وهذا من أعظم أنواع الجفاء والإيذاء . فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء ، وإنما قلنا : أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه : الأول : قوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم ، قال تعالى : { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما } ( الإسراء : 23 ) وهذا أيضا عام . والثاني : أنه تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون . فههنا الوالد أولى بالرفق . الثالث : أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيرا في القلب ، أما التغليظ فإنه يوجب / التنفير والبعد عن القبول . ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام : { وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النحل : 125 ) فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة ؟ الرابع : أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم ، فقال : { إن إبراهيم لحليم أواه } وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الآب ؟ فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عما له ، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسماعيل بكونه أبا ليعقوب مع أنه كان عما له . وقال عليه السلام : ( ردوا علي أبي ) يعني العم العباس وأيضا يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه السلام وهذا قد يقال له الأب . والدليل عليه قوله تعالى : { ومن ذريته داوود وسليمان } ( الأنعام : 84 ) إلى قوله : { عيسى } فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جدا لعيسى من قبل الأم . وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله كان كافرا وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافرا وكان والد إبراهيم عليه السلام . وأيضا قوله تعالى : { وما كان استغفار إبراهيم لابيه } إلى قوله : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } ( التوبة : 114 ) وذلك يدل على قولنا ، وأما قوله { وتقلبك فى الساجدين } قلنا : قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل ، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز ، وأيضا حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا لا يجوز ، وأما قوله عليه السلام : ( لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ) فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحا ، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام . قلنا : لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليط . والله أعلم .
المسألة الخامسة : قرىء { ءازر } بالنصب وهو عطف بيان لقوله : { لابيه } وبالضم على النداء ، وسألني واحد فقال : قرىء { ءازر } بهاتين القراءتين ، وأما قوله : { وإذ قال موسى لاخيه هارون } قرىء { هارون } بالنصب وما قرىء البتة بالضم فما الفرق ؟ قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالاسم استخفاف بالمنادى . وذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان مصرا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرا له عن ذلك القبيح ، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هرون على قومه فما كان الاستخفاف لائقا بذلك الموضع ، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة . المسألة السادسة : اختلف الناس في تفسير لفظ ( الإله ) والأصح أنه هو المعبود ، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة ، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه : { وإذ قال إبراهيم } وذلك يدل على أن تفسير لفظ ( الإله ) هو المعبود . / المسألة السابعة : اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين : الأول : أن قوله : { وإذ قال إبراهيم } يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة ؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } والثاني : أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيا ، فلما لم يكن الواحد كافيا دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها البتة . المسألة الثامنة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع . قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال ، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال . لأن ذلك المذهب كان متقدما على دعوة إبراهيم . ولقائل أن يقول : إنه كان ضلالا بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام . ! 7 < { وكذلك نرىإبراهيم ملكوت السماوات والا رض وليكون من الموقنين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 75 ) وكذلك نري إبراهيم . . . . . > > المسألة الأولى : ( الكاف ) في كذلك للتشبيه ، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور ههنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام ، وهو قوله : { إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } والمعنى : ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض . وههنا دقيقة عقلية ، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائل البتة ، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب ، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى ، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي فقول إبراهيم عليه السلام : { وإذ قال إبراهيم } إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى ، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى ، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات بالتمام ، فقوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات } معناه : وبعد زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال الله تعالى ، فكان قوله : { وكذالك } منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية . المسألة الثانية : لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان ، فكان الأولى / أن يقال : وكذلك أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، فلم عدل عن هذه اللفظة إلى قوله { وكذلك نرى } .
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون تقدير الآية ، وكذلك كنا نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي . والمعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصبا للدين الحق . فكأنه قيل : وكيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين ، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السموات والأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه . الوجه الثاني في الجواب : وهو أعلى وأشرف مما تقدم ، وهو أنا نقول : إنه ليس المقصود من إراءة الله إبراهيم ملكوت السموات والأرض هو مجرد أن يرى إبراهيم هذا الملكوت ، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال الله تعالى وقدسه وعلوه وعظمته . ومعلوم أن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات وفي الصفات ، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية . وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه الله تعالى قال : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : سمعت إمام الحرمين يقول : معلومات الله تعالى غير متناهية ، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضا غير متناهية ، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل ، ويمكن إنصافه بصفات لا نهاية لها على البدل ، وكل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله تعالى وقدرته أيضا ، وإذا كان الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ كذلك ؛ فكيف القول في كل ملكوت الله تعالى ، فثبت أن دلالة ملك الله تعالى ، وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية ، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال ، فإذن لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية ولا إلى آخر في المستقبل ، فلهذا السبب والله أعلم لم يقل ، وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض ، بل قال : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت والارض } وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى الله له نهاية ، وأما السفر في الله فإنه لا نهاية له والله أعلم . المسألة الثالثة : { الملكوت } هو الملك ، و ( التاء ) للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت من الرهبة . واعلم أن في تفسيره هذه الإراءة قولين : الأول : أن الله أراه الملكوت بالعين ، قالوا إن الله تعالى شق له السموات حتى رأى العرش والكرسي وإلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني ، / وشق له الأرض إلى حيث ينتهي إلى السطح الآخر من العالم الجسماني ، ورأى ما في السموات من العجائب والبدائع ، ورأى ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع . وعن ابن عباس أنه قال : لما أسرى بإبراهيم إلى السماء ورأى ما في السموات وما في الأرض فأبصر عبدا على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك ، فقال الله تعالى له : كف عن عبادي فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم أو النار من ورائهم ، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه : الأول : أن أهل السماء هم الملائكة المقربون وهم لا يعصون الله ، فلا يليق أن يقال : إنه لما رفع إلى السماء أبصر عبدا على فاحشة . الثاني : أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر الله تعالى ، وإذا أذن الله تعالى فيه لم يجز أن يمنعه من إجابة دعائه . الثالث : أن ذلك الدعاء إما أن يكون صوابا أو خطأ فإن كان صوابا فلم رده في المرة الثانية ، وإن كان خطأ فلم قبله في المرة الأولى . ثم قال : وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول وجب التوقف فيها .
والقول الثاني : أن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة والعقل ، لا بالبصر الظاهر والحس الظاهر . واحتج القائلون بهذا القول بوجوه : الحجة الأولى : أن ملكوت السموات عبارة عن ملك السماء ، والملك عبارة عن القدرة ، وقدرة الله لا ترى ، وإنما تعرف بالعقل ، وهذا كلام قاطع ، إلا أن يقال المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض ، إلا أن على هذا التقدير يضيع لفظ الملكوت ولا يحصل منه فائدة . والحجة الثانية : أنه تعالى ذكر هذه الإراءة في أول الآية على سبيل الإجمال وهو قوله : { مبين وكذلك نرى إبراهيم } ثم فسرها بعد ذلك بقوله : { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا } ( الأنعام : 76 ) فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح والتفسير لتلك الإراءة فوجب أن يقال إن تلك الإراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال . والحجة الثالثة : أنه تعالى قال في آخر الآية : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا غائبين عنها وكانوا يكذبون إبراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة ، وإنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن . فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم . والحجة الرابعة : أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم إلها قادرا على كل / الممكنات . ومثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم . ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب . وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم . والحجة الخامسة : أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم عليه السلام { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض } فكذلك قال في حق هذه الأمة : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك . الحجة السادسة : أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس قال بعده : { إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) فحكم على السموات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره في النجم والقمر والشمس . وذلك الدليل لو لم يكن عاما في كل السموات والأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وأنه خطأ ، فثبت أن ذلك الدليل كان عاما فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت . فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها وإمكانها وحدوثها على وجود الإله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين . الحجة السابعة : أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان مسبوقا بالشك وقوله تعالى : { وليكون من الموقنين } كالغرض من تلك الإراءة فيصير تقدير الآية نرى إبراهيم ملكوت السوات والأرض لأجل أن يصير من الموقنين . فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل ، وجب أن تكون تلك الإراءة عبارة عن الاستدلال .
الحجة الثامنة : أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد وهو أنها محدثة ممكنة وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع . وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال عى الصانع وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار وهذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة البتة . ثم إنها غير شاملة عن الله تعالى بل هي شاغلة للقلب والروح بالله . أما رؤية العين فالإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال . ألا ترى أن من نظر إلى صحيفة مكتوبة فإنه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفا واحدا فإن حدق نظره إلى حرف آخر وشغل بصره به صار محروما عن إدراك الحرف الأول ، أو عن إبصاره . فثبت أن رؤية الأشياء / الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة . وبتقدير أن تكون ممكنة هي غير باقية وبتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى مدح محمدا عليه الصلاة والسلام في ترك هذه الرؤية فقال : { ما زاغ البصر وما طغى } ( النجم : 17 ) فثبت بجملة هذه الدلائل أن تلك الإراءة كانت إراءة بحسب بصيرة العقل ، لا بحسب البصر الظاهر . فإن قيل : فرؤية القلب على هذا التفسير حاصلة لجميع الموحدين فأي فضيلة تحصل لإبراهيم بسببها . قلنا : جميع الموحدين وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع على آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وأحوالها مما لا يحصل إلا للأكابر من الأنبياء عليهم السلام . ولهذا المعنى كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه : ( اللهم أرنا الأشياء كما هي ) فزال هذا الإشكال . والله أعلم . المسألة الرابعة : اختلفوا في ( الواو ) في قوله : { وليكون من الموقنين } وذكروا فيه وجوها : الأول : الواو زائدة والتقدير : نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليستدل بها ليكون من الموقنين . الثاني : أن يكون هذا كلاما مستأنفا لبيان علة الإراءة والتقدير وليكون من الموقنين نريه ملكوت السموات والأرض . الثالث : أن الإراءة قد تحصل وتصير سببا لمزيد الضلال كما في حق فرعون قال تعالى : { ولقد أريناه ءاياتنا كلها فكذب وأبى } ( طه : 56 ) وقد تصير سببا لمزيد الهداية واليقين . فلما احتملت الإراءة هذين الاحتمالين قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام : إنا أريناه هذه الآيات ليراها ولأجل أن يكون من الموقنين لا من الجاحدين والله أعلم .
المسألة الخامسة : اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل ولهذا المعنى لا يوصف علم الله تعالى بكونه يقينا لأن علمه غير مسبوق بالشبهة وغير مستفاد من الفكر والتأمل . واعلم أن الإنسان في أول ما يستدل فإنه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت صارت سببا لحصول اليقين وذلك لوجوه : الأول : أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر وقوة فلا تزال القوة تتزايد حتى ننتهي إلى الجزم . الثاني : أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد ، فكما أن كثرة التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب ، فكذا ههنا . الثالث : أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدا فإذا حصل فيه الإعتقاد المستفاد من الدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب ، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة ، فإذا حصل الاستدلال / الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى ، فيصير الإشراق واللمعان أتم . وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر وهو الصبح . فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح ، ثم كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب الشمس من سمت الرأس ، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام ، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى . إلا أن الفرق بين شمس العلم وبين شمس العالم أن شمس العالم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حد معين لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود ، وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد ، فلا نهاية لتصاعدها ولا غاية لازديادها فقوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض } إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات ، وقوله : { وليكون من الموقنين } إشارة إلى درجات أنوار التجلي وشروق شمس المعرفة والتوحيد . والله أعلم . ! 7 < { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا قال هاذا ربى فلمآ أفل قال لاأحب الا فلين فلمآ رأى القمر بازغا قال هاذا ربى فلمآ أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضآلين فلما رأى الشمس بازغة قال هاذا ربى هاذآ أكبر فلمآ أفلت قال ياقوم إنى برىء مما تشركون إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والا رض حنيفا ومآ أنا من المشركين } . > 7 < الأنعام : ( 76 - 79 ) فلما جن عليه . . . . . > > في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { فلما جن عليه اليل } عطف على قوله : { قال إبراهيم لابيه ءازر } وقوله : { وكذلك نرى } جملة وقعت اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : يقال جن عليه الليل وأجنه الليل ، ويقال : لكل / ما سترته جن وأجن ، ويقال أيضا جنه الليل ، ولكن الاختيار جن عليه الليل ، وأجنه الليل . هذا قول جميع أهل اللغة ، ومعنى { جن } ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن ، وهو المقبور . والمجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار ، وقال بعض النحويين : { جن عليه اليل } إذا أظلم عليه الليل . ولهذا دخلت ( على ) عليه كما تقول في أظلم . فأما جنه فستره من غير تضمين معنى { أظلم } .
المسألة الثالثة : اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه ، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد ، فحبلت أم إبراهيم به وماأظهرت حبلها للناس ، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر ، فجاء جبريل عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام ، فكانت الأم تأتيه أحيانا وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له ربا ، فسأل الأم فقال لها : من ربي ؟ فقالت أنا ، فقال : ومن ربك ؟ قالت أبوك ، فقال للأب : ومن ربك ؟ فقال : ملك البلد . فعرف إبراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئا يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء . فقال : هذا ربي إلى آخر القصة . ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال : إن هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه ، ومنهم من قال : إن هذا كان قبل البلوغ . واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوا عليه بوجوه : الحجة الأولى : أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء . الحجة الثانية : أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل . والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر : { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنى } ( الأنعام : 74 ) . الحجة الثالثة : أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال : { لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش . ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليظ إلا بعد المدة المديدة واليأس التام . فدل هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد / مرارا وأطوارا ، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه . فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة . الحجة الرابعة : أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى ، ومن كان منصبه في الدين كذلك ، وعلمه بالله كذلك ، كيف يليق به أن يعتقد إلهية الكواكب ؟ الحجة الخامسة : أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجها وأكثر ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيبا من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلا عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء ؟ الحجة السادسة : أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام : { إذ جاء ربه بقلب سليم } ( الصافات : 84 ) وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليما عن الكفر ، وأيضا مدحه فقال : { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } ( الأنبياء : 51 ) أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة . وقوله : { وكنا به عالمين } أي بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) . الحجة السابعة : قوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين } أي وليكون بسبب تلك الإراءة من الموقنين .
ثم قال بعده : { فلما جن عليه اليل } والفاء تقتضي الترتيب ، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه . الحجة الثامنة : أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه ، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } ولم يقل على نفسه ، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد . لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه . الحجة التاسعة : أن القوم يقولون إن إبراهيم عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس حال ما كان في الغار ، وهذا باطل . لأنه لو كان الأمر كذلك ، فكيف يقول { إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم . الحجة العاشرة : قال تعالى : { وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله } وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم ، وهذا يدل على أنه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فذكر قوله : { لا أحب الافلين } ردا عليهم وتنبيها لهم على فساد قولهم . / الحجة الحادية عشر : أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم : { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام ، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له : { إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } ( هود : 54 ) ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار . الحجة الثانية عشرة : أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ، ثم غربت ، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية ، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضا في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا : إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه . أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم ، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير ، فالسؤال غير وارد ، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم : هذا ربي . وإذا بطل هذا بقي ههنا احتمالان : الأول : أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة . الأول : أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي ، على سبيل الأخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله ، ومثاله : أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم ، فيقول : الجسم قديم ؟ فإذا كان كذلك ، فلم نراه ونشاهده مركبا متغيرا ؟ فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه ، فكذا ههنا قال : { هاذا ربى } والمقصود منه حكاية قول الخصم ، ثم ذكر غقيبه ما يدل على فساده وهو قوله : { لا أحب الافلين } وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب ، والدليل عليه : أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } .
والوجه الثاني في التأويل : أن نقول قوله : { هاذا ربى } معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء : أن إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى : { وانظر إلى إلاهك الذى ظلت عليه عاكفا } ( طه : 97 ) وقال تعالى : { ويوم يناديهم فيقول أين شركائى } ( القصص : 62 ) وكان صلوات الله تعالى عليه يقول : ( يا إله الآلهة ) . والمراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم وقال : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) أي عند نفسك . والوجه الثالث في الجواب : أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط / حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه . والوجه الرابع : أن يكون القول مضمرا فيه ، والتقدير : قال يقولون هذا ربي . وإضمار القول كثير ، كقوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا } ( البقرة : 127 ) أي يقولون ربنا وقوله : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) أي يقولون ما نعبدهم ، فكذا ههنا التقدير : إن إبراهيم عليه السلام قال لقومه : يقولون هذا ربي . أي هذا هو الذي يدبرني ويربيني . والوجه الخامس : أن يكون إبراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوما هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء . الوجه السادس : أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه ، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة . وذلك بأن ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئنا بالإيمان ، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله وتمام التقرير أنه لما يجد إلى الدعوة طريقا سوى هذا الطريق ، وكان عليه السلام مأمورا بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر / ومعلوم أن عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) فإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد فبأن يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى وأيضا المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر العظيم ، ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال . حتى لو صلى وترك القتال أثم ولو ترك الصلاة وقاتل استحق الثواب ، بل نقول : أن من كان في الصلاة فرأى طفلا أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء . فكذا ههنا أن إبراهيم عليه السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل ، ومما يقوي هذا الوجه : أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله : { فنظر نظرة فى النجوم فقال إنى سقيم فتولوا عنه مدبرين } ( الصافات : 88 90 ) وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم / على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ، ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام ، فإذا جازت الموافقة في الظاهر ههنا . مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ، فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك ؟ وأيضا المتكلمون قالوا : إنه يصح من الله تعالى إظهار خوارق العادات على يد من يدعى الإلهية لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده ، ولكن لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا ههنا . وقوله : { هاذا ربى } لا يوجب الضلال ، لأن دلائل بطلانه جلية وفي إظهاره هذه الكلمة منفعة عظيمة وهي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزا والله أعلم .
الوجه السابع : أن القوم لما دعوه إلى عبادة النجوم فكانوا في تلك المناظرة إلى أن طلع النجم الدري فقال إبراهيم عليه السلام { هاذا ربى } أي هذا هو الرب الذي تدعونني إليه ثم سكت زمانا حتى أفل ثم قال : { لا أحب الافلين } فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول وهو أنه صلوات الله عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ . أما الاحتمال الثاني : وهو أنه ذكره قبل البلوغ وعند القرب منه فتقريره أنه تعالى كان قد خص إبراهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية ، فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم ، فقال : { هاذا ربى } فلما شاهد حركته قال : { لا أحب الافلين } ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا البحث فقال في الحال : { إنى برىء مما تشركون } فهذا الاحتمال لا بأس به ، وإن كان الاحتمال الأول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل الكثيرة ، على أن هذه المناظرة إنما جرت لإبراهيم عليه السلام وقت اشتغاله بدعوة القوم إلى التوحيد والله أعلم . المسألة الرابعة : قرأ أبو عمرو وورش عن نافع { رئى } بفتح الراء وكسر الهمزة حيث كان ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما فإذا كان بعد الألف كاف أو هاء نحو : رآك ورآها فحينئذ يكسرها حمزة والكسائي ويفتحها ابن عامر . وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم مثل حمزة والكسائي فإذا تلته ألف وصل نحو : رأى الشمس ، ورأى القمر . فإن حمزة ويحيى عن أبي بكر ونصر عن الكسائي يكسرون الراء ويفتحون الهمزة والباقون يقرؤن جميع ذلك بفتح الراء والهمزة / واتفقوا في رأوك ، ورأوه أنه بالفتح . قال الواحدي : أما من فتح الراء والهمزة فعلته واضحة وهي ترك الألف على الأصل نحو : رعى ورمى . وأما من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسر ليميل الألف التي في رأى نحو الياء ترك الراء مفتوحة على الأصل . وأما من كسرهما جيمعا فلأجل أن تصير حركة الراء مشابهة لحركة الهمزة ، والواحدي طول في هذا الباب في ( كتاب البسيط ) فليرجع إليه . والله أعلم . / المسألة الخامسة : القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه السلام ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل عليه السلام يربيه كل ذلك محتمل في الجملة . وقال القاضي : كل ما يجري مجرى المعجزات فإنه لا يجوز لأن تقديم المعجز على وقت الدعوى غير جائز عندهم ، وهذا هو المسمى بالإرهاص إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله فتجعل تلك الخوارق معجزة لذلك النبي . وأما عند أصحابنا فالإرهاص جائز فزالت الشبهة والله أعلم . المسألة السادسة : أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون ربا له وخالقا له . ويجب علينا ههنا أن نبحث عن أمرين : أحدهما : أن الأفول ما هو ؟ والثاني : أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب ؟ فنقول : الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره . وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل ، فيقول : الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة وعلى هذا التقدير ، فيكون الطلوع أيضا دليلا على الحدوث ، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول ؟
والجواب : لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل . ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق . أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد ، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم . وأيضا قال بعض المحققين : الهوى في خطرة الإمكان أفول ، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان ، وكل ممكن محتاج ، والمحتاج : لا يكون مقطوع الحاجة ، فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال : { الاوفى وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة ، فكل متحرك محدث ، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر . فلا يكون الآفل إلها بل الأله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل . وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية ، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله : { لا أحب الافلين } كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين . / وفيه دقيقة أخرى : وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين . ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيما التأثير . أما إذا كان غريبا وقريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة . فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان ، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي ، يكون ضعيف القوة ، ناقص التأثير ، عاجزا عن التدبير ، وذلك يدل على القدح في إلهيته ، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في إلهيته والله أعلم . أما المقام الثاني : وهو بيان أن كوكب الكوكب آفلا يمنع من ربوبيته . فلقائل أيضا أن يقول : أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالا على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه ربا لإبراهيم ومعبودا له ، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها ، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل ، فثبت أن أفول الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أربابا للإنسان وآلهة لهذا العالم . والجواب : لنا ههنا مقامان : المقام الأول : أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات ، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها ، وثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثا ، فإنه يكون في وجوده محتاجا إلى الغير . وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها ، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أربابا وآلهة . بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها ، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أربابا وآلهة بهذا التفسير .
المقام الثاني : أن يكون المراد من الرب والإله . من يكون خالقا لنا وموجدا لذواتنا وصفاتنا . فنقول : أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه : الأول : أن أفولها يدل على حدوثها . وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية . وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر ، ولزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن قادريته أزلية . وإذا ثبت هذا فنقول : الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدورا له باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات . فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدورا لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات ، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدروة لله تعالى . / وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول . فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة ، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة ، وأيضا فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع ، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة . ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات ، فأما التفريع والتفصيل ، فذاك إنما يليق بعلم الجدل . فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع ، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أربابا وآلهة لحوادث هذا العالم . الوجه الثاني : أن أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار ، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك والكواكب ، ومن كان قادرا على خلق الكواكب والأفلاك من دون واسطة أي شيء كان فبأن يكون قادرا على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الأعظم لا بد وأن يكون قادرا على خلق الشيء الأضعف ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) وبقوله : { أوليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادرا على خلق البشر ، وعلى تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس والنجوم والقمر . الوجه الثالث : أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة ، لبقي هذا الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب . أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكا في معرفة خالقه . أما لو عرفنا الكل وأسندنا الخلق والإيجاد والتدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره ، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم وأربابا للحيوان والإنسان . والله أعلم . فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل . فإن قيل : لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل ، وكان أفول الكواكب والقمر والشمس حاصلا في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة .
/ والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد . فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالسا مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء . فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلها لما انتقل من الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف . ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر وأفل . فأعاد عليهم ذلك الكلام ، وكذا القول في الشمس ، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه . المسألة السادسة : تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب ، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك ، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك ، وكان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان ، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها ، وزعم أن المراد من قوله : { لا أحب الافلين } أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها ، وكل ممكن فلا بد له من مؤثر ، ولا بد له من الانتهاء إلى واجب الوجود . واعلم أن هذا الكلام لا بأس به . إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه ، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم ، والشمس على العقل ، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية ، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها والله أعلم . المسألة السابعة : دل قوله : { لا أحب الافلين } على أحكام : الحكم الأول هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا أبدا فكان آفلا أبدا ، وأيضا يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى ، وإلا لحصل معنى الأفول . الحكم الثاني هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلا للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية ، وإلا لكان متغيرا ، وحينئذ يحصل معنى الأفول ، وذلك محال . الحكم الثالث تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل لا على التقليد ، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة البتة . / الحكم الرابع تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية ، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال . الحكم الخامس تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته ، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم . أما قوله تعالى : { فلما رأى القمر بازغا قال هاذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين } . ففيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع ، وبزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع . ونجوم بوازغ . قال الأزهري : كأنه مأخوذ في البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا ، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب . المسألة الثانية : دل قوله : { لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين } على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى . ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وإزاحة الأغدار ونصب الدلائل . لأن كل ذلك كان حاصلا ، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد وأن تكون زائدة عليها .