Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الأولى : اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى : { لا نكلف نفسا إلا وسعها } اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } ( البقرة : 82 ) وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر ، لأنه من جنس هذا الكلام ، / لأنه لما ذكر عملهم الصالح ، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب . وقال قوم : موضعه خبر عن ذلك المبتدأ والعائد محذوف ، كأنه قيل : لا نكلف نفسا منهم إلا وسعها ، وإنما حذف العائد للعلم به . المسألة الثانية : معنى الوسع ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال الضيق والشدة ، والدليل عليه : أن معاذ بن جبل قال في هذه الآية إلا يسرها لا عسرها . وأما أقصى الطاقة يسمى جهدا لا وسعا ، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود . المسألة الثالثة : قال الجبائي : هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه ، لأن الله تعالى كذبهم في ذلك ، وإذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال ، لأنه لو كان خالق أعمال العباد هو الله تعالى ، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق ، لأنه تعالى أن كلفه بذلك الفعل حال ما خلقه فيه ، فذلك تكليفه بما لا يطاق ، لأنه أمر بتحصيل الحاصل ، وذلك غير مقدور ، وإن كلفه به حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه كان ذلك أيضا تكليف ما لا يطاق ، لأن على هذا التقدير : لا قدرة للعبد على تكوين ذلك الفعل وتحصيله ، قالوا : وأيضا إذا ثبت هذا الأصل ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل ، والكافر لا قدرة له على الإيمان مع أنه مأمور به . فكان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق ، ثبت فساد هذين الأصلين . والجواب : أنا نقول وهذا الإشكال أيضا وارد عليكم ، لأنه تعالى يكلف العبد بإيجاد الفعل ، حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر والأول باطل ، لأن الإيجاد ترجيح لجانب الفعل ، وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال ، والثاني باطل ، لأن حال حصول الرجحان كان الحصول واجبا ، فإن وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمرا بتحصيل الحاصل ، وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمراف بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحا ، فيكون أمرا بالجمع بين النقيضين وهو محال ، فكل ما تجعلونه جوابا عن هذا السؤال ، فهو جوابنا عن كلامكم . والله أعلم . وأما قوله تعالى : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه ، والغل العقد . قال أهل اللغة : وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب ، أي يدخل ، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ، ويقال : انغل في الشيء ، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة ، كالحب / يدخل في صميم الفؤاد . إذا عرفت هذا فنقول : لهذه الآية تأويلان :
القول الأول : أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا ، ومعنى نزع الغل : تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب ، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب ، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } . والقول الثاني : أن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان ، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة . قال صاحب ( الكشاف ) : هذا التأويل أولى من الوجه الأول ، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض ، ولعن بعضهم بعضا ، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضا مفارقة لحال أهل النار . فإن قالوا : كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة ، والدرجات العالية ، ويرى نفسه محروما عنها عاجزا عن تحصيلها ، ثم أنه لا يميل طبعه إليها ، ولا يغتم بسبب الحرمان عنها ، فإن عقل ذلك ، فلم لا يعقل أيضا أن يعيدهم الله تعالى ، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل ، والشرب ؟ والوقاع ، ويغنيهم عنها ؟ قلنا : الكل ممكن ، والله تعالى قادر عليه ، إلا أنه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب ، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس ، فظهر الفرق بين البابين . ثم إنه تعالى قال : { تجرى من تحتهم الانهار } والمعنى : أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم بالذات العظيمة ، وقوله : { تجرى من تحتهم الانهار } من رحمة الله وفضله وإحسانه ، وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية . ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا : { الحمد لله الذى هدانا لهاذا } وقال أصحابنا : معنى { هدانا الله } أنه أعطى القدرة ، وضم إليها الداعية الجازمة ، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجبا لحصول تلك الفضيلة . فإنه لو أعطى القدرة ، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر ، ولو خلق الله الداعية المعارضة أيضا لسائر الدواعي الصارفة ، لم يحصل الفعل أيضا . أما لما خلق القدرة ، وخلق الداعية الجازمة ، وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجبا للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير / الله تعالى ، وتخليقه وتكوينه . وقالت المعتزلة : التحميد إنما وقع على أنه تعالى أعطى العقل ووضع الدلائل ، وأزال الموانع ، وعند هذا يرجع إلى مباحث الجبر والقدر على سبيل التمام والكمال . ثم قال تعالى : { وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر ( ما كنا ) بغير واو وكذلك هو في مصاحف أهل الشام ، والباقون بالواو ، والوجه في قراءة ابن عامر أن قوله : { ما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله } جار مجرى التفسير لقوله : { هدانا لهاذا } فلما كان أحدهما عين الآخر ، وجب حذف الحرف العاطف .
المسألة الثانية : قوله : { وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله } دليل على أن المهتدي من هداه الله ، وإن لم يهده الله لم يهتد ، بل نقول : مذهب المعتزلة أن كل ما فعله الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام ، والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد ، فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر / والمحق والمبطل بسعي نفسه ، واختيار نفسه فكان يجب عليه أن يحمد نفسه ، لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان ، وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنان ، وخلصها من دركات النيران ، فلما لم يحمد نفسه البتة ، وإنما حمد الله فقط . علمنا أن الهادي ليس إلا الله سبحانه . ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا : { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } وهذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا ، وقالوا : لقد جاءت رسل ربنا بالحق . ثم قال تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذلك النداء إما أن يكون من الله تعالى ، أو أن يكون من الملائكة ، والأولى أن يكون المنادي هو الله سبحانه . المسألة الثانية : ذكر الزجاج في كلمة ( أن ) ههنا وجهين : الأول : أنها مخففة من الثقيلة ، والتقدير : إنه والمضير للشأن ، والمعنى : نودوا بأنه تلكم الجنة أي نودوا بهذا القول : والثاني : قال : وهو الأجود عندي أن تكون ( أن ) في معنى تفسير النداء ، والمعنى : ونودوا . أي تلكم الجنة ، والمعنى : قيل لهم تلكم الجنة كقوله : { وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا } ( ص: 6 ) يعني أي امشوا . قال : إنما قال : ( تلكم ) لأنهم وعدوا بها في الدنيا . فكأنه قيل : لهم هذه تلكم التي وعدتم بها وقوله : { أورثتموها } فيه قولان : القول الأول : وهو قول أهل المعاني أن معناه : صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله ، والإرث قد يستعمل في اللغة ، ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال : هذا العمل / يورثك الشرف ، ويورثك العار أي يصيرك إليه ، ومنهم من يقول : إنهم أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيها بالميراث . والقول الثاني : أن أهل الجنة يورثون منازل أهل النار . قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم : هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم ) وقوله : { بما كنتم تعملون } فيه مسائل : المسألة الأولى : تعلق من قال العمل يوجب هذا الجزاء بهذه الآية . فإن الباء في قوله : { بما كنتم تعملون } تدل على العلية ، وذلك يدل على أن العمل يوجب هذا الجزاء ، وجوابنا : أنه علة للجزاء لكن بسبب أن الشرع جعله علة له ، لا لأجل أنه لذاته موجب لذلك الجزاء ، والدليل عليه أن نعم الله على العبد لا نهاية لها ، فإذا أتى العبد بشيء من الطاعات وقعت هذه الطاعات في مقابلة تلك النعم السالفة فيمتنع أن تصير موجبة للثواب المتأخر .
المسألة الثانية : طعن بعضهم فقال : هذه الآية تدل على أن العبد إنما يدخل الجنة بعمله ، وقوله عليه السلام : ( لن يدخل أحد الجنة بعمله وإنما يدخلها برحمة الله تعالى ) وبينهما تناقض ، وجواب ما ذكرنا : أن العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته ، وإنما يوجه لأجل أن الله تعالى بفضله جعله علامة عليه ومعرفة له ، وأيضا لما كان الموفى للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل الله تعالى . المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } خطاب عام في حق جميع المؤمنين ، وذلك يدل على أن كل من دخل الجنة فإنما يدخلها بعمله ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع قول من يقول : أن الفساق يدخلون الجنة تفضلا من الله تعالى . إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن لا يخرج الفاسق من النار لأنه لو خرج لكان إما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها . والثاني : باطل بالإجماع ، والأول : لا يخلو إما أن يدخل الجنة على سبيل التفضل أو على سبيل الاستحقاق ، والأول باطل ، لأنا بينا أن هذه الآية تدل على أن أحدا لا يدخل الجنة بالتفضل ، والثاني : أيضا باطل لأنه لما دخل النار وجب أن يقال : إنه كان مستحقا للعقاب فلو أدخل الجنة على سبيل الاستحقاق لزم كونه مستحقا للثواب ، وحينئذ يلزم حصول الجمع بين استحقاق الثواب واستحقاق العقاب وهو محال لأن الثواب منفعة دائمة خالصة عن شوائب الضرر والعقاب مضرة دائمة خالصة عن شوائب المنفعة . والجمع بينهما محال . وإذا كان كذلك كان الجمع بين حصول استحقاقهما محالا . / والجواب : هذا بناء على أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمعان . وقد بالغنا في إبطال هذا الكلام في سورة البقرة . والله أعلم . ! 7 < { ونادىأصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالا خرة كافرون } . > 7 < الأعراف : ( 44 - 45 ) ونادى أصحاب الجنة . . . . . > > أعلم أنه تعالى لما شرح وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان والطاعات أتبعه بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين . وهي الأحوال التي ذكرها في هذه الآية . واعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها } دل ذلك على أنهم استقروا في الجنة في وقت هذا النداء فلما قال بعده : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } دل ذلك على أن هذا النداء إنما حصل بعد الاستقرار ، قال ابن عباس : وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقا ؟ والغرض من هذا السؤال إظهار أنه وصل إلى السعادات الكاملة وإيقاع الحزن في قلب العدو وههنا سؤالات : السؤال الأول : إذا كانت الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرضين فمع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء ؟ والجواب : هذا يصح على قولنا : لأنا عندنا البعد الشديد والقرب الشديد ليس من موانع الإدراك ، والتزم القاضي ذلك وقال : إن في العلماء من يقول في الصوت خاصية إن البعد فيه وحده لا يكون مانعا من السماع . السؤال الثاني : هذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض ؟ / والجواب : أن قوله : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } يفيد العموم . والجمع ، إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد ، وكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في الدنيا .
السؤال الثالث : ما معنى { ءان } في قوله : { أن قد وجدنا } . والجواب : إنه يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأن تكون مفسرة كالتي سبقت في قوله : { أن تلكم الجنة } ( الأعراف : 43 ) وكذلك في قوله : { أن لعنة الله على الظالمين } . السؤال الرابع : هلا قيل : { ما وعدكم ربكم حقا } ( الأعراف : 44 ) كما قيل : { ما وعدنا ربنا } . والجواب : قوله : { ما وعدنا ربنا حقا } يدل على أنه تعالى خاطبهم بهذا الوعد ، وكونهم مخاطبين من قبل الله تعالى بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف . ومزيد التشريف لا ئق بحال المؤمنين ، أما الكافر فهو ليس أهلا لأن يخاطبه الله تعالى ، فلهذا السبب لم يذكر الله تعالى أنه خاطبهم بهذا الخطاب بل ذكر تعالى أنه بين هذا الحكم . أما قوله تعالى : { قالوا نعم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الآية تدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة بأن وعد الله ووعيده حق وصدق ولا يمكن ذلك إلا إذا كانوا عارفين يوم القيامة بذات الله وصفاته . فإن قيل : لما كانوا عارفين بذاته وصفاته ، وثبت أن من صفاته أنه يقبل التوبة عن عباده ، وعلموا بالضرورة أن عند قبول التوبة يتخلصون من العذاب ، فلم لا يتوبون ليخلصوا أنفسهم من العذاب ؟ وليس لقائل أن يقول أنه تعالى إنما يقبل التوبة في الدنيا لأن قوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات } ( الشورى : 25 ) عام في الأحوال كلها ، وأيضا فالتوبة اعتراف بالذنب وإقرار بالذلة والمسكنة واللائق بالرحيم الحكيم التجاوز عن هذه الحالة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة . أجاب المتكلمون : بأن شدة اشتغالهم بتلك الآلام الشديدة يمنعهم عن الإقدام على التوبة ولقائل أن يقول : إذا كانت تلك الآلام لا تمنعهم عن هذه المناظرات ، فكيف تمنعهم عن التوبة التي بها يتخلصون عن تلك الآلام الشديدة ؟ واعلم أن المعتزلة : الذين يقولون يجب على الله قبول التوبة لا خلاص لهم عن هذا السؤال . أما أصحابنا لما قالوا أن ذلك غير واجب عقلا . قالوا لله تعالى أن يقبل التوبة في الدنيا ، وأن لا يقبلها في الآخرة ، فزال السؤال . والله أعلم . المسألة الثانية : قال سيبويه : { نعم } عدة وتصديق ، وقال الذين شرحوا كلامه معناه : إنه / يستعمل تارة عدة ، وتارة تصديقا ، وليس معناه : أنه عدة وتصديق معا ألا ترى أنه إذا قال : أتعطيني ؟ وقال نعم كان عدة ولا تصديق فيه ، وإذا قال : قد كان كذا وكذا . فقلت : نعم فقد صدقت ولا عدة فيه ، وأيضا إذا استفهمت عن موجب كما يقال : أيقوم زيد ؟ قلت : نعم ولو كان مكان الإيجاب نفيا لقلت : بلى ولم تقل نعم فلفظة نعم مختصة بالجواب عن الإيجاب ، ولفظة بلى مختصة بالنفي كما في قوله تعالى : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) . المسألة الثالثة : قرأ الكسائي { نعم } بكسر العين في كل القرآن . قال أبو الحسن : هما لغتان قال أبو حاتم : الكسر ليس بمعروف ، واحتج الكسائي بأنه روى عن عمر أنه سأل قوما عن شيء فقالوا : نعم . فقال عمر : أما النعم فالإبل . قال أبو عبيدة : هذه الرواية عن عمر غير مشهورة . أما قوله تعالى : { فأذن مؤذن بينهم } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : معنى التأذين في اللغة النداء والتصويت بالإعلام ، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها ، وقالوا في : { أذن مؤذن } نادى مناد أسمع الفريقين . قال ابن عباس : وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور . المسألة الثانية : قوله : { بينهم } يحتمل أن يكون ظرفا لقوله : { أذن } والتقدير : أن المؤذن أوقع ذلك الأذان بينهم ، وفي وسطهم ، ويحتمل أن يكون صفة لقوله : { مؤذن } والتقدير : أن مؤذنا من بينهم أذن بذلك الأذان ، والأول أولى والله أعلم . أما قوله تعالى : { أن لعنة الله على الظالمين } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم { ءان } مخففة { لعنة } بالرفع والباقون مشددة { لعنة } بالنصب . قال الواحدي رحمه الله : من شدد فهو الأصل ، ومن خفف { ءان } فهي مخففة من الشديدة على إرادة إضمار القصة والحديث تقديره أنه لعنه الله ، ومثله قوله تعالى : { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) التقدير : أنه ، ولا تخفف أن إلا ويكون معها إضمار الحديث والشأن . ويجوز أيضا أن تكون المخففة هي التي للتفسير كأنها تفسير لما أذنوا به كما ذكرناه في قوله : { أن قد وجدنا } وروى صاحب ( الكشاف ) أن الأعمش قرأ { أن لعنة الله } بكسر { ءان } على إرادة القول ، أو على إجراء { أذن } مجرى ( قال ) . المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية تدل على أن ذلك المؤذن ، أوقع لعنة الله على من كان موصوفا بصفات أربعة . الصفة الأولى : كونهم ظالمين . لأنه قال : { أن لعنة الله على الظالمين } قال أصحابنا المراد منه / المشركون ، وذلك لأن المناظرة المتقدمة إنما وقعت بين أهل الجنة وبين الكفار ، بدليل أن قول أهل الجنة هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ لا يليق ذكره إلا مع الكفار . وإذا ثبت هذا فقول المؤذن بعده { أن لعنة الله على الظالمين } يجب أن يكون منصرفا إليهم ، فثبت أن المراد بالظالمين ههنا ، المشركون / وأيضا أنه وصف هؤلاء الظالمين بصفات ثلاثة . هي مختصة بالكفار وذلك يقوي ما ذكرناه ، وقال القاضي المراد منه ، كل من كان ظالما سواء كان كافرا أو كان فاسقا تمسكا بعموم اللفظ . الصفة الثانية : قوله : { الذين يصدون عن سبيل الله } ومعناه : أنهم يمنعون الناس من قبول الدين الحق ، تارة بالزجر والقهر ، وأخرى بسائر الحيل . والصفة الثالثة : قوله : { ويبغونها عوجا } والمراد منه إلقاء الشكوك والشبهات في دلائل الدين الحق . والصفة الرابعة : قوله : { وهم بالاخرة كافرون } واعلم أنه تعالى لما بين أن تلك اللعنة إنما أوقعها ذلك المؤذن على الظالمين الموصوفين بهذه الصفات الثلاثة ، كان ذلك تصريحا بأن تلك اللعنة ما وقعت إلا على الكافرين ، وذلك يدل على فساد ما ذكره القاضي من أن ذلك اللعن يعم الفاسق والكافر . والله أعلم . ! 7 < { وبينهما حجاب وعلى الا عراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } . > 7 < الأعراف : ( 46 - 47 ) وبينهما حجاب وعلى . . . . . > > اعلم أن قوله : { وبينهما حجاب } يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين ، وهذا الحجاب هو المشهور المذكور في قوله : { فضرب بينهم بسور له باب } ( الحديد : 13 ) .
فإن قيل : وأي حاجة إلى ضرب هذا السور بين الجنة والنار ؟ وقد ثبت أن الجنة فوق السموات / وأن الجحيم في أسفل السافلين . قلنا : بعد إحداهما عن الأخرى لا يمنع أن يحصل بينهما سور وحجاب ، وأما الأعراف فهو جمع عرف وهو كل مكان عال مرتفع ، ومنه عرف الفرس وعرف الديك ، وكل مرتفع من الأرض عرف ، وذلك لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه . إذا عرفت هذا فنقول : في تفسير لفظ الأعراف قولان : القول الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار ، وهذا قول ابن عباس . وروي عنه أيضا أنه قال : الأعراف شرف الصراط . والقول الثاني : وهو قول الحسن وقول الزجاج : في أحد قوليه أن قوله : { وعلى الاعراف } أي وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يعرفون كل أحد من أهل الجنة والنار بسيماهم . فقيل للحسن : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ؟ فضرب على فخذيه ثم قال : هم قوم جعلهم الله تعالى على تعرف أهل الجنة وأهل النار يميزون البعض من البعض ، والله لا أدري لعل بعضهم الآن معناا أما القائلون بالقول الأول فقد اختلفوا في أن الذين هم على الأعراف من هم ؟ ولقد كثرت الأقوال فيهم وهي محصورة في قولين : أحدهما : أن يقال إنهم الأشراف من أهل الطاعة وأهل الثواب ، الثاني : أن يقال أنهم أقوام يكونون في الدرجة السافلة من أهل الثواب أما على التقدير الأول ففيه وجوه : أحدها : قال أبو مجلز . هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار ، فقيل له : يقول الله تعالى : { وعلى الاعراف رجال } وتزعم أنهم ملائكة ؟ فقال الملائكة ذكور لا إناث . ولقائل أن يقول : الوصف بالرجولية إنما يحسن في الموضع الذي يحصل في مقابلة الرجل من يكون أنثى ولما امتنع كون الملك أنثى امتنع وصفهم بالرجولية . وثانيها : قالوا إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزا لهم عن سائر أهل القيامة ، وإظهارا لشرفهم ، وعلو مرتبتهم وأجلسهم على ذلك المكان العالي ليكونوا مشرفين على أهل الجنة ، وأهل النار مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم . وثالثها : قالوا : إنهم هم الشهداء ، لأنه تعالى وصف أصحاب الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار ، ثم قال قوم : إنهم يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة ، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم ، وهذا الوجه باطل ، لأنه تعالى خص أهل الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم ، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف / اختصاص بهذه المعرفة ، لأن كل أحد من أهل الجنة ومن أهل النار يعرفون هذه الأحوال من أهل الجنة ومن أهل النار ، ولما بطل هذا الوجه ثبت أن المراد بقوله : { يعرفون كلا بسيماهم } هو أنهم كانوا يعرفون في الدنيا أهل الخير والإيمان والصلاح ، وأهل الشر والكفر والفساد . وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية / فهو تعالى يجلسهم على الأعراف ، وهي الأمكنة العالية الرفيعة ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به ، ويعرفون أن أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات ، وأهل العقاب إلى الدركات . فإن قيل : هذه الوجوه الثلاثة باطلة ، لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف أنهم { لم يدخلوها وهم يطمعون } أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها ، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء ، والملائكة والشهداء .
أجاب الذاهبون إلى هذا الوجه بأن قالوا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر ، والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار ، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال ، ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة ، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم . وأما قوله : { وهم يطمعون } فالمراد من هذا الطمع اليقين . ألا ترى أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) وذلك الطمع كان طمع يقين ، فكذا ههنا . فهذا تقرير قول من يقول أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل الجنة . والقول الثاني : وهو قول من يقول أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة من أهل الثواب والقائلون بهذا القول ذكروا وجوها : أحدها : أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا جرم ما كانوا من أهل الجنة ولا من أهل النار فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة وبين النار . ثم يدخلهم الله تعالى الجنة بفضله ورحمته وهم آخر قوم يدخلون الجنة ، وهذا قول حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما واختيار الفراء ، وطعن الجبائي والقاضي في هذا القول . واحتجوا على فساده بوجهين : الأول : أن قالوا أن قوله تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } ( الأعراف : 43 ) يدل على أن كل من دخل الجنة فإنه لا بد وأن يكون مستحقا لدخولها ، وذلك يمنع من القول بوجود أقوام لا يستحقون الجنة / ولا النار ، ثم إنهم يدخلون الجنة بمحض التفضل لا بسبب الاستحقاق . وثانيهما : إن كونهم من أصحاب الأعراف يدل على أنه تعالى ميزهم من جميع أهل القيامة بأن أجلسهم على الأماكن العالية المشرفة على أهل الجنة ، وأهل النار ، وذلك تشريف عظيم ، ومثل هذا التشريف لا يليق إلا بالإشراف ولا شك أن الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فدرجتهم قاصرة ، فلا يليق بهم ذلك التشريف . والجواب عن الأول : أنه يحتمل أن يكون قوله : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها } خطاب مع قوم معينين ، فلم يلزم أن يكون لكل أهل الجنة كذلك . والجواب عن الثاني : أنا لا نسلم أنه تعالى أجلسهم على تلك المواضع على سبيل التخصيص بمزيد التشريف والإكرام ، وإنما أجلسهم عليها لأنها كالمرتبة المتوسطة بين الجنة والنار ، وهل النزاع إلا في ذلك ؟ فثبت أن الحجة التي عولوا عليها في إبطال هذا الوجه ضعيفة . الوجه الثاني : من الوجوه المذكورة في تفسير أصحاب الأعراف . قالوا : المراد من أصحاب الأعراف أقوام خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فحبسوا بين الجنة والنار . واعلم أن هذا القول داخل في القول الأول : لأن هؤلاء ، إنما صاروا من أصحاب الأعراف لأن معصيتهم ساوت طاعتهم بإجهاد ، فهذا أحد الأمور الداخلة تحت الوجه الأول . وبتقدير أن يصح ذلك الوجه . فلا معنى لتخصيص هذه الصورة وقصر لفظ الآية عليها . والوجه الثالث : قال عبد الله بن الحرث : إنهم مساكين أهل الجنة .
والوجه الرابع : قال قوم أنهم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم في الأعراف فهذا كله شرح قول من يقول : الأعراف عبارة عن الأمكنة العالية على السور المضروب بين الجنة وبين النار . وأما الذين يقولون الأعراف عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار ؛ فهذا القول أيضا غير بعيد إلا أن هؤلاء الأقوام لا بد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة ، وأهل النار . وحينئذ يعود هذا القول إلى القول الأول ، فهذه تفاصيل أقوال الناس في هذا الباب . والله أعلم ، ثم إنه تعالى أخبر أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم واختلفوا في المراد بقوله : { بسيماهم } على وجوه . فالقول الأول : وهو قول ابن عباس : أن سيما الرجل المسلم من أهل الجنة بياض وجهه ، كما قال تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ( آل عمران : 106 ) وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة ، وكون كل واحد منهم أغر محجلا من آثار الوضوء ، وعلامة الكفار سواد وجوههم ، وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة ، وكون عيونهم زرقا . / ولقائل أن يقول : إنهم لما شاهدوا أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فأي حاجة إلى أن يستدل على كونهم من أهل الجنة بهذه العلامات ؟ لأن هذا يجري مجرى الاستدلال على ما علم وجوده بالحس ، وذلك باطل . وأيضا فهذه الآية تدل على أن أصحاب الأعراف مختصون بهذه المعرفة ، ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا الاختصاص ، لأن هذه الأحوال أمور محسوسة ، فلا يختص بمعرفتها شخص دون شخص . والقول الثاني : في تفسير هذه الآية أن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الإيمان والطاعات عليهم ويعرفون الكافرين في الدنيا أيضا بظهور علامات الكفر والفسق عليهم ، فإذا شاهدوا أولئك الأقوام في محفل القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدنيا ، وهذا الوجه هو المختار . أما قوله تعالى : { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } فالمعنى إنهم إذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا على أهلها ، وعند هذا تم كلام أهل الأعراف .
ثم قال : { لم يدخلوها وهم يطمعون } والمعنى أنه تعالى أخبر أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ، ومع ذلك فهم يطمعون في دخولها ، ثم إن قلنا أن أصحاب الأعراف هم الأشراف من أهل الجنة فقد ذكرنا أنه تعالى إنما أجلسهم على الأعراف وأخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار ، ثم إنه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء ، وأن أبا بكر وعمر منهم ) وتحقيق الكلام أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل القيامة ، فعند وقوف أهل القيامة في الموقف يجلس الله أهل الأعراف في الاعراف ، وهي المواضع العالية الشريفة فإذا أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار نقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة ، فهم أبدا لا يجلسون إلا في الدرجات العالية . وأما إن فسرنا أصحاب الأعراف بأنهم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل النجاة قلنا أنه تعالى يجلسهم في الأعراف وهم يطعمون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة . وأما قوله تعالى : { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } فقال الواحدي رحمه الله التلقاء جهة اللقاء ، وهي جهة المقابلة ، ولذلك كان ظرفا من ظروف المكان يقال فلان تلقاءك كما يقال هو حذاءك ، وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفا / ثم نقل الواحدي رحمه الله بإسناده عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين أنهما قالا : لم يأت من المصادر على تفعال ( إلا ) حرفان تبيان وتلقاء ، فإذا تركت هذين استوى ذلك القياس ، / فقلت في كل مصدر تفعال بفتح التاء ، مثل تسيار وترسال . وقلت في كل اسم تفعال بكسر التاء ، مثل تمثال وتقصار ، ومعنى الآية : أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم . والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف ، حتى يقدم المرء على النظر والاستدلال ، ولا يرضى بالتقليد ليفوز بالدين الحق ، فيصل بسببه إلى الثواب المذكور في هذه الآيات ، ويتخلص عن العقاب المذكور فيها . ! 7 < { ونادى أصحاب الا عراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } . > 7 < الأعراف : ( 48 - 49 ) ونادى أصحاب الأعراف . . . . . > >
اعلم أنه تعالى لما بين بقوله : { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا } ( الأعراف : 47 ) أتبعه أيضا بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالا من أهل النار ، واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام المذكور لا يليق إلا بهم ، وهو قولهم : { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ ، ولا يليق أيضا إلا بأكابرهم ، والمراد بالجمع ، إما جمع المال ، وإما الاجتماع والكثرة { وما كنتم } والمراد : استكبارهم عن قبول الحق ، واستكبارهم على الناس المحقين . وقرىء { تستكثرون } من الكثرة ، وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب ، وعلى تبكيت عظيم يحصل لأولئك المخاطبين بسبب هذا الكلام ، ثم زادوا على هذا التبكيت ، وهو قولهم : { تستكبرون أهاؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة ، كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم ، وربما هزؤوا بهم ، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم ، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية ، لمن كان مستضعفا عنده قلق لذلك ، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه . وأما قوله تعالى : { ادخلوا الجنة } فقد اختلفوا فيه . فقيل هم أصحاب الأعراف ، والله تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم الله تعالى بهذا القول . وقيل : بل يقول بعضهم لبعض . / والمراد أنه تعالى يحث أصحاب الأعراف بالدخول في الجنة ، واللحوق بالمنزلة التي أعدها الله تعالى لهم ، وعلى هذا التقدير فقوله : { أهاؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } من كلام أصحاب الأعراف . وقوله : { ادخلوا الجنة } من كلام الله تعالى ، ولا بد ههنا من إضمار ، والتقدير : فقال الله لهم هذا كما قال : { يريد أن يخرجكم من أرضكم } ( الأعراف : 110 ) وانقطع ههنا كلام الملأ . ثم قال فرعون : { فماذا تأمرون } ( الأعراف : 110 ) فاتصل كلامه بكلامهم من غير إظهار فارق ، فكذا ههنا . ! 7 < { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحيواة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هاذا وما كانوا بأاياتنا يجحدون } . > 7 < الأعراف : ( 50 - 51 ) ونادى أصحاب النار . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين ما يقوله أصحاب الأعراف لأهل النار ، أتبعه بذكر ما يقوله أهل النار لأهل الجنة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة . طمع أهل النار بفرج بعد اليأس . فقالوا : يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم ، فأمر الله الجنة فتزحزحت ، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم ، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم ، وقد اسودت وجوههم وصاروا خلقا آخر ، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا : { أفيضوا علينا من الماء } وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهيب بسبب شدة حر جهنم . وقوله : { أفيضوا } كالدلالة على أن أهل الجنة أعلى مكانا من أهل النار . فإن قيل : أسألوا مع الرجاء ، والجواز ، ومع اليأس ؟
قلنا : ما حكيناه عن ابن عباس يدل على أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول . وقال القاضي : بل مع اليأس ، لأنهم قد عرفوا دوام عقابهم وأنه لا يفتر عنهم ، ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما / يقال في المثل : الغريق يتعلق بالزبد ، وإن علم أنه لا يغيثه . وقوله : { أو مما رزقكم الله } قيل إنه الثمار ، وقيل إنه الطعام ، وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد ، والجوع الشديد لهم ، عن أبي الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم ، فيستغيثون فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع . ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ، ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد فيقطع ما في بطونهم ، ويستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فيقول أهل الجنة : إن الله حرمهما على الكافرين ، ويقولون لمالك : { ليقض علينا ربك } ( الزخرف : 77 ) فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام ، ويقولون : { ربنا أخرجنا منها } ( المؤمنون : 107 ) فيجيبهم { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ( المؤمنون : 108 ) فعند ذلك ييأسون من كل خير ، ويأخذون في الزفير والشهيق . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه ذكر في صفة أهل الجنة أنهم يرون الله عز وجل كل جمعة ، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب ، فإذا رأوا الله تعالى ، دخل من كل باب ملك معه الهدايا الشريفة وقال : إن نخل الجنة خشبها الزمرد ، وترابها الذهب الأحمر ، وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة ، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء ، أشد بياضا من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل ، لا عجم له ، فهذا صفة أهل الجنة ، وصفة أهل النار ، ورأيت في بعض الكتب : أن قارئا قرأ قوله تعالى حكاية عن الكفار : { أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } في تذكرة الأستاذ أبي علي الدقاق ، فقال الأستاذ : هؤلاء كانت رغبتهم وشهوتهم في الدنيا في الشرب والأكل ، وفي الآخرة بقوا على هذه الحالة ، وذلك يدل على أن الرجل يموت على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه ، ثم بين تعالى أن هؤلاء الكفار لما طلبوا الماء والطعام من أهل الجنة قال أهل الجنة { إن الله حرمهما على الكافرين } ولا شك أن ذلك يفيد الخيبة التامة / ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكفار بأنهم اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، وفيه وجهان : الوجه الأول : أن الذي اعتقدوا فيه أنه دينهم ، تلاعبوا به ، وما كانوا فيه مجدين . والوجه الثاني : أنهم اتخذوا اللهو واللعب دينا لأنفسهم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد المستهزئين المقتسمين . ثم قال : { وغرتهم الحيواة الدنيا } وهو مجاز لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة بل المراد أنه حصل الغرور عند هذه الحياة الدنيا ، لأن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال ، وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوبا عن طلب الدين . غرقا في طلب الدنيا ، ثم لما وصف الله تعالى أولئك الكفار بهذه الصفات قال : { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هاذا } وفي تفسير هذا النسيان قولان : القول الأول : أن النسيان هو الترك . والمعنى : نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين .
/ والقول الثاني : أن معنى ننساهم كما نسوا أي نعاملهم معاملة من نسي نتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض بآياتنا ، وبالجملة فسمى الله جزاء نسيانهم بالنسيان كما في قوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) والمراد من هذا النسيان أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم ، ثم بين تعالى أن كل هذه التشديدات إنما كان لأنهم كانوا بآياتنا يجحدون وهذه الآية لطيفة عجيبة . وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم كانوا كافرين ثم بين من حالهم أنهم اتخذوا دينهم لهوا أولا ، ثم لعبا ثانيا ، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثا ، ثم صار عاقبة هذه الأحوال والدرجات أنهم جحدوا بآيات الله ، وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ كل آفة كما قال عليه الصلاة والسلام : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) وقد يؤدي حب الدنيا إلى الكفر والضلال . ! 7 < { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 52 ) ولقد جئناهم بكتاب . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الجنة ، وأهل النار ، وأهل الأعراف ، ثم شرح الكلمات الدائرة بين هؤلاء الفرق الثلاث على وجه يصير سماع تلك المناظرات حاملا للمكلف على الحذر والاحتراز وداعيا له إلى النظر والاستدلال ، بين شرف هذا الكتاب الكريم ونهاية منفعته فقال : { ولقد جئناهم بكتاب } وهو القرآن { فصلناه } أي ميزنا بعضه عن بعض ، تمييزا يهدي إلى الرشد ويؤمن عن الغلط والخبط ، فأما قوله : { على علم } فالمراد أن ذلك التفصيل والتمييز إنما حصل مع العلم التام بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد المتكاثرة ، والمنافع المتزايدة ، وقوله : { هدى ورحمة } قال الزجاج : { هدى } في موضع نصب أي فصلناه هاديا وذا رحمة وقوله : { لقوم يؤمنون } يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين ، والمراد أنهم هم الذين اهتدوا به دون غيرهم فهو كقوله تعالى في أول سورة البقرة : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) واحتج أصحابنا بقوله : { فصلناه على علم } على أنه تعالى عالم بالعلم ، خلافا لما يقوله المعتزلة من أنه ليس لله علم . والله أعلم . ! 7 < { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } . > 7 ! / < < الأعراف : ( 53 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة ، بين بعده حال من كذب فقال : { هل ينظرون إلا تأويله } والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع . فإن قيل : كيف يتوقعون وينتظرون مع جحدهم له وإنكارهم ؟
قلنا : لعل فيهم أقواما تشككوا وتوقفوا ، فلهذا السبب انتظروه وأيضا إنهم وإن كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة ، وقوله : { إلا تأويله } قال الفراء الضمير في قوله : { تأويله } للكتاب يريد عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب . والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل وقد احتج بهذه الآية من ذهب إلى قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } ( آل عمران : 7 ) أي ما يعلم عاقبة الأمر فيه إلا الله وقوله : { يوم يأتى تأويله } يريد يوم القيامة ، قال الزجاج : قوله : { يوم } نصب بقوله : { يقول } وأما قوله : { يقول الذين نسوه من قبل } معناه أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ، ويجوز أن يكون معنى { نسوه } أي تركوا العمل به والإيمان ، به وهذا كما ذكرنا في قوله : { كما نسوا لقاء يومهم هاذا } ( الأعراف : 51 ) ثم بين تعالى أن هؤلاء الذين نسوا يوم القيامة يقولون : { قد جاءت رسل ربنا بالحق } والمراد أنهم أقروا بأن الذي جاءت به الرسل من ثبوت الحشر ، والنشر ، والبعث ، والقيامة ، والثواب ، والعقاب ، كل ذلك كان حقا ، وإنما أقروا بحقيقة هذه الأشياء لأنهم شاهدوها وعاينوها ، وبين الله تعالى أنهم لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا : { هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل } والمعنى إنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين . وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب أو يردنا الله تعالى إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل يعني نوحد الله تعالى بدلا عن الكفر ونطيعه بدلا عن المعصية . فإن قيل : أقالوا هذا الكلام مع الرجاء أو مع اليأس ؟ وجوابنا عنه مثل ما ذكرناه في قوله : { أفيضوا علينا من الماء } ( الأعراف : 50 ) ثم بين تعالى بقوله : { قد خسروا أنفسهم } أن الذين طلبوه ، لا يكون لأن ذلك المطلوب لو حصل لما حكم الله عليهم بأنهم قد خسروا أنفسهم . ثم قال : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } يريد أنهم لم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في الدنيا / ولم ينتفعوا بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في نصرتها ، قال الجبائي : هذه الآية تدل على حكيمن : الحكم الأول قال : الآية تدل على أنهم كانوا في حال التكليف قادرين على الإيمان والتوبة فلذلك سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا ولو كانوا في الدنيا غير قادرين كما يقوله المجبرة لم يكن لهم في الرد فائدة ولا جاز أن يسألوا ذلك . الحكم الثاني أن الآية تدل على بطلان قول المجبرة والذين يزعمون أن أهل الآخرة مكلفون لأنه لو كان كذلك لما سألوا الرد إلى حال وهم في الوقت على مثلها بل كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال / فبطل ما حكي عن النجار وطبقته من أن التكليف باق على أهل الآخرة . ! 7 < { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والا رض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والا مر تبارك الله رب العالمين } . > 7 < الأعراف : ( 54 ) إن ربكم الله . . . . . > >
اعلم أنا بينا أن مدار أمر القرآن على تقدير هذه المسائل الأربع ، وهي التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر ، ولا شك أن مدار إثبات المعاد على إثبات التوحيد والقدرة والعلم ، فلما بالغ الله تعالى في تقرير أمر المعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد ، وكمال القدرة ، والعلم ، لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التوحيد ، ومقررة أيضا لإثبات المعاد وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : حكى الواحدي عن الليث أنه قال : الأصل في الست والستة سدس وسدسة أبدل السين تاء ، ولما كان مخرج الدال والتاء قريبا أدغم أحدهما في الآخر واكتفى بالتاء ، عليه أنك تقول في تصغير ستة سديسة ، وكذلك الأسداس وجميع تصرفاته يدل عليه . والله أعلم . المسألة الثانية : { الخلق } التقدير على ما قررناه فخلق السموات والأرض إشارة إلى تقدير حالة / من أحوالهما ، وذلك التقدير يحتمل وجوها كثيرة : أولها : تقدير ذواتهما بمقدار معين مع أن العقل يقضي بأن الأزيد منه والأنقص منه جائز ، فاختصاص كل واحد منهما بمقداره المعين لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص ، وذلك يدل على افتقار خلق السموات والأرض إلى الفاعل المختار . وثانيها : أن كون هذه الأجسام متحركة في الأزل محال ، لأن الحركة انتقال من حال إلى حال ، فالحركة يجب كونها مسبوقة بحالة أخرى ، والأزل ينافي المسبوقية فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالا . إذا ثبت هذا فنقول : هذه الأفلاك والكواكب إما أن يقال : أن ذواتها كانت معدومة في الأزل ثم وجدت ، أو يقال : إنها وإن كانت موجودة لكنها كانت واقفة ساكنة في الأزل ، ثم ابتدأت بالحركة ، وعلى التقديرين فتلك الحركات ابتدأت بالحدوث والوجود في وقت معين مع جواز حصولها قبل ذلك الوقت وبعده ، وإذا كان كذلك كان اختصاص ابتداء تلك الحركات بتلك الأوقات المعينة تقديرا وخلقا ، ولا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر ومختار . وثالثها : أن أجرام الأفلاك والكواكب والعناصر مركبة من أجزاء صغيرة ، ولا بد وأن يقال : إن بعض تلك الأجزاء حصلت في داخل تلك الأجرام وبعضها حصلت على سطوحها فاختصاص حصول كل واحدة من تلك الأجزاء بحيزه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص المخصص القادر المختار . ورابعها : أن بعض الأفلاك أعلى من بعض ، وبعض الكواكب حصل في المنطقة وبعضها في القطبين ، فاختصاص كل واحد منهما بموضعه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص قادر مختار . وخامسها : أن كل واحد من الأفلاك متحرك إلى جهة مخصوصة ، وحركة مختصة بمقدار معين مخصوص من البطء والسرعة ، وذلك أيضا خلق وتقدير ويدل على وجود المخصص القادر . وسادسها : أن كل واحد من الكواكب مختص بلون مخصوص مثل كمودة زحل ، ودرية المشتري ، وحمرة المريخ ، وضياء الشمس ، وإشراق الزهرة ، وصفرة عطارد ، وزهور القمر ، والأجسام متماثلة في تمام الماهية . فكان اختصاص كل واحد منها بلونه المعين خلقا وتقديرا ودليلا على افتقارها إلى الفاعل المختار . وسابعها : أن الأفلاك والعناصر مركبة من الأجزاء الصغيرة ، وواجب الوجود لا يكون أكثر من واحد فهي ممكنة الوجود في ذواتها ، فكل ما كان ممكنا لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، والحاجة إلى المؤثر لا تكون في حال البقاء ، وإلا لزم تكون الكائن فتلك الحاجة لا تحصل إلا في زمان الحدوث / أو في زمان العدم . وعلى التقديرين فيلزم كون هذه الأجزاء محدثة ومتى كانت محدثة كان حدوثها مختصا بوقت معين وذلك خلق وتقدير / ويدل على الحاجة إلى الصانع القادر المختار . وثامنها : أن هذه الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان ، وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث ، فهذه الأجسام محدثة ، وكل محدث فقد حصل حدوثه في وقت معين ، وذلك خلق وتقدير ولا بد له من الصانع القادر المختار . وتاسعها : أن الأجسام متماثلة فاختصاص بعضها بالصفات التي لأجلها كانت سموات وكواكب ، والبعض الآخر بالصفات التي لأجلها كانت أرضا أو ماء أو هواء أو نارا لا بد وأن يكون أمرا جائزا ، وذلك لا يحصل إلا بتقدير مقدر وتخصيص مخصص وهو المطلوب . وعاشرها : أنه كما حصل الامتياز المذكور بين الأفلاك والعناصر فقد حصل أيضا مثل هذا الامتياز بين الكواكب وبين الأفلاك وبين العناصر ، بل حصل مثل هذا الامتياز بين كل واحد من الكواكب ، وذلك يدل على الافتقار إلى الفاعل القادر المختار .
واعلم أن الخلق عبارة عن التقدير ، فإذا دللنا على أن الأجسام متماثلة وجب القطع بأن كل صفة حصلت لجسم معين ، فإن حصول تلك الصفة ممكن لسائر الأجسام ، وإذا كان الأمر كذلك كان اختصاص ذلك الجسم المعين بتلك الصفة المعينة خلقا وتقديرا فكان داخلا تحت قوله سبحانه { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض } والله أعلم . المسألة الثالثة : لسائل أن يسأل فيقول : كون هذه الأشياء مخلوقة في ستة أيام لا يمكن جعله دليلا على إثبات الصانع ؟ وبيانه من وجوه : الأول : أن وجه دلالة هذه المحدثات على وجود الصانع هو حدوثها أو إمكانها أو مجموعهما فإما وقوع ذلك الحدوث في ستة أيام أو في يوم واحد فلا أثر له في ذلك ألبتة . والثاني : أن العقل يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز ، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في ستة أيام إلا بأخبار مخبر صادق ، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار ، فلو جعلنا هذه المقدمة مقدمة في إثبات الصانع لزم الدور . والثالث : أن حدوث السموات والأرض دفعة واحدة أدل على كمال القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيام . إذا ثبت ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة فنقول : ما الفائدة في ذكر أنه تعالى إنما خلقها في ستة أيام في إثبات ذكر ما يدل على وجود الصانع ؟ والرابع : أنه ما السبب في أنه اقتصر ههنا على ذكر السموات والأرض ، ولم يذكر خلق سائر الأشياء ؟ السؤال الخامس : اليوم إنما يمتاز عن الليلة بسبب طلوع الشمس وغروبها فقبل خلق الشمس والقمر كيف يعقل حصول الأيام ؟ / والسؤال السادس : أنه تعالى قال : { وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر } ( القمر : 50 ) وهذا كالمناقض لقوله : { خلق السماوات والارض في ستة أيام } . والسؤال السابع : أنه تعالى خلق السموات والأرض في مدة متراخية ، فما الحكمة في تقييدها وضبطها بالأيام الستة ؟ فنقول : أما على مذهبنا فالأمر في الكل سهل واضح ، لأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض عليه في أمر من الأمور ، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه . ثم نقول : أما السؤال الأول : فجوابه أنه سبحانه ذكر في أول التوراة أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ، والعرب كانوا يخالطون اليهود والظاهر أنهم سمعوا ذلك منهم فكأنه سبحانه يقول لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتها في ستة أيام .
وأما السؤال الثالث : فجوابه أن المقصود منه أنه سبحانه وتعالى وإن كان قادرا على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حدا محدودا ووقتا مقدرا / فلا يدخله في الوجود إلا على ذلك الوجه ، فهو وإن كان قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين في الحال ، وعلى إيصال العقاب إلى المذنبين في الحال ، إلا أنه يؤخرهما إلى أجل معلوم مقدر ، فهذا التأخير ليس لأجل أنه تعالى أهمل العباد بل لما ذكرنا أنه خص كل شيء بوقت معين لسابق مشيئته فلا يفتر عنه ، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة ق : { ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون } ( ق: 38 ، 39 ) بعد أن قال قبل هذا : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا فى البلاد هل من محيص إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } ( ق: 36 ، 37 ) فأخبرهم بأنه قد أهلك من المشركين به والمكذبين لأنبيائه من كان أقوى بطشا من مشركي العرب ، إلا أنه أمهل هؤلاء لما فيه من المصلحة ، كما خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام متصلة لا لأجل لغوب لحقه في الإمهال ، ولما بين بهذا الطريق أنه تعالى إنما خلق العالم لا دفعة لكن قليلا قليلا قال بعده : { فاصبر على ما يقولون } من الشرك والتكذيب ولا تستعجل لهم العذاب بل توكل على الله تعالى وفوض الأمر إليه ، وهذا معنى ما يقوله المفسرون من أنه تعالى إنما خلق العالم في ستة أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور والصبر فيها ولأجل أن لا يحمل المكلف تأخر الثواب والعقاب على الإهمال والتعطيل . ومن العلماء من ذكر فيه وجهين آخرين : الوجه الأول : أن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع طريق الإحداث فلعله يخطر / ببال بعضهم أن ذاك إنما وقع على سبيل الاتفاق ، أما إذا حدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للمصلحة والحكمة ، كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث قديم حكيم ، وقادر عليم رحيم . الوجه الثاني : أنه قد ثبت بالدليل أنه تعالى يخلق العاقل أولا ثم يخلق السموات والأرض بعده ، ثم إن ذلك العاقل إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على التعاقب والتوالي ، كان ذلك أقوى لعلمه وبصيرته ، لأنه يتكرر على عقله ظهور هذا الدليل لحظة بعد لحظة ، فكان ذلك أقوى في إفادة اليقين . وأما السؤال الرابع : فجوابه أن ذكر السموات والأرض في هذه الآية يشتمل أيضا على ذكر ما بينهما ، والدليل عليه أنه تعالى ذكر سائر المخلوقات في سائر الآيات فقال : { الله الذى خلق السماوات والارض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } وقال : { وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا الذى خلق السماوات والارض وما بينهما } ( الفرقان : 58 ، 59 ) وقال : { ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما فى ستة أيام } ( ق: 38 ) . وأما السؤال الخامس : فجوابه أن المراد أنه تعالى خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام وهو كقوله : { لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } والمراد على مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا ليل ثم ولا نهار .
وأما السؤال السادس : فجوابه أن قوله : { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } ( القمر : 50 ) محمول على إيجاد كل واحد من الذوات وعلى إعدام كل واحد منها ، لأن إيجاد الذات الواحدة وإعدام الموجود الواحد لا يقبل التفاوت فلا يمكن تحصيله إلا دفعة واحدة / وأما الإمهال والمدة فذاك لا يحصل إلا في المدة . وأما السؤال السابع : وهو تقدير هذه المدة بستة أيام ، فهو غير وارد لأنه تعالى لو أحدثه في مقدار آخر من الزمان لعاد ذلك السؤال ، وأيضا قال بعضهم لعدد السبعة شرف عظيم ، وهو مذكور في تقرير أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين ، وإذا ثبت هذا قالوا : فالأيام الستة في تخليق العالم واليوم السابع في حصول كمال الملك والملكوت . وبهذا الطريق حصل الكمال في الأيام السبعة انتهى . المسألة الرابعة : في هذه الآية بشارة عظيمة للعقلاء لأنه قال : { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض } والمعنى أن الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكروهات / هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأشياء العظيمة وأودع فيها أصناف المنافع وأنواع الخيرات ، ومن كان له مرب موصوف بهذه الحكمة والقدرة والرحمة ، فكيف يليق أن يرجع إلى غيره في طلب الخيرات أو يعول على غيره في تحصيل السعادات ؟ ثم في الآية دقيقة أخرى فإنه لم يقل أنتم عبيده بل قال هو ربكم ، ودقيقة أخرى وهي أنه تعالى لما نسب نفسه إلينا سمى نفسه في هذه الحالة بالرب ، وهو مشعر بالتربية وكثرة الفضل والإحسان ، فكأنه يقول من كان له مرب مع كثرة هذه الرحمة والفضل ، فكيف يليق به أن يشتغل بعبادة غيره ؟ أما قوله تعالى : { ثم استوى على العرش } فاعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد منه كونه مستقرا على العرش ويدل على فساده وجوه عقلية ، ووجوه نقلية . أما العقلية فأمور : أولها : أنه لو كان مستقرا على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيا وإلا لزم كون العرش داخلا في ذاته وهو محال ، وكل ما كان متناهيا فإن العقل يقضي بأنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص منه بذرة والعلم بهذا الجواز ضروري ، فلو كان الباري تعالى متناهيا من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت أنه تعالى لو كان على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيا ، ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا محال فكونه على العرش يجب أن يكون محالا . وثانيها : لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات ، وإما أن يكون متناهيا في كل الجهات . وإما أن يكون متناهيا من بعض الجهات دون البعض والكل باطل فالقول بكونه في المكان والحيز باطل قطعا . بيان فساد القسم الأول : أنه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام السفلية والعلوية ، وأن تكون مخالطة للقاذورات والنجاسات ، وتعالى الله عنه ، وأيضا فعلى هذا التقدير : تكون السموات حالة في ذاته ، وتكون الأرض أيضا حالة في ذاته .
إذا ثبت هذا فنقول : الشيء الذي هو محل السموات ، إما أن يكون هو عين الشيء الذي هو محل الأرضين أو غيره ، فإن كان الأول لزم كون السموات والأرضين حالتين في محل واحد من غير امتياز بين محليهما أصلا ، وكل حالين حلا في محل واحد ، لم يكن أحدهما ممتازا عن الآخر ، فلزم أن يقال : السموات لا تمتاز عن الأرضين في الذات ، وذلك باطل ، وإن كان الثاني : لزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء والأبعاض وهو محال . والثالث : وهو أن ذات الله تعالى إذا كانت حاصلة في جميع الأحياز والجهات ، فإما أن يقال : الشيء الذي حصل فوق هو / عين الشيء الذي حصل تحت ، فحينئذ تكون الذات الواحدة قد حصلت دفعة واحدة في أحياز كثيرة ، وإن عقل ذلك فلم لا يعقل أيضا حصول الجسم الواحد في أحياز كثيرة دفعة واحدة ؟ وهو محال في بديهة العقل . وأما إن قيل : الشيء الذي حصل فوق غير الشيء الذي حصل تحت ، فحينئذ يلزم حصول التركيب والتبعيض في ذات الله تعالى وهو محال . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : أنه تعالى متناه من كل الجهات . فنقول : كل ما كان كذلك فهو قابل للزيادة والنقصان في بديهة العقل ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين ، لأجل تخصيص مخصص ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، وأيضا فإن جاز أن يكون الشيء المحدود من كل الجوانب قديما أزليا فاعلا للعالم ، فلم لا يعقل أن يقال : خالق العالم هو الشمس ، أو القمر ، أو كوكب آخر ، وذلك باطل باتفاق . وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : أنه متناه من بعض الجوانب ، وغير متناه من سائر الجوانب ، فهذا أيضا باطل من وجوه : أحدها : أن الجانب الذي صدق عليه كونه متناهيا غير ما صدق عليه كونه غير متناه ، وإلا لصدق النقيضان معا وهو محال . وإذا حصل التغاير لزم كونه تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض ، وثانيها : أن الجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه متناهيا ، إما أن يكون مساويا للجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه غير متناه ، وإما أن لا يكون كذلك ، والأول باطل ، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي ، وإذا كان كذلك : فالجانب للذي هو غير متناه يمكن أن يصير متناهيا ، والجانب الذي هو متناه يمكن أن يصير غير متناه ، ومتى كان الأمر كذلك كان النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفرق والتمزق على ذاته ممكنا ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، وذلك على الإله القديم محال ، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلا في الحيز والجهة ، لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات . وإما أن يكون متناهيا من كل الجهات ، أو كان متناهيا من بعض الجهات ، وغير متناه من سائر الجهات ، فثبت أن الأقسام الثلاثة باطلة ، فوجب أن نقول القول بكونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة محال . والبرهان الثالث : لو كان الباري تعالى حاصلا في المكان والجهة ، لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجودا مشارا إليه ، وإما أن لا يكون كذلك ، والقسمان باطلان ، فكان القول بكونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة باطلا .
أما بيان فساد القسم الأول : فلأنه لو كان المسمى بالحيز والجهة موجودا مشارا إليه ، فحينئذ / يكون المسمى بالحيز والجهة بعدا وامتداد ، والحاصل فيه أيضا يجب أن يكون له في نفسه بعد وامتداد ، وإلا لامتنع حصوله فيه ، وحينئذ يلزم تداخل البعدين ، وذلك محال للدلائل الكثيرة ، المشهورة في هذا الباب ، وأيضا فيلزم من كون الباري تعالى قديما أزليا كون الحيز والجهة أزليين ، وحينئذ يلزم أن يكون قد حصل في الأزل موجود قائم بنفسه سوى الله تعالى ، وذلك بإجماع أكثر العقلاء باطل . وأما بيان فساد القسم الثاني : فهو من وجهين : أحدهما : أن العدم نفي محض ، وعدم صرف ، وما كان كذلك امتنع كونه ظرفا لغيره وجهة لغيره . وثانيهما : أن كل ما كان حاصلا في جهة فجهته ممتازة في الحس عن جهة غيره ، فلو كانت تلك الجهة عدما محضا لزم كون العدم المحض مشارا إليه بالحس ، وذلك باطل ، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلا في حيز وجهة لأفضى إلى أحد هذين القسمين الباطين ، فوجب أن يكون القول به باطلا . فإن قيل : فهذا أيضا وارد عليكم في قولكم : الجسم حاصل في الحيز والجهة . فنقول : نحن على هذا الطريق لا نثبت للجسم حيزا ولا جهة أصلا ألبتة ، بحيث تكون ذات الجسم نافدة فيه وسارية فيه ، بل المكان عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي ، وهذا المعنى محال بالاتفاق في حق الله تعالى ، فسقط هذا السؤال . البرهان الرابع : لو امتنع وجود الباري تعالى إلا بحيث يكون مختصا بالحيز والجهة / لكانت ذات الباري مفتقرة في تحققها ووجودها إلى الغير ، وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته ينتج أنه لو امتنع وجود الباري إلا في الجهة والحيز ، لزم كونه ممكنا لذاته ، ولما كان هذا محالا كان القول بوجوب حصوله في الحيز محالا . بيان المقام الأول : هو أنه لما امتنع حصول ذات الله تعالى ، إلا إذا كان مختصا بالحيز والجهة . فنقول : لا شك أن الحيز والجهة أمر مغاير لذات الله تعالى ، فحينئذ تكون ذات الله تعالى مفتقرة في تحققها إلى أمر يغايرها ، وكل ما افتقر تحققه إلى ما يغايره ، كان ممكنا لذاته . والدليل عليه : أن الواجب لذاته هو الذي لا يلزم من عدم غيره عدمه ، والمفتقر إلى الغير هو الذي يلزم من عدم غيره عدمه ، فلو كان الواجب لذاته مفتقرا إلى الغير لزم أن يصدق عليه النقيضان ، وهو محال . فثبت أنه تعالى لو وجب حصوله في الحيز لكان ممكنا لذاته ، لا واجبا لذاته ، وذلك محال . والوجه الثاني : في تقرير هذه الحجة : هو أن الممكن محتاج إلى الحيز والجهة . أما عند من يثبت الخلاء . فلا شك أن الحيز والجهة تتقرر مع عدم التمكن ، وأما عند من ينفي الخلاء فلا ، لأنه وإن كان معتقدا أنه لا بد من متمكن يحصل في الجهة ، إلا أنه لا يقول بأنه لابد لتلك الجهة من متمكن معين ، / بل أي شيء كان فقد كفى في كونه شاغلا لذلك الحيز . إذا ثبت هذا فلو كان ذات الله تعالى مختصة بجهة وحيز لكانت ذاته مفتقرة إلى ذلك الحيز ، وكان ذلك الحيز غنيا تحققه عن ذات الله تعالى . وحينئذ يلزم أن يقال : الحيز واجب لذاته غني عن غيره وأن يقال ذات الله تعالى مفتقرة في ذاتها واجبة بغيرها وذلك يقدح في قولنا : الإله تعالى واجب الوجود لذاته . فإن قيل : الحيز والجهة ليس بأمر موجود حتى يقال ذات الله تعالى مفتقرة إليه ومحتاجة إليه /