Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V15/P013–V15/P014

قلنا فيه وجوه : الأول : أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفا فدخلت اللام للتقوية ، ونظيره قوله : { للرؤيا تعبرون } ( يوسف : 43 ) الثاني : أنها لام الأجل والمعنى : للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة . الثالث : أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول ، وإن كان الفعل متعديا كقولك قرأت في السورة وقرأت السورة ، وألقى يده وألقى بيده ، وفي القرآن { ألم يعلم بأن الله يرى } ( العلق : 14 ) وفي موضع آخر { ويعلمون أن الله } فعلى هذا قوله { لربهم } اللام صلة وتأكيد كقوله : { ردف لكم } وقد ذكرنا مثل هذا في قوله : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ( آل عمران : 73 ) . ! 7 < { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدى من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 155 ) واختار موسى قومه . . . . . > > في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : الاختيار : افتعال من لفظ الخير يقال : اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ، وأصل اختار : اختير ، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفا نحو قال وباع ، ولهذا السبب استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما ، مختار ، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء فيهما ألفا فاستويا في / اللفظ . وتحقيق الكلام فيه أن نقول : إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل والترك ، وصالحة للفعل ولضده ، وما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدرا لأحد الجانبين دون الثاني ، وإلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح ، وهو محال ، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعا زائدا وصلاحا راجحا ، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده . فعند حصول هذا الإعتقاد في القلب يصير الفعل راجحا على الترك ، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيرا من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلا ، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفا على حكمه بكون ذلك الفعل خيرا من تركه ، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلا اختياريا . والله أعلم . فإن قيل : إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور . فنقول : إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل ، والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيرا لا شرا . وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . والله أعلم . المسألة الثانية : قال جماعة النحويين : معناه واختار موسى من قومه سبعين . فحذفت كلمة ( من ) ووصل الفعل فنسب ، يقال : اخترت من الرجال زيدا واخترت الرجال زيدا ، وأنشدوا قول الفرزدق : ومنا الذي اختار الرجال سماحة وجودا إذا هب الرياح الزعازع قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني ، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيدا ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيدا وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر : أستغفر الله ذنبا لست أحصيه ويقال أمرت زيدا بالخير وأمرت زيدا الخير قال الشاعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به والله أعلم .

حصہ V15/P014–V15/P015

وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقا لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله : { سبعين رجلا } عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات . المسألة الثالثة : ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطا من كل سبط ستة ، فصاروا اثنين وسبعين ، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا ، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر / من خرج ، فقعد كالب ويوشع . وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخا ، فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا / ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى الميقات . المسألة الرابعة : هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذي كلم الله تعالى موسى فيه وسأل موسى من الله الرؤية أو هو للخروج إلى موضع آخر ؟ فيه أقوال للمفسرين : القول الأول : إنه لميقات الكلام والرؤية قالوا : إنه عليه السلام خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام ، حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى عليه السلام . ودخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا ، فدنوا ، حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجدا ، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل . ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية وقالوا { سألوا موسى أكبر من ذالك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة } ( البقرة : 55 ) وهي المراد من الرجفة المذكورة في هذه الآية ، فقال موسى عليه السلام : { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } فالمراد منه قولهم : { أرنا الله جهرة } . والقول الثاني : أن المراد من هذا الميقات ميقات مغاير لميقات الكلام وطلب الرؤية ، وعلى هذا القول فقد اختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أن هؤلاء السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل إلا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند اشتغالهم بعبادة العجل . وثانيها : أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل . وثالثها : أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ، ولا تعطيه أحدا بعدها ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك الكلام فأخذتهم الرجفة . واحتج القائلون بهذا القول على صحة مذهبهم بأمور : الأول : أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة ، وظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة التي لا ينكر أنه يمكن أن يكون هذا عودا إلى تتمة الكلام في القصة الأولى إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الواحدة في وضع واحد . ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها ، فأما ما ذكر بعض القصة ، ثم الانتقال منها إلى قصة أخرى ، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الأولى ، فإنه يوجب نوعا من الخبط والاضطراب ، والأولى صون كلام الله تعالى عنه . الثاني : أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم يظهر هناك منكر ، إلا أنهم { قالوا أرنا الله جهرة } فلو كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال : أتهلكنا بما يقوله السفهاء منا ؟ فلما لم يقل موسى كذلك بل قال : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية . الثالث : أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام والرؤية أنه خر موسى صعقا وأنه جعل الجبل دكا ، وأما الميقات المذكور في هذه الآية ، فإن الله تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة ، ولم يذكر أن موسى عليه السلام أخذته الرجفة ، وكيف يقال أخذته الرجفة ، وهو الذي قال لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ؟ واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر . واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى : { ولما جاء موسى لميقاتنا } ( الأعراف : 143 ) فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات ، فلما قال في هذه الآية : { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا } وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات .

حصہ V15/P015–V15/P016

وجوابه : أن هذا الدليل ضعيف ، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى . والله أعلم . والوجه الثالث : في تفسير هذا الميقات ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن موسى وهرون عليهما السلام انطلقا إلى سفح جبل ، فنام هرون فتوفاه الله تعالى ، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذي قتل هرون ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا وذهبوا إلى هرون فأحياه الله تعالى وقال ما قتلني أحد ، فأخذتهم الرجفة هنالك ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . والله أعلم . المسألة الخامسة : اختلفوا في تلك الرجفة فقيل : إنها رجفة أوجبت الموت . قال السدي : قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ولم يبق معي منهم واحد ؟ فماذا أقول لبني إسرائيل وكيف يأمنوني على أحد منهم بعد ذلك ؟ فأحياهم الله تعالى . فمعنى قوله : { لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى } أن موسى عليه السلام خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم ولم يصدقوا أنهم ماتوا ، فقال لربه : لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات ، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني . والقول الثاني : أن تلك الرجفة ما كانت موتا ، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم ، وتنقصم ظهورهم ، وخاف موسى عليه السلام الموت ، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة . أما قوله : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } فقال أهل العلم : إنه لا يجوز أن يظن موسى عليه السلام أن الله تعالى يهلك قوما بذنوب غيرهم ، فيجب تأويل الآية ، وفيه بحثان : الأول : أنه / استفهام بمعنى الجحد ، وأراد أنك لا تفعل ذلك . كما تقول : أتهين من يخدمك ؟ أي لا تفعل ذلك . الثاني : قال المبرد : هو استفهام استعطاف ، أي لا تهلكنا . وأما قوله : { إن هى إلا فتنتك } فقال الواحدي رحمه الله : الكناية في قوله : { هى } عائدة إلى الفتنة كما تقول : إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند . والمعنى : أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها قوما فافتتنوا ، وعصمت قوما عنها فثبتوا على الحق ، ثم أكد بيان أن الكل من الله تعالى ، فقال : { تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } ثم قال الواحدي : وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر . قالت المعتزلة : لا تعلق للجبرية بهذه الآية لأنه تعالى لم يقل ؛ تضل بها من تشاء من عبادك عن الدين ، ولأنه تعالى قال : { تضل بها } أي بالرجفة ، ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها ، فوجب حمل هذه الآية على التأويل . فأما قوله : { إن هى إلا فتنتك } فالمعنى : امتحانك وشدة تعبدك ، لأنه لما أظهر الرجفة كلفهم بالصبر عليها . وأما قوله : { تضل بها من تشاء } ففيه وجوه : الأول : تهدي بهذا الامتحان إلى الجنة والثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف ويبقى على الإيمان ، وتعاقب من تشاء بشرط أن لا يؤمن ، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه . والثاني : أن يكون المراد بالإضلال الإهلاك ، والتقدير : تهلك من تشاء بهذه الرجفة وتصرفها عمن تشاء . والثالث : أنه لما كان هذا الامتحان كالسبب في هداية من اهتدى ، وضلال من ضل ، جاز أن يضافا إليه .

حصہ V15/P016–V15/P017

واعلم أن هذه التأويلات متسعة ، والدلائل العقلية دالة على أنه يجب أن يكون المراد ما ذكرناه ، وتقريرها من وجوه : الأول : أن القدرة الصالحة للإيمان والكفر لا يترجح تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطرف الآخر ، إلا لأجل داعية مرجحة ، وخالق تلك الداعية هو الله تعالى ، وعند حصول تلك الداعية يجب الفعل وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت أن الهداية من الله تعالى وأن الإضلال من الله تعالى . الثاني : أن أحدا من العقلاء لا يريد إلا الإيمان والحق والصدق ، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل واحد مؤمنا محقا ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ثبت أن الكل من الله تعالى . الثالث : أنه لو كان حصول الهداية والمعرفة بفعل العبد فما لم يتميز عنده الإعتقاد الحق عن الإعتقاد الباطل ، امتنع أن يخص أحد الاعتقادين بالتحصيل والتكوين ، لكن علمه بأن هذا الإعتقاد هو الحق وأن الآخر هو الباطل ، يقتضي كونه عالما بذلك المعتقد أولا كما هو عليه ، فيلزم أن تكون القدرة على تحصيل الإعتقاد مشروطة بكون ذلك الإعتقاد الحق حاصلا ، وذلك يقتضي كون الشيء مشروطا بنفسه وأنه محال ، فثبت أنه يمتنع أن / يكون حصول الهداية والعلم بتخليق العبد ، وأما الكلام في إبطال تلك التأويلات فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة . والله أعلم . ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك : { أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } واعلم أن قوله : { أنت ولينا } يفيد الحصر ، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت ، وهذا من تمام ما سبق ذكره من قوله : { تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } وقوله : { فاغفر لنا وارحمنا } المراد منه أن إقدامه على قوله : { إن هى إلا فتنتك } جراءة عظيمة ، فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله : { وأنت خير الغافرين } معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلبا للثناء الجميل أو للثواب الجزيل ، أو دفعا للربقة الخسيسة عن القلب ، وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر ، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض ، بل لمحض الفضل والكرم ، فوجب القطع بكونه { خير الغافرين } والله أعلم . ! 7 < { واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة وفي الا خرة إنا هدنآ إليك قال عذابىأصيب به من أشآء ورحمتى وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكواة والذين هم بأاياتنا يؤمنون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 156 ) واكتب لنا في . . . . . > > اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلم عند مشاهدة الرجفة . فقوله : { واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة } معناه أنه قرر أولا أنه الأولى له إلا الله تعالى وهو قوله : { أنت ولينا } ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران : أحدهما : دفع الضرر . والثاني : تحصيل النفع ، ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع ، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر ، وهو قوله : { فاغفر لنا وارحمنا } ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله : { واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة وفي الاخرة } وقوله : { واكتب } أي وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله : { ومنهم من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة } .

حصہ V15/P017–V15/P019

/ واعلم أن كونه تعالى وليا للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته ، وأيضا اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب هذه الأشياء ، فذكر السبب الأول أولا ، وهو كونه تعالى وليا له وفرع عليه طلب هذه الأشياء ، ثم ذكر بعده السبب الثاني ، وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال : { إنا هدنا إليك } قال المفسرون : { هدنا } أي تبنا ورجعنا إليك ، قال الليث : ( الهود ) التوبة ، وإنما ذكر هذا السبب أيضا لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلها وربا ووليا ، وكوننا عبيدا له تائبين خاضعين خاشعين ، فالأول : عهد عزة الربوبية . والثاني : عهد ذلة العبودية ، فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما . ولما حكى الله تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جوابا لموسى عليه السلام ، فقال تعالى قال : { عذابى أصيب به من أشاء } معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي ، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه ، وقرأ الحسن { من أساء } من الإساءة ، واختار الشافعي هذه القراءة وقوله : { ورحمتى وسعت كل شىء } فيه أقوال كثيرة . قيل المراد من قوله : { ورحمتى وسعت كل شىء } هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل ، وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله : { فسأكتبها للذين يتقون } وقيل : الوجود خير من العدم ، وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته وأقل المراتب وجوده ، وقيل الخير مطلوب بالذات ، والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب ، وما بالعرض مرجوح مغلوب ، وقال المعتزلة : الرحمة عبارة عن إرادة الخير ، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير لأنه إن كان منتفعا أو متمكنا من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة ، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال : { ورحمتى وسعت كل شىء } وقال أصحابنا قوله : { ورحمتى وسعت كل شىء } من العام الذي أريد به الخاص ، كقوله : { وأوتيت من كل شىء } . أما قوله : { واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة وفي الاخرة إنا } . فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين : الأول : التروك ، وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها ، والاحتراز عنها والاتقاء منها ، وهذا النوع إليه الإشارة بقوله : { للذين يتقون } والثاني : الأفعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه . أما القسم الأول : فهو الزكاة وإليه الإشارة بقوله : { ويؤتون الزكواة } . / وأما القسم الثاني : فيدخل فيه ما يجب على الإنسان علما وعملا أما العلم فالمعرفة ، وأما العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان ويدخل فيها الصلاة وإلى هذا المجموع الإشارة بقوله : { والذين هم بئاياتنا يؤمنون } ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة : { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } ( البقرة : 2 / 3 ) . ! 7 < { الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والا غلال التى كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذىأنزل معه أولائك هم المفلحون } . > 7 < الأعراف : ( 157 ) الذين يتبعون الرسول . . . . . > >

حصہ V15/P019–V15/P020

اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بالآيات ، ضم إلى ذلك أن يكون من صفته اتباع { النبى الامى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل } واختلفوا في ذلك فقال بعضهم : المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة ، إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق ، وقال في قوله : { والإنجيل } أن المراد سيجدونه مكتوبا في الإنجيل ، لأن من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل ، وقال بعضهم : بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي الأمي . والقول الثاني أقرب ، لأن اتباعه قبل أن بعث ووجد لا يمكن . فكأنه تعالى بين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى ، ومن هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعا للنبي الأمي في شرائعه . إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصف محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات تسع . / الصفة الأولى : كونه رسولا ، وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف . الصفة الثانية : كونه نبيا ، وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى . الصفة الثالثة : كونه أميا . قال الزجاج : معنى { الامى } الذي هو على صفة أمة العرب . قال عليه الصلاة والسلام : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه أميا . قال أهل التحقيق وكونه أميا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوما مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد وأن يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير . فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : 6 ) والثاني : أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهما في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة ، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله : { وما كنت تتلوا منه قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } ( العنكبوت : 48 ) الثالث : أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى ، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر / ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما ، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جاريا مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات .

حصہ V15/P020

الصفة الرابعة : قوله تعالى : { الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل } وهدا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل ، لأن ذلك لو لم يكن مكتوبا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله ، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم النفرات ، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله ، وينفر الناس عن قبول قوله : فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكورا في التوراة والإنجيل وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته . / الصفة الخامسة : قوله : { يأمرهم بالمعروف } قال الزجاج : يجوز أن يكون قوله : { يأمرهم بالمعروف } استئنافا ، ويجوز أن يكون المعنى { يجدونه مكتوبا عندهم } أنه { يأمرهم بالمعروف } وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله عليه الصلاة والسلام : ( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ) وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته . أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله ، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفا بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزها عن الأضداد والأنداد ، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيوانا ، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة ، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة لله تعالى ، ومن حيث إن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا قاهرا وبرهانا باهرا على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام . ومن حيث إن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارا عجيبة وحكما خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام ، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه الصلاة والسلام : ( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ) كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف . الصفة السادسة : قوله : { وينهاهم عن المنكر } والمراد منه أضداد الأمور المذكورة وهي عبادة الأوثان ، والقول في صفات الله بغير علم ، والكفر بما أنزل الله على النبيين ، وقطع الرحم ، وعقوق الوالدين . الصفة السابعة : قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } من الناس من قال : المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذ محض التكرير . الثاني : أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة ، لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي ؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة ، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل .

حصہ V15/P020–V15/P022

الصفة الثامنة : قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبئث } قال عطاء عن ابن عباس ، يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله : { ذالكم فسق } وأقول : كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سببا للألم ، والأصل في المضار الحرمة ، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه / الحرمة إلا لدليل منفصل . وعلى هذا الأصل : فرع الشافعي رحمه الله تحريم بيع الكلب ، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصحيحين أنه قال : ( الكلب خبيث ، وخبيث ثمنه ) وإذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراما لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبئث } وأيضا الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله : { إنما الخمر والميسر } ( المائدة : 90 ) إلى قوله : { رجس } والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه ، والخبيث حرام لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبئث } . الصفة التاسعة : قوله تعالى : { ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده { آصارهم } على الجمع ، والباقون { عنهم إصرهم } على الواحد . قال أبو علي الفارسي : الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته ، وهو مفرد إلى الكثرة ، كما قال : { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } ( البقرة : 20 ) ومن جمع ، أراد ضروبا من العهود مختلفة ، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله : { وتظنون بالله الظنونا } ( الأحزاب : 10 ) . المسألة الثانية : الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه ، أي يحبسه من الحراك لثقله ، والمراد منه : أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة . وقوله : { والاغلال التى كانت عليهم } المراد منه : الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول ، وقتل النفس في التوبة ، وقطع الأعضار الخاطئة ، وتتبع العروف من اللحم وجعلها الله أغلالا ، لأن التحريم يمنع من الفعل ، كما أن الغل يمنع عن الفعل ، وقيل : كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح ، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعا لله تعالى ، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة . واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، لأن كل ما كان ضررا كان إصرا وغلا ، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية ، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا ضرر ولا ضرار ) في الإسلام ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : ( بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) وهو أصل كبير في الشريعة . واعلم أنه لما وصف محمدا عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع . قال بعده : { فالذين ءامنوا به } قال ابن عباس : يعني من اليهود { وعزروه } يعني وقروه . قال صاحب ( الكشاف ) : أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو الضرب ، دون الحد ، لأنه منع من معاودة القبيح . ثم قال تعالى : { ونصروه } أي على عدوه { واتبعوا النور الذى أنزل معه } وهو القرآن . وقيل الهدى والبيان والرسالة . وقيل الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور . فإن قيل : كيف يمكن حمل النور ههنا على القرآن ؟ والقرآن ما أنزل مع محمد ، وإنما أنزل مع جبريل . / قلنا : معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن . ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات { قال أولئك هم المفلحون } أي هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة .

حصہ V15/P022–V15/P023

! 7 < { قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له ملك السماوات والا رض لاإلاه إلا هو يحى ويميت فأامنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 158 ) قل يا أيها . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { فسأكتبها للذين يتقون } ثم بين تعالى أن من شرط حصول الرحمة لأولئك المتقين ، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي ، حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق بالكلية . فقال : { قل ياأهل أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا } وفي هذه الكلمة مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن محمدا عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى جميع الخلق . وقال طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية وهم أتباع عيسى الأصفهاني : أن محمدا رسول صادق مبعوث إلى العرب . وغير مبعوث إلى بني إسرائيل . ودليلنا على إبطال قولهم ؛ هذه الآية . لأن قوله : { يذهبكم أيها الناس } خطاب يتناول كل الناس . ثم قال : { إنى رسول الله إليكم جميعا } وهذا يقتضي كونه مبعوثا إلى جميع الناس ، وأيضا فما يعلم بالتواتر من دينه ، أنه كان يدعى أنه مبعوث إلى كل العالمين . فأما أن يقال : إنه كان رسولا حقا أو ما كان كذلك ، فإن كان رسولا حقا ، امتنع الكذب عليه . ووجب الجزم بكونه صادقا في كل ما يدعيه ، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثا إلى جميع الخلق ، وجب كونه صادقا في هذا القول ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه كان مبعوثا إلى العرب فقط ، لا إلى بني إسرائيل . وأما قول القائل : إنه ما كان رسولا حقا ، فهذا يقتضي القدح في كونه رسولا إلى العرب وإلى غيرهم ، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام باطل متناقض . / إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا } من الناس من قال إنه عام دخله التخصيص ومنهم من أنكر ذلك ، أما الأولون فقالوا : إنه دخله التخصيص من وجهين : الأول : أنه رسول إلى الناس إذاكانوا من جملة المكلفين فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولا إليهم ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قال : ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ) والثاني : أنه رسول الله إلى كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه ، حتى يمكنه عند ذلك متابعته ، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم يبلغهم خبر وجوده ولا خبر معجزاته ، فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته ومن الناس من أنكر القول بدخول التخصيص في الآية من هذين الوجهين : أما الأول : فتقريره أن قوله : { يذهبكم أيها الناس } خطاب وهذا الخطاب لا يتناول إلا المكلفين وإذا كان كذلك فالناس الذين دخلوا تحت قوله : { يذهبكم أيها الناس } ليسوا إلا المكلفين من الناس ، وعلى هذا التقدير فلم يلزم أن يقال : إن قوله : { يذهبكم أيها الناس } عام دخله التخصيص . وأما الثاني : فلأنه يبعد جدا أن يقال : حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، وخبر معجزاته وشرائعه ، وإذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص .

حصہ V15/P023–V15/P024

المسألة الثانية : هذه الآية وإن دلت على أن محمدا عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثا إلى كل الخلق / بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثا إلى كل الخلق أم لا ؟ إلى سائر الدلائل . فنقول : تمسك جمع من العلماء في أن أحدا غيره ما كان مبعوثا إلى كل الخلق لقوله عليه الصلاة والسلام : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ، أرسلت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر ، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي . وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي ) . ولقائل أن يقول : هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب ، لأنه لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يحصل لأحد سواه ولم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون واحد من آحاد هذا المجموع من خواصه ، وأيضا قيل إن آدم عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع أولاده ، وعلى هذا التقدير فقد كان مبعوثا إلى جميع الناس ، وأن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة ، كان مبعوثا إلى الذين كانوا معه ، مع أن جميع / الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم . أما قوله تعالى : { الذى له ملك السماوات والارض } فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى . واعلم أن هذه الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة . الأصل الأول : إثبات أن للعالم إلها حيا عالما قادرا . والذي يدل عليه ما ذكره في قوله تعالى : { الذى له ملك السماوات والارض } وذلك لأن أجسام السموات والأرض ، تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر ، من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم ، وشرحها وتقريرها مذكور في هذا التفسير ، وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل ، لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده ، أو إن حصل له مؤثر ، لكن كان ذلك المؤثر موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ممكنا . والأصل الثاني : إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند ، وإليه الإشارة بقوله : { لا إلاه إلا هو } وإنما افتقرنا في حسن التكليف وجواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل ، لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان ، وأرسل أحد الإلهين نبيا إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى عبادة هذا الإله ما كان مخلوقا له ، بل كان مخلوقا للإله الثاني ، وعلى هذا التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله وطاعته ، فكان بعثة الرسول إليه ، وإيجاب الطاعة عليه ظلما وباطلا . أما إذا ثبت أن الإله واحد ، فحينئذ يكون جميع الخلق عبيدا له ، ويكون تكليفه في الكل نافذا وانقياد الكل لأوامره ونواهيه لازما ، فثبت أن ما لم يثبت كون الإله تعالى واحدا لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على التكليف جائزا .

حصہ V15/P024–V15/P025

والأصل الثالث : إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة ، لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك ، كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثا ولغوا ، وإلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله : { يحى ويميت } لأنه لما أحيا أولا ، ثبت كونه قادرا على الإحياء ثانيا ، فيكون قادرا على الإعادة والحشر والنشر ، وعلى هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعاما عظيما ، فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية ، ليكون قيامه بتلك الطاعة قائما مقام الشكر عن الإحياء الأول ، وأيضا لما دل الإحياء الأول على قدرته على الإحياء الثاني ، فحينئذ يكون قادرا على إيصال الجزاء إليه . واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة . ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف ، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه ، / وأيضا إنه منعم على الكل بأعظم النعم ، وأيضا إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم ، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام ، في أنه يحسن منه تكليف الخلق ، أما بحسب السبب الأول ، فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ، وأما بحسب السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة ، وأما بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة ، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن من الله إرسال الرسل ، ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف ، فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلها حيا عالما قادرا ، وعلى أن هذا الإله واحد ، وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب . واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر بعده قوله : { قل ياأيها الناس } وهذا الترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه لما بين أولا أن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن ، أردفه بذكر أن محمدا رسول حق من عند الله لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولا ، ثم حصوله ثانيا ، ثم إنه بدأ بقوله : { ما كان } لأنا بينا أن الإيمان بالله أصل ، والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه ، والأصل يجب تقديمه . فلهذا السبب بدأ بقوله : { ما كان } ثم أتبعه بقوله : { ورسوله النبى الامى الذى يؤمن بالله وكلماته } . واعلم أن هذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبيا حقا ، وتقريره : أن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت على نوعين : النوع الأول : المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة ، وأجلها وأشرفها أنه كان رجلا أميا لم يتعلم من أستاذ ، ولم يطالع كتابا ، ولم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ، لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء ، وما غاب رسول الله عن مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة ، ثم إنه مع ذلك فتح الله عليه باب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، فكان ظهور هذه العلوم العظيمة عليه ، مع أنه كان رجلا أميا لم يلق أستاذا ولم يطالع كتابا من أعظم المعجزات ، وإليه الإشارة بقوله : { النبى الامى } .

حصہ V15/P025

والنوع الثاني : من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق القمر ، ونبوع الماء من بين أصابعه . وهي تسمى بكلمات الله تعالى ، ألا ترى أن عيسى عليه السلام ، لما كان حدوثه أمرا غريبا مخالفا للمعتاد ، لا جرم سماه الله تعالى كلمة . فكذلك المعجزات لما كانت أمورا غريبة خارقة للعادة لم يبعد تسميتها بكلمات الله تعالى ، وهذا النوع هو المراد بقوله : { يؤمن بالله وكلماته } / أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه ، فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبيا صادقا من عند الله . واعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وجب أن يذكر عقيبه الطريق الذي به يمكن معرفة شرعه على التفصيل ، وما ذاك إلا بالرجوع إلى أقواله وأفعاله وإليه الإشارة بقوله تعالى : { واتبعوه } . واعلم أن المتابعة تتناول المتابعة في القول وفي الفعل . أما المتابعة في القول فهو أن يمتثل المكلف كل ما يقوله في طرق الأمر والنهي والترغيب والترهيب . وأما المتابعة في الفعل فهي عبارة عن الإتيان بمثل ما أتى المتبوع به سواء كان في طرف الفعل أو في طرف الترك ، فثبت أن لفظ { واتبعوه } يتناول القسمين . وثبت أن ظاهر الأمر للوجوب فكان قوله تعالى : { واتبعوه } دليلا على أنه يجب الانقياد له في كل أمر ونهي ، ويجب الاقتداء به في كل ما فعله إلا ما خصه الدليل ، وهو الأشياء التي ثبت بالدليل المنفصل أنها من خواص الرسول صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : الشيء الذي أتي به الرسول يحتمل أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان واجبا عليه ، ويحتمل أيضا أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوبا ، فبتقدير أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوبا ، فلو أتينا به على سبيل أنه واجب علينا ، كان ذلك تركا لمتابعته ، ونقضا لمبايعته . والآية تدل على وجوب متابعته ، فثبت أن إقدام الرسول على ذلك الفعل لا يدل على وجوبه علينا . قلنا : المتابعة في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي أتى به المتبوع ، بدليل أن من أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل ، قيل : إنه تابعه عليه . ولو لم يأت به . قيل : إنه خالفه فيه . فلما كان الإتيان بمثل فعل المتبوع متابعة ، ودلت الآية على وجوب المتابعة لزم أن يجب على الأمة مثل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم . بقي ههنا أنا لا نعرف أنه عليه السلام أتى بذلك على قصد الوجوب أو على قصد الندب . فنقول : حال الدواعي والعزائم غير معلوم ، وحال الإتيان بالفعل الظاهر والعمل المحسوس معلوم ، فوجب أن لا يلتفت إلى البحث عن حال العزائم والدواعي ، لكونها أمورا مخفية عنا ، وأن نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظاهر . لكونها من الأمور التي يمكن رعايتها ، فزالت هذه الشبهة ، وتقريره : أن هذه الآية دالة على أن الأصل في كل فعل فعله الرسول أن يجب علينا لإتيان بمثله إلا إذا خصه الدليل . إذا عرفت هذا فنقول : إنا إذا أردنا أن نحكم بوجوب عمل من الأعمال .

حصہ V15/P025–V15/P026

قلنا : إن هذا العمل فعله أفضل من تركه ، وإذا كان الأمر كذلك : فحينئذ نعمل أن الرسول / قد أتى به في الجملة ، لأن العلم الضروري حاصل بأن الرسول لا يجوز أن يواظب طول عمره على ترك الأفضل ، فعلمنا أنه عليه السلام قد أتى بهذا الطريق الأفضل . وأما أنه هل أتى بالطرف الأحسن فهو مشكوك ، والمشكوك لا يعارض المعلوم ، فثبت أنه عليه السلام أتى بالجانب الأفضل . ومتى ثبت ذلك وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى في هذه الآية : { واتبعوه } فهذا أصل شريف ، وقانون كلي في معرفة الأحكام ، دال على النصوص لقوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى } ( النجم : 3 ، 4 ) فوجب علينا مثله لقوله تعالى : { واتبعوه } . وأما قوله : { لعلكم تهتدون } ففيه بحثان : أحدهما : أن كلمة ( لعل ) للترجي ، وذلك لا يليق بالله ، فلا بد من تأويله . والثاني : أن ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من كل المكلفين الهداية والإيمان على قول المعتزلة ، والكلام في تقرير هذين المقامين قد سبق في هذا الكتاب مرارا كثيرة ، فلا فائدة في الإعادة . ! 7 < { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 159 ) ومن قوم موسى . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما وصف الرسول ، وذكر أنه يجب على الخلق متابعته ، ذكر أن من قوم موسى عليه السلام من اتبع الحق وهدى إليه ، وبين أنهم جماعة ، لأن لفظ الأمة ينبىء عن الكثرة ، واختلفوا في أن هذه الأمة متى حصلت ، وفي أي زمان كانت ؟ فقيل هم اليهود الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأسلموا مثل عبد الله بن سلام ، وابن صوريا والاعتراض عليه بأنهم كانوا قليلين في العدد ، ولفظ الأمة يقتضي الكثرة ، يمكن الجواب عنه بأنه لما كانوا مختلفين في الدين ، جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة } ( النحل : 120 ) وقيل : إنهم قوم مشوا على الدين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع ، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه ، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك ، وقال السدي وجماعة من المفسرين : إن بني إسرائيل لما كفروا وقتلوا الأنبياء ، بقي سبط في جملة الإثني عشر فما صنعوا وسألوا الله أن ينقذهم منهم ، ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ثم هؤلاء اختلفوا ، منهم من قال : إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن ومنهم من قال إنهم الآن على دين محمد صلى الله عليه وسلم يستقبلون الكعبة ، وتركوا السبت وتمسكوا بالجمعة ، لا يتظالمون ولا يتحاسدون ولا يصل إليهم منا أحد ولا / إلينا منهم أحد . وقال بعض المحققين : هذا القول ضعيف لأنه إما أن يقال : وصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم ، أو ما وصل إليهم هذا الخبر . فإن قلنا : وصل خبره إليهم ، ثم إنهم أصروا على اليهودية فهم كفار ، فكيف يجوز وصفهم بكونهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ؟ وإن قلنا بأنهم لم يصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا بعيد ، لأنه لما وصل خبرهم إلينا ، مع أن الدواعي لا تتوفر على نقل أخبارهم ، فكيف يعقل أن لا يصل إليهم خبر محمد عليه الصلاة والسلام مع أن الدنيا قد امتلأت من خبره وذكره ؟

حصہ V15/P026–V15/P027

فإن قالوا : أليس إن يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم ؟ قلنا : هذا ممنوع ، فمن أين عرف أنه لم يصل خبرنا إليهم ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { يهدون بالحق } أي يدعون الناس إلى الهداية بالحق { وبه يعدلون } قال الزجاج : العدل الحكم بالحق . يقال : هو يقضي بالحق ويعدل ؛ وهو حكم عادل ، ومن ذلك قوله : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } ( النساء : 129 ) وقوله : { وإذا قلتم فاعدلوا } ( الأنعام : 152 ) . ! 7 < { وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطا أمما وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 160 ) وقطعناهم اثنتي عشرة . . . . . > > اعلم أن المقصود من هذه الآية ، شرح نوعين من أحوال بني إسرائيل : أحدهما : أنه تعالى جعلهم اثني عشر سبطا ، وقد تقدم هذا في سورة البقرة ، أو المراد أنه تعالى فرق بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة ، لأنهم كانوا من اثني عشر رجلا من أولاد يعقوب ، فميزهم وفعل بهم ذلك لئلا يتحاسدوا فيقع فيهم الهرج والمرج . وقوله : { وقطعناهم } أي صيرناهم قطعا أي فرقا وميزنا بعضهم من بعض وقرىء { وقطعناهم } بالتخفيف وههنا سؤالان : / السؤال الأول : مميز ما عدا العشرة مفرد ، فما وجه مجيئه مجموعا ، وهلا قيل : اثني عشر سبطا ؟ والجواب : المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة ، وكل قبيلة أسباط ، فوضع أسباطا موضع قبيلة . السؤال الثاني : قال : { اثنتى عشرة أسباطا } مع أن السبط مذكر لا مؤنث . الجواب قال الفراء : إنما قال ذلك ، لأنه تعالى ذكر بعده { أمما } فذهب التأنيث إلى الأمم . ثم قال : ولو قال : اثني عشر لأجل أن السبط مذكر كان جائزا . وقال الزجاج : المعنى { وقطعناهم اثنتى عشرة } فرقة { أسباطا } فقوله : { أسباطا } نعت لموصوف محذوف ، وهو الفرقة . وقال أبو علي الفارسي : ليس قوله : { أسباطا } تمييزا ، ولكنه بدل من قوله : { اثنتى عشرة } . وأما قوله : { أمما } قال صاحب ( الكشاف ) : هو بدل من { اثنتى عشرة } بمعنى : وقطعناهم أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد ، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى ولا تكاد تأتلف . وقرىء { اثنتى عشرة } بكسر الشين . النوع الثاني : من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى : { وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر } وهذه القصة أيضا قد تقدم ذكرها في سورة البقرة . قال الحسن : ما كان إلا حجرا اعترضه وإلا عصا أخذها .

حصہ V15/P027–V15/P029

واعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه ، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه الحجر . وكانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة ، وقوله : { فانبجست } قال الواحدي : فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره . يقال : بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا تفجر ، هذا قول أهل اللغة ، ثم قال : والانبجاس والانفجار سواء ، وعلى هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور ههنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة ، وقال آخرون : الانبجاس خروج الماء بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة ، وطريق الجمع : أن الماء ابتدأ بالخروج قليلا ، ثم صار كثيرا ، وهذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء ، ولما ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم ، ذكر ثانيا أنه ظلل الغمام عليهم ، وثالثا : أنه أنزل عليهم المن والسلوى ، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى ، لأنه تعالى سهل عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس . ثم قال : { كلوا من طيبات ما رزقناكم } والمراد أقصر أنفسهم على ذلك المطعوم وترك غيره . / ثم قال تعالى : { وما ظلمونا } وفيه حذف ، وذلك لأن هذا الكلام إنما يحسن ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم الله به ، وذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا مع أن الله منعهم منه ، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله عنه ، أو لأنهم سألوا غير ذلك مع أن الله منعهم منه ، ومعلوم أن المكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه ، فلذلك وصفهم الله تعالى به ونبه بقوله : { وما ظلمونا ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم . ! 7 < { وإذ قيل لهم اسكنوا هاذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذى قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما كانوا يظلمون } . > 7 < الأعراف : ( 161 - 162 ) وإذ قيل لهم . . . . . > > اعلم أن هذه لقصة أيضا مذكورة مع الشرح والبيان في سورة البقرة . بقي أن يقال : إن ألفاظ هذه الآية تخالف ألفاظ الآية التي في سورة البقرة من وجوه : الأول : في سورة البقرة { وإذ قلنا ادخلوا هاذه القرية } ( البقرة : 58 ) وههنا قال : { وإذ قيل لهم اسكنوا هاذه القرية } والثاني : أنه قال في سورة البقرة { فكلوا } بالفاء وههنا { وكلوا } بالواو . والثالث : أنه قال في سورة البقرة { رغدا } وهذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة . والرابع : أنه قال في سورة البقرة : { وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } وقال ههنا على التقديم والتأخير . والخامس : أنه قال في البقرة { نغفر لكم خطاياكم } وقال ههنا : { نغفر لكم خطيئاتكم } والسادس : أنه قال في سورة البقرة : { وسنزيد المحسنين } وههنا حذف حرف الواو . والسابع : أنه قال في سورة البقرة : { فأنزلنا على الذين ظلموا } وقال ههنا : { فأرسلنا عليهم } والثامن : أنه قال في سورة البقرة : { بما كانوا يفسقون } وقال ههنا : { بما كانوا يظلمون } واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة . أما الأول : وهو أنه قال في سورة البقرة : { ادخلوا هاذه القرية } وقال ههنا : { اسكنوا } فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولا ، ثم سكونها ثانيا .

حصہ V15/P029–V15/P030

وأما الثاني : فهو أنه تعالى قال في البقرة : { ادخلوا هاذه القرية فكلوا } بالفاء . وقال ههنا : { اسكنوا هاذه القرية وكلوا } بالواو والفرق أن الدخول حالة مخصوصة ، كما يوجد بعضها ينعدم . فإنه إنما يكون داخلا في أول دخوله ، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا . إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار . فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال : { ادخلوا هاذه القرية } وأما السكون فحالة مستمرة باقية . فيكون الأكل حاصلا معه لا عقيبه فظهر الفرق . وأما الثالث : وهو أنه ذكر في سورة البقرة { رغدا } وما ذكره هنا فالفرق الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم ، ولما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله : { رغدا } وأما الأكل حال سكون القرية ، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن اللذة فيه متكاملة ، فلا جرم ترك قوله : { رغدا } فيه . وأما الرابع : وهو قوله في سورة البقرة : { وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } وفي سورة الأعراف على العكس منه ، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر ، إلا أنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى ، وإظهار الخضوع والخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير . وأما الخامس : وهو أنه قال في سورة البقرة : { خطاياكم } وقال ههنا : { خطيئاتكم } فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة ، فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع . وأما السادس : وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة : { وسنزيد } بالواو وههنا حذف الواو فالفائدة في حذف الواو أنه استئناف ، والتقدير : كان قائلا قال : وماذا حصل بعد الغفران ؟ فقيل له { سنزيد المحسنين } . وأما السابع : وهو الفرق بين قوله : { أنزلنا } وبين قوله : { أرسلنا } فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة ، والإرسال يشعر بها ، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل ، ثم جعله كثيرا ، وهو نظير ما ذكرناه في الفرق بين قوله : { فانبجست } وبين قوله : { فانفجرت } . / وأما الثامن : وهو الفرق بين قوله : { يظلمون } وبين قوله : { يفسقون } فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين ، لأجل أنهم ظلموا أنفسهم ، وبكونهم فاسقين ، لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله تعالى ، فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين ، فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة ، وتمام العلم بها عند الله تعالى . ! 7 < { وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذالك نبلوهم بما كانوا يفسقون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 163 ) واسألهم عن القرية . . . . . > > اعلم أن هذه القصة أيضا مذكورة في سورة البقرة . وفيها مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { واسألهم } المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم ، لأن هذه القصة قد صارت معلومة للرسول من قبل الله تعالى ، وإنما المقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء : الأول : أن المقصود من ذكر هذا السؤال تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا الذنب القبيح والمعصية الفاحشة تنبيها لهم على أن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبمعجزاته ليس شيئا حدث في هذا الزمان ، بل هذا الكفر والإصرار كان حاصلا في أسلافهم من الزمان القديم .

حصہ V15/P030–V15/P031

والفائدة الثانية : أن الإنسان قد يقول لغيره هل هذا الأمر كذا وكذا ؟ ليعرف بذلك أنه محيط بتلك الواقعة ، وغير ذاهل عن دقائقها ، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أميا لم يتعلم علما ، ولم يطالع كتابا ، ثم أنه يذكر هذه القصص على وجهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان ، كان ذلك جاريا مجرى المعجز . المسألة الثانية : الأكثرون على أن تلك القرية أيلة . وقيل : مدين . وقيل طبرية ، والعرب تسمى المدينة قرية ، وعن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج يعني رجلين من أهل المدن ، وقوله : { التى كانت حاضرة البحر } يعني قريبة من البحر وبقربه وعلى شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى : { ذالك لمن يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } ( البقرة : 196 ) وقوله : { إذ يعدون فى السبت } يعني يجاوزون حد الله فيه ، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه ، وقرىء { يعدون } بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين و { يعدون } من الأعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و { السبت } مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله : { إذ يعدون فى السبت } معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم ، وكذلك قوله : { يوم سبتهم } معناه : يوم تعظيمهم أمر السبت ، ويدل عليه قوله : { ويوم لا يسبتون } ويؤكده أيضا قراءة عمر بن عبد العزيز { يوم } وقرىء { ويوم لا يسبتون } بضم الباء ، وقرأ على رضى الله عنه { لا يسبتون } بضم الياء من أسبتوا ، وعن الحسن { لا يسبتون } على البناء للمفعول ، وقوله : { إذ تأتيهم حيتانهم } نصب بقوله : { يعدون } والمعنى : سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان ، وقوله : { يوم سبتهم شرعا } أي ظاهرة على الماء وشرع جمع شارع وشارعة وكل شيء دان من شيء فهو شارع ، ودار شارعة أي دنت من الطريق ، ونجوم شارعة أي دنت من المغيب . وعلى هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها ، قال ابن عباس ومجاهد : إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به ، يوم الجمعة ، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه ، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر . فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل . وذلك بلاء ابتلاهم الله به ، فذلك معنى قوله : { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } وقوله : { كذالك نبلوهم } أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم ، وذلك يدل على أن من أطاع الله تعالى خفف الله عنه أحوال الدنيا والآخرة ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن / واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح لا في الدين ولا في الدنيا وذلك لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت ربما يحملهم على المعصية والكفر ، فلو وجب عليه رعاية الصلاح والأصلح ، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم صونا لهم عن ذل الكفر والمعصية . فلما فعل ذلك ولم يبال بكفرهم ومعصيتهم علمنا أن رعاية الصلاح والأصلح غير واجبة على الله تعالى . ! 7 < { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون } . > 7 < الأعراف : ( 164 - 165 ) وإذ قالت أمة . . . . . > >

حصہ V15/P031–V15/P032

اعلم أن قوله : { وإذ قالت } معطوف على قوله : { إذ يعدون } وحكمه حكمه في الأعراب وقوله : { أمة منهم } أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم . وقوله : { لم تعظون قوما الله مهلكهم } أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم { أو معذبهم عذابا شديدا } لتماديهم في الشر ، وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفعهم وقوله : { قالوا معذرة إلى ربكم } فيه بحثان : البحث الأول : قرأ حفص عن عاصم { معذرة } بالنصب والباقون بالرفع ، أما من نصب { معذرة } فقال الزجاج معناه : نعتذر معذرة ، وأما من رفع فالتقدير : هذه معذرة أو قولنا معذرة وهي خبر لهذا المحذوف . البحث الثاني : المعذرة مصدر كالعذر ، وقال أبو زيد : عذرته أعذره عذرا ومعذرة ، ومعنى عذره في اللغة أي قام بعذره ، وقيل : عذره ، يقال : من يعذرني أي يقوم بعذري ، وعذرت فلانا فيما صنع أي قمت بعذره ، فعلى هذا معنى قوله : { معذرة إلى ربكم } أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى ، فإنا إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر . قلنا : قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ، وقال الأزهري : المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار . كأنهم قالوا : موعظتنا اعتذار إلى ربنا . فأقيم الاسم مقام الاعتذار ، ويقال : اعتذر فلان اعتذارا وعذرا ومعذرة من ذنبه فعذرته ، وقوله : { ولعلهم يتقون } أي وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية قولان : القول الأول : أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب ومنهم من لم يفعل ذلك ، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين : منهم من وعظ الفرقة المذنبة ، وزجرهم عن ذلك الفعل ، ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ ، وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم : لم تعظوهم ، مع العلم بأن / الله مهلكهم أو معذبهم ؟ يعني : أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا يكادون يمنعون عنه ، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر ، فوجب تركه . والقول الثاني : أن أهل القرية كانوا فرقتين : فرقة أقدمت على الذنب ، وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين ، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح ، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم } بزعمكم ؟ قال الواحدي : والقول الأول أصح ، لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله : { معذرة إلى ربكم } خطابا من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا : { ولعلكم تتقون } . أما قوله : { فلما نسوا ما ذكروا به } يعني : أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه ، أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية .

حصہ V15/P032–V15/P033

واعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت ، والفرقة الناهية عن المنكر نجت . أما الذين قالوا : { لم تعظون } فقد اختلف المفسرون في أنهم من أي الفريقين كانوا ؟ فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه . ونقل عنه أيضا : هلكت الفرقتان ونجت الناهية ، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ، ثم نسكت ولا نقول شيئا . قال الحسن : الفرقة الساكتة ناجية ، فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة . واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا : { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم } دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الإنكار ، وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به . فإن قيل : إن ترك الوعظ معصية ، والنهي عنه أيضا معصية ، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله : { وأخذنا الذين ظلموا } . قلنا : هذا غير لازم ، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية . فإذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس ، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره . وقوله : { بعذاب بئيس } أي شديد وفي هذه اللفظة قراآت : أحدها : { بئيس } بوزن فعيل . قال أبو علي : وفيه وجهان : الأول : أن يكون فعيلا من بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد . والآخر : ما قاله أبو زيد ، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤسا وبأسا وبئيسا إذا افتقر فهو بائس ، أي فقير . فقوله : { بعذاب بئيس } أي ذي بؤس . والقراءة الثانية { بئس } بوزن حذر . والثالثة : { بيس } على قلب الهمزة ياء ، كالذيب في ذئب ، والرابعة : { بيئس } على فيعل . والخامسة : { بيس } كوزن / ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها . والسادسة : { بيس } على تخفيف بيس كهين في هين ، وهذه القراآت نقلها صاحب ( الكشاف ) . ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا . ! 7 < { فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 166 ) فلما عتوا عن . . . . . > > وفيه مباحث : البحث الأول : العتو عبارة عن الإباء والعصيان ، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا ، لأنهم أبوا عما نهوا عنه ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار ، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ، ثم حذف المضاف ، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكابا للمنهى . البحث الثاني : من الناس من قال : إن قوله : { عنه قلنا لهم كونوا قردة } ليس من المقال ، بل المراد منه : أنه تعالى فعل ذلك . قال : وفيه دلالة على أن قوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) هو بمعنى الفعل لا الكلام . وقال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ . واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد ، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادرا عليه ، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة .

حصہ V15/P033–V15/P034

البحث الثالث : قال ابن عباس : أصبح القوم وهم قردة صاغرون ، فمكثوا كذلك ثلاثا فرآهم الناس ثم هلكوا . ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن شباب القوم صاروا قردة ، والشيوخ خنازير ، وهذا القول على خلاف الظاهر . واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة ؟ وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا ، وانقطع نسلهم ، ولا دلالة في الآية عليه ، والكلام في المسخ وما فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة . والله أعلم . ! 7 < { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } . > 7 ! < < الأعراف : ( 167 ) وإذ تأذن ربك . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح ههنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة ، قال سيبويه : أذن أعلم . وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى : { فأذن مؤذن بينهم } ( الأعراف : 44 ) وقوله : { تأذن } بمعنى أذن أي أعلم . ولفظة تفعل ، ههنا ليس معناه أنه أظهر شيئا ليس فيه ، بل معناه فعل فقوله : { تأذن } بمعنى أذن كما في قوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } ( يونس : 18 ) معناه علا وارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو ، وإن لم يحصل ذلك فيه وأما قوله { ليبعثن عليهم } ففيه بحثان : البحث الأول : أن اللام في قوله : { ليبعثن } جواب القسم لأن قوله : { وإذ تأذن } جار مجرى القسم في كونه جازما بذلك الخبر . البحث الثاني : الضمير في قوله : { عليهم } يقتضي أن يكون راجعا إلى قوله : { فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } ( الأعراف : 166 ) لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف . ثم اختلفوا فقال بعضهم : المراد نسلهم والذين بقوا منهم . وقال آخرون : بل المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدي وألحق الذل بالبقية ، وقال الأكثرون : هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته ، وهذا أقرب . لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية ، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم القيامة انزجروا . البحث الثالث : لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر واليهودية ، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فخارجون عن هذا الحكم .

سوالات