Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة السادسة : إنما جمع القلوب والأبصار ووحد السمع لوجوه : أحدها : أنه وحد السمع ، لأن لكل واحد منهم سمعا واحدا ، كما يقال : أتاني برأس الكبشين ، يعني رأس كل واحد منهما ، كما وحد البطن في قوله : ( كلوا في بعض بطنكم تعيشوا ) يفعلون ذلك إذا أمنوا اللبس ، فإذا لم يؤمن كقولك . فرشهم وثوبهم وأنت تريد الجمع رفضوه . الثاني : أن السمع مصدر في أصله ، والمصادر لا تجمع يقال : رجلان صوم ، ورجال صوم ، فروعي الأصل ، يدل على ذلك جمع الأذن في قوله : { وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) الثالث : أن نقدر مضافا محذوفا أي وعلى حواس سمعهم . الرابع قال سيبويه : إنه وحد لفظ السمع إلا أنه ذكر ما قبلة وما بعده بلفظ الجمع ، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضا ، قال تعالى : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } ( البقرة : 257 ) { عن اليمين وعن الشمال } ( المعارج : 37 ) قال الراعي : فبها جيف الحيدي فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب وإنما أراد جلودها ، وقرأ ابن أبي عبلة ( وعلى أسماعهم ) . المسألة السابعة : من الناس من قال : السمع أفضل من البصر ، لأن الله تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ، والتقديم دليل على الفضيل ، ولأن السمع شرط النبوة بخلاف البصر ، ولذلك ما بعث الله رسولا أصم ، وقد كان فيهم من كان مبتلي بالعمى ، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض ، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف ، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات ، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر ، ولأن السمع متى بطل بطل النطق ، والبصر إذا بطل لم يبطل النطق . ومنهم من قدم البصر ، لأن آلة القوة الباصرة أشرف ، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور ، ومتعلق القوة السامعة الريح . المسألة الثامنة : قوله : { ختم الله على قلوبهم } يدل على أن محل العلم هو القلب . واستقصينا بيانه في قوله : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 193 ) في سورة الشعراء . / المسألة التاسعة : قال صاحب الكشاف : البصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات ، كما أن البصيرة نور القلب ، وهو ما يستبصر به ويتأمل ، فكأنهما جوهران لطيفان خلق الله تعالى فيهما آلتين للأبصار والاستبصار ، أقول : إن أصحابه من المعتزلة لا يرضون منه بهذا الكلام : وتحقيق القول في الأبصار يستدعي أبحاثا غامضة لا تليق بهذا الموضع . المسألة العاشرة : قرىء { غشاوة } بالكسر والنصب ، وغشاوة بالضم والرفع ، وغشاوة بالفتح والنصب ، وغشوة بالكسر والرفع ، وغشوة بالفتح والرفع والنصب ، وغشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا ، والغشاوة هي الغطاء ، ومنه الغاشية ، ومنه غشي عليه إذا زال عقله والغشيان كناية عن الجماع .
المسألة الحادية عشرة : العذاب مثل النكال بناء ومعنى ، لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ، كما تقول نكل عنه ، ومنه العذب ، لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده ، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخا ، لأنه ينقخ العطش أي يكسره ، وقراتا لأنه برقته عن القلب ، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابا وإن لم يكن نكالا أي عقابا يرتدع به الجاني عن المعاودة ، والفرق بين العظيم الكبير : أن العظيم نقيض الحقير ، والكبير نقيض الصغير ، فكأن العظيم فوق الكبير ، كما أن الحقير دون الصغير ، ويستعملان في الجثث والأحداث جميعا ، تقول : رجل عظيم وكبير تريدجئته أو خطره ، ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس ، وهو غطاء التعامي عن آيات الله ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى .
المسألة الثانية عشرة : اتفق المسلمون على أنه يحسن منالله تعالى تعذيب الكفار ، وقال بعضهم لا يحسن وفسروا قوله : { ولهم عذاب عظيم } بأنهم يستحقون ذلك لكن كرمه يوجب عليه العفو ، ولنذكر ههنا دلائل الفريقين ، أما الذين لا يجوزون التعذيب فقد تمسكوا بأمور . أحدها : أن ذلك التعذيب ضرر خال عن جهات المنفعة ، فوجب أن يكون قبيحا ، أما أنه ضرر فلا شك ، وأما أنه خال عن جهات المنفعة ، فلأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى ، أو إلى غيره ، والأول باطل ، لأنه سبحانه متعال عن النفع والضرر بخلاف الواحد منا في الشاهد ، فإن عبده إذا أساء إليه أدبه ، لأنه يستلذ بذلك التأديب لما كان في قلبه من حب الانتقام ولأنه إذا أدبه فإنه ينزجر بعد ذلك عما يضره . والثاني : أيضا باطل ، لأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى المعذب أو إلى غيره أما إلى المعذب فهو محال ، لأن الأضرار لا يكون عين الانتفاع وأما إلى غيره فمحال ، لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع ، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى شخص آخر ترجيح للمرجوح على الراجح ، وهو باطل وأيضا فلا منفعة يريد الله تعالى إيصالها إلى أحد إلا وهو قادر على ذلك الاتصال من غير توسيط الإضرار بالغير ، / فيكون توسيط ذلك الإضرار عديم الفائدة . فثبت أن التعذيب ضرر خال عن جميع جهات المنفعة وأنه معلوم القبح ببديهة العقل ، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الذي لا يكون ضارا ، والجهل الذي لا يكون ضارا ، بل من قبح الكذب الضار والجهل الضار ، لأن ذلك الكذب الضار وسيلة إلى الضرر وقبح ما يكون وسيلة إلى الضرر ، دون قبيح نفس الضرر ، وإذا ثبت قبحه امتنع صدوره من الله تعالى ، لأنه حكيم والحكيم لا يفعل القبيح ، وثانيها : أنه تعالى كان عالما بأن الكافر لا يؤمن على ما قال : { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) إذا ثبت هذا ثبت أنه متى كلف الكافر لم يظهر منه إلا العصيان ، فلو كان ذلك العصيان سببا للعقاب لكان ذلك التكليف مستعقبا لاستقحاق العقاب ، إما لأنه تمام العلة ، أو لأنه شطر العلة ، وعلى الجملة فذلك التكليف أمر متى حصل حصل عقيبة لا محالة العقاب ، وماكان مستعقبا للضرر الخالي عن النفع كان قبيحا ، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحا ، والقبيح لا يفعله الحكيم ، فلم يبق ها هنا إلا أحد أمرين ، إما أن يقال لم يوجد هذا التكليف أو إن وجد لكنه لا يستعقب العقاب ، وكيف كان فالمقصود حاصل وثالثها : أنه تعالى إما أن يقال خلق الخلق للإنفاع ، أو للإضرار ، أولا للإنفاع ولا للإضرار ، فإن خلقهم للإنفاع وجب أن لا يكلفهم ما يؤدي به إلى ضد مقصوده مع علمه بكونه كذلك ، ولما علم إقدامهم على العصيان لو كلفهم كان التكليف فعلا يؤدي بهم إلى العقاب ، فإذا كان قاصدا لإنفاعهم وجب أن لا يكلفهم ، وحيث كلفهم دل على أن العصيان لا يكون سببا لاستحقاق العذاب ، ولا جائز أن يقال . خلقهم لا للإنفاع ولا للإضرار ، لأن الترك على العدم يكفي في ذلك ، ولأنه على هذا التقدير يكون عبثا ، ولا جائز أن يقال : خلقهم للإضرار ، لأن مثل هذا لا يكون رحيما كريما ، وقد تطابقت العقول والشرائع على كونه رحيما كريما ، وعلى أنه نعم المولى ونعم النصير ، وكل ذلك يدل على عدم العقاب .
ورابعها : أنه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي ، فيكون هو الملجىء إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها ، إنما قلنا إنه هو الخالق لتلك الدواعي ، لما بينا أن صدور الفعل عن مقدرة يتوقف على انضمام الداعية التي يخلقها الله تعالى إليها ، وبينا أن ذلك يوجب الجبر ، وتعذيب المجبور قبيح في العقول / وربما قرروا هذا من وجه آخر فقالوا : إذا كانت الأوامر والنواهي الشرعية قد جاءت إلى شخصين من الناس فقبلها أحدهما وخالفها الآخر فأثيب أحدهما وعوقب الآخر ، فإذا قيل لم قيل هذا وخالف الآخر ؟ فيقال لأن القابل أحب الثواب وحذر العقاب فأطاع ، والآخر لم يحب ولم يحذر فعصى ، أو أن هذا أصغى إلي من وعظه وفهم عنه مقالته فأطاع ، وهذا لم يصغ ولم يفهم فعصي ، فيقال : ولم أصغي هذا وفهم ولم يصغ ذلك ولم يفهم ؟ فنقول : لأن هذا لبيب حازم فطن ، وذلك أخرق جاهل غبي فيقال ولم اختص هذا بالحزم والفطنة دون ذاك ، ولا شك أن الفطنة والبلادة من الأحوال الغريزية . فإن الإنسان لا يختار الغباوة والخرق ولا يفعلهما في نفسه بنفسه ؟ فإذا تناهت / التعليلات إلى أمور خلقها الله تعالى اضطرارا علمنا أن كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وليس يمكنك أن تسوي بين الشخصين اللذين أطاع أحدهما وعصى الآخر في كل حال أعني في العقل والجهل ، والفطانة والغباوة ، والحزم والخرق ، والمعلمين والباعثين والزاجرين ، ولا يمكنك أن تقول إنهما لو استويا في ذلك كله لما استويا في الطاعة والمعصية ، فإذن سبب الطاعة والمعصية من الأشخاص أمور وقعت بتخليق الله تعالى وقضائه ، وعند هذا يقال : أين من العدل والرحمة والكرم أن يخلق العاصي على ما خلقه الله عليه من الفظاظة والجسارة ، والغباوة والقساوة ، والطيش والخرق ، ثم يعاقبه عليه ، وهلا خلقه مثل ما خلق الطائع لبيبا حازما عارفا عالما ، وأين من العدل أن يسخن قلبه ويقوي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه ولا يرزقه ما رزق غيره من مؤدب أديب ومعلم عالم وواعظ مبلغ ، بل يقيض له أضداد هؤلاء في أفعالهم وأخلاقهم فيتعلم منهم ثم يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم ، والعاقل العالم ، البارد الرأس ، المعتدل مزاج القلب ، اللطيف الروح الذي رزقه مربيا شفيقا ، ومعلما كاملا ؟ ما هذا من العدل والرحمة والكرم والرأفة في شيءا فثبت بهذه الوجوه أن القول بالعقاب على خلاف قضايا العقول . وخامسها : أنه تعالى إنما كلفنا النفع لعوده إلينا ، لأنه قال : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) فإذا عصينا فقد فوتنا على أنفسنا تلك المنافع ، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنسانا ويقول له إني أعذبك العذاب الشديد ، لأنك فوت على نفسك بعض المنافع ، فإنه يقال له إن تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر فهب أني فوت على نفسي أدون المطلوبين أفتفوت علي لأجل ذلك أعظمها وهل يحسن من السيد أن يأخذ عبده ويقول إنك قدرت على أن تكتسب دينارا لنفسك ولتنتفع به خاصة من غير أن يكون لي فيه غرض البتة ، فلما لم تكتسب ذلك الدينار ولم تنتفع به آخذك وأقطع أعضاءك إربا إربا ، لا شك أن هذا نهاية السفاهة ، فكيف يليق بأحكم الحاكمينا ثم قالوا هب أن سلمنا هذا العقاب فمن أين القول بالدوام ؟
وذلك لأن أقسى الناس قلبا وأشدهم غلظة وفظاظة وبعدا عن الخير إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه وعذبه يوما أو شهرا أو سنة فإنه يشبع منه ويمل ، فلو بقي مواظبا عليه لامه كل أحد ، ويقال هب أنه بالغ هذا في أضرارك ، ولكن إلى متى هذا التعذيب ، فإما أن تقتله وتريحه ، وإما أن تخلصه ، فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذ بالانتقام فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدوام الذي يقالا وسادسها : أنه سبحانه نهى عباده عن استيفاء الزيادة ، فقال : { فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا } ( الإسرءا : 33 ) وقال : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) ثم إن العبد هب أنه عصى الله تعالى طول عمره فأين عمره من الأبد ؟ فيكون العقاب المؤبد ظلما . وسابعها : أن العبد لو واظب على الكفر طول عمره / فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه وأجاب دعاءه وقبل توبته ، ألا ترى أن هذا الكريم العظيم ما بقي في الآخرة ، أو عقول أولئك المعذبين ما بقيت فلم لا يتوبون عن معاصيهم ؟ وإذا تابوا فلم لا يقبل الله تعالى منهم توبتهم ، ولم لا يسمع نداءهم ، / ولم يخيب رجاءهم ؟ ولم كان في الدنيا في الرحمة والكرم إلى حيث قال : { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ( النحل : 62 ) وفي الآخرة صار بحيث كلما كان تضرعهم إليه أشد فإنه لا يخاطبهم إلا بقوله : { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ( المؤمنون : 10 ) قالوا : فهذه الوجوه مما توجب القطع بعدم العقاب . ثم قال من آمن من هؤلاء بالقرآن : العذر عما ورد في القرآن من أنواع العذاب من وجوه : أحدها : أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين ، والدلائل العقلية تفيد اليقين ، والمظنون لا يعارض المقطوع . وإنما قلنا : إن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين ، لأن الدلائل اللفظية مبنية على أصول كلها ظنية والمبني على الظني ظني ، وإنما قلنا إنها مبنية على أصول ظنية ، لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف ، ورواة هذه الأشياء لا يعلم بلوغهم إلى حد التواتر ، فكانت روايتهم مظنونة ، وأيضا فهي مبنية على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار بالزيادة والنقصان وعدم التقديم والتأخير ، وكل ذلك أمور ظنية ، وأيضا فهي مبنية على عدم المعارض العقلي ، فإنه بتقدير وجوده لا يمكن القول بصدقهما ولا بكذبهما معا ، ولا يمكن ترجيح النقل على العقل لأن العقل أصل النقل ، والطعن في العقل يوجب الطعن في العقل والنقل معا ، لكن عدم المعارض العقلي مظنون ، هذا إذا لم يوجد فكيف وقد وجدنا ههنا دلائل عقلية على خلاف هذه الظواهر ، فثبت أن دلالة هذه الدلائل النقلية ظنية ، وأما أن الظني لا يعارض اليقيني فلا شك فيه . وثانيها : وهو أن التجاوز عن الوعيد مستحسن فيما بين الناس ، قال الشاعر :
فوإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعاد ومنجز موعدي بل الإصرار على تحقيق الوعيد كأنه بعد لؤما ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يصلح من الله تعالى ، وهذا بناء على حرف وهو أهل السنة جوزوا نسخ الفعل قبل مدة الامتثال وحاصل حروفهم فيه أن الأمر يسن تارة لحكمة تنشأ من نفس المأمور به ، وتارة لحكمة تنشأ من نفس الأمر ، فإن السيد قد يقول لعبده إفعل الفعل الفلاني غدا وإن كان يعلم في الحال أنه سينهاه عنه غدا ، ويكون مقصوده من ذلك الأمر أن يظهر العبد الانقياد لسيده في ذلك ويوطن نفسه على طاعته ، فكذلك إذا علم الله من العبد أنه سيموت غدا فإنه يحسن عند أهل السنة أن يقول : صل غدا إن عشت ، ولا يكون المقصود من هذا الأمر تحصيل المأمور به ، لأنه ههنا محال بل المقصود حكمة تنشأ من نفس الأمر فقط ، وهو حصول الانقياد والطاعة وترك التمرد . إذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يقال الخبر أيضا كذلك ؟ فتارة يكون منشأ الحكمة من الأخبار هو الشيء المخبر عنه وذلك في الوعد ، وتارة يكون منشأ الحكمة هو نفس الخبر لا المخبر عنه كما في الوعيد ، فإن الأخبار على سبيل الوعيد مما يفيد الزجر عن المعاصي والإقدام على الطاعات ، فإذا حصل هذا المقصود جاز أن لا يوجد المخبر عنه كما في الوعيد ، وعند هذا قالوا إن وعد الله بالثواب حق لازم ؛ وأما توعده بالعقاب فغير لازم ، وإنما قصد به صلاح المكلفين مع رحمته الشاملة لهم ، كالوالد يهدد ولده / بالقتل والسمل والقطع والضرب ، فإن قبل الولد أمره فقد انتفع وإن لم يفعل فما في قلب الوالد من الشفقه يرده عن قتله وعقوبته / فإن قيل فعلى جميع التقادير يكون ذلك كذبا والكذب قبيح قلنا لا نسلم أن كل كذب قبيح بل القبيح هو الكذب الضار ، فأما الكذب النافع فلا ، ثم إن سلمنا ذلك ، لكن لا نسلم أنه كذب ، أليس أن جميع عمومات القرآن مخصوصة ولا يسمى ذلك كذبا ، أليس أن كل المتشابهات مصروفة عن ظواهرها ، ولا يسمى ذلك كذبا فكذا ههنا . وثالثها : أليس أن آيات الوعيد في حق العصاة مشروطة بعدم التوبة وإن لم يكن هذا الشرط مذكورا في صريح النص ، فهي أيضا عندنا مشروطة بعدم العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكورا بصريح النص صريحا ، أو نقول : معناه أن العاصي يستحق هذه الأنواع من العقاب فيحمل الأخبار عن الوقوع على الأخبار عن استحقاق الوقوع فهذا جملة ما يقال في تقرير هذا المذهب . وأما الذين أثبتوا وقوع العذاب ، فقالوا إنه نقل إلينا على سبيل التواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوع العذاب فإنكاره يكون تكذيبا للرسول وأما الشبه التي تمسكتم بها في نفي العقاب فهي مبنية على الحسن والقبح وذلك مما لا نقول به والله أعلم . ! 7 < { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين } . > 7 ! < < البقرة : ( 8 ) ومن الناس من . . . . . > > اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا : وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم ، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد ، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول : أحوال القلب أربعة ، وهي الإعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم ؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد ، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل ، وخلو القلب عن كل ذلك . فهذه أقسام أربعة ، وأما أحوال اللسان فثلاثة : الإقرار ؛ والإنكار ، والسكوت . فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسما . النوع الأول : ما إذا حصل العرفان القلبي فههنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت . القسم الأول : ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختياريا فصاحبه مؤمن حقا بالإتفاق ، وإن كان اضطراريا وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر ، بل أنكر ، فهذا يجب أن يعد منافقا ؛ لأنه بقلبه منكر مكذب ، فإذا كان باللسان مقرا مصداقا وجب أن يعد منافقا لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار . القسم الثاني : أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني / فهذا الإنكار إن كان اضطراريا كان صاحبه مسلما ، لقوله تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) وإن كان اختياريا كان كافرا معاندا . القسم الثالث : أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خاليا عن الإقرار والإنكار ، فهذا السكوت إما أن يكون اضطراريا أو اختياريا ، فإن كان اضطراريا فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقا أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة ، فهذا مؤمن قطعا ، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذورا فيه ، وأما إن كان اختياريا فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار ، فهذا محل البحث ، وميل الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمنا لقوله عليه السلام : ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ) وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار . النوع الثاني : أن يحصل في القلب الإعتقاد التقليدي ، فإما أن يوجد معه الإقرار ، أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار ، ثم ذلك الإقرار إن كان اختياريا فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا ؟ وإن كان اضطراريا فهذا يفرع على الصورة الأولى ، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر ، فها هنا لا كلام ، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم ها هنا بالنفاق ، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفا لكان هذا الشخص منافقا ، فبأن يكون منافقا عند التقليد كان أولى . القسم الثاني : الإعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني ، ثم هذا الإنكار إن كان اختياريا فلا شك في الكفر ، وإن كان اضطراريا وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة . القسم الثالث : الإعتقاد التقليدي مع السكوت اضطراريا كان أو اختياريا ، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد . النوع الثالث : الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني ، أو الإنكار اللساني ، أو السكوت . القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار اللساني ، فذلك الإقرار إن كان اضطراريا فهو المنافق وإن كان اختياريا فهو مثل أن يعتقد بناء على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث ، وهذا غير مستبعد ، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد ، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان ؟ فهذا القسم أيضا من النفاق . القسم الثاني : أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق ، لأنه ما أظهر شيئا بخلاف باطنه .
القسم الثالث : أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئا . النوع الرابع : القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول : إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختياريا أو اضطراريا ، فإن كان اختياريا ، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر ، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا ؟ وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر ، أما إذا كان اضطراريا لم يكفر صاحبه ، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن / عمله قبيحا . القسم الثاني : القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث : القلب الخالي مع اللسان الخالي ، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب ، وإن كان خارجا عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة ، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب ، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو ، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خاليا عما يشعر به ظاهره ، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله : { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر } المراد منه المنافقون والله أعلم .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق ؟ قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح ، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان ، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان . وقال آخرون بل المنافق أيضا كاذب باللسان ، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الإعتقاد مع أنه ليس عليه ، ولذلك قال تعالى : { قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) وقال : { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ( المنافقون : 1 ) ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة . أحدها : أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك . وثانيها : أن الكافر عى طبع الرجال ، والمنافق على طبع الخنوثة . وثالثها : أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق ، والمنافق رضي بذلك . ورابعها : أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي ، ولأجل غلظ كفره قال تعالى : { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) . وخامسها : قال مجاهد : إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات ، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية ، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرما . وهذا بعيد ، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم ، فإن عظم فلغير ذلك ، وهو ضمهم إلى الكفر وجوها من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء ، وطلب الغوائل إلى غير ذلك ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار ، وذلك يدل على أنهم أعظم جرما من الكفار . المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أمرين : الأول : أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمنا ، لقوله : { وما هم بمؤمنين } وقالت الكرامية : إنه يكون مؤمنا الثاني : أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله ، ومن لم يكن به عارفا لا يكون مكلفا أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيمانا ، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لا بد وأن يكون مؤمنا وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذورا لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان ، فبطل قول من قال من المتكلمين : أن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذورا . المسألة الرابعة : ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوها : أحدها : يروى عن ابن عباس / أنه قال : سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي ، وقال الشاعر . سميت إنسانا لأنك ناسي . وقال أبو الفتح البستي : فيا أكثر الناس إحسانا إلى الناس وأكثر الناس إفضالا على الناس نسيت عهدك والنسيان مغتفر فاغفر فأول ناس أول الناس وثانيها : سمي إنسانا لاستئناسه بمثله . وثالثها : قالوا : الإنسان إنما سمي إنسانا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله : { من جانب الطور نارا قال } ( القصص : 29 ) كما سمي الجن لاجتنانهم . واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا من شيء آخر وإلا لزم التسلسل ، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقا من شيء آخر . المسألة الخامسة : قال ابن عباس : أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب ، منهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ، وجد ابن قيس ، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض .
/ المسألة السادسة : لفظة ( من ) لفظة صالحة للتثنية ، والجمع ، والواحد . أما في الواحد فقوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك } ( الأنعام : 25 ) وفي الجمع كقوله : { ومنهم من يستمعون إليك } ( يونس : 42 ) والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى ، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ . وعند الجمع يرجع إلى المعنى ، وحصل الأمران في هذه الآية ؛ لأن قوله تعالى : { يقول } لفظ الواحد و { من } لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة . السؤال الأول : المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في إدعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر ؟ والجواب : إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال ، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب وهم اليهود فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان ، لأنهم يعتقدونه جسما ، وقالوا عزيز بن الله ، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان ، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفا لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل ، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم ، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه . السؤال الثاني : كيف طابق قوله : { وما هم بمؤمنين } قولهم : { بالله فإذا } والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل ؟ والجواب : أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية ، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته ، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تذكيبه ، يعني أنه ليس من هذا الجنس / فكيف يظن به ذلك ؟ فكذا ههنا لما قالوا آنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيبا لهم أما لما قال : { وما هم بمؤمنين } كان ذلك مبالغة في تكذيبهم ، ونظيره قوله : { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } هو أبلغ من قولهم : وما يخرجون منها . السؤال الثالث : ما المراد باليوم الآخر ؟ الجواب : يجوز أن يراد به / الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم ، الذي لا ينقطع له أمد ، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن تدخل أهل الجنة الجنة . وأهل النار النار ؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة ، وما بعده فلا حد له . ! 7 < { يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } . > 7 < البقرة : ( 9 - 10 ) يخادعون الله والذين . . . . . > > اعلم أن الله تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء : أحدها : ما ذكره في هذه الآية ، وهو أنهم { يخادعون الله والذين ءامنوا } فيجب أن يعلم أولا : ما المخادعة ، ثم ثانيا : ما المراد ، بمخادعة الله ؟ وثالثا : أنهم لماذا كانوا يخادعون الله ؟ ورابعا : أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم ؟ .
المسألة الأولى : اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة ، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل ، وأصل هذه اللفظة الإخفاء ، وسميت الخزانة المخدع ، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان . وقالوا : خدع الضب خدعا إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلا ، وطريق خيدع وخداع ، إذا كان مخالفا للمقصد بحيث لا يفطن له ، ومنه المخدع . وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد ، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه ، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة ، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين ؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدولعن الغرور والإساءة ، كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة ، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده ، ومنه أخذ التدليس في الحديث ، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع ؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس . المسألة الثانية : وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى ؟ فلقائل أن يقول : إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين : الأول : أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع ، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعا ، فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم يصح أن يخادع . الثاني : أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نافقهم مخادعة الله تعالى ، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه . قال : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) وقال في عكسه { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه } ( الأنفال : 41 ) أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا / الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى . الثاني : أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع ، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم .
المسألة الثالثة : فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه : الأول : أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا . الثاني : يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أسراره ، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار . الثالث : أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) . الرابع : أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم ، فإن قيل : فالله تعالى كان قادرا على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم / فلم لم يفعل ذلك هتكا لسترهم ؟ قلنا : إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم ، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو . فإن قيل هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح ؟ قلنا قال صاحب ( الكشاف ) وجهه أن يقال : عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت ، لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ، لزيادة قوة الداعي إليه ، ويعضده قراءة أبي حيوة ( يخدعون الله ) ثم قال : { يخادعون } بيانا ليقول ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل ولم يدعون الإيمان كاذبين . وما نفعهم فيه ؟ فقيل { يخادعون } . المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر ( وما يخادعون ) والباقون ( يخدعون ) وحجة الأولين : مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقا للفظ الأول ، وحجة الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين ، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعا لنفسه ، ثم ذكروا في قوله : { وما يخدعون إلا أنفسهم } وجهين : الأول : أنه تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا أنفسهم عن الحسن . والثاني : ما ذكره أكثر المفسرين ، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في الدنيا ، لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم ، وهو كقوله : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) وقوله : { إنما نحن مستهزءون الله يستهزىء بهم } ( البقرة : 14 ، 15 ) { أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء } ( البقرة : 13 ) { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا } ( النحل : 50 ) { إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا } ( الطارق : 15 ، 16 ) { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } ( المائدة : 33 ) { إن الذين يؤذون الله ورسوله } ( الأحزاب : 57 ) وبقي في الآية بعد ذلك أبحاث . أحدها : قرىء ( وما يخادعون ) من أخدع و ( يخدعون ) بفتح الياء بمعنى يختدعون ( ويخدعون ) و ( يخادعون ) على لفظ ما لم يسم فاعله . وثانيها : النفس ذات الشيء وحقيقته ، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : 116 ) والمراد بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع / لا يعدوهم إلى غيرهم . وثالثها : أن الشعور علم الشيء إذا حصل بالحس ، ومشاعر الإنسان حواسه ، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس ، لكنهم لتماديهم في الغفلة كالذي لا يحس .
أما قوله تعالى : { فى قلوبهم مرض } فاعلم أن المرض صفة توجب وقوع الضرر في الأفعال الصادرة عن موضع تلك الصفة ، ولما كان الأثر الخاص بالقلب إنما هو معرفة الله تعالى وطاعته وعبوديته ، فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعا من هذه الآثار كانت تلك الصفات أمراضا للقلب . فإن قيل : الزيادة من جنس المزيد عليه ، فلو كان المراد من المرض ههنا الكفر والجهل لكان قوله : { فزادهم الله مرضا } محمولا على الكفر والجهل ، فيلزم أن يكون الله تعالى فاعلا للكفر والجهل . قالت المعتزلة : لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى منه فعل الكفر والجهل لوجوه : أحدها : أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن ، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : إذا فعل الله الكفر فينا ، فكيف تأمرنا بالإيمان ؟ وثانيها : أنه تعالى لو كان فاعلا للكفر لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكذاب ، فكان لا يبقى كون القرآن حجة فكيف نتشاغل بمعانيه وتفسيره . وثالثها : أنه تعالى ذكر هذه الآيات في معرض الذم لهم على كفرهم فكيف يذمهم على شيء خلقه فيهم . ورابعها : قوله : { ولهم عذاب أليم } فإن كان الله تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم ، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم ؟ وخامسها : أنه تعالى أضافه إليهم بقوله : { بما كانوا يكذبون } وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الأرض ، وأنهم هم السفهاء ، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ، إذا ثبت هذا فنقول : لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : يحمل المرض على الغم ، لأنه يقال مرض قلبي من أمر كذا ، والمعنى أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا ثبات أمر النبي صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوما فيوما . وذلك كان يؤثر في زوال رياستهم ، كما روي أنه عليه السلام مر بعبد الله بن أبي بن سلول على حمار ، فقال له نح حمارك يا محمد فقد آذتني ريحه ، فقال له بعض الأنصار اعذره يا رسول الله ، فقد كنا عزمنا على أن نتوجه الرياسة قبل أن تقدم علينا : فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصف ال له تعالى ذلك فقال : { فزادهم الله مرضا } أي زادهم الله غما على غمهم بما يزيد في إعلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه . الثاني : أن مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف ، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة : { فزادهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) والسورة لم تفعل ذلك ، ولكنهم لما ازدادوا رجسا عند نزولها لما كفروا بها قيل ذلك ، وكقوله تعالى حكاية عن نوح { إنى دعوت قومى ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 5 ، 6 ) والدعاء لم يفعل شيئا من هذا ، ولكنهم ازدادوا فرارا عنده ، وقال : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى } ( التوبة : 49 ) والنبي عليه السلام إن لم يأذن له لم يفتنه ، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة إليه { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ( المادة : 64 ) وقال : { فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } ( فاطر : 42 ) وقولك لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده : ما زادتك موعظتي إلا / شرا ، ومازادتك إلا فسادا فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفرا لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله .
الثالث : المراد من قوله : { فزادهم الله مرضا } المنع من زيادة الألطاف ، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلا لهم وهو كقوله : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } ( المنافقون : 4 ) الرابع : أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض ، فيقولون : جارية مريضة الطرف . قال جرير :
فإن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فكذا المرض ههنا إنما هو الفتور في النية ، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة ، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والإنكسار ، فقال تعالى : { فزادهم الله مرضا } أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف ، ولقد حفق الله تعالى ذلك بقوله : { وقذف فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين } ( الحشر : 2 ) الخامس : أن يحمل المرض على ألم القلب ، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه ، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سببا لغير مزاج القلب وتألمه ، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته ، فكان أولى من سائر الوجوه . أما قوله : { ولهم عذاب أليم } قال صاحب ( الكشاف ) : ألم فهو أليم ، كوجع فهو وجيع ، ووصف العذاب به فهو نحو قوله : تحية بينهم ضرب وجيع . وهذا على طريقة قولهم : جد جده ، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد ، أما قوله : { بما كانوا يكذبون } ففيه أبحاث . أحدها : أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذبا إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفا للخبر ، وهذا الآية حجة عليه . وثانيها : أن قوله : { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم ، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراما فأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات ، فالمراد التعريض ، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به . وثالثها : في هذه الآية قراءتان . إحداهما : { يكذبون } والمراد بكذبهم قوله : { بالله وباليوم الأخر وما } . والثانية : ( يكذبون ) من كذبه الذي هو نقيض صدقه ، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب ، كما بولغ في صدق فقيل صدق . ! 7 < { وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألاإنهم هم المفسدون ولاكن لا يشعرون } . > 7 < البقرة : ( 11 - 12 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > /إعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين ، والكلام فيه من وجوه : أحدها : أن يقال : من القائل { لا تفسدوا فى الارض } ؟ وثانيها : ما الفساد في الأرض ؟ وثالثها : من القائل : { إنما نحن مصلحون } ؟ ورابعها : ما الصلاح ؟ . أما المسألة الأولى : فمنهم من قال : ذلك القائل هو الله تعالى ، ومنهم من قال : هو الرسول عليه السلام ، ومنهم من قال بعض المؤمنين ، وكل ذلك محتمل ، ولا يجوز أن يكون القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة ، وإن كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك ، فإما أن يكون الرسول عليه السلام بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين ، وإما أن يقال : إن بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم وكان ينقلب واعظا لهم قائلا لهم : { لا تفسدوا } فإن قيل : أفما كانوا يخبرون الرسول عليه السلام بذلك ؟ قلنا : نعم ، إلا أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا عادوا إلى إظهار الإسلام والندم وكذبوا الناقلين عنهم وحلفوا بالله عليه كما أخبر تعالى عنهم في قوله : { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } ( التوبة : 74 ) وقال : { يحلفون لكم لترضوا عنهم } ( التوبة : 96 ) .
المسألة الثانية : الفساد خروج الشيء عن كونه منتفعا به ، ونقيضه الصلاح فأما كونه فسادا في الأرض فإنه يفيد أمرا زائدا ، وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي : أن المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى ، وتقريره ما ذكره القفال رحمه الله وهو أن إظهار معصية الله تعالى إنما كان إفسادا في الأرض ، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد ، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه ، فحقنت الدماء وسكنت الفتن ، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها ، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع وأقدم كل أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب ، ولذلك قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض } ( محمد : 22 ) نبههم على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به ، وثانيها : أن يقال ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم ، لأنهم لما مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم وضعف أنصاره ، فكان ذلك يجرىء الكفرة على إظهار عداوة الرسول ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة ، وفيه فساد عظيم في الأرض . وثالثها : قال الأصم : كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ، وجحد الإسلام ، وإلقاء الشبه . المسألة الثالثة : الذين قالوا إنما نحن مصلحون هم المنافقون ، والأقرب في مرادهم أن يكون نقيضا لما نهوا عنه ، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد في الأرض كان قولهم : { إنما نحن مصلحون } كالمقابل له ، وعند ذلك يظهر احتمالان : أحدهما : أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب ، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين ، لا جرم قالوا : إنما نحن مصلحون ، لأنهم في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد . وثانيهما : أنا إذا فسرنا { لا تفسدوا } بمداراة المنافقين للكفار / فقولهم : { إنما نحن مصلحون } يعني به أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار ، ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا : { إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا } ( النساء : 62 ) فقولهم : { إنما نحن مصلحون } أي نحن نصلح أمور أنفسا . واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه ، وتجويز خلافه لا يطعن فيه ، وتوبة الزنديق مقبولة والله أعلم . وأما قوله : { ألا إنهم هم المفسدون } فخارج على وجوه ثلاثة : أحدها : أنهم مفسدون لأن الكفر فساد في الأرض ، إذ فيه كفران نعمة الله ، وإقدام كل أحد على ما يهواه ، لأنه إذا كان لا يعتقد وجود الإله ولا يرجو ثوابا ولا عقابا تهارج الناس ، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد ؛ ولهذا قال : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض } على ما تقدم تقريره . ! 7 < { وإذا قيل لهم ءامنوا كمآ ءامن الناس قالوا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ألاإنهم هم السفهآء ولاكن لا يعلمون } . > 7 ! < < البقرة : ( 13 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين ، وذلك لأنه سبحانه لما نهاهم في الآية المتقدمة عن الفساد في الأرض أمرهم في هذه الآية بالإيمان ، لأن كمال حال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين : أولهما : ترك ما لا ينبغي وهو قوله : { ءامنوا } وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { وإذا قيل لهم ءامنوا } أي إيمانا مقرونا بالإخلاص بعيدا عن النفاق ، ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان ، فإنه لو لم يكن إيمانا لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل فيه الإخلاص ، فكان قوله : { ءامنوا } كافيا في تحصيل المطلوب ، وكان ذكر قوله : { كما ءامن الناس } لغوا ، والجواب : أن الإيمان الحقيقي عند الله هو الذي يقترن به الإخلاص ، أما في الظاهر فلا سبيل إليه إلا بإقرار الظاهر فلا جرم افتقر فيه إلى تأكيده بقوله : { كما ءامن الناس } . المسألة الثانية : اللام في { الناس } فيها وجهان : أحدهما : أنها للعهد أي كما آمن رسول الله ومن معه ، وهم ناس معهودون ، أو عبد الله بن سلام وأشياعه . لأنهم من أبناء جنسهم والثاني : أنها للجنس ثم ها هنا أيضا وجهان : أحدهما : أن الأوس والخزرج أكثرهم كانوا مسلمين ، وهؤلاء المنافقون كانوا ، منهم وكانوا قليلين ، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر . والثاني : أن المؤمنين هم / الناس في الحقيقة ، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها لأن فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي . المسألة الثالثة : القائل : { وإذا قيل لهم ءامنوا } إما الرسول ، أو المؤمنون ، ثم كان بعضهم يقول لبعض : أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان ، والرسول لا يعرف ذلك فقال تعالى : { ألا إنهم هم السفهاء } . المسألة الرابعة : السفه الخفة يقال : سفهت الريح الشيء إذا حركته ، قال ذو الرمة : فجرين كما اهتزت رياح تسفهت أعاليها مر الرياح الرواسم وقال أبو تمام الطائي : فسفيه الرمح جاهله إذا ما بدا فضل السفيه على الحليم أراد به سريع الطعن بالرمح خفيفه ، وإنما قيل لبذيء اللسان سفيه ؛ لأنه خفيف لا رزانة له وقال تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما } ( النساء : 5 ) وقال عليه السلام : ( شارب الخمر سفيه ) لقلة عقله وإنما سمي المنافقون المسلمين بالسفهاء ؛ لأن المنافقين كانوا من أهل الخطر والرياسة ، وأكثر المؤمنين كانوا فقراء ، وكان عند المنافقين أن دين محمد صلى الله عليه وسلم باطل ، والباطل لا يقبله إلا السفيه ؛ فلهذه الأسباب نسبوهم إلى السفاهة ثم إن الله تعالى قلب عليهم هذا اللقب وقوله الحق لوجوه : أحدها : أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه . وثانيها : أن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه . وثالثها : أن من عادى محمدا عليه الصلاة والسلام فقد عادى الله ، وذلك هو السفيه . المسألة الخامسة : إنما قال في آخر هذه الآية : { لا يعلمون } وفيما قبلها : { لا يشعرون } لوجهين : الأول : أن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري / وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس . الثاني : أنه ذكر السفه وهو جهل ، فكان ذكر العلم أحسن طباقا له والله أعلم . ! 7 < { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } . > 7 < البقرة : ( 14 - 15 ) وإذا لقوا الذين . . . . . > >
هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة ، يقال : لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريبا منه ، وقرأ أبو حنيفة : ( وإذا لاقوا ) أما قوله : { قالوا ءامنا } فالمراد أخلصنا بالقلب ، والدليل عليه وجهان : / الأول : أن الإقرار باللسان كان معلوما منهم فما كانوا يحتاجون إلى بيانه ، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب ، فيجب أن يكون مرادهم من هذا الكلام ذلك . الثاني : أن قولهم للمؤمنين ( آمنا ) يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم ، وإذا كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب فيجب أن يكون مرادهم فيما ذكروه للمؤمنين التصديق بالقلب ، أما قوله : { وإذا خلوا إلى شياطينهم } فقال صاحب ( الكشاف ) : يقال خلوت بفلان وإليه ، وإذا انفردت معه ويجوز أن يكون من ( خلا ) بمعنى مضى ، ومنه القرون الخالية ، ومن ( خلوت به ) إذا سخرت منه ، من قولك : ( خلا فلان بعرض فلان ) أي : يعبث به ، ومعناه أنهم أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول : أحمد إليك فلانا وأذمه إليك . وأما شياطينهم فهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم ، أما قوله : { إنا معكم } ففيه سؤالان : السؤال الأول : هذا القائل أهم كل المنافقين أو بعضهم . الجواب : في هذا خلاف ، لأن من يحمل الشياطين على كبار المنافقين يحمل هذا القول على أنه من صغارهم وكانوا يقولون للمؤمنين آمنا وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا إنا معكم ؛ لئلا يتوهموا فيهم المباينة ، ومن يقول في الشياطين : المراد بهم الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كل المنافقين ، ولا شبهة في أن المراد بشياطينهم أكابرهم ، وهم إما الكفار وإما أكابر المنافقين ، لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض ، وأما أصاغرهم فلا . السؤال الثاني : لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية ، وشياطينهم بالجملة الإسمية محققة ( بأن ) الجواب : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين ، لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم في الدرجة الكاملة منه ، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأن القول الصادر عن النفاق والكراهة قلما يحصل معه المبالغة ؛ وإما لعلمهم بأن ادعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين ، وأما كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الإعتقاد وعلموا أن المستمعين يقبلون ذلك منهم ، فلا جرم كان التأكيد لائقا به . أما قوله : { إنما نحن مستهزءون } ففيه سؤالان . السؤال الأول : ما الاستهزاء ؟ الجواب : أصل الباب الخفة من الهزء وهو العدو السريع ، وهزأ يهزأ مات على مكانه ، وناقته تهزأ به أي تسرع ، وحده أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية ، فعلى هذا قولهم : { إنما نحن مستهزءون } يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم ونقف على أسرارهم ، ونأخذ من صدقاتهم وغنائمهم . السؤال الثاني : كيف تعلق قوله : { إنما نحن مستهزءون } بقوله : { إنا معكم } الجواب : هو توكيد له ؛ لأن قوله : { إنا معكم } معناه الثبات على الكفر وقوله : { إنما نحن مستهزءون } رد للإسلام ، ورد نقيض الشيء تأكيد لثباته ، أو بدل منه ، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر ، أو استئناف ، كأنهم اعترضوا عليه حين قالوا : إنا معكم ، فقالوا إن صح ذلك فكيف توافقون أهل الإسلام ؟ فقالوا : إنما نحن مستهزئون .
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء . أحدها : قوله : { الله يستهزىء بهم } / وفيه أسئلة . الأول : كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزىء وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس ، وهو على الله محال ، ولأنه لا ينفك عن الجهل ، لقوله : { قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ( البقرة : 67 ) والجهل على الله محال والجواب : ذكروا في التأويل خمسة أوجه : أحدها : أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء ، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) { يخادعون الله وهو خادعهم } ( النساء : 144 ) { ومكروا ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) وقال عليه السلام : ( اللهم إن فلانا هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه ، اللهم والعنه عدد ما هجاني ) أي أجزه جزاء هجائه ، وقال عليه السلام : ( تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ) وثانيها : أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين ، فيصير كأن الله استهزأ بهم . وثالثها : أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء ، والمراد حصول الهوان لهم تعبيرا بالسبب عن المسبب . ورابعها : إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة ، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمرا مع أن الحاصل منهم في السر خلافه ، وهذا التأويل ضعيف ، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم ، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا . وخامسها : أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزىء في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه ، وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة ، والكافرون النار فتح الله من الجنة بابا على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحا أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة ، وأهل الجنة ينظرون إليهم ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب ، فذاك قوله تعالى : { إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون } إلى قوله : { فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون } ( المطففين : 34 ) فهذا هو الاستهزاء بهم . السؤال الثاني : كيف ابتدأ قوله : { الله يستهزىء بهم } ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟ الجواب : هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزىء بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم ، وفيه أيضا أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله .
السؤال الثالث : هل قيل : إن الله مستهزىء بهم ليكون مطابقا لقوله : { إنما نحن مستهزءون } الجواب . لأن ( يستهزىء ) يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت ، وهذا كانت نكايات الله فيهم : { أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين } ( التوبة : 126 ) وأيضا فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون } الجواب الثاني : قوله تعالى : { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } ( البقرة : 15 ) قال صاحب الكشاف إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره ، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها ؛ ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد ، ومده الشيطان في الغي ، وأمده إذا واصله بالوسواس ، ومد وأمد بمعنى واحد . وقال بعضهم : مد يستعمل في الشر ، وأمد في الخير قال تعالى : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } ( المؤمنين : 55 ) ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء والإمهال وهذا خطأ لوجهين : الأول : أن قراءة ابن كثير ، وابن محيصن ( ونمدهم ) وقراءة نافع ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) يدل على أنه من المدد دون المد . الثاني : أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له ، كأملي له . قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن أجراؤها على ظاهرها لوجوه : أحدها : قوله تعالى : { وإخوانهم يمدونهم فى الغى } أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم ، فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى . وثانيها : أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلا لله تعالى فكيف يذمهم عليه . وثالثها : لو كان فعلا لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثا . ورابعها : أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله : ( في طغيانهم ) ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم ، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك ، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله : { وإخوانهم يمدونهم فى الغى } ( الأعراف : 202 ) إذا ثبت هذا فنقول : التأويل من وجوه : أحدها : وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مددا وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم . وثانيها : أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل : إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور . وثالثها : أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده . ورابعا : ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين : الأول : لما تبينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر . الثاني : هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في الطغيان ، بل المراد ، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا . واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله : { ختم الله على قلوبهم } فلا فائدة في الإعادة . واعلم أن الطغيان هو الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو ، قال تعالى : { إنا لما طغا الماء } ( الحاقة : 11 ) أي جاوز قدره ، وقال : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 24 ) أي أسرف وتجاوز الحد . وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان ، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة ، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه .