Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V16/P051–V16/P052

واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا : وحق خمسة سادسهم جبريل ، وأرادوا به أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعليا ، وفاطمة ، والحسن والحسين ، كانوا قد احتجبوا تحت / عباءة يوم المباهلة ، فجاء جبريل وجعل نفسه سادسا لهم / فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون ، فقال رحمه الله : لكم ما هو خير منه بقوله : ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل . والوجه السادس : أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحبا للرسول وذلك يدل على كمال الفضل . قال الحسين بن فضيل البجلي : من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا ، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من { إذ يقول لصاحبه } هو أبو بكر ، وذلك يدل على أن الله تعالى وصفه بكونه صاحبا له ، اعترضوا وقالوا : إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحبا للمؤمن ، وهو قوله : { قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب } ( الكهف : 37 ) . والجواب : أن هناك وإن وصفه بكونه صاحبا له ذكرا إلا أنه أردفه بما يدل على الإهانة والإذلال ، وهو قوله : { أكفرت } أما ههنا فبعد أن وصفه بكونه صاحبا له ، ذكر ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله : { لا تحزن إن الله معنا } فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة ؟ والوجه السابع : في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر . قوله : { لا تحزن إن الله معنا } ولا شك أن المراد من هذه المعية ، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة ، وبالجملة فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية ، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد ، لزمهم إدخال الرسول فيه ، وإن حملوها على محمل رفيع شريف ، لزمهم إدخال أبي بكر فيه ، ونقول بعبارة أخرى ، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه ، وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين ، لقوله تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ( النحل : 128 ) والمراد منه الحصر ، والمعنى : إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم ، وذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين . والوجه الثامن : في تقرير هذا المطلوب أن قوله : { إن الله معنا } يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية ، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار ، وذلك منصب في غاية الشرف . والوجه التاسع : أن قوله : { لا تحزن } نهى عن الحزن مطلقا ، والنهي يوجب الدوام والتكرار ، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة ، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت . والوجه العاشر : قوله : { فأنزل الله سكينته عليه } ومن قال الضمير في قوله : { عليه } عائدا إلى الرسول فهذا باطل لوجوه : الوجه الأول : أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر ، لأنه تعالى قال : { إذ يقول لصاحبه } والتقدير : إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر / لا تحزن ، وعلى هذا التقدير : فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر ، فوجب عود الضمير إليه .

حصہ V16/P052–V16/P053

والوجه الثاني : أن الحزن والخوف كان حاصلا لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام ، فإنه عليه السلام كان آمنا ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش . فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمنا ، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سببا لزوال خوفه ، أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس . والوجه الثالث : أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال : إن الرسول كان قبل ذلك خائفا ، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر : { لا تحزن إن الله معنا } فمن كان خائفا كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال : فأنزل الله سكينته عليه ، فقال لصاحبه لا تحزن ، ولما لم يكن كذلك ، بل ذكر أولا أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن ، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة ، وهو قوله : { فأنزل الله سكينته عليه } علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر . فإن قيل : وجب أن يكون قوله : { فأنزل الله سكينته عليه } ( التوبة : 40 ) المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول ، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله : { وأيده بجنود لم تروها } وهذا لا يليق إلا بالرسول ، والمعطوف يجب كونه مشاركا للمعطوف عليه ، فلما كان هذا المعطوف عائدا إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائدا إلى الرسول . قلنا : هذا ضعيف ، لأن قوله : { وأيده بجنود لم تروها } إشارة إلى قصة بدر وهو معطوف على قوله : { فقد نصره الله } وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر ، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال . الوجه الحادي عشر : من الوجوه الدالة على فضل أبي بكر من هذه الآية إطباق الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام . روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لقد كنت أنا وصاحبي في الغار بضعة عشر يوما وليس لنا طعام إلا التمر ) وذكروا أن جبريل أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس ، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبر به أبا بكر . ولما أمر الله رسوله بالخروج إلى المدينة أظهره لأبي بكر ، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري / جملين ورحلين وكسوتين ، ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام . فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين ، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام فألبس رسول الله ثوبه ، ليعرفوا أن الرسول هو هو ، فلما دنوا خروا له سجدا فقال لهم : ( اسجدوا لربكم وأكرموا أخا لكم ) ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسيرأبي بكر الأصم .

حصہ V16/P053–V16/P054

الوجه الثاني عشر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر ، والأنصار ما رأوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا إلا أبا بكر ، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر والحضر ، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا : لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر ، فلو قدرنا أنه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر ، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر ، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي بكر . واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين : فالأول : قالوا إنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر : ( لا تحزن ) فذلك الحزن إن كان حقا فكيف نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه ؟ وإن كان خطأ ، لزم أن يكون أبو بكر مذنبا وعاصيا في ذلك الحزن ، والثاني : قالوا يحتمل أن يقال : إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه ، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه ، فأخذه مع نفسه دفعا لهذا الشر . والثالث : وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر عليا بأن يضطجع على فراشه ، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء ، فهذا العمل من علي ، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحبا للرسول ، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب . والجواب عن الأول : أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة ، قال : فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام : { لا تخف إنك أنت الاعلى } ( طه : 68 ) أن يدل على أنه كان عاصيا في خوفه ، وذلك طعن في الأنبياء ، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم ، حيث قالت الملائكة له : { لا تخف } في قصة العجل المشوي مثل ذلك ، وفي قولهم للوط : { لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك } ( العنكبوت : 33 ) مثل ذلك . / فإذا قالوا : إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك في قوله : { لا تخف } ليفيد الأمن ، وفراغ القلب . قلنا لهم في هذه المسألة كذلك . فإن قالوا : أليس إنه تعالى قال : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) فكيف خاف مع سماع هذه الآية ؟ فنقول : هذه الآية إنما نزلت في المدينة ، وهذه الواقعة سابقة على نزولها ، وأيضا فهب أنه كان آمنا على عدم القتل ، ولكنه ما كان آمنا من الضرب ، والجرح والإيلام الشديد . والعجب منهم ، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفا ، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء ، ولما خاف وبكى قالوا : هذا السؤال الركيك ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق ، وإنما مقصودهم محض الطعنا والجواب عن الثاني : أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية ، فإن أبا بكر لو كان قاصدا له ، لصالح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار ، وقال لهم نحن ههنا ، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه ، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك .

حصہ V16/P054–V16/P055

والجواب عن الثالث من وجوه : الأول : أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع ، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضرا في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلي كان غائبا ، والحاضر أعلى حالا من الغائب . الثاني : أن عليا ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة ، أما بعدها لما عرفوا أن محمدا غاب تركوه ، ولم يتعرضوا له . أما أبو بكر ، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة ، فكان بلاؤه أشد . الثالث : أن أبا بكر رضي الله عنه كان مشهورا فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام ويدعوهم إليه ، وشاهدوا منه أنه دعا جمعا من أكابر الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك الدين ، وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته ، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان ، وكان يذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال . وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن ، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة ، ولا جهاد بالسيف والسنان ، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة ، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من هذه الأحوال ، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على علي ، ولهذا السبب ، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي / لم يتعرضوا له ألبتة ، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم ، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم أشد من خوف علي كرم الله وجهه / فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل . هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار . أما قوله تعالى : { وأيده بجنود لم تروها } فاعلم أن تقدير الآية أن يقال : { إلا تنصروه } فلا بد له ذلك بدليل صورتين . الصورة الأولى : أنه قد نصره في واقعة الهجرة { إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل } . والصورة الثانية : واقعة بدر ، وهي المراد من قوله : { وأيده بجنود لم تروها } لأنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر ، وأيد رسوله صلى الله عليه وسلم بهم ، فقوله : { وأيده بجنود لم تروها } معطوف على قوله : { فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا } . ثم قال تعالى : { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا } والمعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة ، وكلمة الله هي العليا ، وهي قوله لا إله إلا الله . قال الواحدي : والاختيار في قوله : { وكلمة الله } الرفع ، وهي قراءة العامة على الاستئناف ، قال الفراء ، ويجوز { كلمة الله } بالنصب ، ولا أحب هذه القراءة لأنه لو نصبها لكان الأجود أن يقال : وكلمة الله العليا ، ألا ترى أنك تقول أعتق أبوك غلامك ، ولا تقول أعتق غلامه أبوك . ثم قال : { والله عزيز حكيم } أي قاهر غالب لا يفعل إلا الصواب . ! 7 < { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } . > 7 ! < < التوبة : ( 41 ) انفروا خفافا وثقالا . . . . .

حصہ V16/P055–V16/P056

> > اعلم أنه تعالى لما توعد من لا ينفر مع الرسول ، وضرب له من الأمثال ما وصفنا ، أتبعه بهذا الأمر الجزم . فقال : { انفروا خفافا وثقالا } والمراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد أو على الصفة التي يثقل ، وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة . والمفسرون ذكروها . فالأول : { خفافا } في النفور لنشاطكم له { وثقالا } عنه لمشتقه عليكم . الثاني : { خفافا } لقلة عيالكم { وثقالا } / لكثرتها . الثالث : { خفافا } من السلاح { وثقالا } منه . الرابع : ركبانا ومشاة . الخامس : شبانا وشيوخا . السادس : مهازيل وسمانا . السابع : صحاحا ومراضا والصحيح ما ذكرنا إذ الكل داخل فيه لأن الوصف المذكور وصف كلي ، يدخل فيه كل هذه الجزئيات . فإن قيل : أتقولون إن هذا الأمر يتناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ؟ قلنا : ظاهره يقتضي ذلك عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أعلي أن أنفر ، قال : ( ما أنت إلا خفيف أو ثقيل ) فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه ، فنزل قوله تعالى : { ليس على الاعمى حرج } ( الفتح : 17 النور : 61 ) وقال مجاهد : إن أبا أيوب شهد بدرا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ، ويقول : قال الله : { انفروا خفافا وثقالا } فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا . وعن صفوان بن عمرو قال : كنت واليا على حمص ، فلقيت شيخا قد سقط حاجباه ، من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو ، قلت يا عم أنت معذور عند الله ، فرفع حاجبيه وقال : يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا ، ألا إن من أحبه ابتلاه . وعن الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل صاحب ضرر ، فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن عجزت عن الجهاد كثرت السواد وحفظت المتاع . وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو : أنت معذور ، فقال : أنزل الله علينا في سورة براءة { انفروا خفافا وثقالا } . واعلم أن القائلين بهذا القول الذي قررناه يقولون : هذه الآية صارت منسوخة بقوله تعالى : { ليس على الاعمى حرج } ( الفتح : 17 النور : 61 ) وقال عطاء الخراساني : منسوخة بقوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ( التوبة : 122 ) . ولقائل أن يقول : اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، واتفقوا على أنه عليه الصلاة والسلام خلف النساء وخلف من الرجال أقواما ، وذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ، لكنه من فروض الكفايات ، فمن أمره الرسول بأن يخرج ، لزمه ذلك خفافا وثقالا ، ومن أمره بأن يبقى هناك ، لزمه أن يبقى ويترك النفر . وعلى هذا التقدير : فلا حاجة إلى التزام النسخ . ثم قال تعالى : { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله } وفيه قولان : القول الأول : أن هذا يدل على أن الجهاد إنما يجب على من له المال والنفس ، فدل على أن من لم يكن له نفس سليمة صالحة للجهاد ، ولا مال يتقوى به على تحصيل آلات الجهاد لا يجب عليه الجهاد . والقول الثاني : أن الجهاد يجب بالنفس إذا انفرد وقوي عليه ، وبالمال إذا ضعف عن الجهاد بنفسه ، فيلزم على هذا القول أن من عجز أن ينيب عنه نفرا بنفقة من عنده فيكون مجاهدا / بماله لما تعذر عليه بنفسه ، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء .

حصہ V16/P056–V16/P057

ثم قال تعالى : { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } . فإن قيل : كيف يصح أن يقال : الجهاد خير من القعود عنه ، ولا خير في القعود عنه . قلنا : الجواب عنه من وجهين : الوجه الأول : أن لفظ { خير } يستعمل في معنيين : أحدهما : بمعنى هذا خير من ذاك . والثاني : بمعنى أنه في نفسه خير كقوله : { إنى لما أنزلت إلى من خير فقير } ( القصص : 24 ) وقوله : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) ويقال : الثريد خير من الله ، أي هو خير في نفسه ، وقد حصل من الله تعالى ، فقوله : { ذالكم خير لكم } المراد هذا الثاني ، وعلى هذا الوجه يسقط السؤال . الوجه الثاني : سلمنا أن المراد كونه خيرا من غيره ، إلا أن التقدير : أن ما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما ، ولذلك قال تعالى : { إن كنتم تعلمون } لأن ما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ، ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق ، وأن القول بالثواب والعقاب حق وصدق . ! 7 < { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولاكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون } . > 7 ! < < التوبة : ( 42 ) لو كان عرضا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله ، وكان قد ذكر قوله : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين ، وبين أن أقواما ، مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد ، تخلفوا في غزوة تبوك ، وبين أنه { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ، يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر . قال الزجاج : فيه محذوف والتقدير : لو كان المدعو إليه سفرا قاصدا ، فحذف / اسم { كان } لدلالة ما تقدم عليه . وقوله : { وسفرا قاصدا } قال الزجاج : أي سهلا قريبا . وإنما قيل لمثل هذا قاصدا ، لأن المتوسط ، بين الإفراط ، والتفريط ، يقال له : مقتصد . قال تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد } ( فاطر : 32 ) وتحقيقه أن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد ، فسمي قاصدا ، وتفسير القاصد : ذو قصد ، كقولهم لابن وتامر ورابح . قوله : { ولاكن بعدت عليهم الشقة } قال الليث : الشقة بعد مسيره إلى أرض بعيدة . يقال : شقة شاقة ، والمعنى : بعدت عليهم الشاقة البعيدة ، والسبب في هذا الاسم أنه شق على الإنسان سلوكها . ونقل صاحب ( الكشاف ) عن عيسى بن عمر : أنه قرأ { بعدت عليهم الشقة } بكسر العين والشين .

حصہ V16/P057–V16/P058

المسألة الثانية : هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، ومعنى الكلام أنه لو كانت المنافع قريبة والسفر قريبا لاتبعوك طمعا منهم في الفوز بتلك المنافع ، ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة ، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم ، فلهذا السبب تخلفوا . ثم أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم { يحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } إما عند ما يعاتبهم بسبب التخلف ، وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف ، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق . وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( اليمين الغموس تدع الديار بلاقع ) . ثم قال : { والله يعلم إنهم لكاذبون } في قولهم ما كنا نستطيع الخروج ، فإنهم كانوا مستطيعين الخروج . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قوله : { انفروا خفافا وثقالا } إنما يتناول من كان قادرا متمكنا ، إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف . المسألة الرابعة : استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على بطلان أن الاستطاعة مع الفعل ، فقال : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعا إلى القتال ، ولو كان الأمر كذلك لكانوا صادقين في قولهم : ما كنا نستطيع ذلك ، ولما كذبهم الله تعالى في هذا القول ، علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل . واستدل الكعبي بهذا الوجه أيضا له ، وسأل نفسه لا يجوز أن يكون المراد به : ما كان لهم زاد ولا راحلة ، وما أرادوا به نفس القدرة . وأجاب : إن كان من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج ، فمن لا استطاعة له أولى بالعذر . وأيضا الظاهر من الاستطاعة قوة البدن دون وجود المال / وإذا أريد به المال ، فإنما يراد لأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن ، فلا معنى لترك الحقيقة من غير ضرورة . وأجاب أصحابنا : بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم على الفعل ، إلا بوقت / واحد ، فأما أن تتقدم عليه بأوقات كثيرة فذلك ممتنع ، فإن الإنسان الجالس في المكان لا يكون قادرا في هذا الزمان أن يفعل فعلا في مكان بعيد عنه ، بل إنما يقدر على أن يفعل فعلا في المكان الملاصق لمكانه . فإذا ثبت أن القدرة عند القوم لا تتقدم الفعل إلا بزمان واحد ، فالقوم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا قادرين على أصول المعتزلة ، فيلزمهم من هذه الآية ما ألزموه علينا ، وعند هذا يجب علينا وعليهم ، أن نحمل الاستطاعة على الزاد والراحلة . وحينئذ يسقط الاستدلال . المسألة الخامسة : قالوا الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر عنهم أنهم سيحلفون ، وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل ، والأمر لما وقع كما أخبر ، كان هذا إخبارا عن الغيب ، فكان معجزا . والله أعلم . ! 7 < { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين { . > 7 ! < < التوبة : ( 43 ) عفا الله عنك . . . . . > > اعلم أنه تعالى بين بقوله : { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك } أنه تخلف قوم من ذلك الغزو ، وليس فيه بيان أن ذلك التخلف ، كان بإذن الرسول أم لا ؟ فلما قال بعده : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } دل هذا ، على أن فيهم من تخلف بإذنه وفيه مسائل :

حصہ V16/P058–V16/P059

المسألة الأولى : احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول من وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { عفا الله عنك } والعفو يستدعي سابقة الذنب . والثاني : أنه تعالى قال : { لم أذنت لهم } وهذا استفهام بمعنى الإنكار ، فدل هذا على أن ذلك الإذن كان معصية وذنبا . قال قتادة وعمرو بن ميمون : اثنان فعلهما الرسول ، لم يؤمر بشيء فيهما ، إذنه للمنافقين ، وأخذه الفداء من الأسارى ، فعاتبه الله كما تسمعون . والجواب عن الأول : لا نسلم أن قوله : { عفا الله عنك } يوجب الذنب ، ولم لا يجوز أن يقال : إن ذلك يدل على مبالغة الله في تعظيمه وتوقيره ، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده ، عفا الله عنك . ما صنعت في أمري ورضي الله عنك ، ما جوابك عن كلامي ؟ وعافاك الله ما عرفت حقي فلا يكون غرضة من هذا الكلام ، إلا مزيد التبجيل والتعظيم . وقال علي بن الجهم : فيما يخاطب به المتوكل وقد أمر بنفيه : / عفا الله عنك ألا حرمة تعود بعفوك إن أبعدا ألم تر عبدا عدا طوره ومولى عفا ورشيدا هدى أقلني أقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الردى والجواب عن الثاني أن نقول : لا يجوز أن يقال : المراد بقوله { لم عرفها لهم } الإنكار . لأنا نقول : إما أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب ، فإن قلنا : إنه ما صدر عنه ذنب ، امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله : { لم أذنت لهم } إنكار عليه ، وإن قلنا : إنه كان قد صدر عنه ذنب ، فقوله : { عفا الله عنك } يدل على حصول العفو عنه ، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه ، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال : إن قوله : { لم أذنت لهم } يدل على كون الرسول مذنبا ، وهذا جواب شاف قاطع . وعند هذا ، يحمل قوله : { لم أذنت لهم } على ترك الأولى والأكمل ، لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا .

حصہ V16/P059–V16/P060

المسألة الثانية : من الناس من قال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم ، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع . واحتج عليه بأن قوله : { فاعتبروا ياأولى أولى الابصار } ( الحشر : 2 ) أمر لأولي الأبصار بالاعتبار والاجتهاد ، والرسول كان سيدا لهم ، فكان داخلا تحت هذا الأمر ، ثم أكدوا ذلك بهذه الآية فقالوا : إما أن يقال إنه تعالى أذن له في ذلك الإذن أو منعه عنه ، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه والأول باطل ، وإلا امتنع أن يقول له لم أذنت لهم . والثاني باطل أيضا ، لأن على هذا التقدير يلزم أن يقال إنه حكم بغير ما أنزل الله فيلزم دخوله تحت قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) { أولئك هم الظالمون } ( المائدة : 45 ) { أولئك هم الفاسقون } ( المائدة : 47 ) وذلك باطل بصريح القول . فلم يبق إلا القسم الثالث ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة من تلقاء نفسه ، فإما أن يكون ذلك مبنيا على الاجتهاد أو ما كان كذلك ، والثاني باطل ، لأنه حكم بمجرد التشهي وهو باطل لقوله تعالى : { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلواة واتبعوا الشهوات } ( مريم : 59 ) فلم يبق إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة ، بناء على الاجتهاد ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد . فإن قيل : فهذا بأن يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى ، لأنه تعالى منعه من هذا الحكم بقوله : { لم أذنت لهم } . قلنا : إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقا لأنه قال : { حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } والحكم الممدود إلى غاية بكلمة حتى يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية ، فهذا يدل على صحة قولنا . / فإن قالوا : فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي ؟ قلنا : ما ذكرتموه محتمل إلا أن على التقدير الذي ذكرتم ، يصير تكليفه ، أن لا يحكم البتة ، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص ، فلما ترك ذلك ، كان ذلك كبيرة ، وعلى التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأ واقعا في الاجتهاد ، فدخل تحت قوله : ( ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ) ، فكان حمل الكلام عليه أولى . المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة ، ووجوب التثبت والتأني وترك الاغترار بظواهر الأمور والمبالغة في التفحص ، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد . المسألة الرابعة : قال قتادة : عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية ، ثم رخص له في سورة النور فقال : { فإذا استذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } ( النور : 62 ) . المسألة الخامسة : قال أبو مسلم الأصفهاني : قوله : { لم أذنت لهم } ليس فيه ما يدل على أن ذلك الإذن فيما ذا ؟ ا فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود فأذن له ، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج فأذن له ، مع أنه ما كان خروجهم معه صوابا ، لأجل أنهم كانوا عيونا للمنافقين على المسلمين ، فكانوا يثيرون الفتن ويبغون الغوائل . فلهذا السبب ، ما كان في خروجهم مع الرسول مصلحة . قال القاضي : هذا بعيد لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه الذم للمتخلفين والمدح للمبادرين ، وأيضا ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان حالهم .

حصہ V16/P060–V16/P061

! 7 < { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الا خر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الا خر وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولاكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } . > 7 < التوبة : ( 44 - 46 ) لا يستأذنك الذين . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : قوله : { لا يستأذنك } أي بعد غزوة تبوك ، وقال الباقون : هذا لا يجوز ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها وردت في قصة تبوك ، والمقصود من هذا الكلام تمييز المؤمنين عن المنافقين ، فإن المؤمنين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه ولم يتوقفوا ، والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار . وهذا المقصود حاصل سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي ، والمقصود أنه تعالى جعل علامة النفاق في ذلك لوقت الاستئذان ، والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر أن يجاهدوا } فيه محذوف ، والتقدير : في أن يجاهدوا . إلا أنه حسن الحذف لظهوره ، ثم ههنا قولان : القول الأول : إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر ، وعلى هذا التقدير فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا ، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى ، فأي فائدة في الاستئذان ؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك ، ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول : ( أنت مني بمنزلة هرون من موسى ) . القول الثاني : أنه لا بد ههنا من إضمار آخر ، قالوا لأن ترك استئذان الإمام في الجهاد غير جائز ، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان ، فثبت أنه لا بد من الإضمار ، والتقدير : لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا ، إلا أنه حذف حرف النفي ، ونظير قوله : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود والله أعلم . ثم قال تعالى : { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : بين أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله واليوم الآخر / ثم لما كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشك فيه ، وقد يكون بسبب الجزم والقطع بعدمه ، بين تعالى أن عدم إيمان هؤلاء إنما كان بسبب الشك والريب ، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله . وههنا سؤالان : السؤال الأول : أن العلم إذا كان استدلاليا كان وقوع الشك في الدليل يوجب وقوع الشك في المدلول ، ووقع الشك في مقدمة واحدة من مقدمات الدليل يكفي في حصول الشك في صحة الدليل ، فهذا يقتضي أن الرجل المؤمن إذا وقع له سؤال وإشكال في مقدمة من مقدمات دليله أن يصير شاكا في المدلول ، وهذا يقتضي أن يخرج المؤمن عن إيمانه في كل لحظة ، بسبب أنه خطر بباله سؤال وإشكال ، ومعلوم أن ذلك باطل ، فثبت أن بناء الإيمان ليس على الدليل بل على التقليد . فصارت هذه الآية دالة على أن الأصل في الإيمان هو التقليد من هذا الوجه .

حصہ V16/P061–V16/P062

والجواب : أن المسلم وإن عرض له الشك في صحة بعض مقدمات دليل واحد إلا أن سائر الدلائل سليمة عنده من الطعن ، فلهذا السبب بقي إيمانه دائما مستمرا . السؤال الثاني : أليس أن أصحابكم يقولون : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ، وذلك يقتضي حصول الشك ؟ والجواب : أنا استقصينا في تحقيق هذه المسألة في سورة الأنفال ، في تفسير قوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } ( الأنفال : 74 ) . المسألة الثانية : قالت الكرامية : الإيمان هو مجرد الإقرار مع أنه تعالى شهد عليهم في هذه الآية بأنهم ليسوا مؤمنين . المسألة الثالثة : قوله : { وارتابت قلوبهم } يدل على أن محل الريب هو القلب فقط ، ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة ، والإيمان أيضا هو القلب ، لأن محل أحد الضدين يجب أن يكون هو محلا للضد الآخر ، ولهذا السبب قال تعالى : { أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان } ( المجادلة : 22 ) وإذا كان محل المعرفة والكفر القلب ، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب والبواقي تكون تبعا له . المسألة الرابعة : قوله : { فهم فى ريبهم يترددون } معناه أن الشاك المرتاب يبقى مترددا بين النفي والإثبات ، غير حاكم بأحد القسمين ولا جازم بأحد النقيضين . وتقريره : أن الإعتقاد إما أن يكون جازما أو لا يكون ، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقا ، فإن كان غير يقين فهو العلم ، وإلا فهو اعتقاد المقلد . وإن كان غير جازم ، فإن كان أحد الطرفين راجحا فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم . وإن اعتدل الطرفان فهو الريب والشك ، وحينئذ يبقى الإنسان مترددا بين الطرفين . / ثم قال تعالى : { ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة } قرىء { عدته } وقرىء أيضا { إن عدة } بكسر العين بغير إضافة وبإضافة ، قال ابن عباس : يريد من الزاد والماء والراحلة ، لأن سفرهم بعيد وفي زمان شديد ، وتركهم العدة دليل على أنهم أرادوا التخلف . وقال آخرون : هذا إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدة . ثم قال تعالى : { ولاكن كره الله انبعاثهم فثبطهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الانبعاث : الانطلاق في الأمر ، يقال بعثت البعير فانبعث وبعثته لأمر كذا فانبعث ، وبعثه لأمر كذا أي نفذه فيه ، والتثبيط رد الإنسان على الفعل الذي هم به ، والمعنى : أنه تعالى كره خروجهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم فصرفهم عنه . فإن قيل : إن خروجهم مع الرسول إما أن يقال إنه كان مفسدة وإما أن يقال إنه كان مصلحة . فإن قلنا : إنه كان مفسدة ، فلم عاتب الرسول في إذنه إياهم في القعود ؟ وإن قلنا : إنه كان مصلحة ، فلم قال إنه تعالى كره انبعاثهم وخروجهم ؟

حصہ V16/P062–V16/P063

والجواب الصحيح : أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة ، بدليل أنه تعالى صرح بعد هذه الآية وشرح تلك المفاسد وهو قوله : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ( التوبة : 47 ) بقي أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا يخرجوا ، فلم عاتب الرسول في الإذن ؟ فنقول : قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال : ليس في قوله { لم أذنت لهم } أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أذن لهم في القعود ، بل يحتمل أن يقال إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن لهم ، وعلى هذا التقدير فإنه يسقط السؤال ، قال أبو مسلم والدليل على صحة ما قلنا إن هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة ، فوجب حمل ذلك العتاب على أنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الخروج معه ، وتأكد ذلك بسائر الآيات / منها قوله تعالى : { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا } ( التوبة : 83 ) ومنها قوله تعالى : { سيقول المخلفون إذا انطلقتم } ( الفتح : 15 ) إلى قوله : { قل لن تتبعونا } فهذا دفع هذا السؤال على طريقة أبي مسلم . والوجه الثاني : من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله : { لم أذنت لهم } إنما توجه لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود ، فنقول : ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة ، بل لأجل أن إذنه عليه الصلاة والسلام بذلك القعود كان مفسدة وبيانه من وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر ، ولهذا السبب قال تعالى : { لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } والثاني : أن بتقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود ؛ فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم ، وكان يصير ذلك القعود / علامة على نفاقهم ، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم ، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفيا وفاتت تلك المصالح . والثالث : أنهم لما استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليهم وقال : { اقعدوا مع القاعدين } على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله : { وقيل اقعدوا مع القاعدين } ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا : قد أذن لنا فقال تعالى : { لم أذنت لهم } أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم ؟ الرابع : أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا : إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد ، وذلك غير جائز ، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جاريا مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص ، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك . المسألة الثانية : قالت المعتزلة البصرية : الآية دالة على أنه تعالى كما هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية ، بدليل قوله تعالى : { ولاكن كره الله انبعاثهم } قال أصحابنا : معنى { كره الله } أراد عدم ذلك الشيء . قال البصرية : العدم لا يصلح أن يكون متعلقا ، وذلك لأن الإرادة عبارة عن صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر ، والعدم نفي محض ، وأيضا فالعدم المستمر لا تعلق للإرادة بالعدم به ، لأن تحصيل الحاصل محال ، وجعل العدم عدما محال ، فثبت أن تعلق الإرادة بالعدم محال ، فامتنع القول بأن المراد من الكراهة إرادة العدم .

حصہ V16/P063–V16/P064

أجاب أصحابنا : بأنا نفسر الكراهة في حق الله بإرادة ضد ذلك الشيء ، فهو تعالى أراد منهم السكون ، فوقع التعبير عن هذه الإرادة بكونه تعالى كارها لخروجهم مع الرسول . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله تعالى : { فثبطهم } أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث ، وحاصل الكلام فيه لا يتم إلا إذا صرحنا بالحق ، وهو أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي إليه ، فإذا صارت الداعية فاترة مرجوحة امتنع صدور الفعل عنه ، ثم إن صيرورة تلك الداعية جازمة أو فاترة ، إن كانت من العبد لزم التسلسل ، وإن كانت من الله ؛ فحينئذ لزم المقصود . لأن تقوية الداعية ليست إلا من الله ، ومتى حصلت تلك التقوية لزم حصول الفعل ، وحينئذ يصح قولنا في مسألة القضاء والقدر . ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { وقيل اقعدوا مع القاعدين } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المقصود منه التنبيه على ذمهم وإلحاقهم بالنساء والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيوت / وهم القاعدون والخالفون والخوالف على ما ذكره في قوله : { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } . / المسألة الثانية : اختلفوا في أن هذا القول ممن كان ؟ فيحتمل أن يكون القائل بذلك هو الشيطان على سبيل الوسوسة ، ويحتمل أن يكون بعضهم قال ذلك لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف ، لأن من يتولى الفساد يحب التكثر بأشكاله ، ويحتمل أن يكون القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم لما أذن لهم في التخلف فعاتبه الله ، ويحتمل أن يكون القائل هو الله سبحانه لأنه قد كره خروجهم للإفساد ، وكان المراد إذا كنتم مفسدين فقد كره الله انبعاثكم على هذا الوجه فأمركم بالقعود عن هذا الخروج المخصوص . ! 7 < { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين } . > 7 ! < < التوبة : ( 47 ) لو خرجوا فيكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنواع المفاسد الحاصلة من خروجهم وهي ثلاثة : الأول : قوله : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الخبال والشر والفساد في كل شيء ، ومنه يسمى العته بالخبل ، والمعتوه بالمخبول ، وللمفسرين عبارات قال الكلبي : إلا شرا ، وقال يمان : إلا مكرا ، وقيل : إلا غيا ، وقال الضحاك : إلا غدرا ، وقيل : الخبال الاضطراب في الرأي ، وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لقوم أخرين ، ليختلفوا وتفترق كلمتهم . المسألة الثانية : قال بعض النحويين قوله : { إلا خبالا } من الاستثناء المنقطع وهو أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، كقولك : ما زادوكم خيرا إلا خبالا ، وههنا المستثنى منه غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الأعم . والعام هو الشيء ، فكان الاستثناء متصلا ، والتقدير : ما زادوكم شيئا إلا خبالا . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : إنه تعالى بين في الآية الأولى أنه كره انبعاثهم ، وبين في هذه الآية أنه إنما كره ذلك الانبعاث لكونه مشتملا على هذا الخبال والشر والفتنة ، وذلك يدل على أنه تعالى يكره الشر والفتنة والفساد على الإطلاق ، ولا يرضى إلا بالخير ، ولا يريد إلا الطاعة . النوع الثاني : من المفاسد الناشئة من خروجهم قوله تعالى : { ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة } وفي الإيضاح قولان نقلهما الواحدي .

حصہ V16/P064–V16/P065

/ القول الأول : وهو قول أكثر أهل اللغة ، أن الأيضاع حمل البعير على العدو ، ولا يجوز أن يقال : أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرا حثيثا . يقال : وضع البعير إذا عدا وأوضعه الراكب إذا حمله عليه . قال الفراء : العرب تقول : وضعت الناقة ، وأوضع الراكب ، وربما قالوا للراكب وضع . والقول الثاني : وهو قول الأخفش وأبي عبيد أنه يجوز أن يقال : أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرا حثيثا من غير أن يراد أنه وضع ناقته ، روى أبو عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر وقال لبيد : أرانا موضعين لحكم غيب ونسخو بالطعام وبالشراب أراد مسرعين ، ولا يجوز أن يكون يريد موضعين الإبل لأنه لم يرد السير في الطريق ، وقال عمر بن أبي ربيعة : تبالهن بالعدوان لما عرفنني وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا قال الواحدي : والآية تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد . واعلم أن على القولين : فالمراد من الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنمائم ، فإن اعتبرنا القول الأول كان المعنى : ولأوضعوا ركائبهم بينكم ، والمراد الإسراع بالنمائم ، لأن الراكب أسرع من الماشي ، وإن اعتبرنا القول الثاني كان المراد أنهم يسرعون في هذا التضريب . المسألة الرابعة : نقل صاحب ( الكشاف ) عن ابن الزبير أنه قرأ { ولأوقصوا } من وقصت الناقة وقصا إذا أسرعت وأوقصتها ، وقرىء ولأرفضوا . فإن قيل : كيف كتب في المصحف { ولا } بزيادة الألف ؟ أجاب صاحب ( الكشاف ) بأن الفتحة كانت ألفا قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن وقد بقي في ذلك الألف أثر في الطباع ، فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحتها ألفا أخرى ونحوه { أولا } . المسألة الخامسة : قوله : { ولاوضعوا خلالكم } أي فيما بينكم ، ومنه قوله : { وفجرنا خلالهما نهرا } ( الكهف : 33 ) وقوله : { فجاسوا خلال الديار } ( الإسراء : 5 ) وأصله من الخلل ، وهو الفرجة بين الشيئين وجمعه خلال ، ومنه قوله : { فترى الودق يخرج من خلاله } ( النور : 43 ) وقرىء من { خلله } وهي مخارج مصب القطر ، وقال الأصمعي : تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم وخلالهم . ويقال : جلسنا خلال بيوت الحي وخلال دورهم أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور . / إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { خبالا ولاوضعوا خلالكم } أي بالنميمة والإفساد وقوله : { يبغونكم الفتنة } أي يبغون لكم ، وقال الأصمعي : ابغني كذا أي اطلبه لي ، ومعنى ابغني وابغ لي ، سواء ، وإذا قال ابغني ، فمعناه : أعني على ما بغيته ، ومعنى { الفتنة } ههنا افتراق الكلمة وظهور التشويش . واعلم أن حاصل الكلام هو أنهم لو خرجوا فيهم ما زادوهم إلا خبالا ، والخبال هو الإفساد الذي يوجب اختلاف الرأي وهو من أعظم الأمور التي يجب الاحتراز عنها في الحروب لأن عند حصول الاختلاف في الرأي يحصل الانهزام والانكسار على أسهل الوجوه . ثم بين تعالى أنهم لا يقتصرون على ذلك بل يمشون بين الأكابر بالنميمة فيكون الإفساد أكثر ، وهو المراد بقوله : { ولاوضعوا خلالكم } . فأما قوله : { وفيكم سماعون لهم } ففيه قولان : الأول : المراد : فيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم ، وهذا قول مجاهد وابن زيد . والثاني : قال قتادة : فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم ، فإذا ألقوا إليهم أنواعا من الكلمات الموجبة لضعف القلب قبلوها وفتروا بسببها عن القيام بأمر الجهاد كما ينبغي . فإن قيل : كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ونيتهم في الجهاد ؟

حصہ V16/P065–V16/P066

قلنا : لا يمتنع فيمن قرب عهده بالإسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم ولا يمتنع كون بعض الناس مجبولين على الجبن والفشل وضعف القلب ، فيؤثر قولهم فيهم ، ولا يمتنع أن يكون بعض المسلمين من أقارب رؤساء المنافقين فينظرون إليهم بعين الإجلال والتعظيم ، فلهذا السبب يؤثر قول هؤلاء الأكابر من المنافقين فيهم ، ولا يمتنع أيضا أن يقال : المنافقون على قسمين : منهم من يقتصر على النفاق ولا يسعى في الأرض بالفساد ، ثم إن الفريق الثاني من المنافقين يحملونهم على السعي بالفساد بسبب إلقاء الشبهات والأراجيف إليهم . ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { والله عليم بالظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم ، وظلموا غيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيرهم في وجوه الآفات والمخالفات . والله أعلم . ! 7 < { لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جآء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } . > 7 < التوبة : ( 48 - 49 ) لقد ابتغوا الفتنة . . . . . > > اعلم أن المذكور في هذه الآية نوع آخر من مكر المنافقين وخبث باطنه فقال : { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } أي من قبل واقعة تبوك . قال ابن جريج : هو أن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ، وقيل : طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك ، ومعنى الفتنة هو الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة ، وهو الذي طلبه المنافقون للمسلمين وسلمهم الله منه ، وقوله : { وقلبوا لك الامور } تقليب الأمر تصريفه وترديده لأجل التدبر والتأمل فيه ، يعني اجتهدوا في الحيلة عليك والكيد بك . يقال : في الرجل المتصرف في وجوه الحيل فلان حول قلب ، أي يتقلب في وجوه الحيل . ثم قال تعالى : { حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون } والمعنى : أن هؤلاء المنافقين كانوا مواظبين على وجه الكيد والمكر وإثارة الفتنة وتنفير الناس عن قبول الدين حتى جاء الحق الذي كان في حكم المذاهب ، والمراد منه القرآن ودعوة محمد ، وظهر أمر الله الذي كان كالمستور والمراد بأمر الله الأسباب التي أظهرها الله تعالى وجعلها مؤثرة في قوة شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، وهم لها كارهون أي وهم لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله كارهون ، وفيه تنبيه على أنه لا أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في إثارة الشر ، فإنهم منذ كانوا في طلب هذا المكر والكيد ، والله تعالى رده في نحرهم وقلب مرادهم وأتى بضد مقصودهم ، فلما كان الأمر كذلك في الماضي ، فهذا يكون في المستقبل .

حصہ V16/P066–V16/P067

ثم قال تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى } يريد ائذن لي في القعود ولاتفتني بسبب الأمر بالخروج ، وذكروا فيه وجوها : الأول : لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي ، فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم ، وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكونوا ذكروه على سبيل السخرية ، وإن يكونوا أيضا ذكروه على سبيل الجد ، وإن كان ذلك المنافق منافقا كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقا ، وإن كان غير قاطع بذلك . والثاني : لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها . والثالث : لا تفتني فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي . والرابع : قال الجد بن قيس : قد علمت الأنصار أني مغرم / بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ، يعني نساء الروم ، ولكني أعينك بمال فاتركني ، وقرىء { ولا تفتنى } من أفتنة { ألا فى الفتنة سقطوا } والمعنى أنهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة ، وهم في الحال ما وقعوا إلا في الفتنة ، فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله ، والتمرد عن قبول التكليف . وأيضا فهم يبقون خالفين عن المسلمين ، خائفين من أن يفضحهم الله ، وينزل آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي { سقط } لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع المعنى . قال أهل المعاني : وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما ، فإنه تعالى يبطل عليه ذلك الغرض ، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة ، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون . ثم قال تعالى : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } قيل : إنها تحيط بهم يوم القيامة . وقيل إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال ، فكأنهم في وسطها . وقال الحكماء الإسلامية : إنهم كانوا محرومين من نور معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما كانوا يعتقدون لأنفسهم كمالا وسعادة سوى الدنيا وما فيها من المال والجاه ، ثم إنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين . وقصد الرسول بكل سوء ، وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام أبدا في الترقي والاستعلاء والتزايد ، وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم ، وأولادهم وأموالهم والحاصل أنهم كانوا محرومين عن كل السعادات الروحانية ، فكانوا في أشد الخوف ، بسبب الأحوال العاجلة ، والخوف الشديد مع الجهل الشديد ، أعظم أنواع العقوبات الروحانية ، فعبر الله تعالى عن تلك الأحوال بقوله : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } . ! 7 < { إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . > 7 < التوبة : ( 50 - 51 ) إن تصبك حسنة . . . . . > >

حصہ V16/P067–V16/P068

اعلم أن هذا نوع آخر من كيد المنافقين ومن حبث بواطنهم ، والمعنى : إن تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفرا ، أو كان غنيمة ، أو كان انقيادا لبعض ملوك الأطراف ، يسؤهم ذلك ، وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا به ، ويقولوا قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به ، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم ، من قبل أي قبل ما وقع وتولوا عن / مقام التحدث بذلك ، والاجتماع له إلى أهاليهم ، وهم فرحون مسرورون ، ونقل عن ابن عباس أن الحسنة في يوم بدر ، والمصيبة في يوم أحد ، فإن ثبت بخبر أن هذا هو المراد وجب المصير إليه ، وإلا فالواجب حمله على كل حسنة ، وعلى كل مصيبة ، إذ المعلوم من حال المنافقين أنهم في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكره الله ههنا . ثم قال تعالى : { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } وفيه أقوال : القول الأول : أن المعنى أنه لن يصيبنا خير ولا شر ، ولا خوف ولا رجاء ، ولا شدة ولا رخاء ، إلا وهو مقدرعلينا مكتوب عند الله ، وكونه مكتوبا عند الله يدل على كونه معلوما عند الله مقضيا به عند الله ، فإن ما سواه ممكن ، والممكن لا يترجح إلا بترجيح الواجب ، والممكنات بأسرها منتهية إلى قضائه وقدره . واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في أن قضاء الله شامل لكل المحدثات وأن تغير الشيء عما قضى الله به محال ، وتقرير هذا الكلام من وجوه : أحدها : أن الموجود إما واجب وإما ممكن ، والممكن يمتنع أن يترجح أحد طرفيه على الآخر لنفسه ، فوجب انتهاؤه إلى ترجيح الواجب لذاته ، وما سواه فواجب بإيجاده وتأثيره وتكوينه . ولهذا المعنى قال النبي عليه السلام : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) وثانيها : أن الله تعالى لما كتب جميع الأحوال في اللوح المحفوظ فقد علمها وحكم بها ، فلو وقع الأمر بخلافها لزم انقلاب العلم جهلا والحكم الصدق كذبا ، وكل ذلك محال ، وقد أطنبنا في شرح هذه المناظرة في تفسير قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) . فإن قيل : إنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام تسلية للرسول في فرحهم بحزنه ومكارهه فأي تعلق لهذا المذهب بذلك ؟ قلنا : السبب فيه قوله صلى الله عليه وسلم : ( من علم سر الله في القدر هانت عليه المصائب ) فإنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع ، زالت المنازعة عن النفس وحصل الرضا به . القول الثاني : في تفسير هذه الآية أن يكون المعنى { لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدو والاستيلاء عليهم ، والمقصود أن يظهر للمنافقين أن أحوال الرسول والمسلمين وإن كانت مختلفة في السرور والغم ، إلا أن في العاقبة الدولة لهم والفتح والنصر والظفر من جانبهم ، فيكون ذلك اغتياظا للمنافقين وردا عليهم في ذلك الفرح . والقول الثالث : قال الزجاج : المعنى إذا صرنا مغلوبين صرنا مستحقين للأجر العظيم ، / والثواب الكثير ، وإن صرنا غالبين ، صرنا مستحقين للثواب في الآخرة ، وفزنا بالمال الكثير والثناء الجميل في الدنيا ، وإذا كان الأمر كذلك ، صارت تلك المصائب والمحزنات في جنب هذا الفوز بهذه الدرجات العالية متحملة / وهذه الأقوال وإن كانت حسنة ، إلا أن الحق الصحيح هو الأول .

حصہ V16/P068–V16/P069

ثم قال تعالى : { هو مولانا } والمراد به ما يقوله أصحابنا أنه سبحانه يحسن منه التصرف في العالم كيف شاء ، وأراد لأجل أنه مالك لهم وخالق لهم ، ولأنه لا اعتراض عليه في شيء من أفعاله ، فهذا الكلام ينطبق على ما تقدم ، ولذا قلنا إنه تعالى وإن أوصل إلى بعض عبيده أنواعا من المصائب فإنه يجب الرضا بها لأنه تعالى مولاهم وهم عبيده ، فحسن منه تعالى تلك التصرفات ، بمجرد كونه مولى لهم ، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله . ثم قال تعالى : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } معناه أنه وإن لم يجب عليه لأحد من العبيد شيء من الأشياء ولا أمر من الأمور إلا أنه مع هذا عظيم الرحمة كثير الفضل والإحسان ، فوجب أن لا يتوكل المؤمن في الأصل إلا عليه ، وأن يقطع طمعه إلا من فضله ورحمته ، لأن قوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يفيد الحصر ، وهذا كالتنبيه على أن حال المنافقين بالضد من ذلك وأنهم لا يتوكلون إلا على الأساب الدنيوية واللذات العاجلة الفانية . ! 7 < { قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون } . > 7 ! < < التوبة : ( 52 ) قل هل تربصون . . . . . > > اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين ، وذلك لأن المسلم إذا ذهب إلى الغزو ، فإن صار مغلوبا مقتولا فاز بالاسم الحسن في الدنيا والثواب العظيم الذي أعده الله للشهداء في الآخرة ، وإن صار غالبا فاز في الدنيا بالمال الحلال والاسم الجميل ، وهي الرجولية والشوكة والقوة ، وفي الآخرة بالثواب العظيم . وأما المنافق إذا قعد في بيته فهو في الحال في بيته مذموما منسوبا إلى الجبن والفشل وضعف القلب والقناعة بالأمور الخسيسة من الدنيا على وجه يشاركه فيها النسوان والصبيان والعاجزون من النساء ، ثم يكونون أبدا خائفين على أنفسهم وأولادهم وأموالهم ، وفي الآخرة إن ماتوا فقد انتقلوا إلى العذاب الدائم في القيامة ، وإن أذن الله في قتلهم / وقعوا في القتل والأسر والنهب ، وانتقلوا من الدنيا إلى عذاب النار ، فالمنافق لا يتربص بالمؤمن إلا إحدى الحالتين المذكورتين ، وكل واحدة منهما في غاية الجلالة والرفعة والشرف ، والمسلم يتربص بالمنافق إحدى الحالتين المذكورتين ، أعني البقاء في الدنيا مع الخزي والذل والهوان ، ثم الانتقال إلى عذاب القيامة والوقوع في القتل والنهب مع الخزي والذل ، وكل واحدة من هاتين الحالتين في غاية الخساسة والدناءة ، ثم قال تعالى للمنافقين : { فتربصوا } بنا إحدى الحالتين الشريفتين { إنا معكم متربصون } وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين النازلتين . قال الواحدي : يقال فلان يتربص بفلان الدوائر ، وإذا كان ينتظر وقوع مكروه به ، وهذا قد سبق الكلام فيه . وقال أهل المعاني : التربص ، التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ، ولذلك قيل : فلان يتربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره ، والحسنى تأنيث الأحسن . واختلفوا في تفسير قوله : { بعذاب من عنده أو بأيدينا } قيل : من عند الله . أي بعذاب ينزله الله عليهم في الدنيا ، أو بأيدينا بأن يأذن لنا في قتلكم . وقيل : بعذاب من عند الله ، يتناول عذاب الدنيا والآخرة ، أو بأيدينا القتل . فإن قيل : إذا كانوا منافقين لا يحل قتلهم مع إظهارهم الإيمان ، فكيف يقول تعالى ذلك ؟

حصہ V16/P069–V16/P070

قلنا قال الحسن : المراد بأيدينا إن ظهر نفاقكم ، لأن نفاقهم إذا ظهر كانوا كسائر المشركين في كونهم حربا للمؤمنين ، وقوله : { فتربصوا } وإن كان بصيغة الأمر ، إلا أن المراد منه التهديد ، كما في قوله : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } والله أعلم . ! 7 < { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين } . > 7 < التوبة : ( 53 ) قل أنفقوا طوعا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن عاقبة هؤلاء المنافقين هي العذاب في الدنيا وفي الآخرة ، بين أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر فإنهم لا ينتفعون به في الآخرة ، والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم ، وأن أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا وفي الآخرة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { كرها } بضم الكاف ههنا ، وفي النساء والأحقاف ، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم من المشقة ، وفي النساء والتوبة بالفتح من الإكراه والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك . فقيل : هما لغتان . وقيل : بالضم المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه . / المسألة الثانية : قال ابن عباس : نزلت في الجد بن قيس حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم ائذن لي في القعود وهذا ما لي أعينك به . واعلم أن السبب وإن كان خاصا إلا أن الحكم عام ، فقوله : { أنفقوا طوعا أو كرها } وإن كان لفظه لفظ أمر ، إلا أن معناه معنى الشرط والجزاء . والمعنى : سواء أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل ذلك منكم . واعلم أن الخبر والأمر يتقاربان ، فيحسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر . أما إقامة الأمر مقام الخبر ، فكما ههنا ، وكما في قوله : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } ( التوبة : 80 ) وفي قوله : { قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمان مدا } ( مريم : 75 ) وأما إقامة الخبر مقام الأمر ، فكقوله : { والوالدات يرضعن أولادهن } ( البقرة : 233 ) } المطلقات يتربصن بأنفسهن } ( البقرة : 288 ) وقال كثير : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت وقوله : { } المطلقات يتربصن بأنفسهن } ( البقرة : 288 ) وقال كثير : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت وقوله : { } ( البقرة : 288 ) وقال كثير : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت وقوله : { طوعا أو كرها } يريد طائعين أو كارهين . وفيه وجهان : الأول : طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو مكرهين من قبل الله ورسوله ، وسمى الإلزام إكراها لأنهم منافقون ، فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه ، والثاني : أن يكون التقدير : طائعين من غير إكراه من رؤسائكم ، لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون الاتباع على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم . ثم قال تعالى : { لن يتقبل منكم } يحتمل أن يكون المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتقبل تلك الأموال منهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنها لا تصير مقبولة عند الله .

حصہ V16/P070–V16/P071

ثم قال تعالى : { إنكم كنتم قوما فاسقين } وهذا إشارة إلى أن عدم القبول معلل بكونهم فاسقين . قال الجبائي : دلت الآية على أن الفسق يحبط الطاعات ، لأنه تعالى بين أن نفقتهم لا تقبل البتة ، وعلل ذلك بكونهم فاسقين ، ومعنى التقبل هو الثواب والمدح ، وإذا لم يتقبل ذلك كان معناه أنه لا ثواب ولا مدح ، فلما علل ذلك بالفسق دل على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى / ثم إن الجبائي أكد ذلك بدليلهم المشهور في هذه المسألة ، وهو أن الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين ، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين ، والجمع بينهما محال . فكان الجمع بين حصول استحقاقهما محالا . واعلم أنه كان الواجب عليه أن لا يذكر هذا الاستدلال بعد ما أزال الله هذه الشبهة على أبلغ الوجوه ، وهو قوله : { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله } فبين تعالى / بصريح هذا اللفظ أنه لا مؤثر في منع قبول هذه الأعمال إلا الكفر ، وعند هذا يصير هذا الكلام من أوضح الدلائل على أن الفسق لا يحبط الطاعات ، لأنه تعالى لما قال : { إنكم كنتم قوما فاسقين } فكأنه سأل سائل وقال : هذا الحكم معلل بعموم كون تلك الأعمال فسقا ، أو بخصوص كون تلك الأعمال موصوفة بذلك الفسق ؟ فبين تعالى به ما أزال هذه الشبهة ، وهو أن عدم القبول غير معلل بعموم كونه فسقا ، بل بخصوص وصفه وهو كون ذلك الفسق كفرا . فثبت أن هذا الاستدلال باطل . ! 7 < { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلواة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } . > 7 ! < < التوبة : ( 54 ) وما منعهم أن . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : دل صريح هذه الآية على أنه لا تأثير للفسق من حيث إنه فسق في هذا المنع ، وذلك صريح في بطلان قول المعتزلة على ما لخصناه وبيناه . المسألة الثانية : ظاهر اللفظ يدل على أن منع القبول بمجموع الأمور الثلاثة ، وهي الكفر بالله ورسوله ، وعدم الإتيان بالصلاة إلا على وجه الكسل ، والإنفاق على سبيل الكراهية . ولقائل أن يقول : الكفر بالله سبب مستقل في المنع من القبول ، وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر ، فكيف يمكن إسناد هذا الحكم إلى السببين الباقيين ؟ وجوابه : أن هذا الإشكال إنما يتوجه على قول المعتزلة ، حيث قالوا : إن الكفر لكونه كفرا يؤثر في هذا الحكم ، أما عندنا فإن شيئا من الأفعال لا يوجب ثوابا ولا عقابا البتة ، وإنما هي معرفات واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد محال ، بل نقول : إن هذا من أقوى الدلائل اليقينية على أن هذه الأفعال غير مؤثرة في هذه الأحكام لوجوه عائدة إليها ، والدليل عليه أنه تعالى بين أنه حصلت هذه الأمور الثلاثة في حقهم ، فلو كان كل واحد منها موجبا تاما لهذا الحكم ، لزم أن يجتمع على الأثر الواحد أسباب مستقلة ، وذلك محال ، لأن المعلول يستغنى بكل واحد منها عن كل واحد منها ، فيلزم افتقاره إليها بأسرها حال استغنائه عنها بأسرها ، وذلك / محال ، فثبت أن القول بكون هذه الأفعال مؤثرة في هذه الأحكام يفضي إلى هذا المحال ، فكان القول به باطلا . المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن شيئا من أعمال البر لا يكون مقبولا عند الله مع الكفر بالله . فإن قيل : فكيف الجمع بينه وبين قوله : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } .

سوالات