Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V17/P045–V17/P046

المسألة الثالثة : اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين : أحدهما : أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء ، مثل أن يقولوا : إنك لو جئتنا بقرآن آخر غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك ، وغرضهم من هذا الكلام السخرية والتطير . والثاني : أن يكونوا قالوه على سبيل الجد ، وذلك أيضا يحتمل وجوها : أحدها : أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة والامتحان ، حتى أنه إن فعل ذلك ، علموا أنه كان كذابا في قوله : إن هذا القرآن نزل عليه من عند الله . وثانيها : أن يكون المقصود من هذا الالتماس أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم والطعن في طرائقهم ، وهم كانوا يتأذون منها ، فالتمسوا كتابا آخر ليس فيه ذلك . وثالثها : أن بتقدير أن يكونوا قد جوزوا كون هذا القرآن من عند الله ، التمسوا منه أن يلتمس من الله نسخ هذا القرآن وتبديله بقرآن آخر . وهذا الوجه أبعد الوجوه . واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك أمره الله تعالى أن يقول : إن هذا التبديل غير جائز مني { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ثم بين تعالى أنه بمنزلة غيره في أنه متوعد بالعذاب العظيم إن عصى . ويتفرع على هذه الآية فروع : الفرع الأول : أن قوله : { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } معناه : لا أتبع إلا ما يوحى إلي ، فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالوحي ، وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد . الفرع الثاني : تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : دل هذا النص على أنه عليه الصلاة / والسلام ما حكم إلا بالنص . فوجب أن يجب على جميع الأمة أن لا يحكموا إلا بمقتضى النص لقوله تعالى : { واتبعوه } . الفرع الثالث : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن ذلك منسوخ بقوله : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } ( الفتح : 2 ) وهذا بعيد لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية . الفرع الرابع : قالت المعتزلة : إن قوله : { إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } مشروط بما يكون واقعا بلا توبة ولا طاعة أعظم منها ، ونحن نقول فيه تخصيص ثالث . وهو أن لا يعفو عنه ابتداء ، لأن عندنا يجوز من الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر . ! 7 < { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } . > 7 ! < < يونس : ( 16 ) قل لو شاء . . . . . > > وفيه مسائل :

حصہ V17/P046–V17/P047

المسألة الأولى : اعلم أنا بينا فيما سلف ، أن القوم إنما التمسوا منه ذلك الالتماس ، لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه ، على سبيل الاختلاق والافتعال ، لا على سبيل كونه وحيا من عند الله . فلهذا المعنى احتج النبي عليه الصلاة والسلام على فساد هذا الوهم بما ذكره الله تعالى في هذه الآية . وتقريره أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت ، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتابا ولا تلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد ، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول ، ودقائق علم الأحكام ، ولطائف علم الأخلاق ، وأسرار قصص الأولين . وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء ، وكل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى ، فقوله : { لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به } حكم منه عليه الصلاة والسلام بأن هذا القرآن وحي من عند الله تعالى ، لا من اختلاقي ولا من افتعالي . وقوله : { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } إشارة إلى الدليل الذي قررناه ، وقوله : { أفلا تعقلون } يعني أن مثل / هذا الكتاب العظيم إذا جاء على يد من لم يتعلم ولم يتلمذ ولم يطالع كتابا ولم يمارس مجادلة ، يعلم بالضرورة أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل . وإنكار العلوم الضرورية يقدح في صحة العقل . فلهذا السبب قال : { أفلا تعقلون } . المسألة الثانية : قوله : { ولا أدراكم به } هو من الدراية بمعنى العلم . قال سيبويه : يقال دريته ودريت به ، والأكثر هو الاستعمال بالباء . والدليل عليه قوله تعالى : { ولا أدراكم به } ولو كان على اللغة الأخرى لقال ولا أدراكموه . إذا عرفت هذا فنقول : معنى { ولا أدراكم به } أي ولا أعلمكم الله به ولا أخبركم به . قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ الحسن { ولا أدراكم به } على لغة من يقول أعطأته وأرضأته في معنى أعطيته وأرضيته ويعضده قراءة ابن عباس { ولا أنذرتكم به } ورواه الفراء { ولا } به بالهمز ، والوجه فيه أن يكون من أدرأته إذا دفعته ، وأدرأته إذا جعلته داريا ، والمعنى : ولا أجعلكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ، وعن ابن كثير { ولأدرأكم } بلام الابتداء لإثبات الإدراء . وأما قوله تعالى : { به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } فالقراءة المشهورة بضم الميم ، وقرىء { عمرا } بسكون الميم . ! 7 < { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون } . > 7 ! < < يونس : ( 17 ) فمن أظلم ممن . . . . .

حصہ V17/P047–V17/P048

> > واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر ، وذلك لأنهم التمسوا منه قرآنا يذكره من عند نفسه ، ونسبوه إلى أنه إنما يأتي بهذا القرآن من عند نفسه ، ثم إنه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ذلك باطل ، وأن هذا القرآن ليس إلا بوحي الله تعالى وتنزيله ، فعند هذا قال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } والمراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ، لما كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه مني ، حيث افتريته على الله ، ولما أقمت الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك ، بل هو بوحي من الله تعالى وجب أن يقال إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه منكم ، لأنه لما ظهر بالبرهان المذكور كونه من عند الله ، فإذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم بآيات الله . فوجب أن تكونوا أظلم الناس . والحاصل أن قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } المقصود منه نفي الكذب عن نفسه وقوله : / { ومن أظلم ممن } المقصود منه إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث أنكروا دلائل الله ، وكذبوا بآيات الله تعالى . وأما قوله : { إنه لا يفلح المجرمون } فهو تأكيد لما سبق من هذين الكلامين . والله أعلم . ! 7 < { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هاؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السماوات ولا فى الا رض سبحانه وتعالى عما يشركون } . > 7 ! < < يونس : ( 18 ) ويعبدون من دون . . . . . > > اعلم أنا ذكرنا أن القوم إنما التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنا غير هذا القرآن أو تبديل ، هذا القرآن لأن هذا القرآن مشتمل على شتم الأصنام التي جعلوها آلهة لأنفسهم ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى في هذا الموضع ما يدل على قبح عبادة الأصنام ، ليبين أن تحقيرها والاستخفاف بها أمر حق وطريق متيقن . واعلم أنه تعالى حكى عنهم أمرين : أحدهما : أنهم كانوا يعبدون الأصنام . والثاني : أنهم كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله . أما الأول فقد نبه الله تعالى على فساده بقوله : { ما لا يضرهم ولا ينفعهم } وتقريره من وجوه : الأول : قال الزجاج : لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم إن عبدوه . الثاني : أن المعبود لا بد وأن يكون أكمل قدرة من العابد ، وهذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ألبتة ، وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالإصلاح وأخرى بالإفساد ، وإذا كان العابد أكمل حالا من المعبود كانت العبادة باطلة . الثالث : أن العبادة أعظم أنواع التعظيم ، فهي لا تليق إلا بمن صدر عنه أعظم أنواع الأنعام ، وذلك ليس إلا الحياة والعقل والقدرة ومصالح المعاش والمعاد ، فإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله سبحانه وتعالى ، وجب أن لا تليق العبادة إلا بالله سبحانه .

حصہ V17/P048–V17/P049

وأما النوع الثاني : ما حكاه الله تعالى عنهم في هذه الآية ، وهو قولهم : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } فاعلم أن من الناس من قال إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله سبحانه وتعالى . فقالوا ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى بل نحن نشتغل / بعبادة هذه الأصنام ، وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى . ثم اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله ؟ وذكروا فيه أقوالا كثيرة : فأحدها : أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل أقليم من أقاليم العالم ، روح معين من أرواح عالم الأفلاك ، فعينوا لذلك الروح صنما معينا واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم ، ومقصودهم عبادة ذلك الروح ، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبدا للإله الأعظم ومشتغلا بعبوديته . وثانيها : أنهم كانوا يعبدون الكواكب وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى ، ثم لما رأوا أن الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناما معينة واشتغلوا بعبادتها ، ومقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب . وثالثها : أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام والأوثان ، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات . ورابعها : أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل ، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى ، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر ، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله . وخامسها : أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم ، وأن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر ، وعلى صورة الملائكة صورا أخرى . وسادسها : لعل القوم حلولية ، وجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية الشريفة . واعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره الله تعالى وهو قوله : { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم } وتقريره ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة . قوله تعالى : { قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السماوات ولا فى الارض سبحانه وتعالى عما يشركون } . اعلم أن المفسرين قرروا وجها واحدا ، وهو أن المراد من نفي علم الله تعالى بذلك تقرير نفيه في نفسه ، وبيان أن لا وجود له ألبتة ، وذلك لأنه لو كان موجودا لكان معلوما لله تعالى ، وحيث لم يكن معلوما لله تعالى وجب أن لا يكون موجودا ، ومثل هذا الكلام مشهور في العرف ، فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول : ما علم الله هذا مني ، ومقصوده أنه ما حصل ذلك قط ، وقرىء { أتنبئون } بالتخفيف أما قوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } فالمقصود تنزيه الله تعالى نفسه عن ذلك الشرك ، قرأ حمزة والكسائي { تشركون } بالتاء ، ومثله في أول النحل في موضعين ، وفي الروم كلها بالتاء على الخطاب ، قال صاحب ( الكشاف ) ( ما ) موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم ، قال الواحدي : من قرأ بالتاء فلقوله : { أتنبئون الله } ومن قرأ بالياء / فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم قل أنت { سبحانه وتعالى عما يشركون } ويجوز أن يكون الله سبحانه هو الذي نزه نفسه عما قالوه فقال : { سبحانه وتعالى عما يشركون } . ! 7 < { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } . > 7 ! < < يونس : ( 19 ) وما كان الناس . . . . .

حصہ V17/P049

> > اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام ، بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد ، والمقالة الباطلة ، فقال : { وما كان الناس إلا أمة واحدة } واعلم أن ظاهر قوله : { وما كان الناس إلا أمة واحدة لا كان الناس إلا أمة واحدة } فيماذا ؟ وفيه ثلاثة أقوال : القول الأول : أنهم كانوا جميعا على الدين الحق ، وهو دين الإسلام ، واحتجوا عليه بأمور : الأول : أن المقصود من هذه الآيات بيان كون الكفر باطلا ، وتزييف طريق عبادة الأصنام ، وتقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل ، فوجب أن يكون المراد من قوله : { كان الناس أمة واحدة } هو أنهم كانوا أمة واحدة ، إما في الإسلام وإما في الكفر ، ولا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر . فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الإسلام ، إنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر لوجوه : الأول : قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } ( النساء : 41 ) وشهيد الله لا بد وأن يكون مؤمنا عدلا . فثبت أنه ما خلت أمة من الأمم إلا وفيهم مؤمن . الثاني : أن الأحاديث وردت بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد الله تعالى ، وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض وبهم يرزقون . الثالث : أنه لما كانت الحكمة الأصلية في الخلق هو العبودية ، فيبعد خلو أهل الأرض بالكلية عن هذا المقصود . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب ) وهذا يدل على قوم تمسكوا بالإيمان قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكيف يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر ؟ وإذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة إما في الكفر وإما في الإيمان ، وأنهم ما كانوا أمة واحدة في الكفر ، ثبت أنهم كانوا أمة واحدة في الإيمان ، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك ؟ فقال ابن عباس ومجاهد كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده ، واختلفوا عند / قتل أحد ابنيه الابن الثاني ، وقال قوم : إنهم بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح ، وكانوا عشرة قرون . ثم اختلفوا على عهد نوح . فبعث الله تعالى إليهم نوحا . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق ، إلى أن ظهر الكفر فيهم . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي ، وهذا القائل قال : المراد من الناس في قوله تعالى : { وما كان الناس إلا أمة واحدة } فاختلفوا العرب خاصة .

حصہ V17/P049–V17/P050

إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول : إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول بعبادة الأصنام بالدليل الذي قررناه ، بين في هذه الآية أن هذا المذهب ليس مذهبا للعرب من أول الأمر ، بل كانوا على دين الإسلام ، ونفي عبادة الأصنام . ثم حذف هذا المذهب الفاسد فيهم ، والغرض منه أن العرب إذا علموا أن هذا المذهب ما كان أصليا فيهم ، وأنه إنما حدث بعد أن لم يكن ، لم يتعصبوا لنصرته ، ولم يتأذوا من تزييف هذا المذهب ، ولم تنفر طباعهم من إبطاله . ومما يقوي هذا القول وجهان : الأول : أنه تعالى قال : { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) ثم بالغ في إبطاله بالدليل . ثم قال عقيبه : { وما كان الناس إلا أمة واحدة } فلو كان المراد منه بيان أن هذا الكفر كان حاصلا فيهم من الزمان القديم ، لم يصح جعل هذا الكلام دليلا على إبطال تلك المقالة . أما لو حملناه على أن الناس في أول الأمر كانوا مسلمين ، وهذا الكفر إنما حدث فيهم من زمان ، أمكن التوسل به إلى تزييف اعتقاد الكفار في هذه المقالة ، وفي تقبيح صورتها عندهم ، فوجب حمل اللفظ عليه تحصيلا لهذا الغرض . الثاني : أنه تعالى قال : { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم } ولا شك أن هذا وعيد ، وصرف هذا الوعيد إلى أقرب الأشياء المذكورة أولى ، والأقرب هو ذكر الاختلاف ، فوجب صرف هذا الوعيد إلى هذا الاختلاف ، لا إلى ما سبق من كون الناس أمة واحدة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يقال : كانوا أمة واحدة في الإسلام لا في الكفر ، لأنهم لو كانوا أمة واحدة في الكفر لكان اختلافهم بسبب الإيمان ، ولا يجوز أن يكون الاختلاف الحاصل بسبب الإيمان سببا لحصول الوعيد . أما لو كانوا أمة واحدة في الإيمان لكان اختلافهم بسبب الكفر ، وحينئذ يصح جعل ذلك الاختلاف سببا للوعيد . القول الثاني : قول من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الكفر ، وهذا القول منقول عن طائفة من المفسرين . قالوا : وعلى هذا التقدير ففائدة هذا الكلام في هذا المقام هي أنه تعالى بين للرسول عليه الصلاة والسلام ، أنه لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الدين مجيبا لك ، قابلا لدينك . / فإن الناس كلهم كانوا على الكفر ، وإنما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك ، فكيف تطمع في اتفاق الكل على الإيمان ؟ القول الثالث : قول من يقول : المراد إنهم كانوا أمة واحدة في أنهم خلقوا على فطرة الإسلام ، ثم اختلفوا في الأديان . وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ومنهم من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الشرائع العقلية ، وحاصلها يرجع إلى أمرين : التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله . وإليه الإشارة بقوله تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } ( الأنعام : 151 ) واعلم أن هذه المسألة قد استقصينا فيها في سورة البقرة ، فلنكتف بهذا القدر ههنا .

حصہ V17/P050–V17/P052

أما قوله تعالى : { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } فاعلم أنه ليس في الآية ما يدل على أن تلك الكلمة ما هي ؟ وذكروا فيه وجوها : الأول : أن يقال لولا أنه تعالى أخبر بأنه يبقى التكليف على عباده ، وإن كانوا به كافرين ، لقضى بينهم بتعجيل الحساب والعقاب لكفرهم ، لكن لما كان ذلك سببا لزوال التكليف ، ويوجب الإلجاء ، وكان إبقاء التكليف أصوب وأصلح ، لا جرم أنه تعالى أخر هذا العقاب إلى الآخرة . ثم قال هذا القائل ، وفي ذلك تصبير للمؤمنين على احتمال المكاره من قبل الكافرين والظالمين . الثاني : { ولولا كلمة سبقت من ربك } في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعاما عليهم ، لقضى بينهم في اختلافهم ، بما يمتاز المحق من المبطل والمصيب من المخطىء الثالث : أن تلك الكلمة هي قوله : ( سبقت رحمتي غضبي ) فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال وإمهاله إلى وقت الوجدان . ! 7 < { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين } . > 7 ! < < يونس : ( 20 ) ويقولون لولا أنزل . . . . . > > اعلم أن هذا الكلام هو النوع الرابع من شبهات القوم في إنكارهم نبوته ، وذلك أنهم . قالوا : أن القرآن الذي جئتنا به كتاب مشتمل على أنواع من الكلمات ، والكتاب لا يكون معجزا ، ألا ترى أن كتاب موسى وعيسى ما كان معجزة لهما ، بل كان لهما أنواع من المعجزات دلت على نبوتهما / سوى الكتاب . وأيضا فقد كان فيهم من يدعي إمكان المعارضة ، كما أخبر الله تعالى أنهم قالوا : { لو شئنا لقلنا مثل هاذا } وإذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا منه شيئا آخر سوى القرآن ، ليكون معجزة له ، فحكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله : { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه } فأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يقول عند هذا السؤال { إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين } . واعلم أن الوجه في تقرير هذا الجواب أن يقال : أقام الدلالة القاهرة على أن ظهور القرآن عليه معجزة قاهرة ظاهرة . لأنه عليه الصلاة والسلام بين أنه نشأ فيما بينهم وتربى عندهم ، وهم علموا أنه لم يطالع كتابا ، ولم يتلمذ لأستاذ . بل كان مدة أربعين سنة معهم ومخالطا لهم ، وما كان مشتغلا بالفكر والتعلم قط ، ثم إنه دفعة واحدة ظهر هذا القرآن العظيم عليه ، وظهور مثل هذا الكتاب الشريف العالي ، على مثل ذلك الإنسان الذي لم يتفق له شيء من أسباب التعلم ، لا يكون إلا بالوحي . فهذا برهان قاهر على أن القرآن معجز قاهر ظاهر ، وإذا ثبت هذا كان طلب آية أخرى سوى القرآن من الاقتراحات التي لا حاجة إليها في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام ، وتقرير رسالته ، ومثل هذا يكون مفوضا إلى مشيئة الله تعالى ، فإن شاء أظهرها ، وإن شاء لم يظهرها ، فكان ذلك من باب الغيب ، فوجب على كل أحد أن ينتظر أنه هل يفعله الله أم لا ؟ ولكن سواء فعل أو لم يفعل ، فقد ثبتت النبوة ، وظهر صدقه في ادعاء الرسالة ، ولا يختلف هذا المقصود بحصول تلك الزيادة وبعدمها ، فظهر أن هذا الوجه جواب ظاهر في تقرير هذا المطلوب . ! 7 < { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر فىءاياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } . > 7 < يونس : ( 21 ) وإذا أذقنا الناس . . . . . > > في الآية مسائل :

حصہ V17/P052–V17/P053

المسألة الأولى : اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أخرى سوى القرآن ، وأجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله : { إنما الغيب لله } ( يونس : 20 ) ذكر جوابا آخر وهو المذكور في هذه الآية ، وتقريره من وجهين : الوجه الأول : أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد / وعدم الإنصاف ، وإذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوه من إنزال معجزات أخرى ، فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم وجهلهم ، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين : إلى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد ، ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار سائر المعجزات فائدة . أما المقام الأول : فتقريره أنه روي أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم ، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم ، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء ، وعلى التقديرين فهو مقابلة للنعمة بالكفران . فقوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة } المراد منه تلك الأمطار النافعة . وقوله : { من بعد ضراء مستهم } المراد منه ذلك القحط الشديد . وقوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة من } المراد منه إضافتهم تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام . واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة ، وهو قوله تعالى : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى } ( يونس : 12 ) إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية ، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة ، ويطلبون الغوائل ، وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة ، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل . وأما المقام الثاني : وهو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة في إظهار سائر الآيات ، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات الظاهرة فإنهم لا يقبلونها ، لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في طلب الدين ، وإنما غرضهم الدفع والمنع والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية ، والامتناع من المتابعة للغير ، والدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم وسلط البلاء عليهم ، ثم أزالها عنهم وأبدل تلك البليات بالخيرات ، فهم مع ذلك استمروا على التكذيب والجحود ، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها ، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم . الوجه الثاني : في تقرير هذا الجواب : أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية وطيب العيش ، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) وقرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور ، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات الفاسدة ، إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية ، وقوله : { قل الله أسرع مكرا } كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم ، ويجعلهم منقادين للرسول مطيعين له ، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة / والله أعلم . / المسألة الثانية : قوله تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة } كلام ورد على سبيل المبالغة ، والمراد منه إيصال الرحمة إليهم . واعلم أن رحمة الله تعالى لا تذاق بالفم ، وإنما تذاق بالعقل ، وذلك يدل على أن القول بوجود السعادات الروحانية حق .

حصہ V17/P053–V17/P054

المسألة الثالثة : قال الزجاج { إذا } في قوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة } للشرط و { إذا } في قوله { إذا لهم مكر } جواب الشرط وهو كقوله : { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون } ( الروم : 36 ) والمعنى : إذا أذقنا الناس رحمة مكروا وإن تصبهم سيئة قنطوا . واعلم أن { إذا } في قوله : { إذا لهم مكر } تفيد المفاجأة ، معناه أنهم في الحال أقدموا على المكر وسارعوا إليه . المسألة الرابعة : سمي تكذيبهم بآيات الله مكرا ، لأن المكر عبارة عن صرف الشيء عن وجهه الظاهر بطريق الحيلة ، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة . قال مقاتل : المراد من هذا المكر هو أن هؤلاء لا يقولون هذا رزق الله ، بل يقولون سقينا بنوء كذا . أما قوله تعالى : { قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } فالمعنى أن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر ، فالله سبحانه وتعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك ، وهو من وجهين : الأول : ما أعد لهم يوم القيامة من العذاب الشديد ، وفي الدنيا من الفضيحة والخزي والنكال . والثاني : أن رسل الله يكتبون مكرهم ويحفظونه ، وتعرض عليهم ما في بواطنهم الخبيثة يوم القيامة ، ويكون ذلك سببا للفضيحة التامة والخزي والنكال نعوذ بالله تعالى منه . ! 7 < { هو الذى يسيركم فى البر والبحر حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هاذه لنكونن من الشاكرين فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون فى الا رض بغير الحق ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيواة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون } . > 7 < يونس : ( 22 - 23 ) هو الذي يسيركم . . . . . > > / في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر فىءاياتنا } كان هذا الكلام كلاما كليا لا ينكشف معناه تمام الانكشاف . إلا بذكر مثال كامل ، فذكر الله تعالى لنقل الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالا ، ولمكر الإنسان مثالا ، حتى تكون هذه الآية كالمفسرة للآية التي قبلها ، وذلك لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي .

حصہ V17/P054–V17/P055

واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود ، حصل له الفرح التام والمسرة القوية ، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة . فأولها : أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة . وثانيها : أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب . وثالثها : أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع ، وأن النجاة ليست متوقعة ، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم ، والرعب الشديد ، وأيضا مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب ، والخوف ثم إن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته ، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق ، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعا إلى الله تعالى ، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية العظيمة ، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة ، ففي الحال ينسى تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة ، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية . المسألة الثانية : يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على إثبات الصانع فقال : أخبرني عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر في البحر ، فقال : صف لي كيفية حالك . فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها ، وجاءت الرياح العاصفة ، فقال / جعفر : هل وجدت في قلبك تضرعا ودعاء . فقال نعم . فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت . المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { ينشركم } من النشر الذي هو خلاف الطي كأنه أخذه من قوله تعالى : { الصلواة فانتشروا فى الارض } ( الجمعة : 10 ) والباقون قرؤا { يسيركم } من التسيير . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون خلقا لله تعالى . قالوا : دلت هذه الآية على أن سير العباد من الله تعالى ، ودل قوله تعالى : { قل سيروا فى الارض } ( الأنعام : 11 ) على أن سيرهم منهم ، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن الله ، فيكون كسبيا لهم وخلقا لله ونظيره . قوله تعالى : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } ( الأنفال : 5 ) وقال في آية أخرى : { إذ أخرجه الذين كفروا } ( التوبة : 40 ) وقال في آية أخرى : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } ( التوبة : 82 ) ثم قال في آية أخرى { وأنه هو أضحك وأبكى } ( النجم : 43 ) وقال في آية أخرى { وما رميت إذا رميت ولاكن الله رمى } ( الأفال : 7 ) قال الجبائي : أما كونه تعالى مسيرا لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك . وأما سيرهم في البر فإنما أضيف إلى الله تعالى على التوسع . فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله ، وما كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه . وزاد القاضي فيه يجوز أن يضاف ذلك إليه تعالى من حيث أنه تعالى سخر لهم المركب في البر ، وسخر لهم الأرض التي يتصرفون عليها بإمساكه لها ، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر عليهم السير . وقال القفال : { هو الذى يسيركم فى البر والبحر } أي هو الله الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلبا للمعاش لكم ، وهو المسير لكم ، لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير . هذا جملة ما قيل في الجواب عنه . ونحن نقول : لا شك أن المسير في البحر هو الله تعالى ، لأن الله تعالى هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السفينة ، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة . فنقول : وجب أيضا أن يكون مسيرا لهم في البر بهذا التفسير ، إذ لو كان مسيرا لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان مجازا بهذا الوجه ، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازا دفعة واحدة ، وذلك باطل .

حصہ V17/P055–V17/P056

واعلم أن مذهب الجبائي أنه لامتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازا بالنسبة إلى المعنى الواحد . وأما أبو هاشم فإنه يقول : إن ذلك ممتنع ، إلا أنه يقول : لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين . واعلم أن قول الجبائي : قد أبطلناه في أصول الفقه ، وقول أبي هاشم أنه تعالى تكلم به مرتين أيضا بعيد . لأن هذا قول لم يقل به أحد من الأمة ممن كانوا قبله ، فكان هذا على خلاف الإجماع فيكون باطلا . واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات : / السؤال الأول : كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، مع أن الكون في الفلك متقدم لا محالة على التسيير في البحر ؟ والجواب : لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير ، بل تقدير الكلام كأنه قيل هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا . السؤال الثاني : ما جواب { إذا } في قوله : { حتى إذا كنتم فى الفلك } . الجواب : هو أن جوابها هو قوله : { جاءتها ريح عاصف } ثم قال صاحب ( الكشاف ) : وأما قوله : { دعوا الله } فهو بدل من ظنوا لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك . وقال بعض الأفاضل لو حمل قوله : { دعوا الله } على الاستئناف . كان أوضح ، كأنه لما قيل : { جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم } قال قائل فما صنعوا ؟ فقيل : { دعوا الله } . السؤال الثالث : ما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة ؟ الجواب فيه وجوه : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : المقصود هو المبالغة كأنه تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها ، ويستدعى منهم مزيد الإنكار والتقبيح . الثاني : قال أبو علي الجبائي : إن مخاطبته تعالى لعباده ، هي على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام ، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب . وكل من أقام الغائب مقام المخاطب ، حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب . الثالث : وهو الذي خطر بالبال في الحال ، أن الانتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام . وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة ، يدل على المقت والتبعيد . أما الأول : فكما في سورة الفاتحة ، فإن قوله : { الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم } ( الفاتحة : 2 ، 3 ) كله مقام الغيبة ، ثم انتقل منها إلى قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } ( الفاتحة : 5 ) وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، وهو يوجب علو الدرجة ، وكمال القرب من خدمة رب العالمين . وأما الثاني : فكما في هذه الآية ، لأن قوله : { حتى إذا كنتم فى الفلك } خطاب الحضور ، وقوله : { وجرين بهم } مقام الغيبة ، فههنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة ، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد ، وهو اللائق بحال هؤلاء ، لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله تعالى إليه بالكفران ، كان اللائق به ما ذكرناه . السؤال الرابع : كم القيود المعتبرة في الشرط والقيود المعتبرة في الجزاء ؟ الجواب : أما القيود المعتبرة في الشرط فثلاثة : أولها : الكون في الفلك ، وثانيها : جرى الفلك / بالريح الطيبة ، وثالثها : فرحهم بها . وأما القيود المعتبرة في الجزاء فثلاثة أيضا : أولها : قوله : { جاءتها ريح عاصف } وفيه سؤالان :

حصہ V17/P056–V17/P057

السؤال الأول : الضمير في قوله : { جاءتها } عائد إلى الفلك وهو ضمير الواحد ، والضمير في قوله : { وجرين بهم } عائد إلى الفلك وهو الضمير الجمع ، فما السبب فيه ؟ الجواب عنه من وجهين : الأول : أنا لا نسلم أن الضمير في قوله : { جاءتها } عائد إلى الفلك ، بل نقول إنه عائد إلى الريح الطيبة المذكورة في قوله : { وجرين بهم بريح طيبة } الثاني : لو سلمنا ما ذكرتم إلا أن لفظ } الفلك } يصلح للواحد والجمع ، فحسن الضميران . السؤال الثاني : ما العاطف . الجواب : قال القراء والزجاج : يقال ريح عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء : والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال : ناقة عاصف وعصوف سريعة ، وإنما قيل { } الفلك } يصلح للواحد والجمع ، فحسن الضميران . السؤال الثاني : ما العاطف . الجواب : قال القراء والزجاج : يقال ريح عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء : والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال : ناقة عاصف وعصوف سريعة ، وإنما قيل { } يصلح للواحد والجمع ، فحسن الضميران . السؤال الثاني : ما العاطف . الجواب : قال القراء والزجاج : يقال ريح عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء : والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال : ناقة عاصف وعصوف سريعة ، وإنما قيل { ريح عاصف } لأنه يراد ذات عصوف كما قيل : لابن وتامر أو لأجل أن لفظ الريح مذكر . أما القيد الثاني : فهو قوله : { وجاءهم الموج من كل مكان } والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر . أما القيد الثالث : فهو قوله : { وظنوا أنهم أحيط بهم } والمراد أنهم ظنوا القرب من الهلاك ، وأصله أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد ، فقد دنوا من الهلاك . السؤال الخامس : ما المراد من الإخلاص في قوله : { دعوا الله مخلصين له الدين } . والجواب : قال ابن عباس : يريد تركوا الشرك ، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئا ، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية . قال الحسن : { دعوا الله مخلصين } الإخلاص الإيمان ، لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى ، فيكون جاريا مجرى الإيمان الاضطراري . وقال ابن زيد : هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون ، فإذا جاء الضر والبلاء لم يدعوا إلا الله . وعن أبي عبيدة أن المراد من ذلك الدعاء قولهم أهيا شراهيا تفسيره يا حي يا قيوم . السؤال السادس : ما الشيء المشاء إليه بقوله هذه في قوله : { لئن أنجيتنا من هاذه } . والجواب المراد لئن أنجيتنا من هذه الريح العاصفة ، وقيل المراد لئن أنجيتنا من هذه الأمواج أو من هذه الشدائد ، وهذه الألفاظ وإن لم يسبق ذكرها ، إلا أنه سبق ذكر ما يدل عليها . السؤال السابع : هل يحتاج في هذه الآية إلى إضمار ؟ الجواب : نعم ، والتقدير : دعوا الله مخلصين له الدين مريدين أن يقولوا لئن أنجيتنا ، ويمكن / أن يقال : لا حاجة إلا الإضمار ، لأن قوله : { دعوا الله } يصير مفسرا بقوله : { لئن أنجيتنا من هاذه لنكونن من الشاكرين } فهم في الحقيقة ما قالوا إلا هذا القول .

حصہ V17/P057–V17/P058

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا التضرع الكامل بين أنهم بعد الخلاص من تلك البلية والمحنة أقدموا في الحال على البغي في الأرض بغير الحق . قال ابن عباس : يريد به الفساد والتكذيب والجراءة على الله تعالى ، ومعنى البغي قصد الاستعلاء بالظلم . قال الزجاج : البغي الترقي في الفساد قال الأصمعي : يقال بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترقى إلى الفساد ، وبغت المرأة إذا فجرت ، قال الواحدي : أصل هذا اللفظ من الطلب . فإن قيل : فما معنى قوله : { بغير الحق } والبغي لا يكون بحق ؟ قلنا : البغي قد يكون بالحق ، وهو استيلاء المسلمين عل أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة . ثم إنه تعالى بين أن هذا البغي أمر باطل يجب على العاقل أن يحترز منه فقال : { الحق ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيواة الدنيا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الأكثرون { متاع } برفع العين ، وقرأ حفص عن عاصم { متاع } بنصب العين ، أما الرفع ففيه وجهان : الأول : أن يكون قوله : { بغيكم على أنفسكم } مبتدأ ، وقوله : { متاع الحيواة الدنيا } خبرا . والمراد من قوله : { بغيكم على أنفسكم } بغي بعضكم على بعض كما في قوله : { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) ومعنى الكلام أن بغي بعضكم عن بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها . والثاني : أن قوله { بغيكم } مبتدأ ، وقوله : { على أنفسكم } خبره ، وقوله : { وأبقى قالوا لن } خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هو متاع الحياة الدنيا . وأما القراءة بالنصب فوجهها أن نقول : إن قوله : { بغيكم } مبتدأ ، وقوله : { على أنفسكم } خبره ، وقوله : { متاع الحيواة الدنيا } في موضع المصدر المؤكد ، والتقدير : تتمتعون متاع الحياة الدنيا . المسألة الثانية : البغي من منكرات المعاصي . قال عليه الصلاة والسلام : ( أسرع الخير ثوابا صلة الرحم ، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة ) وروى ( ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي . وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه : ف يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فأربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله / وعن محمد بن كعب القرظي : ثلاث من كن فيه كن عليه ، البغي والنكث والمكر ، قال تعالى : { إنما بغيكم على أنفسكم } . المسألة الثالثة : حاصل الكلام في قوله تعالى : { الحق ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياما قليلة ، وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها { ثم إلينا } أي ما وعدنا من المجازاة على أعمالكم { مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون } في الدنيا ، والأنباء هو الأخبار ، وهو في هذا الموضع وعيد بالعذاب كقول الرجل لغيره سأخبرك بما فعلت . ! 7 < { إنما مثل الحيواة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الا رض مما يأكل الناس والا نعام حتى إذآ أخذت الا رض زخرفها وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالا مس كذالك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } . > 7 < يونس : ( 24 ) إنما مثل الحياة . . . . . > > في الآية مسائل :

حصہ V17/P058–V17/P059

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيواة الدنيا } ( يونس : 23 ) أتبعه بهذا المثل العجيب الذي ضربه لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ، ويشتد تمسكه بها ، ويقوي إعراضه عن أمر الآخرة والتأهب لها ، فقال : { إنما مثل الحيواة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض } وهذا الكلام يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المعنى فاختلط به نبات الأرض بسبب هذا الماء النازل من السماء ، وذلك لأنه إذا نزل المطر ينبت بسببه أنواع كثيرة من النبات ، وتكون تلك الأنواع مختلطة ، وهذا فيما لم يكن نابتا قبل نزول المطر . والثاني : أن يكون المراد منه الذي نبت ، ولكنه لم يترعرع ، ولم يهتز . وإنما هو في أول بروزه من الأرض ومبدأ حدوثه ، فإذا نزل المطر عليه ، واختلط بذلك المطر ، أي اتصل كل واحد منهما بالآخر اهتز ذلك النبات وربا وحسن ، وكمل واكتسى كمال الرونق والزينة ، وهو المراد من قوله تعالى : { حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت } وذلك لأن التزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء . فجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون ، وتزينت بجميع الألوان الممكنة في الزينة من حمرة وخضرة وصفرة وذهبية وبياض ، ولا شك أنه متى صار البستان على هذا الوجه ، وبهذه الصفة ، فإنه يفرح به المالك ويعظم رجاؤه في الانتفاع به ، ويصير قلبه مستغرقا فيه ، ثم إنه تعالى يرسل على هذا البستان العجيب آفة عظيمة دفعة واحدة في ليل أو نهار من برد ، أو ريح أو سيل ، فصارت تلك الأشجار والزروع باطلة هالكة كأنها ما حصلت ألبتة . فلا شك أنه تعظم حسرة مالك ذلك البستان ويشتد حزنه ، فكذلك من وضع قلبه على لذات الدنيا وطيباتها ، فإذا فاتته تلك الأشياء يعظم حزنه وتلهفه عليها . واعلم أن تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها لخصها القاضي رحمه الله تعالى . الوجه الأول : أن عاقبة هذه الحياة الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه ، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا وضع عليها قلبه وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت . وهو معنى قوله تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } ( الأنعام : 44 ) خاسرون الدنيا ، وقد أنفقوا أعمارهم فيها ، وخاسرون من الآخرة ، مع أنهم متوجهون إليها . والوجه الثاني : في التشبيه أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد ، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد . والوجه الثالث : أن يكون وجه التشبيه مثل قوله سبحانه : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( ) فلما صار سعي هذا الزراع باطلا بسبب حدوث الأسباب المهلكة ، فكذلك سعي المغتر بالدنيا . والوجه الرابع : أن مالك ذلك البستان لما عمره بأتعاب النفس وكد الروح / وعلق قلبه على الانتفاع به ، فإذا حدث ذلك السبب المهلك ، وصار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سببا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل ، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات . فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها ، فإذا مات ، وفاته كل ما نال ، صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا ، سببا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة .

حصہ V17/P059–V17/P060

والوجه الخامس : لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد ، وذلك لأنا نرى الزرع الذي قد انتهى إلى الغاية القصوى في التربية ، قد بلغ الغاية في الزينة والحسن . ثم يعرض / للأرض المتزينة به آفة ، فيزول ذلك الحسن بالكلية ، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى . فذكر هذا المثال ليدل عل أن من قدر على ذلك ، كان قادرا على إعادة الأحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . المسألة الثانية : المثل : قول يشبه به حال الثاني بالأول ، ويجوز أن يكون المراد من المثل الصفة . والتقدير : إنما صفة الحياة الدنيا . وأما قوله : { وازينت } فقال الزجاج : يعني تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت الزاي فاجتلب لها ألف الوصل ، وهذا مثل ما ذكرنا في قوله : { ادارأتم } ( البقرة : 72 ) { إذا اداركوا } ( الأعراف : 38 ) . وأما قوله : { وظن أهلها أنهم قادرون عليها } فقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أن أهل تلك الأرض قادرون على حصادها وتحصيل ثمراتها . والتحقيق أن الضمير وإن كان في الظاهر عائدا إلى الأرض ، إلا أنه عائد إلى النبات الموجود في الأرض . وأما قوله : { أتاها أمرنا } فقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد عذابنا . والتحقيق أن المعنى أتاها أمرنا بهلاكها . وقوله : { فجعلناها حصيدا } قال ابن عباس : لا شيء فيها ، وقال الضحاك : يعني المحصود . وعلى هذا ، المراد بالحصيد الأرض التي حصد نبتها ، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد النبات ، قال أبو عبيدة : الحصيد المستأصل ، وقال غيره : الحصيد المقطوع والمقلوع . وقوله : { كأن لم تغن بالامس } قال الليث : يقال للشيء إذا فنى : كأن لم يغن بالأمس . أي كأن لم يكن من قولهم غني القوم في دارهم ، إذا أقاموا بها ، وعلى هذا الوجه يكون هذا صفة للنبات . وقال الزجاج : معناه : كأن لم تعمر بالأمس ، وعلى هذا الوجه فالمراد هو الأرض ، وقوله : { كذالك نفصل الآيات } أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى ، على الترتيب . ليكون تواليها وكثرتها سببا لقوة اليقين ، وموجبا لزوال الشك والشبهة : ! 7 < { والله يدعوإلى دار السلام ويهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } . > 7 < يونس : ( 25 ) والله يدعو إلى . . . . . > > المسألة الأولى : في كيفية النظم . اعلم أنه تعالى لما نفر الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق ، رغبهم في الآخرة بهذه الآية . ووجه الترغيب في الآخرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( مثلي ومثلكم شبه سيد بنى دارا ووضع مائدة وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة ورضي عنه السيد . ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد فالله السيد ، والدار دار الإسلام ، والمائدة الجنة ، والداعي محمد عليه السلام . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنيبها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق / إلا الثقلين . أيها الناس ؛ هلموا إلى ربكم والله يدعوا إلى دار السلام ) .

حصہ V17/P060

المسألة الثانية : لا شبهة أن المراد من دار السلام الجنة ، إلا أنهم اختلفوا في السبب الذي لأجله حصل هذا الاسم على وجوه : الأول : أن السلام هو الله تعالى ، والجنة داره . ويجب علينا ههنا بيان فائدة تسمية الله تعالى بالسلام ، وفيه وجوه : أحدها : أنه لما كان واجب الوجود لذاته فقد سلم من الفناء والتغير ، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته إلى الافتقار إلى الغير ، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال : { والله الغنى وأنتم الفقراء } ( محمد : 38 ) وقال : { خبير ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } ( فاطر : 15 ) وثانيها : أنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أن الخلق سلموا من ظلمه ، قال : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) ولأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه ، وتصرف الفاعل في ملك نفسه لا يكون ظلما . ولأن الظلم إنما يصدر إما عن العاجز أو الجاهل أو المحتاج ، ولما كان الكل محالا على الله تعالى ، كان الظلم محالا في حقه . وثالثها : قال المبرد : إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أنه ذو السلام ، أي الذي لا يقدر على السلام إلا هو ، والسلام عبارة عن تخليص العاجزين عن المكاره والآفات . فالحق تعالى هو الساتر لعيوب المعيوبين ، وهو المجيب لدعوة المضطرين ، وهو المنتصف للمظلومين من الظالمين . قال المبرد : وعلى هذا التقدير : السلام مصدر سلم . القول الثاني : السلام جمع سلامة ، ومعنى دار السلام : الدار التي من دخلها سلم من الآفات . فالسلام ههنا بمعنى السلامة ، كالرضاع بمعنى الرضاعة . فإن الإنسان هناك سلم من كل الآفات ، كالموت والمرض والألم والمصائب ونزعات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب . والقول الثالث : أنه سميت الجنة بدار السلام لأنه تعالى يسلم على أهلها قال تعالى : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) والملائكة يسلمون عليهم أيضا ، قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم } ( الرعد : 23 ، 24 ) وهم أيضا يحيي بعضهم بعضا بالسلام قال تعالى : { تحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) وأيضا فسلامهم يصل إلى السعداء من أهل الدنيا ، قال تعالى : { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } ( الواقعة : 90 / 91 ) .

حصہ V17/P060–V17/P061

المسألة الثالثة : اعلم أن كمال جود الله تعالى وكمال قدرته وكمال رحمته بعباده معلوم ، فدعوته عبيده إلى دار السلام ، تدل على أن دار السلام قد حصل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، لأن العظيم إذا استعظم شيئا ورغب فيه وبالغ في ذلك الترغيب ، دل ذلك على كمال حال ذلك الشيء / لا سيما وقد ملأ الله هذا الكتاب المقدس من وصف الجنة مثل قوله : { فروح وريحان وجنة نعيم } ( الواقعة : 89 ) ونحن نذكر ههنا كلاما كليا في تقرير هذا المطلوب ، فنقول : الإنسان إنما يسعى / في يومه لغده . ولكل إنسان غدان ، غد في الدنيا وغد في الآخرة . فنقول : غد الآخرة خير من غد الدنيا من وجوه أربعة : أولها : أن الإنسان قد لا يدرك غد الدنيا وبالضرورة يدرك غد الآخرة . وثانيها : أن بتقدير أن يدرك غد الدنيا فلعله لا يمكنه أن ينتفع بما جمعه ، إما لأنه يضيع منه ذلك المال أو لأنه يحصل في بدنه مرض يمنعه من الانتفاع به . أما غد الآخرة فكلما اكتسبه الإنسان لأجل هذا اليوم ، فإنه لا بد وأن ينتفع به . وثالثها : أن بتقدير أن يجد غد الدنيا ويقدر على أن ينتفع بماله ، إلا أن تلك المنافع مخلوطة بالمضار والمتاعب ، لأن سعادات الدنيا غير خالصة عن الآفات ، بل هي ممزوجة بالبليات ، والاستقراء يدل عليه . ولذلك قال عليه السلام : ( من طلب مالم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ) فقيل يا رسول الله وما هو ؟ قال : ( سرور يوم بتمامه ) وأما منافع عز الآخرة فهي خالصة عن الغموم والهموم والأحزان سالمة عن كل المنفرات . ورابعها : أن بتقدير أن يصل الإنسان إلى عز الدنيا وينتفع بسببه ، وكان ذلك الانتفاع خاليا عن خلط الآفات ، إلا أنه لا بد وأن يكون منقطعا . ومنافع الآخرة دائمة مبرأة عن الانقطاع ، فثبت أن سعادات الدنيا مشوبة بهذه العيوب الأربعة ، وأن سعادات الآخرة سالمة عنها . فلهذا السبب كانت الجنة دار السلام . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر والإيمان بقضاء الله تعالى قالوا : إنه تعالى بين في هذه الآية أنه دعا جميع الخلق إلى دار السلام ، ثم بين أنه ما هدى إلا بعضهم فهذه الهداية الخاصة يجب أن تكون مغايرة لتلك الدعوة العامة ، ولا شك أيضا أن الأقدار والتمكين وإرسال الرسل وإنزال الكتب أمور عامة ، فوجب أن تكون هذه الهداية الخاصة مغايرة لكل هذه الأشياء ، وما ذاك إلا ما ذكرناه من أنه تعالى خصه بالعلم والمعرفة دون غيره . واعلم أن هذه الآية مشكلة على المعتزلة وما قدروا على إيراد الأسئلة الكثيرة ، وحاصل ما ذكره القاضي في وجهين : الأول : أن يكون المراد ويهدي الله من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ، بمعنى أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها . والثاني : أن المراد من هذه الآية الألطاف . وأجاب أصحابنا عن هذين الوجهين بحرف واحد ، وهو أن عندهم أنه يجب على الله فعل هذه الهداية ، وما كان واجبا لا يكون معلقا بالمشيئة ، وهذا معلق بالمشيئة ، فامتنع حمله على ما ذكروه . ! 7 < { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } . > 7 ! / < < يونس : ( 26 ) للذين أحسنوا الحسنى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما دعا عباده إلى دار السلام ، ذكر السعادات التي تحصل لهم فيها فقال : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } فيحتاج إلى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة .

حصہ V17/P061–V17/P062

أما اللفظ الأول : وهو قوله : { للذين أحسنوا } فقال ابن عباس : معناه : للذين ذكروا كلمة لا إله إلا الله . وقال الأصم : معناه : للذين أحسنوا في كل ما تعبدوا به ، ومعناه : أنهم أتوا بالمأمور به كما ينبغي ، واجتنبوا المنهيات من الوجه الذي صارت منهيا عنها . والقول الثاني : أقرب إلى الصواب لأن الدرجات العالية لا تحصل إلا لأهل الطاعات . وأما اللفظ الثاني : وهو { الحسنى } فقال ابن الأنباري : الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن ، والعرب توقع هذه اللفظة على الحالة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها ، ولذلك لم تؤكد ، ولم تنعت بشيء ، وقال صاحب ( الكشاف ) : المراد : المثوبة الحسنى . ونظير هذه الآية قوله : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ( الرحمن : 60 ) . وأما اللفظ الثالث : وهو الزيادة . فنقول : هذه الكلمة مبهمة ، ولأجل هذا اختلف الناس في تفسيرها ، وحاصل كلامهم يرجع إلى قولين : القول الأول : أن المراد من منها رؤية الله سبحانه وتعالى . قالوا : والدليل عليه النقل والعقل . أما النقل : فالحديث الصحيح الوارد فيه ، وهو أن الحسنى هي الجنة ، والزيادة هي النظر إلى الله سبحانه وتعالى . وأما العقل : فهو أن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، فانصرف إلى المعهود السابق ، وهو دار للسلام . والمعروف من المسلمين والمتقرر بين أهل الإسلام من هذه اللفظة هو الجنة ، وما فيها من المنافع والتعظيم . وإذا ثبت هذا ، وجب أن يكون المراد من الزيادة أمرا مغايرا لكل ما في الجنة من المنافع والتعظيم ، وإلا لزم التكرار . وكل من قال بذلك قال : إنما هي رؤية الله تعالى . فدل ذلك على أن المراد من هذه الزيادة : الرؤية . ومما يؤكد هذا وجهان : الأول : أنه تعالى قال : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 22 ، 23 ) فأثبت لأهل الجنة أمرين : أحدهما : نضرة الوجوه والثاني : النظر إلى الله تعالى ، وآيات القرآن يفسر بعضها بعضا فوجب حمل الحسنى ههنا على نضرة الوجوه ، وحمل الزيادة على رؤية الله تعالى . الثاني : أنه تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } ( الإنسان : 20 ) أثبت له النعيم ، ورأية الملك الكبير ، فوجب ههنا حمل الحسنى والزيادة على هذين الأمرين . / القول الثاني : أنه لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية . قالت المعتزلة ويدل على ذلك وجوه : الأول : أن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية الله تعالى ممتنعة . والثاني : أن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه ، ورؤية الله تعالى ليست من جنس نعيم الجنة . الثالث : أن الخبر الذي تمسكتم به في هذا الباب هو ما روي أن الزيادة ، هي النظر إلى وجه الله تعالى ، وهذا الخبر يوجب التشبيه ، لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي . وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة ، لأن الوجه اسم للعضو المخصوص ، وذلك أيضا يوجب التشبيه . فثبت أن هذا اللفظ لا يمكن حمله على الرؤية ، فوجب حمله على شيء آخر ، وعند هذا قال الجبائي : الحسنى عبارة عن الثواب المستحق ، والزيادة هي ما يزيده الله تعالى على هذا الثواب من التفضل . قال : والذي يدل على صحته ، القرآن وأقوال المفسرين . أما القرآن : فقوله تعالى : { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ( فاطر : 30 ) .

حصہ V17/P062–V17/P064

وأما أقوال المفسرين : فنقل عن علي رضي الله عنه أنه قال : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة . وعن ابن عباس : أن الحسنى هي الحسنة ، والزيادة عشر أمثالها وعن الحسن : عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وعن مجاهد : الزيادة مغفرة الله ورضوانه . ورضوانه وعن يزيد بن سمرة : الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول : ما تريدون أن أمطركم . فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم . أجاب أصحابنا عن هذه الوجوه فقالوا : أما قولكم إن الدلائل العقلية دلت على امتناع رؤية الله تعالى فهذا ممنوع ، لأنا بينا في كتب الأصول أن تلك الدلائل في غاية الضعف ونهاية السخافة ، وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية الله تعالى وجاءت الأخبار الصحيحة بإثبات الرؤية ، وجب إجراؤها على ظواهرها . أما قوله الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه . فنقول : المزيد عليه ، إذا كان مقدرا بمقدار معين ، وجب أن تكون الزيادة عليه مخالفة له . مثال الأول : قول الرجل لغيره : أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة ، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة من الحنطة . ومثال الثاني : قوله أعطيتك الحنطة وزيادة ، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة غير الحنطة ، والمذكور في هذه الآية لفظ { الحسنى } وهي الجنة ، وهي مطلقة غير مقدرة بقدر معين ، فوجب أن تكون تلك الزيادة عليها شيئا مغايرا لكل ما في الجنة . وأما قوله : الخبر المذكور في هذا الباب ، اشتمل على لفظ النظر ، وعلى إثبات الوجه لله تعالى ، وكلاهما يوجبان التشبيه . فنقول : هذا الخبر أفاد إثبات الرؤية ، وأفاد إثبات الجسمية . ثم قام الدليل على أنه ليس بجسم ، ولم يقم الدليل على امتناع رأيته ، فوجب ترك العمل بما قام الدليل على فساده فقط ، وأيضا فقد بينا أن لفظ هذه الآية / يدل على أن الزيادة هي الرؤية من غير حاجة تنافي تقرير ذلك الخبر ، والله أعلم . واعلم أنه تعالى لما شرح ما يحصل لأهل الجنة من السعادات ، شرح بعد ذلك الآفات التي صانهم الله بفضله عنها ، فقال : { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } والمعنى : لا يغشاها قتر ، وهي غبرة فيها سواد { ولا ذلة } ولا أثر هوان ولا كسوف . فالصفة الأولى : هي قوله تعالى : { وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } ( عبس : 40 ) . والصفة الثانية : هي قوله تعالى : { وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة } ( الغاشية : 2 ، 3 ) والغرض من نفي هاتين الصفتين ، نفي أسباب الخوف والحزن والذل عنهم ، ليعلم أن نعيمهم الذي ذكره الله تعالى خالص غير مشوب بالمكروهات ، وإنه لا يجوز عليهم ما إذا حصل غير صفحة الوجه ، ويزيل ما فيها من النضارة والطلاقة ، ثم بين أنهم خالدون في الجنة لا يخافون الانقطاع . واعلم أن علماء الأصول قالوا : الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله : { والله يدعوا إلى دار السلام } ( يونس : 25 ) يدل على غاية التعظيم . وقوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } يدل على حصول المنفعة وقوله : { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } يدل على كونها خالصة وقوله : { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع والله أعلم . ! 7 < { والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما أولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 < يونس : ( 27 ) والذين كسبوا السيئات . . . . . > > في الآية مسائل :

حصہ V17/P064–V17/P065

المسألة الأولى : اعلم أنه كما شرح حال المسلمين في الآية المتقدمة ، شرح حال من أقدم على السيئات في هذه الآية ، وذكر تعالى من أحوالهم أمورا أربعة أولها : قوله : { جزاء سيئة بمثلها } والمقصود من هذا القيد التنبيه على الفرق بين الحسنات وبين السيئات ، لأنه تعالى ذكر في أعمال البر أنه يوصل إلى المشتغلين بها الثواب مع الزيادة وأما في عمل السيئات ، فإنه تعالى ذكر أنه لا يجازي / إلا بالمثل ، والفرق هو أن الزيادة على الثواب تكون تفضلا وذلك حسن ، ويكون فيه تأكيد للترغيب في الطاعة ، وأما الزيادة على قدر الاستحقاق في عمل السيئات ، فهو ظلم ، ولو فعله لبطل الوعد والوعيد والترهيب والتحذير ، لأن الثقة بذلك إنما تحصل إذا ثبتت حكمته ، ولو فعل الظلم لبطلت حكمته . تعالى الله عن ذلك ، هكذا قرره القاضي تفريعا على مذهبه . وثانيها : قوله : { وترهقهم ذلة } وذلك كناية عن الهوان والتحقير ، واعلم أن الكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته ، فالإنسان الناقص إذا مات بقيت روحه ناقصة خالية عن الكمالات ، فيكون شعوره بكونه ناقصا ، سببا لحصول الذلة والمهانة والخزي والنكال . وثالثها : قوله : { ما لهم من الله من عاصم } واعلم أنه لا عاصم من الله لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فإن قضاءه محيط بجميع الكائنات ، وقدره نافذ في كل المحدثات إلا أن الغالب على الطباع العاصية ، أنهم في الحياة العاجلة مشتغلون بأعمالهم ومراداتهم . أما بعد الموت فكل أحد يقر بأنه ليس له من الله من عاصم . ورابعها : قوله : { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم } والمراد من هذا الكلام إثبات ما نفاه عن السعداء حيث قال : { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } ( يونس : 26 ) . واعلم أن حكماء الإسلام قالوا : المراد من هذا السواد المذكور ههنا سواد الجهل وظلمة الضلالة ، فإن العلم طبعه طبع النور ، والجهل طبعه طبع الظلمة ، فقوله : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة } المراد منه نور العلم ، وروحه وبشره وبشارته ، وقوله : { ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } المراد منه ظلمة الجهل وكدورة الضلالة . المسألة الثانية : قوله : { والذين كسبوا السيئات } فيه وجهان : أحدهما : أن يكون معطوفا على قوله : { للذين أحسنوا } ( آل عمران : 172 ) كأنه قيل : للذين أحسنوا الحسنى وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والثاني : أن يكون التقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها . على معنى أن جزاءهم أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ، وهذا يدل على أن حكم الله في حق المحسنين ليس إلا بالفضل ، وفي حق المسيئين ليس إلا بالعدل . المسألة الثالثة : قال بعضهم : المراد بقوله : { والذين كسبوا السيئات } الكفار واحتجوا عليه بأن سواد الوجه من علامات الكفر ، بدليل قوله تعالى : { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } ( آل عمران : 106 ) وكذلك قوله : { وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة } ولأنه تعالى قال بعد هذه الآية { ويوم نحشرهم جميعا } ( الأنعام : 22 ) والضمير في قوله : { هم } عائد إلى هؤلاء ، ثم إنه تعالى وصفهم بالشرك ، وذلك يدل على أن هؤلاء هم الكفار ، ولأن العلم نور وسلطان العلوم والمعارف / هو معرفة الله تعالى ، فكل قلب حصل فيه معرفة الله تعالى لم يحصل فيه الظلمة أصلا ، وكان الشبلي رحمة الله تعالى عليه يتمثل بهذا ويقول : كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج وجهك المأمول حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج

سوالات

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 163 · Qur'an & Sunnah