Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
البحث الثاني : المذاهب المذكورة في هذه الفواتح قد تقدمت لكن الذي يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى كهيعص ثناء من الله على نفسه / فمن الكاف وصفه بأنه كاف ومن الهاء هاد ومن العين عالم ومن الصاد صادق . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا أنه حمل الكاف على الكبير والكريم ، ويحكى أيضا عنه أنه حمل الياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى ، وعن الربيع بن أنس في الياء أنه من مجير ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في العين أنه من عزيز ومن عدل ، وهذه الأقوال ليست قوية لما بينا أنه لا يجوز من الله تعالى أن يودع كتابه ما لا تدل عليه اللغة لا بالحقيقة ولا بالمجاز لأنا إن جوزنا ذلك فتح علينا قول من يزعم أن لكل ظاهر باطنا ، واللغة لا تدل على ما ذكروه فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم أو الملائكة أو الجنة أو النار فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكما لا تدل عليه اللغة أصلا . ! 7 < { ذكر رحمت ربك عبده زكريآ } > 7 ! < < مريم : ( 2 ) ذكر رحمة ربك . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : في لفظة ذكر أربع قراءات صيغة المصدر أو الماضي مخففة أو مشددة أو الأمر ، أما صيغة المصدر فلا بد فيها من كسر رحمة ربك على الإضافة ثم فيها ثلاثة أوجه : أحدها : نصب الدال من عبده والهمزة من زكرياء وهو المشهور . وثانيها : برفعهما والمعنى وتلك الرحمة هي عبده زكرياء عن ابن عامر . وثالثها : بنصب الأول وبرفع الثاني والمعنى رحمة ربك عبده وهو زكرياء . وأما صيغة الماضي بالتشديد فلا بد فيها من نصب رحمة . وأما صيغة الماضي بالتخفيف ففيها وجهان . أحدهما : رفع الباء من ربك والمعنى ذكر ربك عبده زكرياء . وثانيها : نصب الباء من ربك والرفع في عبده زكرياء وذلك بتقديم المفعول على الفاعل وهاتان القراءتان للكلبي ، وأما صيغة الأمر فلا بد من نصب رحمة وهي قراءة ابن عباس . واعلم أن على تقدير جعله صيغة المصدر والماضي يكون التقدير هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك . المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من قوله رحمة ربك أعني عبده زكرياء ثم في كونه رحمة وجهان : أحدهما : أن يكون رحمة على أمته لأنه هداهم إلى الإيمان والطاعات . والآخر : أن / يكون رحمة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمة محمد لأن الله تعالى لما شرح لمحمد صلى الله عليه وسلم طريقه في الإخلاص والإبتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى صار ذلك لفظا داعيا له ولأمته إلى تلك الطريقة فكان زكرياء رحمة ، ويحتمل أن يكون المراد أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التي رحم بها عبدة زكرياء . ! 7 < { إذ نادى ربه ندآء خفيا } > 7 ! قوله تعالى : { إذ نادى ربه نداء خفيا } < < مريم : ( 3 ) إذ نادى ربه . . . . .
> > راعى سنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الإخفاء أولى لأنه أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص . وثانيها : أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في زمان الشيخوخة . وثالثها : أسره من مواليه الذين خافهم . ورابعها : خفي صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات ، فإن قيل من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيا ، والجواب من وجهين : الأول : أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفا لنهاية الضعف بسبب الكبر فكان نداء نظرا إلى قصده وخفيا نظرا إلى الواقع . الثاني : أنه دعا في الصلاة لأن الله تعالى أجابه في الصلاة لقوله تعالى : { فنادته الملئكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى } ( آل عمران : 39 ) فكون الإجابة في الصلاة يدل على كون الدعاء في الصلاة فوجب أن يكون النداء فيها خفيا . ! 7 < { قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا وإني خفت الموالى من ورآئى وكانت امرأتى عاقرا فهب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من ءال يعقوب واجعله رب رضيا } > 7 ! < < مريم : ( 4 - 6 ) قال رب إني . . . . . > > القراءة فيها مسائل : المسألة الأولى : قرىء { وهن } بالحركات الثلاث . المسألة الثانية : إدغام السين في الشين ( من الرأس شيبا ) عن أبي عمرو . المسألة الثالثة : { وإني خفت الموالى } بفتح الياء وعن الزهري بإسكان الياء من الموالي وقرأ عثمان وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وسعيد بن جبير وزيد بن ثابت وابن عباس خفت بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر التاء وهذا يدل على معنيين : أحدهما : أن يكون ورائي بمعنى بعدي والمعنى / أنهم قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعده فسأل ربه تقويتهم بولي يرزقه . والثاني : أن يكون بمعنى قدامي والمعنى أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق من به تقو واعتضاد . المسألة الرابعة : القراءة المعروفة : { من ورائى } بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة وعن حميد بن مقسم كذلك لكن بفتح الياء وقرأ ابن كثير { وراي } كعصاي . المسألة الخامسة : من يرثني ويرث وجوه : أحدها : القراءة المعروفة بالرفع فيهما صفة . وثانيها : وهي قراءة أبي عمرو والكسائي والزهري والأعمش وطلحة بالجزم فيهما جوابا للدعاء . وثالثها : عن علي ابن أبي طالب وابن عباس وجعفر بن محمد والحسن وقتادة : { وليا يرثنى } جزم وارث بوزن فاعل . ورابعها : عن ابن عباس : { يرثنى } وارث من آل يعقوب . وخامسها : عن الجحدري { ويرث } تصغير وارث على وزن أفيعل ( اللغة ) الوهن ضعف القوة قال في ( الكشاف ) شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وأنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه كل مأخذ كاشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة ، وأما الدعاء فطلب الفعل ومقابله الإجابة كما أن مقابل الأمر الطاعة ، وأما أصل التركيب في ( ولي ) فيدل على معنى القرب والدنو يقال وليته أليه وليا أي دنوت وأوليته أدنيته منه وتباعد ما بعده وولي ومنه قول ساعدة ( ابن جؤبة ) : وعدت عواد دون وليك تشغب
وكل مما يليك وجلست مما ايليه ومنه الولي وهو المطر الذي يلي الوسمي ، والولية البرذعة لأنها تلي ظهر الدابة وولي اليتيم والقتيل وولي البلد لأن من تولى أمرا فقد قرب منه ، وقوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } من قولهم ولاه بركنه أي جعله مما يليه ، أما ولي عني إذا أدبر فهو من باب تثقيل الحشو للسلب وقولهم فلان أولى من فلان أي أحق أفعل التفضيل من الوالي أو الولي كالأدنى والأقرب من الداني والقريب وفيه معنى القرب أيضا لأن من كان أحق بالشيء كان أقرب إليه والمولى اسم لموضع الولي كالمرمى والمبني اسم لموضع والمرمي والبناء ، وأما العاقر فهي التي لا تلد والعقر في اللغة الجرح ومنه أخذ العاقر لأنه نقص أصل الخلقة وعقرت الفرس بالسيف إذا ضربت قوائمه ، وأما الآل فهم خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم إليه ثم قد يؤول أمرهم إليه للقرابة تارة وللصحبة أخرى كآل فرعون وللموافقة في الدين كآل النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن زكرياء عليه السلام قدم على السؤال أمورا ثلاثة : أحدها : كونه ضعيفا . والثاني : أن الله تعالى ما رد دعاءه البتة . والثالث : كون المطلوب بالدعاء سببا للمنفعة في الدين ثم بعد تقرير هذه الأمور الثلاثة صرح بالسؤال . أما المقام الأول : وهو كونه ضعيفا فأثر الضعف ، / إما أن يظهر في الباطن أو في الظاهر ، والضعف الذي يظهر في الباطن يكون أقوى مما يظهر في الظاهر فلهذا السبب ابتدأ ببيان الضعف الذي في الباطن وهو قوله : { وهن العظم منى } وتقريره هو أن العظام أصلب الأعضاء التي في البدن وجعلت كذلك لمنفعتين : إحداهما : لأن تكون أساسا وعمدا يعتمد عليها سائر الأعضاء الأخر إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام والحامل يجب أن يكون أقوى من المحمول . والثانية : أنه احتيج إليها في بعض المواضع لأن تكون جنة يقوى بها ما سواها من الأعضاء بمنزلة قحف الرأس وعظام الصدر ، وما كان كذلك فيجب أن يكون صلبا ليكون صبورا على ملاقاة الآفات بعيدا من القبول لها إذا ثبت هذا فنقول : إذا كان العظم أصلب الأعضاء فمتى وصل الأمر إلى ضعفها كان ضعف ما عداها مع رخاوتها أولى ، ولأن العظم إذا كان حاملا لسائر الأعضاء كان تطرق الضعف إلى الحامل موجبا لتطرقه إلى المحمول فلهذا السبب خص العظم بالوهن من بين سائر الأعضاء وأما أثر الضعف في الظاهر فذلك استيلاء الشيب على الرأس فثبت أن هذا الكلام يدل على استيلاء الضعف على الباطن والظاهر وذلك مما يزيد الدعاء توكيدا لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته والتبري عن الأسباب الظاهرة . المقام الثاني : أنه ما كان مردود الدعاء ألبتة ووجه التوسل به من وجهين : أحدهما : ما روي أن محتاجا سأل واحدا من الأكابر وقال : أنا الذي أحسنت إلى وقت كذا ، فقال : مرحبا بمن توسل بنا إلينا ثم قضى حاجته . وذلك أنه إذا قبله أولا فلو أنه رده ثانيا لكان الرد محبطا للأنعام الأول والمنعم لا يسعى في إحباط أنعامه . والثاني : وهو أن مخالفة العادة شاقة على النفس فإذا تعود الإنسان إجابة الدعاء فلو صار مردودا بعد ذلك لكان في غاية المشقة ولأن الجفاء ممن يتوقع منه الإنعام يكون أشق فقال زكرياء عليه السلام إنك ما رددتني في أول الأمر مع أني ما تعودت لطفك وكنت قوي البدن قوي القلب فلو رددتني الآن بعد ما عودتني القبول مع نهاية ضعفي لكان ذلك بالغا إلى الغاية القصوى في ألم القلب ، واعلم أن العرب تقول سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي بها إذا خاب ولم ينلها ومعنى بدعائك أي بدعائي إياك فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى .
المقام الثالث : بيان كون المطلوب منتفعا به في الدين وهو قوله : { وإني خفت الموالى من ورائى } وفيه أبحاث : الأول : قال ابن عباس والحسن : إني خفت الموالي أي الورثة من بعدي وعن مجاهد العصبة وعن أبي صالح الكلالة وعن الأصم بنو العم وهم الذين يلونه في النسب وعن أبي مسلم المولي يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من يقوم بميراثه مقام الولد ، والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين فقد كانت العادة جارية أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب فإنه كان متعينا في الحياة . الثاني : اختلفوا في خوفه من الموالي فقال بعضهم : خافهم على إفساد الدين ، وقال بعضهم بل خاف أن ينتهي أمره إليهم بعد موته في مال وغيره مع أنه عرف من حالهم قصورهم في / العلم والقدرة عن القيام بذلك المنصب ، وفيه قول ثالث وهو أنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد اعلمه أنه لم يبق من أنبياء بني إسرائيل نبي له أب إلا واحد فخاف أن يكون ذلك من بني عمه إذ لم يكن له ولد فسأل الله تعالى أن يهب له ولدا يكون هو ذلك النبي ، وذلك يقتضي أن يكون خائفا من أمر يهتم بمثله الأنبياء وإن لم يدل على تفصيل ذلك . ولا يمتنع أن زكرياء كان إليه مع النبوة السياسة من جهة الملك وما يتصل بالإمامة فخاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما . أما قوله : { وإني خفت } فهو وإن خرج على لفظ الماضي لكنه يفيد أنه في المستقبل أيضا ، كذلك يقول الرجل قد خفت أن يكون كذا وخشيت أن يكون كذا أي أنا خائف لا يريد أنه قد زال الخوف عنه وهكذا قوله : { وكانت امرأتى عاقرا } أي أنها عاقر في الحال وذلك لأن العاقر لا تحول ولودا في العادة ففي الإخبار عنه بلفظ الماضي إعلام بتقادم العهد في ذلك وغرض زكرياء من هذا الكلام بيان استبعاد حصول الولد فكان إيراده بلفظ الماضي أقوى وإلى هذا يرجع الأمر في قوله : وإني خفت الموالي من ورائي لأنه إنما قصد به الإخبار وعن تقادم الخوف ثم استغنى بدلالة الحال وما يوجب مسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال وأيضا فقد يوضع الماضي مكان المستقبل وبالعكس قال الله تعالى : { وإذ قال الله ياعيسى عيسى ابن مريم قلت للناس اتخذونى } ( المائدة : 116 ) والله أعلم وأما قوله من ورائي ففيه قولان : الأول : قال أبو عبيدة أي قدامي وبين يدي وقال آخرون أي بعد موتي وكلاهما محتمل فإن قيل كيف خافهم من بعده وكيف علم أنهم يبقون بعده فضلا من أن يخاف شرهم ؟ قلنا : إن ذلك قد يعرف بالأمارات والظن وذلك كاف في حصول الخوف فربما عرف ببعض الإمارات استمرارهم على عادتهم في الفساد والشر واختلف في تفسير قوله : { فهب لى من لدنك وليا } فالأكثرون على أنه طلب الولد وقال آخرون بل طلب من يقوم مقامه ولدا كان أو غيره والأقرب هو الأول لثلاثة أوجه . الأول : قوله تعالى في سورة آل عمران حكاية عنه : { قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة } ( آل عمران : 38 ) . والثاني : قوله في هذه السورة : { هب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من ءال يعقوب } .
والثالث : قوله تعالى في سورة الأنبياء : { وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا } ( الأنبياء : 89 ) وهذا يدل على أنه سأل الولد لأنه قد أخبر في سورة مريم أن له موالي وأنه غير منفرد عن الورثة وهذا وإن أمكن حمله على وارث يصلح أن يقوم مقامه لكن حمله على الولد أظهر واحتج أصحاب القول الثالث بأنه لما بشر بالولد استعظم على سبيل التعجب فقال أنى يكون لي غلام ولو كان دعاؤه لأجل الولد لما استعظم ذلك . ( الجواب ) : أنه عليه السلام سأل عما يوهب له أيوهب له وهو وامرأته على هيئتهما أو يوهب بأن يحولا شابين يكون لمثلهما ولد ؟ وهذا يحكي عن الحسن وقال غيره إن قول زكرياء عليه السلام في الدعاء : { وكانت امرأتى عاقرا } إنما هو على معنى مسألته ولدا من غيرها أو منها بأن يصلحها الله للولد فكأنه عليه السلام قال إني أيست أن يكون لي منها ولد فهب لي من لدنك وليا كيف شئت إما بأن تصلحها فيكون الولد منها أو بأن / تهب لي من غيرها فلما بشر بالغلام سأل أيرزق منها أو من غيرها فأخبر بأنه يرزق منها واختلفوا في المراد بالميراث على وجوه . أحدها : أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال وهذا قول ابن عباس والحسن والضحاك . وثانيها : أن المراد به في الموضعين وراثة النبوة وهو قول أبي صالح . وثالثها : يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوة وهو قول السدي ومجاهد والشعبي وروي أيضا عن ابن عباس والحسن والضحاك . ورابعها : يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوة وهو مروي عن مجاهد واعلم أن هذه الروايات ترجع إلى أحد أمور خمسة وهي المال ومنصب الحبورة والعلم والنبوة والسيرة الحسنة ولفظ الإرث مستعمل في كلها أما في المال فلقوله تعالى : { وأورثكم أرضهم وديارهم وأمولهم } وأما في العلم فلقوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسراءيل الكتاب } ( غافر : 53 ) وقال عليه السلام : ( العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم ) وقال تعالى : { ولقد ءاتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داوود } ( النمل : 15 ، 6 ) وهذا يحتمل وراثة الملك ووراثة النبوة وقد يقال أورثني هذا غما وحزنا ، وقد ثبت أن اللفظ محتمل لتلك الوجوه . واحتج من حمل اللفظ على وراثة المال بالخبر والمعقول أما الخبر فقوله عليه السلام : ( رحم الله زكريا ما كان له من يرثه ) وظاهره يدل على أن المراد إرث المال وأما المعقول فمن وجهين . الأول : أن العلم والسيرة والنبوة لا تورث بل لا تحصل إلا بالاكتساب فوجب حمله على المال .
الثاني : أنه قال { واجعله رب رضيا } ولو كان المراد من الإرث إرث النبوة لكان قد سأل جعل النبي صلى الله عليه وسلم رضيا وهو غير جائز لأن النبي لا يكون إلا رضيا معصوما ، وأما قوله عليه السلام : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) فهذا لا يمنع أن يكون خاصا به واحتج من حمله على العلم أو المنصب والنبوة بما علم من حال الأنبياء أن اهتمامهم لا يشتد بأمر المال كما يشتد بأمر ، وقيل لعله أوتي من الدنيا ما كان عظيم النفع في الدين فلهذا كان مهتما به أما قوله النبوة كيف تورث قلنا المال إنما يقال ورثه الابن بمعنى قام فيه مقام أبيه وحصل له من فائدة التصرف فيه ما حصل لأبيه وإلا فملك المال من قبل الله لا من قبل المورث فكذلك إذا كان المعلوم في الإبن أن يصير نبيا بعده فيقوم بأمر الدين بعده جاز أن يقال ورثه أما قوله عليه السلام : ( إنا معشر الأنبياء ) فهذا وإن جاز حمله على الواحد كما في قوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) لكنه مجاز وحقيقته الجمع والعدول عن الحقيقة من غير موجب لا يجوز لا سيما وقد روي قوله : ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ) والأولى أن يحمل ذلك على كل ما فيه نفع وصلاح في الدين وذلك يتناول النبوة والعلم والسيرة الحسنة والمنصب النافع في الدين والمال الصالح ، فإن كل هذه الأمور مما يجوز توفر الدواعي على بقائها ليكون ذلك النفع دائما مستمرا . السابع : اتفق أكثر المفسرين على أن يعقوب ههنا هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام لأن زوجة زكرياء هي أخت مريم وكانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب وأما زكرياء / عليه السلام فهو من ولد هرون أخى موسى عليه السلام وهرون وموسى عليهما السلام من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق وكانت النبوة في سبط يعقوب لأنه هو إسرائيل صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين ليس المراد من يعقوب ههنا ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام بل يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكرياء وهذا قول الكلبي ومقاتل . وقال الكلبي كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رأس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم ، واعلم أنهم ذكروا في تفسير الرضى وجوها . أحدها : أن المراد واجعله رضيا من الأنبياء وذلك لأن كلهم مرضيون فالرضي منهم مفضل على جملتهم فائق لهم في كثير من أمورهم فاستجاب الله تعالى له ذلك فوهب له سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين لم يعص ولم يهم بمعصية ، وهذا غاية ما يكون به المرء رضيا . وثانيها : المراد بالرضي أن يكون رضيا في أمته لا يتلقى بالتكذيب ولا يواجه بالرد . وثالثها : المراد بالرضي أن لا يكون متهما في شيء ولا يوجد فيه مطعن ولا ينسب إليه شيء من المعاصي . ورابعها : أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قالا في الدعاء : { ربنا واجعلنا مسلمين لك } ( البقرة : 182 ) وكانا في ذلك الوقت مسلمين ، وكأن المراد هناك ثبتنا على هذا أو المراد اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا ههنا واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأفعال بهذه الآية لأنه إنما يكون رضيا بفعله ، فلما سأل الله تعالى جعله رضيا دل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى . فإن قيل : المراد منه أن يلطف له بضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضيا فينسب ذلك إلى الله تعالى . والجواب من وجهين : الأول : أن جعله رضيا لو حملناه على جعل الألطاف وعندها يصير المرء باختياره رضيا لكان ذلك مجازا وهو خلاف الأصل .
والثاني : أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به وما كان واجبا لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع .
! 7 < { يازكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا } > 7 ! < < مريم : ( 7 ) يا زكريا إنا . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في من المنادي بقوله : يا زكريا ، فالأكثرون على أنه هو الله تعالى وذلك لأن ما قبل هذه الآية يدل على أن زكريا عليه السلام إنما كان يخاطب الله تعالى ويسأله وهو قوله : { رب إنى وهن العظم منى } ( مريم : 4 ) وقوله : { ولم أكن بدعائك رب شقيا } ( مريم : 4 ) وقوله : { فهب لى } ( مريم : 5 ) وما بعدها يدل على أنه كان يخاطب الله تعالى وهو يقول : { رب أنى يكون لي غلام } إذا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها خطابا مع الله تعالى وجب أن يكون النداء من الله تعالى وإلا لفسد النظم ، ومنهم من قال هذا نداء الملك واحتج عليه بوجهين . الأول : قوله تعالى في سورة آل عمران : { فنادته الملئكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى } ( آل عمران : 39 ) . الثاني : أن زكريا / عليه السلام لما قال : { أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذالك قال ربك هو على هين } ( مريم : 8 ، 9 ) وهذا لا يجوز أن يكون كلام الله فوجب أن يكون كلام الملك . والجواب عن الأول : أنه يحتمل أن يقال حصل النداءان نداء الله ونداء الملائكة . وعن الثاني : أنا نبين إن شاء تعالى أن قوله : { قال كذالك قال ربك هو على هين } يمكن أن يكون كلام الله . المسألة الثانية ؛ فإن قيل إن كان الدعاء بإذن فما معنى البشارة ، وإن كان بغير إذن فلماذا أقدم عليه ؟ والجواب هذا أمر يخصه فيجوز أن يسأل بغير إذن ، ويحتمل أنه أذن له فيه ولم يعلم وقته فبشر به . المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في قوله : { لم نجعل له من قبل سميا } على وجهين : أحدهما : وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة أنه لم يسم أحد قبله بهذا الاسم . الثاني : أن المراد بالسمي النظير كما في قوله : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) واختلفوا في ذلك على وجوه . أحدها : أنه سيد وحصور لم يعص ولم يهم بمعصية كأنه جواب لقوله : { واجعله رب رضيا } ( مريم : 6 ) فقيل له إنا نبشرك بغلام لم نجعل له من قبل شبيها في الدين ، ومن كان هكذا فهو في غاية الرضا . وهذا الوجه ضعيف لأنه يقتضي تفضيله على الأنبياء الذين كانوا قبله كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وذلك باطل بالإتفاق . وثانيها : أن كل الناس إنما يسميهم آباؤهم وأمهاتهم بعد دخولهم في الوجود ، وأما يحيى عليه السلام فإن الله تعالى هو الذي سماه قبل دخوله في الوجود فكان ذلك من خواصه فلم يكن له مثل وشبيه في هذه الخاصية . وثالثها : أنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر ، واعلم أن الوجه الأول أولى وذلك لأن حمل السمي على النظير وإن كان يفيد المدح والتعظيم ولكنه عدول عن الحقيقة من غير ضرورة وإنه لا يجوز ، وأما قول الله تعالى : { هل تعلم له سميا } فهناك إنما عدلنا عن الظاهر لأنه قال : { فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) ومعلوم أن مجرد كونه تعالى مسمى بذلك الاسم لا يقتضي وجوب عبادته ، فلهذه العلة عدلنا عن الظاهرة ، أما ههنا لا ضرورة في العدول عن الظاهر فوجب اجراؤه عليه ولأن في تفرده بذلك الاسم ضربا من التعظيم لأنا نشاهد أن الملك إذا كان له لقب مشهور فإن حاشيته لا يتلقبون به بل يتركونه تعظيما له فكذلك ههنا .
المسألة الرابعة : في أنه عليه السلام سمي بيحيى روى الثعلبي فيه وجوها . أحدها : عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أحيا به عقر أمه . وثانيها : عن قتادة أن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان والطاعة والله تعالى سمى المطيع حيا والعاصي ميتا بقوله تعالى : { أو من كان ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) وقال : { إذا دعاكم لما } ( الأنفال : 24 ) . وثالثها : إحياؤه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية لما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من أحد إلا وقد عصى أو هم إلا يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها ) . ورابعها : عن أبي القاسم بن حبيب أنه استشهد وأن الشهداء أحياء عند ربهم لقوله تعالى : { أمواتا بل أحياء عند ربهم } ( آل عمران : 169 ) . وخامسها : ما قاله / عمرو بن عبد الله المقدسي : أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن قل ليسارة ، وكان اسمها كذلك ، بأني مخرج منها عبدا لا يهم بمعصية اسمه حيي . فقال : هبي له من اسمك حرفا فوهبته حرفا من اسمها فصار يحيى وكان اسمها يسارة فصار اسمها سارة . وسادسها : أن يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى فصار قلبه حيا بذلك الإيمان وذلك أن أم يحيى كانت حاملا به فاستقبلتها مريم وقد حملت بعيسى فقالت لها أم يحيى : يا مريم أحامل أنت ؟ فقالت : لماذا تقولين ؟ فقالت : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . وسابعها : أن الدين يحيا به لأنه إنما سأله زكريا لأجل الدين ، واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة لأن أسماء الألقاب لا يطلب فيها وجه الإشتقاق ، ولهذا قال أهل التحقيق أسماء الألقاب قائمة مقام الإشارات وهي لا تفيد في المسمى صفة البتة . ! 7 < { قال رب أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } > 7 ! < < مريم : ( 8 ) قال رب أنى . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي عتيا وصليا وجثيا وبكيا بكسر العين والصاد والجيم والباء ، وقرأ حفص عن عاصم بكيا بالضم والباقي بالكسر والباقون جميعا بالضم ، وقرأ ابن مسعود بفتح العين والصاد من عتيا وصليا . وقرأ أبي بن كعب وابن عباس عسيا بالسين غير المعجمة والله أعلم . المسألة الثانية : في الألفاظ وهي ثلاثة : الأول : الغلام الإنسان الذكر في ابتداء شهوته للجماع ومنه اغتلم إذا اشتدت شهوته للجماع ثم يستعمل في التلميذ يقال : غلام ثعلب . الثاني : العتي والعبسي واحد تقول عتا يعتو عتوا وعتيا فهو عات وعسا يعسو عسوا وعسيا فهو عاص والعاسي هو الذي غيره طول الزمان إلى حال البؤس وليل عات طويل وقيل شديد الظلمة . الثالث : لم يقل عاقرة لأن ما كان على فاعل من صفة المؤنث مما لم يكن للمذكر فإنه لا تدخل فيه الهاء نحو امرأة عاقر وحائض قال الخليل : هذه الصفات مذكرة وصف بها المؤنث كما وصفوا المذكر بالمؤنث حين قالوا : رجل ملحة وربعة وغلام نفعة .
المسألة الثالثة : في هذه الآية سؤالان : الأول : أن زكريا عليه السلام لم تعجب بقوله : { أنى يكون لي غلام } مع أنه هو الذي طلب الغلام ؟ السؤال الثاني : أن قوله أنى يكون لي غلام لم يكن هذا مذكورا بين أمته لأنه كان يخفي هذه الأمور عن أمته فدل على أنه ذكره في نفسه ، وهذا التعجب يدل على كونه شاكا في قدرة الله تعالى على ذلك وذلك كفر وهو غير جائز على الأنبياء عليهم / السلام . والجواب عن السؤال الأول : أما على قول من قال إنه لم يطلب خصوص الولد فالسؤال زائل ، وأما على قول من قال إنه طلب الولد فالجواب عنه أن المقصود من قوله : { أنى يكون لي غلام } هو التعجب من أنه تعالى يجعلهما شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقهما الولد مع الشيخوخة بطريق الاستعلام لا بطريق التعجب ، والدليل عليه قوله تعالى : { وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } ( الأنبياء : 89 ، 90 ) وما هذا الإصلاح إلا أنه أعاد قوة الولادة وقد تقدم تقرير هذا الكلام ، وذكر السدي في الجواب وجها آخر فقال : إنه لما سمع النداء بالبشارة جاءه الشيطان فقال : إن هذا الصوت ليس من الله تعالى بل هو من الشيطان يسخر منك ، فلما شك زكريا قال : { أنى يكون لي غلام } واعلم أن غرض السدي من هذا أن زكريا عليه السلام لو علم أن المبشر بذلك هو الله تعالى لما جاز له أن يقول ذلك فارتكب هذا ، وقال بعض المتكلمين هذا باطل قطعا إذ لو جوز الأنبياء في بعض ما يرد عن الله تعالى أنه من الشيطان لجوزوا في سائره ولزالت الثقة عنهم في الوحي وعنا فيما يوردونه إلينا ويمكن أن يجاب عنه بأن هذا الاحتمال قائم في أول الأمر وإنما يزول بالمعجزة فلعل المعجزة لم تكن حاصلة في هذه الصورة فحصل الشك فيها دون ما عداها والله أعلم ، والجواب عن السؤال الثاني من وجوه : الأول : أن قوله : { إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى } ( مريم : 7 ) ليس نصا في كون ذلك الغلام ولدا له بل يحتمل أن زكريا عليه السلام راعى الأدب ولم يقل هذا الكلام هل يكون لي ولد أم لا ، بل ذكر أسباب تعذر حصول الولد في العادة حتى أن تلك البشارة إن كانت بالولد فالله تعالى يزيل الإبهام ويجعل الكلام صريحا فلما ذكر ذلك صرح الله تعالى بكون ذلك الولد منه فكان الغرض من كلام زكريا هذا لا أنه كان شاكا في قدرة الله تعالى عليه . الثاني : أنه ما ذكر ذلك للشك لكن على وجه التعظيم لقدرته وهذا كالرجل الذي يرى صاحبه قد وهب الكثير الخطير فيقول أنى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا من ملككا تعظيما وتعجبا . الثالث : أن من شأن من بشر بما يتمناه أن يتولد له فرط السرور به عند أول ما يرد علي استثبات ذلك الكلام إما لأن شدة فرحه به توجب ذهوله عن مقتضيات العقل والفكر وهذا كما أن امرأة إبراهيم عليه السلام بعد أن بشرت باسحق قالت : { وأنا عجوز وهاذا بعلى شيخا إن هاذا لشىء عجيب قالوا } ( هود : 72 ) فأزيل تعجبها بقوله : { أتعجبين من أمر الله } ( هود : 73 ) وإما طلبا للالتذاذ بسماع ذلك الكلام مرة أخرى ، وإما مبالغة في تأكيد التفسير . ! 7 < { قال كذالك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } > 7 < مريم : ( 9 ) قال كذلك قال . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : { قال ربك هو هين } وجوه . أحدها : أن الكاف رفع أي الأمر كذلك تصديقا له ثم ابتدأ قال ربك . وثانيها : نصب يقال وذلك إشارة إلى مبهم تفسيره / هو علي هين وهو كقوله تعالى : { وقضينا إليك ذلك الامر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) وثالثها ؛ أن المراد لا تعجب فإنه كذلك قال ربك لا خلف في قوله ولا غلط ثم قال بعده هو علي هين بدليل خلقتك من قبل ولم تك شيئا . ورابعها : أن اذكرنا أن قوله أنى يكون لي غلام معناه تعطيني الغلام بأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة ومع ذلك تعطينا الولد ، وقوله : { كذلك قال ربك } أي نهب الولد مع بقائك وبقاء زوجتك على الحاصلة في الحال . المسألة الثانية ؛ قرأ الحسن وهو علي هين وهذا لا يخرج إلا على الوجه الأول أي الأمر كما قلت ولكن قال ربك هو مع ذلك علي هين . المسألة الثالثة : إطلاق لفظ الهين في حق الله تعالى مجاز لأن ذلك إنما يجوز في حق من يجوز أن يصعب عليه شيء ولكن المراد أنه إذا أراد شيئا كان . المسألة الرابعة : في وجه الاستدلال بقوله تعالى : { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } فنقول : إنه لما خلقه من العدم الصرف والنفي المحض كان قادرا على خلق الذوات والصفات والآثار وأما الآن فخلق الولد من الشيخ والشيخة لا يحتاج فيه إلا إلى تبديل الصفات والقادر على خلق الذوات والصفات والآثار معا أولى أن يكون قادرا على تبديل الصفات وإذا أوجده عن عدم فكذا يرزقه الولد بأن يعيد إليه وإلى صاحبته القوة التي عنها يتولد الماءان اللذان من اجتماعهما يخلق الولد ولذلك قال : { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } ( الأنبياء : 90 ) فهذا وجه الاستدلال . المسألة الخامسة : الجمهور على أن قوله قال كذلك قال ربك يقتضي أن القائل لذلك ملك مع الاعتراف بأن قوله : { رضيا يازكريا إنا نبشرك } ( مريم : 7 ) قول الله تعالى وقوله : { هو على هين } قول الله تعالى وهذا بعيد لأنه إذا كان ما قبل هذا الكلام وما بعده قول الله تعالى فكيف يصح إدراج هذه الألفاظ فيما بين هذين القولين ، والأولى أن يقال قائل هذا القول أيضا هو الله تعالى كما أن الملك العظيم إذا وعد عبده شيئا عظيما فيقول العبد من أين يحصل لي هذا فيقول إن سلطانك ضمن لك ذلك كأنه ينبه بذلك على أن كونه سلطانا مما يوجب عليه الوفاء بالوعد فكذا ههنا . ! 7 < { قال رب اجعل لىءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } > 7 ! < < مريم : ( 10 ) قال رب اجعل . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم طلب الآية لتحقيق البشارة وهذا بعيد لأن بقول الله تعالى قد تحققت البشارة فلا يكون إظهار الآية أقوى من ذلك من صريح القول وقال آخرون : البشارة بالولد وقعت مطلقة فلا يعرف وقتها بمجرد البشارة فطلب الآية ليعرف بها وقت الوقوع وهذا هو الحق .
/ المسألة الثانية : اتفقوا على أن تلك الآية هي تعذر الكلام عليه فإن مجرد السكوت مع القدرة على الكلام لا يكون معجزة ثم اختلفوا على قولين : أحدهما : أنه اعتقل لسانه أصلا . والثاني : أنه امتنع عليه الكلام مع القوم على وجه المخاطبة مع أنه كان متمكنا من ذكر الله ومن قراءة التوراة وهذا القول عندي أصح لأن اعتقال اللسان مطلقا قد يكون لمرض وقد يكون من فعل الله فلا يعرف زكريا عليه السلام أن ذلك الاعتقال معجزا إلا إذا عرف أنه ليس لمرض بل لمحض فعل الله تعالى مع سلامة الآلات وهذا مما لا يعرف إلا بدليل آخر فتفتقر تلك الدلالة إلى دلالة أخرى ، أما لو اعتقل لسانه عن الكلام مع القوم مع اقتداره على التكلم بذكر الله تعالى وقراءة التوراة علم بالضرورة أن ذلك الاعتقال ليس لعلة ومرض بل هو لمحض فعل الله فيتحقق كونه آية ومعجزة ومما يقوي ذلك قوله تعالى : { ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج } خص ذلك بالتكلم مع الناس وهذا يدل بطريق المفهوم أنه كان قادرا على التكلم مع غير الناس . المسألة الثالثة : اختلفوا في معنى { سويا } فقال بعضهم : هو صفة لليالي الثلاث وقال أكثر المفسرين هو صفة لزكريا والمعنى : آيتك أن لا تكلم الناس في هذه المدة مع كونك سويا لم يحدث بك مرض . ! 7 < { فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } > 7 ! < < مريم : ( 11 ) فخرج على قومه . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { فخرج على قومه من المحراب } قيل كان له موضع ينفرد فيه بالصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه فعند ذلك أوحى إليهم ، وقيل : كان موضعا يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه وأنهم اجتمعوا ينتظرون خروجه للإذن فخرج إليهم وهو لا يتكلم فأوحى إليهم . المسألة الثانية : لا يجوز أن يكون المراد من قوله أوحى إليهم الكلام لأن الكلام كان ممتنعا عليه فكان المراد غير الكلام وهو أن يعرفهم ذلك إما بالإشارة أو برمز مخصوص أو بكتابة لأن كل ذلك يفهم منه المراد فعلموا أنه قد كان ما بشر به فكما حصل السرور له حصل لهم فظهر لهم إكرام الله تعالى له بالإجابة ، واعلم أن الأشبه بالآية هو الإشارة لقوله تعالى في سورة آل عمران : { ثلاثة أيام إلا رمزا } ( آل عمران : 41 ) والرمز لا يكون كناية للكلام . المسألة الثالثة : اتفق المفسرون على أنه أراد بالتسبيح الصلاة وهو جائز في اللغة يقال : سبحه الضحى أي صلاة الضحى وعن عائشة رضي الله عنها في صلاة الضحى : ( إني لأسبحها ) أي لأصليها إذا ثبت هذا فنقول روي عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشي صلاة العصر / ويحتمل أن يكون إنما كانوا يصلون معه في محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه ، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته فأذن لهم بغير كلام والله أعلم . ! 7 < { يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكواة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } > 7 < مريم : ( 12 - 15 ) يا يحيى خذ . . . . . > > اعلم أنه تعالى وصف { يحيى } في هذه الآية بصفات تسع : الصفة الأولى : كونه مخاطبا من الله تعالى بقوله : { وعشيا يايحيى خذ الكتاب بقوة } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن قوله : { وعشيا يايحيى خذ الكتاب } يدل على أن الله تعالى بلغ بيحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطبه بذلك فحذف ذكره لدلالة الكلام عليه . المسألة الثانية : الكتاب المذكور يحتمل أن يكون هو التوراة التي هي نعمة الله على بني إسرائيل لقوله تعالى : { ولقد ءاتينا بنى إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة } ( الجاثية : 16 ) ويحتمل أن يكون كتابا خص الله به يحيى كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك والأول أولى لأن حمل الكلام ههنا على المعهود السابق أولى ولا معهود ههنا إلا التوراة . المسألة الثالثة : قوله : { بقوة } ليس المراد منه القدرة على الأخذ لأن ذلك معلوم لكل أحد فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على القيام بأمر النبوة وحاصلها يرجع إلى حصول ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهي عنه . الصفة الثانية : قوله تعالى : { واتيناه الحكم صبيا } اعلم أن في الحكم أقوالا . الأول : أنه الحكمة ومنه قول الشاعر : واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
وهو الفهم في التوراة والفقه في الدين . والثاني : وهو قول معمر أنه العقل روي أنه قال ما للعب خلقنا . والثالث : أنه النبوة فإن الله تعالى أحكم عقله في صباه وأوحى إليه وذلك لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام وهما صبيان لا كما بعث موسى ومحمدا عليهما السلام ، وقد بلغا الأشد والأقرب حمله على النبوة لوجهين : الأول : أن الله تعالى ذكر في هذه الآية صفات شرفه ومنقبته ومعلوم أن النبوة أشرف صفات الإنسان فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها فوجب أن تكون نبوته مذكورة في هذه الآية ولا لفظ يصلح للدلالة على النبوة إلا هذه / اللفظة فوجب حملها عليها . الثاني : أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولغيره على الإطلاق وذلك لا يكون إلا بالنبوة فإن قيل كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا ؟ قلنا : هذا السائل ، إما أن يمنع من خرق العادة أو لا يمنع منه ، فإن منع منه فقد سد باب النبوات لأن بناء الأمر فيها على المعجزات ولا معنى لها إلا خرق العادات ، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد فإنه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلا أشد من استبعاد انشقاق القمر وانفلاق البحر . الصفة الثالثة ؛ قوله تعالى : { وحنانا من لدنا } اعلم أن الحنان أصله من الحنين وهو الارتياح والجزع للفراق كما يقال : حنين الناقة وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها ذكر الخليل ذلك في الحديث : ( أنه عليه السلام كان يصلي إلى جذع من المسجد فلما اتخذ له المنبر وتحول إليه حنت تلك الخشبة حتى سمع حنينها ) . فهذا هو الأصل ثم قيل : تحنن فلان على فلان إذا تعطف عليه ورحمه ، وقد اختلف الناس في وصف الله بالحنان فأجازه بعضهم ، وجعله بمعنى الرؤوف الرحيم ، ومنهم من أباه لما يرجع إليه أصل الكلمة قالوا : لم يصح الخبر بهذه اللفظة في أسماء الله تعالى ، إذا عرفت هذا فنقول : الحنان هنا فيه وجهان . أحدهما : أن يجعل صفة لله . وثانيهما : أن يجعل صفة ليحيى أما إذا جعلناه صفة لله تعالى فنقول : التقدير وآتيناه الحكم حنانا أي رحمة منا ، ثم ههنا احتمالات : الأول : أن يكون الحنان من الله ليحيى ، المعنى : آتيناه الحكم صبيا ، ثم قال : { وحنانا من لدنا } أي إنما آتيناه الحكم صبيا حنانا من لدنا عليه أي رحمة عليه وزكاة أي وتزكية له وتشريفا له . الثاني : أن يكون الحنان من الله تعالى لزكريا عليه السلام فكأنه تعالى قال : إنما استجبنا لزكريا دعوته بأن أعطيناه ولدا ثم آتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا عليه أي على زكريا فعلنا ذلك . { وزكواة } أي وتزكية له عن أن يصير مردود الدعاء . والثالث : أن يكون الحنان من الله تعالى لأمة يحيى عليه السلام كأنه تعالى قال : { واتيناه الحكم صبيا وحنانا } منا على أمته لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده ، أما إذا جعلناه صفة ليحيى عليه السلام ففيه وجوه .
الأول : آتيناه الحكم والحنان على عبادنا أي التعطف عليهم وحسن النظر على كافتهم فيما أوليه من الحكم عليهم كما وصف نبيه فقال : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل عمران : 159 ) وقال : { حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } ( التوبة : 128 ) ثم أخبر تعالى أنه آتاه زكاة ، ومعناه أن لا تكون شفقته داعية له إلى الإخلال بالواجب لأن الرأفة واللين ربما أورثا ترك الواجب ألا ترى إلى قوله تعالى : { ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله } ( النور : 2 ) وقال : { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } ( التوبة : 123 ) وقال : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } ( المائدة : 54 ) فالمعنى إنما جعلنا له التعطف على عباد الله مع الطهارة عن الإخلال بالواجبات ، ويحتمل آتيناه التعطف على الخلق والطهارة عن المعاصي فلم يعص ولم يهم بمعصية ، وفي الآية وجه آخر وهو المنقول عن عطاء بن رباح : { وحنانا من لدنا } والمعنى آتيناه الحكم صبيا تعظيما إذ جعلناه نبيا وهو صبي ولا تعظيم أكثر من هذا والدليل عليه ما روى أنه مر ورقة بن / نوفل على بلال وهو يعذب قد ألصق ظهره برمضاء البطحاء ، ويقول : أحد أحد فقال : والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا أي معظما . الصفة الرابعة : قوله : { وزكواة } وفيه وجوه : أحدها : أن المراد وآتيناه زكاة أي عملا صالحا زكيا ، عن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج . وثانيها : زكاة لمن قبل منه حتى يكونوا أزكياء عن الحسن . وثالثها : زكيناه بحسن الثناء كما تزكى الشهود الإنسان . ورابعها : صدقة تصدق الله بها على أبويه عن الكبي . وخامسها : بركة ونماء وهو الذي قال عيسى عليه الصلاة والسلام : { وجعلنى مباركا أينما كنت } ( مريم : 31 ) واعلم أن هذا يدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى لأنه جعل طهارته وزكاته من الله تعالى وحمله على الألطاف بعيد لأنه عدول عن الظاهر . الصفة الحامسة : قوله : { وكان تقيا } وقد عرفت معناه وبالجملة فإنه يتضمن غاية المدائح لأنه هو الذي يتقي نهي الله فيجتنبه ويتقي أمره فلا يهمله ، وأولى الناس بهذا الوصف من لم يعص الله ولا يهم بمعصية وكان يحيى عليه الصلاة والسلام كذلك ، فإن قيل ما معنى : { وكان تقيا } وهذا حين ابتداء تكليفه قلنا : إنما خاطب الله تعالى بذلك الرسول وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم الله عليه . الصفة السادسة : قوله : { وبرا بوالديه } وذلك لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين ، ولهذا السبب قال : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) .
الصفة السابعة : قوله : { ولم يكن جبارا } والمراد وصفه بالتواضع ولين الجانب وذلك من صفات المؤمنين كقوله تعالى : { واخفض جناحك للمؤمنين } ( الحجر : 88 ) وقال تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) ولأن رأس العبادات معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه بالعظمة والكمال ومن عرف نفسه بالذل وعرف ربه بالكمال كيف يليق به الترفع والتجبر ، ولذلك فإن إبليس لما تجبر وتمرد صار مبعدا عن رحمة الله تعالى وعن الدين وقيل الجبار هو الذي لا يرى لأحد على نفسه حقا وهو من العظم والذهاب بنفسه عن أن يلزمه قضاء حق أحد ، وقال سفيان في قوله : { جبارا عصيا } إنه الذي يقبل على الغضب والدليل عليه قوله تعالى : { أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الارض } ( القصص : 19 ) وقيل : كل من عاقب على غضب نفسه من غير حق فهو جبار لقوله تعالى : { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } ( الشعراء : 130 ) . الصفة الثامنة : قوله : { عصيا } وهو أبلغ من العاصي كما أن العليم أبلغ من العالم . الصفة التاسعة : قوله : { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } وفيه أقوال : أحدها : قال محمد بن جرير الطبري : { وسلام عليه } أي أمان من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم : { ويوم يموت } أي وأمان عليه من عذاب القبر : { ويوم يبعث حيا } أي ومن عذاب القيامة . وثانيها : قال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ، ويوم يموت فيرى قوما ما شاهدهم قط ، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم فأكرم الله يحيى عليه الصلاة والسلام فخصه بالسلام عليه في هذه المواطن الثلاثة . وثالثها : قال عبد الله بن نفطوية : { وسلام عليه يوم ولد } أي أول ما يرى الدنيا { ويوم يموت } أي أول يوم يرى فيه أول أمر الآخرة { ويوم يبعث حيا } أي أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة . وإنما قال : { حيا } تنبيها على كونه من الشهداء لقوله تعالى : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } ( آل عمران : 169 ) فروع . الأول : هذا لاسلام يمكن أن يكون من الله تعالى وأن يكون من الملائكة وعلى التقديرين فدلالة شرفه وفضله لا تختلف لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله تعالى . الثاني : ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء عليهم السلام كقوله : { سلام على نوح فى العالمين } ( الصافات : 79 ) . { سلام على إبراهيم } ( الصافات : 109 ) لأنه قال و { يوم ولد } وليس ذلك لسائر الأنبياء عليهم السلام . الثالث : روي أن عيسى عليه السلام قال ليحيى عليه السلام : أنت أفضل مني لأن الله تعالى سلم عليك وأنا سلمت على نفسي ، وهذا ليس يقوى لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله على يحيى لأن عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمره الله به . الرابع : السلام عليه يوم ولد لا بد وأن يكون تفضلا من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه ما يكون ذلك جزاء له ، وأما السلام عليه يوم يموت ويوم يبعث في المحشر ، فقد يجوز أن يكون ثوابا كالمدح والتعظيم والله تعالى أعلم . القول في فوائد هذه القصة . الفائدة الأولى : تعليم آداب الدعاء وهي من جهات .
أحدها : قوله : { نداء خفيا } ( مريم : 3 ) وهو يدل على أن أفضل الدعاء ما هذا حاله ويؤكد قوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) ولأن رفع الصوت مشعر بالقوة والجلادة وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار وعمدة الدعاء الإنكسار والتبري عن حول النفس وقوتها والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه . وثانيها : أن المحتسب أن يذكر في مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها كما في قوله تعالى عنه : { وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا } ( مريم : 4 ) ثم يذكر كثرة نعم الله على ما في قوله : { ولم أكن بدعائك رب شقيا } ( مريم : 4 ) . وثالثها : أن يكون الدعاء لأجل شيء متعلق بالدين لا لمحض الدنيا كما قال : { وإني خفت الموالى من ورائى } ( مريم : 5 ) . ورابعها : أن يكون الدعاء بلفظ يا رب على ما في هذا الموضع . الفائدة الثانية : ظهور درجات زكريا ويحيى عليهما السلام أما زكريا فأمور : أحدها : نهاية تضرعه في نفسه وانقطاعه إلى الله تعالى بالكلية . وثانيها : إجابة الله تعالى دعاءه . وثالثها : أن الله تعالى ناداه وبشره أو الملائكة أو حصل الأمران معا . ورابعها : اعتقال لسانه عن الكلام دون التسبيح . وخامسها : أنه يجوز للأنبياء عليهم السلام طلب الآيات لقوله رب اجعل لي آية . الفائدة الثالثة : كونه تعالى قادرا على خلق الولد وإن كان الأبوان في نهاية الشيخوخة ردا على أهل الطبائع . الفائدة الرابعة : صحة الاستدلال في الدين لقوله تعالى : { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } . الفائدة الخامسة : أن المعدوم ليس بشيء والآية نص في ذلك فإن قيل المراد ولم تك شيئا مذكورا كما في قوله تعالى : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ( الإنسان : 1 ) قلنا : الإضمار خلاف الأصل وللخصم أن يقول الآية تدل على أن الإنسان لم يكن شيئا ونحن نقول به لأن الإنسان عبارة عن جواهر متألفة قامت بها أعراض مخصوصة والجواهر المتألفة الموصوفة بالأعراض المخصوصة / غير ثابتة في العدم إنما الثابت هو أعيان تلك الجواهر مفردة غير مركبة وهي ليست بإنسان فظهر أن الآية لا دلالة فيها على المطلوب . الفائدة السادسة : أن الله تعالى ذكر هذه القصة في سورة آل عمران وذكرها في هذا الموضع فلنعتبر حالها في الموضعين فنقول : الأول : أنه تعالى بين في هذه السورة أنه دعا ربه ولم يبين الوقت وبينه في آل عمران بقوله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم مريم أنى لك هاذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة } ( آل عمران : 37 ، 38 ) والمعنى أن زكريا عليه السلام لما رأى خرق العادة في حق مريم عليها السلام طمع فيه في حق نفسه فدعا . الثاني : وهو أن الله تعالى صرح في آل عمران بأن المنادي هو الملائكة لقوله : { فنادته الملئكة وهو قائم يصلى فى المحراب } ( آل عمران : 39 ) وفي هذه السورة الأظهر أن المنادي بقوله : { رضيا يازكريا إنا نبشرك } ( مريم : 7 ) هو الله تعالى وقد بينا أنه لا منافاة بين الأمرين .
الثالث : أنه قال في آل عمران : { أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر } ( آل عمران : 40 ) فذكر أولا كبر نفسه ثم عقر المرأة وهو في هذه السورة قال : { أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } ( مريم : 8 ) وجوابه أن الواو لا تقتضي الترتيب . الرابع : قال في آل عمران : { وقد بلغني الكبر } وقال ههنا وقد بلغت من الكبر وجوابه أن ما بلغك فقد بلغته . الخامس : قال في آل عمران : { ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر } ( آل عمران : 41 ) وقال ههنا : { ثلاث ليال سويا } ( مريم : 10 ) وجوابه : دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن والله أعلم . القصة الثانية : قصة مريم وكيفية ولادة عيسى عليه السلام اعلم أنه تعالى إنما قدم قصة يحيى على قصة عيسى عليهما السلام لأن خلق الولد من شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد لا من الأب البتة وأحسن الطرق في التعليم والتفهيم الأخذ من الأقرب فالأقرب مترقيا إلى الأصعب فالأصعب .
! 7 < { واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا } > 7 ! < < مريم : ( 16 - 17 ) واذكر في الكتاب . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : إذ بدل من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقت هذا الوقوع لهذه القصة العجيبة فيه . المسألة الثانية : النبذ أصله الطرح والإلقاء والانتباذ افتعال منه ومنه : { فنبذوه وراء ظهورهم } ( آل عمران : 187 ) وانتبذت تنحت يقال جلس نبذة من الناس ونبذة بضم النون وفتحها أي ناحية وهذا إذا جلس قريبا منك حتى لو نبذت إليه شيئا وصل إليه ونبذت الشيء رميته ومنه النبيذ لأنه يطرح في الإناء / وأصله منبوذ فصرف إلى فعيل ومنه قيل للقيط منبوذ لأنه يرمى به ومنه النهي عن المنابذة في البيع وهو أن يقول : إذا نبذت إليك هذا الثوب أو الحصاة فقد وجب البيع إذ عرفت هذا فنقول قوله تعالى : { إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية الشرق ثم بين تعالى أنها مع ذلك اتخذت من دون أهلها حجابا مستورا وظاهر ذلك أنها لم تقتصر على أن انفردت إلى موضع بل جعلت بينها وبينهم حائلا من حائط أو غيره ويحتمل أنها جعلت بين نفسها وبينهم سترا وهذا الوجه الثاني أظهر من الأول ثم لا بد من احتجابها من أن يكون لغرض صحيح وليس مذكورا واختلف المفسرون فيه على وجوه . الأول : أنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد للعبادة لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود فلما طهرت جاءها جبريل عليه السلام . والثاني : أنها طلبت الخلوة لئلا تشتغل عن العبادة . والثالث : قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها . والرابع : أنها كان لها في منزل زوج أختها زكرياء محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنت ( على ) الله ( أن ) تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفرج السقف لها فخرجت إلى المفازة فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك . وخامسها : عطشت فخرجت إلى المفازة لتستقي واعلم أن كل هذه الوجوه محتمل وليس في اللفظ ما يدل على ترجيح واحد منها . المسألة الثالثة : المكان الشرقي هو الذي يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقوله تعالى : { مكانا شرقيا } فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة .
المسألة الرابعة : أنها لما جلست في ذلك المكان أرسل الله إليها الروح واختلف المفسرون في هذا الروح فقال الأكثرون : إنه جبريل عليه السلام وقال أبو مسلم إنه الروح الذي تصور في بطنها بشرا والأول أقرب لأن جبريل عليه السلام يسمى روحا قال الله تعالى : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 193 194 ) وسمي روحا لأنه روحاني وقيل خلق من الروح وقيل لأن الدين يحيا به أو سماه الله تعالى بروحه على المجاز محبة له وتقريبا كما تقول لحبيبك روحي وقرأ أبو حيوة روحنا بالفتح لأنه سبب لما فيه روح العباد وإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المتقين في قوله : { فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم } ( الواقعة : 88 ، 89 ) أو لأنه من المقربين وهم الموعودون بالروح أي مقربنا وذا روحنا وإذا ثبت أنه يسمى روحا فهو هنا يجب أن يكون المراد به هو لأنه قال : { إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا } ( مريم : 19 ) ولا يليق ذلك إلا بجبريل عليه السلام واختلفوا في أنه كيف ظهر لها . فالأول : أنه ظهر لها على صورة شاب أمرد حسن الوجه سوي الخلق . والثاني : أنه ظهر لها على صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس وكل ذلك محتمل ولا دلالة في اللفظ على التعيين ثم قال : وإنما تمثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فلو ظهر لها / في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه ثم ههنا إشكالات . أحدهما : وهو أنه لو جاز أن يظهر الملك في صورة إنسان معين فحينئذ لا يمكننا القطع بأن هذا الشخص الذي أراه في الحال هو زيد الذي رأيته بالأمس لاحتمال أن الملك أو الجني تمثل في صورته وفتح هذا الباب يؤدي إلى السفسطة ، لا يقال هذا إنما يجوز في زمان جواز البعثة فأما في زماننا هذا فلا يجوز لأنا نقول هذا الفرق إنما يعلم بالدليل ، فالجاهل بذلك الدليل يجب أن لا يقطع بأن هذا الشخص الذي أراه الآن هو الشخص الذي رأيته بالأمس . وثانيها : أنه جاء في الأخبار أن جبريل عليه السلام شخص عظيم جدا فذلك الشخص العظيم كيف صار بدنه في مقدار جثة الإنسان أبأن تساقطت أجزاؤه وتفرقت بنيته فحينئذ لا يبقى جبريل أو بأن تداخلت أجزاؤه وذلك يوجب تداخل الأجزاء وهو محال . وثالثها : وهو أنا لو جوزنا أن يتمثل جبريل عليه السلام في صورة الآدمي فلم لا يجوز تمثله في صورة جسم أصغر من الآدمي حتى الذباب والبق والبعوض ومعلوم أن كل مذهب جر إلى ذلك فهو باطل . ورابعها : أن تجويزه يفضي إلى القدح في خبر التواتر فلعل الشخص الذي حارب يوم بدر لم يكن محمدا بل كان شخصا آخر تشبه به وكذا القول في الكل . والجواب عن الأول أن ذلك التجويز لازم على الكل لأن من اعترف بافتقار العالم إلى الصانع المختار فقد قطع بكونه تعالى قادرا على أن يخلق شخصا آخر مثل زيد في خلقته وتخطيطه وإذا جوزنا ذلك فقد لزم الشك في أن زيدا المشاهد الآن هو الذي شاهدناه بالأمس أم لا ، ومن أنكر الصانع المختار وأسند الحوادث إلى اتصالات الكواكب وتشكلات الفلك لزمه تجويز أن يحدث اتصال غريب في الأفلاك يقتضي حدوث شخص مثل زيد في كل الأمور وحينئذ يعود التجويز المذكور . ( وعن الثاني ) : أنه لا يمتنع أن يكون جبريل عليه السلام له أجزاء أصلية وأجزاء فاضلة والأجزاء الأصلية قليلة جدا فحينئذ يكون متمكنا من التشبه بصورة الإنسان ، هذا إذا جعلناه جسمانيا أما إذا جعلناه روحانيا فأي استبعاد في أن يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغير .