Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V02/P176–V02/P177

فوفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم يحيى بالعلم ميت وليس له حتى النشور نشور { وأما } فمن وجوه : ( ا ) المعصية عند الجهل لا يرجى زوالها وعند الشهورة يرجى زوالها ، انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر والشيطان غوى وبقي في غيه أبدا لأن ذلك كان بسبب الجهل ( ب ) إن يوسف عليه السلام لما صار ملكا احتاج إلى زير فسأل ربه عن ذلك فقال له جبريل إن ربك يقول لا تختر إلا فلانا فرآه يوسف في أسوإ الأحوال فقال لجبريل إنه كيف يصلح لهذا العمل مع سوء حاله فقال جبريل إن ربك عينه لذلك لأنه كان ذب عنك حيث قال : { إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين } ( يوسف : 27 ) والنكتة أن الذي ذب عن يوسف عليه السلام استحق الشركة في مملكته فمن ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم كيف لا يستحق من الله الإحسان والتحسين ( ج ) أراد واحد خدمة ملك فقال الملك اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم بعث الملك إليه وقال اترك التعلم فقد صرت أهلا لخدمتي فقال كنت أهلا لخدمتك حين لم ترني أهلا لخدمتك وحين رأيتني أهلا لخدمتك رأيت نفسي أهلا لخدمة الله تعالى وذلك أني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب ( د ) تحصيل العلم إنما يصعب عليك لفرط حبك للدنيا لأنه تعالى أعطاك سواد العين وسويداء القلب ولا شك أن السواد أكبر من السويداء في اللفظ لأن السويداء تصغير السواد ثم إذا وضعت على سواد عينك جزءا من الدنيا لا ترى شيئا فكيف إذا وضعت على السويداء كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئا ( ه ) قال حكيم : القلب ميت وحياته بالعالم والعلم ميت وحياته بالطلب والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب وإظهاره بالمناظرة وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم ونتاجه بالعمل فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكا أبديا لا آخر له ( و ) { قالت نملة يأيها أيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) إلى قوله : { وهم لا يشعرون } كانت رياسة تلك النملة على غيرها لم تكن إلا بسبب أنها علمت مسألة واحدة وهي قوله تعالى : { وهم لا يشعرون } كأنها قالت إن سليمان معصوم والمعصوم لا يجوز منه إيذاء البريء عن الجرم ولكنه لو حطمكم فإنما يصدر ذلك منه على سبيل السهو لأنه لا يعلم حالكم فقوله تعالى : { وهم لا يشعرون } إشارة إلى تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن المعصية فتلك النملة لما علمت هذه المسألة الواحدة استحقت الرياسة التامة فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات كيف لا يستوجب الرياسة في الدنيا والدين ( ز ) الكلب إذا تعلم وأرسله المالك على اسم الله تعالى صار صيده النجس طاهرا والنكتة أن / العلم هناك انضم إلى الكلب فصار النجس ببركة العلم طاهرا ، فههنا النفس والروح طاهرتان في أصل الفطرة إلا أنهما تلوثتا بأقذار المعصية ثم انضم إليهما العلم بالله وبصفاته فنرجو من عميم لطفه أن يقلب النجس طاهرا ههنا والمردود مقبولا ( ح ) القلب رئيس الأعضاء ثم تلك الرياسة ليست للقوة فإن العظم أقوى منه ولا للعظم فإن الفخذ أعظم منه ولا للحدة فإن الظفر أحد منه وإنما تلك الرياسة بسبب العلم فدل على أن العلم أشرف الصفات .

حصہ V02/P177–V02/P178

أما الحكايات : ( ا ) حكي أن هرون الرشيد كان معه فقهاء وكان فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيته مالا بالليل فأقر الآخذ بذلك في المجلس فاتفق الفقهاء على أنه تقطع يده . فقال أبو يوسف : لا قطع عليه ، قالوا لم ؟ قال لأنه أقر بالأخذ والأخذ لا يوجب القطع بل لا بد من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في قوله ، ثم قالوا للآخذ أسرقتها ؟ قال : نعم ، فأجمعوا كلهم على أنه وجب القطع لأنه أقر بالسرقة فقال أبو يوسف : لاقطع لأنه وإن أقر بالسرقة لكن بعد ما وجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ فإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل من ذلك ( ب ) عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان مع بلخ مكبلا بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بلى فقال : الحجاج لتأتيني بها واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضوا عضوا فقال آتيك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج قال : فتعجبت من جرأته بقوله يا حجاج فقال له ولا تأتني بهذه الآية { ندع أبناءنا وأبناءكم } ( آل عمران : 61 ) فقال : آتيك بها واضحة من كتاب الله وهو قوله : { ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان } ( الأنعام : 84 ) إلى قوله : { وزكريا ويحيى وعيسى } فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح ؟ قال : فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا ( ج ) يحكى أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويشنعوا عليه فقال لهم : لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره فأشاروا إلى واحد فقال : هذا أعلمكم ؟ قالوا : نعم قال : والمناظرة معه كالمناظرة معكم ؟ قالوا : نعم قال : والإلزام عليه كالإلزام عليكم ؟ قالوا : نعم قال : وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد لزمتكم الحجة ؟ قالوا : نعم قال : كيف ؟ قالوا : لأنا رضينا به إماما فكان قوله قولا لنا قال : أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة كانت قراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالإلزام ( د ) هجا الفرزدق واحدا فقال : فلقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع در على خالصة وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت هيبة سليمان بن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق عليها فدخلت على سليمان وشكت / الفرزدق فأمر سليمان بإشخاص الفرزدق على أفظع الوجوه مكبلا مقيدا فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك : أنت القائل : فلقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع در على خالصة فقال ما قلته هكذا وإنما غيره على من أراد بي مكروها وإنما قلت : وخالصة من وراء الستر تسمع : فلقد ضاء شعري على بابكم كما ضاء در على خالصة

حصہ V02/P178–V02/P179

فسرى عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر فألقت على الفرزدق ما كان عليها من الحلي وهي زيادة على ألف ألف درهم فأتبعه سليمان بن عبد الملك حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلى من الفرزدق بما ألف ورده على خالصة ( ه ) دعا المنصور أبا حنيفة يوما فقال الربيع وهو يعاديه يا أمير المؤمنين هذا يعني أبا حنيفة يخالف جدك حيث يقول : الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره فقال أبو حنيفة هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس فقال كيف ؟ قال أنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم فضحك المنصور وقال : إياك يا ربيع وأبا حنيفة فلما خرج فقال الربيع يا أبا حنيفة سعيت في دمي فقال أبو حنيفة كنت البادي وأنا المدافع . ويحكى أن مسلما قتل ذميا عمدا فحكم أبو يوسف بقتل المسلم به فبلغ زبيدة ذلك فبعثت إلى أبي يوسف فقالت : إياك وأن تقتل المسلم وكانت في عناية عظيمة بأمر المسلمين فلما حضر أبو يوسف وحضر الفقهاء وجيء بأولياء الذمي والمسلم فقال له الرشيد أحكم بقتله فقال يا أمير المؤمنين هو مذهبي غير أني لست أقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة أن الذمي يوم قتله المسلم كان ممن يؤدي الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه ( ز ) دخل الغضبان على الحجاج بعدما قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال له ما جواب السلام عليك ؟ فقال وعليك السلام ثم فطن الحجاح ، وقال : قاتلك الله يا غضبان ، أخذت لنفسك أمانا بردي عليك أما والله لولا الوفاء والكرم / لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه . فانظر إلى فائدة العلم في هذه الصورة فلله در العلم ومن به تردى ، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى ( ح ) بلغ عبد الملك بن مروان قول الشاعر : فومنا سويد والبطين وقعنب ومنا أمير المؤمنين شبيب

حصہ V02/P179

فأمر به فأدخل عليه ، فقال أنت القائل ومنا أمير المؤمنين شبيب ؟ فقال : إنما قلت ومنا أمير المؤمنين شبيب ، بنصب الراء فناديتك واستغثت بك ، فسرى عن عبد الملك وتخلص الرجل من الهلاك بصنعة يسيرة عملها بعلمه ، وهو أنه حول الضمة فتحة . ( ط ) قال أبو مسلم : صاحب الدولة لسليمان بن كثير : بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى بين يديك ذكرى ، فقلت : اللهم سود وجهه واقطع عنقه وأسقني من دمه ، فقال : نعم قلته ، ولكن في كرم كذا لما نظرت إلى الحصرم فاستحسن / قوله ، وعفا عنه . ( ي ) قال رجل لأبي حنيفة : إني حلفت لا أكلم امرأتي حتى تكلمني وحلفت بصدقة ما تملك أن لا تكلمني أو أكلمها فتحير الفقهاء فيه فقال سفيان من كلم صاحبه حنث فقال أبو حنيفة : إذهب وكلمها ولا حنث عليكما . فذهب إلى سفيان وأخبره بما قال أبو حنيفة ؛ فذهب سفيان إلى أبي حنيفة مغضبا وقال : تبيح الفروجا فقال أبو حنيفة : وما ذاك ؟ قال سفيان : أعيدوا على أبي حنيفة السؤال ، فأعادوا وأعاد أبو حنيفة الفتوى ، فقال من أين قلت ؟ قال : لما شافهته باليمين بعدما حلف كانت مكلمة فسقطت يمينه ، وإن كلمها فلا حنث عليه ولا عليها ؛ لأنه قد كلمها بعد اليمين فسقطت اليمين عنهما . قال سفيان : إنه ليكشف لك من العلم عن شيء كلنا عنه غافل . ( يا ) دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثا أن لا يعلم أحدا ، فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه ، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال : أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأحضرهم إياه ، فقال لهم أبو حنيفة . هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه ؟ قالوا : نعم ، قال : فاجمعوا كلا منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحدا واحدا ، وقولوا أهذا لصك ؟ فإن كان ليس بلصه قال : لا ، وإن كان لصه فليسكت ، وإذا سكت فاقبضوا عليه ، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة ، فرد الله عليه جميع ما سرق منه ( يب ) كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة ، فقال يوما لأبي حنيفة : إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها ، إلا أنهم قد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي ، فقال : احتل واقترض وادخل عليها ، فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك ، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ؛ ثم قال له : بعد الدخول أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد ، وأنك تسافر بأهلك معك : فأظهر الرجل ذلك . فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه ، فقال لهم أبو حنيفة : له ذلك ، فقالوا : وكيف الطريق إلى دفع ذلك ؟

حصہ V02/P179–V02/P180

فقال أبو حنيفة : الطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه ، فأجابوه إليه ؛ فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج ، فقال الزوج : فأنا أريد منهم شيئا آخر فوق ذلك ، فقال أبو حنيفة : أيما أحب إليك أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرت لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضي ما عليها من الدين فقال الرجل الله الله لا يسمعوا بهذا فلا آخذ منهم شيئا ورضي بذلك القدر فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين ( يج ) عن الليث بن سعد قال : قال رجل لأبي حنيفة ؛ لي ابن ليس بمحمود السيرة أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها وأزوجه المرأة بالمال العظيم فيطلقها فقال له أبو حنيفة : إذهب به معك إلى سوق النخاسين فإذا وقعت عينه على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه فإن طلقها عادت إليك مملوكة وإن أعتقها لم يجز عتقه إياها / قال الليث : فوالله ما أعجبني جوابه كما أعجبني سرعة جوابه ( يد ) سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب فقال أبو حنيفة : يسافر مع امرأته فيطؤها نهارا / في رمضان ( يه ) جاء رجل إلى الحجاج فقال : سرقت لي أربعة آلاف درهم فقال الحجاج : من تتهم ؟ فقال : لا أتهم أحدا قال : لعلك أتيت من قبل أهلك ؟ قال : سبحان الله امرأتي خير من ذلك قال الحجاج لعطاره إعمل لي طيبا ذكيا ليس له نظير فعمل له الطيب ثم دعا الشيخ فقال : ادهن من هذه القارورة ولا تدهن منها غيرك ثم قال الحجاج لحرسه : اقعدوا على أبواب المساجد وأراهم الطيب وقال من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه فإذا رجل له وفرة فأخذوه فقال الحجاج من أين لك هذا الذهن ؟ قال : اشتريته قال : أصدقني وإلا قتلتك فصدقه فدعا الشيخ وقال : هذا صاحب الأربعة آلاف عليك بامرأتك فأحسن أدبها ، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل ، وردها إلى صاحبها ( يو ) قال الرشيد يوما لأبي يوسف : عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إلي وقد عرف ذلك وقد حلف أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ، وهو الآن يطلب حل يمينه . فقال : يهب النصف ويبيع النصف ولايحنث ( يز ) قال محمد بن الحسن : كنت نائما ذات ليلة ، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت : انظروا من ذاك ؟ فقالوا : رسول الخليفة يدعوك فخفت على روحي فقمت ومضيت إليه ، فلما دخلت عليه قال : دعوتك في مسألة : إن أم محمد يعني زبيدة قلت لها أنا الإمام العدل ، والإمام العدل في الجنة ، فقالت لي إنك ظالم عاص فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك على الله وحرمت عليك ، فقلت له يا أمير المؤمنين إذاوقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها : فقال إي والله أخاف خوفا شديدا ، فقلت : أنا أشهد أن لك جنتين ، لا جنة واحدة قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلي ( يح ) يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله ، فخاف أبو يوسف على نفسه ، فلبس إزاره ومشى خائفا إلى دار الخليفة ، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه ، فعند ذلك هدأ روعه ، قال الرشيد إن حليا لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة ، فحلفت لتصدقيني أولأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجها ؛ فقال أبو يوسف : فأذن لي في الدخول عليها فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر ؛ فأخلى المجلس ثم قال لها : أمعك الحلى ؟

حصہ V02/P180–V02/P181

فقالت : لا والله ، فقال : لها احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم ، فإذا قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها ، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر بإحضار الجارية فحضرت ، فقال للخليفة : سلها عن الحلى ، فقال لها الخليفة : أسرقت الحلى ؟ قالت : نعم ، قال لها : فهاتها ، قالت : لم أسرقها والله ، قال أبو يوسف : قد صدقت يا أمير المؤمنين في الإقرار أو الإنكار وخرجت مناليمين ، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم ، فقالوا : إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد ، فقال : إن القاضي أعتقنا الليلة / فلا نؤخر صلته إلى الغد ، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله . ( يط ) قال بشر المريسي للشافعي : كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد ، فقال الشافعي : هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس ؟ فأقر به خوفا وانقطع ؛ ( ك ) أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فسلم عليه وسأله حاجة وقال : سمعت جدك يقول : إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة : إما عربي شريف ، أو مولى كريم / أو حامل القرآن ، أو صاحب وجه صبيح فأما العرب فشرفت بجدك ، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم ، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل ، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أردتم أن تنظروا إلي فانظروا إلى الحسن والحسين ، فقال الحسين : ما حاجتك ؟ فكتبها على الأرض ، فقال الحسين سمعت أبي عليا يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه . وسمعت جدي يقول : المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إلي صرة مختومة من العراق فقال : سل ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال : أي الأعمال أفضل قال الأعرابي : الإيمان بالله . قال : فما نجاة العبد من الهلكة قال : الثقة بالله ، قال : فما يزين المرء قال : علم معه حلم قال : فإن أخطأه ذلك قال : فمال معه كرم قال : فإن أخطأه ذلك قال : ففقر معه صبر قال : فإن أخطأه ذلك قال : فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه .

حصہ V02/P181

أما الشواهد العقلية في فضيلة العلم فنقول : اعلم أن كون العلم صفة شرف وكمال وكون الجهل صفة نقصان أمر معلوم للعقلاء بالضرورة ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل فأنه يتأذى بذلك وإن كان يعلم كذب ذلك ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فإنه يفرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك وكل ذلك دليل على أن العلم شريف لذاته ومحبوب لذاته والجهل نقصان لذاته وأيضا فالعلم أينما وجد كان صاحبه محترما معظما حتى أن الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا من جنسهم من كان أوفر عقلا منهم وأغزر فضلا فيما هم فيه وبصدده انقادوا له طوعا فالعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من كان دونهم في العلم ولذلك فإن كثيرا ممن كانوا يعاندون النبي صلى الله عليه وسلم فصدوه ليقتلوه فما كان إلا أن وقع بصرهم عليه فألقى الله في قلوبهم منه روعة وهيبة فهابوه وانقادوا له صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الشاعر : فلو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بداهتة تنبيك عن خبر

حصہ V02/P181–V02/P182

وأيضا فلا شك أن الإنسان أفضل من سائر الحيوانات وليست تلك الفضيلة لقوته وصولته فإن كثيرا من الحيوانات يساويه فيها أو يزيد عليه فأذن تلك الفضيلة ليست إلا لاختصاصه بالمزية / النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعدا لإدراك حقائق الأشياء والاطلاع عليها والاشتغال بعبادة الله على ما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( ) وأيضا الجاهل كأنه في ظلمة شديدة لا يرى شيئا البتة والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات فيطالع الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمحال ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض والجوهر إلى البسيط والمركب ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره والجزء الذي به يمتاز عن غيره ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليه وجزئيه وواحده وكثيره حتى يصير عقله كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها فأي سعادة فوق هذه الدرجة ثم إنه بعد صيرورته كذلك تصير النفوس الجاهلة عالمة فتصير تلك النفس كالشمس في عالم الأرواح وسببا للحياة الأبدية لسائر النفوس فإنها كانت كاملة ثم صارت مكملة وتصير واسطة بين الله وبين عباده ولهذا قال تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) والمفسرون فسروا هذا الروح بالعلم والقرآن وكما أن البدن بلا روح ميت فاسد فكذا الروح بلا علم ميت ونظيره قوله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) فالعلم روح الروح ونور النور ولب اللب ومن خواص هذه السعادة أنها تكون باقية آمنة عن الفناء والتغير ، فإن التصورات الكلية لا يتطرق إليها الزوال والتغير وإذا كانت هذه السعادة في نهاية الجلالة في ذاتها ثم إنها باقية أبد الآبدين ودهر الداهرين كانت لا محالة أكمل السعادات وأيضا فالأنبياء صلوات الله عليهم ما بعثوا إلا للدعوة إلى الحق قال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } ( النحل : 125 ) إلى آخره ، وقال : { قل هاذه سبيلى ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى } ث ( يوسف : 108 ) م خذ من أول الأمر فإنه سبحانه لما قال : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) قالت الملائكة : { أتجعل فيها من يفسد فيها } قال سبحانه : { إني أعلم ما لا تعلمون } فأجابهم سبحانه بكونه عالما فلم يجعل سائر صفات الجلال من القدرة . والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والوجود ، والقدم ، والاستغناء عن المكان والجهة جوابا لهم وموجبا لسكوتهم وإنما جعل صفة العلم جوابا لهم وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف إلا أن صفة العلم أشرف من غيرها ثم إنه سبحانه إنما أظهر فضل آدم عليه السلام بالعلم وذلك يدل أيضا على أن العلم أشرف من غيره ثم إنه سبحانه لما أظهر علمه جعله مسجود الملائكة وخليفة العالم السفلى وذلك يدل على أن تلك المنقبة إنما استحقها آدم عليه السلام بالعلم ثم إن الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس والافتخار بهما إنما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم فإنهما إن حصلا بدون العلم كان ذلك نفاقا والنفاق أخس المراتب قال تعالى : { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) أو تقليدا والتقليد مذموم فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما صار موجبا للافتخار ببركة العلم . ثم إن آدم عليه السلام إنما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ / في مسألة واحدة اجتهادية على ما سيأتي بيانه ولأجل هذا الخطأ القليل وقع فيما وقع فيه والشيء كلما كان الخطر فيه أكثر كان أشرف فذلك يدل على غاية جلالة العلم .

حصہ V02/P182–V02/P183

ثم إنه ببركة جلالة العلم لما تاب وأناب وترك الإصرار والاستكبار وجد خلعة الاجتباء ، ثم انظر إلى إبراهيم عليه السلام كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم على ما قال تعالى : { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا } ( الأنعام : 76 ) ثم انتقل من الكواكب إلى القمر ومن القمر إلى الشمس ولم يزل ينتقل بفكره من شيء إلى شيء إلى أن وصل بالدليل الزاهر والبرهان الباهر إلى المقصود وأعرض عن الشرك فقال : { إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) فلما وصل إلى هذه الدرجة مدحه الله تعالى بأشرف المدائح وعظمه على أتم الوجوه فقال تارة : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض } ( الأنعام : 75 ) وقال أخرى : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء } ( الأنعام : 83 ) ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ من معرفة المبدأ اشتغل بمعرفة المعاد فقال : { وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحى الموتى } ( البقرة : 26 ) ثم لما فرغ من التعلم اشتغل بالتعليم والمحاجة تارة مع أبيه على ما قال : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } ( مريم : 42 ) وتارة مع قومه فقال : { ما هاذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون } ( الأنبياء : 52 ) وأخرى مع ملك زمانه فقال : { ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه } ( البقرة : 258 ) وانظر إلى صالح وهود وشعيب كيف كان اشتغالهم في أوائل أمورهم وأواخرها بالتعلم والتعليم وإرشاد الخلق إلى النظر والتفكر في الدلائل وكذلك أحوال موسى عليه السلام مع فرعون وجنوده ووجوه دلائله معه ، ثم انظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال : { ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى } ( الضحى : 7 8 ) فقدم الامتنان بالعلم على الامتنان بالمال وقال أيضا : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وقال : { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هاذا } ( هود : 49 ) ثم إنه أول ما أوحى إليه قال : { اقرأ باسم ربك } ( العلق : 1 ) ثم قال : { وعلمك ما لم تكن تعلم } ( النساء : 113 ) وهو عليه الصلاة والسلام كان أبدا يقول : أرنا الأشياء كما هي . فلو لم يظهر للإنسان مما ذكرنا من الدلائل النقلية والعقلية شرف العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلا وأيضا فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة . فمنها : الحياة { أو من كان ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) . وثانيها : الروح { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) ، وثالثها : النور { الله نور السماوات والارض } ( النور : 35 ) وأيضا قال تعالى في صفة طالوت : { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } ( البقرة : 247 ) فقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن ، فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحة على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية . وقال يوسف { اجعلنى على خزائن الارض إنى حفيظ عليم } ( يوسف : 55 ) ولم يقل إني حسيب نسيب فصيح مليح ، وأيضا فقد جاء في الخبر ( المرء بأصغريه قلبه ولسانه ) إن تكلم تكلم بلسانه ، وإن قاتل قاتل بجنانه ، قال الشاعر :

حصہ V02/P183

/ لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وأيضا فإن الله تعالى قدم عذاب الجهل على عذاب النار فقال : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم } ( المطففين : 15 ، 16 ) وقال بعضهم : العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه ، قلب متفكر ، ولسان معبر ، وبيان مصور ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( عين العلم من العلو ، ولامه من اللطف ، وميمه من المروءة ) وأيضا قيل العلوم عشرة : علم التوحيد للأديان ، وعلم السر لرد الشيطان ، وعلم المعاشرة للإخوان ، وعلم الشريعة للأركان ، وعلم النجوم للأزمان ، وعلم المبارزة للفرسان ، وعلم السياسة للسلطان ، وعلم الرؤيا للبيان ، وعلم الفراسة للبرهان ، وعلم الطب للأبدان ، وعلم الحقيقة للرحمن ، وأيضا قيل ضرب المثل في العلم بالماء قوله تعالى : { أنزل من السماء مآء } ( البقرة : 22 ) والمياه أربعة : ماء المطر ، وماء السيل ، وماء القناة ، وماء العين فكذا العلوم أربعة علم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر ، وكذا لا ينبغي طلب معرفة كيفية الله عز وجل لئلا يحصل الكفر . وعلم الفقه يزداد بالاستنباط كماء القناة يزداد بالحفر / وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافيا ويتكدر بغبار الهواء كذلك علم الزهد صاف ويتكدر بالطمع وعلم البدع كماء السيل يميت الأحياء ويهلك الخلق فكذا البدع والله أعلم .

حصہ V02/P183–V02/P184

المسألة السابعة : في أقوال الناس في حد العلم قال أبو الحسن الأشعري العلم ما يعلم به وربما قال ما يصير الذات به عالما واعترضوا عليه بأن العالم والمعلوم لا يعرفان إلا بالعلم فتعريف العلم بهما دور وهو غير جائز أجاب عنه بأن علم الإنسان بكونه عالما بنفسه وبألمه ولذاته علم ضروري والعلم بكونه عالما بهذه الأشياء علم بأصل العلم لأن الماهية داخلة في الماهية المقيدة فكان علمه بكون العلم علما علم ضروري فكان الدور ساقطا وسيأتي مزيد تقريره إذا ذكرنا ما نختاره نحن في هذا الباب إن شاء الله تعالى وقال القاضي أبو بكر العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه وربما قال العلم هو المعرفة والاعتراض على الأول أن قوله معرفة المعلوم تعريف العلم بالمعلوم فيعود الدور أيضا فالمعرفة لا تكون إلا وفق المعلوم فقوله على ما هو عليه بعد ذكر المعرفة يكون حشوا ، أما قوله العلم هو المعرفة ففيه وجوه من الخلل : أحدها : أن العلم هو نفس المعرفة فتعريفه بها تعريف للشيء بنفسه وهو محال . وثانيها : أن المعرفة عبارة عن حصول العلم بعد الالتباس ولهذا يقال ما كنت أعرف فلانا والآن فقد عرفته . وثالثها : أن الله تعالى يوصف بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف لأن المعرفة تستدعي سبق الجهل وهو على الله محال وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني : العلم تبيين المعلوم وربما قال إنه استبانة الحقائق وربما اقتصر على التبيين فقال العلم هو التبيين وهو أيضا ضعيف أما قول العلم هو التبيين فليس فيه إلا تبديل لفظ بلفظ أخفى منه ولأن التبيين والاستبانة يشعران بظهور الشيء بعد الخفاء وذلك لا يطرد في علم الله ، وأما قوله تبيين المعلوم على ما هو به فيتوجه عليه الوجوه المذكورة على كلام القاضي قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : العلم ما يصح من المتصف به / إحكام الفعل وإتقانه وهو ضعيف ، لأن العلم بوجوب الواجبات وامتناع الممتنعات لا يفيد الأحكام . وقال القفال : العلم إثبات المعلوم على ما هو به وربما قيل العلم تصور المعلوم على ما هو به والوجوه السالفة متوجهة على هذه العبارة . وقال إمام الحرمين : الطريق إلى تصور ماهية العلم وتميزها عن غيرها أن نقول إنا نجد من أنفسنا بالضرورة كوننا معتقدين في بعض الأشياء ، فنقول اعتقادنا في الشيء ، إما أن يكون جازما أو لا يكون ، فإن كان جازما فأما أن يكون مطابقا أو غير مطابق فإن كان مطابقا فأما أن يكون لموجب هو نفس طرفي الموضوع والمحمول وهو العلم البديهي أو لموجب حصل من تركيب تلك العلوم الضرورية وهو العلم النظري أولا لموجب وهو اعتقاد المقلد ، وأما الجزم الذي لا يكون مطابقا فهو الجهل والذي لا يكون جازما فأما أن يكون الطرفان متساويين وهو الشك أو يكون أحدهما أرجح من الآخر فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم واعلم أن هذا التعريف مختل من وجوه : أحدها : أن هذا التعريف لا يتم إلا إذا ادعينا أن علمنا بماهية الإعتقاد علم بديهي وإذا جاز ذلك فلم لا ندعي أن العلم بماهية العلم بديهي . وثانيها : أن هذا تعريف العلم بانتفاء أضداده وليست معرفة هذه الأضداد أقوى من معرفة العلم حتى يجعل عدم النقيض معرفا للنقيض فيرجع حاصل الأمر إلى تعريف الشيء بمثله أو بالأخفى .

حصہ V02/P184–V02/P185

وثالثها : أن العلم قد يكون تصورا وقد يكون تصديقا والتصور لا يتطرق إليه الجزم ولا التردد ولا القوة ولا الضعف فإذا كان كذلك كانت العلوم التصورية خارجة عن هذا التعريف قالت المعتزلة العلم هو الإعتقاد المقتضى سكون النفس وربما قالوا العلم ما يقتضي سكون النفس قالوا : ولفظ السكون وإن كان مجازا ههنا إلا أن المقصود منه لما كان ظاهرا لم يكن ذكره قادحا في المقصود واعلم أن الأصحاب قالوا : الإعتقاد جنس مخالف للعلم فلا يجوز جعل العلم منه ولهم أن يقولوا لا شك أن بين العلم واعتقاد المقلد قدرا مشتركا فنحن نعني بالاعتقاد ذلك القدر قال الأصحاب وهذا التعريف يخرج عنه أيضا علم الله تعالى فإنه لا يجوز أن يقال فيه إنه يقتضي سكون النفس قالت الفلاسفة العلم صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم وفي هذا التعريف عيوب : أحدها : إطلاق لفظ الصورة على العلم لا شك أنه من المجازات فلا بد في ذلك من تلخيص الحقيقة والذي يقال إنه كما يحصل في المرآة صورة الوجه فكذلك تحصل صورة المعلوم في الذهن وهو ضعيف لأنا إذا عقلنا الجبل والبحر فإن حصلا في الذهن ففي الذهن جبل وبحر وهذا محال وإن لم يحصلا في الذهن ولكن الحاصل في الذهن صورتاهما فقط فحينئذ يكون المعلوم هو الصورة فالشيء الذي تلك الصورة صورته وجب أن لا يصير معلوما وإن قيل حصلت الصورة ومحلها في الذهن فحينئذ يعود ما ذكرنا من أنه يحصل الجبل والبحر في الذهن . وثانيها : أن قوله مطابقة للمعلوم يقتضي الدور ، وثالثها : أن عندهم المعلومات قد تكون موجودة في الخارج وقد لا تكون وهي التي يسمونها بالأمور الاعتبارية والصور الذهنية والمعقولات الثانية والمطابقة في هذا القسم غير معقول . ورابعها : / أنا قد نعقل المعدوم ولا يمكن أن يقال الصورة العقلية مطابقة للمعدوم لأن المطابقة تقتضي كون المتطابقين أمرا ثبوتيا والمعدوم نفي محض يستحيل تحقق المطابقة فيه ولقد حاول الغزالي إيضاح كلام الفلاسفة في تعريف العلم فقال إدراك البصيرة الباطنة نفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة كما نتوهم انطباع الصورة في المرآة مثلا فكما أن البصر يأخذ صورة المبصرات أي ينطبع فيه مثالها المطابق لها لا عينها فإن عين النار لا تنطبع في العين بل مثال مطابق صورتها فكذا العقل على مثال مرآة ينطبع فيها صور المعقولات وأعني بصورة المعقولات حقائقها وماهياتها ففي المرآة أمور ثلاثة : الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيه فكذا جوهر الآدمي كالحديد وعقله كالصقالة والمعلوم كالصورة واعلم أن هذا الكلام ساقط جدا أما قوله لا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة فباطل لوجوه : أحدها : أنه ذكر في تعريف الأبصار المبصر والباصر وهو دور . وثانيها : أنه لو كان الأبصار عبارة عن نفس هذا الانطباع لما أبصرنا إلا بمقدار نقطة الناظر لاستحالة انطباع العظيم في الصغير فإن قيل الصورة الصغيرة المنطبعة شرط لحصول إبصار الشيء العظيم في الخارج قلنا الشرط مغاير للمشروط فالإبصار مغاير للصورة المنطبعة .

حصہ V02/P185–V02/P186

وثالثها : أنا نرى المرئي حيث هو ، ولو كان المرئي هو الصورة المنطبعة لما رأيته في حيزه ومكانه ، وأما قوله : فكذا العقل ينطبع فيه صور المعقولات فضعيف لأن الصورة المرتسمة من الحرارة في العقل ، إما أن تكون مساوية للحرارة في الماهية أو لا تكون ، فإن كان الأول لزم أن يصير العقل حارا عند تصور الحرارة لأن الحار لا معنى له إلا الموصوف بالحرارة ، وإن كان الثاني لم يكن تعقل الماهية إلا عبارة عن حصول شيء في الذهن مخالف للحرارة في الماهية وذلك يبطل قوله ، وأما الذي ذكر من انطباع الصور في المرآة فقد اتفق المحققون من الفلاسفة على أن صورة المرئي لا تنطبع في المرآة فثبت أن الذي ذكره في تقرير قولهم لا يوافق قولهم ولا يلائم أصولهم ولما ثبت أن التعريفات التي ذكرها الناس باطلة فاعلم أن العجز عن التعريف قد يكون لخفاء المطلوب جدا وقد يكون لبلوغه في الجلاء إلى حيث لا يوجد شيء أعرف منه ليجعل معرفا له / والعجز عن تعريف ا لعلم لهذا الباب والحق أن ماهية العلم متصورة تصورا بديهيا جليا ، فلا حاجة في معرفته إلى معرف ، والدليل عليه أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه يعلم وجود نفسه وأنه يعلم أنه ليس على السماء ولا في لجة البحر ، والعلم الضروري بكونه عالما بهذه الأشياء علم باتصاف ذاته بهذه العلوم والعالم بانتساب شيء إلى شيء عالم لا محالة بكلا الطرفين ، فلما كان العلم الضروري بهذه المنسوبية حاصلا كان العلم الضروري بماهية العلم حاصلا وإذا كان كذلك كان تعريفه ممتنعا فهذا القدر كاف ههنا وسائر التدقيقات مذكورة في ( الكتب العقلية ) والله أعلم .

حصہ V02/P186

المسألة الثامنة : في البحث عن ألفاظ يظن بها أنها مرادفة للعلم وهي ثلاثون : أحدها : / الإدراك وهو اللقاء والوصول يقال أدرك الغلام وأدركت الثمرة قال تعالى : { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } ( الشعراء : 61 ) فالقوة العاقلة إذا وصلت إلى ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكا من هذه الجهة ، وثانيها : الشعور وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعلوم إلى القوة العاقلة وكأنه إدراك متزلزل ولهذا يقال في الله تعالى إنه يشعر بكذا كما يقال إنه يعلم كذا ، وثالثها : التصور إذا حصل وقوف القوة العاقلة على المعنى وأدركه بتمامه فذلك هو التصور ، واعلم أن التصور لفظ مشتق من الصورة ولفظ الصورة حيث وضع فإنما وضع للهيئة الجسمانية الحاصلة في الجسم المتشكل إلا أن الناس لما تخيلوا أن حقائق المعلومات تصير حالة في القوة العاقلة كما أن الشكل والهيئة يحلان في المادة الجسمانية أطلقوا لفظ التصور عليه بهذا التأويل . ورابعها : الحفظ فإذا حصلت الصورة في العقل وتأكدت واستحكمت وصارت بحيث لو زالت لتمكنت القوة العاقلة من استرجاعها واستعادتها سميت تلك الحالة حفظا ولما كان الحفظ مشعرا بالتأكد بعد الضعف لا جرم لا يسمى علم الله حفظا ولأنه إنما يحتاج إلى الحفظ ما يجوز زواله ولما كان ذلك في علم الله تعالى محالا لا جرم لا يسمى ذلك حفظا . وخامسها : التذكر وهو أن الصورة المحفوظة إذا زالت عن القوة العاقلة فإذا حاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر . واعلم أن للتذكر سرا لا يعلمه إلا الله تعالى وهو أن التذكر صار عبارة عن طلب رجوع تلك الصورة الممحية الزائلة فتلك الصورة إن كانت مشعورا بها فهي حاضرة حاصلة والحاصل لا يمكن تحصيله فلا يمكن حينئذ استرجاعها وإن لم تكن مشعورا بها كان الذهن غافلا عنها وإذا كان غافلا عنها استحال أن يكون طالبا لاسترجاعها لأن طلب ما لا يكون متصورا محال فعلى كلا التقديرين يكون التذكر المفسر بطلب الاسترجاع ممتنعا مع أنا نجد من أنفسنا أنا قد نطلبها ونسترجعها وهذه الأسرار إذا توغل العاقل فيها وتأملها عرف أنه لا يعرف كنهها مع أنها من أظهر الأشياء عند الناس فكيف القول في الأشياء التي هي أخفى الأمور وأعضلها على العقول والأذهان . وسادسها : الذكر فالصورة الزائلة إذا حاول استرجاعها فإذا عادت وحضرت بعد ذلك الطلب سمي ذلك الوجدان ذكرا فإن لم يكن هذا الإدراك مسبوقا بالزوال لم يسم ذلك الإدراك ذكرا ولهذا قال الشاعر : فالله يعلم أني لست أذكره وكيف أذكره إذ لست أنساه

حصہ V02/P186–V02/P187

فجعل حصول النسيان شرطا لحصول الذكر ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حصول المعنى في النفس قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) وههنا دقيقة تفسيرية وهي أنه سبحانه وتعالى قال : { فاذكرونى أذكركم } ( البقرة : 52 ) فهذا الأمر هل يتوجه على العبد حال حصول النسيان أو بعد زواله فإن كان الأول فهو حال النسيان غافل عن الأمر وكيف يوجه عليه التكليف مع النسيان وإن كان الثاني فهو ذاكر والذكر حاصل وتحصيل الحاصل محال فكيف كلفه به / وهو أيضا متوجه على قوله : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله } ( محمد : 19 ) إلا أن الجواب في قوله فاعلم أن المأمور به إنما هو معرفة للتوحيد وهذا من باب التصديقات فلا يقوى فيه ذلك الإشكال وأما الذكر فهو من باب التصورات فيقوى فيه ذلك الإشكال وجوابه على الإطلاق أنا نجد من أنفسنا أنه يمكننا التذكر وإذا كان ذلك ممكنا كان ما ذكرته تشكيكا في الضروريات فلا يستحق الجواب . بقي أن يقال فكيف يتذكر فنقول لا نعرف كيف يتذكر لكن علمك بتمكنك في علمك بأن في الجملة يكفيك في الاشتغال بالمجاهدة وعجزك عن إدراك تلك الكيفية يكفيك من التذكر ذاك ليس منك بل ههنا سر آخر وهو أنك لما عجزت عن إدراك ماهية التذكر والذكر مع أنه صفتك فأنى يمكنك الوقوف على كنه المذكور مع أنه أبعد الأشياء مناسبة منك فسبحان من جعل أظهر الأشياء أخفاها ليتوصل العبد به إلى كنه عجزه ونهاية قصوره فحينئذ يطالع شيئا من مبادىء مقادير أسرار كونه ظاهرا باطنا . وسابعها : المعرفة وقد اختلفت الأقوال في تفسير هذه اللفظة فمنهم من قال المعرفة إدراك الجزئيات والعلم إدراك الكليات وآخرون قالوا المعرفة التصور والعلم هو التصديق وهؤلاء جعلوا العرفان أعظم درجة من العلم قالوا لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة فأما تصور حقيقته فأمر فوق الطاقة البشرية ولأن الشيء ما لم يعرف وجوده فلا تطلب ماهيته فعلى هذا الطريق كل عارف عالم وليس كل عالم عارفا ولذلك فإن الرجل لا يسمى بالعارف إلا إذا توغل في ميادين العلم وترقى من مطالعها إلى مقاطعها ومن مباديها إلى غياتها بحسب الطاقة البشرية وفي الحقيقة فإن أحدا من البشر لا يعرف الله تعالى لأن الاطلاع على كنه هويته وسر ألوهيته محال . وآخرون قالوا من أدرك شيئا وانحفظ أثره في نفسه ثم أدرك ذلك الشيء ثانيا وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانيا هو الذي أدركه أولا فهذا هو المعرفة فيقال : عرفت هذا الرجل وهو فلان الذي كنت رأيته وقت كذا . ثم في الناس من يقول بقدم الأرواح ومنهم من يقول بتقدمها على الأبدان ويقول إنها هي الذر المستخرج من صلب آدم عليه السلام وإنها أقرت بالإلهية واعترفت بالربوبية إلا أنها لظلمة العلاقة البدنية نسيت مولاها فإذا عادت إلى نفسها متخلصة من ظلمة البدن وهاوية الجسم عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة به فلا جرم سمى هذا الإدراك عرفانا . وثامنها : الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب والإفهام هو اتصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع ، وتاسعها : الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من خطابه يقال فقهت كلامك أي وقفت على غرضك من هذا الخطاب ثم إن كفار قريش لما كانوا أرباب الشبهات والشهوات فما كانوا يقفون على ما في تكاليف الله تعالى من المنافع العظيمة لا جرم قال تعالى : { لا يكادون يفقهون قولا } ( الكهف : 93 ) أي لا يقفون على المقصود الأصلي والغرض الحقيقي .

حصہ V02/P187–V02/P188

وعاشرها : العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها فإنك متى علمت ما فيها من المضار والمنافع صار علمك بما في / الشيء من النفع داعيا لك إلى الفعل وعلمك بما فيه من الضرر داعيا لك إلى الترك فصار ذلك العلم مانعا من الفعل مرة ومن الترك أخرى فيجري ذلك العلم مجرى عقال الناقة . ولهذا لما سئل بعض الصالحين عن العقل ، قال هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ولما سئل عن العاقل قال العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه ، فهذا هو القدر اللائق بهذا المكان والاستقصاء فيه يجيء في موضع آخر إن شاء الله تعالى . الحادي عشر : الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيل وهو تقديم المقدمات واستعمال الروية وأصله من دريت الصيد والدرية لما يتعلم عليه الطعن والمدرى يقال لما يصلح به الشعر وهذا لا يصح إطلاقه على الله تعالى لامتناع الفكر والحيل عليه تعالى . الثاني عشر : الحكمة : وهي اسم لكل علم حسن ، وعمل صالح وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري وفي العمل أكثر استعمالا منه في العلم ، ومنها يقال أحكم العمل إحكاما إذا أتقنه وحكم بكذا حكما والحكمة من الله تعالى خلق ما فيه منفعة العباد ومصلحتهم في الحال وفي المآل ومن العباد أيضا كذلك ثم قد حدت الحكمة بألفاظ مختلفة فقيل هي معرفة الأشياء بحقائقها ، وهذا إشارة إلى أن إدراك الجزئيات لا كمال فيه لأنها إدراكات متغيرة . فأما إدراك الماهية ، فإنه باق مصون عن التغير والتبدل وقيل هي الإتيان بالفعل الذي عاقبته محمودة وقيل هي الاقتداء بالخالق سبحانه وتعالى في السياسة بقدر الطاقة البشرية وذلك بأن يجتهد بأن ينزه علمه عن الجهل وفعله عن الجور وجوده عن البخل وحلمه عن السفه . الثالث عشر : علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين قالوا إن اليقين لا يحصل إلا إذا اعتقد أن الشيء كذا وأنه يمتنع كون الأمر بخلاف معتقده إذا كان لذلك الإعتقاد موجب هو إما بديهية الفطرة وإما نظر العقل ، الرابع عشر : الذهن وهو قوة النفس على اكتساب العلوم التي هي غير حاصلة وتحقيق القول فيه إنه سبحانه وتعالى خلق الروح خاليا عن تحقيق الأشياء وعن العلم بها كما قال تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } لكنه سبحانه وتعالى إنما خلقها للطاعة على ما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) والطاعة مشروطة بالعلم وقال في موضع آخر { اتل ما لذكرى } ( طه : 14 ) فبين أنه أمر بالطاعة لغرض العلم والعلم لا بد منه على كل حال فلا بد وأن تكون النفس متمكنة من تحصيل هذه المعارف والعلوم فأعطاه الحق سبحانه من الحواس ما أعان على تحصيل هذا الغرض فقال في السمع : { وهديناه النجدين } ( البلد : 10 ) وقال في البصر : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } فصلت : 53 ) وقال في الفكر : { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) فإذا تطابقت هذه القوى صار الروح الجاهل عالما وهو معنى قوله تعالى : { الرحمان علم القرءان } ( الرحمن : 1 ) فالحاصل أن استعداد النفس لتحصيل هذه المعارف هو الذهن . الخامس عشر : الفكر وهو انتقال الروح من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة قال بعض المحققين إن الفكر يجري مجرى التضرع إلى الله تعالى في استنزال العلوم من عنده .

حصہ V02/P188–V02/P190

السادس عشر : الحدس ولا / شك أن الفكر لا يتم عمله إلا بوجدان شيء يتوسط بين طرفي المجهول لتصير النسبة المجهولة معلومة فإن النفس حال كونها جاهلة كأنها واقفة في ظلمة ولا بد لها من قائد يقودها وسائق يسوقها وذلك هو المتوسط بين الطرفين وله إلى كل واحد منهما نسبة خاصة فيتولد من نسبته إليهما مقدمتان فكل مجهول لا يحصل العلم به إلا بواسطة مقدمتين معلومتين والمقدمتان هما كالشاهدين فكم أنه لا بد في الشرع من شاهدين فكذا لا بد في العقل من شاهدين وهما المقدمتان اللتان تنتجان المطلوب فاستعداد النفس لوجدان ذلك المتوسط هو الحدس . السابع عشر : الذكاء وهو شدة الحدس وكماله وبلوغه الغاية القصوى وذلك لأن الذكاء هو المضاء في الأمر وسرعة القطع بالحق وأصله من ذكت النار وذكت الريح وشاة مذكاة أي مدرك ذبحها بحدة السكين . الثامن عشر : الفطنة وهي عبارة عن التنبه لشيء قصد تعريضه ولذلك فإنه يستعمل في الأكثر في استنباط الأحاجي والرموز . التاسع عشر : الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل الدليل وفي الحقيقة ذلك المعلوم هو الخاطر بالبال والحاضر في النفس ولذلك يقال : هذا خطر ببالي إلا أن النفس لما كانت محلا لذلك المعنى الخاطر جعلت خاطرا إطلاقا لاسم الحال على المحل . العشرون : الوهم وهو الإعتقاد المرجوح وقد يقال إنه عبارة عن الحكم بأمور جزئية غير محسوسية لأشخاص جزئية جسمانية كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة المؤذي . الحادي والعشرون : الظن وهو الإعتقاد الراجح ولما كان قبول الإعتقاد للقوة والضعف غير مضبوط فكذا مراتب الظن غير مضبوطة فلهذا قيل أنه عبارة عن ترجيح أحد طرفي المعتقد في القلب على الآخر مع تجويز الطرف الآخر ثم إن الظن المتناهي في القوة قد يطلق عليه اسم العلم فلا جرم قد يطلق أيضا على العلم اسم الظن كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) قالوا : إنما أطلق لفظ الظن على العلم ههنا لوجهين : أحدهما : التنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالإضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم . والثاني : أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى : { الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } ( الحجرات : 15 ) واعلم أن الظن إن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال هذا العلم . وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم كقوله تعالى : { إن الظن لا يغنى عن الحق شيئا } ( النجم : 28 ) وقوله : { إن بعض الظن إثم } ( الحجرات : 12 ) الثاني والعشرون : الخيال . وهو عبارة من الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته . ومنه الطيف الوارد من صورة المحبوب خيالا والخيال قد يقال لتلك الصورة في المنام وفي اليقظة ، والطيف لا يقال إلا فيما كان في حال النوم . الثالث والعشرون : البديهة وهي المعرفة الحاصلة ابتداء في النفس لا بسبب الفكر كعلمك بأن الواحد نصف الاثنين . الرابع والعشرون : الأوليات وهي البديهيات بعينها والسبب في هذه التسمية أن الذهن يلحق محمول القضية بموضوعها أولا لا بتوسط شيء آخر فأما الذي يكون بتوسط شيء آخر . فذاك المتوسط هو المحمول أولا / الخامس والعشرون : الروية ، وهي ما كان من المعرفة بعد فكر كثير ، وهي من روى ، السادس والعشرون : الكياسة . وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع . ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ) . من حيث إنه لا خير يصل إليه الإنسان أفضل مما بعد الموت . السابع والعشرون : الخبرة ، وهي معرفة يتوصل إليها بطريق التجربة ، يقال خبرته قال أبو الدرداء : وجدت الناس أخبر تقله .

حصہ V02/P190

وقيل هو من قولهم : ناقة خبرة . أي غزيرة اللبن ، فكان الخبر هو غزارة المعرفة . ويجوز أن يكون قولهم ناقة خبرة : هي المخبر عنها بغزارتها . الثامن والعشرون : الرأي ، وهو إحاطة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب ، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي ، والرأي للفكر كالآلة للصانع ، ولهذا قيل : إياك والرأي الفطير ، وقيل : دع الرأي تصب . التاسع والعشرون : الفراسة وهي الاستدلال بالحق الظاهر على الخلق الباطن ، وقد نبه الله تعالى على صدق هذا الطريق بقوله تعالى : { إن فى ذلك لآيات للمتوسمين } ( الحجر : 75 ) وقوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم } ( البقرة : 273 ) وقوله تعالى : { ولتعرفنهم فى لحن القول } ( محمد : 30 ) واشتقاقها من قولهم : فرس السبع الشاة ، فكأن الفراسة اختلاس المعارف ، وذلك ضربان : ضرب يحصل للإنسان عن خاطره ولا يعرف له سبب ، وذلك ضرب من الإلهام بل ضرب من الوحي ، وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إن في أمتي لمحدثين وإن عمر لمنهم ) ويسمى ذلك أيضا النفث في الروع ، والضرب الثاني من الفراسة ما يكون بصناعة متعلمة وهي الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة وقال أهل المعرفة في قوله تعالى : { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه } ( هود : 17 ) إن البينة هو القسم الأول وهو إشارة إلى صفاء جوهر الروح والشاهد هو القسم الثاني وهو الاستدلال بالأشكال على الأحوال .

حصہ V02/P190–V02/P191

المسألة التاسعة : قوله تعالى : { وعلم ءادم الاسماء كلها } وقوله : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } وقوله : { الرحمان علم القرءان } لا يقتضي وصف الله تعالى بأنه معلم لأنه حصل في هذه اللفظة تعارف على وجه لا يجوز إطلاقه عليه وهو من يحترف بالتعليم والتلقين وكما لا يقال للمدرس معلم مطلقا حتى لو أوصى للمتعلمين لا يدخل فيه المدرس فكذا لا يقال لله إنه معلم إلا مع التقييد ولولا هذا التعارف لحسن إطلاقه عليه بل كان يجب أن لا يستعمل إلا فيه تعالى لأن المعلم هو الذي يحصل العلم في غيره ولا قدرة على ذلك لأحد إلا الله تعالى . ! 7 < { قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ إنك أنت العليم الحكيم قال ياءادم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم بأسمآئهم قال ألم أقل لكم إنيأعلم غيب السماوات والا رض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } . > 7 < البقرة : ( 32 - 33 ) قالوا سبحانك لا . . . . . > > @192@ اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } قالوا : إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم : { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين : الأول : أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه ، الثاني : أن الملائكة إنما قالوا : { أتجعل فيها } لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها . وههنا مسائل : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله تعالى : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقص قوله : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } . المسألة الثانية : احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) وقوله : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } ( الجن : 26 ، 27 ) وللمنجم أن يقول للمعتزلي إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم فإذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضا بتعليم الله تعالى ، ويمكن أن يقال أيضا إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة الغيب فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى . المسألة الثالثة : العليم من صفات المبالغة التامة في العلم ، والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات ، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى ، فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو ، فلذلك قال إنك أنت العليم الحكيم } على سبيل الحصر .

حصہ V02/P191–V02/P192

/ المسألة الرابعة : الحكيم يستعمل على وجهين : أحدهما : بمعنى العليم فيكون ذلك من صفات الذات ، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في الأزل . الآخر : أنه الذي يكون فاعلا لما لا عتراض لأحد عليه . فيكون ذلك من صفات الفعل ، فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار ، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل المعلومات فأمكنك تعليم آدم ، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه . وعن ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم ، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض . المسألة الخامسة : أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك : { } على سبيل الحصر . / المسألة الرابعة : الحكيم يستعمل على وجهين : أحدهما : بمعنى العليم فيكون ذلك من صفات الذات ، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في الأزل . الآخر : أنه الذي يكون فاعلا لما لا عتراض لأحد عليه . فيكون ذلك من صفات الفعل ، فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار ، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل المعلومات فأمكنك تعليم آدم ، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه . وعن ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم ، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض . المسألة الخامسة : أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك : { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض } والمراد من هذا الغيب أنه تعالى كان عالما بأحوال آدم عليه السلام قبل أن يخلقه وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها ، وذلك يدل على بطلان مذهب هشام بن الحكم في أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها ، فإن قيل الإيمان هو العلم ، فقوله تعالى : { يؤمنون بالغيب } يدل على أن العبد يعلم الغيب فكيف قال ههنا : { إني أعلم غيب السماوات والارض } والأشعار بأن علم الغيب ليس إلا لي وأن كل من سواي فهم خالون عن علم الغيب وجوابه ما تقدم في قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } أما قوله : { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } ففيه وجوه : أحدها : ما روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أن قوله : { وأعلم ما تبدون } أراد به قولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } وقوله : { وما كنتم تكتمون } أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد : وثانيها : { إني أعلم ما لا تعلمون } من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها . وثالثها : أنه تعالى لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجيبا فقالوا ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموا ويجوز أن يكون هذا القول سرا أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان . ورابعها : وهو قول الحكماء أن الأقسام خمسة لأن الشيء إما أن يكون خيرا محضا أو شرا محضا أو ممتزجا وعلى تقدير الامتزاج فأما أن يعتدل الأمر أن أو يكون الخير غالبا أو يكون الشر غالبا أما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده وأما الذي يكون فيه الخير غالبا فالحكمة تقتضي إيجاده لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا الفساد والقتل وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات فقوله : { إني أعلم غيب السماوات والارض } فأعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور فاقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم .

سوالات