Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V24/P142

وأما الحديث فما روى النعمان بن بشير قال سمعته عليه السلام يقول : ( ألا وإن في الجسد مضغة / إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) وأما المعقول فوجوه : أحدها : أن القلب إذا غشي عليه فلو قطع سائر الأعضاء لم يحصل الشعور به وإذا أفاق القلب فإنه يشعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات فدل ذلك على أن سائر الأعضاء تبع للقلب ولذلك فإن القلب إذا فرح أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك ، وكذا القول في سائر الأعراض النفسانية وثانيها : أن القلب منبع المشاق الباعثة على الأفعال الصادرة من سائر الأعضاء وإذا كانت المشاق مبادىء للأفعال ومنبعها هو القلب كان الآمر المطلق هو القلب وثالثها : أن معدن العقل هو القلب وإذا كان كذلك كان الآمر المطلق هو القلب .

حصہ V24/P142–V24/P143

أما المقدمة الأولى : ففيها النزاع فإن طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن معدن العقل هو الدماغ والذي يدل على قولنا وجوه : الأول : قوله تعالى : { أولم يسيروا فى الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } ( الحج : 46 ) وقوله : { لهم قلوب لا يفقهون بها } ( الأعراف : 179 ) وقوله : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب } ( ق : 37 ) أي عقل ، أطلق عليه اسم القلب لما أنه معدنه الثاني : أنه تعالى أضاف أضداد العلم إلى القلب ، وقال : { فى قلوبهم مرض } ( البقرة : 10 ) ، { ختم الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ) وقولهم : { قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم } ( النساء : 155 ) ، { يحذر المنافقين إن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } ( التوبة : 64 ) ، { يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم } ( الفتح : 11 ) ، { كلا بل ران على قلوبهم } ( المطففين : 14 ) ، { أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها } ( محمد : 24 ) ، { فإنها لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هو القلب فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضا هو القلب الثالث : وهو أنا إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة في ناحية القلب ، ولذلك فإن الواحد منا إذا أمعن في الفكر وأكثر منه أحس من قلبه ضيقا وضجرا حتى كأنه يتألم بذلك ، وكل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلف هو القلب لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم الرابع : وهو أن القلب أول الأعضاء تكونا ، وآخرها موتا ، وقد ثبت ذلك بالتشريح ولأنه متمكن في الصدر الذي هو أوسط الجسد ، ومن شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا في وسط المملكة لتكتنفهم الحواشي من الجوانب فيكونوا أبعد من الآفات ، واحتج من قال العقل في الدماغ بأمور : أحدها : أن الحواس التي هي الآلات للإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب وثانيها : أن الأعصاب التي هي الآلات في الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب وثالثها : أن الآفة إذا حلت في الدماغ اختل العقل ورابعها : أن في العرف كل من أريد وصفه بقلة العقل قيل إنه خفيف الدماغ خفيف الرأس وخامسها : أن العقل أشرف فيكون مكانه أشرف ، والأعلى هو الأشرف وذلك هو الدماغ لا القلب فوجب أن يكون محل العقل هو الدماغ والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال الحواس تؤدي آثارها إلى الدماغ ، ثم إن الدماغ يؤدي تلك الآثار إلى القلب ، فالدماغ آلة قريبة للقلب / للقلب والحواس آلات بعيدة فالحس يخدم الدماغ ، ثم الدماغ يخدم القلب وتحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الأمر الفلاني يجب فعله أو يجب تركه ، فإن الأعضاء تتحرك عند ذلك ، ونحن نجد التعقلات من جانب القلب لا من جانب الدماغ وعن الثاني : أنه لا يبعد أن يتأدى الأثر من القلب إلى الدماغ ، ثم الدماغ يحرك الأعضاء بواسطة الأعصاب النابتة منه ، وعن الثالث : لا يبعد أن يكون سلامة الدماغ شرطا لوصول تأثير القلب إلى سائر الأعضاء ، وعن الرابع : أن ذلك العرف إنما كان لأن القلب إنما يعتدل مزاحه بما يستمد من الدماغ من برودته ، فإذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضا ، إما لازدياد حرارته عن القدر الواجب أو لنقصان حراراته عن ذلك القدر فحينئذ يختل العقل وعن الخامس : أنه لو صح ما قالوه لوجب أن يكون موضع العقل هو القحف ، ولما بطل ذلك ثبت فساد قولهم والله أعلم .

حصہ V24/P143–V24/P144

فرع : اعلم أن المعاني التي بينا كونها مختصة بالقلوب قد تضاف إلى الصدر تارة وإلى الفؤاد أخرى ، أما الصدر فلقوله تعالى : { وحصل ما فى الصدور } ( العاديات : 10 ) وقوله : { وليبتلى الله ما فى صدوركم } ( آل عمران : 154 ) وقوله تعالى : { إنه عليم بذات الصدور } ( هود : 5 ) ، { وأن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه } ( آل عمران : 29 ) وأما الفؤاد فقوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ومن الناس من فرق بين القلب والفؤاد فقال : القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد دون ما يكتنفها من اللحم والشحم ، ومجموع ذلك هو الفؤاد ومنهم من قال القلب والفؤاد لفظان مترادفان ، وكيف كان فيجب أن يعلم أن من جملة العضو المسمى قلبا وفؤادا موضعا هو الموضع في الحقيقة للعقل والاختيار ، وأن معظم جرم هذا العضو مسخر لذلك الموضع ، كما أن سائر الأعضاء مسخرة للقلب ، فإن العضو قد تزيد أجزاؤه من غير ازدياد المعاني المنسوبة إليه أعني العقل والفرح والحزن وقد ينقص من غير نقصان في تلك المعاني ، فيشبه أن يكون اسم القلب اسما للأجزاء التي تحل فيها هذه المعاني بالحقيقة / واسم الفؤاد يكون اسما لمجموع العضو ، فهذا هو الكلام في هذا الباب والله الموفق للصواب . وأما قوله تعالى : { لتكون من المنذرين } فيدخل تحت الإنذار الدعاء إلى كل واجب من علم وعمل والمنع من كل قبيح لأن في الوجهين جميعا يدخل الخوف من العقاب . وأما قوله تعالى : { بلسان عربى مبين } فالباء إما أن تتعلق بالمنذرين فيكون المعنى لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان ، وهم خمسة هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم السلام ، وإما أن تتعلق بنزل فيكون المعنى نزله باللسان العربي لينذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجمي ( لتجافوا عنه أهلا و ) لقالوا له ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به ، وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه ويفهمه قومك ، ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك ، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها . / وأما قوله تعالى : { وإنه لفى زبر الاولين } فيحتمل هذه الأخبار خاصة ، ويحتمل أن يكون المراد صفة القرآن ، ويحتمل صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون المراد وجوه التخويف ، لأن ذكر هذه الأشياء بأسرها قد تقدم . ! 7 < { أو لم يكن لهم ءاية أن يعلمه علماء بنىإسراءيل ولو نزلناه على بعض الا عجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الا ليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } . > 7 ! < < الشعراء : ( 197 - 202 ) أو لم يكن . . . . .

حصہ V24/P144–V24/P145

> > اعلم أن قوله تعالى : { أو لم يكن لهم ءاية أن يعلمه علماء بنى إسراءيل } المراد منه ذكر الحجة الثانية على نبوته عليه السلام وصدقه ، وتقريره أن جماعة من علماء بني إسرائيل أسلموا ونصوا على مواضع في التوراة والإنجيل ذكر فيها الرسول عليه الصلاة والسلام بصفته ونعته ، وقد كان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود ويتعرفون منهم هذا الخبر ، وهذا يدل دلالة ظاهرة على نبوته لأن تطابق الكتب الإلهية على نعته ووصفه يدل قطعا على نبوته ، واعلم أنه قرىء { يكن } بالتذكير ، وآية النصب على أنها خبره و ( أن يعلمه ) هو الاسم ، وقرىء { تكن } بالتأنيث وجعلت ( آية ) اسما و ( أن يعلمه ) خبرا ، وليست كالأولى لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا ، ويجوز مع نصب الآية تأنيث ( يكن ) كقوله : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا } ( الأنعام : 23 ) . وأما قوله : { ولو نزلناه على بعض الاعجمين } فاعلم أنه تعالى لما بين بالدليلين المذكورين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق لهجته بين بعد ذلك أن هؤلاء الكفار لا تنفعهم الدلائل ولا البراهين ، فقال : { ولو نزلناه على بعض الاعجمين } يعني إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين ، فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته ، وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله ، وانضم إلى ذلك بشارة كتب الله السالفة به ، فلم يؤمنوا به وجحدوه ، وسموه شعرا تارة وسحرا أخرى ، فلو نزلناه على بعض الأعجمين الذي لا يحسن العربية لكفروا به أيضا ولتمحلوا لجحودهم عذرا ، ثم قال : { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } أي مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم ، وهكذا مكناه وقررناه فيها / وكيفما فعل بهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الجحود والإنكار ، وهذا أيضا مما يفيد تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه إذا عرف رسول الله إصرارهم على الكفر ، وأنه قد جرى القضاء الأزلي بذلك حصل اليأس ، وفي المثل : اليأس إحدى الراحتين . المسألة الرابعة : قوله : { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } يدل على أن الكل بقضاء الله وخلقه ، قال صاحب ( الكشاف ) : أراد به أنه صار ذلك التكذيب متكمنا في قلوبهم أشد التمكن فصار ذلك كالشيء الجبلي والجواب : أنه إما أن يكون قد فعل الله فيهم ما يقتضي رجحان التكذيب على التصديق أو ما فعل ذلك فيهم ، فإن كان الأول فقد دللنا في سورة الأنعام على أن الترجيح لا يتحقق ما لم ينته إلى حد الوجوب وحينئذ يحصل المقصود ، فإن لم يفعل فيهم ما يقتضي الترجيح ألبتة ، امتنع قوله : { كذلك سلكناه } كما أن طيران الطائر لما لم يكن له تعلق بكفرهم ، امتنع إسناد الكفر إلى ذلك الطيران . المسألة الخامسة : قال صاحب ( الكشاف ) : فإن قلت : ما موقع { لا يؤمنون به } من قوله { سلكناه في قلوب المجرمين } ؟ قلت موقعه منه موقع الموضح ( والمبين ) ، لأنه مسوق ( لبيانه مؤكد للجحود ) في قلوبهم ، فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به حتى يعاينوا الوعيد . ! 7 < { فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جآءهم ما كانوا يوعدون مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين } . > 7 ! < < الشعراء : ( 203 - 209 ) فيقولوا هل نحن . . . . .

حصہ V24/P145–V24/P146

> > اعلم أنه تعالى لما بين أنهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ، وأنه يأتيهم العذاب بغتة أتبعه بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة فقال : { فيقولوا هل نحن منظرون } كما يستغيث المرء عند تعذر الخلاص ، لأنهم يعلمون في الآخرة أن لا ملجأ ، لكنهم يذكرون ذلك استرواحا . فأما قوله تعالى : { أفبعذابنا يستعجلون } فالمراد أنه تعالى بين أنهم كانوا في الدنيا يستعجلون العذاب ، مع أن حالهم عند نزول العذاب طلب النظرة ليعرف تفاوت الطريقين فيعتبر به ، ثم بين / تعالى أن استعجال العذاب على وجه التكذيب إنما يقع منهم ليتمتعوا في الدنيا ، إلا أن ذلك جهل ، وذلك لأن مدة التمتع في الدنيا متناهية قليلة ، ومدة العذاب الذي يحصل بعد ذلك غير متناهية ، وليس في العقل ترجيح لذات متناهية قليلة على آلام غير متناهية ، وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف ، فقال له عظني ، فلم يزد على تلاوة هذه الآية ، فقال ميمون : لقد وعظت فأبلغت ، وقرىء { يمتعون } بالتخفيف ، ثم بين أنه لم يهلك قرية إلا وهناك نذير يقيم عليهم الحجة . أما قوله تعالى : { ذكرى } فقال صاحب ( الكشاف ) : ذكرى منصوبة بمعنى تذكرة ، إما لأن أنذر وذكر متقاربان ، فكأنه قيل مذكرون تذكرة ، وإما لأنها حال من الضمير في { منذرون } ، أي ينذرونهم ذوي تذكرة ، وإما لأنها مفعول له على معنى أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة ، أو مرفوعة عل أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى ، والجملة اعتراضية أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى ، وجعلوا ذكرى لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها ، ووجه آخر وهو أن يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له ، والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية قوم ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم ، { وما كنا ظالمين } فنهلك قوما غير ظالمين ، وهذا الوجه عليه المعول ، فإن قلت كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ، ولم تعزل عنه في قوله : { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } ( الحجر : 4 ) قلت : الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية ، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف . ! 7 < { وما تنزلت به الشياطين وما ينبغى لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون فلا تدع مع الله إلاها ءاخر فتكون من المعذبين } . > 7 ! < < الشعراء : ( 210 - 213 ) وما تنزلت به . . . . .

حصہ V24/P146–V24/P147

> > اعلم أنه تعالى لما احتج على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بكون القرآن تنزيل رب العالمين ، وإنما يعرف ذلك لوقوعه من الفصاحة في النهاية القصوى ، ولأنه مشتمل على قصص المتقدمين من غير تفاوت ، مع أنه عليه السلام لم يشتغل بالتعلم والاستفادة ، فكان الكفار يقولون لم لا يجوز أن يكون هذا من إلقاء الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة ؟ ، فأجاب الله تعالى عنه بأن ذلك لا يتسهل للشياطين لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء ، ولقائل أن يقول العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يحصل إلا بواسطة خبر النبي الصادق ، فإذا أثبتنا كون / محمد صلى الله عليه وسلم صادقا بفصاحة القرآن وإخباره عن الغيب ، ولا يمكن إثبات كون الفصاحة والإخبار عن الغيب معجزا إلا إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك ، لزم الدور وهو باطل وجوابه : لا نسلم أن العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يستفاد إلا من قول النبي ، وذلك لأنا نعلم بالضرورة أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى من الاهتمام بشأن العدو ، ونعلم بالضرورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم ، فلو كان هذا الغيب إنما حصل من إلقاء الشياطين ، لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم ، فكان يجب أن يكون اقتدار الكفار على مثله أولى ، فلما لم يكن كذلك علمنا أن الشياطين ممنوعون عن ذلك ، وأنهم معزولون عن تعرف الغيوب ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الجواب ابتدأ بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : { فلا تدع مع الله إلاها ءاخر } وذلك في الحقيقة خطاب لغيره ، لأن من شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد خطاب الغير أن يوجهه إلى الرؤساء في الظاهر ، وأن كان المقصود بذلك هم الأتباع ، ولأنه تعالى أراد أن يتبعه ما يليق بذلك ، فلهذه العلة أفرده بالمخاطبة . ! 7 < { وأنذر عشيرتك الا قربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إنى برىء مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم الذى يراك حين تقوم وتقلبك فى الساجدين إنه هو السميع العليم } . > 7 ! < < الشعراء : ( 214 - 220 ) وأنذر عشيرتك الأقربين > > اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تسلية رسوله أولا ، ثم أقام الحجة على نبوته ، ثانيا ثم أورد سؤال المنكرين ، وأجاب عنه ثالثا ، أمره بعد ذلك بما يتعلق بباب التبليغ والرسالة وهو ههنا أمور ثلاثة : الأول : قوله : { وأنذر عشيرتك الاقربين } وذلك لأنه تعالى بدأ بالرسول فتوعده إن دعا مع الله إلها آخر ، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب ، وذلك لأنه إذا تشدد على نفسه أولا ، ثم بالأقرب فالأقرب ثانيا ، لم يكن لأحد فيه طعن ألبتة وكان قوله أنفع وكلامه أنجع ، وروي ( أنه لما نزلت هذه الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب وقال : يا بني عبد المطلب ، يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، يا عباس عم محمد ، يا صفية عمة محمد ؛ إني لا أملك لكم من الله شيئا ، سلوني من المال / ما شئتم ) وروي ( أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا على رجل شاة وقعب من لبن ، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس ، فأكلوا وشربوا ، ثم قال يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا ، أكنتم مصدقي ؟ قالوا نعم فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) .

حصہ V24/P147–V24/P148

الثاني : قوله : { واخفض جناحك } واعلم أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب ، فإن قيل المتبعون للرسول هم المؤمنون وبالعكس فلم قال : { لمن اتبعك من المؤمنين } ؟ جوابه : لا نسلم أن المتبعين للرسول هم المؤمنون فإن كثيرا منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين . فأما قوله : { فإن عصوك فقل إنى برىء مما تعملون } فمعناه ظاهر ، قال الجبائي هذا يدل على أنه عليه السلام كان بريئا من معاصيهم ، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضا بريء من عملهم كالرسول وإلا كان مخالفا لله ، كما لو رضي عمن سخط الله عليه لكان كذلك ، وإذا كان تعالى بريئا من عملهم فكيف يكون فاعلا له ومريدا له ؟ الجواب : أنه تعالى بريء من المعاصي بمعنى أنه ما أمر بها بل نهى عنها ، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم والدليل عليه أنه علم وقوعها ، وعلم أن ما هو معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع وإلا لانقلب علمه جهلا وهو محال والمفضي إلى المحال محال ، وعلم أن ما هو واجب الوقوع فإنه لا يراد عدم وقوعه فثبت ما قلناه والثالث : قوله : { وتوكل } والتوكل عبارة عن تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره ، وقوله : { على العزيز الرحيم } أي على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته ثم أتبع كونه رحيما على رسوله ما هو كالسبب لتلك الرحمة ، وهو قيامه وتقلبه في الساجدين وفيه وجوه : أحدها : المراد ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد وتقلبه في تصفح أحوال ( المجتهدين ) ليطلع على أسرارهم ، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه على ما يوجد منهم من الطاعات ، فوجدها كبيوت الزنابير لما يسمع منها من دندنتهم بذكر الله تعالى والمراد بالساجدين المصلين وثانيها : المعنى يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة وتقلبه في الساجدين تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذ كان إماما لهم وثالثها : أنه لا يخفى عليه حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين ورابعها : المراد تقلب بصره فيمن ( يلي ) خلفه من قوله صلى الله عليه وسلم : ( أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلفي ) ثم قال : { إنه هو السميع } أي لما تقوله { العليم } أي بما تنويه وتعمله ، وهذا يدل عى أن كونه سميعا أمر مغاير لعلمه بالمسموعات وإلا لكان لفظ العليم مفيدا فائدته . واعلم أنه قرىء { ونقلبك } .

حصہ V24/P148–V24/P149

واعلم أن الرافضة ذهبوا إلى أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين وتمسكوا في ذلك بهذه الآية / وبالخبر ، أما هذه الآية فقالوا قوله تعالى : { تقوم وتقلبك فى الساجدين } يحتمل الوجوه التي ذكرتم ويحتمل أن يكون المراد أن الله تعالى نقل روحه من ساجد إلى ساجد كما نقوله نحن ، وإذا احتمل كل هذه الوجوه وجب حمل الآية على الكل ضرورة أنه لا منافاة ولا رجحان ، وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ) وكل من كان كافرا فهو نجس لقوله تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) قالوا : فإن تمسكتم على فساد هذا المذهب بقوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر } ( الأنعام : 74 ) قلنا الجواب عنه أن لفظ الأب قد يطلق على العم كما قال أبناء يعقوب له : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( البقرة : 133 ) فسموا إسماعيل أبا له مع أنه كان عما له ، وقال عليه السلام : ( ردوا على أبي ) يعني العباس ، ويحتمل أيضا أن يكون متخذا لأصنام أب أمه فإن هذا قد يقال له الأب قال تعالى : { ومن ذريته داوود وسليمان } إلى قوله : { وعيسى } ( الأنعام : 84 ، 85 ) فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم كان جده من قبل الأم . واعلم أنا نتمسك بقوله تعالى : { لابيه ءازر } وما ذكروه صرف للفظ عن ظاهره ، وأما حمل قوله : { وتقلبك فى الساجدين } على جميع الوجوه فغير جائز لما بينا أن حمل المشترك على كل معانيه غير جائز ، وأما الحديث فهو خبر واحد فلا يعارض القرآن . ! 7 < { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } . > 7 < الشعراء : ( 221 - 223 ) هل أنبئكم على . . . . . > > اعلم أن الله تعالى أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين : الأول : قوله : { تنزل على كل أفاك أثيم } وذلك هو الذي قررناه فيما تقدم أن الكفار يدعون إلى طاعة الشيطان ، ومحمدا عليه السلام كان يدعو إلى لعن الشيطان والبراءة عنه والثاني : قوله : { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } والمراد أنهم كان يقيسون حال النبي صلى الله عليه وسلم على حال سائر الكهنة فكأنه قيل لهم إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب فيجب أن يكون حال الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا ، فلما لم يظهر في إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن المغيبات إلا الصدق علمنا أن حاله بخلاف حال الكهنة ، ثم إن المفسرين ذكروا في الآية وجوها : أحدها : أنهم الشياطين روي أنهم كانوا قبل أن حجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به ممااطلعوا عليه من الغيوب ، ثم يوحون به إلى أوليائهم { وأكثرهم كاذبون } فيما ( يوحى ) به إليهم ، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا وثانيها : يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة وثالثها : الأفاكون / يلقون السمع إلى الشياطين فيلقون وحيهم إليهم ورابعها : يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس ، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم ، فإن قلت { يلقون } ما محله ؟ قلت يجوز أن يكون في محل النصب على الحال أي تنزل ملقين السمع ، وفي محل الجر صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع ، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف كأن قائلا قال : لم ننزل على الأفاكين ؟ فقيل يفعلون كيت وكيت ، فإن قلت كيف قال : { وأكثرهم كاذبون } بعدما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ قلت : الأفاكون هم الذين يكثرون الكذب ، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب ، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجن وأكثرهم يفتري عليهم .

حصہ V24/P149–V24/P150

! 7 < { والشعرآء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } . > 7 ! < < الشعراء : ( 224 - 227 ) والشعراء يتبعهم الغاوون > > اعلم أن الكفار لما قالوا : لم لا يجوز أن يقال إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء ؟ ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة ، فذكر ههنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء ، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون ، أي الضالون ، ثم بين تلك الغواية بأمرين : الأول : { أنهم فى كل واد يهيمون } والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في واد ، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس ، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا الثاني : { أنهم يقولون ما لا يفعلون } وذلك أيضا من علامات الغواة ، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه ، وينفرون عن البخل ويصرون عليه ، ويقدحون في الاس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم ، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش ، وذلك يدل على الغواية والضلالة . / وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنه بدأ بنفسه حيث قال الله تعالى له : { فلا تدع مع الله إلاها ءاخر فتكون من المعذبين } ( الشعراء : 213 ) ثم بالأقرب فالأقرب حيث قال الله تعالى له : { وأنذر عشيرتك الاقربين } ( الشعراء : 214 ) وكل ذلك على خلاف طريقة الشعراء ، فقد ظهر بهذا الذي بيناه أن حال محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يشبه حال الشعراء ، ثم إن الله تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بيانا لهذا الفرق استثنى عنهم الموصوفين بأمور أربعة : أحدها : الإيمان وهو قوله : { إلا الذين ءامنوا } ، وثانيها : العمل الصالح وهو قوله : { وعملوا الصالحات } ، وثالثها : أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق ، وهو قوله : { وذكروا الله كثيرا } ، ورابعها : أن لا يذكروا هجو أحد إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم ، وهو قوله : { وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال الله تعالى : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ( النساء : 148 ) ثم إن الشرط فيه ترك الاعتداء لقوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) وقيل المراد بهذا الاستثناء عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشا ، وعن كعب بن مالك : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : أهجهم ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل ) وكان يقول لحسان بن ثابت ( قل وروح القدس معك ) .

حصہ V24/P150–V24/P152

فأما قوله تعلى : { وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } فالذي عندي فيه والله أعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من الدلائل العقلية ، ومن أخبار الأنبياء المتقدمين / ثم ذكر الدلائل على نبوته عليه السلام ، ثم ذكر سؤال المشركين في تسميتهم محمدا صلى الله عليه وسلم تارة بالكاهن ، وتارة بالشاعر ، ثم إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن أولا ثم بين الفرق بينه وبين الشاعر ثانيا ختم السورة بهذا التهديد العظيم ، يعني إن الذين ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات ، والتأمل في هذه البينات فإنهم سيعلمون بعد ذلك أي منقلب ينقلبون وقال الجمهور : المراد منه الزجر عن الطريقة التي وصف الله بها هؤلاء الشعراء ، والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها والله أعلم . والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . < > 1 ( سورة النمل ) 1 < > تسعون وثلاث أو أربع أو خمس آيات مكية ! 7 < { طستلك ءايات القرءان وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة وهم بالا خرة هم يوقنون } . > 7 ! / < < النمل : ( 1 - 3 ) طس تلك آيات . . . . . > > اعلم أن قوله : { تلك } إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ وإبانته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن ، فالملائكة الناظرون فيه يبينون الكائنات ، وإنما نكر الكتاب المبين ليصير مبهما بالتنكير فيكون أفخم له كقوله : { فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) وقرأ ابن أبي عبلة { وكتاب مبين } بالرفع على تقدير وآيات كتاب مبين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فإن قلت : ما الفرق بين هذا وبين قوله : { الر تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين } ( الحجر : 1 ) ؟ قلت : لا فرق لأن واو العطف لا تقتضي الترتيب . أما قوله : { هدى وبشرى للمؤمنين } فهو في محل النصب أو الرفع فالنصب على الحال أي هادية ومبشرة ، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة ، والرفع على ثلاثة أوجه على معنى هي هدى وبشرى ، وعلى البدل من الآيات ، وعلى أن يكون خبرا بعد خبر ، أي جمعت آياتها آيات الكتاب وأنها هدى وبشرى ، واختلفوا في وجه تخصيص الهدى بالمؤمنين على وجهين : الأول : المراد أنه يهديهم إلى الجنة وبشرى لهم كقوله تعالى : { فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما } ( النساء : 175 ) فلهذا اختص به المؤمنون الثاني : المراد بالهدى الدلالة ثم ذكروا في تخصيصه بالمؤمنين وجوها : أحدها : أنه إنما خصه بالمؤمنين لأنه ذكر مع الهدى البشرى ، والبشرى / إنما تكون للمؤمنين وثانيها : أن وجه الاختصاص أنهم تمسكوا به فخصهم بالذكر كقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) ، وثالثها : المراد من كونها { هدى للمؤمنين } أنها زائدة في هداهم ، قال تعالى : { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) . أما قوله : { الذين يقيمون الصلواة } فالأقرب أنها الصلوات الخمس لأن التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك ، وإقامة الصلاة أن يؤتى بها بشرائطها ، وكذا القول في الزكاة فإنها هي الواجبة ، وإقامتها وضعها في حقها .

حصہ V24/P152

أما قوله : { وهم بالاخرة هم يوقنون } ففيه سؤال وهو : أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة ، فما الوجه من ذكره مرة أخرى ؟ جوابه من وجهين : الأول : أن يكون من جملة صلة الموصول ، ثم فيه وجهان : الأول : أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخبر لأجل العمل به ، وأما عرفان الحق فأقسام كثيرة لكن الذي يستفاد منه طريق النجاة معرفة المبدأ ، ومعرفة المعاد ، وأما الخير الذي يعمل به فأقسام كثيرة وأشرفها قسمان : الطاعة بالنفس والطاعة بالمال فقوله : { للمؤمنين } إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله : { يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة } إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال ، وقوله : { وهم بالاخرة هم يوقنون } إشارة إلى علم المعاد فكأنه سبحانه وتعالى جعل معرفة المبدأ طرفا أولا ، ومعرفة المعاد طرفا أخيرا وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطا بينهما الثاني : أن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، منهم من هو جازم بالحشر والنشر ، ومنهم من يكون شاكا فيه إلا أنه يأتي بهذه الطاعات للاحتياط ، فيقول إن كنت مصيبا فيها فقد فزت بالسعادة ، وإن كنت مخطئا فيها لم يفتني إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة / فمن يأتي بالصلاة والزكاة على هذا الوجه لم يكن في الحقيقة مهتديا بالقرآن ، أما من كان حازما بالآخرة كان مهتديا به ، فلهذا السبب ذكر هذا القيد الثاني : أن يجعل قوله : { وهم بالاخرة هم يوقنون } جملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، وهذا هو الأقرب ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو { هم } حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق . ! 7 < { إن الذين لا يؤمنون بالا خرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون أولائك الذين لهم سوء العذاب وهم فى الا خرة هم الا خسرون } . > 7 ! / < < النمل : ( 4 - 5 ) إن الذين لا . . . . .

حصہ V24/P152–V24/P153

> > اعلم أنه تعالى لما بين ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما على الكفار من سوء العذاب فقال : { إن الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم أعمالهم } ، واختلف الناس في أنه كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى الشيطان في قوله : { فزين لهم الشيطن أعمالهم } ( النحل : 63 ) ؟ فأما أصحابنا فقد أجروا الآية على ظاهرها وذلك لأن الإنسان لا يفعل شيئا ألبتة إلا إذا دعاه الداعي إلى الفعل والمعقول من الداعي هو العلم والاعتقاد والظن بكون الفعل مشتملا على منفعة ، وهذا الداعي لا بد وأن يكون من فعل الله تعالى لوجهين : الأول : أنه لو كان من فعل العبد لافتقر فيه إلى داع آخر ويلزم التسلسل وهو محال الثاني : وهو أن العلم إما أن يكون ضروريا أو كسبيا ، فإن كان ضروريا فلا بد فيه من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسبا لأن المكتسب إن كان شاعرا به فهو متصور له ، وتحصيل الحاصل محال وإن لم يكن شاعرا به كان غافلا عنه والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالبا له ، فإن قلت هو مشعور به من وجه دون وجه ، قلت فالمشعور به غير ما هو غير مشعور به فيعود التقسيم المتقدم في كل واحد من هذين الوجهين ، وإذا ثبت أن التصور غير مكتسب ألبتة والعلم الضروري هو الذي يكون حضور كل واحد من تصوريه كافيا في حصول التصديق ، فالتصورات غير كسبية وهي مستلزمة للتصديقات ، فإذن متى حصلت التصورات حصل التصديق لا محالة ، ومتى لم تحصل لم يحصل التصديق ألبتة ، فحصول هذه التصديقات البديهية ليس بالكسب ، ثم إن التصديقات البديهية إن كانت مستلزمة للتصديقات النظرية لم تكن التصديقات النظرية كسبية ، لأن لازم الضروري ضروري ، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن تلك الأشياء التي فرضناها علوما نظرية كذلك بل هي اعتقادات تقليدية ، لأنه لا معنى لاعتقاد المقلد إلا اعتقاد تحسيني يفعله ابتداء من غير أن يكون له موجب فثبت بهذا أن العلوم بأسرها ضرورية ، وثبت أن مبادىء الأفعال هي العلوم فأفعال العباد بأسرها ضرورية ، والإنسان مضطر في صورة مختار ، فثبت أن الله تعالى هو الذي زين لكل عامل عمله .

حصہ V24/P153

والمراد من التزيين هو أنه يخلق في قلبه العلم بما فيه من المنافع واللذات ولا يخلق في قلبه العلم بما فيه من المضار والآفات ، فقد ثبت بهذه الدلائل القاطعة العقلية وجوب إجراء هذه الآية على ظاهرها ، أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تأويلها وجوها : أحدها : أن المراد بينا لهم أمر الدين وما يلزمهم أن يتمسكوا به وزيناه بأن بينا حسنه وما لهم فيه من الثواب ، لأن التزيين من الله تعالى للعمل ليس إلا وصفه بأنه حسن وواجب وحميد العاقبة ، وهو المراد من قوله : { حبب إليكم الايمان وزينه فى قلوبكم } ( الحجرات : 7 ) ومعنى { فهم يعمهون } يدل على ذلك لأن المراد فهم يعدلون وينحرفون عما زينا من أعمالهم وثانيها : أنه تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق جعلوا إنعام الله تعالى بذلك عليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وعدم الانقياد لما يلزمهم من التكاليف ، فكأنه تعالى زين بذلك أعمالهم وإليه إشارة الملائكة عليهم السلام في قولهم : { ولاكن متعتهم وءاباءهم حتى نسوا الذكر } ( الفرقان : 18 ) وثالثها : أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة / للتزيين فأسند إليه والجواب : عن الأول أن قوله تعالى : { أعمالهم } صيغة عموم توجب أن يكون الله تعالى قد زين لهم كل أعمالهم حسنا كان العمل أو قبيحا ومعنى التزيين قد قدمناه ، وعن الثاني أن الله تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق فهل لهذه الأمور أثر في ترجيح فاعلية المعصية على تركها أوليس لها فيه أثر ، فإن كان الأول فقد دللنا على أن الترجيح متى حصل فلا بد وأن ينتهي إلى حد الاستلزام وحينئذ يحصل الغرض وإن لم يكن فيه أثر صارت هذه الأشياء بالنسبة إلى أعمالهم كصرير الباب ونعيق الغراب ، وذلك يمنع من إسناد فعلهم إليها وهذا بعينه هو الجواب عن التأويل الثالث الذي ذكروه والله أعلم .

حصہ V24/P153–V24/P155

أما قوله تعالى : { فهم يعمهون } فالعمه التحير والتردد كما يكون حال الضال عن الطريق . أما قوله : { أولئك الذين لهم سوء العذاب } ففيه وجهان : الأول : أنه القتل والأسر يوم بدر والثاني : مطلق العذاب سواء كان في الدنيا أو في الآخرة والمراد بالسوء شدته وعظمه . وأما قوله : { هم الاخسرون } ففيه وجهان : الأول : أنه لا خسران أعظم من أن يخسر المرء نفسه بأن يسلب عنه الصحة والسلامة في الدنيا ويسلم في الآخرة إلى العذاب العظيم الثاني : المراد أنهم خسروا منازلهم في الجنة لو أطاعوا ، فإنه لا مكلف إلا وعين له منزل في الجنة لو أطاع فإذا عصى عدل به إلى غيره فيكون قد خسر ذلك المنزل . ! 7 < { وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم إذ قال موسى لاهله إنىآنست نارا سأاتيكم منها بخبر أو ءاتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون فلما جآءها نودى أن بورك من فى النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ياموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم } . > 7 < النمل : ( 6 - 9 ) وإنك لتلقى القرآن . . . . . > > أما قوله : { وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم } فمعناه لتؤتاه ( وتلقاه ) من عند أي حكيم وأي عليم ، وهذا معنى مجيئهما نكرتين وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص ، و ( إذ ) منصوب بمضمر وهو اذكر كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى ، ويجوز أن ينتصب بعليم فإن قيل الحكمة أما أن تكون نفس العلم ، والعلم إما أن يكون / داخلا فيها ، فلما ذكر الحكمة فلم ذكر العلم ؟ جوابه : الحكمة هي العلم بالأمور العملية فقط والعلم أعم منه ، لأن العلم قد يكون عمليا وقد يكون نظريا والعلوم النظرية أشرف من العلوم العملية ، فذكر الحكمة المشتملة على العلوم العملية ، ثم ذكر العليم وهو البالغ في كمال العلم وكمال العلم يحصل من جهات ثلاثة وحدته وعموم تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصونا عن كل التغيرات ، وما حصلت هذه الكمالات الثلاثة إلا في علمه سبحانه وتعالى . واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أنواعا من القصص . القصة الأولى قصة موسى عليه الصلاة والسلام أما قوله : { إذ قال موسى لاهله } فيدل على أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ابنة شعيب عليه السلام ، وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله { امكثوا } ( القصص : 29 ) . أما قوله : { إنى آنست نارا } فالمعنى أنهما كانا يسيران ليلا ، وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد وفي مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة نار من بعد لما يرجى فيها من زوال الحيرة في أمر الطريق ، ومن الانتفاع بالنار للاصطلاء فلذلك بشرها فقال : { إنى آنست نارا } وقد اختلفوا فقال بعضهم المراد أبصرت ورأيت ، وقال آخرون بل المراد صادفت ووجدت فآنست به ، والأول أقرب ، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل آنست ببصري ورأيت ببصري . أما قوله : { إذ قال موسى } فالخبر ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ضل ، ثم في الكلام حذف وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها وقال : { إذ قال موسى } يعرف به الطريق . أما قوله : { إذ قال موسى لاهله } فالشهاب الشعلة والقبس النار المقبوسة . وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبسا وغير قبس ومن قرأ بالتنوين جعل القبس بدلا أو صفة لما فيه من معنى القبس ثم ههنا أسئلة :

حصہ V24/P155–V24/P156

السؤال الأول : { إذ قال موسى } و { فلما قضى موسى الاجل } ( القصص : 29 ) كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن ؟ نقول جوابه : قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة . السؤال الثاني : كيف جاء بسين التسويف ؟ جوابه : عدة منه لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة . السؤال الثالث : لماذا أدخل ( أو ) بين الأمرين وهلا جمع بينهما لحاجته إليهما معا ؟ جوابه : بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر بأحدهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده . / وأما قوله تعالى : { لعلكم تصطلون } فالمعنى لكي تصطلون وذلك يدل على حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون ذلك إلا في حال برد . أما قوله تعالى : { نودى أن بورك من فى النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين } ففيه أبحاث : البحث الأول : { ءان } أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول ، والمعنى قيل له بورك . البحث الثاني : اختلفوا فيمن في النار على وجوه : أحدها : { أن بورك } بمعنى تبارك والنار بمعنى النور والمعنى تبارك من في النور ، وذلك هو الله سبحانه { ومن حولها } يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة وثانيها : { من فى النار } هو نور الله ، { ومن حولها } الملائكة ، وهو مروي عن قتادة والزجاج وثالثها : أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة محلا للكلام ، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة . ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال : { بورك من فى النار ومن حولها } وهو قول الجبائي ورابعها : { من فى النار } هو موسى عليه السلام لقربه منها { من حولها } يعني الملائكة ، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد يقال إنه فيه وخامسها : قول صاحب ( الكشاف ) : { بورك من فى النار } أي من في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى : { من شاطىء الوادى الايمن فى البقعة المباركة } ( القصص : 30 ) ويدل عليه قراءة أبي ( تباركت الأرض ومن حولها ) وعنه أيضا ( بوركت النار ) . البحث الثالث : السبب الذي لأجله بوركت البقعة ، وبورك من فيها وحواليها حدوث هذا الأمر العظيم فيها وهو تكليم الله موسى عليه السلام وجعله رسولا وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله : { ونجيناه ولوطا إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين } ( الأنبياء : 71 ) وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم ، ومهبط الوحي وكفاتهم أحياء وأمواتا . البحث الرابع : أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام فقوله : { بورك من فى النار ومن حولها } يدل على أنه قد قضى أمر عظيم تنتشر البركة منه في أرض الشام كلها . وقوله : { وسبحان الله رب العالمين } فيه فائدتان : إحداهما : أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام الثانية : أن يكون ذلك إيذانا بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الوقائع .

حصہ V24/P156–V24/P157

أما قوله : { إنه أنا الله العزيز الحكيم } فقال صاحب ( الكشاف ) الهاء في ( إنه ) يجوز أن يكون ضمير الشأن و { أنا الله } مبتدأ وخبر ، و { العزيز الحكيم } صفتان للخبر ، وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله يعني أن مكلمك أنا والله بيان لأنا والعزيز الحكيم صفتان ( للتعيين ) وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة يريد أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية ، الفاعل ( كل ) ما أفعله بحكمة وتدبير . فإن قيل هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى ، فكيف علم موسى / عليه السلام أنه من الله ؟ جوابه : لأهل السنة فيه طريقان : الأول : أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات فعلم بالضرورة أنه صفة الله تعالى الثاني : قول أئمة ما وراء النهر وهو أنه عليه السلام سمع الصوت من الشجرة فنقول إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور : أحدها : أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة علم أنه من قبل الله تعالى لأن أحدا منا لا يقدر عليه وهو ضعف لاحتمال أن يقال الشيطان دخل في النار والشجرة ثم نادى وثانيها : يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغا لا يكون إلا معجزا ، وهو أيضا ضعيف لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم وثالثها : أنه قد اقترن به معجز دل على ذلك ، فقيل إن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق فصار ذلك كالمعجز ، وهذا هو الأصح والله أعلم . ! 7 < { وألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإنى غفور رحيم وأدخل يدك فى جيبك تخرج بيضآء من غير سوء فى تسع ءايات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما جآءتهم ءاياتنا مبصرة قالوا هاذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } . > 7 < النمل : ( 10 - 14 ) وألق عصاك فلما . . . . . > > اعلم أن أكثر ما في هذا الآيات قدر مر شرحه ، ولنذكر ما هو من خواص هذا الموضع : يقال علام عطف قوله : { وألق عصاك } ؟ جوابه : على { بورك من فى النار } ( النمل : 8 ) ( وأن ألق عصاك ، كلاهما تفسير لنودي ) . / أما قوله : { كأنها جان } فالجان الحية الصغيرة ، سميت جانا ، لأنها تستتر عن الناس ، وقرأ الحسن { جان } على لغة من يهرب من التقاء الساكنين ، فيقول شأبة ودأبة . أما قوله : { ولم يعقب } معناه لم يرجع ، يقال عقب المقاتل إذا ( مر ) بعد الفرار ، وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به ، ويدل عليه { إنى لا يخاف لدى المرسلون } وقال بعضهم : المراد إني إذا أمرتهم بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة . أما قوله تعالى : { إلا من ظلم } معناه لكن من ظلم وهو محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل أو الصغيرة ، ويحتمل أن يكون المقصود منه التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات اللطيفة . قال الحسن رحمه الله : كان والله موسى ممن ظلم بقتل القبطي ثم بدل ، فإنه عليه السلام قال : { رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى } ( القصص : 16 ) وقرىء ( ألا من ظلم ) بحرف التنبيه .

حصہ V24/P157–V24/P158

أما قوله تعالى : { ثم بدل حسنا بعد سوء } فالمراد حسن التوبة وسوء الذنب ، وعن أبي بكر في رواية عاصم ( حسنا ) . أما قوله : { وأدخل يدك فى } فهو كلام مستأنف ، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف ، والمعنى اذهب في تسع آيات إلى فرعون ، ولقائل أن يقول : كانت الآيات إحدى عشرة ، اثنتان منها اليد والعصا ، والتسع : الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم . أما قوله : { فلما جاءتهم ءاياتنا مبصرة } فقد جعل الإبصار لها ، وهو في الحقيقة لمتأملها ، وذلك بسبب نظرهم وتفكرهم فيها ، أو جعلت كأنها لظهورها تبصر فتهتدي ، وقرأ علي بن الحسين وقتادة { مبصرة } وهو نحو مجبنة ومبخلة ، أي مكانا يكثر فيه التبصر . أما قوله : { واستيقنتها أنفسهم } فالواو فيها واو الحال ، وقد بعدها مضمرة وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم ، والاستيقان أبلغ من الإيقان . أما قوله : { ظلما وعلوا } فأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله تعالى ، ثم كابر بتسميتها سحرا بينا . وأما العلو فهو التكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله : { فاستكبروا وكانوا قوما عالين } ( المؤمنون : 46 ) وقرىء ( عليا ) و ( عليا ) بالضم والكسر ، كما قرىء ( عتيا ) { عتيا } ( مريم : 8 ، 69 ) والله أعلم . القصة الثانية قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ! 7 < { ولقد ءاتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داوود وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء إن هاذا لهو الفضل المبين وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون حتى إذآ أتوا على وادى النمل قالت نملة ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعنىأن أشكر نعمتك التىأنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } . > 7 < النمل : ( 15 - 19 ) ولقد آتينا داود . . . . . > > / أما قوله تعالى : { علما } فالمراد طائفة من العلم أو علما سنيا ( عزيزا ) ، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو ، كقولك أعطيته فشكر ( ومنعته ) ( 1 ) فصبر ؟ جوابه : أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقا بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية ، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات ، ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقا بهما فلا جرم صار كأنه قال : ولقد آتيناهما علما ، فعملا به قلبا وقالبا ، وقالا باللسان الحمد لله الذي فعل كذا وكذا . وأما قوله تعالى : { الحمد الله الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } ففيها أبحاث :

حصہ V24/P158–V24/P159

أحدها : أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علما أو من لم يؤت مثل علمهما ، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير وثانيها : في الآية دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم وثالثها : أنهم لم يفضلوا أنفسهم على الكل وذلك يدل على حسن التواضع ورابعها : أن الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم ، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره ، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم ، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سببا لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير العلم بالله وبصفاته جليا بحيث يصير المرء مستغرقا / فيه بحيث لا يخطر بباله شيء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه في حين من الأحيان ولا ساعة من الساعات . أما قوله تعالى : { وورث سليمان داوود } فقد اختلفوا فيه ، فقال الحسن المال لأن النبوة عطية مبتدأة ولا تورث ، وقال غيره بل النبوة ، وقال آخرون بل الملك والسياسة ، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال إذا ورثه الولد فهو أيضا عطية مبتدأة من الله تعالى ، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنا ولا يرث إذا كان كافرا أو قاتلا ، لكن الله تعالى جعل سبب الإرث فيمن يرث الموت على شرائط ، وليس كذلك النبوة لأن الموت لا يكون سببا لنبوة الولد فمن هذا الوجه يفترقان ، وذلك لا يمنع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام به عند موته ، كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته ومما يبين ما قلناه أنه تعالى لو فصل فقال وورث سليمان داود ماله لم يكن لقوله : { وقال يأبت أيها الناس علمنا منطق الطير } معنى ، وإذا قلنا وورث مقامه من النبوة والملك حسن ذلك لأن تعليم منطق الطير يكون داخلا في جملة ما ورثه ، وكذلك قوله تعالى : { وأوتينا من كل شىء } لأن وارث الملك يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه وقوله : { إن هاذا لهو الفضل المبين } لا يليق أيضا إلا بما ذكرنا دون المال الذي قد يحصل للكامل والناقص ، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلا بما ذكرناه ، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنه لم يرث إلا المال ، فأما إذا قيل ورث المال والملك معا فهذا لا يبطل بالوجوه التي ذكرناها ، بل بظاهر قوله عليه السلام : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) . فأما قوله : { يذهبكم أيها الناس } فالمقصود منه تشهير نعمة الله تعالى والتنويه بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير ، قال صاحب ( الكشاف ) المنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد ، وقد ترجم يعقوب كتابه ( بإصلاح المنطق ) وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم ، وقالت العرب نطقت الحمامة ( وكل صنف من ) الطير يتفاهم أصواته فالذي علم سليمان عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه . أما قوله تعالى : { وأوتينا من كل شىء } فالمراد كثرة ما أوتي وذلك لأن الكل والبعض الكثير يشتركان في صفة الكثرة ، والمشاركة سبب لجواز الاستعارة فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله : { وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ) .

حصہ V24/P159–V24/P160

أما قوله : { إن هاذا لهو الفضل المبين } فهو تقرير لقوله : { الحمد لله الذى فضلنا } والمقصود منه الشكر والمحمدة كما قال عليه السلام : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) فإن قيل كيف قال : { علمنا وأوتينا } وهو من كلام المتكبرين ؟ جوابه من وجهين : الأول : أن يريد نفسه وأباه والثاني : أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا ، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجبا . / وأما قوله : { وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير } فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة ، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده ، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف ، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل ، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره . وأما قوله تعالى : { فهم يوزعون } معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع ، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه ، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع . أما قوله تعالى : { حتى إذا أتوا على وادى النمل } فقيل هو واد بالشام كثير النمل ، ويقال لم عدي { أتوا } بعلى ؟ فجوابه من وجهين : الأول : أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء والثاني : أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا ( أنفذه و ) بلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي ، وقرىء { نملة يأيها أيها النمل } بضم الميم وبضم النون والميم وكان الأصل النمل بوزن الرجل والنمل الذي عليه الاستعمال تخفيف عنه ( كقولهم السبع في السبع ) ( 1 ) . أما قوله تعالى : { قالت نملة } فالمعنى أنها تكلمت بذلك وهذا غير مستبعد ، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق . وعن قتادة : أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة رحمه الله حاضرا وهو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى ؟ فسألوه فأفحم ، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه كانت أنثى فقيل له من أين عرفت ؟ فقال من كتاب الله تعالى وهو قوله : { قالت نملة } ولو كان ذكرا لقال ( قال نملة ) ، وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي .

حصہ V24/P160–V24/P161

أما قوله تعالى : { ادخلوا مساكنكم } فاعلم أن النملة لما قاربت حد العقل ، لا جرم ذكرت بما يذكر به العقلاء فلذلك قال تعالى : { ادخلوا مساكنكم } فإن قلت { لا يحطمنكم } ما هو ؟ قلت يحتمل أن يكون جوابا للأمر وأن يكون نهيا بدلا من الأمر ، والمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة : لا أرينك ههنا . وفي هذه الآية تنبيه على أمور : أحدها : أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز ، وإنما يلزم من في الطريق التحرز وثانيها : أن النملة قالت : { وهم لا يشعرون } كأنها عرفت أن النبي معصوم فلا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو ، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء عليهم السلام وثالثها : ما رأيت في بعض الكتب أن تلك النملة إنما أمرت غيرها بالدخول لأنها خافت على قومها أنها إذا رأت سليمان في جلالته ، فربما وقعت في كفران نعمة الله تعالى وهذا هو المراد بقوله : { لا يحطمنكم سليمان } فأمرتها بالدخول في مساكنها لئلا ترى تلك النعم فلا تقع في كفران نعمة الله تعالى ، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة ورابعها : قرىء ( مسكنكم ) و ( لا يحطمنكم ) بتخفيف النون ، وقرىء ( لا يحطمنكم ) بفتح الطاء وكسرها وأصلها يحطمنكم . أما قوله تعالى : { فتبسم ضاحكا من قولها } يعني تبسم شارعا في الضحك ( وآخذا فيه ) ، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك ، وإنما ضحك لأمرين : أحدهما : إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده ( وشفقتهم ) وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى ، وذلك قولها : { وهم لا يشعرون } والثاني : سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه . أما قوله تعالى : { رب أوزعنى } فقال صاحب ( الكشاف ) : حقيقة أوزعنى : اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني ، حتى أكون شاكرا لك أبدا ، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث .

سوالات