Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V03/P010

أما الآيات التي تمسكوا بها في باب التبليغ فثلاثة : أحدها : قوله : { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } ( الأعلى : 6 ، 8 ) فهذا الاستثناء يدل على وقوع النسيان في الوحي ، الجواب : ليس النهي عن النسيان الذي هو ضد الذكر ، لأن ذاك غير داخل في الوسع بل عن النسيان بمعنى الترك فنحمله على ترك الأولى . وثانيها : قوله : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } ( الحج : 52 ) ، / والكلام عليه مذكور في سورة الحج على الاستقصاء ، وثالثها : قوله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم } ( الجن : 26 28 ) . قالوا : فلولا الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة ، والجواب : لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ذلك الرصد الشياطين عن إلقاء الوسوسة . أما الآيات التي تمسكوا بها في الفتيا فثلاثة ، أحدها : قوله : { وداوود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث } ( الأنبياء : 78 ) ، وقد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء . وثانيها : ( قوله في أسارى بدر حين فاداهم النبي صلى الله عليه وسلم { ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض } ( الأنفال : 67 ) ، فلولا أنه أخطأ في هذه الحكومة وإلا لما عوتب ، وثالثها : قوله تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) ، والجواب عن الكل : أنا نحمله على ترك الأولى .

حصہ V03/P010–V03/P011

أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة ، أولها : قصة آدم عليه السلام ، تمسكوا بها من سبعة أوجه ، الأول : أنه كان عاصيا والعاصي لا بد وأن يكون صاحب الكبيرة ، وإنما قلنا إنه كان عاصيا لقوله تعالى : { وعصى ءادم ربه فغوى } ( طه : 121 ) وإنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهين : الأول : أن النص يقتضي كونه معاقبا لقوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } ( الجن : 23 ) فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك ، الثاني : أن صاحب الكبيرة ، الوجه الثاني في التمسك بقصة آدم أنه كان غاويا لقوله تعالى { فغوى } العاصي اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا والغي ضد الرشد ، لقوله تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } ( البقرة : 256 ) ، فجعل الغي مقابلا للرشد ، الوجه الثالث : أنه تائب والتائب مذنب ، وإنما قلنا إنه تائب لقوله تعالى : { فتلقىءادم من ربه كلمات فتاب عليه } ( البقرة : 37 ) وقال : { ثم اجتباه ربه فتاب عليه } ( طه : 122 ) وإنما قلنا : التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل الذنب ، والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلا الذنب ، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب ، وإن صدق فيه فهو المطلوب . الوجه الرابع : أنه ارتكب المنهي عنه في قوله : { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } ( الأعراف : 22 ) ، { ولا تقربا هاذه الشجرة } ( الأعراف : 19 ) ، وارتكاب المنهى عنه عين الذنب . الوجه الخامس : سماه ظالما في قوله : { فتكونا من الظالمين } ( البقرة : 35 ) وهو سمى نفسه ظالما في قوله : { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) والظالم معلون لقوله تعالى : { ألا لعنة الله على الظالمين } ( هود : 18 ) ومن استحق اللعن كان صاحب الكبيرة . الوجه السادس : أنه اعترف بأنه لولا مغفرة الله إياه وإلا لكان خاسرا في قوله : { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } ( الأعراف : 23 ) ، وذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة . وسابعها : أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان ، وذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة ، ثم قالوا : هب أن كل واحد من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلا للكبيرة ، لكن مجموعها لا شك في كونه قاطعا في الدلالة عليه ، ويجوز أن يكون كل واحد من هذه الوجوه وإن لم يدل على الشيء / لكن مجموع تلك الوجوه يكون دالا على الشيء . والجواب المعتمد عن الوجوه السبعة عندنا أن نقول : كلامكم إنما يتم لو أتيتم بالدلالة على أن ذلك كان حال النبوة ، وذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال : إن آدم عليه السلام حالما صدرت عنه هذه الزلة ما كان نبيا ؛ ثم بعد ذلك صار نبيا ونحن قد بينا أنه لا دليل على هذا المقام . وأما الاستقصاء في الجواب عن كل واحد من الوجوه المفصلة فسيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات .

حصہ V03/P011–V03/P012

ولنذكر ههنا كيفية تلك الزلة ليظهر مراد الله تعالى من قوله : { فأزلهما الشيطان } ( البقرة : 36 ) فنقول لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم عليه السلام بعد النبوة فإقدامه على ذلك الفعل إما أن يكون حال كونه ناسيا أو حال كونه ذاكرا ، أما الأول : وهو أنه فعله ناسيا فهو قول طائفة من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله تعالى : { ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ) ومثلوه بالصائم يشتغل بأمر يستغرقه ويغلب عليه فيصير ساهيا عن الصوم ويأكل في أثناء ذلك السهو ( لا ) عن قصد ، لا يقال هذا باطل من وجهين . الأول : أن قوله تعالى : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } ، وقوله : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } ( الأعراف : 20 21 ) يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام . وروى عن ابن عباس ما يدل على أن آدم عليه السلام تعمد لأنه قال لما أكلا منها فبدت لهما سوآتهما خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة ، فحبسته فناداه الله تعالى أفرارا مني ، فقال : بل حياء منك ، فقال له : أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك ؟ قال : بلى يا رب ولكني وعزتك ما كنت أرى أن أحدا يحلف بك كاذبا ، فقال : وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا كدا . الثاني : وهو أنه لو كان ناسيا لما عوتب على ذلك الفعل ، أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل ، فلا يكون مكلفا به لقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 276 ) وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام ( رفع القلم عن ثلاث ) ، فلما عوتب عليه دل على أن ذلك لم يكن على سبيل النسيان . لأنا نقول : أما الجواب عن الأول فهو أنا لا نسلم أن آدم وحواء قبلا من إبليس ذلك الكلام ولا صدقاه فيه ، لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في هذا التصديق أعظم من أكل الشجرة ، لأن إبليس لما قال لهما : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } . فقد ألقى إليهما سوء الظن بالله ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره والرضا بحكمه وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحا لهما وأن الرب تعالى قد غشهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة ، فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد وأيضا كان آدم عليه السلام عالما بتمرد إبليس عن السجود وكونه مبغضا له وحاسدا له على ما آتاه الله من النعم ، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام أو بعده ، ويدل على أن آدم كان عالما بعداوته لقوله تعالى : { إن هاذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ( طه : 117 ) . وأما ما روي عن ابن عباس فهو أثر مروي بالآحاد ، فكيف يعارض القرآن ؟ وأما الجواب عن الثاني : فهو أن العتاب إنما حصل على ترك / التحفظ من أسباب النسيان ، وهذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به ، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم ومثلوه بقوله تعالى : { كريما يانساء النبى لستن كأحد من النساء } ( الأحزاب : 32 ) ، ثم قال : { من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } ( الأحزاب : 30 ) . وقال عليه الصلاة والسلام : ( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) .

حصہ V03/P012–V03/P013

وقال أيضا : ( إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم ) ، فإن قيل كيف يجوز أن يؤثر عظم حالهم وعلو منزلتهم في حصول شرط في تكليفهم دون تكليف غيرهم ؟ قلنا أما سمعت : ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ، ولقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم من التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره . فهذا في تقرير أنه صدر ذلك عن آدم عليه السلام على جهة السهو والنسيان . ورأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته الخمر حتى سكر ثم في أثناء السكر فعل ذلك . قالوا : وهذا ليس ببعيد لأنه عليه السلام كان مأذونا له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة ، فإذا حملنا الشجرة على البر ، كان مأذونا في تناول الخمر ، ولقائل أن يقول : إن خمر الجنة لا يسكر ، لقوله تعالى في صفة خمر الجنة : { لا فيها غول } ( الصافات : 47 ) . أما القول الثاني : وهو أنه عليه السلام فعله عامدا فههنا أربعة أقوال : أحدها : أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم ، وقد تقدم الكلام في هذا القول وعلته . الثاني : أنه كان ذلك عمدا من آدم عليه السلام وكان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبيا ، وقد عرفت فساد هذا القول . الثالث : أنه عليه السلام فعله عمدا ، لكن كان معه من الوجل والفزع والأشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة ، وهذا القول أيضا باطل بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمدا وإن فعله مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصيا مستحقا للعن والذم والخلود في النار ، ولا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك ، ولأنه تعالى وصفه بالنسيان في قوله : { فنسى ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ) ، وذلك ينافي العمدية . القول الرابع : وهو اختيار أكثر المعتزلة : أنه عليه السلام أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة ، بيان الاجتهاد الخطأ أنه لما قيل له : { ولا تقربا هاذه الشجرة } فلفظ { هاذه } قد يشار به إلى الشخص ، وقد يشار به إلى النوع ، وروي أنه عليه السلام أخذ حريرا وذهبا بيده وقال : ( هذان حل لإناث أمتي حرام على ذكورهم ) ، وأراد به نوعهما ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال : ( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) ، وأراد نوعه ، فلما سمع آدم عليه السلام قوله تعالى : { ولا تقربا هاذه الشجرة } ( البقرة : 35 ) ( الأعراف : 19 ) ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة ، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع ، إلا أنه كان مخطئا في ذلك الاجتهاد لأن مراد الله تعالى من كلمة { هاذه } كان النوع لا الشخص والاجتهاد في الفروع ، إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب واللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا ، فإن قيل : الكلام على هذا القول من وجوه : أحدها : أن كلمة { هاذا } في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر .

حصہ V03/P013–V03/P014

والشيء الحاضر لا يكون إلا شيئا معينا ، فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء / المعين فأما أن يراد بها الإشارة إلى النوع ، فذاك على خلاف الأصل / وأيضا فلأنه تعالى لا تجوز الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص ، فكان ما عداه خارجا عن النهي لا محالة ، إذا ثبت هذا فنقول : المجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته ، فآدم عليه السلام لما حمل لفظ { هاذا } على المعين كان قد فعل الواجب ولا يجوز له حمله على النوع ، واعلم أن هذا الكلام متأيد بأمرين آخرين . أحدهما : أن قوله : { وكلا منها رغدا حيث شئتما } ( البقرة : 35 ) أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل . والثاني : أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل ، والدليل المخصص لم يدل إلا على ذلك المعين ، فثبت أن آدم عليه السلام كان مأذونا له في الانتفاع بسائر الأشجار ، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب هذا عتابا وأن يحكم عليه بكونه مخطئا فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه ، يوجب أن يحكم عليه بأنه كان مصيبا لا مخطئا ، وإذا كان كذلك ثبت فساد هذا التأويل . الوجه الثاني : في الاعتراض على هذا التأويل . هب أن لفظ { هاذا } متردد بين الشخص والنوع ، ولكن هل قرن الله تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك ؟ فإن كان الأول فأما أن يقال إن آدم عليه السلام قصر في معرفة ذلك البيان ، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب ، وإن لم يقصر في معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن المراد هو النوع ، فإقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداما على الذنب قصدا . الوجه الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن ، وذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم ، أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين ، فوجب أن لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلا وشرعا ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية . الوجه الرابع : هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية ، فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيرا وحينئذ يعود الإشكال ، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلا ، وإن قلنا المصيب فيها واحد والمخطىء فيها معذور بالاتفاق فكيف صار هذا القدر من الخطأ سببا لأن نزع عن آدم عليه السلام لباسه وأخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض ؟ والجواب عن الأول : أن لفظ هذا وإن كان في الأصل للإشارة إلى الشخص لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه ، وأنه سبحانه وتعالى كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع . والجواب عن الثاني : هو أن آدم عليه السلام لعله قصر في معرفة ذلك الدليل لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال ، أو يقال : إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله تعالى عن عين الشجرة ، فلما طالت المدة غفل عنه لأن في الخبر أن آدم عليه السلام بقي في الجنة الدهر الطويل ثم أخرج .

حصہ V03/P014

والجواب عن الثالث : أنه لا حاجة ههنا إلى إثبات أن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بالاجتهاد ، فأنا بينا أنه عليه السلام قصر في معرفة تلك الدلالة أو أنه كان قد عرفها / لكنه قد نسيها ، وهو المراد من قوله تعالى : { فنسى ولم نجد له عزما } ، والجواب عن الرابع : يمكن أن يقال : كانت الدلالة قطعية إلا أنه عليه السلام لما نسيها صار النسيان عذرا في أن لا يصير الذنب كبيرا أو يقال : كانت ظنية إلا أنه ترتب عليه من التشديدات ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص ، وكما أن الرسول عليه الصلاة والسلام مخصوص بأمور كثيرة في باب التشديدات والتخفيفات بما لا يثبت في حق الأمة ، فكذا ههنا . واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال : { ولا تقربا هاذه الشجرة } ونهاهما معا فظن آدم عليه السلام أنه يجوز لكل واحد منهما وحده أن يقرب من الشجرة وأن يتناول منها ، لأن قوله : { ولا تقربا } نهي لهما على الجمع ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الإنفراد ، فلعل الخطأ في هذا الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه ، فهذا جملة ما يقال في هذا الباب والله أعلم .

حصہ V03/P014–V03/P015

المسألة الثانية : اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه السلام مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم كان في الجنة ، وذكروا فيه وجوها . أحدها : قول القصاص وهو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني والسدي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره : أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية ، وهي كأحسن الدواب بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها فابتلعته الحية وأدخلته الجنة خفية من الخزنة ، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فمها واشتغل بالوسوسة . فلا جرم لعنت الحية وسقطت قوائمها وصارت تمشي على بطنها ، وجعل رزقها في التراب ، وصارت عدوا لبني آدم ، واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة ، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة . وثانيها : أن إبليس دخل الجنة في صورة دابة ، وهذا القول أقل فسادا من الأول . وثالثها : قال بعض أهل الأصول : إن آدم وحواء عليهما السلام لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان بقرب الباب ويوسوس إليهما ، ورابعها : هو قول الحسن : أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة . قال بعضهم : هذا بعيد لأن الوسوسة كلام خفي والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء ، واختلفوا من وجه آخر وهو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه . حجة القول الأول : قوله تعالى : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } ( الأعراف : 21 ) ، وذلك يقتضي المشافهة ، وكذا قوله : { فدلاهما بغرور } ( الأعراف : 22 ) . وحجة القول الثاني : أن آدم وحواء عليهما السلام كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة ، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه ، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس . بقي ههنا سؤالان ، السؤال الأول : / أن الله تعالى قد أضاف هذا الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل ؟ قلنا معنى قوله : { فأزلهما } أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما في قوله تعالى : { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 6 ) . فقال تعالى حاكيا عن إبليس : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) ، هذا ما قاله المعتزلة . والتحقيق في هذه الإضافة ما قررناه مرارا أن الإنسان قادر على الفعل والترك ومع التساوي يستحيل أن يصير مصدرا لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه ، والداعي عبارة في حق العبد عن علم أو ظن أو اعتقاد بكون الفعل مشتملا على مصلحة ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافا إلى ذلك لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلا بالفعل ، فلهذا المعنى انضاف الفعل ههنا إلى الوسوسة ، وما أحسن ما قال بعض العارفين إن زلة آدم عليه السلام هب أنها كانت بسبب وسوسة إبليس ، فمعصية إبليس حصلت بوسوسة منا وهذا ينبهك على أنه ما لم يحصل الداعي لا يحصل الفعل وأن الدواعي وإن ترتب بعضها على بعض ، فلا بد من انتهائها إلى ما يخلقه الله تعالى ابتداء / وهو الذي صرح به موسى عليه السلام في قوله : { إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } ( الأعراف : 155 ) .

حصہ V03/P015

السؤال الثاني : كيف كانت تلك الوسوسة ، الجواب : أنها هي التي حكى الله تعالى عنها في قوله : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) ، فلم يقبلا ذلك منه ، فلما أيس من ذلك عدل إلى اليمين على ما قال : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } ( الأعراف : 21 ) ، فلم يصدقاه أيضا ، والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب استغراقهما فيه نسيان النهي فعند ذلك حصل ما حصل ، والله أعلم بحقائق الأمور كيف كانت .

حصہ V03/P015–V03/P016

أما قوله تعالى : { وقلنا اهبطوا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى السفل ، ومن قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى غيره ، كقوله : { اهبطوا مصرا } ( البقرة : 61 ) . المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن آدم وحواء عليهما السلام كانا مخاطبين به وذكروا فيه وجوها : الأول : وهو قول الأكثرين : أن إبليس داخل فيه أيضا قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في قوله : { فأزلهما الشيطان عنها } أي فأزلهما وقلنا لهم اهبطوا . وأما قوله تعالى : { بعضكم لبعض عدو } فهذا تعريف لأدم وحواء عليهما السلام أن إبليس عدو لهما ولذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة فقال : { فقلنا يائادم أن لا هاذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ( طه : 117 ) ، فإن قيل : إن إبليس لما أبى من السجود صار كافرا / وأخرج من الجنة وقيل له : { فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها } ( الأعراف : 13 ) ، وقال أيضا : { فاخرج منها فإنك رجيم } ( ص: 77 ( الحجر : 34 ) ، وإنما اهبط منها لأجل تكبره ، فزلة آدم عليه السلام إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة ، ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة ، فلما حصل هبوط إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله : { اهبطوا } ، متناولا له ؟ قلنا : إن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مر أخرى لأجل أن يوسوس إلى آدم وحواء فحين كان آدم وحواء في الجنة قال الله تعالى لهما : { اهبطا } ، فلما خرجا من الجنة واجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال : { اهبطوا } ومن الناس من قال ليس معنى قوله : { اهبطوا } أنه قال ذلك لهم دفعة واحدة ، بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت . الوجه الثاني : أن المراد آدم وحواء والحية وهذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم الملائكة والجن والإنس ، ولقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى : { كل قد علم صلاته وتسبيحه } ( النور : 41 ) ، وقال سليمان للهدهد : { لاعذبنه عذابا شديدا } ( النمل : 21 ) . الثالث : المراد آدم وحواء وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم ، والدليل عليه قوله : { اهبطوا بعضكم لبعض عدو اهبطوا منها جميعا } ( البقرة : 36 ، 38 ) ، ويدل عليه أيضا قوله : { فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 38 ، 39 ) . وهذا حكم يعم الناس كلهم ومعنى : { بعضكم لبعض عدو } ما عليه الناس من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب ؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله :

حصہ V03/P016–V03/P017

المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله : { اهبطوا } أمر أو إباحة ، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف ، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة ، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب ، فكيف يكون عقابا مع ما فيه من النفع العظيم ؟ فإن قيل : ألستم تقولون في الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف ، قلنا : أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير ، فيجوز أن تكون عقابا إذا كان الرجل مصرا ، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم . فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا . المسألة الرابعة : أن قوله تعالى : { اهبطوا بعضكم لبعض عدو } ، أمر بالهبوط وليس أمرا بالعداوة ، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية ، وشيء من ذلك لا يجوز أن يكون مأمورا به ، فأما عداوة آدم لإبليس / فإنها مأمور بها لقوله تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) وقال تعالى : { يذكرون يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ) إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو . المسألة الخامسة : المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى : { إلى ربك يومئذ المستقر } ( القيامة : 12 ) ، وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } ( الفرقان : 24 ) ، وقال تعالى : { فمستقر ومستودع } ( الأنعام : 98 ) إذا عرفت هذا فنقول : الأكثرون حملوا قوله تعالى : { ولكم فى الارض مستقر } ( البقرة : 36 ) ( الأعراف : 24 ) ، على المكان ، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت ، وروى السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المستقر هو القبر ، أي قبوركم تكونون فيها . والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحال الحياة ، ولأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي حال الحياة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة : { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الارض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } ( الأعراف : 24 ، 25 ) ، فيجوز أن يكون قوله : { فيها تحيون } ، إلى آخر الكلام بيانا لقوله : { ولكم فى الارض مستقر ومتاع إلى حين } ، ويجوز أن يكون زيادة على الأول . المسألة السادسة : اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان والأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه : ما رأيتك منذ حين إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة ، فلما كانت أعمار الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول : { ومتاع إلى حين } : المسألة السابعة : اعلم أن في هذه الآيات تحذيرا عظيما عن كل المعاصي من وجوه : أحدها : أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة ، كان على وجل شديد من المعاصي ، قال الشاعر : يا ناظرا يرنو بعيني راقد ومشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى درك الجنان ونيل فوز العابد أنسيت أن الله أخرج آدما منها إلى الدنيا بذنب واحد

حصہ V03/P017–V03/P018

وعن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا ، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها ، وثانيها : التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص ، عن قتادة في قوله تعالى : { أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) ، قال حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهى عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل . وثالثها : أنه سبحانه وتعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس ، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر . ! 7 < { فتلقىءادم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } > 7 < البقرة : ( 37 ) فتلقى آدم من . . . . . > > المسألة الأولى : قال القفال : أصل التلقي هو التعرض للقاء ثم يوضع في موضع الاستقبال للشيء الجائي ثم يوضع موضع القبول والأخذ . قال الله تعالى : { وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم } ( النمل : 6 ) ، أي تلقنه . ويقال : تلقينا الحجاج أي استقبلناهم . ويقال : تلقيت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه . وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلا فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معا صلح أن يشتركا في الوصف بذلك ، فيقال : كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال : تلقى آدم كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول ، وجاز أن يقال : تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات ومثله قوله : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) وفي قراءة ابن مسعود ( الظالمون ) . المسألة الثانية : اعلن أنه لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد وأن يعرف ماهية التوبة ويتمكن بفعلها من تدارك الذنوب ويميزها عن غيرها فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بل يجب حمله على أحد الأمور . أحدها : التنبيه على المعصية الواقعة منه على وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين . وثانيها : أنه تعالى عرفه وجوب التوبة وكونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا ثم ندم على ما صنع وعزم على أن لا يعود فإني أتوب عليه . قال الله تعالى : { فتلقىءادم من ربه كلمات } ، أي أخذها وقبلها وعمل بها . وثالثها : أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية إلى التوبة . ورابعها : أنه تعالى علمه كلاما لو حصلت التوبة معه لكان ذلك سببا لكمال حال التوبة .

حصہ V03/P018

المسألة الثالثة : اختلفوا في أن تلك الكلمات ما هي ؟ فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن آدم عليه السلام قال : يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة ؟ قال : بلى . قال : يا رب ألم تنفخ في من روحك ؟ قال : بلى . قال : ألم تسكني جنتك ؟ قال : بلى . قال : يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك ؟ قال : بلى . قال : يا رب إن تبت وأصلحت تردني إلى الجنة ؟ قال : بلى فهو قوله : { فتلقىءادم من ربه كلمات } وزاد السدي فيه : يا رب هل كنت كتبت علي ذنبا ؟ قال : نعم . وثانيها : قال النخعي : أتيت ابن عباس فقلت : ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه . قال : علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا وهي الكلمات التي تقال في الحج ، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما بأني قبلت توبتكما . وثالثها : قال مجاهد وقتادة في إحدى الروايتين عنهما هي قوله : { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } ( الأعراف : 23 ) . ورابعها : قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم : إنها قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين . لا إله إلا أنت سبحانك / وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم . وخامسها : قالت عائشة لما أراد الله تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا ، والبيت يومئذ ربوة حمراء ، فلما صلى ركعتين استقبل البيت وقال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي . اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي وأرضى بما قسمت لي . فأوحى الله تعالى إلى آدم : يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بهذا الدعاء الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها .

حصہ V03/P018–V03/P019

المسألة الرابعة : قال الغزالي رحمه الله : التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة ، علم وحال وعمل ، فالعلم أول والحال ثان والعمل ثالث ، والأول موجب للثاني ، والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضته سنة الله في الملك والملكوت ، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وكونه حجابا بين العبد ورحمة الرب ، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات المحبوب ، فإن القلب مهما شعر بفوات المحبوب تألم ، فإذا كان فواته يفعل من جهته تأسف بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سببا لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندما ، ثم إن ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل وبالماضي ، أما تعلقها بالحال فبترك الذنب الذي كان ملابسا له وأما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر . وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر ، فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة ، فهذا اليقين نور وهذا النور يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيطلع النور عليه بانقشاع السحاب ، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث من تلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك ، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة في الحصول ( على التوبة ) . ويطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر . وبهذا الاعتبار قال عليه السلام : ( الندم توبة ) ، إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفا بطرفيه ، أعني مثمره وثمرته ، فهذا هو الذي لخصه الشيخ الغزالي في حقيقة التوبة وهو كلام حسن . وقال القفال : لا بد في التوبة من ترك ذلك الذنب ومن الندم على ما سبق ومن العزم على أن لا يعود إلى مثله ومن الاشفاق فيما بين ذلك كله ، أما أنه لا بد من الترك فلأنه لو لم يترك لكان فاعلا له فلا يكون تائبا ، وأما الندم فلأنه لو لم يندم لكان راضيا بكونه فاعلا له والراضي بالشيء قد يفعله والفاعل للشيء لا يكون تائبا عنه ، وأما العزم على أن لا يعود إلى مثله فلأن فعله معصية والعزم على المعصية / معصية ، وأما الأشفاق فلأنه مأمور بالتوبة ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بالتوبة كما لزمه فيكون خائفا ، ولهذا قال تعالى : { يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه } ( الزمر : 9 ) وقال عليه السلام : ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) ، واعلم أن كلام الغزالي رحمه الله أبين وأدخل في التحقيق ، إلا أنه يتوجه عليه إشكال وهو أن العلم بكون الفعل الفلاني ضررا مع العلم بأن ذلك الفعل صدر منه يوجب تألم القلب وذلك التألم يوجب إرادة الترك في الحال والاستقبال وإرادة تلافي ما حصل منه في الماضي وإذا كان بعض هذه الأشياء مرتبا على البعض ترتبا ضروريا لم يكن ذلك داخلا تحت قدرته فاستحال أن يكون مأمورا به . والحاصل أن الداخل في الوسع ليس إلا تحصيل العلم ، فأما ما عداه فليس للاختيار إليه سبيل ، لكن لقائل أن يقول : تحصيل العلم ليس أيضا في الوسع لأن تحصيل العلم ببعض المجهولات لا يمكن إلا بواسطة معلومات متقدمة على ذلك المجهول ؛ فتلك العلوم الحاضرة المتوسل بها إلى اكتساب ذلك المجهول / إما أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول أو لم تكن مستلزمة .

حصہ V03/P019–V03/P020

فإن كان الأول كان ترتب المتوسل إليه على المتوسل به ضروريا ، فلا يكون ذلك داخلا في القدرة والاختيار ، وإن كان الثاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة لأن المقدمات القريبة لا بد وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذهن تسليم المطلوب ، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدمات منتجة لتلك النتيجة . فإن قيل لم لا يجوز أن يقال : تلك المقدمات وإن كانت حاضرة في الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة غير حاضرة في الذهن ، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة . قلنا : العلم بكيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن يكون من البديهيات أو من الكسبيات ، فإن كان من البديهيات لم يكن في وسعه ؛ وإن كان من الكسبيات كان القول في كيفية اكتسابه كما في الأول ، فإما أن يفضي إلى التسلسل وهو محال أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور والله أعلم .

حصہ V03/P020–V03/P021

المسألة الخامسة : سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال : إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التوبة ؟ وأجاب بأن أبا علي قال : إنها تلزمه لأن المكلف متى علم أنه قد عصى لم يحد فيما بعد وهو مختار ولا مانع من أن يكون نادما أو مصرا لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته لهذا القبيح إلا بالتوبة ، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة وسواء ذكرها وقد تاب عنها من قبل أو لم يتب . أما أبو هاشم فإنه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة والإصرار ويقول : لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال ، فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم فيعود ذلك النقصان بالتوبة ، وإما لأن التوبة نازلة منزلة الترك ، فإذا كان الترك واجبا عند الإمكان فلا بد من وجوب التوبة مع عدم الإمكان ، وربما قال : تجب التوبة عليهم من جهة السمع وهذا هو الأصح على قوله : لأن التوبة / لا يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب لأجل جلب المنافع كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم الله تعالى صار أحد أسباب عصمتهم التشديد عليهم في التوبة حالا بعد حال وإن كانت معاصيهم صغيرة . المسألة السادسة : قال القفال : أصل التوبة الرجوع كالأوبة . يقال : توب كما يقال أوب . قال الله تعالى : { وقابل التوب } فقولهم تاب يتوب توبا وتوبة ومتابا فهو تائب وتواب كقولهم آب يؤوب أوبا وأوبة فهو آيب وأواب ، والتوبة لفظة يشترك فيها الرب والعبد ، فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاص فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هربه إلى ربه فيقال : تاب إلى ربه والرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده وإذا وصف بها الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله ولهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة ، فقيل في العبد : تاب إلى ربه . وفي الرب على عبده وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده ، ثم يراجع خدمته ، فيقال : فلان عاد إلى الأمير والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه ، إذا عرفت هذا فنقول : قبول التوبة يكون بوجهين ، أحدهما : أن يثيب عليها الثواب العظيم كما أن قبول الطاعة يراد به ذلك ، والثاني : أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب التوبة . المسألة السابعة : المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من وجهين ، الأول : أن واحدا من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار ، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر ، أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف ذلك / فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل . فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة العمر الطويل لكان الله تعالى يغفر له ما قد سلف ويقبل توبته ، فصار تعالى مستحقا للمبالغة في قبول التوبة فوصف بأنه تعالى تواب . الثاني : أن الذين يتوبون إلى الله تعالى فإنه يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك ، ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب وكان الثواب من جهته نعمة ورحمة وصف نفسه مع كونه توابا بأنه رحيم .

حصہ V03/P021–V03/P022

المسألة الثامنة : في هذه الآية فوائد : إحداها : أنه لا بد وأن يكون العبد مشتغلا بالتوبة في كل حين وأوان ، لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار ، أما الأحاديث ( أ ) روي أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه عن الرجل يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر فقال أمير المؤمنين : يستغفر أبدا حتى يكون الشيطان هو الخاسر فيقول لا طاقة لي معه ، وقال علي : كلما قدرت أن تطرحه في ورطة وتتخلص منها فافعل . ( ب ) وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يصر من استغفر / وإن عاد في اليوم سبعين مرة . ( ج ) وعن ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام : توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرة . ( د ) وأبو هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام حين أنزل عليه : { وأنذر عشيرتك الاقربين } ( الشعراء : 214 ) ( يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا ) أخرجاه في الصحيح . ( ه ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم مائة مرة ) . واعلم أن الغين شيء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية وهو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس ولكن يمنع كمال ضوئها ، ثم ذكروا لهذا الحديث تأويلات أحدها : أن الله تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصيبهم فكان إذا ذكر ذلك وجد غيما في قلبه فاستغفر لأمته . وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى ، فكان الاستغفار لذلك . وثالثها : أن الغيم عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانيا عن نفسه بالكلية ، فإذا عاد إلى الصحو كان الاستغفار من ذلك الصحو وهو تأويل أرباب الحقيقة ، ورابعها : وهو تأويل أهل الظاهر أن القلب لا ينفك عن الخطرات والخواطر والشهوات وأنواع الميل والإرادات فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر ( و ) أبو هريرة قال : قال عمر رضي الله عنه في قوله تعالى : { توبوا إلى الله توبة نصوحا } ( التحريم : 8 ) إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب ولا يريد أن يعمل به ولا يعود ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : هو أن يهجر الذنب ويعزم على أن لا يعود إليه أبدا . ( ز ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله تعالى : يقول لملائكته : ( إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة فإن تركها فاكتبوها له حسنة ) رواه مسلم . ( ح ) روي أن جبريل عليه السلام سمع إبراهيم عليه السلام وهو يقول : يا كريم العفو ، فقال جبريل : أو تدري ما كريم العفو ؟ فقال : لا يا جبريل . قال : أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة . ( ط ) أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام : ( من استفتح أول نهاره بالخير وختمه بالخير قال الله تعالى للملائكة لا تكتبوا على عبدي ما بين ذلك من الذنوب ) .

حصہ V03/P022

( ي ) عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على راهب فأتاه فقال : إنه قد قتل تسعة وتسعين نفسا فهل للقاتل من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله فكمل المائة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه فقال : إنه قتل مائة نفس فهل من توبة ؟ فقال : نعم ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناسا يعبدون الله تعالى فاعبده معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى أتى نصف الطريق فأتاه الموت فاختصمت / فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط . فأتاهم ملك في صورة آدمي وتوسط بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر فقبضته ملائكة الرحمة ) . رواه مسلم ( يا ) ثابت البناني : بلغنا أن إبليس قال : يا رب إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه وعلى ولده ، فقال الله سبحانه وتعالى : ( جعلت صدورهم مساكن لك ) ، فقال : رب زدني ، فقال : لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة . قال : رب زدني . قال : تجري منه مجرى الدم . قال : رب زدني . قال : { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الاموال والاولاد } ( الإسراء : 6 ) ، قال : فعندها شكا آدم إبليس إلى ربه تعالى فقال : يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطه علي وعلى ذريتي وأنا لا أطيقه إلا بك ، فقال الله تعالى : لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء . قال : رب زدني . قال : الحسنة بعشر أمثالها . قال : رب زدني . قال : لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر ) . ( يب ) أبو موسى الأشعري قال : قال عليه الصلاة والسلام : إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه مسلم . ( يج ) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني ، فإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر له ) . ثم قرأ : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } إلى قوله : { فاستغفروا لذنوبهم } ( البقرة : 135 ) . ( يد ) أبو إمامة قال : بينا أنا قاعد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي . قال : فأعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك ، وأقيمت الصلاة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ثم خرج قال أبو أمامة : فكنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجل يتبعه ويقول : يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي ، فقال عليه السلام : ( أليس حين خرجت من بيتك توضأت فأحسنت الوضوء ؟ قال : بلى يا رسول ، قال : وشهدت معنا هذه الصلاة ؟

حصہ V03/P022–V03/P023

قال : بلى يا رسول الله ، قال : فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذبنك ) رواه مسلم . ( يه ) عبد الله قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله إني عالجت امرأة من أقصى المدينة وإني أصبت ماء دون أن أمسها فها أنا ذا فاقض في ما شئت ، فقال له عمر : لقد سترك الله لو سترت نفسك ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، فقام الرجل فانطلق فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وتلا عليه هذه الآية : { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) . فقال واحد من القوم : يا نبي الله هذا له خاصة ، قال : بل للناس عامة . رواه مسلم . ( يو ) أبو هريرة قال : قال عليه / السلام : ( إن عبدا أصاب ذنبا فقال يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال ربه : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر . فقال : يا رب إني أذنبت ذنبا آخر فاغفره لي ، فقال ربه : إن عبدي علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر فقال : يا رب أذنبت ذنبا آخر فاغفره لي ، فقال ربه : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فقال له ربه : غفرت لعبدي فليعمل ما شاء ) . أخرجاه في الصحيح . ( يز ) أبو بكر قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( لم يصر من استغفر الله ولو عاد في اليوم سبعين مرة . ( يح ) أبو أيوب قال : قد كنت كتمتكم شيئا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لولا أنكم تذنبون فتستغفرون لخلق الله تعالى خلقا يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) رواه مسلم . ( يط ) قال عبد الله : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه فقال : يا رسول الله إني مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن أمهن فلففتهن جميعا في كسائي فهن معي ، فقال عليه الصلاة والسلام : ضعهن عنك فوضعتهن فأبت أمهن إلا لزومهن ، فقال عليه السلام : أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها ، قالوا : نعم يا رسول الله ، فقال : والذي نفس محمد بيده أو قال فوالذي بعثني بالحق نبيا لله عز وجل أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها ، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن فرجع بهن ) . ( ك ) عن أبي مسلم الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا .

حصہ V03/P023

يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أتقى رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منكم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) . قال وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه إعظاما له : وأما الآثار فسئل ذو النون عن التوبة فقال : إنها اسم جامع لمعان ستة . أولهن : الندم على ما مضى ، الثاني : العزم على ترك الذنوب في المستقبل . الثالث : أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله تعالى . الرابع : أداء المظالم إلى المخلوقين في / أموالهم وأعراضهم . الخامس : إذابة كل لحم ودم نبت من الحرم . السادس : إذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية . وكان أحمد بن حارس يقول : يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب ، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب ، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب ، يا صاحب الذنوب أنت غدا بالذنوب مطلوب .

حصہ V03/P023–V03/P024

الفائدة الثانية : من فوائد الآية : أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن التوبة مع علو شأنه فالواحد منا أولى بذلك . الفائدة الثالثة : أن ما ظهر من آدم عليه السلام من البكاء على زلته تنبيه لنا أيضا لأنا أحق بالبكاء من آدم عليه السلام . روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح عليهما السلام إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر ) . المسألة التاسعة : إنما اكتفى الله تعالى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعا له كما طوى ذكر النساء في القرآن والسنة لذلك ، وقد ذكرها في قوله : { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) . ! 7 < { قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } > 7 ! < < البقرة : ( 38 ) قلنا اهبطوا منها . . . . . > > المسألة الأولى : ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين : الأول : قال الجبائي : الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض وهذا ضعيف من وجهين : أحدهما : أنه قال في الهبوط الأول : { ولكم فى الارض مستقر } فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله : { ولكم فى الارض مستقر ومتاع } ( البقرة : 36 ) عقيب الهبوط الثاني أولى . وثانيهما : أنه قال في الهبوط الثاني : { اهبطوا منها } والضمير في ( منها ) عائد إلى الجنة . وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة . الوجه الثاني : أن التكرير لأجل التأكيد وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة لأن الأمر به كان تحقيقا للوعد المتقدم في قوله : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) فإن قيل / ما جواب الشرط الأول ؟ قلنا : الشرط الثاني مع جوابه ، كقولك : إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك . المسألة الثانية : روي في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة وإبليس بموضع من البصرة على أميال والحية بأصفهان .

سوالات