Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
ومن هذا يتبين أمر أصولي وهو أن الناس اختلفوا في أن المذنب هل يخرج من الإيمان أم لا ؟ وسبب النزاع وقوع نظر الخمصين على أمرين متباينين فالذنب الذي بالجسد لا بالقلب لا يخرج بل قد يزيد في الإيمان والذي بالقلب يخاف منه الخروج عن ربقة الإيمان ولذلك اختلفوا في عصمة الأنبياء من الذنوب ، والأشبه أن الجسدي جائز عليهم والقرآن دليل عليه ، والقلبي لا يجوز عليهم ، ثم إنه تعالى لما نهى عباده عن عبادة الشطان ذكر ما يحملهم على قبول ما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه بقوله : { إنه لكم عدو مبين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : من أين حصلت العداوة بين الشيطان والإنسان ؟ فنقول ابتداؤها من الشيطان وسببه تكريم الله نبي آدم ، لما رأى إبليس ربه كرم آدم وبنيه عاداهم فعاداه الله تعالى والأولى منه لؤم والثاني من الله كرم ، أما الأول فلأن الملك إذا أكرم شخصا ولم ينقص من الآخر شيئا إذ لا ضيق في الخزانة ، فعداوة من يعادي ذلك المكرم لا تكون إلا لؤما ، وأما الثاني فلأن الملك إذا علم أن إكرامه ليس إلا منه وذلك لأن الضعيف ما كان يقدر أن يصل إلى بعض تلك المنزلة لولا إكرام الملك ، يعلم أن من يبغضه ينكر فعل الملك أو ينسب إلى خزانته ضيقا ، وكلاهما يحسن التعذيب عليه فيعاديه إتماما للإكرام وإكمالا للإفضال ، ثم إن كثيرا من الناس على مذهب إبليس إذا رأوا واحدا عند ملك محترما بغضوه وسعوا فيه إقامة لسنة إبليس ، فالملك إن لم يكن متخلقا بأخلاق الله لا يبعد الساعي ويسمع كلامه ويترك إكرام ذلك الشخص واحترامه . المسألة الثانية : من أين إبانة عداوة إبليس ؟ نقول لما أكرم الله آدم عاده إبليس وظن أنه يبقى في منزلته وآدم في منزلته مثل متباغضين عند الملك والله كان عالما بالضمائر فأبعده وأظهر أمره فأظهر هو من نفسه ما كان يخفيه لزوال ما كان يحمله على الإخفاء فقال : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف : 16 ) وقال : { لاحتنكن ذريته } ( الإسراء : 62 ) . المسألة الثالثة : إذا كان الشيطان للإنسان عدوا مبينا فما بال الإنسان يميل إلى مراضيه من الشرب والزنا ، ويكره مساخطه من المجاهدة والعبادة ؟ نقول سبب ذلك استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله ، فيستعين بشهوته التي خلقها الله تعالى فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سببا لفساد حالة ويدعوه بها إلى مسالك المهالك ، وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله لدفع المفاسد عنه ويجعله سببا لوبالة وفساد أحواله ، وميل الإنسان إلى المعاصي كيل المريض إلى المضار وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال ، فترى المحموم يريد الماء البارد / وهو يريد في مرضه . ومن به فساد المعدة فلا يهضم القيل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد في معدته فسادا ، وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه فالدنيا كالهواء الوبيء لا يستغني الإنسان فيه عن استنشاق الهواء وهو المفسد لمزاجه ولا طريق له غير إصلاح الهواء بالروائح الطيبة والأشياء الزكية والرش بالخل والماورد من جملة المصلحات ، فكذلك الإنسان في الدنيا لا يستغني عن أمورها وهي المعنيات للشيطان وطريقه ترك الهوى تقليل التأمين وتحريف الهوى بالذكر الطيب والزهد ، فإذا صح مزاج عقله لا يميل إلا إلى الحق ولا يبقى عليه في التكاليف كلفة ويحصل له مع الأمور الإلهية ألفة ، وهنالك يعترف الشيطان بأنه ليس له عليه سلطان . ثم قال تعالى : ! 7 < { وأن اعبدونى هاذا صراط مستقيم } > 7 ! < < يس : ( 61 ) وأن اعبدوني هذا . . . . . > > لما منع عبادة الشيطان حمل على عبادة الرحمن والشارع طبيب الأرواح كما أن الطبيب طبيب الأشباح ، وكما أن الطبيب يقول للمريض لا تفعل كذا ولا تأكل من ذا وهي الحمية التي هي رأس الدواء لئلا يزيد مرضه ، ثم يقول له تناول الدواء الفلاني تقوية لقوته المقاومة للمرض ، كذلك الشارع منع من المفسد وهو اتباع الشيطان وحمل على المصالح وهو عبادة الرحمن وفيه مسائل :
المسألة الأولى : عند المنع من عبادة الشيطان قال : { إنه لكم عدو مبين } ( يس : 60 ) لأن العداوة أبلغ الموانع من الاتباع ، وعند الأمر بعبادة الرحمن لم يقل إنه لكم حبيب لأن المحبة لا توجب متابعة المحبوب بل ربما يورث ذلك الاتكال على المحبة . فيقول إنه يحبني فلا حاجة إلى تحمل المشقة في تحصيل مراضيه ، بل ذكر ما هو أبلغ الأشياء في الحمل على العبادة وذلك كونه طريقا مستقيما ، وذلك لأن الإنسان في دار الدنيا في منزل قفر مخوف وهو متوجه إلى دار إقامة فيها إخوانه ، والنازل في بادية خالية يخاف على روحه وماله ولا يكون عنده شيء أحب من طريق قريب آمن ، فلما قال الله تعالى : { هاذا صراط مستقيم } كان ذلك سببا حاثا على السلوك ، وفي ضمن قوله تعالى : { هذا صراط } إشارة إلى أن الإنسان مجتاز لأنه لو كان في دار إقامة فقوله : { هاذا صراط مستقيم } لا يكون له معنى لأن المقيم يقول وماذا أفعل بالطريق وأنا من المقيمين . المسألة الثانية : ماذا يدل على كونه طريقا مستقيما ؟ نقول الإنسان مسافر إما مسافرة راجع إلى وطنه ، وإما مسافرة تاجر له متاع يتجر فيه ، وعلى الوجهين فالله هو المقصد ، وأما الوطن فلأنه لا يوطن في مأمن ولا أمن إلا بملك لا يزول ملكه لأن عند زوال ملك الملوك لا يبقى الأمن والراحة ، والله سبحانه هو الذي ملكه دائم وكل ما عداه فهو فان ، وأما التجارة فلأن التاجر لا يقصد إلا إلى موضع يسمع أو يعلم أن لمتاعه هنا رواجا والله تعالى يقول إن العمل الصالح / عنده مثاب عليه مقابل بأضعاف ما يستحق ، والله عون المقصد ، وعبادته توجه إليه ، ولا شك أن القاصد لجهة إذا توجه إليها يكون على الطريق المستقيم . المسألة الثالثة : العبادة تنبىء عن معنى التذلل ، فلما قال لا تعبدوا الشيطان لزم أن يتكبر الإنسان على ما سوى الله ولما قال : { وأن اعبدونى } ينبغي أن لا يتكبر على الله لكن التكبر على ما سوى الله ليس معناه أن يرى نفسه خيرا من غيره ، فإن نفسه من جملة ما سوى الله ، فنبغي أن لا يلتفت إليها ولو كانت متجملة بعبادة الله ، بل معنى التكبر على ما سوى الله أن لا ينقاد لشيء إلا بإذن الله وفي هذا التكبر غاية التواضع فإنه حينئذ لا ينقاد إلى نفسه وحظ نفسه في التفوق على غيره فلا يتفوق فيحصل التواضع التام ولا ينقاد لأمر الملوك إذا خالفوا أمر الله فيحصل التكبر التام فيرى نفسه بهذا التكبر دون الفقير وفوق الأمير . ! 7 < { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون } > 7 ! < < يس : ( 62 ) ولقد أضل منكم . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في الجبل ست لغات كسر الجيم والباء مع تشديد اللام وضمهما مع التشديد وكسرهما مع التخفيف وضمهما معه وتسكين الباء وتخفيف اللام مع ضم الجيم ومع كسره . المسألة الثانية : في معنى الجبل الجيم والباء واللام لا تخلو عن معنى الاجتماع والجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة ، وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب ، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعة اللبن الكثير ، لا يقال البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبىء عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنا نقول هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات ، فإن البلجة والبلدة بمعنى والبلد سمي بلدا للاجتماع لا للتفرق ، فالجبل الجمع العظيم حتى قيل إن دون العشرة آلاف لا يكون جبلا وإن لم يكن صحيحا .
والمسألة الثالثة : كيف الإضلال ؟ نقول على وجهين : أحدهما : أن الإضلال توليه عن المقصد وصد عنه فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو توليه فإن لم يقدر يأمره بعبادة الله لأمر غير الله من رياسة وجاه غيرهما فهو صد ، وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية . ثم بين مآل أهل الضلال بقوله تعالى : ! 7 < { هاذه جهنم التى كنتم توعدون } > 7 ! < < يس : ( 63 ) هذه جهنم التي . . . . . > > وحال الضال كحال شخص خرج من وطنه مخافة عدوه فوقع في مشقة ولو أقام في وطنه لعل / ذلك العدو كان لا يظفر به أو يرحمه ، كذلك حال من لم يتحرك لطاعة ولا عصيان كالمجانين وحال من استعمال عقله فأخطأ الطريق ، فإن المجنون من أهل النجاة وإن لم يكن من أهل الدرجات ، وقد قيل بأن البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء ، وذلك ظاهر في المحسوس فإن من لم يعرف الطريق إذا أقام بمكانه لا يبعد عن الطريق كثيرا ومن سار إلاى خلاف المقصد يبعد عنه كثيرا . ثم بين أنهم واصلون إليها حاصلون فيها بقوله تعالى : ! 7 < { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } > 7 ! < < يس : ( 64 ) اصلوها اليوم بما . . . . . > > وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحسرتهم من ثلاثة أوجه أحدها : قوله تعالى : { اصلوها } فإنه أمر تنكيل وإهانة كقوله : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) ، والثاني : قوله : { اليوم } يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وأيامها قد انقضت وبقي اليوم العذاب الثالث : وقوله تعالى : { بما كنتم تكفرون } فإن الكفر والكفارن ينبى عن نعمة كانت يكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام . ولهذا كثيرا ما يقول العبد المجرم افعلوا بي ما يأمر به السيد ولا تحضروني بين يديه وإلى هذا المعنى أشار القائل : أليس بكاف لذي نعمة حياء المسيء من المحسن ثم قال تعالى : ! 7 < { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } > 7 ! < < يس : ( 65 ) اليوم نختم على . . . . . > > في الترتيب وجوه الأول : أنهم حين يسمعون قوله تعالى : { بما كتم تكفرون } ( يس : 64 ) يريدون ( أن ) ينكروا كفرهم كما قال تعالى عنهم ما أشركنا وقالوا آمنا به فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار وينطق الله غير لسانه منا لجوارح فيعترفون بذنوبهم الثاني : لما قال الله تعالى لهم : { ألم أعهد إليكم } ( يس : 60 ) لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا وتكلمت أعضاؤهم غير اللسان ، وفي الختم على الأفواه وجوه : أقواها ، أن الله تعالى يسكت ألسنتهم فلا ينطقون بها وينطق جوارحهم فتشهد علهيم ، وإنه في قدرة الله يسير ، أما الإسكات فلا خفاء فيه ، وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فكما جاز تحركه بها جاز تحري غيره بمثلها والله قادر على الممكنات والوجه الآخر أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرءوس وقوف القنوط اليؤوس لا يجد عذرا فييعتذر ولا مجال توبة فيستغفر ، وتكلم الأيدي ظهور الأمور بحيث لا يسع معه الإنكار حتى تنطق به الأيدي والأبصار ، كم يقال القائل : الحيطان تبكي على صاحب الدار ، إشارة إلى ظهور الحزن ، والأول الصحيح وفيه لطائف لفظية ومعنوية .
أما اللفظية فالأولى منها : هي أن الله تعالى أسند فعل الختم إلى نفسه وقال : { نختم } وأسند / الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل ، لأنه لو قال تعالى : نختم على أفواههم وتنطق أيديهم يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبرا وقهرا والإقرار بالإجبار غير مقبول قال تعالى : { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } أي باختيارها بعد ما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم الثانية : منها هي أن الله تعالى قال : { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } جعل الشهادة للأرجل والكلام للأيدي لأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى : { وما علمته أيديهم } ( يس : 35 ) أي ما عملوه وقال : { ولا تلقوا بأيديكم } ( البقرة : 195 ) أي ولا تلقوا بأنفسكم فإذا الأيدي كالعاملة ، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من جملة الشهود لبعد إضافة الأفعال إليها ، وأما المعنوية فالأولى : منها أن يوم القيامة من تقبل شهادته من القربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غيرم قبولة ، وإن كان من الشهود العدول وغير الصديقين من الكفار والفساق غير مقبول الشهادة فجعل الله الشاهد عليهم منهم ، لا يقال الأيدي والأرجل أيضا صدرت الذنوب منها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها ، لأنا نقول في رد شهادتها قبول شهادتها ، لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم فقد صدر الذنب منها في ذلك اليوم ، والمذنب في ذلك اليوم مع ظهور الأمور ، لا بد من أن يكون مذنبا في الدنيا ، وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا ، وهذا كمن قال لفاسق : إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر ، فقال الفاسق : كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد ، لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووجب الجزاء ، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم ، فوجد الشرط أيضا بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه . المسألة الثانية : الختم لازم الكفار في الدنيا على قلوبهم وفي الآخرة على أفواههم ، ففي الوقت الذي كان الختم على قلوبهم كان قولهم بأفواههم / كما قال تعالى : { ذالك قولهم بأفواههم } ( التوبة : 30 ) فلما ختم على أفواههم أيضا لزم أن يكون قولهم بأعضائهم ، لأن الإنسان لا يملك غير القلب واللسان والأعضاء ، فإذا لم يبق القلب والفم تعين الجوارح والأركان . ثم قال تعالى : ! 7 < { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون } > 7 ! < < يس : ( 66 ) ولو نشاء لطمسنا . . . . .
> > وقد ذكرنا مرارا أن الصراط المستقيم هو بين الجبر والقدر هو الطريقة الوسطى ، والله تعالى في كل موضع ذكر ما يتمسك به المجبرة ذكر عقيبه ما يتمسك به القدرية وبالعكس ، وههنا / كذلك لما قال الله تعالى : { وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } ( يس : 65 ) وقال : { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } ( يس : 64 ) وكان ذلك متمسك القدرية حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم وأحال الخير والشر عليهم ، ذكر عقيبه ما يدل على أن كفرهم وكسبهم بمشيئة الله ، وذلك لأن الكفر يعمي البصيرة ويضعف القوة العقلية ، وعمى البصيرة بإرادة الله ومشيئته ، إذا شاء أعمى البصائر ، كما أنه لو شاء لطمس على أعينهم المبصرة ، وسلب القوة العقلية باختياره ومشيئته ، كما أن سلب القوة الجمسية بمشيئته ، حتى لو شاء لمسخ المكلف على مكانته وأقامه بحيث لا يتحرك يمنة ولا يسرة ، ولا يقدر على المضي والرجوع ، فإعماء البصائر عنده كإعماء الأبصار ، وسلب القوة العقلية كسلب القوة الجسمية ، فقال : { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } إشارة إلى أنه لو شاء وأراد إعماء بصائرهم فضلوا ، وأنه لو شاء طمس أعينهم لما اهتدوا إلى طريقتهم الظاهرة ، وشاء واختار سلب قوة عقولهم فزلوا ، وإنه لو شاء سلب قوة أجسامهم ومسخهم لما قدروا على تقدم ولا تأخر . وفي الآيتين أبحاث لفظية : البحث الأول : في قوله : { فاستبقوا الصراط } قال الزمخشري فيه وجوه الأول : أنه يكون فيه حذف حرف إلى واتصال الفعل من غير حرف وأصله فاستبقوا إلى الصراط الثاني : أن يكون المراد من الاستباق الابتدار مبالغة في الاهتداء إلى الطريق ، كأنه يقول الصراط الذي هو معهم ليسوا طالبين له قاصدين إياه ، وإنما هم عليه إذا همس الله على أعينهم لا يبصرونه ، فكيف إن لم يكونوا على الصراط . البحث الثاني : قدم الطمس والإعمار على المسخ والإعجاز ليكون الكلام مدرجا ، كأنه قال : إن أعماهم لم يروا الطريق الذي هم عليه وحينئذ لا يهتدون إليه ، فإن قال قائل : الأعمى قد يهتدي إلى الطريق بأمارات عقلية أو حسية غير حس البصر كالأصوات والمشي بحس اللمس ، فارتقى وقال : فلو مسخهم وسلب قوتهم بالكلية لا يهتدون إلى الصراط بوجه من الوجوه . البحث الثالث : قدم المضي على الرجوع ، لأن الرجوع أهون من المضي ، لأن المضي لا ينبيء عن سلوك الطريق من قبل ، وأما الرجوع فينبيء عنه ، ولا شك أن سلوك طريق قد رؤي مرة أهون من سلوك طريق لم ير فقال : لا يستطيعون مضيا ولا أقل من ذلك وهو الرجوع الذي هو أهون من المضي . ! 7 < { ومن نعمره ننكسه فى الخلق أفلا يعقلون } > 7 < يس : ( 68 ) ومن نعمره ننكسه . . . . . > > فقد ذكرنا أن قوله تعالى : { ألم أعهد إليكم } ( يس: 60 ) قطع للأعذار بسبق الإنذار ، ثم لما قرر ذلك / وأتمه شرع في قطع عذر آخر ، وهو أن الكافر يقول لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيرا ، ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيرا ، فقال الله تعالى : { أفلا تعقلون إنكم كلما دخلتم فى نجزى كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } ( فاطر : 37 ) ثم إنكم علمتم أن الزمان كلما يعبر علكيم يزداد ضعفكم فضيعتم زمان الإمكان ، فلو عمرناكم أكثر من ذلك لكان بعده زمان الإزمان ، ومن لم يأت بالواجب زمان الإمكان ما كان يأتي به زمان الإزمان .
! 7 < { وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين } > 7 ! < < يس : ( 69 ) وما علمناه الشعر . . . . . > > في الترتيب وجهان ، قد ذكرنا أن الله في كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة ، وهي الوحدانية والرسالة والحشر ، ذكر الأصل الثالث منها ، وههنا ذكر الأصلين الوحدانية والحشر ، أما الوحدانية ففي قوله تعالى : { ألم أعهد إليكم يبنى وإذ أخذ أن لا تعبدوا الشيطان } ( يس: 60 ) وفي قوله : { وأن اعبدونى هاذا صراط مستقيم } ( يس: 61 ) وأما الحشر ففي قوله تعالى : { اصلوها اليوم } ( يس: 64 ) وفي قوله : { اليوم نختم على أفواههم } ( يس: 65 ) إلى غير ذلك ، فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال : { وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين } وقوله : { وما علمناه الشعر } إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم يعلمه ما لم يرد ، وفي تفسير الآية مباحث : البحث الأول : خص الشعر بنفي التعليم ، مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشياء من جملتها السحر ، ولم يقل وما علمناه السحر وكذلك كانوا ينسبونه إلى الكهانة ، ولم يقل وما علمناه الكهانة ، فنقول : أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إليها عندما كان يخبر عن الغيوب ويكون كما يقول . وأما السحر : فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكلم الحصى والجذع وغير ذلك . وأما الشعر : فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلوا القرآن عليهم لكنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن ، كما قال تعالى : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) إلى غير ذلك ، ولم يقل إن كنتم في شك من رسالتي فأنطقوا الجذوع أو أشبعوا الخلق العظيم أو أخبروا بالغيوب ، فلما كان تحديه صلى الله عليه وسلم بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم . البحث الثاني : ما معنى قوله : { وما ينبغى له } قلنا : قال قوم ما كان يتأتي له ، وآخرون ما يتسهل له حتى أنه إن تمثل بيت شعر سمع منه مزاحفا يروي أنه كان يقول صلى الله عليه وسلم : ( ويأتيك من لم تزود بالأخبار ) . وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له ، وذلك لأن الشعر يدعو إلى تغيير / المعنى لمراعاة اللفظ والوزن ، فالشارع يكون اللفظ منه تبعا للمعنى ، والشاعر : يكون المعنى منه تبعا للفظ ، لأنه يقصد لفظا به يصح وزن الشعر أو قافيته فيحتاج إلى التحيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ ، وعلى هذا نقول : الشعر هو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصدا أوليا ، وأما من يقصد المعنى فيصدر موزونا مقفى فلا يكون شاعرا ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) ليس بشعر ، والشاعر إذا صدر منه كلام فيه متحركات وساكنات بعدد ما في الآية تقطيعه بفاعلاتن فاعلاتن يكون شعرا لأنه قصد الإتيان بألفاظ حروفها متحركة وساكنة كذلك والمعنى تبعه ، والحكيم قصد المعنى فجاء على تلك الألفاظ ، وعلى هذا يحصل الجواب عن قول من يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بيت شعر وهو قوله : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
أو بيتين لأنا نقول ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية / وعلى هذا لو صدر من النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير موزون مقفى لا يكون شعرا ، لعدم قصده اللفظ قصدا أوليا ، ويؤيد ما ذكرنا أنك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجد فيه ما يكون موزونا واقعا في بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعرا ولا الكلام شعرا لفقد القصد إلى اللفظ أولا ، ثم قوله تعالى : { وما علمناه الشعر وما ينبغى له } يحقق ذلك المعنى أي هو ذكر وموعظة للقصد إلى المعنى ، والشعر لفظ مزخرف بالقافية والوزن وههنا لطيفة : وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من الشعر لحكمة ) يعني : قد يقصد الشاعر اللفظ فيوافقه معنى حكمي كما أن الحكيم قد يقصد معنى فيوافقه وزن شعري ، لكن الحكيم بسبب ذلك الوزن لا يصير شاعرا والشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيما حيث سمي النبي صلى الله عليه وسلم شعره حكمة ، ونفى الله كون النبي شاعرا والشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيما حيث سمي النبي صلى الله عليه وسلم شعره حكمة ، ونفي الله كون النبي شاعرا ، وذلك لأن اللفظ قالت المعنى والمعنى : قلب اللفظ وروحه فإذا وجد القلب لا نظر إلى القالب ، وفيكون الحكيم الموزون كلامه حكيما ، ولا يخرجه عن الحكمة وزن كلامه ، والشاعر الموعظ كلامه حكيما . ! 7 < { لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين } > 7 < يس : ( 70 ) لينذر من كان . . . . . > > قريء بالتاء والياء ، خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم وبالياء على وجهين أحدهما : أن يكون المنذر هو النبي صلى الله عليه وسلم حيث سبق ذكره في قوله : { وما علمناه } ( يس: 69 ) وقوله : { وما ينبغى له } ( يس: 69 ) . وثانيهما : أن يكون المراد أن القرآن ينذر والأول أقرب إلى المعنى والثاني : أقرب إل اللفظ ، أما الأول : فلأن المنذر صفة للرسل أكثر ورودا من المنذر صفة للكتب وأما الثاني : فلأن القرآن أقرب المذكورين إلى قوله : { لينذر } وقوله : { من كان حيا } أي : من / كان حي القلب ، ويحتمل وجهين أحدهما : أن يكون المراد من كان حيا في علم الله فينذره به فيؤمن الثاني : أن يكون المراد لينذر به من كان حيا في نفس الأمر ، أي : من آمن فينذره بما على المعاصي من العقاب وبما على الطاعة من الثواب { ويحق القول على الكافرين } أما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى : { ولاكن حق القول منى لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( السجدة : 13 ) وقوله تعالى : { حقت كلمة العذاب } ( الزمر : 71 ) وذلك لأن الله تعالى قال : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) فإذا جاء حق التعذيب على من وجد منه التكذيب ، وأما القول المقول في الوحدانية والرسالة والحشر وسائر المسائل الأصولية الدينية فإن القرآن فيه ذكر الدلائل التي بها تثبت المطالب . ! 7 < { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } > 7 ! < < يس : ( 71 ) أو لم يروا . . . . . > > ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية ودلائل دالة عليها فقال تعالى : { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } أي ) من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناه من غير معين ولا ظهير بل عملناه بقدرتنا وإرادتنا .
وقوله تعالى : { فهم لها مالكون } إشارة إلى إتمام الإنعام في خلق الأنعام ، فإنه تعالى لو خلقها ولم يملكها الإنسان ما كان ينتفع بها . وقوله : { وذللناها لهم } زيادة إنعم فإن المملوك إذا كان آبيا متمردا لا ينفع ، فلو كان الإنسان يملك الأنعام وهي نادة صادة لما تم الإنعام الذي في الركوب وإن كان يحصل الأكل كما في الحيوانات الوحشية ، بل ما كان يكمل ننعمة الأكل أيضا إلا بالتعب الذي في الاصطياد ، ولعل ذلك لا يتهيأ ( إلا ) للبعض وفي البعض . وقوله تعالى : { فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } بيان لمنفعة التذليل إذ لولا التذليل لما وجدت إحدى المنفعتين وكانت الأخرى قليلة الوجود . ! 7 < { ! 7 < { ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون } > 7 ! < < يس : ( 73 ) ولهم فيها منافع . . . . . > > ثم بين تعالى غير الركوب والأكل من الفوائد بقوله تعالى : { ولهم فيها منافع ومشارب } وذلك لأن من الحيوانات ما لا يركب كالغنم فقال : منافع لتعمها والمشارب كذلك عامة ، إن قلنا بأن المراد جمع مشرب وهو الآنية فإن من الجلود ما يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب وغيرها ، وإن قلنا : إن المراد المشروب وهو الألبان والأسمان فهي مختصة بالإناث ولكن بسبب الذكور فإن ذلك متوقف على الحمل وهو بالذكور والإناث . ثم قال تعالى : { أفلا يشكرون } هذه النعم التي توجب العبادة شكرا ، ولو شكرتم لزادكم / من فضله ، ولو كفرتم لسلبها منكم ، فما قولكم ، أفلا تشكرون استدامة لها واستزادة فيها ؟ . ثم قال تعالى : ! 7 < { ! 7 < { ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون } > 7 ! ثم بين تعالى غير الركوب والأكل من الفوائد بقوله تعالى : { ولهم فيها منافع ومشارب } وذلك لأن من الحيوانات ما لا يركب كالغنم فقال : منافع لتعمها والمشارب كذلك عامة ، إن قلنا بأن المراد جمع مشرب وهو الآنية فإن من الجلود ما يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب وغيرها ، وإن قلنا : إن المراد المشروب وهو الألبان والأسمان فهي مختصة بالإناث ولكن بسبب الذكور فإن ذلك متوقف على الحمل وهو بالذكور والإناث . ثم قال تعالى : { أفلا يشكرون } هذه النعم التي توجب العبادة شكرا ، ولو شكرتم لزادكم / من فضله ، ولو كفرتم لسلبها منكم ، فما قولكم ، أفلا تشكرون استدامة لها واستزادة فيها ؟ . ثم قال تعالى : ! 7 < { واتخذوا من دون الله ءالهة لعلهم ينصرون } > 7 ! < < يس : ( 74 ) واتخذوا من دون . . . . . > > إشارة إلى بيان زيادة ضلالهم ونهايتها ، فإنهم كان الواجب عليهم عبادة الله شكرا لأنعمه ، فتركوها وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ، وتوقعوا منه النصرة مع أنهم هم الناصرون لهم كما قال عنهم : { حرقوه وانصروا ءالهتكم } ( الأنبياء : 68 ) وفي الحقيقة لا هي ناصرة ولا منصورة . وقوله تعالى : ! 7 < { لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند م حضرون } > 7 ! < < يس : ( 75 ) لا يستطيعون نصرهم . . . . .
> > إشارة إلى الحشر بعد تقرير التوحيد ، وهذا كقوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } ( الأنبياء : 98 ) وقوله : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم } ( الصافات : 22 ، 23 ) وقوله : { أولئك فى العذاب } ( سبأ : 38 ) وهو يحتمل معنيين أحدهما : أن يكون العابدون جندا لما اتخذوه آلهة كما ذكرنا الثاني : أن يكون الأصنام جندا للعابدين ، وعلى هذا ففيه معنى لطيف وهو أنه تعالى لما قال : { لا يستطيعون نصرهم } أكدها بأنهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جندا لهم ومحضرون لنصرتهم فإن ذلك دال على عدم الاستطاعة ، فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف م نلم يكن متأهبا ولم يجمع أنصاره . ! 7 < { فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم م بين وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحى العظام وهى رميم قل يحييها الذىأنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم } > 7 ! < < يس : ( 76 ) فلا يحزنك قولهم . . . . . > > وقوله تعالى : { فلا يحزنك قولهم } إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه دليل اجتبائه واختياره إياه . وقوله تعالى : { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون } من النفاق { وما يعلنون } من الشرك والثاني : ما يسرون من العلم بك وما يعلنون من الكفر بك الثالث : ما يسرون من العقائد الفاسدة وما يعلنون من الأفعال القبيحة . ثم إنه تعالى لما ذكر دليلا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله : { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ( يس : 71 ) ذكر دليلا من الأنفس . فقال : { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } قيل إن المراد بالإنسان أبي بن خلف فإن الآية وردت فيه حيث أخذ عظما باليا وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنك تقول إن إلهك يحيي هذه العظام فقال رسو الله صلى الله عليه وسلم : نعم ويدخلك جهنم ، وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ / لا بخصوص السبب ألا ترى أن قوله تعالى : { قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها } ( المجادلة : 1 ) عمومها فنقول فيها لطائف :
اللطيفة الأولى : قوله : { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا } ( يس : 71 ) معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة ، أو لم يروا خلق الأنعام لهم وعلى هذا فقوله تعالى : { أولم ير الإنسان } كلام أعم من قوله : { أو لم يروا } لأنه مع جنس الإنسان وهو مع جمع منهم فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم ، فإن الإنسان قد يغفلعن الإنعام وخلقها عند غيبتها ولكن ( لا يغفل ) هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون . فقال : إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن نفسه ، فما باله أولم ير أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة ، فإن سائر النعم بعد وجوده وقوله : { من نطفة } إشارة إلى وجه الدلالة ، وذلك لأن خلقه لو كان من أشياء مختلفة مختلفة الصور كان يمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب واللحم من جنس رخو ، وكذلك الحال في كل عضو ، ولما كان خلقه عن خطفة متشابهة الأجزاء وهو مختلف الصور دل على الاختيار والقدرة إلى هذا أشار بقوله تعالى : { يسقى بماء واحد } ( الرعد : 4 ) . وقوله : { فإذا هو خصيم مبين } فيه لطيفة غريبة وهي أنه تعالى قال اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء ما خلق منه آية ظاهرة ومع هذا فهنالك ما هو أظهر وهو نطقه وفهمه ، وذلك لأن النطفة جسم ، فهب أن جاهلا يقول إنه استحال وتكون جسما آخر ، لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة ؟ فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو إلى إدراك القدرة والاختيار منه أقرب فقوله : { خصيم } أي ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان النطق لأنه أعلى أحوال الناطق ، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره ، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصما لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه وقوله : { مبين } إشارة إلى قوة عقله ، واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه ، لأن المبين بان عنده الشيء ثم أبانه فقوله تعالى : { من نطفة } إشارة إلى أدنى ما كان عليه وقوله : } خصيم مبين } إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى : { } خصيم مبين } إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى : { } إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة } إلى أن قال تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة } ( المؤمنون : 14 ) فما تقدم من خلق النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظاما إشارة إلى التغيرات في الجسم وقوله : { ثم خلقنا النطفة علقة } إشارة إلى ما أشار إليه بقوله : { فإذا هو خصيم مبين } أي ناطق عاقل .
ثم قوله تعالى : { وضرب لنا مثلا ونسى خلقه } إشارة إلى بيان الحشر وفي هذه الآيات إلى / آخر السورة غرائب وعجائب نذكرها بقدر الإمكان إن شاء الله تعالى ، فنقول المنكرون للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة واكتفى بالاستبعاد وادعى الضرورة وهم الأكثرون ، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم في كثير من المواضع بلفظ الاستبعاد كما قال : { وقالوا إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد } ( السجدة : 10 ) { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون } ( الصافات : 16 ) { أءنك لمن المصدقين } ( الصافات ) إئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } ( الصافات : 53 ) إلى غير ذلك فكذلك ههنا قال : { } ( الصافات : 53 ) إلى غير ذلك فكذلك ههنا قال : { قال من يحى العظام وهى رميم } على طريق الاتسبعاد فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله : { ونسى خلقه } أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء ، ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصور والقوام وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل لذي ( ن ) بهما استحقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلا ، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه ، ثم إن استبعادهم كان من جهة ما في المعاد من التفتت والتفرق حيث قالوا : { من يحى العظام وهى رميم } اختاروا العظم للذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البلى والتفتت والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في المعيد من القدرة والعلم فقال : { وضرب لنا مثلا } أي جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب ، ومنهم من ذكر شبهة وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين أحدهما : أنه بعد العدم لم يبق شيئا فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود ، وأجاب عن هذه الشبهة . بقوله تعالى : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا كذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا وثانيها : أن من تفرقت أجزاؤه ف مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في جدران الرباع كيف يجمع ؟ وأبعد من هذا هو أن إنسانا إذا أكل إنسانا وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيد فأجزاء المأول ، إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه ، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء . فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة : دوهو بكل خلق عليم } ووجهه هو أن في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية / وفي المأكول كذلك ، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل . { } ووجهه هو أن في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية ، وفي المأكول كذلك ، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل . { وهو بكل خلق عليم } يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلي للآكل وينفخ فيها روحه ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه ، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع ، المبددة في الأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة . ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم وعنادهم . فقال تعالى : ! 7 < { الذى جعل لكم من الشجر الا خضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون } > 7 ! < <
يس : ( 80 ) الذي جعل لكم . . . . . > > ووجهه هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به وحياة سارية فيه ، وهي كحرارة جارية فيه فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه ، فإن النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب وأنتم تحضرون حيث من توقدون ، وإن استبعدتم خلق جسمه فخلق السموات والأرض أكبر من خلق أنفسكم فلا تستبعدوه فإن الله خلق السموات والأرض فبان لطف قوله تعالى : { الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } . ! 7 < { أوليس الذى خلق السماوات والا رض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } > 7 < يس : ( 81 ) أو ليس الذي . . . . . > > وقوله تعالى : { أوليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } قدم ذكر النار في الشجر على ذكر الخلق الأكبر ، لأن استبعادهم كان بالصريح واقعا على الأحياء حيث قالوا : { من يحى العظام } ( يس : 78 ) ولم يقولوا من يجمعها ويؤلفها والنار في الشجر تناسب الحياة . وقوله تعالى : { بلى وهو الخلاق } إشارة إلى أنه في القدرة كامل . وقوله تعالى : { العليم } إشارة إلى أن علمه شامل . ثم أكد بيانه بقوله تعالى : ! 7 < { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } > 7 ! < < يس : ( 82 ) إنما أمره إذا . . . . . > > وهذا إظهار فساد تمثيلهم وتشبيههم وضرب مثلهم حيث ضربوا لله مثلا وقالوا لا يقدر أحد على مثل هذا قياسا للغائب على الشاهد فقال في الشاهد الخلق يكون بالآلات البدنية والانتقالات المكانية ولا يقع إلا في الأزمنة الممتدة والله يخلق بكن فيكون ، فكيف تضربون المثل الأدنى وله المثل الأعلى من أن يدرك . وفي الآية مباحث : البحث الأول : قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن المعدوم شيء لأنه يقول لما أراده : { كن فيكون } فهو قبل القول له كن لا يكون وهو في تلك الحالة شيء حيث قال : { إنما أمره إذا أراد شيئا } والجواب أن هذا بيان لعدم تخلف الشيء عن تعلق إرادته به ، فقوله : { إذا } مفهوم / الحين والوقت والآية دالة على أن المراد شيء حين تعلق الإرادة به ولا دلالة فيها على أنه شيء قبل ما إذا أراد وحينئذ لا يرد ما ذكروه لأن الشيء حين تعلق الإرادة به شيء موجود لا يريده في زمان ويكون في زمان آخر بل يكون في زمان تعلق ازرادة ، فإذا الشيء هو الموجود لا المعدوم لا يقال كيف يريد الموجود وهو موجود فيكون ذلك إيجادا لموجود ؟ نقول هذا الإشكال من بال المعقولات ونجيب عنه في موضعه ، وإنما غرضنا إبطال تمسكهم باللفظ ، وقد ظهر أن المفهوم من هذا الكلام أنه يريد ما هو شيء إذا أراد ، وليس في الآية أنه إذا أراد ما كان شيئا قبل تعلق الإرادة .
البحث الثاني : قالت الكرامية لله إرادة محدثة بدليل قوله تعالى : { إذا أراد } ووجه دلالته من أمرين أحدهما : من حيث إنه جعل للإرادة زمانا ، فإن إذا ظرف زمان وكل ما هو زماني فهو حادث وثانيهما : هو أنه تعالى جعل إرادته متصلة بقوله : { كن } وقوله : { كن } متصل بكون الشيء ووقوعه لأنه تعالى قال : { يكون } بفاء التعقيب لكن الكون حادث ، وما قبل الحادث متصل به حادث ، والفلاسفة وافقوهم في هذا الإشكال من وجه آخر فقالوا إرادته متصلة بأمره وأمره متصل بالكون ولكن إرادته قديمة فالكون قديم فمكونات الله قديمة ، وجواب الضالين من التمسك باللفظ هو أن المفهوم من قوله : { إذا أراد } من حيث اللغة إذا تعلقت إرادته بالشي لأن قوله : { أراد } فعل ماض ، وإذا دخلت كلمة إذا على الماضي تجعله في معنى المستقبل ، ونحن نقول أن مفهوم قولنا أراد ويريد وعلم ويعلم يجوز أن يدخله الحدوث ، وإنما نقول لله تعالى صفة قديمة هي الإرادة وتلك الصفة إذا تعلقت بشيء نقول أراد ويريد ، وقبل التعلق لا نقول أراد وإنما نقول له إرادة وهو بها مريد ، ولنضرب مثالا للأفهام الضعيفة ليزول ما يقع في الأوقام السخيفة ، فنقول قولنا فلان خياط يراد به أن له صنعة الخياطة فلو لم يصح منا أن نقول إنه خاط ثوب زيد أو يخيط ثوب زيد لا يلزم منه نفي صحة قولنا إنه خياط بمعنى أن له صنعة بها يطلق عليه عند استعماله تلك الصنعة في ثوب زيد في زمان ماض خاط ثوبه ، وبها يطلق عليه عند استعماله تلك الصنعة في ثوب زيد في زمان مستقبل يخيط ثوبه ، ولله المثل الأعلى فافهم أن الإرادة أمر ثابت إن تعلقت بوجو شيء نقول أراد وجوده أي يريد وجوده ، وإذا علمت هذا فهو في المعنى من كلام أهل السنة تعلق الإرادة حادث وخرج بما ذكرنا جواب الفريقين . البحث الثالث : قالت المعتزلة والكرامية كلام الله حرف وصوت وحادث لأن قوله : { كن } كلام { وكن } من حرفين ، والحرف من الصوت ، ويلزم من هذا أن كلامه من الحروف والأصوات ، وأما أنه حادث فلما تقدم من الوجهين أحدهما : أنه زماني والثاني : أنه متصل بالكون والكون حادث / والجواب يعلم مما ذكرنا ، وذلك لأن الكلام صفة إذا تعلقت بشيء تقول قال ويقول فتعلق الخطاب حادث والكلام قديم فقوله تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } فيه تعلق وإضافة لأن قوله تعالى : { يقول له } باللام للإضافة صريح في التعلق / ونحن نقول إن قوله للشيء الحادث حادث لأنه مع التعلق ، وإنما القديم قوله وكلامه لا مع التعلق وكل قديم وحادث إذا نظرت إلى مجموعهما لا تجدهما في الأزل وإنما تجدهما جميعا فيما لا يزال فله معنى الحديث ولكن الإطلاق موهم ، فتفكر جدا ولا تقل المجموع حادث من غير بيان مرادك ، فإن ذلك قد يفهم منه أن الجميع حادث ، بل حقق الإشارة وجود العبارة وقل أحد طرفي المجموع قديم والآخر حادث ولم يكن الآخر معه في الأزل ، وأما قوله : { كن } من الحروف ، نقول الكلام يطلق على معنيين أحدهما : ما عند المتكلم والثاني : ما عند السامع ، ثم إن أحدهما يطلق عليه أنه هو الآخر ومن هذا يظهر فوائد . أما بيان ما ذكرناه ، فلأن الإنسان إذا قال لغيره عندي كلام أريد أن أقوله لك غدا ، ثم إن السامع أتاه غدا وسأله عن الكلام لذي كان عنده أمس ، فيقول له : إني أريد أن تحضر عندي اليوم ، فهذا الكلام أطلق عليه المتكلم أنه كان عندك أمس ولم يكن عند السامع ، ثم حصل عند السامع بحرف وصوت ويطلق عليه أن هذا الذي سمعت هو الذي كان عندي ، ويعلم كل عاقل أن الصوت لم يكن عند المتكلم أمس ولا الحرف ، لأن الكلام الذي عنده جاز أن يذكره بالعربي فيكون له حروف ، وجاز أن يذكره بالفارسية فيكون له حروف أخر ، والكلام الذي عنده ووعد به واحد والحروف مختلفة كثيرة ، فإذا معنى قوله هذا ما كان عندي ، هو أن هذا يؤيدي إليك ما كان عندي ، وهذا أيضا مجاز ، لأن الذي عنده ما انتقل إليه ، وإنما علم ذلك وحصل عنده به علم مستفاد من السمع أو البصر في القراءة والكتابة أو ازشارة ، إذا علمت هذا فالكلام الذي عند الله وصفة له ليس بحرف على ما بان ، والذي يحصل عند السامع حرف وصوت وأحدهما الآخر لما ذكرنا من المعنى وتوسع الإطلاق ، فإذا قال تعالى : ( يقول له ) حصل قائل وسامع . فاعتبرها من جانب السامع لكون وجود الفعل من السامع لذلك القول فعبر عنه بالكاف والنون الذي يحدث عند السامع ويحدث به المطلوب . ثم قال تعالى :
! 7 < { فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون } > 7 ! < < يس : ( 83 ) فسبحان الذي بيده . . . . . > > لما تقررت الوحدانية والإعادة وأنكروها وقالوا : بأن غير الله آلهة ، قال تعالى وتنزه عن الشريك : { الذى بيده ملكوت كل شىء } وكل شيء ملكه فكيف يكون المملوك للمالك شريكا ، وقالوا : بأن الإعادة لا تكون ، فقال : دوإليه ترجعون } ردا عليهم في الأمرين ، وقد ذكرنا ما يتعلق بالنحو في قوله : سبحان ، أي سبحوا تسبيح الذي أو سبح من في السموات والأرض تسبيح الذي { } ردا عليهم في الأمرين ، وقد ذكرنا ما يتعلق بالنحو في قوله : سبحان ، أي سبحوا تسبيح الذي أو سبح من في السموات والأرض تسبيح الذي { فسبحان } علم للتسبيح ، والتسبيح هو التنزيه ، والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت ، وهو فعلول أو فعلوت فيه كلام ، ومن قال هو فعلول جعلوه ملحقا به . / ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس ) وقال الغزالي فيه : إن ذلك لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر ، والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه ، فجعله قلب القرآن لذلك ، واستحسنه فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام . ويمكن أن يقال بأن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير لأصول الثلاثة بأقوى البراهين فابتداؤها بيان الرسالة بقوله : { إنك لمن المرسلين } ( يس : 3 ) ودليلها ما قدمه عليها بقوله : { والقرءان الحكيم } ( يس : 2 ) وما أخره عنها بقوله : { لتنذر قوما } ( يس : 6 ) وانتهاؤها بيان الوحدانية والحشر بقوله : { فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء } إشارة إلى التوحيد ، وقوله : { وإليه ترجعون } إشارة إلى الحشر ، وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائله وثوابه ، ومن حصل من القرآن هذا القدر فقدحصل نصيب قلبه وهو التصديق الذي بالجنان . وأما وظيفة اللسان التي هي القول ، فكما في قوله تعالى : { وجيها يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا } ( الأحزاب : 70 ) وفي قوله تعالى : { ومن أحسن قولا } ( فصلت : 33 ) وقوله تعالى : { بالقول الثابت } ( إبراهيم : 27 ) { وألزمهم كلمة التقوى } ( الفتح : 26 ) { وإليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) إلى غير هذه مما في غير هذه السورة ووظيفة الأركان وهو العمل ، كما في قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاق بنى } ( البقرة : 110 ) وقوله تعالى : { ولا تقربوا بطن ولا تقتلوا النفس } ( الإسراء : 32 ، 33 ) وقوله : { واعملوا صالحا } ( المؤمنون : 51 ) وأيضا مما في غير هذه السورة ، فلما لم يكن فيها إلا أعمال القلب لا غير سماها قلبا ، ولهذا ورد في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى تلقين يس لمن دنا منه الموت ، وقراءتها عند رأسه ، لأن في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة ، والأعضاء الظاهرة ساقطة البنية ، لكن القلب يكون قد أقبل على الله ورجع عن كل ما سواه ، فيقرأ عند رأسه ما يزاد به قوة قلبه ، ويشتد تصديقه بالأصول الثلاثة وهي شفاء له وأشرار كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلمها إلا الله وروله ، وما ذكرناه ظن لانقطع به ، ونرجو الله أن يرحمنا وهو أرحم الراحمين . < > 1 ( سورة الصافات ) 1 < > مائه واثنتان وثمانون آية مكية
! 7 < { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلاهكم لواحد رب السماوات والا رض وما بينهما ورب المشارق } > 7 ! < < الصافات : ( 1 ) والصافات صفا > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وحمزة { والصافات صفا } بإدغام التاء فيما يليه ، وكذلك في قوله : { فالزجرات زجرا فالتاليات ذكرا } والباقون بالإظهار ، وقال الواحدي رحمه الله : إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين ، ألا ترى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس ، ولامدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير ، وإدغام الأنقص في الأزيد حسن ، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتا في الأنقص ، وأيضا إدغام التاء في الزاي في قوله : { فالزجرات زجرا } حسن لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد ، وأيضا حسن إدغام التاء في الذي في قوله : { فالتاليات ذكرا } لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا ، وأما من قرأ بازظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج والله أعلم . المسألة الثانية : في هذه الأشياء الثلاثة المذكورة المقسم بها يحتمل أن يتكون صفات ثلاثة لموصوف واحد ، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متباينة ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه الأول : أنها صفات الملائكة ، وتقديره أن الملائكة يقفون صفوفا . إما في السموات لأداء العبادات كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا : { وإنا لنحن الصافون } ( الصافات : 165 ) وقيل إنهم يصفون أجنحتهم في الهواء يقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم ، ويحتمل أيضا أن يقال معنى كونهم صفوفا أن لكل واحد منهم مرتبة معينة ودرجة معينة في الشرف والفضيلة أو في الذات والعلية وتلك الدرجة المرتبة باقية غير متغيرة وذلك يشبه الصفوف .
وأما قوله : { فالزجرات زجرا } فقال الليث : يقال زجرت البعير فأنا أجزره زجرا إذا حثثته ليمضي ، وزجرت فلانا عن سوء فانزجر أي نهيته فانتهى ، فعلى هذا الزجر للبعير كالحث وازنسان / كالنهي ، إذا عرفت هذا فنقول في وصف الملائكة بالزجر وجوه الأول : قال ابن عباس يريد الملائكة الذي وكلوا بالسحاب يزوجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع الثاني : المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل الإلهامات فهم يزجرونهم عن المعاصي زجرا الثالث : لعل الملائكة أيضا يزجرون الشياطين عن التعرض لبني آدم بالشر والإيذاء ، وأقول قد ثبت في العلوم العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام مؤثر لا يقبل الأثر وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الموجودات ومتأثر لا يؤثر وهم عالم الأجسام وهو أخس الموجودات وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء آخر وهو عالم الأرواح وذلك لأنها تقبل الأثر عن عالم كبرياء الله ، ثم إنها تؤثر في عالم الأجسام ، واعلم أن الجهة التي باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة التي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام وتقدر على التصرف فيها وقوله : { فالتاليات ذكرا } إشارة إلى الأشرف من الجهة التي باعتبارها تقوى على التأثير في عالم الأجسام إذا عرفت هذا فقوله : { والصافات صفا } إشارة إلى وقوفها صفا صفا في مقام العبودية والطاعة بالخشوع والخضوع وهي الجهة التي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية والكمالات الصمدية وقوله تعالى : { فالزجرات زجرا } إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية في تنوير الأرواح القدسية البشرية وإخراجها من القوة إلى الفعل / وذلك لما ثبت أن هذه الأرواح النطقية البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية إنما تنتقل من القول إلى الفعل في المعارف الإلهية والكمالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة ونظيره قوله تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } ( النحل : 2 ) وقوله : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 192 ، 193 ) وقوله تعالى : { فالملقيات ذكرا } ( المرسلات : 5 ) إذا عرفت هذا فنقول في هذه الآية دقيقة أخرى وهي أن الكمال المطلق للشيء إنما يحصل إذا كان تاما وفوق التام والمراد بكونه تاما أن تحصل جميع الكمالات اللائقة به حصولا بالفعل والمراد بكونه فوق التام أن تفيض منه أصناف الكمالات والسعادات على غيره ، ومن المعلوم أن كونه كاملا في ذاته مقدم على كونه مكملا لغيره ، إذا عرفت هذا فقوله : { والصافات صفا } إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبودية وصفوف الخدمة والطاعة وقوله تعالى : { فالزجرات زجرا } إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي عن جواهر الأرواح البشرية وقوله تعالى : { فالتاليات ذكرا } إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الناطقة البشرية ، فهذه مناسبات عقلية واعتبارات حقيقية تنطبق عليها هذه الألفاظ الثلاثة ، قال أبو مسلم الأصفهاني : لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة مبرءون عن هذه الصفة ، والجواب من وجهين الأول : أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة ثم يجمع على صافات والثاني : أنهم مبرءون عن التأنيث المعنوي ، أما التأنيث في / اللفظ فلا ، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة في هذا الوجه الثاني : أن تحمل هذه الصافات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على عبودية الله تعالى الذين هم ملائكة الأرض وبيانه من وجهين الأول : أن قوله تعالى : { والصافات صفا } المراد الصفوف الصحالة عند أداء الصلوات بالجماعة وقوله : { فالزجرات زجرا } إشارة إلى قراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصلاة وقوله : { فالتاليات ذكرا } إشارة إلى قراءة القرآن في الصلاة وقيل : { فالزجرات زجرا } إشارة إلى رفع الصوت بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت ، روى أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بيوت أصحابه في الليالي فسمع أبا بكر يقرأ بصوت منخفض وسمع عمر يقرأ بصوت رفيع فسأل أبا بكر لم تقرأ هكذا ؟
فقال : المعبود سميع عليم وسأل عمر : لم تقرأ هكذا ؟ فقال : أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان الوجه الثاني : في تفسير هذه الألفاظ الثلاث في هذه الآية أن المراد من قوله : { والصافات صفا } الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى والمراد من قوله : { فالزجرات زجرا } اشتغالهم بالزجر عن الشبهات والشهوات ، والمراد من قوله تعالى : { فالتاليات ذكرا } اشتغالهم بالدعوة إلى دين الله والترغيب في العمل بشرائع الله الوجه الثالث : في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين في سبيل الله فقوله : { والصافات صفا } المراد منه صفوف القتال لقوله تعالى : { إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا } ( الصف : 4 ) وأما ( الزاجرات زجرا ) فالزجرة والصيحة سواء ، والمراد منه رفع الصوت بزجر الخيل ، وأما ( التاليات ذكرا ) فالمراد اشتغال الغزاة وقت شروعهم في محاربة العدو بقراءة القرآن وذكر الله تعالى بالتهليل والتقديس الوجه الرابع : في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نجعلها صفات لآيات القرآن فقوله : ( والصافات صفا ) المراد آيات القرآن فإنها أنواع مختلفة بعضها في دلائل التوحيد وبعضها في دلائل العلم والقدرة والحكمة وبعضها في دلائ النبوة وبعضها في دلائل المعاد وبعضها في بيان التكاليف والأحكام وبعضها في تعليم الأخلاق الفاضلة ، وهذه الآيات مرتبة ترتيبا لا يتغير ولا يتبدل فهذه الآيات تشبه أشخاصا واقفين في صفوف معينة قولوه : { فالزجرات زجرا } المراد منه الآيات الزاجرة عن الأفعال المنكرة وقوله : { فالتاليات ذكرا } المراد منه الآيات الدالة على وجوب الإقدام على أعمال البر والخير وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر وكلام قائل قال تعالى : { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) وقال : { يس والقرءان الحكيم } ( يس : 1 ، 2 ) قيل الحكيم بمعنى الحاكم فهذه جملة الوجوه المحتملة على تقدير أن تجعل هذه الألفاظ الثلاثة صفات لشيء واحد وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد بهذه الثلاثة أشياء متغايرة فقيل الرماد بقوله : { والصافات صفا } الطير من قوله تعالى : { والطير صافات } ( النور : 41 ) ( والزاجرات ) كل ما زجر عن معاصي الله ( والتالي ) كل ما يتلى من كتاب الله وأقول فيه / وجه آخر وهو أن مخلوقات الله إما جسمانية وإما روحانية ، أما الجسمانية فإنها مرتبة على طبقات ودرجات لا تتغير ألبتة ، فالأرض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء والماء محفوف بالهواء ، والهواء محفوف بالنار ، ثم هذه اوربعة محفوفة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسماني فهذه الأجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى ، وأما الجواهر الروحانية فهي على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة في صفتين أحدهما التأثير في عالم الأجسام بالتحريك والتصريف وإليه الإشارة بقوله : { فالزجرات زجرا } فإنا قد بينا أن المراد من هذا الزجر السوق والتحريك ، والثاني الإدراك والمعرفة والاستغارق في معرفة الله تعالى والثناء عليه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { فالتاليات ذكرا } ولما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلة فالتصرف في الجسمانيات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : 19 ) لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام فقال : { والصافات صفا } ثم ذكر في المرتبة الثانية الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ثم ذكر في هذه المرتبة الثالثة أعلى الدرجات وهي الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله والاستغراق في الثناء عليه ، فهذه احتمالات خطرت بالبال ، والعالم بأسرار كلام الله تعالى ليس إلا الله .
المسألة الثالثة : للناس في هذا الموضع قولان الأول : قول من يقول المقسم به ههنا خالق هذه الأشياء لا أعيان هذه الأشياء ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله فكيف يليق بحكمة الله أن يحلف بغير الله والثاني : أن الحلف بالشيء في مثل هذا الموضع تعظيم عظيم للمحلوف به ، ومثل هذا التعظيم { والسماء وما بناها والارض وما طحاها ونفس وما سواها } ( الشمس : 5 7 ) ، والقول الثاني : قول من يقول إن القسم واقع بأعيان هذه الأشياء واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن القسم وقع بهذه الأشياء بحسب ظاهر اللفظ فالعدول عنه خلال الدليل والثاني : أنه تعالى قال : { والسماء وما بناها } فعلق لفظ القسم بالسماء ، ثم عطف عليه القسم بالباني للسماء ، فلو كان المراد من القسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التكرار في موضع واحد وأنه لا يجوز الثالث : أنه لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم من الله تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ذواتها وكمال حقائقها ، لا سيما إذا حملنا هذه الألفاظ على الملائكة فإنه تكون الحكمة في القسم بها التنبيه على جلالة درجاتها وكمال مراتبها والله أعلم ، فإن قيل ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه الأول : أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أوعند الكافر والأول باطل لأن المؤمن مقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل ، فهذا الحلف عديم الفائدة على كل التقديرات / الثاني : أنه تعالى حلف في أول هذه السورة على أن الإله واحد ، وحلف في أول سورة والذاريات على أن القيامة حق فقال : { والذريات ذروا } إلى قوله : { إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 1 6 ) وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف واليمين لا يليق بالعقلاء ، والجواء من وجوه الأول : أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في سائر السور بالدلائل اليقينية ، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها فذكر القسم تأكيدا لما تقدم لا سيما والقرآن إنما أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب والوجه الثاني : في الجواب أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى : { إن إلاهكم لواحد } ذكر عقيبه ما هو كالدليل اليقيني في كون الإله واحدا ، وهو قوله تعالى : { رب السماوات والارض وما بينهما ورب المشارق } وذلك لأنه تعالى بين في قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن الإله واحد ، ففهنا لما قال : { إن إلاهكم لواحد } أردفه بقوله : { رب السماوات والارض وما بينهما ورب المشارق } كأنه قيل قد بينا أن النظر في انتظام هذا العالم دل على كون الإله واحدا فتأملوا في ذلك الدليل ليحصل لكم العلم بالتوحيد الوجه الثالث : في الجواب أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة والله أعلم .
المسألة الرابعة : أما دلالة أحوال السموات والأرض على وجود الإله القادر العالم الحكيم ، وعلى كونه واحدا منزها عن الشريك فقد سبق تقريرها في هذا الكتاب مرارا وأطوارا وأما قوله تعالى : { ورب المشارق } فيحتمل أن يكون المراد مشارق الشمس قال السدي : المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك المغارب فإنه تطلع الشمس كل يوم من مشرق وتغرب كل يوم في مغرب ، ويحتمل أن يكون المراد مشارق الكواكب لأن لكل كوكب مشرقا ومغربا ، فإن فيل لم أكتفي بذكر المشارق ؟ قلنا لوجهين الأول : نه اكتفى بذكر المشارق كقوله : { تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) والثاني أن الشرق أوقى حالا من الغروب وأكثر نفعا من الغروب فذكر الشرق تنبيها على كثرة إحسان الله تعالى على عباده ، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه السلام بالمشرق فقال : { فإن الله يأتى بالشمس من المشرق } ( لبقرة : 258 ) . المسألة الخامسة : احتج الأصحاب بقوله تعالى : { رب السماوات والارض وما بينهما } على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد ، قالوا : لأن أعمال العباد موجود فيما بين السموات والأرض ، وهذه الآية دالة على أن كل ما حصل بين السموات والأرض فالله ربه ومالكه ، فهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله ، وإن قالوا : الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السموات والأرض لأن هذا الوصف إنما يليق بما يكون حاصلا في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك ، قلنا : إنها لما / كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السموات والأرض فهي أيضا حاصلة بين السماء والأرض . ثم قال تعالى : ! 7 < { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الا على ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب } > 7 ! < < الصافات : ( 6 ) إنا زينا السماء . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة وحفص عن عاصم زينة منونة الكواكب بالجر وهو قراءة مسروق بن الأجدع ، قال الفراء وهو رد معرفة على نكرة كما قال : { بالناصية ناصية } ( العلق : 15 ، 16 ) فرد نكرة على معرفة وقال الزجاج : الكواكب بدل من الزينة ، لأنها هي كما تقول مررت بأبي عبد الله زيد . وقرأ عاصم بالتنوين في الزين ونصب الكواكب قال الفراء : يريد زينا الكواكب ، وقال الزجاج : يجوز أن تكون الكواكب في النصف بدلا من قوله بزينة ، لأن بزينة في موضع نصب وقرأ الباقون ( بزينة الكواكب ) بالجر على الإضافة . المسألة الثانية : بين تعالى أنه زين السماء الدنيا ، وبين أنه إنما زينها لمنفعتين إحداهما : تحصيل الزينة والثانية : الحفظ من الشيطان المارد ، فوجب أن نحقق الكلام في هذه المطالب الثالاثة أما الأول : وهو تزيين السماء الدنيا بهذه الكواكب ، فلقائل أن يقول إنه ثبت في علم الهيئة أن هذه الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة ، وأن السيارات الستة مركوزة في الكرات الست المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله : { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } والجواب أن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إذا نظروا إلى السماء فإنهم يشاهدونها مزينة بهذه الكواكب ، وعلى أنا قد بينا في علم الهيئة أن الفلاسفة لم يتم لهم دليل في بيان أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن ، ولعلنا شرحنا هذا الكلام في تفسير سورة { تبارك الذى بيده الملك } ( الملك : 1 ) في تفسير قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح } ( الملك : 5 ) ، وأما المطلوب ال ثاني : وهو كون هذه الكواكب زينة السماء الدنيا ففيه بحثان :