Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V26/P179

فنقول لنا ههنا مقامان :

حصہ V26/P179–V26/P181

المقام الأول : أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها / وقد ظهر والحمد لله أن الأمر كما ذ كرناه ، وظهوره لا يرتاب العاقل فيه . المقام الثاني : أن يقال هب أن لفظ الآية لا يدل عليه أنه كلام ذكره الناس ، فما قولك / فيه وجوابنا أن الدلالة الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم السلام ، ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية ، فكيف الحكايات عن أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم ، والله أعلم . ! 7 < { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدىإنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخآء حيث أصاب والشياطين كل بنآء وغواص وءاخرين مقرنين فى الا صفاد هاذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مأاب } > 7 < ص : ( 34 ) ولقد فتنا سليمان . . . . . > > اعلم أن هذه الآية شرح واقعة ثانية لسليمان عليه السلام واختلفوا في المراد من قوله : { ولقد فتنا سليمان } ولأهل الحشو والرواية فيه قول ، ولأهل العلم والتحقيق قول آخر ، أما قول أهل الحشو فذكروا فيه حكايات : الأولى : قالوا إن سليمان بلغه خبر مدينة في البحر فخرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها ، وأخذ بنتا له اسمها جرادة من أحسن الناس فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها وكانت تبكي أبدا على أبيها فأمر سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك الصورة بكرة وعشيا مع جواريها يسجدن لها ، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة ، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش الرماد فجلس عليه تائبا إلى الله تعالى ، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما ، فأتاها الشيطان ساحب البحر على صورة سليمان . وقال يا أمينة خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان فأتى عليه الطير والجن والإنس ، وتغيرت هيئة سليمان فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته . فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال / أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه ، ثم أخذ يخدم السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين يوما عدد ما عبد الوثن في بيته ، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان ، فقلن ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة ، وقيل بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن ، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجدا لله ، ورجع إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان وأدخله في صخرة وألقاها في البحر . والرواية الثانية : للحشوية أن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان وكان يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها ، فقال له آصف إنك لمفتون بذنبك فتب إلى الله . والرواية الثالثة : لهم قالوا إن سليمان قال لبعض الشياطين كيف تفتنون الناس ؟ فقال أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه وقعد هذا الشيطان على كرسيه ، ثم ذكر الحكاية إلى آخرها . إذا عرفت هذه الروايات فهؤلاء قالوا المراد من قوله : { ولقد فتنا سليمان } أن الله تعالى ابتلاه وقوله : { وألقينا على كرسيه جسدا } هو جلوس ذلك الشيطان على كرسيه . والرواية الرابعة : أنه كان سبب فتنته احتجابه عن الناس ثلاثة أيام فسلب ملكه وألقى على سريره شيطان عقوبة له .

حصہ V26/P181

واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه الأول : أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء ، فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من الشرائع . فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس في صورة محمد وعيسى وموسى عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال / ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية الثاني : أن الشيطان لو قدر على أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد ، وحينئذ وجب أن يقتلهم وأن يمزق تصانيفهم وأن يخرب ديارهم ، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل مثله في حق أكابر الأنبياء أولى والثالث : كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان ؟ ولا شك أنه قبيح الرابع : لو قلنا إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه ، وإن لم يأذن فيه ألبتة فالذنب على تلك المرأ ، فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر عنه ؟ فأما الوجوه التي ذكرها أهل التحقيق في هذا الباب فأشياء : الأول : أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقالت الشياطين إن عاش صار مسلطا علينا مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو مشتغل بمهماته إذ ألقى ذلك الولد ميتا على ركسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يتوكل فيه على الله فاستغفر ربه وأناب الثاني : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في / سبيل الله ولم يقل إن شاء الله ، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره ، فوالذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا كلهم في سبيل الله فرسانا أجمعون ، فذلك قوله : { ولقد فتنا سليمان } الثالث : قوله : { ولقد فتنا سليمان } بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه ، { وألقينا على كرسيه } منه { جسدا } وذلك لشدة المرض . والعرب تقول في الضعيف إنه لحم على وضع وجسم بلا روح { ثم أناب } أي رجع إلى حال الصحة ، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة ألبتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة الرابع : أقول لا يبعد أيضا أن يقال إنه ابتلاه الله تعالى بتلسيط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه ، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي ، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف ، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب . أما قوله تعالى : { قال رب اغفر لى } فاعلم أن الذين حملوا الكلام المتقدم على صدور الزلة منه تمسكوا بهذه الآية ، فإنه لولا تقدم الذنب لما طلب المغفرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإنسان لا ينفك ألبتة عن ترك الأفضل والأولى ، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ولأنهم أبدا في مقام هضم النفس ، وإظهار الذلة والخضوع ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) ولا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى والله أعلم .

حصہ V26/P181–V26/P182

ثم قال تعالى : { وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ثم بعده طلب المملكة . وأيضا الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ثم توسل به إلى طلب المملكة ، ونوح عليه السلام هكذا فعل أيضا لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين } ( نوح : 10 12 ) وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك } فإن قيل قوله عليه السلام : { ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } مشعر بالحسد / والجواب عنه أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي ، هو أن يعطيه الله ملكا لا تقدر الشياطين أن يقوموا مقامه ألبتة ، فأما المنكرون لذلك فقد أجابوا عنه من وجوه الأول : أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري ألبتة ، ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي . والدليل على صحة هذا الكلام أنه تعالى قال : { الوهاب فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب } فكون الريح جاريا بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب ، ولا شك أنه معجزة دالة على نبوته فكان قوله : { هب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } هو هذا المعنى لأن شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها ، فقوله : { لا ينبغى لاحد من بعدى } يعني لا يقدر / أحد على معارضته والوجه الثاني : في الجواب أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى الغير بإرث أو بسبب آخر ، فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل منه إلى غيره ، وذلك الذي سأله بقوله : { ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } أي ملكا لا يمكن أن ينتقل عني إلى غيري الوجه الثالث : في الجواب أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال القدرة عليها ، فكأنه قال : يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية ، حتى أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل الوجه الرابع : من الناس من يقول إن الاحتراز عن لذات الدنيا عسر صعب ، لأن هذه اللذات حاضرة وسعادات الآخرة نسيئة ، والنقد يصعب بيعه بالنسيئة ، فقال سليمان أعطني يا رب مملكة تكون أعظم الممالك الممكنة للبشر ، حتى أني أبقى مع تلك القدرة الكاملة في غاية الاحتراز عنها ليظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى الوجه الخامس : أن من لم يقدر على الدنيا يبقى ملتفت القلب إليها فيظن أن فيها سعادات عظيمة وخيرات نافعة ، فقال سليمان يا رب العزة أعظني أعظم الممالك حتى يقف الناس على كمال حالها ، فحينئذ يظهر للعقل أنه ليس فيها فائدة وحينئذ يعرض القلب عنها ولا يلتفت إليها ، وأشتغل بالعبودية ساكن النفس غير مشغول القلب بعلائق الدنيا ، ثم قال : { فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب } رخاء أي رخوة لينة وهي من الرخاوة والريح إذا كانت لينة لا تزعزع ولا تمتنع عليه كانت طيبة ، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في آية أخرى { ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره } قلنا الجواب من وجهين الأول : لا منافاة بين الآيتين فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصة إلا أنها لما جرت بأمره كانت لذيذة طيبة فكانت رخاء والوجه الثاني : من الجواب أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى ولا منافاة بين الأمرين وقوله تعالى : { حيث أصاب } أي قصد وأراد ، وحكى الأصمعي عن العرب أنهم يقولون أصاب الصواب فأخطأ الجواب .

حصہ V26/P182–V26/P183

وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما ، فقال أين تصيبان ؟ فقالا هذا مطلوبنا . وبالجملة فالمقصود أنه تعالى جعل الريح مسخرة له حتى صارت تجري بأمره على وفق إرادته ، ثم قال والشياطين كل بناء وغواص ، قال صاحب ( الكشاف ) الشياطين عطف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين وآخرين عطف على قوله : { كل بناء } وهو بدل الكل من الكل كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ ، وقوله : { مقرنين } يقال قرنهم في الحبال والتشديد للكثرة { والأصفاد } الأغلال واحدها صفد والصفد العطية أيضا ، قال النابغة :

حصہ V26/P183–V26/P184

ولم أعرض أبيت اللعن بالصفد فعلى هذا الصفد القيد لكل من شددته شدا وثيقا فقد صفدته / وكل من أعطيته عطاء جزيلا فقد أضفدته ، وههنا بحث ، وهو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة ، وبسبب تلك القوة قدرو على بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر ، وقدروا / على الغوص في البحار ، واحتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم ، ولقائل أن يقول إن هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة ، فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة ، إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم ، فليجز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها ، وذلك دخول في السفسطة ، وإن كان الثاني وهو أن أجسادهم ليست كثيفة ، بل لطيفة رقيقة ، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة ، وأيضا لزم أن تتفرق أجسادهم وأن تتمزق بسبب الرياح القوية وأن يموتوا في الحال ، وذلك يمنع من وصفهم ببناء الأبنية القوية ، وأيضا الجن والشياطين إن كانوا موصوفين بهذه القوة والشدة ، فلم لا يقتلون العلماء والزهاد في زماننا ؟ ولم لا يخربون ديار الناس ؟ مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنهم وعداوتهم . وحيث لم يحس شيء من ذلك ، علمنا أن القول بإثبات الجن والشياطين ضعيف . واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها ، وأيضا لا يبعد أن يقال أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ، ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق والتمزق . وأما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام ، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان ، ثم إنه لما توفي سليمان عليه السلام ، أمات الله أولئك الجن والشياطين ، وخلق نوعا آخر من الجن والشياطين تكون أجسامهم في غاية الرقة ، ولا يكون لهم شيء من القوة ، والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس . ثم قال تعالى : { الاصفاد هاذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } وفيه قولان الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب ، أي ليس عليك حرج فيما أعطيت وفيما أمسكت الثاني : أن هذا في أمر الشياطين خاصة ، والمعنى هؤلاء الشياطين المسخرون عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين فحل عنه ، واحبس من شئت منهم في العمل بغير حساب . ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على سليمان في الدنيا ، أردفه بإنعامه عليه في الآخرة ، فقال : { فغفرنا له ذالك وإن له عندنا } وقد سبق تفسيره . ! 7 < { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هاذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لا ولى الا لباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب } > 7 < ص : ( 41 - 44 ) واذكر عبدنا أيوب . . . . . > > اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليه أصناف الآلاء والنعماء ، وأيوب كان ممن خصه الله تعالى بأنواع البلاء ، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار . كأن الله تعالى قال : يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثرلا نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان عليه السلام ، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب ، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد ، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره ، وفيه مسائل :

حصہ V26/P184–V26/P185

المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : أيوب عطف بيان ، وإذ بدل اشتمال منه { أنى مسنى } أي بأني مسني حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه ، ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب ، وقرىء : { بنصب } بضم النون وفتحها مع سكون الصاد وفتحها وضمها ، فالنصب والنصب ، كالرشد والرشد ، والعدم والعدم ، والسقم والسقم ، والنصب على أصل المصدر ، والنصب تثقيل نصب ، والمعنى واحد ، وهو التعب والمشقة والعذاب والألم . واعلم أنه كان قد حصل عنده نوعان من المكروه : الغم الشديد بسبب زوال الخيرات وحصول المكروهات ، والألم الشديد في الجسم ولما حصل هذان النوعان لا جرم ، ذكر الله تعالى لفظين وهما النصب والعذاب . المسألة الثانية : للناس في هذا الموضع قولان الأول : أن الآلام والأسقام الحاصلة في جسمه إنما حصلت بفعل الشيطان الثاني : أنها إنما حصلت بفعل الله ، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة ، وإلقاء الخواطر الفاسدة . وأما القول الأول : فتفريره ما روي أن إبليس سأل ربه ، فقال هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني ؟ فقال الله : نعم عبدي أيوب ، فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ولا يلتفت إليه ، فقال : يا رب إنه قد امتنع علي فسلطني على ماله ، وكان يجيئه ويقول له : هلك من مالك كذا وكذا ، فيقول الله أعطى والله أخذ ، ثم يحمد الله ، فقال : يا رب إني أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده ، فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية ، فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه ، فقال يا رب لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده ، فأذن فيه ، فنفخ في جلد أيوب ، وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه ، فمكث في ذلك البلاء سنين ، حتى صار بحيث استقذره أهل بلده ، فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد ، فجاء الشيطان إلى امرأته ، وقال لو أن زوجك استعان بي لخلصته من هذا البلاء ، فذكرت المرأة ذلك لزوجها ، فحلف بالله لئن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة ، وعند هذه الواقعة قال : / { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } فأجاب الله دعاءه ، وأوحى إليه { ءان اركض برجلك } فأظهر الله من تحت رجله عينا باردة طيبة فاغتسل منها ، فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه ، ورد عليه أهله وماله .

حصہ V26/P185

والقول الثاني : أن الشيطان لا قدرة له ألبتة على إيقاع الناس في الأمراض والآلام ، والدليل عليه وجوه الأول : أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان ، فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان / ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات ، فقد حصل بفعل الشيطان ، وحينئذ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطي الحياة والموت والصحة والسقم ، هو الله تعالى الثاني : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء ، ولم لا يخرب دورهم ، ولم لا يقتل أولادكم الثالث : أنه تعالى حكى عن الشيطان أنه قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) فصرح بأنه لا قدرة له في حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة ، وذلك يدل على قول من يقول إن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض والآفات ، فإن قال قائل : لم لا يجوز أن يقال إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان ؟ قلنا فإذا كان لا بد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى ، فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك ؟ بل الحق أن المراد من قوله : { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة والخواطر الباطنة كان يلقيه في أنواع العذاب والعناء ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوها الأول : أن علته كانت شديدة الألم ، ثم طالت مدة تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ، ولم يبق له شيء من الأموال ألبتة . وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت ، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم ، والشيطان كان يذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت ، وكان يحتال في دفع تلك الوساوس ، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله ، وقال : { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد . الثاني : أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع فخاف من تأكد خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال : { أنى مسنى الشيطان } ، الثالث : قيل إن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعني زوجك أزلت عنه هذه الآفات فذكرت المرأة له ذلك ، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع في دينه فشق ذلك عليه فتضرع إلى الله تعالى وقال : { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } ، الرابع : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه بقي أيوب في البلاء ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلا رجلين ، ثم قال أحدهما لصاحبه لقد أذنب أيوب ذنبا ما أتى به أحد من العالمين ، ولولاه ما وقع في مثل هذا البلاء ، فذكروا ذلك / لأيوب عليه السلام ، فقال : لا أدري ما تقولان غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأنفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في الحق ) الخامس : قيل إن امرأته كانت تخدم الناس فتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب ، فاتفق أنهم ما استخدموها ألبتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت ، ثم في اليوم الثاني ففعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة .

حصہ V26/P185–V26/P186

وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذؤابة ، فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر المؤذية في قلبه واشتد غمه ، فعند ذلك قال : { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } ، السادس : قال في بعض الأيام : يا رب لقد علمت ما اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك ، ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيما ، ولابن السبيل معينا ، ولليتامى أبا ! فنودي من غمامة يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق ؟ فأخذ أيوب التراب ووضعه على رأسه ، وقال منك يا رب ثم خاف من الخاطر الأول فقال : { مسنى الشيطان بنصب وعذاب } وقد ذكروا أقوالا أخرى ، والله أعلم بحقيقة الحال ، وسمعت بعض اليهود يقول : إن لموسى بن عمران عليه السلام كتابا مفردا في واقعة أيوب ، وحاصل ذلك الكتاب أن أيوب كان رجلا كثير الطاعة لله تعالى مواظبا على العبادة ، مبالغا في التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، ثم إنه وقع في البلادء الشديد والعناء العظيم ، فهل كان ذلك لحكمة أم لا ؟ فإن كان ذلك لحكمة فمن المعلوم أنه ما أتى بجرم في الزمان السابق حتى يجعل ذلك العذاب في مقابلة ذلك الجرم ، وإن كان ذلك لكثرة الثواب فالإله الحكيم الرحيم قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام الطويلة والأسقام الكريهة . وحينئذ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة ، وهذه كلمات ظاهرة جلية وهي دالة على أن أفعال ذي الجلال منزهة عن التعليل بالمصالح والمفاسد ، والحق الصريح أنه { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) .

حصہ V26/P186–V26/P187

المسألة الثالثة : لفظ الآية يدل على أن ذلك النصب والعذاب إنما حصل من الشيطان ثم ذلك العذاب على القول الأول عبارة عما حصل في بدنه من الأمراض ، وعلى القول الثاني عبارة عن الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب إلقاء الوساوس ، وعلى التقديرين فيلزم إثبات الفعل للشيطان ، وأجاب أصحابنا رحمهم الله بأنا لا ننكر إثبات الفعل للشيطان لكنا نقول فعل العبد مخلوق لله تعالى على التفصيل المعلوم . أما قوله تعالى : { اركض برجلك } فالمعنى أنه لما شكى من الشيطان ، فكأنه سأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية فأجابه الله إليه بأن قال له : { اركض برجلك } والركض هو الدفع القوي بالرجل ، ومنه ركضك الفرس ، والتقدير قلنا له اركض برجلك ، قيل إنه ضرب رجله تلك الأرض فنبعت عين فقيل : { هاذا مغتسل بارد وشراب } أي هذا ماء تغتسل به فيبرأ باطنك ، وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء اغتسل فيه وشرب منه . والمفسرون قالوا نبعت له / عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى ، فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله ، وقيل ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها . ثم قال تعالى : { ووهبنا له أهله } فقد قيل هم عين أهله وزيادة مثلهم ، وقيل غيرهم مثلهم ، والأول : أولى لأنه هو الظاهر فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معناه أزلنا عنهم السقم فعادوا أصحاء ، وقال بعضهم : بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا بعد أن تفرقوا . وقال بعضهم : بل تمكن منهم وتمكنوا منه فيما يتصل بالعشرة وبالخدمة . أما قوله : { ومثلهم معهم } فالأقرب أنه تعالى متعه بحصته وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك ، وقال الحسن رحمه الله : المراد بهبة الأهل أنه تعالى أحياهم بعد أن هلكوا . ثم قال : { رحمة منا } أي إنما فعلنا كل هذه الأفعال على سبيل الفضل والرحمة ، لا على سبيل اللزوم . ثم قال : { وذكرى لاولى الالباب } يعني سلطنا البلاء عليه أولا فصبر ثم أزلنا عنه البلاء وأوصلناه إلى الآلاء والنعماء ، تنبيها لأولي الألباب على أن من صبر ظفر ، والمقصود منه التنبيه على ما وقع ابتداء الكلام به وهو قوله لمحمد : { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود } وقالت المعتزلة قوله تعالى : { رحمة منا لايات لاولى الالباب } يعني إنما فعلناها لهذه الأغراض والمقاصد ، وذلك يدل على أن أفعال الله وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح والكلام في هذا الباب قد مر غير مرة .

حصہ V26/P187–V26/P188

أما قوله تعالى : { وخذ بيدك ضغثا } فهو معطوف على اركب والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه ، وفي الخبر أنه حلف على أهله ، ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله حلف عليها ، ويبعد ما قيل إنها رغبته في طاعة الشيطان ، ويبعد أيضا ما روي أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر إلى الطعام يباح له ذلك بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات ، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برىء ، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها ، السلام تارة ، وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا إن قوله تعالى : { نعم العبد } في حق سليمان تشريف عظيم ، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه ، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه ، فكيف السبيل إلى تحصيله . فأنزل الله تعالى قوله : { نعم المولى ونعم النصير } ( الأنفال : 40 ) والمراد أنك إن لم تكن { نعم العبد } فأنا { نعم المولى } وإن كان منك الفضول ، فمني الفضل ، وإن كان منك التقصير ، فمني الرحمة والتيسير . ! 7 < { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الا يدى والا بصار إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الا خيار واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الا خيار } > 7 < ص : ( 45 - 48 ) واذكر عبادنا إبراهيم . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير : { عبدنا } على الواحد وهي قراءة ابن عباس ، ويقول إن قوله : { عبدنا } تشريف عظيم ، فوجب أن يكون هذا التشريف مخصوصا بأعظم الناس المذكورين في هذه الآية وهو إبراهيم وقرأ الباقون : { عبادنا } قالوا : لأن غير إبارهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف فجاء في عيسى : { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } ( الزخرف : 59 ) وفي أيوب : { نعم العبد } ( ص : 44 ) وفي نوح : { إنه كان عبدا شكورا } ( الإسراء : 3 ) فمن قرأ ( عبدنا ) جعل إبراهيم وحده عطف بيان له ، ثم عطف ذريته على عبدنا وهي إسحق ويعقوب ، ومن قرأ ( عبادنا ) جعل إبراهيم وإسحق ويعقوب عذف بيان لعبادنا . المسألة الثانية : تقدير اة ية كأنه تعالى قال : فاصبر على ما يقولون واذكر عبادنا داود إلى أن قال : واذكر عبادنا إبراهيم أي واذكر يا محمد صبر إبراهيم حين ألقي في النار ، وصبر إسحق للذبح ، وصب يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره . ثم قال : { أولى الايدى والابصار } ، واعلم أن اليد آلة لأكثر الأعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات ، فحسن التعبير عن العمل باليد وعن الإدراك بالبصر . إذا عرفت هذا فنقول النفس الناطقة الإنسانية لها قوتان عاملة وعالمة ، أما القوة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة الله ، وأما القوة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة / الله ، وما سوى هذين القسمين من الأعمال والمعارف فكالعبث والباطل ، فقوله : { أولى الايدى والابصار } إشارة إلى هاتين الحالتين . ثم قال تعالى : { إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } وفيه مسألتان :

حصہ V26/P188–V26/P189

المسألة الأولى : قوله : { بخالصة } قرىء بالتنوين والإضافة فمن نون كان التقدير أخلصناهم أي جعلناهم خالصين لنا بسبب خالصة لا شوب فيها وهي ذكرى الدار ، ومن قرأ بالإضافة فالمعنى بما خلص من ذكرى الدار ، يعني أن ذكرى الدار قد تكون لله وقد تكون لغير الله ، فالمعنى إنا أخلصناهم بسبب ما خلص من هذا الذكر . المسألة الثانية : في ذكرى الدار وجوه الأولى : المراد أنهم استغرقوا في ذكرى الدار الآخرة وبلغوا في هذا الذكر إلى حيث نسوا الدنيا الثاني : المراد حصول الذكر الجليل الرفيع لهم في الدار الآخرة الثالث : المراد أنه تعالى أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقبل دعاءهم في قوله : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( الشعراء : 84 ) . ثم قال تعالى : { وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار } أي المختارين من أبناء جنسهم والأخياء جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت ، واحتج العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء قالوا لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخيارا على الإطلاق ، وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء وبدليل دفع الإجمال . ثم قال : { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار } وهم قوم آخرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله ، وقد ذكرنا الكلام في شرح هذه الأسماء وفي صفات هؤلاء الأنبياء في سورة الأنبياء وفي سورة الأنعام ، فلا فائدة في الإعادة / وههنا آخر الكلام في قصص الأنبياء في هذه السورة . ! 7 < { هاذا ذكر وإن للمتقين لحسن مأاب جنات عدن مفتحة لهم الا بواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هاذا ما توعدون ليوم الحساب إن هاذا لرزقنا ما له من نفاد } > 7 ! < < ص : ( 49 ) هذا ذكر وإن . . . . . > > اعلم أن في قوله : { ذكر } وجهين الأول : أنه تعالى إنما شرح ذكر أحوال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام لأجل أن يصبر محمد عليه السلام على تحمل سفاهة قومه فلما تمم بيان هذا الطريق وأراد أن يذكر عقيبه طريقا آخر يوجب الصبر على سفاهة الجهال ، وأراد أن يميز أحد البابين عن الآخر ، لا جرم قال : { هاذا ذكر } ، ثم شرع في تقرير الباب الثاني فقال : { وإن للمتقين } كما أن المصنف إذا تمم كلاما قال هذا باب ، ثم شرع في باب آخر ، وإذا فرغ الكاتب من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر هذا وقد كان كيت وكيت ، والدليل عليه أنما لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يردفه بذكر أهل النار قال : { هاذا وإن للطاغين } ( ص : 55 ) الوجه الثاني : في التأويل ، أن المراد هذا شرف وذكر جميل لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام به أبدا ، والأول هو الصحيح . أما قوله : { وإن للمتقين وحسن مئاب } . فاعلم أنه تعالى لما حكى عن كفار قريش سفاهتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بأن وصفوه بأنه ساحر كذاب ، وقالوا له على سبيل الاستهزاء { ربنا عجل لنا قطنا } ( ص : 16 ) فعند هذا أمر محمدا بالصبر على تلك السفاهة ، وبين أن ذلك الصبر لازم من وجهين الأول : أنه تعالى لما بين أن الأنبياء المتقدمين صبروا على المكاره والشدائد ، فيجب عليك أن تقدي بهم في هذا المعنى الثاني : أنه تعالى بين في هذه الآية أن من أطاع الله كان له من الثواب كذا وكذا ، ومن خالفه كان له من العقاب كذا وكذا ، وكل ذلك يوجب الصبر على تكاليف الله تعالى ، وهذا نظم حسن وترتيب لطيف .

حصہ V26/P189–V26/P190

أما فقوله تعالى : { هاذا ذكر وإن للمتقين } المآب المرجع . واحتج القائلون بقدم الأرواح بهذه الآية ، وبكل آية تشتمل على لفظ الرجوع ووجه الاستدلال ، أن لفظ الرجوع إنما يصدق لو كانت هذه الأرواح موجودة قبل الأجساد ، وكانت في حضرة جلال الله ثم تعلقت بالأبدان ، فعند انفصالها عن الأبدان يسمى ذلك رجوعا وجوابه : أن هذا إن دل فإنما يدل على أن الأرواح كانت موجودة قبل الأبدان ، ولا يدل على قدم الأرواح . ثم قال تعالى : { جنات عدن } وهو بدل من قوله : { لحسن مئاب } ثم قال : { مفتحة لهم الابواب } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في تأويل هذا اللفظ وجوها الأول : قال الفراء : معناه مفتحة لهم أبوابها ، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة ، تقول العرب : مررت برجل حسن الوجه ، فالألف واللام في الوجه يدل من الإضافة والثاني : قال الزجاج : المعنى : مفتحة لهم الأبواب منها الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) { الابواب } بدل من الضمير ، وتقديره مفتحة / هي الأبواب ، كقولك ضرب زيد اليد والرجل ، وهو من بدل الاشتمال . المسألة الثانية : قرىء : { جنات عدن } مفتحة بالرفع على تقدير أن يكون قوله : { جنات عدن } مبتدأ و { مفتحة } خبره ، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف ، أي هو جنات عدن مفتحة لهم . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى وصف من أحوال أهل الجنة في هذه الآية أشياء الأول : أحوال مساكنهم ، فقوله : { جنات عدن } يدل على أمرين أحدهما : كونها جنات وبساتين والثاني : كونها دائمة آمنة من الانقضاء . وفي قوله : { مفتحة لهم الابواب } وجوه الأول : أن يكون المعنى أن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام ، فيدخل كذلك محفوفا بالملائكة على أعز حال وأجمل هيئة ، قال تعالى : { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } ( الزمر : 73 ) . الثاني : أن تلك الأبواب كلما أرادوا انفتاحها انفتحت لهم ، وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم الثالث : المراد من هذا الفتح ، وصف تلك المساكن بالسعة ، ومسافرة العيون فيها ، ومشاهدة الأحوال اللذيذة الطيبة . ثم قال تعالى : { متكئين فيها } يدعون فيها ، وفيه مباحث : البحث الأول : أنه تعالى ذكر في هذه الآية كونهم متكئين في الجنة ، وذكر في سائر الآيات كيفية ذلك الاتكاء ، فقال في آية : { على الارائك متكئون } ( يس : 56 ) وقال في آية أخرى : { متكئين على رفرف خضر } ( الرحمن : 76 ) . البحث الثاني : قوله : { وأنزلنا فيها } حال قدمت على العامل فيها وهو قوله : { يدعون فيها } والمعنى يدعون في الجنات متكئين فيها ثم قال : { بفاكهة كثيرة وشراب } والمعنى بألوان الفاكهة وألوان الشراب ، والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير ، والسبب في ذكر هذا المعنى أن ديار العرب حارة قليلة الفواكه والأشربة ، فرغبهم الله تعالى فيه . ولما بين تعالى أمر المسكن وأمر المأكول والمشروب ذكر عقيبه أمر المنكوح ، فقال : { وعندهم قاصرات الطرف } وقد سبق تفسيره في سورة والصافات ، وبالجملة فالمعنى كونهن قاصرات عن غيرهم مقصورات القلب على محبتهم ، وقوله : { أتراب } أي على سن واحد ، ويحتمل كون الجواري أترابا ، ويحتمل كونهن أترابا للأزواج ، قال القفال : والسبب في اعتبار هذه الصفة ، أنهن لما تشابهن في الصفة والسن والحلية كان الميل إليهن على السوية ، وذلك يقتضي عدم الغيرة .

حصہ V26/P190–V26/P192

ثم قال تعالى : { هاذا ما توعدون ليوم الحساب } يعني أن الله تعالى وعد المتقين بالثواب الموصوف بهذه الصفة ، ثم إنه تعالى أخبر عن دوام الثواب فقال : { إن هاذا لرزقنا ماله من نفاد } . ! 7 < { هاذا وإن للطاغين لشر مأاب جهنم يصلونها فبئس المهاد هاذا فليذوقوه حميم وغساق وءاخر من شكله أزواج هاذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار قالوا ربنا من قدم لنا هاذا فزده عذابا ضعفا فى النار وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الا شرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } > 7 ! < < ص : ( 55 ) هذا وإن للطاغين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف ثواب المتقين ، وصف بعده عقاب الطاغين ، ليكون الوعيد مذكورا عقيب الوعد ، والترهيب عقيب الترغيب . واعلم أنه تعالى ذكر من أحوال النار أنواعا فالأول : مرجعهم ومآبهم ، فقال : { هاذا وإن للطاغين لشر مئاب } ( ص : 55 ) وهذا في مقابلة قوله : { هاذا ذكر وإن للمتقين } ( ص : 49 ) فبين تعالى أن حال الطاغين مضاد لحال المتقين ، واختلفوا في المراد بالطاغين ، فأكثر المفسرين حملوه على الكفار ، وقال الجبائي : إنه محمول على أصحاب الكبائر سواء كانوا كفارا أو لم يكونوا كذلك ، واحتج الأولون بوجوه الأول : أن قوله : { لشر مئاب } يقتضي أن يكون مآبهم شرا من مآب غيرهم ، وذلك لا يليق إلا بالكفار الثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : { أتخذناهم سخريا } وذلك لا يليق إلا بالكفار ، لأن الفاسق لا يتخذ المؤمن سخريا الثالث : أنه اسم ذم ، والاسم المطلق محمول على الكامل ، والكامل في الطغيان هو الكافر ، واحتج الجبائي على صحة قوله بقوله تعالى : / { إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) وهذا يدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل في حق صاحب الكبيرة ، ولأن كل من تجاوز عن تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى ، ذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، المعنى أن الذين طغوا وكذبوا رسلي لهم شر مآب ، أي شر مرجع ومصير ، ثم قال : { جهنم يصلونها } والمعنى أنه تعالى لما حكم بأن الطاغين لهم شر مآب فسره بقوله : { جهنم يصلونها } ثم قال : { فبئس المهاد } وهو كقوله : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } ( الأعراف : 41 ) شبه الله ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم . ثم قال تعالى : { هاذا فليذوقوه حميم وغساق } وفيه مسائل : المسألة الأولى : فيه وجهان الأول : أنه على التقديم والتأخير ، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني : أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ، ثم يبتدىء فيقول : حميم وغساق . المسألة الثانية : الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه الأول : أنه الذي يغسق من صديد أهل النار ، يقال : غسقت العين إذا سال دمعها . وقال ابن عمر هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني : قيل الحميم يحرق بحره ، والغساق يحرق ببرده ، وذكر الأزهري : أن الغاسق البارد ، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث : أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل المغرب ، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لأنتنت أهل المشرق الرابع : قال كعب : الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية .

حصہ V26/P192–V26/P193

المسألة الثالثة : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف . قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسما أو صفة ، فإن كان اسما فالأسماء لم تجيء على هذا الوزن إلا قليلا ، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك . ثم قال تعالى : { وءاخر من شكله أزواج } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمر { وأخر } بضم الألف على جمع أخرى أي أصناف أخر من العذاب ، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أي عذاب آخر ، أما على قراءة الأولى فقوله وأخر أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق ، أي من مثله في الشدة والفظاعة ، أزواج أي أجناس ، وأما على القراءة الثانية فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر ، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروبا أو صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء من شكله بالكسر وهي لغة ، وأما الغنجفبالكسر لا غير . واعلم أنه تعالى لما وصف مسكن الطاغين ومأكولهم حكى أحوالهم الذين كانوا أحباء لهم / في الدنيا أولا ، ثم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا ثانيا أما الأول : فهو قوله : { هاذا فوج مقتحم معكم } واعلم أن هذا حكاية كلام رؤساء أهل النار يقوله بعضهم لبعض بدليل أن ما حكى بعد هذا من أقوال الأتباع وهو قوله : { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا } ، وقيل إن قوله : { هاذا فوج مقتحم معكم } كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم ، وقوله : { لا مرحبا بهم إنهم صالو النار } كلام الرؤساء ، وقوله : { هاذا فوج مقتحم معكم } أي هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار كما كانوا قد اقتحموا معكم في الجهل والضلال ، ومعنى اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم ، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها ، والقحمة الشدة . وقوله تعالى : { لا مرحبا بهم } دعاء منهم على أتباعهم ، يقول الرجل لمن يدعو له مرحبا أي أتيت رحبا في البلاد لا ضيقا أو رحبت بلادك رحبا ، ثم يدخل عليه كلمة لا في دعاء السوء ، وقوله : { بهم } بيان للمدعو عليهم أنهم صالوا النار تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) قالوا أي الأتباع { بل أنتم لا مرحبا بكم } يريدون أن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به ، وعللوا ذلك بقولهم : { أنتم قدمتموه لنا } والضمير للعذاب أو لصليهم ، فإن قيل ما معنى تقديمهم العذاب لهم ؟ قلنا الذي أوجب التقديم هو عمل السوء قال تعالى : { ذوقوا عذاب الحريق ذالك بما قدمت أيديكم } ( آل عمران : 181 ، 182 ) إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل أنتم قدمتموه لنا فجعل الرؤساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدم ، والضمير في قوله : { قدمتموه } كناية عن الطغيان الذي دل عليه قوله : { وإن للطاغين شر مئاب } وقوله : { فبئس القرار } أي : بئس المستقر والمسكن جهنم ، ثم قالت الأتباع { ربنا من قدم لنا هاذا فزده عذابا ضعفا } أي مضاعفا ومعناه ذا ضعف ونظيره قوله تعالى : { ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا } ( الأعراف : 38 ) وكذلك قوله تعالى : { ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب } ( الأحزاب : 67 ، 68 ) فإن قيل كل مقدار يفرض من العذاب فإن كان بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفا ، وإن كان زائدا عليه كان ظالما وإنه لا يجوز . قلنا المراد منه قوله عليه السلام : ( ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) والمعنى أنه يكون أحد القسمين عذاب الضلال ، والثاني عذاب الإضلال والله أعلم .

حصہ V26/P193–V26/P194

وههذنا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحبابا لهم في الدنيا ، وأما شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا فهو قوله : { وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار } يعني أن الكفار إذا نظروا إلى جوانب جهنم فيحنئذ يقولون : { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار } يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه بهم وسموهم من الأشرار ، إما بمعنى الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى ، أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم أشرارا ثم قالوا : { أتخذناهم سخريا } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { من الاشرار أتخذناهم } بوصل ألف { أتخذناهم } والباقون بفتحها على الاستفهام ، قال أبو عبيد وبالوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم في قوله : { ما لنا لا نرى رجالا } ، ولأن المشركين لا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخريا ، لأنه تعالى قد أخبر عنهم بذلك في قوله : { فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى } ( المؤمنون : 110 ) فكيف يحسن أن يستفهموا عن شيء علموه ؟ أجاب الفراء عنه بأن قال هذا من الاستفهام الذي معناه التعجيب والتوبيخ ، ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم ، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام أنه لا بد من المصير إليه ليعادل قوله : { أتخذناهم } بأم في قوله : { أم زاغت فيهم } فإن قيل فما الجملة المعادلة لقوله : { أم زاغت } على القراءة الأولى ؟ قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون أم زاغت عنهم الأبصار . المسألة الثانية : قرأ نافع { سخريا } بضم السين والباقون بكسرها ، وقيل هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير . المسألة الثالثة : اختلفوا في نظم الآية على قولين بناء على القراءتين المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين لأجل أنهم لحقارتهم تركوا ، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار . ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم { أتخذناهم سخريا } وأما القراءة على سبيل الاستفهام ، فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخريا وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار ، أم لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار ، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة قال إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لا بد وأن يتكلموا به ، ثم بين أن الذي حكيناه عنهم ما هو ، فقال : { تخاصم أهل النار } وإنما سمى الله تعالى تلك الكلمات تخاصما لأن قول الرؤساء { لا مرحبا بهم } وقول الأتباع { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة . ! 7 < { قل إنمآ أنا منذر وما من إلاه إلا الله الواحد القهار رب السماوات والا رض وما بينهما العزيز الغفار قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ما كان لى من علم بالملإ الا على إذ يختصمون إن يوحى إلى إلا أنمآ أنا نذير مبين } > 7 ! < < ص : ( 65 ) قل إنما أنا . . . . .

حصہ V26/P194

> > اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله واحد ، وإلى أنه رسول مبين من عند الله ، وإلى أن القول بالقيامة حق ، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله ، ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين الأول : ليصير ذلك حاملا لمحمد صلى الله عليه وسلم على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم والثاني : ليصير ذلك رادعا للكفار على ازصرار على الكفر والسفاهة وداعيا إلى قبول الإيمان ، ولما تمم الله تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي تقدير التوحيد والنبوة والبعث ، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولا بد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار ، فإن الترتيب الصحيح أن تذكر شبهات الخصوم أولا ويجاب عنها ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب ، فكذا ههنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم ، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب ، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدمة على إثبات ما ينبغي ، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه ، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم .

حصہ V26/P194–V26/P195

أما قوله : { قل إنما أنا منذر } يعني أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد ، وأحوال ثواب من أقربها ، وكما بدأ في أول السورة بأدلة التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا { أجعل الالهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) فكذلك بدأ ههنا بتقرير التوحيد فقال : { وما من إلاه إلا الله الواحد القهار } وفي هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزها عن الشريك والنظير ، وبيانه أن الذي يجعل شريكا له في الإلهية ، إما أن يكون موجودا قادرا على الإطلاق على التصرف في العالم أو لا يكون كذلك ، بل يكون جمادا عاجزا والأول : باطل لأنه لو كان شريكه قادرا على الإطلاق لم يكن هو قادرا قاهرا ، لأن بتقدير أن يريد هو شيئا ويريد شريكه ضد ذلك الشيء لم يكن حصول أحد الأمرين أولى من الآخر ، فيفضي إلى اندفاع كل واحد منهما بالآخر ، وحينئذ لا يكون قادرا قاهرا بل كان عاجزا ضعيفا ، والعاجز لا يصلح للإلهية ، فقوله : { لا الله الواحد القهار } إشارة إلى أن كونه قهارا يدل على كونه واحدا وأما الثاني : وهو أن يقال إن الذي جعل شريكا له لا يقدر على شيء ألبتة مثل هذه الأوثان ، فهذا أيضا فاسد لأن صريح العقل يحكم بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا فقوله : { وما من إلاه إلا الله الواحد القهار } يدل على هذه الدلائل ، واعلم أن كونه سبحانه قهارا مشعر بالترهيب والتخويف ، فلما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال : { رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار } فكونه ربا مشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود ، وكونه غفارا مشعر بالترغيب / وهذا الموجود هو الذي تجب عبادته ، لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه . / ونذكر طريقة أخرى في تفسير هذه الآيات ، فنقول إنه تعالى ذكر من صفاته في هذا الموضع خمسة الواحد والقهار والرب والعزيز والغفار ، أما كونه واحدا فهو الذي وقع الخلاف فيه بين أهل الحق وبين المشركين واستدل تعالى على كونه واحدا بكونه قهارا وقد بينا وجه هذه الدلالة إلا أن كونه قهارا وإن دل على إثبات الوحدانية إلا أنه يوجب الخوف الشديد فأردفه تعالى بذكر صفات ثلاثة دالة على الرحمة والفضل والكرم أولها : كونه ربا للسموات والأرض وما بينهما وهذا إنما تتم معرفته بالنظر في آثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة ، وذلك بحر لا ساحل له فإذا تأملت في آثار حكمته ورحمته في خلق هذه الأشياء عرفت حينئذ تربيته للكل وذلك يفيد الرجاء العظيم وثانيها : كونه عزيزا والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومربي وكريم إلا أنه غير قادر على كل المقدورات ، فأجاب عنه بأنه عزيز أي قادر على كل الممكنات فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء وثالثها : كونه غفارا والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومحسن ولكنه يكون كذلك في حق المطيعين المخلصين في العبادة ، فأجاب عنه بأن من بقي على الكفر سبعين سنة ثم تاب فإني أزيل اسمه عن ديوان المذنبين وأستر عليه بفضلي ورحمتي جميع ذنوبه وأوصله إلى درجات الأبرار ، واعلم أنه تعالى لما بين ذلك قال : { قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون } وهذا النبأ العظيم يحتمل وجوها فيمكن أن يكون المراد أن القول بأن الإله واحد نبأ عظيم ، ويمكن أن يقال المراد أن القول بالنبوة نبأ عظيم ، ويمكن أن يقال المراد أن القول بإثبات الحشر والنشر والقيامة نبأ عظيم ، وذلك لأن هذه المطالب الثلاثة كانت مذكورة في أول السورة ولأجلها أنجز الكلام إلى كل ما سبق ذكره ، ويمكن أيضا أن يكون المراد كون القرآن معجزا لأن هذا أيضا قد تقدم ذكره في قوله : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته } ( ص : 29 ) وهؤلاء الأقوام أعرضوا عنه على ما قال { قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون } واعلم أن قوله : { أنتم عنه معرضون } ترغيب في النظر والاستدلال ومنع من التقليد ، لأن هذه المطالب مطالب شريفة عالية ، فإن بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق يفوز بأعظم أبواب السعادة ، وبتقدير أن يكون الإنسان فيها على الباطل وقع في أعظم أبوبا الشقاوة فكانت هذه المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية بهية ، وصريح العقل يوجب على الإنسان أن يأتي فيها بالاحتياط التام وأن لا يكتفي بالمساهلة والمسامحة .

حصہ V26/P195–V26/P197

أما قوله تعالى : { ما كان لى من علم بالملإ الاعلى إذ يختصمون } فاعلم أنه تعالى رغب المكلفين في الاحتياط في هذه المسائل الأربعة ، وبالغ في ذلك الترغيب من وجوه : الأول : أن كل واحد منها نبأ عظيم ، والنبأ العظيم يجب الاحتياط فيه الثاني : أن الملأ الأعلى اختصموا وأحسن ما قيل فيه أنه تعالى لما قال : { إني جاعل فى الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال } ( البقرة : 30 ) والمعنى أنهم قالوا أي فائدة في خلق / البشر مع أنهم يشتغلون بقضاء الشهوة وهو المراد من قوله : { من يفسد فيها } وبإمضاء الغضب وهو المراد من قوله : { ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك } فقال الله سبحانه وتعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون } وتقرير هذا الجواب والله أعلم / أن يقال أن المخلوقات بحسب القسمة العقلية على أقسام أربعة : أحدها : الذين حصل لهم العقل والحكمة ، ولم تحصل لهم النفس والشهوة وهم الملائكة فقط ثانيها : الذين حصل لهم النفس والشهوة ، ولم يحصل لهم العلم والحكمة وهي البهائم وثالثها : الأشياء الخالية عن القسمين ، وهي الجمادات وبقي في التقسيم قسم رابع : وهو الذي حصل فيه الأمران وهو الإنسان والمقصود من تخليق الإنسان ليس هو الجهل والتقليد والتكبر والتمرد فإن كل ذلك صفات البهائم والسباع بل المقصود من تخليقه ظهور العلم والحكمة والطاعة ، فقوله { إني أعلم ما لا تعلمون } يعني أن هذا النوع من المخلوقات ، وإن حصلت فيه الشهوة الداعية إلى الفساد والغضب الحامل له على سفك الدماء ، لكن حصل فيه العقل الذي يدعوه إلى المعرفة والمحبة والطاعة والخدمة ، وإذا ثبت أنه تعالى إنما أجاب الملائكة بهذا الجواب وجب على الإنسان أن يسعى في تحصيل هذه الصفات ، وأن يجتهد في اكتسابها ، وأن يحترز عن طريقة الجهل والتقليد والإصرار والتكبر ، وإذا كان كذلك فكل من وقف على كيفية هذه الواقعة صار وقوفه عليها داعيا له إلى الجد والاجتهاد في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة زاجرا له عن أضدادها ومقابلاتها ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذا الكلام في هذا المقام . فإن قيل الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ( البقرة : 30 ) فإن المخاصمة مع الله كفر ، قلنا لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب ، وذلك يشابه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة لجواز المجاز ، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه ، ولما أمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا الكلام على سبيل الرمز أمره أن يقول : { إن يوحى إلى أنما أنا نذير مبين } يعني أنا ما عرفت هذه المخاصمة إلا بالوحي ، وإنما أوحى الله إلي هذه القصة لأنذركم بها ولتصير هذه القصة حاملة لكم على الإخلاص في الطاعة والاحتراز عن الجهل والتقليد . ! 7 < { إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتىإلى يوم الدين قال رب فأنظرنىإلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } > 7 < ص : ( 71 ) إذ قال ربك . . . . . > >

حصہ V26/P197–V26/P198

اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر ، وذلك لأن إبليس ، إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر ، والكفار إنما نازعوا محمدا عليه السلام بسبب الحسد والكبر ، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين والحاصل أنه تعالى رغب المكلفين في النظر والاستدلال ، ومنعهم عن الإصرار والتقليد وذكر في تقريره أمورا أربعة أولها : أنه نبأ عظيم فيجب الاحتياط فيه والثاني : أن قصة سؤال الملائكة عن الحكمة في تخليق البشر يدل على أن الحكمة الأصلية في تخليق آدم هو المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر الثالث : أن إبليس إنما خاصم آدم عليه السلام لأجل الحسد والكبر فيجب على العاقل أن يحترز عنهما ، فهذا هو وجه النظم في هذه الآياع ، واعلم أن هذه القصة قد تقدم شرحها في سور كثيرة ، فلا فائدة في الإعادة إلا ما لا بد منه وفيها مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { إنى خالق بشرا من طين } سؤالات : الأول : أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر لا من الطين ، كما إذا قيل أنا متخذ سوارا من ذهب ، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من الفضة . / الثاني : ذكر ههنا أنه خلق البشر من طين ، وفي سائر الآيات ذكر أنه خلقه من سائر الأشياء كقوله تعالى في آدم إنه خلقه من تراب وكقوله : { من صلصال من حمإ مسنون } ( الحجر : 26 ) وكقوله : { خلق الإنسان من عجل } ( الأنبياء : 37 ) . الثالث : أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أخبر الملائكة بأنه خلق بشرا من طين . لم يقولوا شيئا ، وفي الآية الأخرى وهي التي قال : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) بين أنهم أوردوا السؤال والجواب فبينهما تناقض ، والجواب عن الأول أن التقدير كأنه سبحانه وصف لهم أولا أن البشر شخص جامع للقوة البهيمية والسبعية والشيطانية والملكية ، فلما قال : { إنى خالق بشرا من طين } فكأنه قال ذلك الشخص المستجمع لتلك الصفات ، إنما أخلقه من الطين ، والجواب عن الثاني أن المادة البعيدة هو التراب ، وأقرب منه الطين ، وأقرب منه الحمأ المسنون ، وأقرب منه الصلصال فثبت أنه لا منافاة بين الكل ، والجواب عن الثالث أنه في الآية المذكورة في سورة البقرة بين لهم أنه يخلق في الأرض خليفة ، وبالآية المذكورة ههنا بين أن ذلك الخليفة بشر مخلوق من الطين . المسألة الثانية : قال { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } وهذا يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين التسوية أولا / ثم نفخ الروح ثانيا ، وهذا حق لأن الإنسان مركب من جسد ونفس . أما الجسد فإنه إنما يتولد من المني ، والمني إنما يتولد من دم الطمث وهو إنما يتولد من الأخلاط الأربعة ، وهي إنما تتولد من الأركان الأربعة ، ولا بد في حصول هذه التسوية من رعاية مقدار مخصوص لكل واحد منها ، ومن رعاية كيفية امتزاجاتها وتركيباتها ، ومن رعاية المدة التي في مثلها حصل ذلك المزاج الذي لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة . وأما النفس فإليها الإشارة بقوله : { ونفخت فيه من روحى } ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي ، وذهبت الحلولية إلى أن كلمة ( من ) تدل على التبعيض ، وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله تعالى ، وهذا غاية الفساد ، لأن كل ما له جزء وكل ، فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث .

سوالات