Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
واعلم أن الكلام في تلك القصة لما انجر إلى شرح أحوال النار ، لا جرم ذكر الله عقيبها قصة المناظرات التي تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار فقال : { وإذ يتحاجون فى النار } والمعنى اذكر يا محمد لقومك إذ يتحاجون أي يحاجج بعضهم بعضا ، ثم شرح خصومتهم وذلك أن الضعفاء يقولون للرؤساء { إنا كنا لكم تبعا } في الدنيا ، قال صاحب ( الكشاف ) تبعا كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع أي أتباع أو وصفا بالمصدر { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } أي فهل تقدرون على أن تدفعوا أيها الرؤساء عنا نصيبا من العذاب ، واعلم أن أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف ، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم ، لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات فعند هذا يقول الرؤساء { إنا كل فيها } يعني أن كلنا واقعون في هذا العذاب ، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي ، ثم يقولون { إن الله قد حكم بين العباد } يعني يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب ، ثم عند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزنة جهنم ويقولون لهم { ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } فإن قيل لم لم يقل : وقال الذين في النار لخزنتها بل قال : { وقال الذين فى النار لخزنة جهنم } ؟ قلنا فيه وجهان الأول : أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع والثاني : أن يكون جهنم اسما لموضع هو أبعد النار قعرا ، من قولهم بئر جهنام أي بعيدة القعر ، وفيها أعظم أقسام الكفار عقوبة وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة ، فإذا عرف الكفار أن الأمر كذلك استغاثوا بهم ، فأولئك الملائكة يقولون لهم { أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه { ما جاءنا من بشير ولا نذير } ( المائدة : 19 ) أما بعد مجيء الرسل فلم يبق عذر ولا علة كما قال تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) وهذه الآية تدل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع ، ثم إن أولئك الملائكة يقولون للكفار ادعوا أنتم فإنا لا نجترىء على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين أحدهما : كون المشفوع له مؤمنا والثاني : حصول الإذن في الشفاعة ولم يوجد واحد من هذين الشرطين فإقدامنا على هذه الشفاعة ممتنع لكن ادعوا أنتم ، وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة ، ولكن للدلالة على الخيبة ، فإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكفار ، ثم يصرحون لهم بأنه لا أثر لدعائهم فيقولون { وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال } فإن قيل إن الحاجة على الله محال ، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : إنه تأذى من هؤلاء المجرمين بسبب جرمهم ، وإذا كان التأذي محالا عليه كانت شهوة الانتقام ممتنعة في حقه ، إذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضار العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار لا منفعة فيه إلى الله تعالى ولا لأحد من العبيد ، فهو إضرار خال عن جميع الجهات المنتفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يبقى على ذلك الإيلام أبد الآباد ودهر الداهرين ، من غير أن يرحم حاجتهم ومن غير أن يسمع دعاءهم ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم ، ولو أن أقصى الناس قلبا فعل مثل هذا التعذيب ببعض عبيده لدعاه كرمه ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيد في محل النفع والضرر والحاجة ، فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار ؟
قلنا أفعال الله لا تعلل و { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله أعلم بالصواب .
! 7 < { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا فى الحيواة الدنيا ويوم يقوم الا شهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بنىإسراءيل الكتاب هدى وذكرى لا ولى الا لباب فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار } . > 7 ! < < غافر : ( 51 ) إنا لننصر رسلنا . . . . . > > اعلم أن في كيفية النظم وجوها الأول : أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى صلوات الله عليه وذلك المؤمن من مكر فرعون بين في هذه الآية أنه ينصر رسله والذين آمنوا معه والثاني : لما بين من قبل ما يقع بين أهل الناء من التخاصم وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون { أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } ( غافر : 50 ) أتبع ذلك بذكر الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة والثالث : وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله { ما يجادل فىءايات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم فى البلاد } ( غافر : 4 ) وامتد الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبدا كانوا مشغولين بدفع كيد المبطلين ، وكل لذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتصبيرا له على تحمل أذى قومه . ولما بلغ الكلام في تقرير المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ينصره على أعدائه في الحياة الدنيا وفي الآخرة فقال : { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا } الآية ، أما في الدنيا فهو المراد بقوله { وقال إنما اتخذتم } ، وأما في الآخرة فهو المراد بقوله { ويوم يقوم الاشهاد } فحاصل الكلام أنه تعالى وعد بأنه ينصر الأنبياء والرسل ، وينصر الذين ينصرونهم نصرة يظهر أثرها في الدنيا وفي الآخرة . واعلم أن نصرة الله المحقين تحصل بوجوه أحدها : النصرة بالحجة ، وقد سمى الله الحجة سلطانا في غير موضع ، وهذه الصرة عامة للمحقين أجمع ، ونعم ما سمى الله هذه النصرة سلطانا لأن السلطنة في الدنيا قد تبطل ، وقد تتبدل بالفقر والذلة والحاجة والفتور ، أما السلطنة الحاصلة بالحجة فإنها تبقى أبد الآباد ويمتنع تطرق الخلل والفتور إليها وثانيها : أنهم منصورون بالمدح والتعظيم ، فإن الظلمة وإن قهروا شخصا من المحقين إلا أنهم لا يقدرون على إسقاط مدحه عن ألسنة الناس وثالثها : أنهم منصورون بسبب أن بواطنهم مملوءة من أنوار الحجة وقوة اليقين ، فإنهم إنما ينظرون إلى الظلمة والجهال كما تنظر ملائكة السماوات إلى أخس الأشياء ورابعها : أن المبطلين وإن كان يتفق لهم أن يحصل لهم استيلاء على المحقين ، ففي الغالب أن ذلك لا يدوم بل يكشف للناس أن ذلك كان أمرا وقع على خلاف الواجب ونقيض الحق وخامسها : أن المحق إن اتفق له أن وقع في نوع من أنواع المحذور فذلك يكون سببا لمزيد ثوابه وتعظيم درجاته وسادسها : أن الظلمة والمبطلين كما يموتون تموت آثارهم ولا يبقى لهم في الدنيا أثر ولا خبر . وأما المحقون فإن آثارهم باقية على وجه الدهر والناس بهم يقتدون في أعمال البر والخير ولمنحهم يتركون فهذا كله أنواع نصرة الله للمحقين في الدينا وسابعها : أنه تعالى قد ينتقم للأنبياء والأولياء بعد موتهم ، كما نصر يحيى بن زكريا فإنه لما قتل به سبعون ألفا ، وأما نصرته تعالى إياهم في الآخرة فذلك بإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب وكونهم مصاحبين لأنبياء الله / كمال قال : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) .
واعلم أن في قوله { إنا لننصر رسلنا } إلى قوله { ويوم يقوم الاشهاد } دقيقة معتبرة وهي أن السلطان العظيم إذا خص بعض خواصه بالإكرام العظيم والتشريف الكامل عند حضور الجمع العظيم من أهل المشرق والمغرب كان ذلك ألذ وأبهج فقوله { إنا لننصر رسلنا إلى ويوم يقوم الاشهاد } المقصود منه هذه الدقيقة ، واختلفوا في المراد بالأشهاد ، والظاهر أن المراد كل من يشهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن ، ما الملائكة فهم الكرام الكاتبون يشهدون بما شاهدوا ، وأما الأنبياء فقال تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) وقال تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) قال المبرد يجوز أن يكون واحد الأشهاد شاهدا كأطيار وطائر وأصحاب وصاحب ، ويجوز أن يكون واحد الأشهاد شهيدا كأشراف وشريف وأيتام ويتيم . ثم قال تعالى : { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر لا تنفع بالتاء لتأنيث المعذرة والباقون بالياء كأنه أريد الاعتذار . واعلم أن المقصود أيضا من هذا شرح تعظيم ثواب أهل الثواب ، وذلك لأنه تعالى بين أنه ينصرهم في يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون ، فحالهم في علو الدرجات في ذلك اليوم ما ذكرناه وأما حال أعدائهم فهو أنه حصلت لهم أمور ثلاثة أحدها : أنه لا ينفعهم شيء من المعاذير ألبتة وثانيها : أن { لهم اللعنة } وهذا يفيد الحصر يعني اللعنة مقصورة عليهم وهي الإهانة والإذلال وثالثها : سوء الداء وهو العقاب الشديد فهذا اليوم إذا كان الأعداء واقعين في هذه المراتب الثلاثة من الوحشة والبلية ، ثم إنه خص الأنبياء والأولياء بأنواع التشريفات الواقعة في الجمع الأعظم فهنا يظهر أن سرور المؤمن كم يكون ، وأن غموم الكافرين إلى أين تبلغ . فإن قيل قوله { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } يدل على أنهم يذكرون الأعذار إلا أن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ( المرسلات : 36 ) قلنا قوله { لا تنفع الظالمين معذرتهم } لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار ، بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول نافع ، وهذا القدر لا يدل على أنهم ذكروه أم لا . وأيضا فيقال يوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر ، ولما بين الله تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعا من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال : { ولقد ءاتينا موسى الهدى } ويجوز أن يكون المراد من الهدى ما آتاه الله من العلوم الكثيرة النافعة في الدنيا والآخرة ، ويجوز أن يكون المراد تلك الدلائل القاهرة التي أوردها على فرعون وأتباعه وكادهم بها ، ويجوز أن يكون المراد هو النبوة التي هي أعظم المناصب الإنسانية ، ويجوز أن يكون المراد إنزال التوراة عليه .
ثم قال تعالى : { وأورثنا بنى إسراءيل الكتاب هدى وذكرى لاولى الالباب } يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى لما أنزل التوراة على موسى بقي ذلك العلم فيهم وتوارثوه خلفا عن سلف / ويجوز أن يكون المراد سائر الكتب التي أنزلها الله عليهم وهي كتب أنبياء بني إسرائيل التوراة والزبور والإنجيل ، والفرق بين الهدى والذكرى وأن الهدى ما يكون دليلا على الشيء وليس من شرطه أن يذكر شيئا آخر كان معلوما ثم صار منسيا ، وأما الذكرى فهي الذي يكون كذلك فكتب أنبياء الله مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها ، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلاهية المتقدمة . ولما بين أن الله تعالى ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال موسى وخاطب بعد ذلك محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : { فاصبر إن وعد الله حق } فالله ناصرك كنا نصرهم ومنجز وعده في حقك كما كان كذلك في حقهم ، ثم أمره بأن يقبل على طاعة الله النافعة في الدنيا والآخرة فإن من كان لله كان الله له . واعلم أن مجامع الطاعات محصورة في قسمين التوبة عما لا ينبغي ، والاشتغال بما ينبغي ، والأول مقدم على الثاني بحسب الرتبة الذاتية فوجب أن يكون مقدما عليه في الذكر ، أما التوبة عما لا ينبغي فهو قوله { واستغفر لذنبك } والطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون به ونحن نحمله على التوبة عن ترك الأولى والأفضل ، أو على ما كان قد صدر عنهم قبل النبوة ، وقيل أيضا المقصود منه محض التعبد كما في قوله { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } ( آل عمران : 194 ) فإن إيتاء ذلك الشيء واجب ثم إنه أمرنا بطلبه ، وكقوله { رب احكم بالحق } ( الأنبياء : 112 ) من أنا نعلم أنه لا يحكم إلا بالحق ، وقيل إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول فقوله { واستغفر لذنبك } من باب إضافة المصدر إلى المفعول أي واستغفر لذنب أمتك في حقك ، وأما الاشتغال بما ينبغي فهو قوله { وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار } والتسبيح عبارة عن تنزيه الله عن كل ما لا يليق به ، والعشي والإبكار ، قيل صلاة العصر وصلاة الفجر ، وقيل الإبكار ، عبارة عن أو النهار إلى النصف ، والعشي عبارة عن النصف إلى آخر النهار ، فيدخل فيه كل الأوقات ، وقيل المراد طرفا النهار ، كما قال : { وأقم الصلواة طرفى النهار } ( هود : 114 ) وبالجملة فالمراد منه الأمر بالمواظبة على ذكر الله ، وأن لا يفتر اللسان عنه ، وأن لا يغفل القلب عنه ، حتى يصير الإنسان بهذا السبب داخلا في زمرة الملائكة ، كما قال في وصفهم { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ( الأنبياء : 20 ) والله أعلم . ! 7 < { إن الذين يجادلون فىءايات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير لخلق السماوات والا رض أكبر من خلق الناس ولاكن أكثر الناس لا يعلمون وما يستوى الا عمى والبصير والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ولا المسىء قليلا ما تتذكرون إن الساعة لاتية لا ريب فيها ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } . > 7 ! < < غافر : ( 56 ) إن الذين يجادلون . . . . .
> > اعلم أنا بينا أن الكلام في أول هذه السورة إنما ابتدىء ردا على الذين يجادلون في آيات الله ، واتصل البعض بالبعض وامتد على الترتيب الذي لخصناه ، والنسق الذي كشفنا عنه إلى هذا الموضع ، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة ، فقال : { إن الذين يجادلون فىءايات الله بغير سلطان } إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر في صدرهم فذلك الكبر هو الذي يحملهم على هذا الجدال الباطل ، ولذك الكبر هو أنهم لو سلموا نبوتك لزمهم أن يكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك ، لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة وفي صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا في خدمتك ، فهذا هو الذي يحملهم على هذه المجادلات الباطلة والمخاصمات الفاسدة . ثم قال تعالى : { ما هم ببالغيه } يعني أنهم يريدون أن يكونوا تحت يدك ولا يصلون إلى هذا المراد ، بل لا بد وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك ، ثم قال : { فاستعذ بالله } أي فالتجىء إليه من كيد من يجادلك { إنه هو السميع } بما يقولون ، أو تقول { البصير } بما تعمل ويعملون ، فهو يجعلك نافذ الحكمم عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم . واعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالا ، فقال { لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس } والقادر على الأكبر قادر على الأصغر لا محالة ، وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أقسام أحدها : أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد وثانيها : أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله ، فهذا استدلال حق لما ثبت في العقول أن حكم الشيء حكم مثله وثالثها : أن يقال لما قدر على الأقوى الأكملل فبأن يقدر على الأقل الأرذل كان أولى ، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل ألبتة ، ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السماوات والأرض هو الله سبحانه وتعالى ، ويعلمون بالضرورة أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السماوات والأرض يكون قادرا على إعادة الإنسان الذي خلقه أولا ، فهذا برهان جلي في إفادة هذا المطلوب ، ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس ، والمراد منهم الذين ينكرون الحشر والنشر ، فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة ، بل بمجرد الحسد والجهل والكبر والتعصب ، ولما بين الله تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون ، وأن الجدال المقرون بالحجة والبرهان كيف يكون ، نبه تعالى على الفرق بين البابين بذكر المثال فقال : { وما يستوى الاعمى والبصير } يعني وما يستوي المستدل والجاهل المقلد ، ثم قال : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ولا المسىء } فالمراد بالأول التفاوت بين العالم والجاهل / والمراد بالثاني التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال الفاسدة الباطلة ، ثم قال : { قليلا ما تتذكرون } يعني أنهم وإن كان يعلمون أن العلم خير من الجهل ، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد ، إلا أنه قليلا ما تتذكرون في النوع المعين من الإعتقاد أنه علم أو جهل ، والنوع المعين من العمل أنه عمل صالح أو فاسد ، فإن الحسد يعمي قلوبهم ، فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة ، وفي الحسد والحقد والكبر أنه محض الطاعة ، فهذا هو المراد من قوله { قليلا ما تتذكرون } قرأ عاصم وحمزة والكسائي { تتذكرون } بالتاء على الخطاب ، أي قل لهم قليلا ما تتذكرون ، والباقون بالياء على الغيبة .
ولما قرر الديل الدال على إمكان وجود يوم القيامة ، أردفه بأن أخبر عن وقوعها ودخولها في الوجود فقال : { إن الساعة لاتية لا ريب فيها ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة . ! 7 < { وقال ربكم ادعونىأستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولاكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خالق كل شىء لا إلاه إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بأايات الله يجحدون } . > 7 < غافر : ( 60 - 63 ) وقال ربكم ادعوني . . . . . > > اعلم أنه تعاللى لما بين أن القوم بالقيامة حق وصدق ، وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى ، لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات ، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع ، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } واختلف الناس في المراد بقوله { ادعونى } فقيل إنه الأمر بالدعاء ، وقيم إنه الأمر بالعبادة ، بدليل أنه قال بعده { الذين يستكبرون عن عبادتى } ولولا أن الأمر بالدعاء أمر بمطلق اللعبادة لما بقي لقوله { إن الذين يستكبرون عن عبادتى } معنى ، وأيضا الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله { إن يدعون من دونه إلا إناثا } ( النساء : 117 ) وأجيب عنه بأن الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة ، فكأنه قيل إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية وأجيب عن قوله إن الدعاء بمعنى اللعبادة كثير في القرآن ، بأن ترك الظاهرة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل ، فإن قيل كيف قال : { ادعونى استجيب لكم } وقد يدعى كثيرا فلا يستجاب أجاب الكعبي عنه بأن قال : الدعاء إنما يصح على شرط ، ومن دعا كذلك استجيب له ، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة ، ثم سأل نفسه فقال : فما هو أصلح يفعله بلا دعاء ، فما الفائدة في الدعاءا وأجاب : عنه من وجهين الأول : أن فيه الفزع والانقطاع إلى الله والثاني : أن هذا أيضا وارد على الكل ، لأنه إن علم أنه يفعله فلا بد وأن يفعله ، فلا فائدة في الدعاء ، وإن علم أنه لا يفعله فإنه ألبتة لا يفعله ، فلا فائدة في الدعاء ، وكل ما يقولونه ههنا فهو جوابنا ، هذا تمام ما ذكره ، وعندي فيه وجه آخر وهو أنه قال : { ادعونى استجيب لكم } فكل من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجده واجتهاده ، فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان ، أما بالقلب فإنه معولل في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله ، فهذا الإنسان ما دعا ربه في وقت ، أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله ، فالظاهر أنه تحصل الاستجابة ، إذا عرفت هذا ففيه بشارة كاملة ، وهي أن انقطاع القلب بالكلية عما سوى الله لا يحصل إلا عند القرب من الموت ، فإن الإنسان قاطع في ذلك الوقت بأنه لا ينفعه شيء سوى فضل الله تعالى ، فعلى القانون الذي ذكرناه وجب أن يكون الدعاء في ذلك الوقت مقبولا عند الله ، ونرجو من فضل الله وإحسانه أن يوفقنا للدعاء المقرون بالإخلاص والتضرع في ذلك الوقت ، واعلم أن الكلام السمتقصى في الدعاء قد سبق ذكره في سورة البقرة .
ثم قال تعالى : { إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين } أي صاغرين وهذا إحسان عظيم من الله تعالى حيث ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء ، فإن قيل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حكاية عن رب العزة أنه قال : { من واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار إن الذين يجادلون فىءايات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس ولاكن أكثر الناس لا يعلمون وما يستوى الاعمى والبصير والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ولا المسىء قليلا ما تتذكرون إن الساعة لاتية لا ريب فيها ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } واعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين الأول : كأنه تعالى قال : إني أنعمت عليك قبل طلبك لهذه النعم الجليلة العظيمة ، ومن أنعم قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال والثاني : أنه تعالى لما أمر بالدعاء ، فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بحصول المعرفة ، فما الدليل على وجود الإلاه القادر ، وقد ذكر الله تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته ، < < غافر : ( 64 ) الله الذي جعل . . . . . > > واعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته ، إما فلكية ، وإما عنصرية ، أما الفلكيات فأقسام كثيرة أحدها : تعاقب الليل والنهار ، و ( لما ) كان أكثر مصالح العالم مربوطا بهما فذكرهما الله تعالى في هذا المقام ، وبين أن الحكمة في خلق الليل حصول الراحة بسبب النوم والسكون ، والحكمة في خلق النهار ، إبصار الأشياء ليحصل مكنة التصرف فيها على الوجه الأنفع ، أما أن السكون في وقت النوم سبب للراحة فبيانه من وجهين : الأول : أن الحركات توجب الإعياء من حيث إن الحركة توجب السخونة والجفاف ، وذلك يوجب التألم والثاني : أن الإحساس بالأشياء إنما يمكن بإيصال الأرواح الجسمانية إلى ظاهر الحس ، ثم إن تلك الأرواح تتحلل بسبب كثرة الحركات فتضعف الحواس والإحساسات ، وإذا نام الإنسان عادت الأرواح الحساسة في باطن البدن وركزت وقويت وتخلصت عن الإعياء ، وأيضا الليل بارد رطب فبرودته ورطوبته يتداركان ما حصل في النهار من الحر والجفاف بسبب ما حدث من كثرة الحركات ، فهذه هي المنافع المعلومة من قوله تعالى : { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } وأما قوله { والنهار مبصرا } فاعلم أن الإنسان مدني بالطبع ، ومعناه أنه ما لم يحصل مدينة تامة لم تنتظم مهمات الإنسان في مأكوله ومشروبه وملبسه ومنكحه ، وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة ، وتلك الأعمال تصرفات في أمور ، وهذه التصرفات لا تكمل إلا بالضوء والنور حتى يميز الإنسان بسبب ذلك النور بين ما يوافقه وبين ما لا يوافقه ، فهذا هو الحكمة في قوله { والنهار مبصرا } فإن قيل كان الواجب بحسب رعاية النظم أن يقال هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه ، أو فجعل لكم الليل ساكنا ولكنه لم يقل كذلك بل قالل في الليل لتسكنوا فيه ، وقال في النهار مبصرا فما الفائدة فيه ؟ وأيضا فما الحكمة في تقديم ذكر الليل على ذكر النهار مع أن النهار أشرف من الليل ؟ قلنا : أما الجواب عن الأول : فهو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات ، أما اليقظة فأمور وجودية ، وهي مقصودة بالذات ، وقد بين الشيخ عبد القاهر النحوي في ( دلائل الإعجاز ) أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليهما / فهذا هو السبب في هذا الفرق والله أعلم ، وأما الجواب عن الثاني : فهو أن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود ، ولهذا السبب قال في أول سورة الأنعام { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) .
واعلم أنه تعالى لما ذكر ما في الليل والنهار من المصالح والحكم البالغة قال : { إن الله لذو فضل على الناس ولاكن أكثر الناس لا يشكرون } والمراد أن فضل الله على الخلق كثيرا جدا ولكنهم لا يشكرونه ، وأعلم أن ترك الشكر لوجوه : أحدها : أن يعتقد الرجل أن هذه النعم ليست من الله تعالى مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها وواجبة الدوران لذواتها ، فحينئذ هذا الرجل لا يعتقد أن هذه النعم من الله وثانيها أن الرجل وءن اعتقد أن كل العالم حصل بتخليق الله وتكونيه إلا أن هذه النعم العظيمة ، أعني نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان ، فإذا ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يتفق لبعض الناس والعياذ بالله أن يحبسه بعض الظلمة في آبار عميقة مظلمة مدة مديدة ، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قدر نعمة الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء ، ورأيت بعض الملوك كان يمعذب بعض خدمه بأن أمر أقواما حتى ينمعونه عن الإستناد إلى الجدار ، وعن النوم فعظم وقع هذا التعذيب وثالثها : أن الرجل وإن كان عارفا بمواقع هذه النعم إلا أنه يكون حريصا على الدنيا محبا للمال والجاه ، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كفران هذه النعم العظيمة ، ولما كان أكثر الخلق هالكين في أحد هذه الأودية الثلاثة التي ذكرناها ، لا جرم قال تعالى : { ولاكن أكثر الناس لا يشكرون } ونظيره قوله تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وقول إبليس { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ( لأعراف : 17 ) ولما بين الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر الرحيم الحكيم قال : { ذلكم الله ربكم خالق كل شىء لا إلاه إلا هو } قال صاحب ( الكشاف ) ذلكم المعلوم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثاني له { فأنى تؤفكون } والمراد فأنى تصرفون ولم تعدلون عن هذه الدلائل وتكذبون بها ، ثم قال تعالى : { وكذالك يؤفك الذين كانوا بئايات الله يجحدون } ذ يعني أن كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يكن فيه همة لطلب الحق وخوف العاقبة أفكر كما أفكوا . ! 7 < { الله الذى جعل لكم الا رض قرارا والسمآء بنآء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحى لا إلاه إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جآءنى البينات من ربى وأمرت أن أسلم لرب العالمين هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون } > 7 !
اعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته ءما أن تكون من دلائل الآفاق أو من باب دلائل الأنفس ، أما دلائل الآفاق فالمراد كل ما هو غير الإنسان من كل هذا العالم وهي أقسام كثيرة ، والمذكور منها في هذه الآية أقسام منها أحوال الليل والنهار وقد سبق ذكره وثانيها : الأرض والسماء وهو المراد من قوله { الله الذى جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء } قال ابن عباس في قوله { قرارا } أي منزلا في حال الحياة وبعد الموت { والسماء بناء } كالقبة المضروبة على الأرض ، وقيل مسك الأرض بلا عمد حتى أمكن التصرف عليها { والسماء بناء } أي قائمئا ثابتا وإلا لوقعت علينا ، وأما دلائل الأنفس فالمراد منها دلالة أحوال بدن الإنسان ودلالة أحوال نفسه على وجود الصانع القادر الحكيم ، والمذكور منها في هذه الآية قسمان أحدها : ما هو حاصل مشاهد حال كما حاله والثاني : ما كان حاصلا في ابتداء خلقته وتكوينه . أما القسم الأول : فأنواع كثيرة والمذكور منها في هذه الآية أنواع ثلاثة أولها : حدوث صورته وهو المراد من قوله { وصوركم } وثانيها : حسن صورته وهو المراد من قوله { فأحسن صوركم } ، وثالثها : أنه رزقه من الطيبات وهو المراد من قوله { ورزقكم من الطيبات } وقد أطنبنا في تفسير هذه الأشياء في هذا الكتاب مرارا لا سيما في تفسير قوله تعالى { ولقد كرمنا بنىءادم } ( الإسرار : 70 ) ولما ذكر الله تعالى هذه الدلائل الخمسة اثنين من دلائل الآفاق وثلاثة من دلائل الأنفس قال : { ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين } وتفسير بتارك إما الدوام والثبات وإما كثرة الخيرات ، ثم قال : { هو الحى لا إلاه إلا هو } وهذا يفيد الحصر وأن لا حي إلا هو ، فوجب أن يحمل ذلك على الحي الذي يمتنع أن يموت امتناعا ذاتيا وحينئذ لا حي إلا هو فكأنه أجرى الشيء الذي يجوز زواله مجرى المعدوم . واعلم أن الحي عبارة عن الدارك الفعال والدارك إشارة إلى العلم التام ، والفعال إشارة إلى القدرة الكاملة ، ولما نبه على هاتين الصفتين من صفات الجلال نبه على الصفة الثالثة وهي : الوحدانية بقوله لا إله إلا هو ، ولما وصفه بهذه الصفات أمر العباد بشيئين أحدها : بالدعاء والثاني : بالإخلاص فيه ، فقال : { فادعوه مخلصين له الدين } ثم قال : دالحمد لله رب العالمين } فيجوز أن يكون المراد قول : { } فيجوز أن يكون المراد قول : { الحمد لله رب العالمين } ويجوز أن يكون المراد أنه لما كان موصوفا بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له الحمد لله رب العالمين ولماب ين صفات الجلال والعظمة قال : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } فأورد ذلك على المشركين بألين قول ليصرفهم عن عبادة الأوثان ، وبين أن وجه النهي في ذلك ما جاءه من البينات ، وتلك البينات أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة على ما تقدم ذكره ، وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليف إلا به ، وأن جعل الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل . ولما بين أنه أمر بعبادة الله تعالى فقال : { وأمرت أن أسلم لرب العالمين } وإنما ذكر هذه الأحكام في حق نفسه لأنهم كانوا يعتقدون فيه أنه في غاية العقل وكمال الجوهر ، ومن المعلوم بالضرورة أن كل أحد فإنه لا يريد لنفسه ألا الأفضل الأكمل ، فإذا ذكر أن مصلحته لا تتم إلا بالإعراض عن غير الله ولإقبال بالكلية على طاعة الله ظهر به أن هذا الطريق أكمل من كل ما سواه ، ثم قال : { هو الذى خلقكم من تراب } .
واعلم أنا قد ذكرنا أن الدلائل على قسمين دلائل الآفاق والأنفس ، أما دلائل الآفاق فكثيرة والمذكور منها في هذه لآية أربعة : الليل والنهار والأرض والسماء ، وأما دلائل الأنفس فقد ذكرنا أنها على قسمين أحدها : الأحوال الحاضرة حال كمال الصحة وهي أقسام كثيرة ، والمذكور ههنا منها ثلاثة أنواع : الصورة وحسن الصورة ورزق الطيبات . وأما القسم الثاني : وهو كيفية تكون هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنينا إلى آخر الشيخوخة والموت فهو المذكور في هذه الآية فقال : { هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة } فقيل المراد آدم ، وعندي لا حاجة إليه لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني مخلوق من الدم فالإنسان مخلوق من الدم والدم إنما تيولد من الأغذية والأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والحال في تكون ذلك الحيوان كالحال في تكون الإنسان ، فالأغذية بأسرها منتهية إلى النباتية والنبت إنما يكون من التراب يصير نطفة ثم علقة بعد كونه علقة مراتب كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الأم ، فالله تعالى ترك ذكرها ههنا لأجل أنه تعالى ذكرها في سائر الأبيات . واعلم أنه تعالى رتب عمر الإنسان على ثلاث مراتب أولها : كونه طفلا ، وثانيها : أن يبلغ أشده ، وثالثها : الشيخوخة وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل ، وذلك لأن الإنسان في أول عمره يكون في التزايد والنشوء والنماء وهو المسمى بالطفولية والمرتبة الثانية : أن يبلغ إلى كمال النشوء وإلى أشد السن من غير أن يكون قد حصل فيه نوع من أنواع الضعف والنقص ، وهذه المرتبة هي المراد من قوله { ثم لتكونوا شيوخا } وإذا عرفت هذا التقسيم عرفت أن مراتب العمر بحسب هذا التفسيم لا تزيد على هذه الثلاثة ، قال صاحب الكشاف ) قوله { لتبلغوا أشدكم } متعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا . ثم قال : { ومنكم من يتوفى من قبل } أي من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا . ثم قال : { ولتبلغوا أجلا مسمى } ومعناه يفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى وهو وقت الموت وقيل يوم القيامة . ثم قال : { ولعلكم تعقلون } ما في هذه الأحوال العجيبة من أنواع العبر وأقسام الدلائل . ! 7 < { هو الذى يحى ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } > 7 ! < < غافر : ( 68 ) هو الذي يحيي . . . . .
> > اعلم أنه تعالى لما ذكر انتقال الإنسان من كونه ترابا إلى كونه نطفة ثم إلى كونه علقة ثم إلى كونه طفلا ثم إلى بلوغ الأشد ثم إلى الشيخوخة واستدل بهذه التغيرات على وجود الإله القادر قال بعده : { هو الذى لا إلاه } يعني كما أن الأتنقال من صفة إلى صفة أخرى من الصفات التي تقدم ذكرها يدل على الإله القادر ، فكذلك الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس يدل على الإله القادر وقوله { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } فيه وجوه الأول : معناه أنه لما نقل هذه الأجسام من بعض هذه الصفات إلى صفة أخرى لم يتعب في ذلك التصرف ولم يحتج إلى آلة وأداة ، فعبر عن نفاذ قدرته في الكائنات والمحدثات من غير معارض ولا مدافع بما إذا قال : دكن فيكون } الوجه الثاني : أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقول { } الوجه الثاني : أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقول { كن فيكون } فكأنه قيل الإنتقال من كونه ترابا إلى كونه نطفة ، ثم إلى كونه علقة انتقالات تحصل على التدرج قليلا قليلا ، وأما صيرورة الحياة فهي إنما تحصل لتعليق جوهر الروح النطقية به ، وذلك يحدث دفعة واحدة ، فلهذا السبب وقع التعبير عنه بقوله { كن فيكون } الوجه الثالث : أن من الناس من يقول إن تكون الإنسان إنما ينعقد من المني والدم في الرحم في مدة معينة وبحسب انتقالاته من حالات إلى حالات ، فكأنه قيل إنه يتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخر ، لأن التسلسل محال ، ووقوع الحادث في الأزل محال ، فلا بد من الاعتراف بإنسان هو أول الناس ، فحينئذ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المني والدم ، بل بإيجاد الله تعالى ابتداء ، فعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله { كن فيكون } . ! 7 < { ألم تر إلى الذين يجادلون فىءايات الله أنى يصرفون الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الا غلال فىأعناقهم والسلاسل يسحبون فى الحميم ثم فى النار يسجرون ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ذلكم بما كنتم تفرحون فى الا رض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } > 7 ! < < غافر : ( 69 ) ألم تر إلى . . . . . > > اعلم أنه تعالى عاد إلى ذم الذين يجادلون في آيات الله فقال : { ألم تر إلى الذين يجادلون فىءايات الله أنى يصرفون } وهذا ذم لهم على أن جادلوا في آيات الله ودفعها والتكذيب بها ، فعجب تعالى منهم بقوله { أنى يصرفون } كما يقول الرجل لمن لا يبين : أنى يذهب بك تعجبا من غفلته ، ثم بين أنهم هم { الذين كذبوا بالكتاب } أي بالقرآن { وبما أرسلنا به رسلنا } من سائر الكتب ، فإن قيل سوف للاستقبال ، وإذ للماضي فقوله { فسوف يعلمون إذ الاغلال فى أعناقهم } مثل قولك : سوف أصوم أمس قلنا المراد من قوله { إذ } هو إذا ، لأن الأمور المستقبلة لما كان في أخبا رالله تعالى متيقنة مقطوعا بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد ، والمعنى على الاستقبال ، هذا لفظ صاحب ( الكشاف ) .
ثم إنه تعالى وصف كيفية عقابهم فقال : { إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون فى الحميم } والمعنى : أنه يكون في أعناقهم الأغلال والسلاسل ، ثم يسحبون بتلك السلاسل في الحميم ، أي في الماء المسخن بنار جهنم { ثم فى النار يسجرون } والسجر في اللغة الإيقاد في التور ، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم ، ويقرب منه قوله تعالى : { نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة } ( الهمزة : 6 ، 7 ) { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله } فيقولون { ضلوا عنا } أي غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم ، ثم قالوا { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } أي تبين أنهم لو لم يكونوا شيئا ، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئا ، كما تقول حسبت أن فلانا شيء ، فإذا هو ليس بشيء إذا جربته فلم تجد عنده خيرا ، ويجوز أيضا أن يقال ءنهم كذبوا وأنكروا أنهم عبدوا غير الله ، كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأنعام أنهم قالوا { والله ربنا ما كنا مشركين } ثم قال تعالى : { كذلك يضل الله الكافرين } قال القاضي : معناه أنه يضلهم عن طريق الجنة ، إذ لا يجوز أن يقال يضلهم عن الحجة إذ قد هداهم في الدنيا إليها ، وقال صاحب ( الكشاف ) { كذلك يضل الله الكافرين } مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم ، حتى أنهم لو طلبوا الآلهة أو طلبتم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر ، ثم قال : { ذلكم بما كنتم تفرحون فى الارض } أي ذلكم الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح بغير الحق ، وهو الشرك وعبادة الأصنام { ادخلوا أبواب جهنم } السبعة المقسومة لكم ، قال الله تعالى : { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } ( الحجر : 44 ) ، { خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } والمراد منه ما قال في الآية المتقدمة في صفة هؤلاء المجادلين { إن فى صدورهم إلا كبر } ( غافر : 56 ) . ! 7 < { فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتى بأاية إلا بإذن الله فإذا جآء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون } > 7 ! < < غافر : ( 77 ) فاصبر إن وعد . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما تكلم من أول السورة إلى هذا لاموضع في تزييف طريقة المجادلين في آيات الله ، أمر في هذه الآية رسوله بأي يصبر على إيذائهم وإيحاشهم بتلك المجادلات ، ثم قال : { إن وعد الله حق } وعنى به ما وعد به الرسول من نصرته ، ومن إنزال العذاب على أعدائه ، ثم قال : { فإما نرينك بعض الذى نعدهم } يعني أولئك الكفار من أنواع العذاب ، مثل القتل يوم بدر ، فذلك هو المطلوب { أو نتوفينك } قبل إنزال العذاب عليهم { فإلينا يرجعون } يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام ، ونظيره قوله تعالى : { فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذى وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون } ( الزخرف : 41 / 42 ) .
ثم قال تعالى : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقص عليك } والمعنى أنه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : أنت كالرسل من قبلك ، وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين ، وليس فيهم أحد أعطاه الله آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه فيها وكذبوه فيها وجرى عليهم من الهم ما يقارب ما جرى عليك فصبروا ، وكانوا أبدا يقترحون على الأنبياء إظهار لمعجزات الزائدة على قدر الحاجة على سبيل العناد والتعنت ، ثم إن الله تعالى لم علم أن لصلاح في إظهار ما أظهره ، وإلا لم يظهره ولم يكن ذلك قادحا في نبوتهم ، فكذلك الحال في اقترح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحا ، لا جرم ما أظهرناها ، وهذا هو المراد من قوله { وما كان واق ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا } ثم قال : { فإذا جاء أمر الله قضى بالحق } وهذا وعيد ورد عقيب اقتراح الآيات { وأمر الله } القيامة { والمبطلون } هم المعاندون لذين يجادلون في آيات الله ، ويقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة على سبيل التعنت . ! 7 < { الله الذى جعل لكم الا نعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم ءاياته فأى ءايات الله تنكرون } > 7 < غافر : ( 79 ) الله الذي جعل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أطنب في تقرير الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله الحكيم الرحيم ، وإلى كذر ما يصلح أن يعد إنعاما على العباد ، قال الزجاج الإبل خاصة ، وقال القاضي هي الأزواج الثمانية ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : أنه لم أدخل لام الغرض على قوله { ثم لتبلغوا } ولم يدخل على البواقي فما السبب فيه ؟ الجواب : قال صاحب ( الكشاف ) الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجبا أو مندوبا ، فهذان القسمان أغراض دينية فلا جرم أدخل عليهما حرف التعليل ، وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المابحات ، فلا جرم ما أدخل عليه حرف التعليل ، نظيره قوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } ( النحل : 8 ) فأدخل التعليل على الركوت ولم يدخله على الزنية . السؤال الثاني : قوله تعالى : { وعليها وعلى الفلك تحملون } معناه تحملون في البر والبحر إذا عرفت هذا فنقول : لم لم يقل وفي الفلك كما قال { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } ( هود : 40 ) والجواب : أن كلمة على للاستعلاء فالشيء الذي يوضع في الفلك كما يصح أن يقال وضع فيه يصح أن يقال وضع عليه ، ولما صح الوجهان كانت لفظة أولى حتى يتم المراد في قوله { وعليها وعلى الفلك تحملون } ولما ذكر الله هذه الدلائل الكثير قال : { ويريكم آياته ويريكم ءاياته فأى ءايات } يعني أن هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة ، فقوله { ويريكم ءاياته فأى ءايات } تنبيه على أنه ليس في شيء من الدلائل التي تقدم ذكرها ما يمكن إنكاره ، قل صاحب ( الكشاف ) قوله { فأى آيات الله } جاء على اللغة المستفيضة ، وقولك : فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحوحمار وحمارة غريب ، وهي في أي أغرب لإبهامه والله أعلم .
! 7 < { أفلم يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا فى الا رض فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التى قد خلت فى عباده وخسر هنالك الكافرون } > 7 < غافر : ( 82 ) أفلم يسيروا في . . . . . > > اعلم أنه تعالى راعى ترتيبا ) لطيفا في آخر هذه السورة ، وذلك أنه ذكر فصلا في دلائل الإلهية وكمال القدرة والرحمة والحكمة ، ثم أردفه بفضل التهديد والوعيد وهذا الفصل الذي وقع عليه ختم هذه السورة هو الفصل المشتمل على الوعيد ، والمقصود أن هؤلاء الكفار لذين يجادلون في آيات الله وحصل الكبر العظيم في صدورهم بهذا ، والسبب في ذلك كله طلب الرياسة والتقدم على الغير في المال والجاه ، فمن ترك الانقياد للحق لأجل طلب هذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا ، فبين تعالى أن هذه الطريقة فاسدة ، لأن الدنيا فانية ذاهبة ، واحتج عليه بقوله تعالى : { أفلم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } يعني لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين المتمردين ، ليست إلا الهلاك والبوار ، مع أنهم كانوا أكثر عدد ومالا وجاها من هؤلاء المتأخرين ، فلما لم يستفيدوا من تلك المكنة العظيمة والدولة القاهرة إلا الخيبة والخسار ، والحسرة والبوار ، فكيف يكون حال هؤلاء الفقراء المساكين ، أما بيان أنهم كانوا أكثر من هؤلاء عددا فإنما يعرف في الأخبار ، وأما أنهم كانوا أشد قوة وآثارا في الأرض ، فلأنه قد بقيت آثارهم بحصون عظيمة بعدهم ، مثل الأهرام الموجودة بمصر ، ومثل هذه البلاد العظيمة التي بناها الملوك المتقدمون ، ومثل ما حكى الله عنهم من أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا . ثم قال تعالى : { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } ما في قوله { فما أغنى عنهم } نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب ، وما في قوله { ما كانوا يكسبون } موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم .
ثم بين تعالى أن أولئك الكفار لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات فرحوا بما عندهم من العلم ، واعلم أن الضمير في قوله { فرحوا } يحتمل أن يكون عائدا إلى الكفار ، وأن يكون عائدا إلى الرسل ، أما إذا قلنا إنه عائد إلى الكفار ، فذلك العلم الذي فرحوا به أي علم كان ؟ وفيه وجوه الأول : أن يكون المراد الأشياء التي كانوا يسمونها بالعلم ، وهي الشبهات التي حكاها الله عنهم في القرآن كقولهم { وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) وقولهم { لو شاء الله ما أشركنا ولا ىاباؤنا } ( الأنعام : 148 ) وقولهم { من يحى العظام وهى رميم } ( يعس : 78 ) ، { ولئن رددت إلى ربى لاجدن خيرا منها منقلبا } ( الكهف : 36 ) وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء ، كما قال : { كل حزب بما لديهم فرحون } ( المؤمنون : 53 ) ، الثاني : يجوز أن يكون المراد علوم الفلاسفة ، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علومهم / وعن سقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء فقيل له لو هاجرت فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا الثالث : يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها ، كما قال تعالى : { يعلمون ظاهرا من الحيواة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون } ( الروم : 7 ) ، { ذلك مبلغهم من العلم } ( النجم : 30 ) فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة الله تعالى ومعرفة العماد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها ، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ، ففرحوا به . أما إذا قلنا الضمير عائد إلى الأنبياء ففيه وجهان الأول : أن يجعل الفرح للرسل ، ومعناه أن الرسل لما رأوا من قومهم جهلا كاملا ، وإعراضا عن الحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم ، فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه ، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم الثاني : أن يكون المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به ، كأنه قال استهزؤا بالبينات ، وبما جاؤا به من علم الوحي فرحين ، ويدل عليه قوله تعالى : { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } . ثم قال تعالى : { فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } البأس شدة العذاب ومنه قوله تعالى : { بعذاب بئيس } ( الأعراف : 165 ) فإن قيل أي فرق بين قوله { فلم يك ينفعهم إيمانهم } وبين ما لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم ؟ قلنا هو مثل كان في نحو قوله { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم ، فإن قيل اذكروا ضابطا في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان فيه ، قلنا إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب ، لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه ، حتى يكون المرء مختارا ، أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا . ثم قال تعالى : { سنة الله التى قد خلت فى عباده } والمعنى أن عدم قبول الإيمان حالل اليأس سنة الله مطردة في كل الأمم . ثن قال : { وخسر هنالك الكافرون } فقوله { هنالك } مستعار للزمان أي وخسروا وقت رؤية البأس ، والله الهادي للصواب . < > 1 ( سورة فصلت ) 1 < > السجدة خمسون وأربع آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم
! 7 < { حم تنزيل من الرحمان الرحيم كتاب فصلت ءاياته قرءانا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا فىأكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنمآ إلاهكم إلاه واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكواة وهم بالا خرة هم كافرون إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } . > 7 ! < < فصلت : ( 1 ) حم > > اعلم أن في أول هذه السورة احتمالات أحدها : وهو الأقوى أن يقال حام اسم للسورة وهو في موضع المبتدأ وتنزيل خبره ، وثانيها : قال الأخفش : تنزيل رفع بالابتداء وكتاب خبره ، وثالثها : قال الزجاج : تنزيل رفع بالابتداء وخبره كتاب فصلت آياته ووجهه أن قوله { تنزيل } تخصص بالصفة وهو قوله { من الرحمان الرحيم } فجاز وقوعه مبتدأ . واعلم أنه تعالى حكم على السورة المسماة بحام بأشياء أولها : كونه تنزيلا والمراد المنزل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور ، يقال هذا بناء الأمير أي مبنيه ، وهذا الدرهم ضرب السلطان أي مضروبه ، والمراد من كونها منزلا أن الله تعالى كتبها في اللوم المحفوظ وأم جبريل عليه السلام بأن يحفظ تلك الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه ، فلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلا وثانيها : كون التنزيل من الرحمن الرحيم ، وذلك يدل على كون التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن يكون مناسبا لتلك الصفة ، فكونه تعالى رحمانا رحيما صفتان دالتان على كمال الرحمة ، فالتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالا على أعظم وجوه النعمة ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والزمنى والمحتاجين ، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية ، فكان أعظم النعم عند الله تعالى على أهل هذا اللعالم إنزال القرآن عليهم وثالثها : كونه كتابا وقد بينا أن هذا الاسم مشتق من الجمع وإنما سمي كتابا لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين ورابعها : قوله { فصلت ءاياته } والمراد أنه فرقت آياته وجعلت تفاصيل في معان مختلفة فبعضها في وصف ذات الله تعالى وشرح صفات التنزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته وعجائب أحوال خلقه السماوات والأرض والكواكب وتعاقب الليل والنهار وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان ، وبعضها في أحوال التكاليف المتوجهة نحو القلوب ونحو الجوارح ، وبعضها في الوعد والوعيد والثواب والعقاب درجات أهل الجنة ودرجات أهل النار ، وبعضها في المواعظ والنصائح وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس ، وبعضها في قصص الأولين وتواريخ الماضين ، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في يد الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن وخامسها : قوله { قرءانا } والوجه في تسميته قرآنا قد سبق وقوله تعالى : { قرءانا } نصب على الاختصاص والمدح أي أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت وكيت ، وقيل هو نصب على الحال وسادسها : قوله { عربيا } والمعنى أن هذا القرآن إنما نزل بلغة العرب وتأكد هذا بقوله تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ( إبراهيم : 4 ) وسابعها : قوله تعالى : { لقوم يعلمون } والمعنى إنا جعلناه عربيا لأجل أنا أنزلناه على قوم عرب فجعلناه بلغة العرب ليفهموا منه المراد ، فإن قيل قوله { لقوم يعلمون } متعلق بماذا ؟ قلنا يجوز أن يتعلق بقوله { تنزيل } أو بقوله { فصلت } أي تنزيل من الله لأجلهم أو فصلت آياته لأجلهم ، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده ، أي قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب ، لئلا يفرق بين الصلات والصفات وثامنها وتاسعها : قوله { بشيرا ونذيرا } يعني بشيرا للمطيعين بالثواب ونذيرا للمجرمين بالعقاب ، والحق أن القرآن بشارة ونذارة إلا أنه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملا في هذه الصفة ، كما يقال شعر شاعر وكلام قائل .
الصفة العاشرة : كونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه ، فهذه هي الصفات العشرة التي وصف الله القرآن بها ، ويتفرع عليها مسائل : المسألة الأولى : القائلون بخلق القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول : أنه وصف القرآن بكونه تنزيلا ومنزلا والمنزل والتنزيل مشعر بالتصيرر من حال ، فوجب أن يكون مخلوقا الثاني : أن التنزيل مصدر والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين الثالث : المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق أو المكتوب الذي هو المفعول الرابع : أن قوله { فصلت } يدل على أن متصرفا يتصرف فيه بالتفصيل والتمييز ، وذلك لا يليق بالقديم الخامس : أنه إنما سمي قرآنا لأنه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل السادس : وصفه عربيبا ، وإنما صحت هذه النسبة لأجل أن هذه الألفاظ إنما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم ، وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بد وأن يكون محدثا ومخلوقا الجواب : أن كل هذه الوجوه التي ذكرتموها عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات ، وهي عندنا محدثة مخلوقة ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر سوى هذه الألفاظ والله أعلم . المسألة الثانية : ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية ، فأما حملها على معان أخر لا بهذا الطريق فهذا باطل قطعا ، وذلك مثل الوجوه التي يذكرها أهل الباطن ، مثل أنهم تارة يحملون الحروف على حساب الجمل وتارة يحملون كل حرف على شيء آخر ، وللصوفية طرق كثيرة في الباب ويسمونها علم المكاشفة والذي يدلل على فساد تلك الوجوه بأسرها قوله تعالى : { قرءانا عربيا } وإنما سماه عربيا لكونه دالا على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم ، وذلك يدل على أن دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة ، وأن ما سواه فهو باطل . المسألة الثالثة : ذهب قم إلى أنه حصلل في القرآن من سائر اللغات كقوله { إستبرق } ( الكهف : 31 ) و { سجيل } ( هود : 82 ) فإنهما فارسيان ، وقوله { مشكاة } ( النور : 35 ) فإنها من لغة الحبشة وقوله { قسطاس } ( الإسراء : 35 ) فإنه من لغة الروم والذي يدل على فساد هذا المذهب قوله { يتذكرون قرءانا عربيا } ، وقوله { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ( إبراهيم : 4 ) . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة لفظ الإيمان والكفر واللصلاة والزكاة والصوم والحج ألفاظ شرعية لا لغوية ، والمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى ، وعندنا أن هذا باطل ، وليس للشرع تصرف في هذه الألفاظ عن مسمياتها إلا من وجه واحد ، وهو أنه خصص هذه الأسماء بنوع واحد من أنواع مسمياتها مثلا / الإيمان عبارة عن التصديق فخصصه الشرع بنوع معين من التصديق ، والصلاة عبارة عن الدعاء فخصصه الشرع بنوع معين من الدعاء ، كذا القول في البواقي ودليلنا على صحة مذهبنا قوله تعالى : { قرءانا عربيا } ، وقوله { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } . المسألة الخامسة : إنما وصف الله القرآن بكونه { عربيا } في معرض المدح والتعظيم وهذا المطلوب لا يتم إلا إذا ثبت أن لغة العرب أفضل اللغات .
واعلم أن هذا المقصود إنما يتم إذا ضبطنا أقسام فضائل اللغات بضابط معلوم ، ثم بينا أن تلك الأقسام حاصلة فيه لا في غيره ، فنقول لا شك أن الكلام مركب من الكلمات المفردة ، وهي مركبة من الحروف ، فالكلمة لها مادة وهي الحروف ، ولها صورة وهي تلك الهيئة المعينة الحاصلة عند التركيب . فهذه الفضيلة إنما تحصل إما بحسب مادتها أو بحسب صورتها ، أما التي بحسب مادتها فهي آحاد الحروف ، واعلم أن الحروف على قسمين بعضها بينة المخارج ظاهرة المقاطع وبعضهاا خفية المخارج مشتبهة المقاطع ، وحروف العرب بأسرها ظاهرة المخارج بينة المقاطع ، ولا يشتبه شيء منها بالآخر . وأما الحروف المستعملة في سائر اللغات فليست كذلك بل قد يحصل فيها حرف يشتبه بعضها بالبعض ، وذلك يخل بكمال الفصاحة ، وأيضا الحركات المستعملة في سائر لغة العرب حركات ظاهرة جلية وهي النصب والرفع والجر ، وكل واحد من هذه الثلاثة فإنه يمتاز عن غيره امتيازا ظاهرا جليا ، وأما الإشمام والروم فيقل حصولهما في لغات العرب ، وذلك أيضا من جنس ما يوجب الفصاحة ، وأما الكلمات الحاصلة بحسب التركيب فهي أنواع : أحدها : أن الحروف على قسمين متقاربة المخرج ومتباعدة المخرج ، وأيضا الحروف على قسمين منها صلبة ومنها رخوة ، فيحصل من هذا التقسيم أقسام أربعة الصلبة المتقاربة ، واالرخوة المتقاربة ، والصلبة المتباعدة ، والرخوة المتباعدة ، فإذا توالى في الكلمة حرفان صلبان متقاربان . صعب اللفظ بها ، لأن بسبب تقارب المخرج يصير التلفظ بها جاريا مجرى ما إذا كان الإنسان مقيدا ثم يمشي ، وبسبب صلابة تلك الحروف تتوارد الأعمال الشاقة القوية على الموضع الواحد من المخرج ، وتوالي الأعمال الشاقة يوجب الشضعف والإعياء ، ومثل هذا التركيب في اللغة العربية قليل وثانيها : أن جنس بعض الحروف ألذ وأطيب في السمع ، وكل كلمة يحصل فيها حرف من هذا الجنس كان سماعها أطيب وثالثها : الوزن فنقول : الكلمة إما أن تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية ، وأعدلها هو الثلاثي لأن الصوت إنما يتولد بسبب الحركة ، والحركة لا بد لها من مبدأ ووسط ومنتهى ، فهذه ثلاث مراتب ، فالكلمة لا بد وأن يحصل فيها هذه المراتب الثلاثة حتى تكون تامة ، أما الثانائية فهي ناقصة وأما الرباعية فهي زائدة ، والغائب في كلام العرب الثلاثيات ، فثبت بما ذكرنا ضبط فصائل اللغات ، والاستقراء يدل على أن لغة العرب موصوفة بها ، وأما سائر اللغات فليست كذلك ، والله أعلم . المسألة السادسة : قوله { لقوم يعلمون } يعني إنما جعلناه { عربيا } لأجل أن يعلموا المراد منه ، والقائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح والحكم ، تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنها تدل على أنه إنما جعله { عربيا } لهذه الحكمة ، فهذا يدل على أن تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه جائز . المسألة السابعة : قال قوم القرآن كله غير معلوم بل فيه ما يعلم وفيه ما لا يعلم ، وقال المتكلمون لا يجوز أن يحصل فيه شيء غير معلوم ، والدليل عليه قوله تعالى : { كتاب فصلت ءاياته قرءانا } يعني إنما جعلناه عربيا ليصير معلوما والقوم بأنه غير معلوم يقدح فيه .
المسألة الثامنة : قوله تعالى : { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } يدل على أن الهادي من هداه الله وأن الضال من أضله الله وتقريره أن الصفات التسعة المذكورة للقرآن توجب قوة الاهتمام بمعرفته وبالوقوف على معانيه / لأنا بينا أن كونه نازلا من عند الإلاه الرحمن الرحيم يدل على اشتماله على أفضل المنافع وأجل المطالب ، وكونه { قرءانا عربيا } مفصلا يدل على أنه في غاية الكشف والبيان ، وكونه { بشيرا ونذيرا } يدل على أن الاحتياج إلى فهم ما فيه من أهم المهمات ، لأن سعي الإنسان في معرفة ما يوصله إلى الثواب أو إلى العقاب من أهم المهمات ، وقد حصلت هذه الموجبات اللثلاثة في تأكيد الرغبة في فهم القرآن وفي شدة الميل إلى الإحاطة به ، ثم مع ذلك فقد أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه ونبذوه وراء ظهورهم ، وذلك يدل على أنه لا مهدي إلا من هذاه الله ، ولا ضال إلا من أضله الله . واعلم أنه تعالى لما وصف القرآن بأنهم عرضوا عنه ولا يسمعونه ، بين أنهم صرحوا بهذه النفرة والمباعدة وذكروا ثلاثة أشياء أحدها : أنهم قالوا { قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه } وأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء ، والكنان هو الذي يجعل فيه السهام وثانيها : قولهم { وقالوا قلوبنا فى } أي صمم وثقل من استماع قولك وثالثها : قولهم { ومن بيننا وبينك حجاب } والحجاب هو الذي يمنع من الرؤية والفائدة في كلمة { من } في قوله { ومن بيننا } أنه لو قيل : وبيننا وبينك حجاب ، لكان المعنى أن حجابا حصل وسط الجهتين ، وأما بزيادة لفظ { من } كأن المعنى أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك ، فالمسافة الحاصلة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب ، وما بقي جزء منها فارغا عن هذا الحجاب فكانت هذه اللفظة دالة على قوة هذا الحجاب ، هكذا ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو في غاية الحسن . واعلم أنه إنما وقع الاقتصار على هذه الأعضاء الثلاثة ، وذلك لأن القلب محل المعرفة وسلطان البدن والسمع والبصر هما الآلتان المعينتان لتحصيل المعارف ، فلما بين أن هذه الثلاثة محجوبة كان ذلك أقصى ما يمكن في هذا الباب . واعلم أنه إذا تأكدت النفرة عن الشيء صارت تلك النفرة في القلب فإذا سمع منه كلاما لم يفهم معناه كما ينبغي ، وإذا رآه لم تصر تلك الرؤية سببا للوقوف على دقائق أحوالك ذلك المرئي ، وذلك المدرك والشاعر هو النفس ، وشدة نفرة النفس عن الشيء تمنعها من التدبر والوقوف على دقائق ذلك الشيء ، فإذا كان الأمر كذلك كان قولهم { قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } استعارات كاملة في إفادة المعنى المراد ، فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم ، وذكر أيضا ما يقرب منه في معرض الذم فقال : { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم } ( البقرة : 88 ) . ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معرض التقرير والإثبات في سورة الأنعام فقال : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا } ( الأنعام : 25 ) فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا إنه لم يقل ههنا أنهم كذبوا في ذلك إنما الذي ذمهم عليه أنهم قالوا : إنا إذا كنا كذلك لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا ، وهذا الثاني باطل ، أما الأول فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه .