Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V27/P189–V27/P190

ثم قال تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا } أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل { بل هم قوم خصمون } مبالغون في الخصومة ، وذلك لأن قوله { إنكم وما تعبدون من دون الله } لا يتناول الملائكة وعيسى ، وبيانه من وجوه الأول : أن كلمة ما لا تتناول العقلاء ألبتة والثاني : أن كلمة ما ليست صريحة في الاستغراق بدليل أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض عليه ، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله ، أو إنكم وبعض ما تبعدون من دون الله الثالث : أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من دون الله أو وبعض ما تعبدون خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح والملائكة الرابع : أن قوله { إنكم وما تعبدون من دون الله } هب أنه عام إلا أن النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه ، والخاص مقدم على العام . المسألة الرابعة : القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { ما يجادل فىءايات الله إلا الذين كفروا } ( غافر : 4 ) أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب للمدح والثناء ، وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق ، وأن تصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل . ثم قال تعالى : { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } يعني ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه حيث جعلناه آية بأن خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر { ولو نشاء لجعلنا منكم } لولدنا منك يا رجال { ملئكة ضللنا فى الارض } كما يخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ولتعرفوا أن دخول التوليد والتولد في الملائكة أمر ممكن وذات الله متعالية عن ذلك { وأنه } أي عيسى { لعلم للساعة } شرط من أشراطها تعلم به فسمي الشرط الدال على الشيء علما لحصول العلم به ، وقرأ ابن عباس : { لعلم } وهو العلامة وقرىء للعلم وقرأ أبي : لذكر ، وفي الحديث : ( أن عيسى ينزل على ثنية في الأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة وبها يقتل الدجال فيأتي ببيت المقدس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به ) { فلا تمترن بها } من المرية وهو الشك { واتبعون } واتبعوا هداي وشرعي { هاذا صراط مستقيم } أي هذا الذي أدعوكم إليه صراط مستقيم { ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين } قد بانت عداواته لكم لأجل أنه هو الذي أخرج أباكم من الجنة ونزع عنه لباس النور . ! 7 < { ولما جآء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه هاذا صراط مستقيم فاختلف الا حزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } . > 7 ! < < الزخرف : ( 63 ) ولما جاء عيسى . . . . .

حصہ V27/P190–V27/P192

> > اعلم أنه تعالى ذكر أنه لما جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات الواضحات { قال قد جئتكم بالحكمة } وهي معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله { ولابين لكم بعض الذى تختلفون فيه } يعني أن قوم موسى كانوا قد اختلفوا في أشياء من أحكام التكاليف واتفقوا على أشياء فجاء عيسى ليبين لهم الحق في تلك المسائل الخلافية ، وبالجملة فالحكمة معناها أصول الدين { لهم الذى يختلفون فيه } معناه فروع الدين ، فإن قيل لم لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه ؟ قلنا لأن الناس قد يختلفون في أشياء لا حاجة بهم إلى معرفتها ، فلا يجب على الرسول بيانها ، ولما بين الأصول والفروع قال : { فاتقوا الله } في الكفر به والإعراض عن دينه { وأطيعون } فيما أبلغه إليكم من التكاليف { إن الله هو ربى وربكم فاعبدون هاذا صراط مستقيم } والمعنى ظاهر { فاختلف الاحزاب } أي الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم الملكانية واليعقوبية والنسطورية ، وقيل اليهود والنصارى { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } وهو وعيد بيوم الأحزاب ، فإن قيل قوله { من بينهم } الضمير فيه إلى من يرجع ؟ قلنا إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله { قد جئتكم بالحكمة } وهم قومه . ثم قال : { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } فقوله أن تأتيهم بدل من الساعة والمعنى هل ينظرون إلا إتيان الساعة . فإن قالوا قوله { بغتة } يفيد عين ما يفيده قوله { وهم لا يشعرون } فما الفائدة فيه ؟ قلنا يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه . ! 7 < { الا خلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين ءامنوا بأاياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الا نفس وتلذ الا عين وأنتم فيها خالدون وتلك الجنة التىأورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون } . > 7 < الزخرف : ( 67 - 73 ) الأخلاء يومئذ بعضهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } ( الزخرف : 66 ) ذكر عقيبه بعض ما يتعلق بأحوال القيامة فأولها : { الاخلاء يومئذ بعضهم عدو إلا المتقين } والمعنى { الاخلاء } في الدنيا { يومئذ } يعني في الآخرة { بعضهم لبعض عدو } يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة { إلا المتقين } يعني الموحدين الذين يخالل بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى ، فإن خلتهم لا تصير عداوة ، وللحكماء في تفسير هذه الآية طريق حسن ، قالوا إن المحبة أمر لا يحصل إلا عند اعتقاد حصول خير أو دفع ضرر ، فمتى حصل هذا الإعتقاد حصلت المحبة لا محالة ، ومتى حصل اعتقاد أنه يوجب ضررا حصل البغض والنفرة ، إذا عرفت هذا فنقول : تلك الخيرات التي كان اعتقاد حصولها يوجب حصول المحبة ، إما أن تكون قابلة للتغير والتبدل ، أو لا تكون كذلك ، فإن كان الواقع هو القسم الأول ، وجب أن تبدل تلك المحبة بالنفرة ، لأن تلك المحبة إنما حصلت لاعتقاد حصول الخير والراحة ، فإذا زال ذلك الإعتقاد ، وحصل عقيبه اعتقاد أن الحاصل هو الضرر والألم ، وجب أن تتبدل تلك المحبة بالبغضة ، لأن تبدل العلة يوجب تبدل المعلول ، أما إذا كانت الخيرات الموجبة للمحبة ، خيرات باقية أبدية ، غير قابلة للتبدل والتغير ، كانت تلك المحبة أيضا محبة باقية آمنة من التغير ، إذا عرفت هذا الأصل فنقول الذين حصلت بينهم محبة ومودة في الدنيا ، إن كانت تلك المحبة لأجل طلب الدينا وطيباتها ولذاتها ، فهذه المطالب لا تبقى في القيامة ، بل يصير طلب الدنيا سببا لحصول الآلام والآفات في يوم القيامة ، فلا جرم تنقلب هذه المحبة الدنيوية بغضة ونفرة في القيامة ، أما إن كان الموجب لحصول المحبة في الدنيا الاشتراك في محبة الله وفي خدمته وطاعته ، فهذا السبب غير قابل للنسخ والتغير ، فلا جرم كانت هذه المحبة باقية في القيامة ، بل كأنها تصير أقوى وأصفى وأكمل وأفضل مما كانت في الدنيا ، فهذا هو التفسير المطابق لقوله تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو تحزنون } وقد ذكرنا مرارا أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد ، بالمؤمنين المطيعين المتقين ، فقوله { فبشر عباد } كلام الله تعالى ، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم { المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح أولها : أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وثانيها : أنه تعالى وصفهم بالعبودية ، وهذا تشريف عظيم ، بدليل أنه لما أراد أن يشرف محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، قال : { سبحان الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) وثالثها : قوله { لا خوف عليكم اليوم } فأزال عنهم الخوف في يوم القيامة بالكلية / وهذا من أعظم النعم ورابعها : قوله { ولا أنتم تحزنون } فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية .

حصہ V27/P192–V27/P193

ثم قال تعالى : { الذين ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين } قيل { الذين كفروا } مبتدأ ، وخبره مضمر ، والتقدير يقال لهم : أدخلوا الجنة ، ويحتمل أن يكون المعنى أعني الذين آمنوا ، قال مقاتل : إذا وقع الخوف يوم القيامة ، نادى مناد { المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم } فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم ، فيقال { الذين ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين } فتنكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم الحكم الثالث : من وقائع القيامة ، أنه تعالى إذا أمن المؤمنين من الخوف والحزن ، وجب أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى أحسنها ، ثم يقال لهم { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون } والحبرة المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل ، يعني يكرمون إكراما على سبيل المبالغة ، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم . ثم قال : { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } قال الفراء : الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له ، فقوله { يطاف عليهم بصحاف من ذهب } إشارة إلى المطعوم ، وقوله { وأكواب } إشارة إلى المشروب ، ثم إنه تعالى ترك التفصيل وذكر بيانا كليا ، فقال : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين وأنتم فيها خالدون } . ثم قال : { وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون } وقد ذكرنا في وراثة الجنة وجهين في قوله { أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس } ( المؤمنون : 10 ، 11 ) ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم ، ذكر ههنا حال الفاكهة ، فقال : { لكم فيها فاكهة منها تأكلون } . واعلم أنه تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب أولا ، ثم إلى العالمين ثانيا ، والعرب كانوا في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة ، فلهذا السبب تفضل الله تعالى عليهم بهذه المعاني مرة بعد أخرى ، تكميلا لرغبتهم وتقوية لدواعيهم . ! 7 < { إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولاكن كانوا هم الظالمين ونادوا يامالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولاكن أكثركم للحق كارهون أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } > 7 ! < < الزخرف : ( 74 ) إن المجرمين في . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد ، أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن ، وفيه مسائل :

حصہ V27/P193–V27/P194

المسألة الأولى : احتج القاضي على القطع بوعيد الفسق بقوله { إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون } ولفظ المجرم يتناول الكافر والفاسق ، فوجب كون الكل في عذاب جهنم ، وقوله { خالدون } يدل على الخلود ، وقوله أيضا { لا يفتر عنهم } يدل على الخلود والدوام أيضا والجواب : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن المراد من لفظ المجرمين ههنا الكفار ، أما ما قبل هذه الآية فلأنه قال : { عدو إلا المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين ءامنوا بئاياتنا } ( الزخرف : 68 ، 69 ) فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين ، فإنهم يدخلون تحت قوله { المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين } والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم ، فوجب أن يكون داخلا تحت ذلك الوعد ، ووجب أن يكون خارجا عن هذا الوعيد ، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله { جئناكم بالحق ولاكن أكثركم للحق كارهون } والمراد بالحق ههنا إما الإسلام وإما القرآن ، والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن ، فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن المراد من المجرمين الكفار ، والله أعلم . المسألة الثانية : أنه تعالى وصف عذاب جهنم في حق المجرمين بصفات ثلاثة أحدهما : الخلود ، وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا يفيد الدوام وثانيها : قوله : { لا يفتر عنهم } أي لا يخفف ولا ينقص من قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها وثالثها : قوله { وهم فيه مبلسون } والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج ، عن الضحاك يجعل المجرم في تابوت من نار ، ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالدا لا يرى ، قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { وهم فيها } أي وهم في النار . المسألة الثالثة : احتج القاضي بقوله تعالى : { وما ظلمناهم ولاكن كانوا هم الظالمين } فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه بقوله { وما ظلمناهم } وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه ؟ أو ليس لو أثبتناه ظلما لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم ، فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عز وجل فقط ، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معا ، فلم يكن ذلك ظلما من الله . قلنا : عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم ، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى ، فكأنه لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالما لهم ، وذلك محال لأن من يكون ظالما في فعل ، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق ، فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين ؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع ، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه ، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في العبد ، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذ يلزمك ما أوردته علينا . واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره ، إنما الرجل الذي ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده ، فإن رآه واردا على مذهبه بعينه لم يذكره والله أعلم .

حصہ V27/P194–V27/P195

المسألة الرابعة : قرأ ابن مسعود { من مال } بحذف الكاف للترخيم فقيل لابن عباس إن ابن مسعود قرأ { ونادوا يامالك مال } فقال : ما أشغل أهل النار عن هذا الترخيما واجيب عنه بأنه إنما حسن هذا الترخيم لأنه يدل على أنهم بلغوا في الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلا بعضها . المسألة الخامسة : اختلفوا في أن قولنم { ونادوا يامالك ليقض علينا ربك } على أي وجه طلبوا فقال بعضهم على التمني ، وقال آخرون على وجه الاستغاثة ، وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب ، وقيل لا يبعد أن يقال إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا تلك المسألة فذكروه على وجه الطلب . ثم إنه تعالى بين أن مالكا يقول لهم { إنكم ماكثون } وليس في القرآن متى أجابهم ، هل أجابهم في الحال أو بمدة طويلة ، فلا يمتنع أن تؤخر الإجابة استخفافا بهم وزيادة في غمهم ، فعن عبد الله بن عمر بعد أربعين سنة ، وعن غيره بعد مائة سنة ، وعن ابن عباس بعد ألف سنة والله أعلم بذلك المقدار . ثم بين تعالى أن مالكا لما أجابهم بقوله { إنكم ماكثون } ذكر بعده ما هو كالعلة لذلك الجواب فقال : { لقد جئناكم بالحق ولاكن أكثركم للحق كارهون } والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن وشدة بغضهم لقبول الدين الحق ، فإن قيل كيف قال : { ونادوا يامالك مالك } بعد ما وصفهم بالإبلاس ؟ قلنا تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة ، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتا لشدة ما بهم ، روي أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيقولون ادعوا مالكا فيدعون { ونادوا يامالك ليقض علينا ربك } ولما ذكر الله تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال : { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون } والمعنى أم أبرموا أي مشركون مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول الله ، فإنا مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى : { أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون } ( الطور : 42 ) قال مقاتل : نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة ، وهو ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ( الأنفال : 30 ) وقد ذكرنا القصة . ثم قال : { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال ، والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم { بلى } نسمعها ونطلع عليها { ورسلنا } يريد الحفظة { يكتبون } عليهم تلك الأحوال ، وعن يحيى بن معاذ من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق . ! 7 < { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السماوات والا رض رب العرش عما يصفون فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون وهو الذى فى السمآء إلاه وفى الا رض إلاه وهو الحكيم العليم وتبارك الذى له ملك السماوات والا رض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يارب إن هاؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون } > 7 ! < < الزخرف : ( 81 ) قل إن كان . . . . . > > فيه مسائل :

حصہ V27/P195–V27/P196

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { ولد } بضم الواو وإسكان اللام والباقون بفتحها { فأنا أول العابدين } قرأ نافع { فإنا } بفتحة طويلة على النون والباقون بلا تطويل . المسألة الثانية : اعلم أن الناس ظنوا أن قوله { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } لو أجريناه على ظاهره فإنه يقتضي وقوع الشك في إثبات ولد لله تعالى ، وذلك محال فلا جرم افتقروا إلى تأويل الآية ، وعندي أنه ليس الأمر كذلك وليس في ظاهر اللفظ ما يوجب العدول عن الظاهر ، وتقريره أن قوله { إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } قضية شرطية والقضية الشرطية مركبة من قضيتين خبريتين أدخل على إحداهما حرف الشرط وعلى الأخرى حرف الجزاء فحصل بمجموعها قضية واحدة ، ومثاله هذه الآية فإن قوله { إن كان للرحمان ولد فأنا أول } قضية مركبة من قضيتين : إحداهما : قوله { قل إن كان للرحمان ولد } ، والثانية : قوله { فأنا أول العابدون } ثم أدخل حرف الشرط وهو لفظة إن على لقضية الأولى وحرف الجزاء وهو الفاء على القضية الثانية فحصل من مجموعها قضية الأولى واحدة ، وهو القضية الشرطية ، إذ عرفت هذا فنقول القضية الشرطية لا تفيد إلا كون الشرط مستلزما للجزاء ، وليس فيه إشعار بكون الشرط حقا أو باطلا أو بكون الجزاء حقا أو باطلا ، بل نقول القضية الشرطية الحقة قد تكون مركبة من قضيتين حقيتين أو من قضيتين باطلتين أو من شرط باطل وجزاء حق أو من شرط حق وجزاتء باطل ، فأما القسم الرابع وهو أن تكون القضية الشرطية الحقة مركبة من شرط حق وجزاء باطل فهذا محال . ولنبين أمثال هذه الأقسام الأربعة ، فإذا قلنا إن كان الإنسان حيوانا فالإنسان جسم فهذه شرطية حقة وهي مركبة من قضيتين حقيتين ، إحداهما قولنا الإنسان حيوان ، والثانية قولنا الإنسان جسم ، وإذا قلنا إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين فهذه شرطية حقة لكنها مركبة من قولنا لخمسة زوج ، ومن قولنا لخمسة منقسمة بمتساويين وهما باطلان ، وكونهم باطلين لا يمنع من أن كيون استلزام أحدهما للآخر حقا ، وقد ذكرنا أن القضية الشرطية لا تفيد إلا مجرد الاستلزام وإذا قلنا إن كان الإنسان حجرا فهو جسم ، فهذ جسم ، فهذا أيضا حق لكنها مركبة من شرط باطل وهو قولنا الإنسان حجر ، ومن جزء حق وهو قولنا الإنسان جسم ، وإنما جاز هذالأن الباطل قد يكون بحيث يلزم من فرض وقوعه وقوع حق ، فإنا فرضنا كون لإنسان حجرا وجب كونه جسما فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حقا . وأما القسم الرابع : وهو تركيب قضية شرطية حقة من شرط حق وجزاء باطل ، فهذا محال ، لأن هذا التركيب يلزم منه كون الحق مستلزما للباطل وذلك محال بخلاف القسم الثالث فإنه يلزم منه كون الباطل مستلزما للحق وذلك ليس بمحال ، إذا عرفت هذا الأصل فلنرجع إلى الآية فنقول قوله { إن كان الرحمان ولدا فأنا أول العابدين } قضية شرطية حقة من شرط باطل ومن جزاء باطل لأن قولنا كان للرحمن ولد باطل ، وقولنا أنا أول العابدين لذلك الولد باطل أيضا إلا أنا بينا أن كون كل واحد منهما باطلا لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقا كما ضربنا من المثال في قولنا إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فثبت أن هذا لكلام لا امتناع في إجرائه على ظاهره ، ويكون المراد منه أنه إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد ، فإن لسلطان إذا كان له ولد فكما يجب على عبده أن يخدمه فكذلك يجب عليه أن يخدم ولده ، وقد بينا أن هذا التركيب لا يدل على الاعتراف بإثبات ولد أم لا .

حصہ V27/P196–V27/P197

ومما يقرب من هذا الباب قوله { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) فهذا الكلام قضية شرطية والشرط هو قولنا { فيهما الهة } والجزاء هو قولنا { فسدتا } فالشرط في نفسه باطل والجزاء أيضا باطل لأن الحق أنه ليس فيهما آلهة ، وكلمة لو تفيد الشيء باتنفاء غيره لأنهما ما فسدتا ثم مع كون الشرط باطلا وكون الجزاء باطلا كان استلزام ذلك الشرط لهذا الجزء حقا فكذا ههنا ، فإن قالوا الفرق أن هننا ذكر الله تعالى هذه الشرطية بصيغة لو فقال : { ينشرون لو كان فيهما الهة } وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، وأما في لآية التي نحن في تفسيرها إنما ذكر الله تعالى كلمة إن وهذه الكلمة لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، بل هذه الكلمة تفيد الشك في أنه هل حصل الشرط أم لا ، وحصول هذا الشك للرسول غير ممكن ، قلنا القرف الذي ذكرتم صحيح إلا أن مقصودنا بيان أنه لا يلزم من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادقتين أو كذبتين على ما قررناه أما قوله إن لفظة أن تفيد حصول الشرط هل حصل أم لا ، قلنا هذا ممنوع فإن حرف ءن حرف الشرط وحرف الشرط لا يفيد كون الشرط مستلزما للجزار ، وأما بيان أن ذلك الشرط معلوم الوقوع أو مشكوك الوقوع ، فاللفظ لا دلالة فيه عليه البتة ، فظهر من المباحث التي لخصناها أن الكلام ههنا ممكن الإجراء على ظاهره من جميع الوجوه وأنه لا حاجة فيه ألبتة إلى التأويل ، والمعنى أنه تعالى قال : { قل } يا محمد { إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } لذلك الولد وأنا أول الخادمين له ، والمقصود من هذا الكلام بيان أنى لا أنكر ولده لأجل العناد والمنازعة فإن بتقدير أن يقوم الدليل على ثبوت هذا الولد كنت مقرا به معترفا بوجوب خدمته إلا أنه لم يوجد هذا الولد ولم يقم الدليل على ثبوته ألبتة ، فكيف أقول به ؟ بل الدليل القاطع قائم على عدمه فكيف أقول به وكيف أعترف بوجوده ؟ وهذا الكلام ظاهر كامل لا حاجة به ألبتة إلى التأويل والعدول عن الظاهر ، فهذا ما عندي في هذ الموضع ونقل عن السدي من المفسرين أنه كان يقول حمل هذه الآية على ظاهرها ممكن ولا حاجة إلى لتأويل ، والتقرير الذي ذكرناه يدل على أن الذي قاله هو الحق ، أما القائلون بأنه لا بد من التأويل فقد ذكروا وجوها الأول : قال الواحدي كثرت الوجوه في تفسير هذه الآية ، والأقوى أن يقال المعنى { إن كان للرحمان ولد } في زعمكم { فأنا أول العابدين } أي الموحدين لله المكذبين لوقلكم بإضافة الولد إليه ، ولقائل أن يقول إما أن يكون تقدير الكلام : إن يثبت للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول المنكرين له أو يكون التقدير إن يثبت لكم ادعاء أن للرحمن ولدا فأنا أول المنكرين له ، والأول : باطل لأن ثبوت الشيء في نفسه لا يقتضي كون الرسول منكرا له ، لأن قوله إن كان الشيء إثباتا في نفسه فأنا أول المنكرين يقتضي إصراره على الكذب والجهل وذلك لا يليق بالرسول ، والثاني : أيضا باطل لأنهم سواء أثبتوا لله ولدا أو لم يثبتوه له فالرسول منكر لذلك الولد ، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكرا لذلك الولد فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثرا في كون الرسول منكرا للولد . الوجه الثاني : قالوا معناه : إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتدت أنفته فهو عبد وعابد ، وقرأ بعضهم ( عبدين ) .

حصہ V27/P197–V27/P198

واعلم أن السؤال المذكور قائم ههنا لأنه إن كان المراد : إن كان للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول الآنفين من الإقرار به ، فهذا يقتضي الإصرار على الجهل والكذب ، وإن كن المرد إن كان للرحمن ولد في زعمكم واعتقادكم فأنا أول الآنفين ، فهذا التعليق فاسد لأن هذه الأنفة حاصلة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل ، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن هذا التعليق جائزا . والوجه الثالث : قال بعضهم إن كلمة إن ههنا هي النفية والتقدير ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له . واعلم أن التزام هذه الوجوه البعيدة إنما يكون للضرورة ، وقد بينا أنه لا ضرورة ألبتة فلم يجز المصير إليها والله أعلم . ثم قال سبحانه وتعالى : { سبحان رب السماوات والارض رب العرش عما يصفون } والمعنى أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، وكل ما كان كذلك فهو فرد مطلق لا يقبل التجزأ بوجه من الوجوه ، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء من أجزائه فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله ، وهذا إنما يعقل فيما تكون ذاته قابلة للتجزىء والتبعيض ، وإذا كان ذلك محالا في حق إله العالم امتنع إثبات الولد له ، ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال : { فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون } والمقصود منه التهديد ، يعني قد ذكرت الحجة القاطعة على فساد ما ذكروا وهم لم يلتفتوا إليها لأجل كونهم مستغرقين في طلب المال والجاه والرياسة فاتركهم في ذلك الباطل واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الذي وعدوا فيه بما وعدوا ، والمقصود منه التهديد . ثم قال تعالى : { وهو الذى فى السماء إلاه وفى الارض إلاه } وفي أبحاث : البحث الأول : قال أبو علي نظرت فيما يرتفع به إله فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير وهو الذي في السماء هو إله . والبحث الثاني : هذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر في المساء ، لأنه تعالى بين بهذه الآية أن نسبته إلى السماء بالإلهية كنسبته إلى الأرض ، فلما كان إلها للأرض مع أنه غير مستقر فيها فكذلك يجب أن يكون إلها للسماء مع أنه لا يكون مستقرا فيها ، فإن قيل وأي تعلق لهذا الكلام بنفي الولد عن الله تعالى ؟ قلنا تعلقه به أنه تعالى خلق عيسى بمحض كن فيكون من غير واسطة النطفة والأب ، فكأنه قيل إن هذا القدر لا يوجب كون عيسى ولدا لله سبحانه ، لأن هذا المعنى حاصل في تخليق السموات والأرض وما بينهما من انتفاء حصول الولدية هناك . ثم قال تعالى : { وهو الحكيم العليم } وقد ذركنا في سورة الأنعام أن كون تعالى حكيما عليما ينافي حصول الولد له . ثم قال : { وتبارك الذى له ملك السماوات والارض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون } واعلم أن قوله تبارك إما أن يكون مشتقا من الثبات والبقاء / وإما أن يكون مشتقا من كثرة الخير ، وعلى التقديرين فكل واحد من هذين الوجهين ينافي كون عيسى عليه السلام ولدا لله تعالى ، لأنه إن كان المراد منه الثبات والبقاء فعيس عليه السلام لم يكن واجب البقاء والدوام ، لأنه حدث بعد أن لم يكن ، ثم عند النصارى أنه قتل ومات ومن كان كذلك لم يكن بينه وبين الباقي الدائم الأزلي مجانسة ومشابهة ، فامتنع كونه ولدا له ، وإن كان المراد بالبركة كثرة الخيرات مثل كونه خالقا للسموات والأرض وما بينهما فعيسى لم يكن كذلك بل كان محتاجا إلى الطعام وعند النصارى أنه كان خائفا من اليهود وبالآخرة أخذوه وقتلوه ، فالذي هذا صفته كيف يكون ولد لمن كان خالقا للسموات والأرض وما بينهماا

حصہ V27/P198–V27/P199

وأما قوله { وعنده علم الساعة } فالمقصود منه أنه لما شرح كمال قدرته فكذلك شرح كمال علمه ، والمقصود التنبيه على أن من كان كاملا في الذات والعلم والقدرة على الحد الذي شرحناه امتنع أن يكون ولده في العجز وعدم الوقوف على أحوال العالم بالحد الذي وصفه النصارى . ولما أطنب الله تعالى في نفي الولد أردفه ببيان نفي الشركاء فقال : { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم } ذكر المفسرون في هذه الآية قولين أحدهما : أن الذين يدعون من دونه الملائكة وعيسى وعزيز ، والمعنى أن الملائكة وعيس وعزيزا لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق ، روي أن النصر بن الحرث ونفرا معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد ، فأنزل الله هذه الآية يقول لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد ثم استثنى فقال : { الشفاعة إلا من شهد بالحق } والمعنى على هذا القول هؤلاء لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق ، فأضمر اللام أو يقال التقدير إلا شفاعة من شهد بلحق فحذف المضاف ، وهذ على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام ، فيقول شفعت فلانا بمعنى شفعت له كما تقول كلمته وكلمت له ونصحته ونصحت له والقول الثاني : ى ن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله ، وقوله { إلا من شهد بالحق } الملائكة وعيسى وعزيز ، والمعنى أن الأشياء التي عبدها الكفار لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق ، وهم الملائكة وعيسى وعزيز فإن لهم شفاعة عند الله ومنزلة ، ومعنى من شهد بالحق من شهد أنه لا إله إلا الله . ثم قال تعالى : { وهم يعلمون } وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط لا تفيد ألبتة ، واحتج القائلون بأن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة ، فقالوا بين الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا حصل معها العلم والعلم عبارة عن اليقين الذي لو شكك صاحبه فيه لم يتشكك ، وهذا لم يحصل إلا عند الدليل ، فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة . ثم قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن القوم مضطرون إلى الاعتراف بوجود الإله للعالم ، قال الجبائي وهذا لا يصح لأن قوم فرعون قالوا لا إله لهم غيره ، وقوم إبراهيم قالوا { وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه } ( إبراهيم : 9 ) فيقال لهم لا نسلم أن قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله ، والدليل على قولنا قوله تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما } ( النمل : 14 ) وقال موسى لفرعون { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والارض بصائر } ( الإسراء : 102 ) فالقراءة بفتح التاء في علمت تدل على أن فرعون كان عارفا بالله ، وأما قوم إبراهيم حيث قالوا { وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه } فهو مصروف إلى إثبات القيامة وإثبات التكاليف وإثبات النبوة . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى ذكر هذا الكلام في أول هذه السورة وفي آخرها ، والمقصود التنبيه على أنهم لما اعتقدوا أن خالق العالم وخالق الحيوانات هو الله تعالى فكيف أقدموا مع هذا الإعتقاد على عبادة أجسام خسيسة وأصنام خبيثة لا تضر ولا تنفع ، بل هي جمادات محضة .

حصہ V27/P199–V27/P200

وأما قوله { فأنى تؤفكون } معناه لم تكذبون على الله فتقولون إن الله أمرنا بعبادة الأصنام ، وقد احتج بعض أصحابنا به على أن إفكهم ليس منهم بل من غيرهم بقوله { فأنى تؤفكون } وأجاب القاضي بأن من يضل في فهم الكلام أو في الطريق يقال له أين يذهب بك ، والمراد أين تذهب ، وأجاب الأصحاب بأن قول القائل أين يذهب بك ظاهره يدل على أن ذاهبا آخر ذهب به ، فصرف الكلام عن حقيقته خلاف الأصل الظاهر ، وأيضا فإن الذي ذهب به هو الذي خلق تلك الداعية في قلبه ، وقد ثبت بالبرهان الباهر أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى . ثم قال تعالى : { وقيله يارب رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } وفيه مباحث : الأول : قرأ الأكثرون { وقيله } بفتح اللام وقرأ عاصم وحمزة بكسر اللام ، قال الواحدي وقرأ أناس من غير السبعة بالرفع ، أما الذين قرؤا بالنصب فذكر الإخفش والفراء فيه قولين أحدهما : أنه نصب على المصدر بتقدير وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فانتصب قيله بإضمار قال والثاني : أنه عطف على ما تقدم من قوله { أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله } ( الزخرف : 80 ) وذكر الزجاج فيه وجها ثالثا : فقال إنه نصب على موضع الساعة لأن قوله { وعنده علم الساعة } معناه أنه علم الساعة ، والتقدير علم الساعة ، وقيله ، ونظيره قولك عجبت من ضرب زيد وعمرا ، وأما القراءة يبالجر فقال الأخفش والفراء والزجاج إنه معطوف على الساعة ، أي عنده علم الساعة ، وعلم قيله يا رب ، قال المبرد العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه لأنه يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور يجوز ذلك فيه على قبح ، وأما القراءة بالرفع ففيها وجهان الأول : أن يكون { وقيله } مبتدأ وخبره ما بعده والثاني : أن يكون معطوفا على علم الساعة على تقدير حذف المضاف معناه وعنده علم الساعة وعلم قيله ، قال صاحب ( الكشاف ) : هذه الوجوه ليست قوية في المعنى لا سيما وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ، ثم ذكر وجها آخر وزعم أنه أقوى مما سبق ، وهو أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن الله وأمانة الله ويمين الله ، يكون قوله { إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } جواب القسم كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب أو وقيله يا رب قسمي ، وأقوله هذا الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) متكلف أيضا وههنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو إضمار اذكر ، والتقدير واذكر قيله يا رب ، وأما القراءة بالجر ، فالتقدير واذكر وقت قيله يا رب ، وإذا وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئا جرت العادة في القرآن بالتزام إضمار أولى من غيره ، وعن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله { وقيله يارب رب } المراد وقيل يا رب والهاء زيادة . البحث الثاني : القيل مصدر كالقول ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن قيل وقال ) قال الليث تقول العرب كثر فيه القيل والقال ، وروى شمر عن أبي زيد يقال ما أحسن قيلك وقولك وقالك ومقالتك خمسة أوجه . البحث الثالث : الضمير في قيله لرسول الله صلى الله عليه وسلم . البحث الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال : { رب إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ( نوح : 21 ) .

حصہ V27/P200–V27/P202

ثم إنه تعالى قال له : { فاصفح عنهم } فأمره بأن يصفح عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب ، والصفح هو الإعراض . ثم قال : { وقل سلام } قال سيبويه إنما معناه المتاركة ، ونظيره قول إبراهيم لأبيه { سلام عليك سأستغفر لك ربي } ( مريم : 47 ) وكقوله { سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين } ( القصص : 55 ) . قوله { فسوف تعلمون } والمقصود منه التهديد . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون . المسألة الثانية : احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر ، وأقول إن صظح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على نجرد قوله سلام وأن يقال للمؤمن سلام عليكم . والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر . المسألة الثالثة : قال ابن عباس قوله تعالى : { فاصفح عنهم وقل سلام } منسوخ بآية السيف ، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل ، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ ، وأيضا فمثله يمين الفور مشهورة عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف ، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ والله أعلم بالصواب . < > 1 ( سورة الدخان ) 1 < > خمسون وتسع آيات مكية إلا قوله { إنا كاشفوا العذاب } بسم الله الرحمن الرحيم ! 7 < { حم والكتاب المبين إنآ أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنآ إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم رب السماوات والا رض وما بينهمآ إن كنتم موقنين لا إلاه إلا هو يحى ويميت ربكم ورب ءابآئكم الا ولين بل هم فى شك يلعبون } . > 7 ! < < الدخان : ( 1 ) حم > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله { حم والكتاب المبين } وجوه من الاحتمالات أولها : أن يكون التقدير : هذه حام والكتاب المبين كقولك هذا زيد والله وثانيها : أن يكون الكلام قد تم عند قوله { حم } ثم يقال { والكتاب المبين إنا أنزلناه } ، وثالثها : أن يكون التقدير : وحام ، والكتاب المبين ، إنا أنزلناه ، فيكون ذلك في التقدير قسمين على شيء واحد . المسألة الثانية : قالوا هذا يدل على حدوث القرآن لوجوه الأول : أن قوله { حم } تقديره : هذه حام ، يعني هذاشيء مؤلف من هذه الحروف ، والمؤلفد من الحروف المتعاقبة محدث الثاني : أنه ثبت أن الحلف لا يصح بهذه الأشياء بل بإلاه هذه الأشياء فيكون التقدير ورب حام ورب الكتاب المبين ، وكل من كان مربوبا فهو محدث الثالث : أنه وصفه بكونه كتابا والكتاب مشتق من الجمع فمعناه أنه مجموع والمجموع محل تصرف الغير ، وما كان كذلك فهو محدث الرابع : قوله { إنا أنزلناه } والمنزل محل تصرف الغير ، وما كان كذلك فهو محدث ، وقد ذكرنا مرارا أن جميع هذه الدلائل تدل على أن الشيء المركب من الحروف المتعاقبة والأصوات المتوالية محدث ، والعلم بذلك ضروري بديهي ، لا ينازع فيه إلا من كان عديم العقل وكان غير عارف بمعنى القديم والمحدث ، وإذا كان كذلك فكيف ينازع في صحة هذه الدلائل ، إنما الذي ثبت قدمه شيء آخر سوى ما تركب من هذه الحروف والأصوات .

حصہ V27/P202

المسألة الثالثة : يجوز أن يكون المراد بالكتاب ههنا الكتب المتقدمة التي أنزلها الله على أنبيائه ، كما قال تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } ( الحديد : 25 ) ويجوز أن يكون المراد اللوح المحفوظ ، كما قال : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ( الرعد : 39 ) وقال : { وإنه فى أم الكتاب لدينا } ( الزخرف : 4 ) ويجوز أن يكون المراد به القرآن ، وبهذا التقدير فقد أقسم بالقرآن على أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة ، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن ، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم رجل له حاجة إليه : أستشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك . المسألة الرابعة : { المبين } هو المشتمل على بيان ما بالناس حاجة إليه في دينهم ودنياهم ، فوصفه بكونه مبينا ، وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى ، لأجل أن الإبانة حصلت به ، كما قال تعالى : { وأن هاذا إن هاذا القرءان يقص على } ( النمل : 76 ) وقال في آية أخرى { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) وقال : { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } ( الروم : 35 ) فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة ، فكأنه ذو لسان ينطق ، والمعنى فيه المبالغة في وصفه بهذا المعنى .

حصہ V27/P202–V27/P203

المسألة الخامسة : اختلفوا في هذه الليلة المباركة ، فقال الأكثرون : إنها ليلة القدر / وقال عكرمة وطائفة آخرون : إنها ليلة البراءة ، وهي ليلة النصف من شعبان أما الأولون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه أولها : أنه تعالى قال : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وهاهنا قال : { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هي تلك المسماة بليلة القدر ، لئلا يلزم التناقض وثانيها : أنه تعالى قال : { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن } ( البقرة : 185 ) فبين أن إنزال القرآن إنما وقع في شهر رمضان ، وقال هاهنا { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } فوجب بأن تكون هذه الليلة واقعة في شهر رمضان ، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة واقعة في شهر رمضان ، قال إنها ليلة القدر ، فثبت أنها ليلة القدر وثالثها : أنه تعالى قال في صفة ليلة القدر { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هى } ( القدر : 4 ، 5 ) وقال أيضا ههنا { فيها يفرق كل أمر حكيم } وهذا مناسب لقوله { تنزل الملائكة والروح فيها } وههنا قال : { أمرا من عندنا } وقال في تلك الآية { بإذن ربهم من كل أمر } وقال ههنا { رحمة من ربك } وقال في تلك الآية { سلام هى } وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى ورابعها : نقل محمد بن جرير الطبري في ( تفسيره ) : عن قتادة أنه قال : نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، والتوراة لست ليال منه ، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه ، والإنجيل لثمان عشرة ليلة مضت منه ، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان ، والليلة المباركة هي ليلة القدر وخامسها : أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم ، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم ، ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب ذلك الزمان ، لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات ، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته ، فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة ، ومعلوم أن منصب الدين أعلى وأعظم من منصب الدينا ، وأعلى الأشياء وأشرفها منصبا في الدين هو القرآن ، لأجل أن به ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل في سائر كتب الله المنزلة ، كما قال في صفته { ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ، ودركات أرباب الشقاوات ، فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم قدرا وأعلى ذكرا وأعظم منصبا منه فلو كان نزوله إنما وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر ، لكانت ليلة القدر هي هذه الثانية لا الأولى ، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر التي وقعت في رمضان ، علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة ، وأما القائلون بأن المراد من الليلة المباركة المذكورة في هذه الآية ، هي ليلة النصف من شعبان ، فما رأيت لهم فيه دليلا يعول عليه ، وإنما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض الناس ، فإن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كلام فلا مزيد عليه ، وإلا فالحق هو الأول ، ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول زعموا أن ليلة النصف من شعبان لها أربعة أسماء : الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصك ، وليلة الرحمة ، وقيل إنما سميت بليلة البراءة ، وليلة الصك ، لأن البندار إذا استوفى الخلاج من أهله كتب لهم البراءة ، كذلك الله عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة ، وقيل هذه الليلة مختصة بخمس خصال الأول : تفريق كل أمر حكيم فيها ، قال تعالى : { فيها يفرق كل أمر حكيم } والثانية : فضيلة العبادة فيها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة ، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار ، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا ، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان ) ، الخصلة الثالثة : نزول الرحمة ، قال عليه السلام : ( إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب ) والخصلة الرابعة : حصول المغفرة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة ، إلا لكاهن ، أو مشاحن ، أو مدمن خمر ، أو عاق للوالدين ، أو مصر على الزنا ) والخصلة الخامسة : أنه تعالى أعطى رسوله في هذه الليلة تمام الشفاعة ، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ، ثم سأل ليلة الرابع عشر ، فأعطي الثلثين ، ثم سأل ليلة الخامس عشر ، فأعطي الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير ، هذا الفصل نقلته من ( الكشاف ) ، فإن قيل لا شك أن الزمان عبارة عن المدة الممتدة التي تقديرها حركات الأفلاك والكواكب ، وأنه في ذاته أمر متشابه الأجزاء فيمتنع كون بعضها أفضل من بعض ، والمكان عبارة عن الفضاء الممتد والخلاء الخالي فيمتنع كون بعض أجزائه أشرف من البعض ، وإذا كان كذلك كان تخصيص بعض أجزائه بمزيد الشرف دون الباقي ترجيحا لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وإنه محال ، قلنا القول بإثبات حدوث العالم وإثبات أن فاعله فاعل مختار بناء على هذا الحرف وهو أنه لا يبعد من الفاعل المختار تخصيص وقت معين بإحداث العالم فيه دون ما قبله وما بعده ، فإن بطل هذا الأصل فقد بطل حدوث العالم وبطل الفاعل المختار وحينئذ لا يكون الخوض في تفسير القرآن فائدة ، وإن صح هذا الأصل فقد زال ما ذكرتم من السؤال ، فهذا هو الجواب لالمعتمد ، والناس قالوا لا يبعد ( أن يخص الله تعالى بعض الأوقات بمزيد تشريف حتى يصير ذلك داعيا للمكلف إلى الإقدام على الطاعات في ذلك الوقت ، ولهذا السبب بين أنه تعالى أخفاه في الأوقات وماعيته لأنه لم يكن معينا جوز المكلف في كل وقت معين أن يكون هو ذلك الوقت الشريف فيصير ذلك حاملا له على المواظبة على الطاعات في كل الأوقات ، وإذا وقعت على هذا الحرف ظهر عندك أن الزمان والمكان إنما فازا بالتشريفات الزائدة تبعا لشرف الإنسان فهو الأصل وكل ما سواه فهو تبع له والله أعلم .

حصہ V27/P203–V27/P205

المسألة السادسة : روي أن عطية الحروري سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وقوله { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع هذا في نفسك ولم تجد جوابه هلكت ، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور ، وهو في السماء الدنيا ، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالا فحالا . والله أعلم . المسألة السابعة : في بيان نظم هذه الآيات ، اعلم أن المقصود منها تعظيم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها : بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته الثاني : بيان تعظيمه بسبب شرف الوقت الذي نزل فيه الثالث : بيان تعظيمه بحسب شرف منزلته ، أما بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة أوجه أحدها : أنه تعالى أقسم به وذلك يدل على شرفه وثانيها : أنه تعالى أقسم به على كونه نازلا في ليلة مباركة ، وقد ذكرنا أن القسم بالشيء على حالة من أحوال نفسه يدل على كونه في غاية الشرف وثالثها : أنه تعالى وصفه بكونه مبينا وذلك يدل أيضا على شرفه في ذاته . وأما النوع الثاني : وهو بيان شرفه لأجل شرف الوقت الذي أنزل فيه فهو قوله { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } وهذا تنبيه على أن نزوله في ليلة مباركة يقتضي شرفه وجلالته / ثم نقول إن قوله { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } يقتضي أمرين : أحدها : أنه تعالى أنزله والثاني : كون تلك الليلة مباركة فذكر تعالى عقيب هذه الكلمة ما يجرى مجرى البيان لكل واحد منهما ، أما بيان أنه تعالى لم أنزله فهو قوله { إنا كنا منذرين } يعني الحكمة في إنزال هذه السورة أن إنذار الخلق لا يتم إلا به ، وأما بيان أن هذه الليلة ليلة مباركة فهو أمران : أحدهما : أنه تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم ، والثاني : أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصا بشرف أنه إنما يطهر من عنده ، وإليه الإشارة بقوله { أمرا من عندنا } . وأما النوع الثالث : فهو بيان شرف القرآن لشرف منزله وذلك هو قوله { إنا كنا مرسلين } فبين أن ذلك الإنذار والإرسال إنما حصل من الله تعالى ، ثم بين أن ذلك الإرسال إنما كان لأجل تكميل الرحمة وهو قوله { رحمة من ربك } وكان الواجب أن يقال رحمة منا إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين ، ثم بين أن تلك الرحمة وقعت على وفق حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم ، ويعلم أنواع حاجاتهم ، فلهذا قال : { إنه هو السميع العليم } فهذا ما خطر بالبال في كيفية تعلق بعض هذه الآيات ببعض . المسألة الثامنة : في تفسير مفردات هذه الألفاظ ، أما قوله تعالى : { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } فقد قيل فيه إنه تعالى أنزل كلية القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في هذه الليلة ، ثم أنزل في كل وقت ما يحتاج إليه المكلف ، وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ، ونسخة الحروب إلى جبرائيل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدينا وهو ملك عظيم ، ونسخة المصائب إلى ملك الموت .

حصہ V27/P205–V27/P206

أما قوله تعالى : { فيها يفرق } أي في تلك الليلة المباركة يفرق أي يفصل ويبين من قوله فرقت الشيء أفرقه فرقا وفرقانا ، قال صاحب ( الشكاف ) وقرىء يفرق بالتشديد ويفرق على إسناد الفعل إلى الفاعل ونصل كل والفارق هو الله عز وجل ، وقرأ زيد بن علي نفرق بالنون . أما قوله { كل أمر حكيم } فالحكيم معناه ذو الحكمة ، وذلك لأن تخصيص الله تعالى كل أحد بحالة معينة من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة لله تعالى ، فما كانت تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة فاعلها وصفت بكونها حكيمة ، وهذا من الإسناد بالمجازي ، لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز ، ثم قال : { أمرا من عندنا } وفي انتصاب قوله { أمرا } وجهان : الأول : أنه نصب على الاختصاص ، وذلك أنه تعالى بين شرف تلك الأقضية والأحكام بسبب أن وصفها بكونها حكيمة ، ثم زاد في بين شرفها بأن قال أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا كائنا من لدنا ، وكما اقتضه علمنا وتدبيرنا والثاني : أنه نصب على الحال وفيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون حال من أحد الضميرين في { أنزلناه } ، إما من ضمير الفاعل أي : إنا أنزلناه آمرين أمرا أو من ضمير المفعول أي : إنا أنزلناه في حال كونه أمرا من عندنا بما يجب أن يفعل والثالث : ما حكاه أبوعلي الفارسي عن أبي الحسن زحمهما الله أنه حمل قوله { أمرا } على الحال وذو الحال قوله { كل أمر حكيم } وهو نكرا . ثم قال : { إنا كنا مرسلين } يعني أنا إنما فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا كنا مرسلين يعني الأنبياء . ثم قال : { رحمة من ربك } أي للرحمة فهي نصب على أن يكون مفعولا له . ثم قال : { إنه هو السميع العليم } يعني أن تلك الرحمة كانت رحمة في الحقيقة لأن المحتاجين ، إما أن يذكروا بألسنتهم حاجاتهم ، وإما أن لا يذكروها فهو تعالى يسمع كلامهم فيعرف حاجاتهم ، وإن لم يذكروها فهي تعالى عالم بها فثبت أن كونه سمعيعا عليما يقتضي أن ينزل رحمته عليهم . ثم قال : { رب السماوات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين } وفيه مسائل : المسألة لأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الباء من رب عطفا على قوله { رحمة من ربك } والباقون بالرفع عطفا على قوله { هو السميع العليم } . المسألة الثانية : المقصود من هذه الآية أن المنزل إذا كان موصوفا بهذه الجلالة والكبرياء كان المنزل الذي هو القرآن في غاية الشرف والرفعة . المسألة الثالثة : الفائدة في قوله { إن كنتم موقنين } من وجوه الأول : قال أبو مسلم معناه إن كنتم تطلبون اليقين وتريدونه ، فاعرفوا أن الأمر كما قلنا ، كقولهم فلان منجد منهم أي يريد نجدا وتهامة والثاني : قال صاحب ( الكشاف ) كانوا يقرون بأن للسموت والأرض ربا وخالقا فقيل لهم إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب سبحانه وتعالى ، ثم قيل إن هذا هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به ومعترفون يأنه رب السموات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم ويقين ، كما تقول هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وسمعت قصته ، ثم إنه تعالى رد أن يكونوا موقنين بقوله { بل هم فى شك يلعبون } وأن إقرارهم غير صادر عن علم ويقين ولا عن جد وحقيقة بل قول مخلوط بهزء ولعب والله أعلم .

حصہ V27/P206–V27/P207

! 7 < { فارتقب يوم تأتى السمآء بدخان مبين يغشى الناس هاذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جآءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عآئدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } > 7 < الدخان : ( 10 - 16 ) فارتقب يوم تأتي . . . . . > > اعلم أن المراد بقوله { فارتقب } انتظر ويقال ذلك في المكروه ، والمعنى انتظر يا محمد عذابهم فحذف مفعول الارتقاب لدلالة ما ذكر بعده عليه وهو قوله { هاذا عذب أليم } ويجوز أيضا أن يكون { يوم تأتى السماء } مفعول الارتقاب وقوله { بدخان } فيه قولان : الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قومه بمكة لما كذبوه فقال : ( اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف ) فارتفع المطر وأجدبت الأرض وأصابت قريشا شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف ، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الرويات ومقاتل مجاهد واختيار الفراء والمزجاج وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه وكان ينكر أن يكنن الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخانا ، فالحاصل أن هذا الدخان هو الصلمة التي في أبصارهم من شدة الجوع ، وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان بهذه الحالة وجيهن الأول : أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر ويرتفع المطر ويرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء ، وذلك يشبه الدخان ولهذا يقال لسنة المجاعة الغبراء الثاني : أن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان فيقول كان بيننا أمر ارتفع له دخان ، والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه فيرى الدنيا كالمملوءة من الدخان . والقول الثاني : في الدخان أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات القيامة ، قالو فإذا حصلت هذه الحالة حصل لأهل الإيمان منه حالة تشبه الزكام ، وحصل لأهل الكفر حالة يصير لأجلها رأسه كرأس الحنيذ ، وهذا القول هو المنقول عن علي بن أبي طلب عليه السلام وهو قول مشهور لابن عباس واحتج القائلون بهذا القول بوجوه الأول : أن قوله { يوم تأتى السماء بدخان } يقتضي وجود دخان تأتي به السماء وما ذكرتموه من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع فذاك ليس بدخان أتت به السماء فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه عدولا عن الظاهر لا لدليل منفصل ، وإنه لا يجوز الثاني : أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبينا ، والحالة التي ذكرتموها ليست كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس في أدمغتهم ، ومثل هذا لا يوصف بكونها دخانا مبينا والثالث : أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشي الناس ، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم والحال التي ذكرتموها لا توصف بأنها تغشي الناس إلا على سبيل المجاز وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل الرابع : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم عليهما السلام ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر ، قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان فتلا رسلو الله صلى الله عليه وسلم الآية وقال دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة ، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة ، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره ) رواه صاحب ( الشكاف ) وروى القاضي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( باكروا بالأعمال ستا ، وذلك منه طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة ) أما القائلون بالقول الأول ، فلا شك أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز ، وذلك لا يجوز إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع والقوم لم يذكروا ذلك الدليل فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلا جدا ، فإن قالوا الدليل على أن المراد ما ذكرناه ، أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } وهذ إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام فإنه نقل أن القحط لما اشتد بمكة مشى إليه أبو سيفان وناشده بالله والرحم وأوعده أنه إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به ، فلما أزال الله تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم ، أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك ، لأن عند صهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } ولم يصح أيضا أن يقال لهم { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } والجواب : لم لا يجوز أن يكون ظهور هذه العلامة جاريا مجرى ظهور سائر علامات القيامة في أنه لا يوجب انقطاع التكليف فتحدث هذه الحالة ، ثم إن الناس يخافون جدا فيتضرعون ، فإاذ زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق ، وإذ كان هذا محتملا فقد سقط ما قالوه والله اعلم .

حصہ V27/P207–V27/P208

ولنرجع إلى التفسير فنقول قوله تعالى : { يوم تأتى السماء بدخان مبين } أي ظاهر الحال لا يشك أحد في أنه دخان يغشي الناس أي يشملهم وهو في محل الجر صفة لقوله { بدخان } وفي قوله { وهاذا عذاب أليم } قولان الأول : أنه منصوب لمحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب على الحال أي قائلين ذلك الثاني : قال الجرجاني صاحب ( النظم ) هذا إشارة إليه وإخبار عن دنوه واقترابه كما يقال هذا العدو فاستقبله والغرض منه التنبيه على القرب . ثم قال : { ربنا اكشف عنا العذاب } فإن قلنا التقدير : يقولون هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب فالمعنى ظاهر وإن لم يضمر القول هناك أضمرناه ههنا والعذاب على القول الأول هو القحط الشديد ، وعلى القول الثاني الدخان المهلك { إنا مؤمنون } أي بمحمد وبالقرآن ، والمراد منه الوعيد بالإيمان إن كشف عنهم العذاب . ثم قال تعالى : { أنى لهم الذكرى } يعني كيف يتذكرون وكيف يتعظون بهذه الحالة وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو ما ظهر على رسول الله من لمعجزات القاهرة والبينات الباهرة { ثم تولوا عنه } ولم يلتفتوا إليه { وقالوا معلم مجنون } وذلك لأن كفار مكة كان لهم في ظهور القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام قولان منهم من كان يقول إن محمدا يتعلم هذه الكلمات من بعض الناس لقوله { إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى } ( النحل : 103 ) وكقوله تعالى : { وقال الذين كفروا إن } ( الفرقان : 4 ) ومنهم من كان يقول إنه مجنون والجن يلقون عليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي . ثم قال تعالى : { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } أي كما يكشف العذاب عنكم تعودون في الاحال إلى ما كنتم عليه من الشرك ، والمقصود التنبيه على أنهم لا يوفون بعهدهم وأنهم في حال العجز يتضرعون إلى الله تعالى ، فإذا زال الخوف عادوا إلى الكفر والتقليد لمذاهب الأسلاف . ثم قال تعالى : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء نبطش بضم الطاء / وقرأ الحسن نبطش بضم النون كأنه تعالى يأمر الملائكة بأن يبطشوا بهم والبطش الأخذ بشدة ، وأكثر ما يكون بوقع الضرب المتابع ثم صار بحيث يستعمل في إيصال الآلام المتتابعة ، وفي المراد بهذا اليوم قولان : القول الأول : أنه يوم بدر وهو قول ابن سمعود وابن عباس ومجاهد ومقاتل وأبي لعالية رضي الله تعلى عنهم ، قالوا إن كفار مكة لما أزال الله تعالى عنهم القحط والجوع عادوا إلى لتكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر . والقول الثاني : أنه يوم القيامة روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : قال ابن معسود : البطشة الكبرى يوم بدر ، وأنا أقول هي يوم القيامة ، وهذا لقول أصح لأن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا الوصف العظيم ، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة لقوله تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غفر : 17 ) ولأن هذه البطشة لما وصفت بكونها كبرى على الإطلاق وجب أن تكون أعظم أنواع البطش وذلك ليس إلا في القيامة ولفظ الانتقام في حق الله تعالى من المتشابهات كالغضب والحياء ولتعجب ، والمعنى معلوم والله أعلم .

حصہ V27/P208–V27/P209

! 7 < { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجآءهم رسول كريم أن أدوا إلى عباد الله إنى لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إنىءاتيكم بسلطان مبين وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون فدعا ربه أن هاؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادى ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما ءاخرين فما بكت عليهم السمآء والا رض وما كانوا منظرين } > 7 < الدخان : ( 17 ) ولقد فتنا قبلهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن كفار مكة مصرون على كفرهم ، بين أن كثيرا من المتقدمين أيضا كانوا كذلك ، فبين حصول هذه الصفة في أكثر قوم فرعون ، قال صاحب ( الكشاف ) قرىء ، { ولقد فتنا } بالتشديد للتأكيد قال ابن عباس ابتلينا ، وقال لازجاج بلونا ، والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم { وجاءهم رسول كريم } وهو موسى واختلفوا في معنى الكريم ههنا فقال الكلبي كريم على ربه يعني أنه استحق على ربه أنواعا كثيرة من الإكرام ، وقال مقاتل حسن الخلق وقال الفراء يقل فلان كريم قومه لأنه قال ما بعث رسول ألا من أشراف قومه وكرامهم . ثم قال : { أن أدوا إلى عبدا الله } وفي أن قولان الأول : أنها أن المفسرة وذلك لأن مجيء الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله الثاني : أنها المخففة من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدواء ، وعبدا الله مفعول به وهم بنو إسرائيل يقول أدوهم إلى وأرسلوهم معي وهو كقوله { فأرسل معنا بنى إسراءيل ولا تعذبهم } ( طه : 47 ) ويجوز أيضا أن يكون نداء لهم والتقدير : أدوا إلى عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان ، وقبول دعوتي ، وأتباع سبيلي ، وعلل ذلك بأنه { رسول أمين } قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته وأن لا تعلوا أن هذه مثل الأول في وجيهيها أي لا تتكبروا على الله بإهانة وحيه ورسلوه { وأن لا تعلوا على } بحجة بينة يعترف بصحتها كل عاقل { وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون } قيل المراد أن تقتلون وقيل { أن ترجمون } بالقول فتقولوا ساحر كذاب { وإن لم تؤمنوا لى } أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل ما أتيتكم به من الحجة ، فاللام في لي لام الأجل { فاعتزلون } أي اخلوا سبيلي لا لي ولا علي . قل مصنف الكتاب رحمه الله تعالى : إن المعتزلة يتصلفون ويقولون إن لفظ الاعتزال أينما جاء في القرآن كان المراد منه الاعتزال عن الباطل لا عن الحق ، فاتقف حضوري في بعض المحافل ، وذكر بعضهم هذا الكلام فأوردت عليه هذه الآية ، وقلت المراد الاعتزال في هذه الآية الاعتزال عن دين موسى عليه السلام وطريقته وذلك لا شك أنه اعتزال عن الحق فانقطع الرجل . ثم قال تعالى : { فدعا ربه } الفاء في فدع تدل على أنه متصل بمحذوف قبله التأويل أنهم كفروا ولم يؤمنوا فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون ، فإن قالوا الكفر أعظم حال من الجرم ، فما السبب في أن جعل صفة الكفار كونهم مجرمين حل ما أراد المبالغة في ذمهم ؟ قلت لأن الكافر قد يكون عدلا في دينه وقد يكون مجرما في دينه وقد يكون فاسقا في دينه فيكون أخس الناس / قال صاحب ( الكشاف ) قرىء ( إن هؤلاء ) بالكسر على إضمار القول أي فدعا ربه فقال : إن هؤلاء قوم مجرمون .

حصہ V27/P209–V27/P211

ثم قال : { فأسر بعبادى ليلا } قرأ بن كثير ونافع { فأسر } موصولة بالألف والباقون مقطوعة لألف سرى وأسرى لغتان أي أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ، أي يتبعكم فرعون وقومه ذلك سببا لهلاكهم { واترك البحر رهوا } وفي الرهو قولان أحدهما : أنه الساكن يقال عيش راه إذا كان خافضا وادعا ، وافعل ذلك سهوا رهوا أي ساكنا بغير تشدد ، أراد موسى عليه السلام لما جاوز لبحر أن يضربه بعصاه فينطبق كما كان فأمره الله تعالى بأن يرتكه ساكنا على هيئته قارا على حاله في انفلاق الماء وبقاء الطريق يبسا حتى تدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم والثاني : أن لرهو هو الفرجة الواسعة ، والمعنى ذا رهو أي ذا فرجة يعني الطريق الذي أظهره الله فيما بين لبحر أنهم جند مفرقون ، يعني اترك الطريق كما كان يدخلوا فيغرقوا ، وإنما أخبره الله تعالى بذلك حتى يبقى فارغ القلب عن شرهم وإيذائهم . ثم قال تعالى : { كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم } دلت هذه الآية على أنه تعالى أغرقهم ، ثم قال بعد غرقهم هذا الكلام ، وبين تعالى أنهم تركوا هذه لأشياء الخمسة ، وهي الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم والمراد بالمقام الكريم ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة ، وقيل المنابر التي كانوا يمدحون فرعون عليها { ونعمة كانوا فيها فاكهين } قال علماء اللغة نعمة العيش ، بفتح النون حسنه ونضارته ، ونعمة الله إحسانه وعطاؤه ، قال صاحب ( الكشاف ) النعمة بالفتح من لتنعم وبالكسر من االإنعام ، وقرىء فاكهين وفكهين كذلك الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وأورثناها أو في موضع الرفع على تقدير أن الأمر { كذلك وأورثناها قوما ءاخرين } ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء ، وهم بنو إسرائيل كانوا مستعبدين في أيديهم فأهلكهم الله على أيديهم وأورثهم ملكهم وديارهم . ثم قال تعالى : { فما بكت عليهم السماء والارض } وفيه وجوه : الأول : قال الواحدي في ( البسيط ) روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله ، فإذا مات فقداه وبكيا عليه ) وتلا هذه الآية ، قال وذلك لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحا فتبكي عليهم ، ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فتبكي عليهم ، وهذا قول أكثر المفسرين . القول الثاني : التقدير : فم بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض ، فحذف المضاف والمعنى ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون ، بل كانوا بهلاكهم مسرورين . والقول الثالث : أن عادة النس جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأن : إنه أظلمت له الدنيا ، وكسفت الشمس والقمر لأجله وبكت الريح والسماء والأرض ، ويريدون المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكذب . ونقل صاحب ( الكشاف ) : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض ) . وقال جرير : الشمس طالعة ليس بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وفيه ما يشبه السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ، وكانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض ، فما كانوا في هذا الحد ، بل كانوا دون ذلك ، وهذا إنما يذكر على سبيل التهكم . ثم قال : { وما كانوا منظرين } أي لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك وتقصير .

حصہ V27/P211–V27/P212

! 7 < { ولقد نجينا بنىإسراءيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين وءاتيناهم من الا يات ما فيه بلؤ ا مبين إن هاؤلاء ليقولون إن هى إلا موتتنا الا ولى وما نحن بمنشرين فأتوا بأابآئنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السماوات والا رض وما بينهما لاعبين ما خلقناهمآ إلا بالحق ولاكن أكثرهم لا يعلمون } > 7 < الدخان : ( 30 - 39 ) ولقد نجينا بني . . . . . > > علم أنه تعالى لما بين كيفية إهلاك فرعون وقومه بين كيفية إحسانه إلى موسى وقومه . واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال : { ولقد نجينا بنى إسراءيل من العذاب المهين } يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة . ثم قال : { من فرعون } وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني : أن يكون فرعون بدلا من لعذاب المهين كأنه في نفسه كان عذابا مهينا لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم . قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء { من عذاب المهين } وعلى هذه القراءة ( فالمهين ) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين . وفي قراءة ابن عباس { من فرعون } وهو بمعنى الاستفهام وقوله { إنه كان عاليا من } جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته ؟ ثم عرف حاله بقوله { إنه كان عاليا من } أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين ، ويجوز أن يكون المراد { فرعون إنه كان عاليا } لقوله { إن فرعون علا فى الارض } ( القصص : 4 ) وكان أيضا مسرفا ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية ، ولما بين الله تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبين أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال : { ولقد اخترناهم على علم على العالمين } وفيه بحثان : البحث الأول : أن قوله { على علم } في موضع الحال ثم فيه وجهان أحدهما : أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني : أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال . البحث الثاني : ظاهر قوله { ولقد اخترناهم على علم على العالمين } يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم ، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ( آل عمران : 110 ) .

سوالات