Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : { ما أسخط الله } ولم يقل : ما أرضى الله وذلك لأن رحمة الله سابقة ، فله رحمة ثابتة وهي منشأ الرضوان ، وغضب الله متأخر فهو يكون على ذنب ، فقال : { رضوانه } لأنه وصف ثابت لله سابق ، ولم يقل سخط الله ، بل { ما أسخط الله } إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان ، ولهذا المعنى قال في اللعان في حق المرأة { والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } ( النور : 9 ) يقال : غضب الله مضافا لأن لعانه قد سبق مظهر الزنا بقوله وأيمانه ، وقبله لم يكن لله غضب ، و رضوان الله أمر يكون منه الفعل ، وغضب الله أمر يكون من فعله ، ولنضرب له مثالا : الكريم الذي رسخ الكرم في نفسه يحمله الكرم على الأفعال الحسنة ، فإذا كثر من السيء الإساءة فغضبه لا لأمر يعود إليه ، بل غضبه عليه يكون لإصلاح / حالة ، وزجرا لأمثاله عن مثل فعاله ، فيقال هو كان الكريم فكرمه لما فيه من الغريزة الحسنة ، لكن فلانا أغضبه وظهر منه الغضب ، فيجعل الغضب ظاهرا من الفعل ، والفعل الحسن ظاهرا من الكرم ، فالغضب في الكريم بعد فعل ، والفعل منه بعد كرم ، ومن هذا يعرف لطف قوله { ما أسخط الله وكرهوا رضوانه } . ثم قال تعالى : { فأحبط أعمالهم } حيث لم يطلبوا إرضاء الله ، وإنما طلبوا إرضاء الشيطان والأصنام . ! 7 < { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } . > 7 ! قوله تعالى : { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } . < < محمد : ( 29 ) أم حسب الذين . . . . . > > هذا إشارة إلى المنافقين و { أم } تستدعي جملة أخرى استفهامية إذا كانت للاستفهام ، لأن كلمة { أم } إذا كانت متصلة استفهامية تستدعي سبق جملة أخرى استفهامية ، يقال أزيد في الدار أم عمرو ، وإذا كانت منقطعة لا تستدعي ذلك ، يقال إن هذا لزيد أم عمرو ، وكما يقال بل عمرو ، والمفسرون على أنها منقطعة ، ويحتمل أن يقال إنها استفهامية ، والسابق مفهوم من قوله تعالى : { والله يعلم إسرارهم } فكأنه تعالى قال : أحسب الذين كفروا أن لن يعلم الله إسرارهم أم حسب المنافقون أن لن يظهرها والكل قاصر ، وإنما يعلمها ويظهرها ، ويؤيد هذا أن المتقطعة لا تكاد تقع في صدر الكلام فلا يقال ابتداء ، بل جاء زيد ، ولا أم جاء عمرو ، والإخراج بمعنى الإظهار فإنه إبراز ، والأضغان هي الحقود والأمراض ، واحدها ضغن . ! 7 < { ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم فى لحن القول والله يعلم أعمالكم } . > 7 < محمد : ( 30 ) ولو نشاء لأريناكهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم فى لحن القول والله يعلم أعمالكم } .
لما كان مفهوم قوله { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } ( محمد : 29 ) أن الله يظهر ضمائرهم ويبرز سرائرهم كأن قائلا قال فلم لم يظهر فقال أخرناه لمحض المشيئة لا لخوف منهم ، كما لا تفشى أسرار الأكابر خوفا منهم { ولو نشاء لاريناكهم } أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف ، وقوله { فلتعرفنهم } لزيادة فائدة ، وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزمه المعرفة ، يقال عرفته ولم يعرف وفهمته ولم يفهم فقال ههنا { لاريناكهم فلعرفتهم } يعني عرفناهم تعريفا تعرفهم به ، إشارة إلى قوة التعريف ، واللام في قوله { فلعرفتهم } هي التي تقع في جزاء لو كما في قوله { لاريناكهم } أدخلت على المعرفة إشارة إلى أن المعرفة كالمرتبة على المشيئة كأنه قال : ولو نشاء لعرفتهم ، ليفهم أن المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف ، أي لو نشاء لعرفناك تعريفا معه المعرفة / لا بعده ، وأما اللام في قوله تعالى : { ولتعرفنهم } جواب لقسم محذوف كأنه قال ولتعرفنهم والله ، وقوله { فى لحن القول } فيه وجوه أحدها : في معنى القول وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد من القول قولهم أي لتعرفنهم في معنى قولهم حيث يقولون ما معناه النفاق كقولهم حين مجيء النصر إنا كنا معكم ، وقولهم { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن } ( المنافقون : 8 ) وقولهم { إن بيوتنا عورة } ( الأحزاب : 13 ) وغير ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد قول الله عز وجل أي لتعرفنهم في معنى قول الله تعالى حيث قال ما تعلم منه حال المنافقين كقوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا } ( النور : 62 ) وقوله { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ( الأنفال : 2 ) إلى غير ذلك ، وثانيها : في ميل القول عن الصواب حيث قالوا ما لم يعتقدوا ، فأمالوا كلامهم حيث قالوا { نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } وقالوا { إن بيوتنا عورة وما هى بعورة } ( الأحزاب : 13 ) ، { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار } ( الأحزاب : 15 ) إلى غير ذلك وثالثها : في لحن القول أي في الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي عليه السلام ولا يفهمه غيره ، وهذا يحتمل أمرين أيضا والنبي عليه السلام كان يعرف المنافق ولم يكن يظهر أمره إلى أن أذن الله تعالى له في إظهار أمرهم ومنع من الصلاة على جنائزهم والقيام على قبورهم ، وأما قوله { بسيماهم } فالظاهر أن المراد أن الله تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يمسخهم كما قال تعالى : { ولو نشاء لمسخناهم } ( يس : 67 ) وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافق ، وقوله تعالى : { والله يعلم أعمالكم } وعد للمؤمنين ، وبيان لكون حالهم على خلاف حال المنافق / فإن المنافق كان له قول بلا عمل ، والمؤمن كان له عمل ولا يقول به ، وإنما قوله التسبيح ويدل عليه قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( البقرة : 286 ) وقوله { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا } ( آل عمران : 193 ) وكانوا يعملون الصالحات ويتكلمون في السيئات مستغفرين مشفقين ، والمنافق كان يتكلم في الصالحات كقوله { إنا معكم } ( البقرة : 14 ) { قالت الاعراب ءامنا } ( الحجرات : 14 ) ، { ومن الناس من يقول ءامنا } ( البقرة : 8 ) ويعمل السيء فقال تعالى الله يسمع أقوالهم الفارغة ويعلم أعمالكم الصالحة فلا يضيع .
! 7 < { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } . > 7 ! < < محمد : ( 31 ) ولنبلونكم حتى نعلم . . . . . > > أي لنأمرنكم بما لا يكون متعينا للوقوع ، بل بما يحتمل الوقوع ويحتمل عدم الوقوع كما يفعل المختبر ، وقوله تعالى : { حتى نعلم المجاهدين } أي نعلم المجاهدين من غير المجاهدين ويدخل في علم الشهادة فإنه تعالى قد علمه علم الغيب وقد ذكرنا ما هو التحقيق في الابتلاء ، وفي قوله { حتى نعلم } وقوله { المجاهدين } أي المقدمين على الجهاد { والصابرين } أي الثابتين الذين لا يولون الأدبار وقوله { ونبلو أخباركم } يحتمل وجوها أحدها : قوله { من } ( البقرة : 8 ) لأن المنافق وجد منه هذا الخبر / والمؤمن وجد منه ذلك أيضا ، وبالجهاد يعلم الصادق من الكاذب ، كما قال تعالى : { أولئك هم الصادقون } ، ( الحجرات : 15 ) وثانيها : إخبارهم من عدم التولية في قوله { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار } ( الأحزاب : 15 ) إلى غير ذلك ، فالمؤمن وفى بعهده وقاتل مع أصحابه في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص والمنافق كان كالهباء ينزعج بأدنى صيحة وثالثها : المؤمن كان له أخبار صادقة مسموعة من النبي عليه السلام كقوله تعالى : { لتدخلن المسجد الحرام } ( الفتح : 27 ) ، { لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : 21 ) ، و { ءان جندنا لهم الغالبون } ( الصافات : 173 ) وللمنافق أخبار أراجيف كما قال تعالى في حقهم { والمرجفون فى المدينة } ( الأحزاب : 60 ) فعند تحقق الإيجاف ، يتبين الصدق من الإرجاف . ! 7 < { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم } . > 7 ! < < محمد : ( 32 ) إن الذين كفروا . . . . . > > فيه وجهان أحدهما : هم أهل الكتاب قريظة والنضير والثاني : كفار قريش يدل على الأول قوله تعالى : { من بعد ما تبين لهم الهدى } قيل أهل الكتاب تبين لهم صدق محمد عليه السلام ، وقوله { لن يضروا الله شيئا } تهديد معناه هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول وهم به يشاقونه وليس كذلك ، بل الشقاق مع الله فإن محمدا رسول الله ما عليه إلا البلاغ فإن ضروا يضروا الرسل لكن الله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق ، وقوله { وسيحبط أعمالهم } قد علم معناه . فإن قيل قد تقدم في أول السورة أن الله تعالى أحبط أعمالهم فكيف يحبط في المستقبل ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد من قوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } ( محمد : 1 ) في أول السورة المشركون ، ومن أول الأمر كانوا مبطلين ، وأعمالهم كانت على غير شريعة ، والمراد من الذين كفروا ههنا أهل الكتاب وكانت لهم أعمال قبل الرسول فأحبطها الله تعالى بسبب تكذيبهم الرسول ولا ينفعهم إيمانهم بالحشر والرسل والتوحيد ، والكافر المشرك أحبط عمله حيث لم يكن على شرع أصلا ولا كان معترفا بالحشر الثاني : هو أن المراد بالأعمال ههنا مكايدهم في القتال وذلك في تحقق منهم والله سيبطله حيث يكون النصر للمؤمنين ، والمراد بالأعمال في أول السورة هو ما ظنوه حسنة . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } . > 7 ! < < محمد : ( 33 ) يا أيها الذين . . . . .
> > العطف ههنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش لأن طاعة / الله تحمل على طاعة الرسول ، وهذا إشارة إلى العمل بعد حصول العلم ، كأنه تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا علمتم الحق فافعلوا الخير ، وقوله { ولا تبطلوا أعمالكم } يحتمل وجوها أحدها : دوموا على ما أنتم عليه ولا تشركوا فتبطل أعمالكم ، قال تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) الوجه الثاني : { لا تبطلوا أعمالكم } بترك طاعة الرسول كما أبطل الكتاب أعمالهم بتكذيب الرسول وعصيانه ، ويؤيده قوله تعالى : { عليم ياأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم } إلى أن قال : { أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } ( الحجرات : 2 ) الثالث : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } ( البقرة : 264 ) كما قال تعالى : { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم } ( الحجرات : 17 ) وذلك أن من يمن بالطاعة على الرسول كأنه يقول هذا فعلته لأجل قلبك ، ولولا رضاك به لما فعلت ، وهو مناف للاخلاص ، والله لا يقبل إلا العمل الخالص . ! 7 < { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } . > 7 ! < < محمد : ( 34 ) إن الذين كفروا . . . . . > > بين أن الله لا يغفر الشرك وما دون ذلك يغفره إن شاء حتى لا يظن ظان أن أعمالهم وإن بطلت لكن فضل الله باق يغفر لهم بفضله ، وإن لم يغفر لهم بعملهم . ! 7 < { إنا كل شىء خلقناه بقدر } . > 7 ! < < محمد : ( 35 ) فلا تهنوا وتدعوا . . . . . > > لما بين أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات محبط ، وذنبه الذي هو أقبح السيئات غير مغفور ، بين أن لا حرمة في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد أمر الله تعالى بطاعة الرسول بقوله { } . > 7 ! لما بين أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات محبط ، وذنبه الذي هو أقبح السيئات غير مغفور ، بين أن لا حرمة في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد أمر الله تعالى بطاعة الرسول بقوله { وأطيعوا الرسول } ( النساء : 59 ) وأمر بالقتال بقوله { فلا تهنوا } أي لا تضعفوا بعد ما وجد السبب في الجد في الأمر والاجتهاد في الجهاد فقاله { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } وفي الآيات ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن قوله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ( التغابن : 120 ) يقتضي السعي في القتال لأن أمر الله وأمر الرسول ورد بالجهاد وقد أمروا بالطاعة ، فذلك يقتضي أن لا يضعف المكلف ولا يكسل ولا يهن ولا يتهاون ، ثم إن بعد المقتضي قد يتحقق مانع ولا يتحقق المسبب ، والمانع من القتال إما أخروي وإما دنيوي ، فذكر الأخروي وهو أن الكافر لا حرمة له في الدنيا والآخرة ، لأنه لا عمل له في الدنيا ولا مغفرة له في الآخرة ، فإذا وجد السبب ولم يوجد المانع ينبغي أن يتحقق المسبب ، ولم يقدم المانع الدنيوي على قوله { فلا تهنوا } إشارة إلى أن الأمور الدنيوية لا ينبغي أن تكون / مانعة من الإتيان ، فلا تهنوا فإن لكم النصر ، أو عليكم بالعزيمة على تقدير الاعتزام للهزيمة .
ثم قال تعالى بعد ذلك المانع الدنيوي مع أنه لا ينبغي أن يكون مانعا ليس بموجود أيضا حيث { أنتم الاعلون } والأعلون والمصطفون في الجمع حالة الرفع معلوم الأصل ، ومعلوم أن الأمر كيف آل إلى هذه الصيغة في التصريف ، وذلك لأن أصله في الجمع الموافق أعليون ومصطفيون فسكنت الياء لكونها حرف علة فتحرك ما قبلها والواو كانت ساكنة فالتقى ساكنان ولم يكن بد من حذف أحدهما أو تحريكه والتحريك كان يوقع في المحذور الذي اجتنب منه فوجب الحذف ، والواو كانت فيه لمعنى لا يستفاد إلا منها وهو الجمع فأسقطت الياء وبقي أعلون ، وبهذا الدليل صار في الجر أعلين ومصطفين ، وقوله تعالى : { والله معكم } هداية وإرشاد يمنع الملكف من الإعجاب بنفسه ، وذلك لأنه تعالى لما قال : { وأنتم الاعلون } كان ذلك سبب الافتخار فقال : { والله معكم } يعني ليس ذلك من أنفسكم بل من الله ، أو نقول لما قال : { وأنتم الاعلون } فكان المؤمنون يرون ضعف أنفسهم وقلتهم مع كثرة الكفار وشوكتهم وكان يقع في نفس بعضهم أنهم كيف يكون لهم الغلبة فقال إن الله معكم لا يبقى لكم شك ولا ارتياب في أن الغلبة لكم وهذا كقوله تعالى : { لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : 21 ) وقوله { وإن جندنا لهم الغالبون } ( الصافات : 273 ) وقوله { ولن يتركم أعمالكم } وعد آخر وذلك لأن الله لما قال إن الله معكم ، كان فيه أن النصرة بالله لا بكم فكان القائل يقول لم يصدر مني عمل له اعتبار فلا أستحق تعظيما ، فقال هو ينصركم ومع ذلك لا ينقص من أعمالكم شيئا ، ويجعل كأن النصرة جعلت بكم ومنكم فكأنكم مستقلون في ذلك ويعطيكم أجر المستبد ، والترة النقص ، ومنه الموتر كأنه نقص منه ما يشفعه ، ويقول عند القتال إن قتل من الكافرين أحد فقد وتروا في أهلهم وعملهم حيث نقص عددهم وضاع عملهم ، والمؤمن إن قتل فإنما ينقص من عدده ولم ينقص من عمله / وكيف ولم ينقص من عدده أيضا ، فإنه حي مرزوق ، فرح بما هو إليه مسوق . ! 7 < { إنما الحيواة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم } . > 7 ! < < محمد : ( 36 ) إنما الحياة الدنيا . . . . .
> > زيادة في التسلية يعني كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد ، وهي لا تفوتك لكونك منصورا غالبا ، وإن فاتتك فعملك غير موتر ، فكيف وما يفوتك ، فإن فات فائت ولم يعوض لا ينبغي لك أن تلتفت إليها لكونها لعبا ولهوا ، وقد ذكرنا في اللعب واللهو مرارا أن اللعب / ما تشتغل به ولا يكون فيه ضرورة في الحال ولا منفعة في المآل ، ثم إن استعمله الإنسان ولم يشتغله عن غيره ، ولم يثنه عن أشغاله المهمة فهو لعب وإن شغله ودهشه عن مهماته فهو لهو ، ولهذا يقال ملاهي لآلات الملاهي لأنها مشغلة عن الغير ، ويقال لما دونه لعب كاللعب بالشطرنج والحمام ، وقد ذكرنا ذلك غير مرة ، وقوله { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } إعادة للوعد والإضافة للتعريف ، أي الأجر الذي وعدكم بقوله { أجر كريم } ( يس : 11 ) { وأجر كبير } ( هود : 11 ) { وأجر عظيم } ( آل عمران : 172 ) وقوله { ولا يسئلكم أموالكم } يحتمل وجوها أحدها : أن الجهاد لا بد له من إنفاق ، فلو قال قائل أنا لا أنفق مالي ، فيقال له الله لا يسئلكم ظمالكم في الجهات المعينة من الزكاة والغنيمة وأموال المصالح فيها تحتاجون إليه من المال لا تراعون بإخراجه وثانيها : الأموال لله وهي في أيديكم عارية وقد طلب منكم أو أجاز لكم في صرفها في جهة الجهاد فلا معنى لبخلكم بماله ، وإلى هذا إشارة بقوله تعالى : { وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث السماوات والارض } ( الحديد : 10 ) أي الكل لله وثالثها : لا يسألكم أموالكم كلها ، وإنما يسألكم شيئا يسيرا منها وهو ربع العشر ، وهو قليل جدا لأن العشر هو الجزء الأقل إذ ليس دونه جزء وليس اسما مفردا ، وأما الجزء من أحد عشر ومن إثنى عشر و ( إلى ) مائة جزء لما لم يكن ملتفتا إليه لم يوضع له اسم مفرد . ثم إن الله تعالى لم يوجب ذلك في رأس المال بل أوجب ذلك في الربح الذي هو من فضل الله وعطائه ، وإن كان رأس المال أيضا كذلك لكن هذا المعنى في الربح أظهر ، ولما كان المال منه ما ينفق للتجارة فيه ومنه ما لا ينفق ، وما أنفق منه للتجارة أحد قسميه وهو يحتمل أن تكون التجارة فيه رابحة ، ويحتمل أن لا تكون رابحة فصار القسم الواحد قسمين فصار في التقدير كان الربح في ربعه فأوجب ( ربع ) عشر الذي فيه الربح وهو عشر فهو ربع العشر وهو الواجب ، فعلم أن الله لا يسألكم أموالكم ولا الكثير منه . ! 7 < { ؤإن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم } . > 7 ! < < محمد : ( 37 ) إن يسألكموها فيحفكم . . . . . > > الفاء في قوله { فيحفكم } للإشارة إلى أن الإحفاء يتبع السؤال بيانا لشح الأنفس ، وذلك لأن العطف بالواو قد يكون للمثلين وبالفاء لا يكون إلا للمتعاقبين أو متعلقين أحدهما بالآخر فكأنه تعالى بين أن الإحفاء يقع عقيب السؤال لأن الإنسان بمجرد السؤال لا يعطي شيئا وقوله { تبخلوا ويخرج أضغانكم } يعني ما طلبها ولو طلبها وألح عليكم في الطلب لبخلتم ، كيف وأنتم تبخلون باليسير لا تبخلون بالكثير وقوله { ويخرج أضغانكم } يعني بسببه فإن الطالب وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يطلبونكم وأنتم لمحبة المال وشح الأنفس تمتنعون فيفضي إلى القتال وتظهر به الضغائن . ! 7 < { هآ أنتم هاؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقرآء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } . > 7 ! / ( < <
محمد : ( 38 ) ها أنتم هؤلاء . . . . . > > يعني ) قد طلبت منكم اليسير فبخلتم فكيف لو طلبت منكم الكل وقوله { هؤلاء } يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون موصولة كأنه قال : أنتم هؤلاء الذين تدعون لتنفقوا في سبيل الله وثانيهما : { هؤلاء } وحدها خبر { أنتم } كما يقال أنت هذا تحقيقا للشهرة والظهور أي ظهر أثركم بحيث لا حاجة إلى الإخبار عنكم بأمر مغاير ثم يبتدىء { تدعون } وقوله { تدعون } أي إلى الإنفاق إما في سبيل الله تعالى بالجهاد ، وإما في صرفه إلى المستحقين من إخوانكم ، وبالجملة ففي الجهتين تخذيل الأعداء ونصرة الأولياء { فمنكم من يبخل } ، ثم بين أن ذلك البخل ضرر عائد إليه فلا تظنوا أنهم لا ينفقونه على غيرهم بل لا ينفقونه على أنفسهم فإن من يبخل بأجرة الطبيب وثمن الدواء وهو مريض فلا يبخل إلا على نفسه ، ثم حقق ذلك بقوله { والله الغنى } غير محتاج إلى مالكم وأتمه بقوله { وأنتم الفقراء } حتى لا تقولوا إنا أيضا أغنياء عن القتال ، ودفع حاجة الفقراء فإنهم لا غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فلأنه لولا القتال لقتلوا ، فإن الكافر إن يغز يغز ، والمحتاج إن لم يدفع حاجته يقصده ، لا سيما أباح الشارع للمضطر ذلك ، وأما في الآخرة فظاهر فكيف لا يكون فقيرا وهو موقوف مسؤول يوم لا ينفع مال ولا بنون . ثم قال تعالى : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } بيان الترتيب من وجهين : أحدهما : أنه ذكره بيانا للاستغناء ، كما قال تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } ( إبراهيم : 19 ) وقد ذكر أن هذا تقرير بعد التسليم ، كأنه تعالى يقول : الله غني عن العالم بأسره فلا حاجة له إليكم . فإن كان ذاهب يذهب إلى أن ملكه بالعالم وجبروته يظهر به وعظمته بعباده ، فنقول هب أن هذا الباطل حق لكنكم غير متعينين له ، بل الله قادر على أن يخلق خلقا غيركم يفتخرون بعبادته ، وعالما غير هذا يشهد بعظمته وكبريائه وثانيهما : أنه تعالى لما بين الأمور وأقام عليها البراهين وأوضحها بالأمثلة قال إن أطعتم فلكم أجوركم وزيادة وإن تتولوا لم يبق لكم إلا الإهلاك فإن ما من نبي أنذر قومه وأصروا على تكذيبه إلا وقد حق عليهم القول بالإهلاك وطهر الله الأرض منهم وأتى بقوم آخرين طاهرين ، وقوله { ثم لا يكونوا أمثالكم } فيه مسألة نحوية يتبين منها فوائد عزيزة وهي : / أن النحاة قالوا : يجوز في المعطوف على جواب الشرط بالواو والفاء وثم ، الجزم والرفع جميعا ، قال الله تعالى ههنا { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } بالجزم ، وقال في موضع آخر { وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون } ( آل عمران : 111 ) بالرفع بإثبات النون وهو مع الجواز ، ففيه تدقيق : وهو أن ههنا لا يكون متعلقا بالتولي لأنهم إن لم يتولوا يكونون ممن يأتي بهم الله على الطاعة وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين ، كون من يأتي بهم مطيعين ، وأما هناك سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون ، فلم يكن للتعليق هناك وجه فرفع بالابتداء ، وههنا جزم للتعليق .
وقوله { ثم لا يكونوا أمثالكم } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد { ثم لا يكونوا أمثالكم } في الوصف ولا في الجنس وهو لائق الوجه الثاني : وفيه وجوه أحدها : قوم من العجم ثانيها : قوم من فارس روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يستبدل بهم إن تولوا وسلمان إلى جنبه فقال : ( هذا وقومه ) ثم قال : ( لو كان الإيمان منوطا بالثريا لناله رجال من فارس ) و ثالثها : قوم من الأنصار والله أعلم . < > 1 ( سورة الفتح ) 1 < > وهي عشرون وتسع آيات مدنية ! 7 < { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا } . > 7 < الفتح : ( 1 - 3 ) إنا فتحنا لك . . . . . > > / فيه مسائل : المسألة الأولى : في الفتح وجوه : أحدها : فتح مكة وهو ظاهر وثانيها : فتح الروم وغيرها وثالثها : المراد من الفتح صلح الحديبية ورابعها : فتح الإسلام بالحجة والبرهان ، والسيف والسنان وخامسها : المراد منه الحكم كقوله { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } ( الأعراف : 89 ) وقوله { ثم يفتح بيننا بالحق } ( سبأ : 26 ) والمختار من الكل وجوه : أحدها : فتح مكة ، والثاني : فتح الحديبية ، والثالث : فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان . والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه أحدها : أنه تعالى لما قال : { أضغانكم هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله } . إلى أن قال : { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } ( محمد : 38 ) بين تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم ثانيها : لما قال : { والله معكم } وقال : { وأنتم الاعلون } ( محمد : 35 ) بين برهانه بفتح مكة ، فإنهم كانوا هم الأعلون ثالثها : لما قال تعالى : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } ( محمد : 35 ) وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم ، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه كما كان يوم الحديبية وهو المراد بالفتح في أحد الوجوه ، وكما كان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ، فإن قيل : إن كان المراد فتح مكة ، فمكة لم تكن قد فتحت ، فكيف قال تعالى : { فتحنا لك فتحا مبينا } بلفظ الماضي ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين : أحدهما : فتحنا في حكمنا وتقديرنا ثانيهما : ما قدره الله تعالى فهو كائن ، فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له ، واقع لا رافع له .
/ المسألة الثانية : قوله { ليغفر لك الله } ينبىء عن كون الفتح سببا للمغفرة ، والفتح لا يصلح سببا للمغفرة ، فما الجواب عنه ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه : الأول : ما قيل إن الفتح لم يجعله سببا للمغفرة وحدها ، بل هو سبب لاجتماع الأمور المذكورة وهي : المغفرة ، وإتمام النعمة والهداية والنصرة ، كأنه تعالى قال : ليغفر للك الله ويتم نعمته ويهديك وينصرك ، ولا شك أن الاجتماع لم يثبت إلا بالفتح ، فإن النعمة به تمت ، والنصرة بعده قد عمت الثاني : هو أن فتح مكة كان سببا لتطهير بيت الله تعالى من رجس الأوثان ، وتطهير بيته صار سببا لتطهير عبده الثالث : هو أن بالفتح يحصل الحج ، ثم بالحج تحصل المغفرة ، ألا ترى إلى دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال في الحج : ( اللهم اجعله حجا مبرورا ، وسعيا مشكورا ، وذنبا مغفورا ) الرابع : المراد منه التعريف تقديره إنا فتحنا لك ليعرف أنك مغفور ، معصوم ، فإن الناس كانوا علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو الله المسخوط عليه ، وإنما يدخلها ويأخذها حبيب الله المغفور له . المسألة الثالثة : لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ذنب ، فماذا يغفر له ؟ قلنا الجواب عنه قد تقدم مرارا من وجوه أحدها : المراد ذنب المؤمنين ثانيها : المراد ترك الأفضل ثالثها : الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد ، وهو يصونهم عن العجب رابعها : المراد العصمة / وقد بينا وجهه في سورة القتال . المسألة الرابعة : ما معنى قوله { وما تأخر } ؟ نقول فيه وجوه أحدها : أنه وعد النبي عليه السلام بأنه لا يذنب بعد النبوة ثانيها : ما تقدم على الفتح ، وما تأخر عن الفتح ثالثها : العموم يقال اضرب من لقيت ومن لا تلقاه ، مع أن من لا يلقى لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم رابعها : من قبل النبوة ومن بعدها ، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة ، وفيه وجوه أخر ساقطة ، منها قول بعضهم : ما تقدم من أمر مارية ، وما تأخر من أمر زينب ، وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام ، وقوله تعالى : { ويتم نعمته عليك } يحتمل وجوها : أحدها : هو أن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج ، وهو آخر التكاليف ، والتكاليف نعم ثانيها : يتم نعمته عليك بإخلاء الأرض لك عن معانديك ، فإن يوم الفتح لم يبق للنبي عليه الصلاة والسلام عدو ذو اعتبار ، فإن بعضهم كانوا أهلكوا يوم بدر والباقون آمنوا واستأمنوا يوم الفتح ثالثها : ويتم نعمته عليك في الدنيا باستجابة دعائك في طلب الفتح ، وفي الآخرة بقول شفاعتك في الذنوب ولو كانت في غاية القبح ، وقوله تعالى : { ويهديك صراطا مستقيما } يحتمل وجوها أظهرها : يديمك على الصراط المستقيم حتى لا يبقى من يلتفت إلى قوله من المضلين ، أو ممن يقدر على الإكراه على الكفر ، وهذا يوافق قوله تعالى : { ورضيت لكم الأسلام دينا } ( المائدة : 3 ) حيث أهلكت المجادلين فيه ، وحملتهم على الإيمان وثانيها : أن يقال جعل الفتح سببا للهداية إلى / الصراط المستقيم ، لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بالفوائد العاجلة بالفتح والآجلة بالوعد ، والجهاد سلوك سبيل الله ، ولهذا يقال للغازي في سبيل الله مجاهد وثالثها : ما ذكرنا أن المراد التعريف ، أي ليعرف أنك على صراط مستقيم ، من حيث إن الفتح لا يكون إلا على يد من يكون على صراط الله بدليل حكاية الفيل ، وقوله { وينصرك الله نصرا عزيزا } ظاهر ، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر ، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية :
أما المسألة اللفظية : فهي أن الله وصف النصر بكونه عزيزا ، والعزيز من له النصر والجواب : من وجهين أحدهما : ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوها ثلاثة الأول : معناه نصر إذ عز ، كقوله { فى عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضى الثاني : وصف النصر بما يوصف به المنصور إسنادا مجازيا يقال له كلام صادق ، كما يقال له متكلم صادق الثالث : المراد نصرا عزيزا صاحبه الوجه الثاني من الجواب أن نقول : إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من التقديرات إذا قلنا : العزة من الغلبة ، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا : العزيز هو النفيس القليل النظير ، أو المحتاج إليه القليل الوجود ، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه ، فالنصر كان محتاجا إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد . أما المسألة المعنوية : وهي أن الله تعالى لما قال : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } أبرز الفاعل وهو الله ، ثم عطف عليه بقوله { ويتم } وبقوله { ويهديك } ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام ، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول ، ولا يظهر فيما بعده تقول : جاء زيد وتكلم ، وقام وراح ، ولا تقول : جاء زيد ، وقعد زيد اختصارا للكلام بالاقتصار على الأول ، وههنا لم يقل وينصرك نصرا ، بل أعاد لفظ الله ، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر ، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة ، فقال تعالى : { بنصر الله ينصر } ( الروم : 5 ) ولم يقل بالنصر ينصر / وقال : { هو الذى أيدك بنصره } ( الأنفال : 62 ) ولم يقل بالنصر ، وقال : { إذا جاء نصر الله والفتح } ( النصر : 1 ) وقال : { نصر من الله وفتح قريب } ( الصف : 13 ) ولم يقل نصر وفتح ، وقال : { وما النصر إلا من عند الله } ( الأنفا : 10 ) وهذا أدل الآيات على مطلوبنا ، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر ، والصبر بالله ، قال تعالى : { واصبر وما صبرك إلا بالله } ( النحل : 127 ) وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه ، وذلك بذكر الله ، كما قال تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) فلما قال ههنا وينصرك الله ، أظهر لفظ الله ذكرا للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب ، وبه يحصل الصبر ، وبه يتحقق النصر ، وههنا مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال : { إنا فتحنا } ثم قال : { ليغفر لك الله } ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيما لأمر الفتح ، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) وقال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا ، بل غيره من الرسل كان معصوما ، وإتمام / النعمة كذلك ، قال الله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى } ( المائدة : 3 ) وقال : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } ( البقرة : 47 ) وكذلك الهداية قال الله تعالى : { يهدى إليه من يشاء } فعمم ، وكذلك النصر قال الله تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون } ( الصافات : 171 ، 172 ) وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم ، فعظمه بقوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا } وفيه التعظيم من وجهين أحدهما : إنا وثانيهما : لك أي لأجلك على وجه المنة .
! 7 < { هو الذىأنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والا رض وكان الله عليما حكيما } . > 7 < الفتح : ( 4 ) هو الذي أنزل . . . . . > > لما قال تعالى : { وينصرك الله } ( الفتح : 3 ) بين وجه النصر ، وذلك لأن الله تعالى قد ينصر رسله بصيحة يهلك بها أعداءهم ، أو رجفة تحكم عليهم بالفناء ، أو جند يرسله من السماء ، أو نصر وقوة وثبات قلب يرزق المؤمنين به ، ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل فقال : { هو الذى أنزل السكينة } أي تحقيقا للنصر ، وفي السكينة وجوه أحدها : هو السكون الثاني : الوقار لله ولرسول الله وهو من السكون الثالث : اليقين والكل من السكون وفيه مسائل : المسألة الأولى : السكينة هنا غير السكينة في قوله تعالى : { وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه } ( البقرة : 248 ) في قول أكثر المفسرين ويحتمل هي تلك المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات القلوب . المسألة الثانية : السكينة المنزلة عليهم هي سبب ذكرهم الله كما قال تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) . المسألة الثالثة : قال الله تعالى في حق الكافرين { وقذف فى قلوبهم } ( الأحزاب : 26 ) بلفظ القذف المزعج وقال في حق المؤمنين { أنزل السكينة } بلفظ الإنزال المثبت ، وفيه معنى حكمي وهو أن من علم شيئا من قبل وتذكره واستدام تذكره فإذا وقع لا يتغير ، ومن كان غافلا عن شيء فيقع دفعة يرجف فؤاده ، ألا ترى أن من أخبر بوقوع صيحة وقيل له لا تنزعج منها فوقعت الصيحة لا يرجف ، ومن لم يخبر به و أخبر وغفل عنه يرتجف إذا وقعت ، فكذلك الكافر أتاه الله من حيث لا يحتسب وقذف في قلبه فارتجف ، والمؤمن أتاه من حيث كان يذكره فسكن ، وقوله تعالى : { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } فيه وجوه أحدها : أمرهم بتكاليف شيئا بعد شيء فآمنوا بكل وحد منها ، مثلا أمروا بالتوحيد فآمنوا وأطاعوا ، ثم أمروا بالقتال والحج فآمنوا وأطاعوا ، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم / ثانيها : أنزل السكينة عليهم فصبروا فرأوا عين اليقين بما علموا من النصر علم اليقين إيمانا بالغيب فازدادوا إيمانا مستفادا من الشهادة مع إيمانهم المستفاد من الغيب ثالثها : ازدادوا بالفروع مع إيمانهم بالأصول ، فإنهم آمنوا بأن محمدا رسول الله وأن الله واحد والحشر كائن وآمنوا بأن كل ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم صدق وكل ما يأمر الله تعالى به واجب رابعها : ازدادوا إيمانا استدلاليا مع إيمانهم الفطري ، وعلى هذا الوجه نبين لطيفة وهي أن الله تعالى قال في حق الكافر { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) ولم يقل مع كفرهم لأن كفرهم عنادي وليس في الوجود كفر فطري لينضم إليه الكفر العنادي بل الكفر ليس إلا عناديا وكذلك الكفر بالفروع لا يقال انضم إلى الكفر بالأصول لأن من ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد فقال : { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } وقوله { ولله جنود السماوات والارض } فكان قادرا على إهلاك عدوه بجنوده بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائهم بأيديهم فيكون لهم الثواب ، وفي جنود السماوات والأرض وجوه أحدها : ملائكة السماوات والأرض ثانيها : من في السماوات من الملائكة ومن في الأرض من الحيوانات والجن وثالثها : الأسباب السماوية والأرضية حتى يكون سقوط كسف من السماء والخسف من جنوده ، وقوله تعالى : { وكان الله عليما حكيما } لما قال : { ولله جنود السماوات والارض } وعددهم غير محصور ، أثبت العلم إشارة إلى أنه { لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الارض } ( سبأ : 3 ) وأيضا لما ذكر أمر القلوب بقوله { هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين } والإيمان من عمل القلوب ذكر العلم إشارة إلى أنه يعلم السر وأخفى ، وقوله { حكيما } بعد قوله { عليما } إشارة إلى أنه يفعل على وفق العلم فإن الحكيم من يعمل شيئا متقنا ويعلمه ، فإن من يقع منه صنع عجيب اتفاقا لا يقال له حكيم ومن يعلم ويعمل على خلاف العلم لا يقال له حكيم . وقوله تعالى :
! 7 < { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } . > 7 ! < < الفتح : ( 5 ) ليدخل المؤمنين والمؤمنات . . . . . > > يستدعي فعلا سابقا { ليدخل } فإن من قال ابتداء لتكرمني لا يصح ما لم يقل قبله جئتك أو ما يقوم مقامه وفي ذلك الفعل وجوه وضبط الأحوال فيه بأن تقول ذلك الفعل إما أن يكون مذكورا بصريحه أو لا يكون ، وحينئذ ينبغي أن يكون مفهوما ، فإما أن يكون مفهوما من لفظ يدل عليه بل فهم بقرينة حالية فإن كان مذكورا فهو يحتمل وجوها أحدها : قوله { ليزدادوا إيمانا } ( الفتح : 4 ) كأنه تعالى أنزل السكينة / ليزدادوا إيمانا بسبب الإنزال ليدخلهم بسبب الإيمان جنات ، فإن قيل فقوله { ويعذب } ( الفتح : 6 ) عطف على قوله { ليدخل } وازدياد إيمانهم لا يصلح سببا لتعذيبهم ، نقول بلى وذلك من وجهين أحدهما : أن التعذيب مذكور لكونه مقصودا للمؤمنين ، كأنه تعالى يقول بسبب ازديادكم في الإيمان يدخلكم في الآخرة جنات ويعذب بأيديكم في الدنيا الكفار والمنافقين الثاني : تقديره ويعذب بسبب ما لكم من الازدياد ، يقال فعلته لأجرب به العدو والصديق أي لأعرف بوجوده الصديق وبعدمه العدو فكذلك ليزداد المؤمن إيمانا فيدخله الجنة ويزداد الكافر كفرا فيعذبه به ووجه آخر ثالث : وهو أن سبب زيادة إيمان المؤمنين بكثرة صبرهم وثباتهم فيعيى المنافق والكافر معه ويتعذب وهو قريب مما ذكرنا الثاني : قوله { وينصرك الله } ( الفتح : 3 ) كأنه تعالى قال وينصرك الله بالمؤمنين ليدخل المؤمنين جنات الثالث : قوله { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } ( الفتح : 2 ) على قولنا المراد ذنب المؤمن كأنه تعالى قال ليغفر لك ذنب المؤمنين ، ليدخل المؤمنين جنات ، وأما إن قلنا هو مفهوم من لفظ غير صريح فيحتمل وجوها أيضا أحدها : قوله { حكيما } ( الفتح : 4 ) يدل على ذلك كأنه تعالى قال : الله حكيم ، فعل ما فعل ليدخل المؤمنين جنات وثانيها : قوله تعالى : { ويتم نعمته عليك } ( الفتح : 2 ) في الدنيا والآخرة ، فيستجيب دعاءك في الدنيا ويقبل شفاعتك في العقبى { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات } ثالثها : قوله { إنا فتحنا لك } ( الفتح : 1 ) ووجهه هو أنه روي أن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هنيئا لك إن الله غفر لك فماذا لنا ؟ فنزلت هذه الآية كأنه تعالى قال : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك وفتحنا للمؤمنين ليدخلهم جنات ، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم من غير مقال بل من قرينة الحال ، فنقول هو الأمر بالقتال لأن من ذكر الفتح والنصر علم أن الحال حال القتال ، فكأنه تعالى قال إن الله تعالى أمر بالقتال ليدخل المؤمنين ، أو نقول عرف من قرينة الحال أن الله اختار المؤمنين ليدخلهم جنات .
المسألة الرابعة : قال ههنا وفي بعض المواضع { المؤمنين والمؤمنات } وفي بعض المواضع اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كما في قوله تعالى : { وبشر المؤمنين } ( الأحزاب : 47 ) وقوله تعالى : { قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالجزاء الموعود به مع كون المؤمنات يشتركن معهم ذكرهن الله صريحا ، وفي المواضع التي ليس فيها ما يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين فقوله { وبشر المؤمنين } مع أنه علم من قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا } ( سبأ : 28 ) العموم لا يوهم خروج المؤمنات عن البشارة ، وأما ههنا فلما كان قوله تعالى : { ليدخل المؤمنين } لفعل سابق وهو إما الأمر بالقتال أو الصبر فيه أو النصر للمؤمنين أو الفتح بأيديهم على ما كان يتوهم لأن إدخال المؤمنين كان للقتال ، والمرأة لا تقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها صرح الله بذكرهن ، وكذلك في المنافقات والمشركات ، والمنافقة والمشركة لم تقاتل فلا تعذب فصرح الله تعالى بذكرهن ، وكذلك في قوله تعالى : { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } ( الأحزاب : 35 ) لأن الموضع موضع ذكر النساء وأحوالهن لقوله { ولا تبرجن وأقمن وءاتين وأطعن } ( الأحزاب : 33 ) وقوله { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن } ( الأحزاب : 34 ) فكان ذكرهن هناك أصلا ، لكن الرجال لما كان لهم ما للنساء من الأجر العظيم ذكرهم وذكرهن بلفظ مفرد من غير تبعية لما بينا أن الأصل ذكرهن في ذلك الموضع . المسألة الخامسة : قال الله تعالى : { ويكفر عنهم سيئاتهم } بعد ذكر الإدخال مع أن تكفير السيئات قبل الإدخال ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : الواو لا تقتضي الترتيب الثاني : تكفر السيئات والمغفرة وغيرهما من توابع كون المكلف من أهل الجنة ، فقدم الإدخال في الذكر بمعنى أنه من أهل الجنة الثالث : وهو أن التكفير يكون بإلباس خلع الكرامة وهي في الجنة ، وكان الإنسان في الجنة تزال عنه قبائح البشرية الجرمية كالفضلات ، والمعنوية كالغضب والشهوة وهو التكفير وتثبت فيه الصفات الملكية وهي أشرف أنواع الخلع ، وقوله تعالى : { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } فيه وجهان أحدهما : مشهور وهو أن الإدخال والتكفير في الله فوز عظيم ، يقال عندي هذا الأمر على هذا الوجه ، أي في اعتقادي وثانيهما : أغرب منه وأقرب منه عقلا ، وهو أن يجعل عند الله كالوصف لذلك كأنه تعالى يقول ذلك عند الله ، أي بشرط أن يكون عند الله تعالى ويوصف أن يكون عند الله فوز عظيم حتى أن دخول الجنة لو لم يكن فيه قرب من الله بالعندية لما كان فوزا . ! 7 < { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظن السوء عليهم دآئرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا ولله جنود السماوات والا رض وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 < الفتح : ( 6 ) ويعذب المنافقين والمنافقات . . . . . > >
واعلم أنه قدم المنافقين على المشركين في الذكر في كثير من المواضع لأمور أحدها : أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر لأن المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر وكان يخالط المنافق لظنه بإيمانه ، وهو كان يفشي أسراره ، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ) والمنافق على صورة الشيطان فإنه لا يأتي الإنسان على أني عدوك ، وإنما / يأتيه على أني صديقك ، والمجاهر على خلاف الشيطان من وجه ، ولأن المنافق كان يظن أن يتخلص للمخادعة ، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلب يفديه ، فأول ما أخبر الله أخبر عن المنافق وقول { الظانين بالله ظن السوء } هذا الظن يحتمل وجوها أحدها : هو الظن الذي ذكره الله في هذه السورة بقوله { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول } ( الفتح : 12 ) ثانيها : ظن المشركين بالله في الإشراك كما قال تعالى : { إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم } إلى أن قال : { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } ( النجم : 23 28 ) ثالثها : ظنهم أن الله لا يرى ولا يعلم كما قال : { ولاكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } ( فصلت : 22 ) والأول أصح أو نقول المراد جميع ظنونهم حتى يدخل فيه ظنهم الذي ظنوا أن الله لا يحيي الموتى ، وأن العالم خلقه باطل ، كما قال تعالى : { ذالك ظن الذين كفروا } ( ص : 27 ) ويؤيد هذا الوجه الألف واللام الذي في السوء وسنذكره في قوله { ظن السوء } وفيه وجوه أحدها : ما اختاره المحققون من الأدباء ، وهو أن السوء صار عبارة عن الفساد ، والصدق عبارة عن الصلاح يقال مررت برجل سوء أي فاسد ، وسئلت عن رجل صدق أي صالح ، فإذا كان مجموع قولنا رجل سوء يؤدي معنى قولنا فاسد ، فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد ، وهذا ما اتفق عليه الخليل والزجاج واختاره الزمخشري ، وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد ، يقال ساء مزاجه ، وساء خلقه ، وساء ظنه ، كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء ، بل كان ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال الله تعالى : { ظهر الفساد فى البر والبحر } ( الروم : 41 ) وقال : { ساء ما كانوا يعملون } ( التوبة : 9 ) هذا ما يظهر لي من تحقيق كلامهم . ثم قال تعالى : { عليهم دائرة السوء } أي دائرة الفساد وحاق بهم الفساد بحيث لا خروج لهم منه . ثم قال تعالى : { وغضب الله عليهم } زيادة في الإفادة لأن من كان به بلاء فقد يكون مبتلى به على وجه الامتحان فيكون مصابا لكي يصير مثابا ، وقد يكون مصابا على وجه التعذيب فقوله { وغضب الله عليهم } إشارة إلى أن الذي حاق بهم على وجه التعذيب وقوله { ولعنهم } زيادة إفادة لأن المغضوب عليه قد يكون بحيث يقنع الغاضب بالعتب والشتم أو الضرب ، ولا يفضي غضبه إلى إبعاد المغضوب عليه من جنابه وطرده من بابه ، وقد يكون بحيث يفضي إلى الطرد والإبعاد / فقال : { ولعنهم } لكون الغضب شديدا ، ثم لما بين حالهم في الدنيا بين مآلهم في العقبى قال : { وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } وقوله { ساءت } إشارة لمكان التأنيث في جهنم يقال هذه الدار نعم المكان ، وقوله تعالى : { ولله جنود السماوات والارض } ( الفتح : 4 ) قد تقدم تفسيره ، وبقي فيه مسائل :
المسألة الأولى : ما الفائدة في الإعادة ؟ نقول لله جنود الرحمة وجنود العذاب أو جنود الله إنزالهم قد يكون للرحمة ، وقد يكون للعذاب فذكرهم أولى لبيان الرحمة بالمؤمنين قال تعالى : { وكان بالمؤمنين رحيما } ( الأحزاب : 43 ) وثانيا لبيان إنزال العذاب على الكافرين . المسألة الثانية : قال هناك { وكان الله عليما حكيما } ( الفتح : 4 ) وهنا { وكان الله عزيزا حكيما } لأن قوله { ولله جنود السماوات والارض } ( الفتح : 4 ) قد بينا أن المقصود من ذكرهم الإشارة إلى شدة العذاب فذكر العزة كما قال تعالى : { أليس الله بعزيز ذى انتقام } ( الزمر : 37 ) وقال تعالى : { فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } ( القمر : 42 ) وقال تعالى : { العزيز الجبار } . المسألة الثالثة : ذكر جنود السماوات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ، وذكرهم ههنا بعد ذكر تعذيب الكفار وإعداد جنهم ، نقول فيه ترتيب حسن لأن الله تعالى ينزل جنود الرحمة فيدخل المؤمنين مكرمين معظمين الجنة ثم يلبسهم خلع الكرامة بقوله { ويكفر عنهم سيئاتهم } ( الفتح : 5 ) كما بينا ثم تكون لهم القربى والزلفى بقوله { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } وبعد حصول القرب والعندية لا تبقى واسطة الجنود فالجنود في الرحمة أولا ينزلون ويقربون آخرا وأما في الكافر فيغضب عليه أولا فيبعد ويطرد إلى البلاد النائية عن ناحية الرحمة وهي جهنم ويسلط عليهم ملائكة العذاب وهم جنود الله كما قال تعالى : { عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم } ( التحريم : 6 ) ولذلك ذكر جنود الرحمة أولا والقربة بقوله عند الله آخرا ، وقال ههنا { غضب الله عليهم ولعنهم } وهو الإبعاد أولا وجنود السماوات والأرض آخرا . ! 7 < { إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } . > 7 < الفتح : ( 8 - 9 ) إنا أرسلناك شاهدا . . . . . > > قال المفسرون : { شاهدا } على أمتك بما يفعلون كما قال تعالى : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) والأولى أن يقال إن الله تعالى قال : { إنا أرسلناك شاهدا } وعليه يشهد أنه لا إلاه إلا الله كما قال تعالى : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم } ( آل عمران : 18 ) وهم الأنبياء عليهم السلام ، الذين آتاهم الله علما من عنده وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ، ولذلك قال تعالى : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله } ( محمد : 19 ) أي فاشهد وقوله { ومبشرا } لمن قبل شهادته وعمل بها ويوافقه فيها { ونذيرا } لمن رد شهادته ويخالفه فيها ثم بين فائدة الإرسال على الوجه الذي ذكره فقال : { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } وهذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون الأمور الأربعة المذكورة مرتبة على الأمور المذكورة من قبل فقوله { لتؤمنوا بالله ورسوله } مرتب على قوله { إنا أرسلناك } / لأن كونه مرسلا من الله يقتضي أن يؤمن المكلف بالله والمرسل وبالمرسل وقوله { شاهدا } يقتضي أن يعزر الله ويقوي دينه لأن قوله { شاهدا } على ما بينا معناه أنه يشهد أنه لا إلاه إلا هو فدينه هو الحق وأحق ن يتبع وقوله { مبشرا } يقتضي أن يوقر الله لأن تعظيم الله عنده على شبه تعظيم الله إياه . وقوله { نذيرا } يقتضي أن ينزه عن السوء والفحشاء مخافة عذابه الأليم وعقابه الشديد ، وأصل الإرسال مرتب على أصل الإيمان ووصف الرسول يترتب عليه وصف المؤمن وثانيهما : أن يكون كل واحد مقتضيا للأمور الأربعة فكونه مرسلا يقتضي أن يؤمن المكلف بالله ورسوله ويعزره ويوقره ويسبحه ، وكذلك كونه { شاهدا } بالوحدانية يقتضي الأمور المذكورة ، وكذلك كونه { مبشرا ونذيرا } لا يقال إن اقتران اللام بالفعل يستدعي فعلا مقدما يتعلق به ولا يتعلق بالوصف وقوله { لتؤمنوا } يستدعي فعلا وهو قوله { إنا أرسلناك } فكيف تترتب الأمور على كونه { شاهدا ومبشرا } لأنا نقول يجوز الترتيب عليه معنى لا لفظا ، كما أن القائل إذا قال بعثت إليك عالما لتكرمه فاللفظ ينبىء عن كون البعث سبب الإكرام ، وفي المعنى كونه عالما هو السبب للإكرام ، ولهذا لو قال بعثت إليك جاهلا لتكرمه كان حسنا ، وإذا أردنا الجمع بين اللفظ والمعنى نقول : الإرسال الذي هو إرسال حال كونه شاهدا كما تقول بعث العالم سبب جعله سببا لا مجرد البعث ، ولا مجرد العالم ، في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال في الأحزاب { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } ( الأحزاب : 45 ، 46 ) وههنا اقتصر على الثلاثة من الخمسة فما الحكمة فيه ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن ذلك المقام كان مقام ذكره لأن أكثر السورة في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد والدخول ففصل هنالك ، ولم يفصل ههنا ثانيهما : أن نقول الكلام مذكور ههنا لأن قوله { شاهدا } لما لم يقتض أن يكون داعيا لجواز أن يقول مع نفسه أشهد أن لا إلاه إلا الله ، ولا يدعو الناس قال هناك وداعيا لذلك / وههنا لما لم يكن كونه { شاهدا } منبئا عن كونه داعيا قال : { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه } دليل على كونه سراجا لأنه أتى بما يجب من التعظيم والاجتناب عما يحرم من السوء والفحشاء بالتنزيه وهو التسبيح . المسألة الثانية : قد ذكرنا مرارا أن اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة ، ويحتمل أن يكون أمرا بخلاف ما كان المشركون يعملونه فإنهم كانوا يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرة وعشية فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون فيها الفحشاء والمنكر . المسألة الثالثة : الكنايات المذكور في قوله تعالى : { وتعزروه وتوقروه وتسبحوه } راجعة إلى الله تعالى أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ والأصح هو الأول . ! 7 < { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } . > 7 ! / < < الفتح : ( 10 ) إن الذين يبايعونك . . . . . > > لما بين أنه مرسل ذكر أن من بايعه فقد بايع الله ، وقوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } يحتمل وجوها ، وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد ، وإما أن تكون بمعنيين ، فإن قلنا إنها بمعنى واحد ، ففيه وجهان أحدهما : { يد الله } بمعنى نعمة الله عليهم فوق إحسانهم إلى الله كما قال تعالى : { بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان } ( الحجرات : 17 ) وثانيهما : { يد الله فوق أيديهم } أي نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه ، يقال : اليد لفلان ، أي الغلبة والنصرة والقهر . وأما إن قلنا إنها بمعنيين ، فنقول في حق الله تعالى بمعنى الحفظ ، وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة ، واليد كناية عن الحفظ مأخوذ من حال المتبايعين إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه في البيع والشراء ، وبينهما ثالث متوسط لا يريد أن يتفاسخا العقد من غير إتمام البيع ، فيضع يده على يديهما ، ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ، ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر ، فوضع اليد فوق الأيدي صار سببا للحفظ على البيعة ، فقال تعالى : { يد الله فوق أيديهم } يحفظهم على البيعة كما يحفظ ذلك المتوسط أيدي المتبايعين ، وقوله تعالى : { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } أما على قولنا المراد من اليد النعمة أو الغلبة والقوة ، فلأن من نكث فوت على نفسه الإحسان الجزيل في مقابلة العمل القليل ، فقد خسر ونكثه على نفسه ، وأما على قولنا المراد الحفظ ، فهو عائد إلى قوله { إنما يبايعون الله } يعني من يبايعك أيها النبي إذا نكث لا يكون نكثه عائدا إليك ، لأن البيعة مع الله ولا إلى الله ، لأنه لا يتضرر بشيء ، فضرره لا يعود إلا إليه . قال : { ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } وقد ذكرنا أن العظم في الأجرام ، لا يقال إلا إذا اجتمع فيه الطول البالغ والعرض الواسع والسمك الغليظ ، فيقال في الجبل الذي هو مرتفع ، ولا اتساع لعرضه جبل عال أو مرتفع أو شاهق ، فإذا انضم إليه الاتساع في الجوانب يقال عظيم ، والأجر كذلك ، لأن مآكل الجنة تكون من أرفع الأجناس ، وتكون في غاية الكثرة ، وتكون ممتدة إلى الأبد لا انقطاع لها ، فحصل فيه ما يناسب أن يقال له عظيم والعظيم في حق الله تعالى إشارة إلى كماله في صفاته ، كما أنه في الجسم إشارة إلى كماله في جهاته .
! 7 < { سيقول لك المخلفون من الا عراب شغلتنآ أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا } . > 7 ! / < < الفتح : ( 11 ) سيقول لك المخلفون . . . . . > > لما بين حال المنافقين ذكر المتخلفين ، فإن قوما من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لظنهم أنه يهزم ، فإنهم قالوا أهل مكة يقاتلون عن باب المدينة ، فكيف يكون حالهم إذا دخلوا بلادهم وأحاط بهم العدو فاعتذروا ، وقولهم { شغلتنا أموالنا وأهلونا } فيه أمران يفيدان وضوح العذر أحدهما : ( قولهم ) { أموالنا } ولم يقولوا شغلتنا الأموال ، وذلك لأن جمع المال لا يصلح عذرا ( لأنه ) لا نهاية له ، وأما حفظ ما جمع من الشتات ومنع الحاصل من الفواتت يصلح عذرا ، فقالوا { شغلتنا أموالنا } أي ما صار مالا لنا لا مطلق الأموال وثانيهما : قوله تعالى : { وأهلونا } وذلك لو أن قائلا قال لهم : المال لا ينبغي أن يبلغ إلى درجة يمنعكم حفظه من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لكان لهم أن يقولوا : فالأهل يمنع الاشتغال بهم وحفظهم عن أهم الأمور ، ثم إنهم مع العذر تضرعوا وقالوا { فاستغفر لنا } يعني فنحن مع إقامة العذر معترفون بالإساءة ، فاستغفر لنا واعف عنا في أمر الخروج ، فكذبهم الله تعالى فقال : { يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم } وهذا يحتمل أمرين أحدهما : أن يكون التكذيب راجعا إلى قولهم { فاستغفر لنا } وتحقيقه هو أنهم أظهروا أنهم يعتقدون أنهم مسيئون بالتخلف حتى استغفروا ، ولم يكن في اعتقادهم ذلك ، بل كانوا يعتقدون أنهم بالتخلف محسنون ثانيهما : قالوا { شغلتنا } إشارة إلى أن امتناعنا لهذا لا غير ، ولم يكن ذلك في اعتقادهم ، بل كانوا يعتقدون امتناعهم لاعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يقهرون ويغلبون ، كما قال بعده { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } ( الفتح : 12 ) وقوله { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا } معناه أنكم تحترزون عن الضر . وتتركون أمر الله ورسوله ، وتقعدون طلبا للسلامة ، ولو أراد بكم الضرر لا ينفعكم قعودكم من الله شيئا ، أو معناه أنكم تحترزون عن ضرر القتال والمقاتلين وتعتقدون أن أهليكم وبلادكم تحفظكم من العدو ، فهب أنكم حفظتم أنفسكم عن ذلك ، فمن يدفع عنكم عذاب الله في الآخرة ، مع أن ذلك أولى بالاحتراز ، وقد ذكرنا في سورة يس في قوله تعالى : { إن يردن الرحمان بضر } ( يس : 23 ) أنه في / صورة كون الكلام مع المؤمن أدخل الباء على الضر ، فقال : { إن أرادنى الله بضر } ( الزمر : 38 ) وقال : { وإن يمسسك الله بضر } ( الأنعام : 17 ) وفي صورة كون الكلام مع الكافر أدخل الباء عل الكافر ، فقال ههنا { إن أراد بكم ضرا } وقال : { من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا } ( الأحزاب : 17 ) وقد ذكرنا الفرق الفائق هناك ، ولا نعيده ليكون هذا باعثا على مطالعة تفسير سورة يس ، فإنها درج الدرر اليتيمة ، { بل كان الله بما تعملون خبيرا } أي بما تعملون من إظهار الحرب وإضمار غيره . ! 7 < { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك فى قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا } . > 7 ! < <
الفتح : ( 12 ) بل ظننتم أن . . . . . > > يعني لم يكن تخلفكم لما ذكرتم { بل ظننتم أن لن ينقلب } وأن مخففة من الثقيلة ، أي ظننتم أولا ، فزين الشيطان ظنكم عندكم حتى قطعتم به ، وذلك لأن الشبهة قد يزينها الشيطان ، ويضم إليها مخايلة يقطع بها الغافل ، وإن كان لا يشك فيها العاقل ، وقوله تعالى : { وظننتم ظن السوء } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون هذا العطف عطفا يفيد المغايرة ، فقوله { وظننتم ظن السوء } غير الذي في قوله { بل ظننتم } وحينئذ يحتمل أن يكون الظن الثاني معناه : وظننتم أن الله يخلف وعده ، أو ظننتم أن الرسول كاذب في قوله وثانيهما : أن يكون قوله { وظننتم ظن السوء } هو ما تقدم من ظن أن لا ينقلبوا ، ويكون على حد قول القائل : علمت هذه المسألة وعلمت كذا ، أي هذه المسألة لا غيرها ، وذلك كأنه قال : بل ظننتم ظن أن لن ينقلب . وظنكم ذلك فاسد ، وقد بينا التحقيق في ظن السوء ، وقوله تعالى : { وكنتم قوما بورا } يحتمل وجهين أحدهما : وصرتم بذلك الظن بائرين هالكين وثانيهما : أنتم في الأصل بائرون وظننتم ذلك الظن الفاسد . ! 7 < { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا } . > 7 < الفتح : ( 13 ) ومن لم يؤمن . . . . . > > على قولنا : { وظننتم ظن السوء } ( الفتح : 12 ) ظن آخر غير ما في قوله { بل ظننتم } ظاهر ، لأنا بينا أن ذلك ظنهم بأن الله يخلف وعده أو ظنهم بأن الرسول كاذب فقال : { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } ويظن به خلفا وبرسوله كذبا فإنا أعتدنا له سعيرا ، وفي قوله { للكافرين } بدلا عن أن يقول فإنا أعتدنا له / فائدة وهي التعميم كأنه تعالى قال : ومن لم يؤمن بالله فهو من الكافرين وإنا أعتدنا للكافرين سعيرا . ! 7 < { ولله ملك السماوات والا رض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء وكان الله غفورا رحيما } . > 7 ! < < الفتح : ( 14 ) ولله ملك السماوات . . . . . > > بعد ما ذكر من له أجر عظيم من المبايعين ومن له عذاب أليم من الظانين الضالين ، أشار إلى أنه يغفر للأولين بمشيئته ويعذب الآخرين بمشيئته ، وغفرانه ورحمته أعم وأشمل وأتم وأكمل ، وقوله تعالى : { والله ملك السماوات والارض } يفيد عظمة الأمرين جميعا لأن من عظم ملكه يكون أجره وهبته في غاية العظم وعذابه وعقوبته كذلك في غاية النكال والألم . ! 7 < { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } . > 7 < الفتح : ( 15 ) سيقول المخلفون إذا . . . . . > > ثم قال تعالى : { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم } . أوضح الله كذبهم بهذا حيث كانوا عندما يكون السير إلى مغانم يتوقعونها يقولون من تلقاء أنفسهم { ذرونا نتبعكم } فإذا كان أموالهم وأهلوهم شغلتهم يوم دعوتكم إياهم إلى أهل مكة ، فما بالهم لا يشتغلون بأموالهم يوم الغنيمة ، والمراد من المغانم مغانم أهل خيبر وفتحها وغنم المسلمون ولم يكن معهم إلا من كان معه في المدينة ، وفي قوله { سيقول المخلفون } وعد المبايعين الموافقين بالغنيمة والمتخلفين المخالفين بالحرمان . وقوله تعالى : { يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل } .
يحتمل وجوها أحدها : هو ما قال الله إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وعاهد بها لا غير وهو الأشهر عند المفسرين ، والأظهر نظرا إلى قوله تعالى : { كذلكم قال الله من قبل } ، ثانيها : يريدون أن يبدلوا كلام الله وهو قوله { وغضب الله عليهم } ( الفتح : 6 ) وذلك لأنهم لو اتبعوكم لكانوا في حكم بيعة أهل الرضوان الموعودين بالغنيمة فيكونون من الذين رضي الله عنهم كما قال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ( الفتح : 18 ) فلا يكونون من الذين غضب الله عليهم فيلزم تبديل كلام الله ثالثها : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تخلف القوم أطلعه الله على باطنهم وأظهر له نفاقهم وأنه يريد أن يعاقبهم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم { فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا } ( التوبة : 83 ) فأرادوا أن يبدلوا ذلك الكلام بالخروج معه ، لا يقال فالآية / التي ذكرتم واردة في غزوة تبوك لا في هذه الواقعة ، لأنا نقول قد وجد ههنا بقوله { لن تتبعونا } على صيغة النفي بدلا عن قوله : لا تتبعونا ، على صيغة النهي معنى لطيف وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى على إخبار الله تعالى عنهم النفي لوثوقه وقطعه بصدقه فجزم وقال : { لن تتبعونا } يعني لو أذنتكم ولو أردتم واخترتم لا يتم لكم ذلك لما أخبر الله تعالى . ثم قال تعالى : { فسيقولون بل تحسدوننا } . ردا على قوله تعالى : { كذلكم قال الله من قبل } كأنهم قالوا : ما قال الله كذلك من قبل ، بل تحسدوننا ، وبل للاضراب والمضروب عنه محذوف في الموضعين ، أما ههنا فهو بتقدير ما قال الله وكذلك ، فإن قيل بماذا كان الحسد في اعتقادهم ؟ نقول كأنهم قالوا نحن كنا مصيبين في عدم الخروج حيث رجعوا من الحديبية من غير حاصل ونحن استرحنا ، فإن خرجنا معهم ويكون فيه غنيمة يقولون هم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا . ثم قال تعالى ردا عليهم كما ردوا { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } أي لم يفقهوا من قولك لا تخرجوا إلا ظاهر النهي ولم يفهموا من حكمه إلا قليلا فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد . ! 7 < { قل للمخلفين من الا عراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما } . > 7 ! < < الفتح : ( 16 ) قل للمخلفين من . . . . .
> > لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { قل لن تتبعونا } ( الفتح : 15 ) وقال : { فقل لن تخرجوا معى أبدا } ( التوبة : 83 ) فكان المخلفون جمعا كثيرا ، من قبائل متشعبة ، دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم فإنهم لم يبقوا على ذلك ولم يكونوا من الذين مردوا على النفاق ، بل منهم من حسن حاله وصلح باله فجعل لقبول توبتهم علامة ، وهو أنهم يدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد ويطيعون بخلاف حال ثعلبة حيث امتنع من أداء الزكاة ثم أتى بها ولم يقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم واستمر عليه الحال ولم يقبل منه أحد من الصحابة ، كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أنه تعالى بين أنهم يدعون فإن كانوا يطيعون يؤتون الأجرر الحسن وما كان أحد من الصحابة يتركهم يتبعونه ، والفرق بين حال ثعلبة / وبين حال هؤلاء من وجهين أحدهما : أن ثعلبة جاز أن يقال حاله لم يكن يتغير في علم الله ، فلم يبين لتوبته علامة ، والأعراب تغيرت ، فإن بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق من المنافقين على النفاق أحد على مذهب أهل السنة وثانيهما : أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير والجم الغفير أمس ، لأنه لولا البيان لكان يفضي الأمر إلى قيام الفتنة بين فرق المسلمين ، وفي قوله { ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد } وجوه أشهرها وأظهرها أنهم بنو حنيفة حيث تابعوا مسيلمة وغزاهم أبو بكر وثانيها : هم فارس والروم غزاهم عمر ثالثها : هوازن وثقيف غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقوى الوجوه هو أن الدعاء كان من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان الأظهر غيره ، أما الدليل على قوة هذا الوجه هو أن أهل السنة اتفقوا على أن أمر العرب في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ظهر ولم يبق إلا كافر مجاهر ، أو مؤمن تقي طاهر ، وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على موتى المنافقين ، وترك المؤمنون مخالطتهم حتى إن عبادة بن كعب مع كونه بين المؤمنين لم يكلمه المؤمنون مدة ، وما ذكره الله علامة لظهور حال من كان منافقا ، فإن كان ظهر حالهم بغير هذا ، فلا معنى لجعل هذا علامة وإن ظهر بهذا الظهور كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لو امتنع من قبولهم لاتباعه لامتنع أبو بكر وعمر لقوله تعالى : { واتبعوه } ( الأعراف : 158 ) وقوله { فاتبعونى } ( مريم : 43 ) فإن قيل هذا ضعيف لوجهين أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لن تتبعونا } ( الفتح : 15 ) وقال : { لن تخرجوا معى أبدا } ( التوبة : 83 ) فكيف كانوا يتبعونه مع النفي ؟