Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V28/P177–V28/P178

! 7 < { وفى الا رض ءايات للموقنين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 20 ) وفي الأرض آيات . . . . . > > وهو يحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون متعلقا بقوله : { إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع وفى الارض ءايات للموقنين } تدلهم على أن الحشر كائن كما قال تعالى : { ومن ءاياته أنك ترى الارض خاشعة } إلى أن قال : { إن الذى أحياها فانظر إلى } ( فصلت : 39 ) . وثانيهما : أن يكون متعلقا بأفعال المتقين ، فإنهم خافوا الله فعظموه فأظهروا الشفقة على عباده ، وكان لهم آيات في الأرض ، وفي أنفسهم على إصابتهم الحق في ذلك ، فإن من يكون له في الأرض الآيات العجيبة يكون له القدرة التامة فيخشى ويتقى ، ومن له من أنفس الناس حكم بالغة ونعم سابغة يستحق أن يعبد ويترك الهجوع لعبادته ، وإذا قابل العبد العبادة بالنعمة يجدها دون حد الشكر فيستغفر على التقصير ، وإذا علم أن الرزق من السماء لا يبخل بماله ، فالآيات الثلاثة المتأخرة فيها تقرير ما تقدم ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فورب السماء والارض } ( الذاريات : 23 ) يكون عود الكلام بعد اعتراض الكلام الأول أقوى وأظهر ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : كيف خصص الموقنين بكون الآيات لهم مع أن الآيات حاصلة للكل قال تعالى : { وءاية لهم الارض الميتة أحييناها } ( يس : 33 ) نقول قد ذكرنا أن اليمين آخر ما يأتي به المبرهن وذلك لأنه أولا يأتي بالبرهان ، فإن صدق فذلك وإن لم يصدق لا بد له من أن ينسبه الخصم إلى إصرار على الباطل لأنه إذا لم يقدر على قدح فيه ولم يصدقه يعترف له بقوة الجدل وينسبه إلى المكابرة فيتعين طريقه في اليمين ، فإذا آيات الأرض لم تفدهم لأن اليمين بقوله : { والذريات ذروا } ( الذاريات : 1 ) دلت على سبق إقامة البينات وذكر الآيات ولم يفد فقال فيها : { وفى الارض ءايات للموقنين } وإن لم يحصل للمصر المعاند منها فائدة ، وأما في سورة يس وغيرها من الموانع التي جعل فيها آيات الأرض للعامة لم يحصل فيها اليمين وذكر الآيات قبله فجاز أن يقال إن الأرض آيات لمن ينظر فيها . الجواب الثاني : وهو الأصح أن هنا الآيات بالفعل والاعتبار للمؤمنين أي حصل ذلك لهم وحيث قال لكل معناه إن فيها آيات لهم إن نظروا وتأملوا . / المسألة الثانية : ههنا قال : { وفى الارض ءايات } وقال هناك : { وءاية لهم الارض } ( يس : 33 ) نقول لما جعل الآية { للموقنين } ذكر بلفظ الجمع لأن الموقن لا يغفل عن الله تعالى في حال ويرى في كل شيء آيات دالة ، وأما الغافل فلا يتنبه إلا بأمور كثيرة فيكون الكل له كالآية الواحدة . ! 7 < { وفىأنفسكم أفلا تبصرون } . > 7 < الذاريات : ( 21 ) وفي أنفسكم أفلا . . . . . > >

حصہ V28/P178

إشارة إلى دليل الأنفس ، وهو كقوله تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) وإنما اختار من دلائل الآفاق ما في الأرض لظهورها لمن على ظهورها فإن في أطرافها وأكنافها ما لا يمكن عد أصنافها فدليل الأنفس في قوله : { وفى أنفسكم } عام ويحتمل أن يكون مع المؤمنين ، وإنما أتى بصيغة الخطاب لأنها أظهر لكون علم الإنسان بما في نفسه أتم وقوله تعالى : { وفى أنفسكم } يحتمل أن يكون المراد وفيكم ، يقال الحجارة في نفسها صلبة ولا يراد بها النفس التي هي منبع الحياة والحس والحركات ، ويحتمل أن يكون المراد وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات وقوله : { أفلا تبصرون } بالاستفهام إشارة إلى ظهورها . ! 7 < { وفى السمآء رزقكم وما توعدون } . > 7 < الذاريات : ( 22 ) وفي السماء رزقكم . . . . . > > وقوله تعالى : { وفى السماء رزقكم } فيه وجوه . أحدها : في السحاب المطر . ثانيها : { فى السماء رزقكم } مكتوب . ثالثها : تقدير الأرزاق كلها من السماء ولولاه لما حصل في الأرض حبة قوت ، وفي الآيات الثلاث ترتيب حسن وذلك لأن الإنسان له أمور يحتاج إليها لا بد من سبقها حتى يوجد هو في نفسه وأمور تقارنه في الوجود وأمور تلحقه وتوجد بعده ليبقى بها ، فالأرض هي المكان وإليه يحتاج الإنسان ولا بد من سبقها فقال : { وفى الارض ءايات } ثم في نفس الإنسان أمور من الأجسام والأعراض فقال : { وفى أنفسكم } ثم بقاؤه بالرزق فقال : { وفى السماء رزقكم } ولولا السماء لما كان للناس البقاء . وقوله تعالى : { وما توعدون } فيه وجوه . أحدها : الجنة الموعود بها لأنها في السماء . ثانيها : هو من الإيعاد لأن البناء للمفعول من أوعد يوعد أي وما توعدون إما من الجنة والنار في قوله تعالى : { يوم هم على النار } ( الذاريات : 13 ) وقوله : { إن المتقين فى جنات } ( الذاريات : 15 ) فيكون إيعادا عاما ، وأما من العذاب وحينئذ يكون الخطاب مع الكفار فيكون كأنه تعالى قال : وفي الأرض آيات للموقنين كافية ، وأما أنتم أيها الكافرون ففي أنفسكم آيات هي أظهر الآيات وتكفرون لها لحطام الدنيا وحب الرياسة ، وفي السماء الأرزاق ، فلو نظرتم وتأملتم حق التأمل ، لما تركتم الحق لأجل الرزق ، فإنه واصل بكل طريق ولاجتنبتم الباطل اتقاء لما توعدون من العذاب النازل . ثم قال تعالى : ! 7 < { فورب السمآء والا رض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 23 ) فورب السماء والأرض . . . . .

حصہ V28/P178–V28/P179

> > وفي المقسم عليه وجوه . / أحدها : { ما توعدون } أي ما توعدون لحق يؤيده قوله تعالى : { إنما توعدون لصادق } ( الذاريات : 5 ) وعلى هذا يعود كل ما قلناه من وجوه { ما توعدون } إن قلنا إن ذلك هو الجنة فالمقسم عليه هو هي . ثانيها : الضمير راجع إلى القرآن أي أن القرآن حق وفيما ذكرناه في قوله تعالى : { يؤفك عنه } ( الذاريات : 9 ) دليل هذه وعلى هذا فقوله : { مثل ما أنكم تنطقون } معناه تكلم به الملك النازل من عند الله به مثل ما أنكم تتكلمون وسندكره . ثالثها : أنه راجع إلى الدين كما في قوله تعالى : { وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 6 ) . رابعها : أنه راجع إلى اليوم المذكور في قوله : { أيان يوم الدين } ( الذاريات : 12 ) يدل عليه وصف الله اليوم بالحق في قوله تعالى : { ذلك اليوم الحق } ( النبأ : 39 ) . خامسها : أنه راجع إلى القول الذي يقال : { هاذا الذى كنتم به تستعجلون } ( الذاريات : 14 ) وفي التفسير مباحث : الأول : الفاء تستدعي تعقيب أمر لأمر فما الأمر المتقدم ؟ نقول فيه وجهان . أحدهما : الدليل المتقدم كأنه تعالى يقول : إن ما توعدون لحق بالبرهان المبين ، ثم بالقسم واليمين . ثانيهما : القسم المتقدم كأنه تعالى يقول : { والذريات } ثم { ورب السماء والارض } وعلى هذا يكون الفاء حرف عطف أعيد معه حرف القسم كما يعاد الفعل إذ يصح أن يقال ومررت بعمرو ، فقوله : { والذريات ذروا فالحاملات وقرا } ( الذاريات : 1 ، 2 ) عطف من غير إعادة حرف القسم ، وقوله : { فورب السماء } مع إعادة حرفه ، والسبب فيه وقوع الفصل بين القسمين ، ويحتمل أن يقال الأمر المتقدم هو بيان الثواب في قوله : { يوم هم على النار يفتنون } ( الذاريات : 13 ) وقوله : { إن المتقين فى جنات } ( الذاريات : 15 ) وفيه فائدة ، وهو أن الفاء تكون تنبيها على أن لا حاجة إلى اليمين مع ما تقدم من الكشف المبين ، فكأنه يقول ورب السماء والأرض إنه لحق ، كما يقول القائل بعدما يظهر دعواه هذا والله إن الأمر كما ذكرت فيؤكد قوله باليمين ، ويشير إلى ثبوته من غير يمين . البحث الثاني : أقسم من قبل بالأمور الأرضية وهي الرياح وبالسماء في قوله : { والسماء ذات الحبك } ( الذاريات : 7 ) ولم يقسم بربها ، وههنا أقسم بربها نقول كذلك الترتيب يقسم المتكلم أولا بالأدنى فإن لم يصدق به يرتقي إلى الأعلى ، ولهذا قال بعض الناس إذا قال قائل وحياتك ، والله لا يكفر وإذا قال : والله وحياتك لا شك يكفر وهذا استشهاد ، وإن كان الأمر على خلاف ما قاله ذلك القائل لأن الكفر إما بالقلب ، أو باللفظ الظاهر في أمر القلب ، أو بالفعل الظاهر ، وما ذكره ليس بظاهر في تعظيم جانب غير الله ، والعجب من ذلك القائل أنه لا يجعل التأخير في الذكر مفيدا للترتيب في الوضوء وغيره .

حصہ V28/P179–V28/P180

البحث الثالث : قرىء مثل بالرفع وحينئذ يكون وصفا لقوله لحق ومثل وإن أضيف إلى المعرفة لا يخرجه عن جواز وصف المنكر به ، تقول رأيت رجلا مثل عمرو ، لأنه لا يفيده تعريفا لأنه في غاية الإبهام وقرىء : { مثل } بالنصب ، ويحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون مفتوحا لإضافته إلى ما هو ضعيف وإلا جاز أن يقال زيد قاتل من يعرفه أو ضارب من يشتمه . ثانيهما : أن يكون / منصوبا على البيان تقديره لحق حقا مثل ، ويحتمل أن يقال إنه منصوب على أنه صفة مصدر معلوم غير مذكور ، ووجهه أنا دللنا أن المراد من الضمير في قوله : { أنه } هو القرآن فكأنه قال إن القرآن لحق نطق به الملك نطقا { مثل ما أنكم تنطقون } وما مجرور لا شك فيه . ثم قال تعالى : ! 7 < { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 24 ) هل أتاك حديث . . . . . > > إشارة إلى تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم ببيان أن غيره من الأنبياء عليهم السلام كان مثله ، واختار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين كون النبي عليه الصلاة والسلام على سنته في بعض الأشياء ، وإنذار لقومه بما جرى من الضيف ، ومن إنزال الحجارة على المذنبين المضلين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : إذا كان المراد ما ذكرت من التسلية والإنذار فأي فائدة في حكاية الضيافة ؟ نقول ليكون ذلك إشارة إلى الفرج في حق الأنبياء ، والبلاء على الجهلة والأغبياء ، إذا جاءهم من حيث لا يحتسب . قال الله تعالى : { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } ( الحشر : 2 ) فلم يكن عند إبراهيم عليه السلام خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع مكانته . المسألة الثانية : كيف سماهم ضيفا ولم يكونوا ؟ نقول لما حسبهم إبراهيم عليه السلام ضيفا لم يكذبه الله تعالى في حسابه إكراما له ، يقال في كلمات المحققين الصادق يكون ما يقول ، والصديق يقول ما يكون . المسألة الثالثة : ضيف لفظ واحد والمكرمين جمع ، فكيف وصف الواحد بالجمع ؟ نقول الضيف يقع على القوم ، يقال قوم ضيف ولأنه مصدر فيكون كلفظ الرزق مصدرا ، وإنما وصفهم بالمكرمين إما لكونهم عبادا مكرمين كما قال تعالى : { بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) وإما لإكرام إبراهيم عليه السلام إياهم ، فإن قيل : بماذا أكرمهم ؟ قلنا ببشاشة الوجه أولا ، وبالإجلاس في أحسن المواضع وألطفها ثانيا ، وتعجيل القرى ثالثا ، وبعد التكليف للضيف بالأكل والجلوس وكانوا عدة من الملائكة في قول ثلاثة جبريل وميكائيل وثالث ، وفي قول عشرة ، وفي آخر اثنا عشرة . المسألة الرابعة : هم أرسلوا للعذاب بدليل قولهم : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } ( الذاريات : 32 ) وهم لم يكونوا من قوم إبراهيم عليه السلام ، وإنما كانوا من قوم لوط فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم عليه السلام ؟ نقول فيه حكمة بالغة ، وبيانها من وجهين . أحدهما : أن إبراهيم عليه السلام شيخ المرسلين وكان لوط من قومه ومن إكرام الملك للذي في عهدته وتحت طاعته إذا كان يرسل رسول إلى غيره يقول له اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه . وثانيهما : هو أن / الله تعالى لما قدر أن يهلك قوما كثيرا وجما غفيرا ، وكان ذلك مما يحزن إبراهيم عليه السلام شفقة منه على عباده قال لهم بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف ما يهلك ، ويكون من صلبه خروج الأنبياء عليهم السلام . ثم قال تعالى : ! 7 < { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون } . > 7 ! < <

حصہ V28/P180–V28/P181

الذاريات : ( 25 ) إذ دخلوا عليه . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما العامل في إذ ؟ فيه وجوه . أحدها : ما في المكرمين من الإشارة إلى الفعل إن قلنا وصفهم بكونهم مكرمين بناء على أن إبراهيم عليه السلام أكرمهم فيكون كأنه تعالى يقول : أكرموا إذ دخلوا ، وهذا من شأن الكريم أن يكرم ضيفه وقت الدخول . ثانيها : ما في الضيف من الدلالة على الفعل ، لأنا قلنا إن الضيف مصدر فيكون كأنه يقول : أضافهم إذ دخلوا . وثالثها : يحتمل أن يكون العامل فيه أتاك تقديره ما أتاك حديثهم وقت دخولهم ، فاسمع الآن ذلك ، لأن هل ليس للاستفهام في هذا الموضع حقيقة بل للإعلام ، وهذا أولى لأنه فعل مصرح به ، ويحتمل أن يقال اذكر إذ دخلوا . المسألة الثانية : لماذا اختلف إعراب السلامين في القراءة المشهورة ؟ نقول : نبين أولا وجوه النصب والرفع ، ثم نبين وجوه الاختلاف في الإعراب ، أما النصب فيحتمل وجوها : أحدها : أن يكون المراد من السلام هو التحية وهو المشهور ، ونصبه حينئذ على المصدر تقديره نسلم سلاما . ثانيها : هو أن يكون السلام نوعا من أنواع الكلام وهو كلام سلم به المتكلم من أن يلغو أو يأثم فكأنهم لما دخلوا عليه فقالوا حسنا سلموا من الإثم ، وحينئذ يكون مفعولا للقول لأن مفعول القول هو الكلام ، يقال قال فلان كلاما ، ولا يكون هذا من باب ضربه سوطا لأن المضروب هناك ليس هو السوط ، وههنا القول هو الكلام فسره قوله تعالى : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) وقوله تعالى : { قيلا سلاما سلاما } ( الواقعة : 21 ) . ثالثها : أن يكون مفعول فعل محذوف تقديره نبلغك سلاما ، لا يقال على هذا إن المراد لو كان ذلك لعلم كونهم رسل الله عند السلام فما كان يقول : { قوم منكرون } ولا كان يقرب إليهم الطعام ، ولما قال : { نكرهم } ( هود : 70 ) لأنا نقول جاز أن يقال إنهم قالوا : نبلغك سلاما ولم يقولوا من الله تعالى إلى أن سألهم إبراهيم عليه السلام ممن تبلغون لي السلام ، وذلك لأن الحكيم لا يأتي بالأمر العظيم إلا بالتدريج فلما كانت هيبتهم عظيمة ، فلو ضموا إليه الأمر العظيم الذي هو السلام من الله تعالى لانزعج إبراهيم عليه السلام ، ثم إن إبراهيم عليه السلام اشتغل بإكرامهم عن سؤالهم وآخر السؤال إلى حين الفراغ فنكرهم بين السلام والسؤال عمن منه السلام هذا وجه النصب ، وأما الرفع فنقول يحتمل أن المراد منه السلام الذي هو التحية وهو المشهور أيضا ، وحينئذ يكون مبتدأ / خبره محذوف تقديره سلام عليكم ، وكون المبتدأ نكرة يحتمل في قول القائل سلام عليكم وويل له ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره قال جوابه سلام ، ويحتمل أن يكون المراد قولا يسلم به أو ينبىء عن السلامة فيكون خبر مبتدأ محذوف تقديره أمي سلام بمعنى مسالمة لا تعلق بيني وبينكم لأني لا أعرفكم ، أو يكون المبتدأ قولكم ، وتقديره قولكم سلام ينبىء عن السلامة وأنتم قوم منكرون فما خطبكم فإن الأمر أشكل علي وهذا ما يحتمل أن يقال في النصب والرفع ، وأما الفرق فنقول أما على التفسير المشهور وهو أن السلام في الموضعين بمعنى التحية فنقول الفرق بينهما من حيث اللفظ ومن حيث المعنى .

حصہ V28/P181–V28/P182

أما من حيث اللفظ : فنقول سلام عليك إنما جوز واستحسن لكونه مبتدأ وهو نكرة ، من حيث إنه كالمتروك على أصله لأن الأصل أن يكون منصوبا على تقدير أسلم سلاما وعليك يكون لبيان من أريد بالسلام ، ولا يكون لعليك حظ من المعنى غير ذلك البيان فيكون كالخارج عن الكلام ، والكلام التام أسلم سلاما / كما أنك تقول ضربت زيدا على السطح يكون على السطح خارجا عن الفعل والفاعل والمفعول لبيان مجرد الظرفية ، فإذا كان الأمر كذلك وكان السلام والأدعية كثير الوقوع ، قالوا نعدل عن الجملة الفعلية إلى الإسمية ونجعل لعليك حظا في الكلام ، فنقول سلام عليك ، فتصير عليك لفائدة لا بد منها ، وهي الخبرية ، ويترك السلام نكرة كما كان حال النصب ، إذا علم هذا فالنصب أصل والرفع مأخوذ منه ، والأصل مقدم على المأخوذ منه ، فقال : { بالبشرى قالوا سلاما قال سلام } قدم الأصل على المتفرع منه . وأما من حيث المعنى : فذلك لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن يرد عليهم بالأحسن ، فأتى بالجملة الإسمية فإنها أدل على الدوام والاستمرار ، فإن قولنا جلس زيد لا ينبىء عنه لأن الفعل لا بد فيه من الإنباء عن التجدد والحدوث ولهذا لو قلت : الله موجود الآن لأثبت العقل الدوام إذ لا ينبىء عن التجدد ، ولو قال قائل : وجد الله الآن لكاد ينكره العاقل لما بينا فلما قالوا : سلاما قال : سلام عليكم مستمر دائم ، وأما على قولنا المراد القول ذو السلامة فظاهر الفرق ، فإنهم قالوا قولا ذا سلام ، وقال لهم إبراهيم عليه السلام : سلام أي قولكم ذو سلام وأنتم قوم منكرون فالتبس الأمر علي ، وإن قلنا المراد أمر مسالمة ومتاركة وهم سلموا عليه تسليما ، فنقول فيه جمع بين أمرين : تعظيم جانب الله ، ورعاية قلب عباد الله ، فإنه لو قال : سلام عليكم وهو لم يعلم كونهم من عباد الله الصالحين كان يجوز أن يكونوا على غير ذلك ، فيكون الرسول قد أمنهم ، فإن السلام أمان وأمان الرسول أمان المرسل فيكون فاعلا للأمر من غير إذن الله نيابة عن الله فقال : أنتم سلمتم علي وأنا متوقف أمري متاركة لا تعلق بيننا إلى أن يتبين الحال ويدل على هذا هو أن الله تعالى قال : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) وقال في مثل هذا المعنى للنبي صلى الله عليه وسلم : { فاصفح عنهم وقل سلام } ( الزخرف : 89 ) ولم يقل قل سلاما ، وذلك لأن الأخيار المذكورين في القرآن لو / سلموا على الجاهلين لا يكون ذلك سببا لحرمة التعرض إليهم ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم لو سلم عليهم لصار ذلك سببا لحرمة التعرض إليهم ، فقال : قل سلام أي أمري معكم متاركة تركناه إلى أن يأتي أمر الله بأمر ، وأما على قولنا بمعنى نبلغ سلاما فنقول هم لما قالوا نبلغك سلاما ولم يعلم إبراهيم عليه السلام أنه ممن قال سلام أي إن كان من الله فإن هذا منه قد ازداد به شرفي وإلا فقد بلغني منه سلام وبه شرفي ولا أتشرف بسلام غيره ، وهذا ما يمكن أن يقال فيه والله أعلم بمراده الأول والثاني عليهما الاعتماد فإنهما أقوى وقد قيل بهما . المسألة الثالثة : قال في سورة هود : { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم } ( هود : 70 ) فدل على أن إنكارهم كان حاصلا بعد تقريبه العجل منهم وقال ههنا : { قال سلام قوم منكرون } . ثم قال تعالى : ! 7 < { فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 26 ) فراغ إلى أهله . . . . .

حصہ V28/P182–V28/P183

> > بفاء التعقيب فدل على أن تقريب الطعام منهم بعد حصول الإنكار لهم ، فما الوجه فيه ؟ نقول : جاز أن يحصل أولا عنده منهم نكر ثم زاد عند إمساكهم ، والذي يدل على هذا هو أنهم كانوا على شكل وهيئة غير ما يكون عليه الناس وكانوا في أنفسهم عند كل أحد منكرين ، واشترك إبراهيم عليه السلام وغيره فيه ولهذا لم يقل أنكرتكم بل قال : أنتم منكرون في أنفسكم عند كل أحد منا ، ثم إن إبراهيم عليه السلام تفرد بمشاهدة أمر منهم هو الإمساك فنكرهم فوق ما كان منهم بالنسبة إلى الكل لكن الحالة في سورة هود محكية على وجه أبسط مما ذكره ههنا ، فإن ههنا لم يبين المبشر به ، وهناك ذكر باسمه وهو إسحاق ، ولم يقل ههنا إن القوم قوم من وهناك قال قوم لوط ، وفي الجملة من يتأمل السورتين يعلم أن الحكاية محكية هناك على وجه الإضافة أبسط ، فذكر فيها النكتة الزائدة ، ولم يذكر ههنا ولنعد إلى بيان ما أتى به من آداب الإضافة وما أتوا به من آداب الضيافة ، فالإكرام أولا ممن جاءه ضيف قبل أن يجتمع به ويسلم أحدهما على الآخر أنواع من الإكرام وهي اللقاء الحسن والخروج إليه والتهيؤ له ثم السلام من الضيف على الوجه الحسن الذي دل عليه النصب في قوله : { سلاما } إما لكونه مؤكدا بالمصدر أو لكونه مبلغا ممن هو أعظم منه ، ثم الرد الحسن الذي دل عليه الرفع والإمساك عن الكلام لا يكون فيه وفاء إن إبراهيم عليه السلام لم يقل سلام عليكم بل قال أمري مسالمة أو قولكم سلام وسلامكم منكر فإن ذلك وإن كان مخلا بالإكرام ، لكن العذر ليس من شيم الكرام ومودة أعداء الله لا تليق بالأنبياء عليهم السلام ثم تعجيل القرى الذي دل عليه قوله تعالى : { فما لبث أن جاء } ( هود : 69 ) وقوله ههنا : { فراغ } فإن الروغان يدل على السرعة والروغ الذي بمعنى النظر الخفي أو الرواح المخفي أيضا كذلك ، ثم الإخفاء فإن المضيف إذا أحضر شيئا ينبغي أن يخفيه عن الضيف كي لا يمنعه من الإحضار بنفسه حيث راغ هو ولم يقل هاتوا ، وغيبة المضيف لحظة / من الضيف مستحسن ليستريح ويأتي بدفع ما يحتاج إليه ويمنعه الحياء منه ثم اختيار الأجود بقوله : { سمين } ثم تقديم الطعام إليهم لا نقلهم إلى الطعام بقوله : { فقربه إليهم } لأن من قدم الطعام إلى قوم يكون كل واحد مستقرا في مقره لا يختلف عليه المكان فإن نقلهم إلى مكان الطعام ربما يحصل هناك اختلاف جلوس فيقرب الأدنى ويضيق على الأعلى ثم العرض لا الأمر حيث قال : { ألا تأكلون } ولم يقل كلوا ثم كون المضيف مسرورا بأكلهم غير مسرور بتركهم الطعام كما يوجد في بعض البخلاء المتكلفين الذين يحضرون طعاما كثيرا ويكون نظره ونظر أهل بيته في الطعام متى يمسك الضيف يده عنه يدل عليه قوله تعالى : ! 7 < { فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم } . > 7 ! < < الذاريات : ( 28 ) فأوجس منهم خيفة . . . . .

حصہ V28/P183–V28/P184

> > ثم أدب الضيف أنه إذا أكل حفظ حق المؤاكلة ، يدل عليه أنه خافهم حيث لم يأكلوا ، ثم وجوب إظهار العدر عند الإمساك يدل عليه قوله : { لا تخف } ثم تحسين العبارة في العذر وذلك لأن من يكون محتميا وأحضر لديه الطعام فهناك أمران . أحدهما : أن الطعام لا يصلح له لكونه مضرا به . الثاني : كونه ضعيف القوة عن هضم ذلك الطعام فينبغي أن لا يقول الضيف هذا طعام غليظ لا يصلح لي بل الحسن أن يأتي بالعبارة الأخرى ويقول : لي مانع من أكل الطعام وفي بيتي لا آكل أيضا شيئا ، يدل عليه قوله : { وبشروه بغلام } حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون ولم يقولوا لا يصلح لنا الطعام والشراب ، ثم أدب آخر في البشارة أن لا يخبر الإنسان بما يسره دفعة فإنه يورث مرضا يدل عليه أنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم عليه السلام ثم قالوا نبشرك ثم ذكروا أشرف النوعين وهو الذكر ولم يقتنعوا به حتى وصفوه بأحسن الأوصاف فإن الابن يكون دون البنت إذا كانت البنت كاملة الخلقة حسنة الخلق والابن بالضد ، ثم إنهم تركوا سائر الأوصاف من الحسن والجمال والقوة والسلامة واختاروا العلم إشارة إلى أن العلم رأس الأوصاف ورئيس النعوت ، وقد ذكرنا فائدة تقديم البشارة على الإخبار عن إهلاكهم قوم لوط ، ليعلم أن الله تعالى يهلكهم إلى خلف ، ويأتي ببدلهم خيرا منهم . ! 7 < { فأقبلت امرأته فى صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم } . > 7 < الذاريات : ( 29 ) فأقبلت امرأته في . . . . . > > ثم قال تعالى : { فأقبلت امرأته فى صرة فصكت وجهها وقالت يوم عقيم } . أي أقبلت على أهلها ، وذلك لأنها كانت في خدمتهم ، فلما تكلموا مع زوجها بولادتها استحيت وأعرضت عنهم ، فذكر الله تعالى ذلك بلفظ الإقبال على الأهل ، ولم يقل بلفظ الإدبار عن الملائكة ، وقوله تعالى : { فى صرة } أي صيحة ، كما جرت عادة النساء حيث يسمعن شيئا من أحوالهن يصحن صيحة معتادة لهن عند الاستحياء أو التعجب ، ويحتمل أن يقال تلك الصيحة / كانت بقولها يا ويلتا ، تدل عليه الآية التي في سورة هود ، وصك الوجه أيضا من عادتهن ، واستبعدت ذلك لوصفين من اجتماعهما . أحدهما : كبر السن . والثاني : العقم ، لأنها كانت لا تلد في صغر سنها ، وعنفوان شبابها ، ثم عجزت وأيست فاستبعدت ، فكأنها قالت : يا ليتكم دعوتم دعاء قريبا من الإجابة ، ظنا منها أن ذلك منهم ، كما يصدر من الضيف على سبيل الأخبار من الأدعية كقول الداعي : الله يعطيك مالا ويرزقك ولدا ، فقالوا : هذا منا ليس بدعاء . وإنما ذلك قول الله تعالى : { قالوا كذلك قال ربك } < < الذاريات : ( 30 ) قالوا كذلك قال . . . . . > > ثم دفعوا استبعادها بقولهم : { إنه هو الحكيم العليم } .

حصہ V28/P184–V28/P185

وقد ذكرنا تفسيرهما مرارا ، فإن قيل لم قال ههنا { الحكيم العليم } وقال في هود : { حميد مجيد } ( هود : 73 ) نقول لما بينا أن الحكاية هناك أبسط ، فذكروا ما يدفع الاستبعاد بقولهم : { أتعجبين من أمر الله } ( هود : 73 ) ثم لما صدقت أرشدوهم إلى القيام بشكر نعم الله ، وذكروهم بنعمته بقولهم : { حميد } فإن الحميد هو الذي يتحقق منه الأفعال الحسنة ، وقولهم : { مجيد } إشارة إلى أن الفائق العالي الهمة لا يحمده لفعله الجميل ، وإنما يحمده ويسبح له لنفسه ، وههنا لما لم يقولوا : { أتعجبين } إشارة إلى ما يدفع تعجبها من التنبيه على حكمه وعلمه ، وفيه لطيفة وهي أن هذا الترتيب مراعى في السورتين ، فالحميد يتعلق بالفعل ، والمجيد يتعلق بالقول ، وكذلك الحكيم هو الذي فعله ، كما ينبغي لعلمه قاصدا لذلك الوجه بخلاف من يتفق فعله موافقا للمقصود اتفاقا ، كمن ينقلب على جنبه فيقتل حية وهو نائم ، فائدة لا يقال له حكيم ، وأما إذا فعل فعلا قاصدا لقتلها بحيث يسلم عن نهشها ، يقال له حكيم فيه ، والعليم راجع إلى الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد بمجده ، وإن لم يفعل فعلا وهو قاصد لعلمه ، وإن لم يفعل على وفق القاصد . ثم قال تعالى : ! 7 < { قال فما خطبكم أيها المرسلون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 31 ) قال فما خطبكم . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : لما علم حالهم بدليل قوله : { منكرون } ( الذاريات : 25 ) لم لم يقنع بما بشروه لجواز أن يكون نزولهم للبشارة لا غير ؟ نقول إبراهيم عليه السلام أتى بما هو من آداب المضيف حيق يقول لضيفه إذا استعجل في الخروج ما هذه العجلة ، وما شغلك الذي يمنعنا من التشرف بالاجتماع بك ، ولا يسكت عند خروجهم مخافة أن يكون سكوته يوهم استثقالهم ، ثم إنهم أتوا بما هو من آداب الصديق الذي لا يسر عن الصديق الصدوق ، لا سيما وكان ذلك بإذن الله تعالى لهم في إطلاع إبراهيم عليه السلام على إهلاكهم ، وجبر قلبه بتقديم البشارة بخير البدل ، وهو أبو الأنبياء إسحاق عليه السلام على الصحيح ، فإن قيل فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ، ولو كان كما ذكرتم لقال ماهذا / الاستعجال ، وما خطبكم المعجل لكم ؟ نقول : لو كان أوجس منهم خيفة وخرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئا ، فلما آنسوه قال : ما خطبكم ، أي بعد هذا الأنس العظيم ، ما هذا الإيحاش الأليم . المسألة الثانية : هل في الخطب فائدة لا توجد في غيره من الألفاظ ؟ نقول : نعم ، وذلك من حيث إن الألفاظ المفردة التي يقرب منها الشغل والأمر والفعل وأمثالها ، وكل ذلك لا يدل على عظم الأمر ، وأما الخطب فهو الأمر العظيم ، وعظم الشأن يدل على عظم من على يده ينقضي ، فقال : { ما خطبكما } أي لعظمتكم لا ترسلون إلا في عظيم ، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول ما شغلكم الخطير وأمركم العظيم للزم التطويل ، فالخطب أفاد التعظيم مع الإيجاز .

حصہ V28/P185

المسألة الثالثة : من أين عرف كونهم مرسلين ، فنقول قالوا له بدليل قوله تعالى : { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } ( هود : 70 ) وإنما لم يذكر ههنا لما بينا أن الحكاية ببسطها مذكورة في سورة هود ، أو نقول لما قالوا لامرأته : { كذلك قال ربك } ( الذاريات : 30 ) علم كونهم منزلين من عند الله حيث كانوا يحكون قول الله تعالى ، يدل على هذا أن قولهم : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } كان جواب سؤاله منهم . ! 7 < { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 32 ) قالوا إنا أرسلنا . . . . . > > المسألة الرابعة : هذه الحكاية بعينها هي المحكية في هود ، وهناك قالوا : { أنا أرسلنا } ( هود : 70 ) بعد ما زال عنه الروع وبشروه ، وهنا قالوا : { أنا أرسلنا } بعدما سألهم عن الخطب ، وأيضا قالوا هناك : { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } ( هود : 70 ) وقالوا ههنا : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } والحكاية من قولهم ، فإن لم يقولوا ذلك ورد السؤال أيضا ، فنقول إذا قال قائل حاكيا عن زيد : قال زيد عمرو خرج ، ثم يقول مرة أخرى : قال زيد إن بكرا خرج ، فإما أن يكون صدر من زيد قولان ، وإما أن لا يكون حاكيا مما قاله زيد ، والجواب عن الأول : هو أنه لما خاف جاز أنهم ما قالوا له { لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } فلما قال لهم ماذا تفعلون بهم ، كان لهم أن يقولوا : { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } لنهلكهم ، كما يقول القائل : خرجت من البيت ، فيقال : لماذا خرجت ؟ فيقول : خرجت لأتجر ، لكن ههنا فائدة معنوية ، وهي أنهم إنما قالوا في جواب ما خطبكم نهلكهم ؟ بأمر الله ، لتعلم براءتهم عن إيلام البريء ، وإهمال الرديء فأعادوا لفظ الإرسال ، وأما عن الثاني : نقول الحكاية قد تكون حكاية اللفظ ، كما تقول : قال زيد بعمرو مررت ، فيحكي لفظه المحكي ، وقد يكون حكاية لكلامه بمعناه تقول : زيد قال عمرو خرج ، ولك أن تبدل مرة أخرى في غير تلك الحكاية بلفظة أخرى ، فتقول لما قال زيد بكر خرج ، قلت كيت وكيت ، كذلك ههنا القرآن لفظ معجز ، وما صدر ممن تقدم نبينا عليه السلام سوا كان منهم ، وسواء كان منزلا عليهم لم يكن لفظه معجزا ، فيلزم أن لا تكون هذه الحكايات بتلك الألفاظ ، فكأنهم قالوا له : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } وقالوا : / { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } وله أن يقول ، إنا أرسلنا إلى قوم من آمن بك ، لأنه لا يحكي لفظهم حتى يكون ذلك واحدا ، بل يحكي كلامهم بمعناه وله عبارات كثيرة . ألا ترى أنه تعالى لما حكى لفظهم في السلام على أحد الوجوه في التفسير ، قال في الموضعين : سلاما وسلام ثم بين ما لأجله أرسلوا بقوله : ! 7 < { لنرسل عليهم حجارة من طين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 33 ) لنرسل عليهم حجارة . . . . . > > وقد فسرنا ذلك في العنكبوت ، وقلنا : إن ذلك دليل على وجوب الرمي بالحجارة على اللائط وفيه مسائل :

حصہ V28/P185–V28/P186

المسألة الأولى : أي حاجة إلى قوم من الملائكة ، وواحد منهم كان يقلب المدائن بريشة من جناحه ؟ نقول الملك القادر قد يأمر الحقير بإهلاك الرجل الخطير ، ويأمر الرجل الخطير بخدمة الشخص الحقير ، إظهارا لنفاذ أمره ، فحيث أهلك الخلق الكثير بالقمل والجراد والبعوض بل بالريح التي بها الحياة ، كان أظهر في القدرة وحيث أمر آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم كان أظهر في نفاذ الأمر وفيه فائدة أخرى ، وهي أن من يكون تحت طاعة ملك عظيم ، ويظهر له عدو ويستعين بالملك فيعينه بأكابر عسكره ، يكون ذلك تعظيما منه له وكلما كان العدو أكثر والمدد أوفر كان التعظيم أتم ، لكن الله تعالى أعان لوطا بعشرة ونبينا عليه السلام بخمسة آلاف ، وبين العددين من التفاوت ما لا يخفى وقد ذكرنا نبذا منه في تفسير قوله تعالى : { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء } ( يس : 28 ) . المسألة الثانية : ما الفائدة في تأكيد الحجارة بكونها من طين ؟ نقول : لأن بعض الناس يسمي البرد حجارة فقوله : { من طين } يدفع ذلك التوهم ، واعلم أن بعض من يدعي النظر يقول لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدورات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي يتخذها الرماة ، قالوا : وسبب ذلك هو أن الإعصار يصعد الغبار من الفلوات العظيمة التي لا عمارة فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ، ويتفق وصول ذلك إلى هواء ندي ، فيصير طينا رطبا ، والرطب إذا نزل وتفرق واستدار ، بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته ينزل كرات مدورات كاللآلىء الكبار ، ثم في النزول إذا اتفق أن تضربه النيران التي في الجو ، جعلته حجارة كالآجر المطبوخ ، فينزل فيصيب من قدر الله هلاكه ، وقد ينزل كثيرا في المواضع التي لا عمارة بها فلا يرى ولا يدرى به ، ولهذا قال : { من طين } لأن ما لا يكون من طين كالحجر الذي في الصواعق لا يكون كثيرا بحيث يمطر وهذا تعسف ، ومن يكون كامل العقل يسند الفكر إلى مما قاله ذلك القائل ، فيقول ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع بحادث آخر يلزم التسلسل ولا بد من الانتهاء إلى محدث ليس بحادث ، فذلك المحدث لا بد وأن يكون فاعلا مختارا ، والمختار له أن يفعل ما ذكر وله أن يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار ، لكن العقل لا طريق له إلى الجزم / بطريق إحداثه وما لا يصل العقل إليه يجب أخذه بالنقل ، والنص ورد به فأخذنا به ولا نعلم الكيفية وإنما المعلوم أن الحجارة التي من طين نزولها من السماء أغرب وأعجب من غيرها ، لأنها في العادة لا بد لها من مكث في النار . ! 7 < { مسومة عند ربك للمسرفين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 34 ) مسومة عند ربك . . . . .

حصہ V28/P186–V28/P187

> > فيه وجوه . أحدها : مكتوب على كل واحد اسم واحد يقتل به . ثانيها : أنها خلقت باسمهم ولتعذيبهم بخلاف سائر الأحجار فإنها مخلوقة للانتفاع في الأبنية وغيرها . ثالثها : مرسلة للمجرمين لأن الإرسال يقال في السوائم يقال أرسلها لترعى فيجوز أن يقول سومها بمعنى أرسلها وبهذا يفسر قوله تعالى : { والخيل المسومة } ( آل عمران : 14 ) إشارة إلى الاستغناء عنها وأنها ليست للركوب ليكون أدل على الغنى ، كما قال : { والقناطير المقنطرة } ( آل عمران : 14 ) وقوله تعالى : { للمسرفين } إشارة إلى خلاف ما يقول الطبيعيون إن الحجارة إذا أصابت واحدا من الناس فذلك نوع من الاتفاق فإنها تنزل بطبعها يتفق شخص لها فتصيبه فقوله : { مسومة } أي في أول ما خلق وأرسل إذا علم هذا فإنما كان ذلك على قصد إهلاك المسرفين ، فإن قيل : إذا كانت الحجارة مسومة للمسرفين فكيف قالوا : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم } ( الذاريات : 32 ، 33 ) مع أن المسرف غير المجرم في اللغة ؟ نقول : المجرم هو الآتي بالذنب العظيم لأن الجرم فيه دلالة على العظم ومنه جرم الشيء لعظمة مقداره ، والمسرف هو الآتي بالكبيرة ، ومن أسرف ولو في الصغائر يصير مجرما لأن الصغير إلى الصغير إذا انضم صار كبيرا ، ومن أجرم فقد أسرف لأنه أتى بالكبيرة ولو دفعة واحدة فالوصفان اجتمعا فيهم . لكن فيه لطيفة معنوية ، وهي أن الله تعالى سومها للمسرف المصر الذي لا يترك الجرم والعلم بالأمور المستقبلة عند الله تعالى ، يعلم أنهم مسرفون فأمر الملائكة بإرسالها عليهم ، وأما الملائكة فعلمهم تعلق بالحاضر وهم كانوا مجرمون فقالوا : إنا أرسلنا إلى قوم نعلمهم مجرمين لنرسل عليهم حجارة خلقت لمن لا يؤمن ويصر ويسرف ولزم من هذا علمنا بأنهم لو عاشوا سنين لتمادوا في الإجرام ، فإن قيل اللام لتعريف الجنس أو لتعريف العهد ؟ نقول لتعريف العهد أي مسومة لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسومة ، فإن قيل ما إسرافهم ؟ نقول ما دل عليه قوله تعالى : { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } ( العنكبوت : 28 ) أي لم يبلغ مبلغكم أحد وقوله تعالى : ! 7 < { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 35 ) فأخرجنا من كان . . . . . > > فيه فائدتان : إحداهما : بيان القدرة والاختيار فإن من يقول بالاتفاق يقول يصيب البر والفاجر فلما ميز الله المجرم عن المحسن دل على الاختيار . / ثانيها : بيان أنه ببركة المحسن ينجو المسيء فإن القرية ما دام فيها المؤمن لم تهلك ، والضمير عائد إلى القرية معلومة وإن لم تكن مذكورة وقوله تعالى : ! 7 < { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 36 ) فما وجدنا فيها . . . . .

حصہ V28/P187–V28/P188

> > فيه إشارة إلى أن الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه عبادة المؤمنين ، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ، وقيل في مثاله إن العالم كبدن ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والكفار والفساق كالسموم الواردة عليه الضارة ، ثم إن البدن إن خلا عن المنافع وفيه المضار هلك وإن خلا عن المضار وفيه المنافع طاب عيشه ونما ، وإن وجد فيه كلاهما فالحكم للغالب فكذلك البلاد والعباد والدلالة على أن المسلم بمعنى المؤمن ظاهرة ، والحق أن المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه ، فإذا سمي المؤمن مسلما لا يدل على اتحاد مفهوميهما ، فكأنه تعالى قال أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتا من المسلمين ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين ، وهذا كما لو قال قائل لغيره : من في البيت من الناس ؟ فيكول له : ما في البيت من الحيوانات أحد غير زيد ، فيكون مخبرا له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد . ثم قال تعالى : ! 7 < { وتركنا فيهآ ءاية للذين يخافون العذاب الا ليم } . > 7 ! < < الذاريات : ( 37 ) وتركنا فيها آية . . . . . > > وفي الآية خلاف . قيل : هو ماء أسود منتن انشقت أرضهم وخرج منها ذلك ، وقيل : حجارة مرمية في ديارهم وهي بين الشام والحجاز ، وقوله : { للذين يخافون العذاب الاليم } أي المنتفع بها هو الخائف ، كما قال تعالى : { لقوم يعقلون } ( العنكبوت : 45 ) في سورة العنكبوت ، وبينهما في اللفظ فرق قال ههنا : { ءاية } وقال هناك : { بينة لقوم } وقال هناك : { لقوم يعقلون } وقال ههنا : { للذين يخافون } فهل في المعنى فرق ؟ نقول هناك مذكور بأبلغ وجه يدل عليه قوله تعالى : { بينة لقوم } حيث وصفها بالظهور ، وكذلك منها وفيها فإن من للتبعيض ، فكأنه تعالى قال : من نفسها لكم آية باقية ، وكذلك قال : { لقوم يعقلون } فإن العاقل أعم من الخائف ، فكانت الآية هناك أظهر ، وسببه ما ذكرنا أن القصد هناك تخويف القوم ، وههنا تسلية القلب ألا ترى إلى قوله تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ( الذاريات : 35 ، 36 ) وقال هناك : { إنا منجوك وأهلك } ( العنكبوت : 33 ) من غير بيان واف بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم . / ثم قال تعالى : ! 7 < { وفى موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 38 ) وفي موسى إذ . . . . .

حصہ V28/P188

> > قوله : { وفى موسى } يحتمل أن يكون معطوفا على معلوم ، ويحتمل أن يكون معطوفا على مذكور ، أما الأول ففيه وجوه . الأول : أن يكون المراد ذلك في إبراهيم وفي موسى ، لأن من ذكر إبراهيم يعلم ذلك . الثاني : لقوم في لوط وقومه عبرة ، وفي موسى وفرعون . الثالث : أن يكون هناك معنى قوله تعالى : تفكروا في إبراهيم ولوط وقومهما ، وفي موسى وفرعون ، والكل قريب بعضه من بعض ، وأما الثاني ففيه أيضا وجوه . أحدها : أنه عطف على قوله : { وفى الارض ءايات للموقنين } ( الذاريات : 20 ) ، { وفى موسى } وهو بعيد لبعده في الذكر ، ولعدم المناسبة بينهما . ثانيها : أنه عطف على قوله : { وتركنا فيها ءاية للذين يخافون } ( الذاريات : 37 ) ، { وفى موسى } أي وجعلنا في موسى على طريقة قولهم : علفتها تبنا وماء باردا ، وتقلدت سيفا ورمحا ، وهو أقرب ، ولا يخلو عن تعسف إذا قلنا بما قال به بعض المفسرين إن الضمير في قوله تعالى : { وتركنا فيها } عائد إلى القرية . ثالثها : أن نقول فيها راجع إلى الحكاية ، فيكون التقدير : وتركنا في حكايتهم آية أو في قصتهم ، فيكون : وفي قصة موسى آية ، وهو قريب من الاحتمال الأول ، وهو العطف على المعلوم . رابعها : أن يكون عطفا على { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم } ( الذاريات : 24 ) وتقديره : وفي موسى حديث إذ أرسلناه ، وهو مناسب إذ جمع الله كثيرا من ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام ، كما قال تعالى : { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى وإبراهيم الذى وفى } ( النجم : 36 ) وقال تعالى : { صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 19 ) والسلطان القوة بالحجة والبرهان ، والمبين الفارق ، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون المراد منه ما كان معه من البراهين القاطعة التي حاج بها فرعون ، ويحتمل أن يكون المراد المعجز الفارق بين سحر الساحر وأمر المسلمين . ! 7 < { فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 39 ) فتولى بركنه وقال . . . . . > > قوله تعالى : { فتولى بركنه } فيه وجوه . الأول : الباء للمصاحبة ، والركن إشارة إلى القوم كأنه تعالى يقول : أعرض مع قومه ، يقال نزل فلان بعسكره على كذا ، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى : { فأراه الاية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى } ( النازعات : 20 22 ) قال : { أدبر } وهو بمعنى تولى وقوله : { فحشر فنادى } ( النازعات : 23 ) وفي معنى قوله تعالى : { بركنه } . الثاني : { فتولى } أي اتخذ وليا ، والباء للتعدية حينئذ يعني تقوى بجنده . والثالث : تولى أمر موسى بقوته ، كأنه قال : أقتل موسى لئلا يبدل دينكم ، ولا يظهر في الأرض الفساد ، فتولى أمره بنفسه ، وحينئذ يكون المفعول غير مذكور ، وركنه هو نفسه القوية ، ويحتمل أن يكون المراد من ركنه هامان ، فإنه كان وزيره ، وعلى هذا الوجه الثاني أظهر .

حصہ V28/P188–V28/P189

{ وقال ساحر أو مجنون } أي هذا ساحر أو مجنون ، وقوله : { ساحر } أي يأتي الجن بسحره / أو يقرب منهم ، والجن يقربون منه ويقصدونه إن كان هو لا يقصدهم ، فالساحر والمجنون كلاهما أمره مع الجن ، غير أن الساحر يأتيهم باختياره ، والمجنون يأتونه من غير اختياره ، فكأنه أراد صيانة كلامه عن الكذب فقال هو يسحر الجن أو يسحر ، فإن كان ليس عنده منه خبر ، ولا يقصد ذلك فالجن يأتونه ، ثم قال تعالى : ! 7 < { فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم وهو مليم } . > 7 ! < < الذاريات : ( 40 ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم . . . . . > > وهو إشارة إلى بعض ما أتى به ، كأنه يقول : واتخذ الأولياء فلم ينفعوه ، وأخذه الله وأخذ أركانه وألقاهم جميعا في اليم وهو البحر ، والحكاية مشهورة ، وقوله تعالى : } وهو مليم } نقول فيه شرف موسى عليه السلام وبشارة للمؤمنين ، أما شرفه فلأنه قال بأنه أتى بما يلام عليه بمجرد قوله : إني أريد هلاك أعدائك يا إلاه العالمين ، فلم يكن له سبب إلا هذا ، أما فرعون فقال : { } وهو مليم } نقول فيه شرف موسى عليه السلام وبشارة للمؤمنين ، أما شرفه فلأنه قال بأنه أتى بما يلام عليه بمجرد قوله : إني أريد هلاك أعدائك يا إلاه العالمين ، فلم يكن له سبب إلا هذا ، أما فرعون فقال : { } نقول فيه شرف موسى عليه السلام وبشارة للمؤمنين ، أما شرفه فلأنه قال بأنه أتى بما يلام عليه بمجرد قوله : إني أريد هلاك أعدائك يا إلاه العالمين ، فلم يكن له سبب إلا هذا ، أما فرعون فقال : { أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 ) فكان سببه تلك ، وهذا كما قال القائل : فلان عيبه أنه سارق ، أو قاتل ، أو يعاشر الناس يؤذيهم ، وفلان عيبه أنه مشغول بنفسه لا يعاشر ، فتكون نسبة العيبين بعضهما إلى بعض سببا لمدح أحدهما وذم الآخر . وأما بشارة المؤمنين فهو بسبب أن من التقمه الحوت وهو مليم نجاه الله تعالى بتسبيحه ، ومن أهلكه الله بتعذيبه لم ينفعه إيمانه حين قال : { وجاوزنا ببنى إسراءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا إسراءيل } ( يونس : 90 ) . ثم قال تعالى : ! 7 < { وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } . > 7 ! < < الذاريات : ( 41 ) وفي عاد إذ . . . . . > > وفيه ما ذكرنا من الوجوه التي ذكرناها في عطف موسى عليه السلام ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكر أن المقصود ههنا تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتذكيره بحال الأنبياء ، ولم يذكر في عاد وثمود أنبياءهم ، كما ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام ، نقول في ذكر الآيات ست حكايات : حكاية إبراهيم عليه السلام وبشارته ، وحكاية قوم لوط ونجاة من كان فيها من المؤمنين ، وحكاية موسى عليه السلام ، وفي هذه الحكايات الثلاث ذكر الرسل والمؤمنين ، لأن الناجين فيهم كانوا كثيرين ، أما في حق إبراهيم وموسى عليهما السلام فظاهر ، وأما في قوم لوط فلأن الناجين ، وإن كانوا أهل بيت واحد ، ولكن المهلكين كانوا أيضا أهل بقعة واحدة . وأما عاد وثمود وقوم نوح فكان عدد المهلكين بالنسبة إلى الناجين أضعاف ما كان عدد المهلكين بالنسبة إلى الناجين من قوم لوط عليه السلام .

حصہ V28/P189–V28/P190

فذكر الحكايات الثلاث الأول للتسلية بالنجاة ، وذكر الثلاث المتأخرة للتسلية بإهلاك العدو ، والكل مذكور للتسلية بدليل قوله تعالى في آخر هذه الآيات : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } إلى أن قال : { فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ( الذاريات : 54 / 55 ) . وفي هود قال بعد الحكايات : { ذالك من أنباء القرى نقصه عليك } إلى أن قال : { وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد } ( هود : 100 102 ) فذكر بعدها ما يؤكد التهديد ، وذكر بعد الحكايات ههنا ما يفيد التسلي ، وقوله : { العقيم } أي ليست من اللواقح لأنها كانت تكسر وتقلع فكيف كانت تلقح والفعيل لا يلحق به تاء التأنيث إذا كان بمعنى مفعول وكذلك إذا كان بمعنى فاعل في بعض الصور ، وقد ذكرنا سببه أن فعيل لما جاء للمفعول والفاعل جميعا ولم يتميز المفعول عن الفاعل فأولى أن لا يتميز المؤنث عن المذكر فيه لأنه لو تميز لتميز الفاعل عن المفعول قبل تميز المؤنث والمذكر لأن الفاعل جزء من الكلام محتاج إليه فأول ما يحصل في الفعل الفاعل ثم التذكير والتأنيث يصير كالصفة للفاعل والمفعول ، تقول فاعل وفاعلة ومفعول ومفعولة ، ويدل على ذلك أيضا أن التمييز بين الفاعل والمفعول جعل بحرف ممازج للكلمة فقيل فاعل بألف فاصلة بين الفاء والعين التي هي من أصل الكلمة ، وقيل مفعول بواو فاصلة بين العين واللام والتأنيث كان بحرف في آخر الكلمة فالمميز فيهما غير نظم الكلمة لشدة الحاجة وفي التأنيث لم يؤثر ، ولأن التمييز في الفاعل والمفعول كان بأمرين يختص كل واحد منهما بأحدهما فالألف بعد الفاء يختص بالفاعل والميم والواو يختص بالمفعول والتمييز في التذكير والتأنيث بحرف عند وجوده يميز المؤنث وعند عدمه يبقى اللفظ على أصل التذكير فإذا لم يكن فعيل يمتاز فيه الفاعل عن المفعول إلا بأمر منفصل كذلك المؤنث والمذكر لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلا بحرف ير متصل به وقوله تعالى : ! 7 < { ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } . > 7 ! < < الذاريات : ( 42 ) ما تذر من . . . . . > > وفيه مباحث :

حصہ V28/P190–V28/P191

الأول : في إعرابه وفيه وجهان . أحدهما : نصب على أنه صفة الريح بعد صفة العقيم ذكر الواحدي أنه وصف فإن قيل كيف يكون وصفا والمعرفة لا توصف بالجمل وما تذر جملة ولا يوصف بها إلا النكرات ؟ نقول الجواب فيه من وجهين . أحدهما : أنه يكون بإعادة الريح تقديرا كأنه يقول : وأرسلنا عليهم الريح العقيم ريحا ما تذر . ثانيهما : هو أن المعرف نكرة لأن تلك الريح منكرة كأنه يقول : وأرسلنا الريح التي لم تكن من الرياح التي تقع ولا وقع مثلها فهي لشدتها منكرة ، ولهذا أكثر ما ذكرها في القرآن ذكرها منكرة ووصفها بالجملة من جملتها قوله تعالى : { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم } ( الأحقاف : 24 ) وقوله : { ريح صرصر عاتية سخرها } ( الحاقة : 6 ، 6 ) إلى غير ذلك . الوجه الثاني : وهو الأصح أنه نصب على الحال تقول جاءني ما يفهم شيئا فعلمته وفهمته أي حاله كذا ، فإن قيل لم تكن حال الإرسال ما تذر والحال ينبغي أن يكون موجودا مع ذي الحال وقت الفعل / فلا يجوز أن يقال جاءني زيد أمس راكبا غدا ، والريح بعدما أرست بزمان صارت ما تذر شيئا نقول المراد به البيان بالصلاحية أي أرسلناها وهي على قوة وصلاحية أن لا تذر ، نقول لمن جاء وأقام عندك أياما ثم سألك شيئا ، جئتني سائلا أي قبل السؤال بالصلاحية والإمكان ، هذا إن قلنا إنه نصب وهو المشهور ، ويحتمل أنه رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي ما تذر . البحث الثاني : { ما تذر } للنفي حال التكلم يقال ما يخرج زيد أي الآن ، وإذا أردت المستقبل تقول لا يخرج أو لن يخرج ، وأما الماضي تقول ما خرج ولم يخرج ، والريح حالة الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم كانت ما تركت شيئا إلا جعلته كالرميم فكيف قال بلفظ الحالة { ما تذر } نقول الحكاية مقدرة على أنها محكية حال الوقوع ، ولهذا قال تعالى : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } ( الكهف : 18 ) مع أن اسم الفاعل الماضي لا يعمل وإنما يعمل ما كان منه بمعنى الحال والاستقبال . البحث الثالث : هل في قوله تعالى : { ما تذر من شىء أتت عليه } مبالغة ودخول تخصيص كما في قوله تعالى : { تدمر كل شىء بأمر ربها } ( الأحقاف : 25 ) نقول هو كما وقع لأن قوله : { أتت عليه } وصف لقوله : { شىء } كأنه قال كل شيء أتت عليه أو كل شيء تأتي عليه جعلته كالرميم ولا يدخل فيه السموات لأنها ما أتت عليها وإنما يدخل فيه الأجسام التي تهب عليها الرياح ، فإن قيل فالجبال والصخور أتت عليها وما جعلتها كالرميم ؟ نقول المراد أتت عليه قصدا وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم وذلك لأنها كانت مأمورة بأمر من عند الله فكأنها كانت قاصدة إياهم فما تركت شيئا من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم مع أن الصر الريح الباردة والمكرر لا ينفك عن المعنى الذي في اللفظ من غير تكرير ، تقول حث وحثحث وفيه ما في حث نقول فيه قولان . أحدهما : أنها كانت باردة فكانت في أيام العجوز وهي ثمانية أيام من آخر شباط وأول آذار ، والريح الباردة من شدة بردها تحرق الأشجار والثمار وغيرهما وتسودهما . والثاني : أنها كانت حارة والصر هو الشديد لا البارد وبالشدة فسر قوله تعالى : { فى صرة } ( الذاريات : 29 ) أي في شدة من الحر .

حصہ V28/P191

البحث الرابع : في قوله تعالى : { ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } لأن في قوله تعالى : { ما تذر } نفي الترك مع إثبات الإتيان فكأنه تعالى قال تأتي على أشياء وما تتركها غير محرقة وقول القائل : ما أتى على شيء إلا جعله كذا يكون نفي الإتيان عما لم يجعله كذلك . ! 7 < { وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 43 ) وفي ثمود إذ . . . . . > > قوله تعالى : { وفى ثمود } والبحث فيه وفي عاد هو ما تقدم في قوله تعالى : { وفى موسى } ( الذاريات : 38 ) . وقوله تعالى : { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } قال بعض المفسرين : المراد منه هو ما أمهلهم الله ثلاثة أيام بعد قتلهم الناقة وكانت في تلك الأيام تتغير ألوانهم فتصفر وجوههم وتسود ، وهو ضعيف لأن قوله تعالى : { فعتوا عن أمر ربهم } ( الذاريات : 44 ) بحرف الفاء دليل على أن العتو كان بعد قوله : / { تمتعوا } فإن الظاهر أن المراد هو ما قدر الله للناس من الآجال ، فما من أحد إلا وهو ممهل مدة الأجل يقول له تمتع إلى آخر أجلك فإن أحسنت فقد حصل لك التمتع في الدارين وإلا فما لك في الآخرة من نصيب . وقوله : ! 7 < { فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 44 ) فعتوا عن أمر . . . . . > > فيه بحث وهو أن عتا يستعمل بعلى قال تعالى : } أيهم أشد على الرحمن عتيا } ( مريم : 69 ) وههنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعتاء فحيث قال تعالى : { } أيهم أشد على الرحمن عتيا } ( مريم : 69 ) وههنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعتاء فحيث قال تعالى : { } ( مريم : 69 ) وههنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعتاء فحيث قال تعالى : { عن أمرهم ربهم } كان كقوله : { لا يستكبرون عن عبادته } ( الأعراف : 206 ) وحيث قال على كان كقول القائل فلان يتكبر علينا ، والصاعقة فيه وجهان ذكرناهما هنا . أحدها : أنها الواقعة . والثاني : الصوت الشديد وقوله : { وهم ينظرون } إشارة إلى أحد معنيين إما بمعنى تسليمهم وعدم قدرتهم على الدفع كما يقول القائل للمضروب يضربك فلان وأنت تنظر إشارة إلى أنه لا يدفع ، وإما بمعنى أن العذاب أتاهم لا على غفلة بل أنذروا به من قبل بثلاثة أيام وانتظروه ، ولو كان على غفلة لكان لمتوهم أن يتوهم أنهم أخذوا على غفلة أخذ العاجل المحتاج ، كما يقول المبارز الشجاع أخبرتك بقصدي إياك فانتظرني . ! 7 < { فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين } . > 7 < الذاريات : ( 45 ) فما استطاعوا من . . . . . > >

حصہ V28/P191–V28/P192

وقوله تعالى : { فما استطاعوا من قيام } يحتمل وجهين . أحدهما : أنه لبيان عجزهم عن الهرب والفرار على سبيل المبالغة ، فإن من لا يقدر على قيام كيف يمشي فضلا عن أن يهرب ، وعلى هذا فيه لطائف لفظية . إحداها : قوله تعالى : { فما استطاعوا } فإن الاستطاعة دون القدرة ، لأن في الاستطاعة دلالة الطلب وهو ينبىء عن عدم القدرة والاستقلال ، فمن استطاع شيئا كان دون من يقدر عليه ، ولهذا يقول المتكلمون الاستطاعة مع الفعل أو قبل الفعل إشارة إلى قدرة مطلوبه من الله تعالى مأخوذة منه وإليه الإشارة بقوله تعالى : { هل يستطيع ربك } ( المائدة : 112 ) على قراءة من قرأ بالتاء وقوله : { فما استطاعوا } أبلغ من قول القائل ما قدروا على قيام . ثانيها : قوله تعالى : { من قيام } بزيادة من ، وقد عرفت ما فيه من التأكيد . ثالثها : قوله : { قيام } بدل قوله هرب لما بينا أن العاجز عن القيام أولى أن يعجز عن الهرب . الوجه الثاني : هو أن المراد من قيام القيام بالأمر ، أي ما استطاعوا من قيام به . وقوله تعالى : { وما كانوا منتصرين } أي ما استطاعوا الهزيمة والهرب ، ومن لا يقدر عليه يقاتل وينتصر بكل ما يمكنه لأنه يدفع عن الروح وهم مع ذلك ما كانوا منتصرين ، وقد عرفت أن قول القائل ما هو بمنتصر أبلغ من قوله ما انتصر ولا ينتصر والجواب ترك مع كونه يجب تقديره وقوله : / { ما انتصر } أي لشيء من شأنه ذلك ، كما تقول فلان لا ينصر أو فلان ليس ينصر . ثم قال تعالى : ! 7 < { وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 46 ) وقوم نوح من . . . . . > > قرىء : { قوم } بالجر والنصب فما وجههما ؟ نقول : أما الجر فظاهر عطفا على ما تقدم في قوله تعالى : { وفى عاد } ( الذاريات : 41 ) { وفى موسى } ( الذاريات : 38 ) ، تقول لك في فلان عبرة وفي فلان وفلان ، وأما النصب فعلى تقدير : وأهلكنا قوم نوح من قبل ، لأن ما تقدم دل على الهلاك فهو عطف على المحل ، وعلى هذا فقوله : { من قبل } معناه ظاهر كأنه يقول : { وأهلكنا قوم نوح من قبل } وأما على الوجه الأول فتقديره : وفي قوم نوح لكم عبرة من قبل ثمود وعاد وغيرهم . ثم قال تعالى : ! 7 < { والسمآء بنيناها بأيد وإنا لموسعون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 47 ) والسماء بنيناها بأيد . . . . . > > وهو بيان للوحدانية ، وما تقدم كان بيانا للحشر . وأما قوله ههنا : { والسماء بنيناها بأيد } وأنتم تعرفون أن ما تعبدون من دون الله ما خلقوا منها شيئا فلا يصح الإشراك ، ويمكن أن يقال هذا عود بعد التهديد إلى إقامة الدليل ، وبناء السماء دليل على القدرة على خلق الأجسام ثانيا ، كما قال تعالى : { أو ليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) وفيه مسائل :

حصہ V28/P192–V28/P193

المسألة الأولى : النصب على شريطة التفسير يختار في مواضع ، وإذا كان العطف على جملة فعليه فما تلك الجملة ؟ نقول في بعض الوجوه التي ذكرناها في قوله تعالى : { وفى عاد } ( الذاريات : 41 ) { وفى ثمود } ( الذاريات : 43 ) تقديره وهل أتاك حديث عاد وهل أتاك حديث ثمود ، عطفا على قوله : { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } ( الذاريات : 24 ) وعلى هذا يكون ما تقدم جملة فعلية لا خفاء فيه ، وعلى غير ذلك الوجه فالجار والمجرور النصب أقرب منه إلى الرفع فكان عطفا على ما بالنصب أولى ، ولأن قوله تعالى : { فنبذناهم } ( الذاريات : 40 ) وقوله : { أرسلنا } ( الذاريات : 32 ) وقوله تعالى : { فأخذتهم الصاعقة } ( الذاريات : 44 ) و { فما استطاعوا } ( الذاريات : 45 ) كلها فعليات فصار النصب مختارا . المسألة الثانية : كرر ذكر البناء في السماوات ، قال تعالى : { والسماء وما بناها } ( الشمس : 5 ) وقال تعالى : { أم السماء بناها } ( النازعات : 27 ) وقال تعالى : { جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء } ( غافر : 65 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول فيه وجوه . أحدها : أن البناء باق إلى قيام القيامة لم يسقط منه شيء ولم يعدم منه جزء ، وأما الأرض فهي في التبدل والتغير فهي كالفرش الذي يبسط ويطوي وينقل ، والسماء كالبناء المبني الثابت ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { سبعا شدادا } ( النبأ : 12 ) وأما الأراضي فكم منها ما صار بحرا وعاد أرضا من وقت / حدوثها . ثانيها : أن السماء ترى كالقبة المبنية فوق الرؤوس ، والأرض مبسوطة مدحوة والبناء بالمرفوع أليق ، كما قال تعالى : { رفع سمكها } ( النازعات : 28 ) . ثالثها : قال بعض الحكماء : السماء مسكن الأرواح والأرض موضع الأعمال والمسكن أليق بكونه بناء والله أعلم . المسألة الثالثة : الأصل تقديم العامل على المعمول والفعل هو العامل فقوله : { بنيانا } عامل في السماء ، فما الحكمة في تقديم المفعول على الفعل ولو قال : وبنينا السماء بأيد ، كان أوجز ؟ نقول الصانع قبل الصنع عند الناظر في المعرفة ، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع ، قدم الدليل فقال والسماء المزينة التي لا تشكون فيها بنيناها فاعرفونا بها إن كنتم لا تعرفوننا . المسألة الرابعة : إذا كان المقصود إثبات التوحيد ، فكيف قال : { بنيناها } ولم يقل بنيتها أو بناها الله ؟ نقول قوله : { بنيانا } أدل على عدم الشريك في التصرف والاستبداد وقوله بنيتها يمكن أن يكون فيه تشريك ، وتمام التقرير هو أن قوله تعالى : { بنيناها } لا يورث إيهاما بأن الآلها التي كانوا يعبدونها هي التي يرجع إليها الضمير في { بنيناها } لأن تلك إما أصنام منحوتة وإما كواكب جعلوا الأصنام على صورها وطبائعها ، فأما الأصنام المنحوتة فلا يشكون أنها ما بنت من السماء شيئا ، وأما الكواكب فهي في السماء محتاجة إليها فلا تكون هي بانيتها / وإنما يمكن أن يقال إنما بنيت لها وجعلت أماكنها ، فلما لم يتوهم ما قالوا قال بنينا نحن ونحن غير ما يقولون ويدعون فلا يصلحون لنا شركاء لأن كل ما هو غير السماء ودون السماء في المرتبة فلا يكون خالق السماء وبانيها فإذن علم أن المراد جمع التعظيم وأفاد النص عظمته ، فالعظمة أنفى للشريك فثبت أن قوله : { بنيناها } أدل على نفي الشريك من بنيتها وبناها الله .

سوالات