Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة السادسة : ما الفائدة في قوله تعالى : { ويرضى } ؟ نقول فيه فائدة الإرشاد ، وذلك لأنه لما قال : { لمن يشاء } كان المكلف مترددا لا يعلم مشيئته فقال : { ويرضى } ليعلم أنه العابد الشاكر لا المعاند الكافر / فإنه تعالى قال : { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } ( الزمر : 7 ) فكأنه قال : { لمن يشاء } ثم قال : { ويرضى } بيانا لمن يشاء ، وجواب آخر على قولنا : لا تغني شفاعتهم شيئا ممن يشاء ، هو أن فاعل يرضى المدلول عليه لمن يشاء كأنه قال ويرضى هو أي تغنيه الشفاعة شيئا صالحا فيحصل به رضاه كما قال : ويرضى هو أي تغنيه الشفاعة وحينئذ يكون يرضى للبيان لأنه لما قال : { لا تغنى شفاعتهم } إشارة إلى نفي كل قليل وكثير كان اللازم عنده بالاستثناء أن شفاعتهم تغني شيئا ولو كان قليلا ويرضى المشفوع له ليعلم أنها تغني أكثر من اللازم بالاستثناء ، ويمكن أن يقال { ويرضى } لتبيين أن قوله { يشاء } ليس المراد المشيئة التي هي الرضا ، فإن الله تعالى إذا شاء الضلالة بعبد لم يرض به ، وإذا شاء الهداية رضي فقال : { لمن يشاء ويرضى } ليعلم أن المشيئة ليست هي المشيئة العامة ، إنما هي الخاصة . ثم قال تعالى : ! 7 < { إن الذين لا يؤمنون بالا خرة ليسمون الملائكة تسمية الا نثى } . > 7 ! < < النجم : ( 27 ) إن الذين لا . . . . . > > وقد بينا ذلك في سورة الطور واستدللنا بهذه الآية ونذكر ما يقرب منه ههنا فنقول { الذين لا يؤمنون بالاخرة } / هم الذين لا يؤمنون بالرسل ولا يتبعون الشرع ، وإنما يتبعون ما يدعون أنه عقل فيقولون أسماء الله تعالى ليست توقيفية ، ويقولون الولد هو الموجود من الغير ويستدلون عليه بقول أهل اللغة : كذا يتولد منه كذا ، يقال الزجاج يتولد من الآجر بمعنى يوجد منه ، وكذا القول في بنت الكرم وبنت الجبل ، ثم قالوا الملائكة وجدوا من الله تعالى فهم أولاده بمعنى الإيجاد ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح عندهم أن يقال سجدت الملائكة فقالوا : بنات الله ، فقال : { إن الذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى } أي كما سمي الإناث بنات . وفيه مسائل : المسألة الأولى : كيف يصح أن يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوبا على قبر من يموت ويعتقدون أنه يحشر عليه ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أنهم لما كانوا لا يجزمون به كانوا يقولون لا حشر ، فإن كان فلنا شفعاء يدل عليه قوله تعالى : { وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) ثانيهما : أنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه ( الحق ) وهو ما ورد به الرسل . المسألة الثانية : قال بعض الناس أنثى فعلى من أفعل يقال في فعلها آنث ويقال في فاعلها أنبث يقال حديد ذكر وحديد أنيث ، والحق أن الأنثى يستعمل في الأكثر على خلاف ذلك بدليل جمعها على إناث .
المسألة الثالثة : كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث ؟ نقول عنه جوابان أحدهما : ظاهر والآخر دقيق ، أما الظاهر فهو أن المراد بيان الجنس ، وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لما جاء على وفقه آخر الآيات . والدقيق هو أنه لو قال يسمونهم تسمية الإناث كان يحتمل وجهين : أحدهما : البنات وثانيهما : الأعلام المعتادة للإناث كعائشة وحفصة ، فإن تسمية الإناث كذلك تكون فإذا قال تسمية الأنثى تعين أن تكون للجنس وهي البنت والبنات ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنهم لما قيل لهم إن الصنم جماد لا يشفع وبين لهم إن أعظم أجناس الخلق لا شفاعة لهم إلا بالإذن قالوا نحن لا نعبد الأصنام لأنها جمادات وإنما نعبد الملائكة بعباتها فإنها على صورها وننصبها بين أيدينا ليذكرنا الشاهد والغائب ، فنعظم الملك الذي ثبت أنه مقرب عظيم الشأن رفيع المكان فقال تعالى ردا عليهم كيف تعظمونهم وأنتم تسمونهم تسمية الأنثى ، ثم ذكر فيه مستندهم في ذلك وهو لفظ الملائكة ، ولم يقل إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى بل قال : { ليسمون الملائكة } فإنهم اغتروا بالتاء واغترارهم باطل لأن التاء تجيء لمعان غير التأنيث الحقيقي والبنت لا تطلق إلا على المؤنث الحقيقي بالإطلاق والتاء فيها لتأكيد معنى الجمع كما في صياقلة وهي تشبه تلك التاء ، وذلك لأن الملائكة في المشهور جمع ملك ، والملك اختصار من الملأك بحزف الهمزة ، والملأك قلب المألك من الألوكة وهي الرسالة ، فالملائكة على هذا القول مفاعلة ، والأصل مفاعل ورد إلى ملائكة في الجمع فهي تشبه فعائل وفعائلة ، والظاهر أن الملائكة فعائل جمع مليكي / منسوب إلى المليك بدليل قوله تعالى : { عند مليك مقتدر } في وعد المؤمن ، وقال في وصف الملائكة { الذين عند ربك } ( الأعراف : 206 ) وقال أيضا في الوعد { وإن له عندنا لزلفى } ( ص: 40 ) وقال في وصف الملائكة { ولا الملئكة المقربون } ( النساء : 172 ) فهم إذن عباد مكرمون اختصهم الله بمزيد قربه { ويفعلون ما يؤمرون } ( النحل : 50 ) كأمر الملوك والمستخدمين عند السلاطين الواقفين بأبوابهم منتظرين لورود أمر عليهم ، فهم منتسبون إلى المليك المقتدر في الحال فهم مليكيون وملائكة فالتاء للنسبة في الجمع كما في الصيارفة والبياطرة . فإن قيل هذا باطل من وجوه الأول : أن أحدا لم يستعمل لواحد منهم مليكي كما استعمل صيرفي والثاني : أن الإنسان عندما يصير عند الله تعالى يجب أن يكون من الملائكة ، وليس كذلك لأن المفهوم من الملائكة جنس غير الآدمي الثالث : هو أن فعائلة في جمع فعيلى لم يسمع وإنما يقال فعيلة كما يقال جاء بالتميمة والحقيبة الرابع : لو كان كذلك لما جمع ملك ؟ نقول :
الجواب عن الأول : أما عدم استعمال واحده فمسلم وهو لسبب وهو أن الملك كلما كان أعظم كان حكمه وخدمه وحشمه أكثر ، فإذا وصف بالعظمة وصف بالجمع فيقال صاحب العسكر الكثير ولا يوصف بواحد وصف تعظيم ، وأما ذلك الواحد فإن نسب إلى المليك عين للخبر بأن يقال هذا مليكي وذلك عندما تعرف عينه فتجعله مبتدأ وتخبر بالمليكي عنه ، والملائكة لم يعرفوا بأعيانهم إلا قليلا منهم كجبريل وميكائيل ، وحينئذ لا فائدة في قولنا جبريل مليكي ، لأن من عرف الخبر ولا يصاغ الحمل إلا لبيان ثبوت الخبر للمبتدأ فلا يقال للإنسان حيوان أو جسم لأنه إيضاح واضح ، اللهم إلا أن يستعمل ذلك في ضرب مثال أو في صورة نادرة لغرض ، وأما أن ينسب إلى المليك وهو مبتدأ فلا ، لأن العظمة في أن يقول واحد من الملائكة فنبه على كثرة المقربين إليه كما تقول واحد من أصحاب الملك ولا تقول صاحب الملك ، فإذا أردت التعظيم البالغ فعند الواحد استعمل اسم الملك غير منسوب بل هو موضوع لشدته وقوته كما قال تعالى : { ذو مرة } ( النجم : 6 ) و { ذى قوة } ( التكوير : 20 ) فقال : { شديد القوى } ( النجم : 5 ) و م ل ك تدل على الشدة في تقاليبها على ما عرف وعند الجمع استعمل الملائكة للتعظيم ، كما قاله تعالى : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ( المدثر : 31 ) . الجواب عن الثاني : نقول قد يكون الاسم في الأول لوصف يختص ببعض من يتصف به وغيره لو صار متصفا بذلك الوصف لا يسمى بذلك الاسم كالدابة فاعلة من دب ، ولا يقال للمرأة ذات الدب دابة اسما وربما يقال لها صفة عند حالة ما تدب بدب مخصوص غير الدب العام الذي في الكل كما لو دبت بليل لأخذ شيء أو غيره ، أو يقال إنما سميت الملائكة ملائكة لطول انتسابهم من قبل خلق الآدمي بسنين لا يعلم عددها إلا الله ، فمن لم يصل إلى الله ويقوم ببابه لا يحصل له العهد والانتساب فلا يسمى بذلك الاسم . الجواب عن الثالث : نقول الجموع القياسية لا مانع لها كفعال في جمع فعل كجال وثمار وأفعال كأثقال وأشجار وفعلان وغيرها ، وأما السماع وإن لم يرد إلا قليلا فاكتفى بما فيه من التعظيم من نسبة الجمع إلا باب الله ويكون من باب المرأة والنساء . / الجواب عن الرابع : فالمنع ولعل هذا منه أو نقول حمل فعيلى على فعيل في الجمع كما حمل فيعل في الجمع على فعيل فقيل في جمع جيد جياد ولا يقال في فعيل أفاعل ، ويؤيد ما ذكرنا أن إبليس عندما كان واقفا بالباب كان داخلا في جملة الملائكة ، فنقول قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس } ( الكهف : 50 ) عندما صرف وأبعد خرج عنهم وصار من الجن .
وأما ما قاله بعض أهل اللغة من أن الملائكة جمع ملأك ، وأصل ملأك مألك من الألوكة وهي الرسالة ففيه تعسفات أكثر مما ذكرنا بكثير ، منها أن الملك لا يكون فعل بل هو مفعل وهو خلاف الظاهر ، ولم لم يستعمل مآلك على أصله كمآرب ومآثم ومآكل وغيرها مما لا يعد إلا بتعسف ؟ ومنها أن ملكا لم جعل ملأك ولم يفعل ذلك بأخواته التي ذكرناها ؟ ومنها أن التاء لم ألحقت بجمعه ولم لم يقل ملائك كما في جمع كل مفعل ؟ والذي يرد قولهم قوله تعالى : { جاعل الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) فهي غير الرسل فلا يصح أن يقال جعلت الملائكة رسلا كما لا يصح جعلت الرسل مرسلين وجعل المقترب قريبا ، لأن الجعل لا بد فيه من تغيير ومما يدل على خلاف ما ذكروا أن الكل منسوبون إليه موقوفون بين يديه منتظرون أمره لورود الأوامر عليهم . ثم قال تعالى : ! 7 < { وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } . > 7 ! < < النجم : ( 28 ) وما لهم به . . . . . > > وفيما يعود إليه الضمير في { به } وجوه أحدها : ما نقله الزمخشري وهو أنه عائد إلى ما كانوا يقولون من غير علم ثانيها : أنه عائد إلى ما تقدم في الآية المتقدمة من علم ، أي ما لهم بالله من علم فيشركون وقرىء { ما لهم بها } . وفيه وجوه أيضا أحدها : ما لهم بالآخرة وثانيها : ما لهم بالتسمية ثالثها : ما لهم بالملائكة ، فإن قلنا ( ما لهم بالآخرة ) فهو جواب لما قلنا إنهم وإن كانوا يقولون الأصنام شفعاؤنا عند الله وكانوا يربطون الإبل على قبور الموتى ليركبوها لكن ما كانوا يقولون به عن علم ، وإن قلنا بالتسمية قد تكون وهو أن العلم بالتسمية حاصل لهم ، فإنهم يعلمون أنهم ليسوا في شك ، إذ التسمية قد تكون وضعا أوليا وهو لا يكون بالظن بل بالعلم بأنه وضع ، وقد يكون استعمالا معنويا ويتطرق إليه الكذب والصدق والعلم ، مثال الأول : من وضع أولا اسم السماء لموضوعها وقال هذا سماء ، مثال الثاني : إذا قلنا بعد ذلك للماء والحجر هذا سماء ، فإنه كذب ، ومن يعتقده فهو جاهل ، وكذلك قولهم في الملائكة إنها بنات الله ، لم تكن تسمية وضعية ، وإنما أرادوا به أنهم موصوفون بأمر يجب استعمال لفظ البنات فيهم ، وذلك كذب ومعتقده جاهل ، فهذا هو المراد بما ذكرنا أن الظن يتبع في الأمور المصلحية ، والأفعال العرفية أو الشرعية عند عدم الوصول إلى اليقين ، وأما في الاعتقادات فلا يغني الظن شيئا من الحق ، فإن قيل : أليس الظن قد يصيب ، فكيف يحكم عليه بأنه لا يغني أصلا ؟ نقول المكلف يحتاج إلى يقين يميز الحق من الباطل ، ليعتقد الحق ويميز الخير / من الشر ليفعل الخير ، لكن في الحق ينبغي أن يكون جازما لاعتقاد مطابقه ، والظان لا يكون جازما ، وفي الخير ربما يعتبر الظن في مواضع ، ويحتمل أن يقال المراد من الحق هو الله تعالى ، ومعناه أن الظن لا يفيد شيئا من الله تعالى ، أي الأوصاف الإلاهية لا تستخرج بالظنون يدل عليه قوله تعالى : { ذالك بأن الله هو الحق } ( الحج : 6 ) وفيه لطيفة ، وهي أن الله تعالى في ثلاثة مواضع منع من الظن ، وفي جميع تلك المواضع كان المنع عقيب التسمية ، والدعاء باسم موضعان منها في هذه السورة أحدهما : قوله تعالى : { إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن } ( النجم : 23 ) . والثاني : قوله تعالى : { ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون الظالمون ياأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } ( الحجرات : 11 ، 12 ) عقيب الدعاء بالقلب ، وكل ذلك دليل على أن حفظ اللسان أولى من حفظ غيره من الأركان ، وأن الكذب أقبح من السيئات الظاهرة من الأيدي والأرجل ، وهذه المواضع الثلاثة أحدها : مدح من لا يستحق المدح كاللات والعزى من العز وثانيها : ذم من لا يستحق الذم ، وهم الملائكة الذين هم عباد الرحمن يسمونهم تسمية الأنثى وثالثها : ذم من لم يعلم حاله ، وأما مدح من حاله لا يعلم ، فلم يقل فيه : لا يتبعون إلا الظن ، بل الظن فيه معتبر ، والأخذ بظاهر حال العاقل واجب . ثم قال تعالى :
! 7 < { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيواة الدنيا } . > 7 ! < < النجم : ( 29 ) فأعرض عن من . . . . . > > أي اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما كان عليك ، وأكثر المفسرين يقولون : بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى : { فأعرض } منسوخ بآية القتل وهو باطل ، فإن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال ، فكيف ينسخ به ؟ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة ، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له { وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النحل : 125 ) ثم لما لم ينفع ، قال له ربه : فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان ، فإنهم لا يتبعون إلا الظن ، ولا يتبعون الحق ، وقابلهم بالإعراض عن المناظرة بشرط جواز المقابلة ، فكيف يكون منسوخا ، والإعراض من باب أشكاه والهمزة فيه للسلب ، كأنه قال : أزل العرض ، ولا تعرض عليهم بعد هذا أمرا ، وقوله تعالى : { من تولى عن ذكرنا } لبيان تقديم فائدة العرض والمناظرة ، لأن من لا يصغي إلى القول كيف يفهم معناه ؟ وفي { ذكرنا } وجوه الأول : القرآن الثاني : الدليل والبرهان الثالث : ذكر الله تعالى ، فإن من / لا ينظر في الشيء كيف يعرف صفاته ؟ وهم كانوا يقولون : نحن لا نتفكر في آلاء الله لعدم تعلقنا بالله ، وإنما أمرنا مع من خلقنا ، وهم الملائكة أو الدهر على اختلاف أقاويلهم وتباين أباطيلهم ، وقوله تعالى : { ولم يرد إلا الحيواة الدنيا } إشارة إلى إنكارهم الحشر ، كما قالوا { إن هى إلا حياتنا الدنيا } ( المؤمنون : 37 ) وقال تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا } ( التوبة : 38 ) يعني لم يثبتوا وراءها شيئا آخر يعملون له ، فقوله { من تولى عن ذكرنا } إشارة إلى إنكارهم الحشر ، لأنه إذا ترك النظر في آلاء الله تعالى لا يعرفه فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه . وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه ، فلا يبقى إذن فائدة في الدعاء ، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طبيب القلوب ، فأتى على ترتيب الأطباء ، وترتيبهم أن الحال إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء ، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القوي ، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكي وقيل آخر الدواء الكي ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أولا أمر القلوب بذكر الله فحسب فإن بذكر الله تطمئن القلوب كما أن بالغذاء تطمئن النفوس ، فالذكر غذاء القلب ، ولهذا قال أولا : قولوا لا إلاه إلا الله أمر بالذكر لمن انتفع مثل أبي بكر وغيره ممن انتفع ، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليل ، وقال : { أولم يتفكروا } ( الأعراف : 184 ) { قل انظروا } ( يونس : 101 ) { أفلا ينظرون } ( الغاشيه : 17 ) إلى غير ذلك ، ثم أتى بالوعيد والتهديد ، فلما لم ينفعهم قال : أعرض عن المعالجة ، واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح . ! 7 < { ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } . > 7 < النجم : ( 30 ) ذلك مبلغهم من . . . . . > >
/ ثم قال تعالى : { ذالك } مبلغهم من العلم } { } { ذالك } فيه وجوه الأول : أظهرها أنه عائد إلى الظن ، أي غاية ما يبلغون به أنهم يأخذون بالظن وثانيها : إيثار الحياة الدنيا مبلغهم من العلم ، أي ذلك الإيثار غاية ما بلغوه من العلم ثالثها : { فأعرض الذى تولى } ( النجم : 29 ) وذلك الإعراض غاية ما بلغوه من العلم ، والعلم على هذا يكون المراد منه العلم بالمعلوم ، وتكون الألف واللام للتعريف ، والعلم بالمعلوم هو ما في القرآن ، وتقرير هذا أن القرآن لما ورد بعضهم تلقاه بالقبول وانشرح صدره فبلغ الغاية القصوى ، وبعضهم قبله من حيث إنه معجزة ، واتبع الرسول فبلغ الدرجة الوسطى ، وبعضهم توقف فيه كأبي طالب ، وذلك أدنى المراتب ، وبعضهم رده وعابه ، فالأولون لم يجز الإعراض عنهم ، والآخرون وجب الإعراض عنهم ، وكان موضع بلوغه من العلم أنه قطع الكلام معه الإعراض عنه ، وعليه سؤال وهو : أن الله تعالى بين أن غايتهم ذلك : ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له ، والصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله ؟ . نقول ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله ، فكأن عدم علمهم لعدم قبولهم العلم ، وإنما قدر الله توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيحقق العقاب ، قال الزمخشري : { ذلك مبلغهم من العلم } كلام معترض بين كلامين ، والمتصل قوله تعالى : ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ) وعلى ما ذكرنا المقصود لا يتم إلا به ، يكون كأنه تعالى قال : أعرض عنهم فإن ذلك غايتهم ، ولا يوجد وراء ما ظهر منهم شيء ، وكأن قوله : { الذى تولى } إشارة إلى قطع عذرهم بسبب الجهل ، فإن الجهل كان بالتولي وإيثار العاجل . ثم ابتدأ وقال : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } وفي المناسبة وجوه الأول : أنه تعالى لما قال : للنبي صلى الله عليه وسلم ، أعرض وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الميل إلى إيمان قومه وكان ربما هجس في خاطره ، أن في الذكرى بعد منفعة ، وربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال فقال له : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } علم أنه يؤمن بمجرد الدعاء أحد من المكلفين ، وإنما ينفع فيهم أن يقع السيف والقتال فأعرض عن الجدال وأقبل على / القتال ، وعلى هذا فقوله : { بمن اهتدى } أي علم في الأزل ، من ضل في تقديره ومن اهتدى ، فلا يشتبه عليه الأمران ، ولا يأس في الإعراض ويعد في العرف مصلحة ثانيها : هو على معنى قوله تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) وقوله تعالى : { يحكم الله بيننا } ( الأعراف : 87 ) ووجهه أنهم كانوا يقولون : نحن على الهدى وأنتم مبطلون وأقام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة عليهم فلم ينفعهم ، فقال تعالى : أعرض عنهم وأجرك وقع على الله ، فإنه يعلم أنكم مهتدون ، ويعلم أنهم ضالون ، والمتناظران إذا تناظرا عند ملك قادر مقصودهم ظهور الأمر عند الملك فإن اعترف الخصم بالحق فذاك ، وإلا فغرض المصيب يظهر عند الملك فقال تعالى : جادلت وأحسنت والله أعلم بالمحق من المبطل ثالثها : أنه تعالى لما أمر نبيه بالإعراض وكان قد صدر منهم إيذاء عظيم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحمله رجاء أن يؤمنوا / فنسخ جميع ذلك فلما لم يؤمنوا فكأنه قال : سعيي وتحملي لإيذائهم وقع هباء ، فقال الله تعالى : إن الله يعلم حال المضلين والمهتدين : ( لله ما في السموات والأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ) من المهتدين . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : { هو } يسمى عمادا وفصلا ، ولو قال : إن ربك أعلم لتم الكلام ، غير أن عند خلو الكلام عن هذا العماد ربما يتوقف السامع على سماع ما بعده ، ليعلم أن : { أعلم } خبر : { ربك } أو هو مع شيء آخر خبر ، مثاله لو قال : إن زيدا أعلم منه عمرو يكون خبر زيد الجملة التي بعده ، فإن قال : { هو أعلم } إنتفى ذلك التوهم . المسألة الثانية : { أعلم } يقتضي مفضلا عليه يقال : زيد أعلم من عمرو والله أعلم ممن ؟ نقول : أفعل يجيء كثيرا بمعنى عالم لا عالم مثله ، وحينئذ إن كان هناك عالم فذلك مفضل عليه وإن لم يكن ففي الحقيقة هو العالم لا غير ، وفي كثير من المواضع أفعل في صفات الله بذلك المعنى يقال : الله أكبر وفي الحقيقة لا كبير مثله ولا أكبر إلا هو ، والذي يناسب هذا أنه ورد في الدعوات يا أكرم الأكرمين كأنه قال : لا أكرم مثلك ، وفي الحقيقة لا أكرم إلا هو وهذا معنى قول من يقول : { أعلم } بمعنى عالم بالمهتدي والضال ، ويمكن أن يقال : أعلم من كل عالم بفرض عالم غيره . المسألة الثالثة : علمته وعلمت به مستعملان ، قال الله تعالى في الأنعام : { هو أعلم من يضل عن سبيله } ( الأنعام : 117 ) ثم ينبغي أن يكون المراد من المعلوم العلم إذا كان تعلقه بالمعلوم أقوى ، إما لقوة العلم وإما لظهور المعلوم وإما لتأكيد وجوب العلم به ، وإما لكون الفعل له قوة ، أما قوة العلم فكما في قوله تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه } ( المزمل : 20 ) وقال : { ألم يعلم بأن الله يرى } ( العلق : 14 ) لما كان علم الله تعالى تاما شاملا علقه بالمفعول الذي هو حال من أحوال عبده الذي هو بمرأى منه من غير حرف ، ولما كان علم العبد ضعيفا حادثا علقه بالمفعول الذي هو صفة من صفات الله تعالى الذي لا يحيط به علم البشر بالحرف أو لما كان كون الله رائيا لم يكن محسوسا به مشاهدا علق الفعل به بنفسه وبالآخر بالحرف ، وأما ظهور المعلوم فكما قال تعالى : { أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء } ( الزمر : 52 ) وهو معلوم ظاهر وأما تأكيد وجوب العلم به كما في قوله تعالى { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله } ( محمد : 19 ) ويمكن أن يقال : هو من قبيل الظاهر ، وكذلك قوله تعالى : { واعلموا أنكم غير معجزي الله } ( التوبة : 2 ) وأما قوة الفعل فقال تعالى : { علم أن لن تحصوه } ( المزمل : 20 ) وقال تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى } لما كان المستعمل صفة الفعل علقه بالمفعول بغير حرف وقال تعالى : { إن ربك هو أعلم بمن } كما كان المستعمل اسما دالا على فعل ضعف عمله لتعلقه بالمفعول . المسألة الرابعة : قدم العلم بمن ضل على العلم بالمهتدي في كثير من المواضع منها في سورة الأنعام ومنها في سورة : { ن } ومنها في السورة ، لأن في المواضع كلها المذكور نبيه صلى الله عليه وسلم والمعاندون ، فذكرهم أولا تهديدا لهم وتسلية لقلب نبيه عليه الصلاة والسلام .
المسألة الخامسة : قال في موضع واحد من المواضع : { هو أعلم من يضل عن سبيله } ( الأنعام : 117 ) وفي غيره قال : { بمن ضل } فهل عندك فيه شيء ؟ قلت : نعم ، ونبين ذلك ببحث عقلي وآخر نقلي : أما العقلي : فهو أن العلم القديم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه ، إن وجد أمس علم أنه وجد أمس في نهار أمس ، وليس مثل علمنا حيث يجوز أن يتحقق الشيء أمس ، ونحن لا نعلمه إلا في يومنا هذا بل : { لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الارض } ولا يتأخر الواقع عن علمه طرفة عين وأما النقلي : فهو أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى المستقبل ولا يعمل عمله إذا كان ماضيا فلا تقول : أنا ضارب زيدا أمس ، والواجب إن كنت تنصب أن تقول : ضربت زيدا وإن كنت تستعمل اسم الفاعل فالواجب الإضافة تقول : ضارب زيد أمس أنا ويجوز أن يقال : أنا غدا ضارب زيدا والسبب فيه أن الفعل إذا وجد فلا تجدد له في ( غير ) الاستقبال ، ولا تحقق له في الحال فهو عدم وضعف عن أن يعمل ، وأما الحال وما يتوقع فله وجود فيمكن إعماله . إذا ثبت هذا فنقول : لما قال { ضل } كان الأمر ماضيا وعلمه تعلق به وقت وجوده فعلم ، وقوله { أعلم } بمعنى عالم فيصير كأنه قال : عالم بمن ضل فلو ترك الباء لكان إعمالا للفاعل بمعنى الماضي ، ولما قال : { يضل } كان يعلم الضلال عند الوقوع وإن كان قد علم في الأزل أنه سيضل لكن للعلم بعد ذلك تعلق آخر سيوجد ، وهو تعلقه بكون الضلال قد وقع وحصل ولم يكن ذلك في الأزل ، فإنه لا يقال : إنه تعالى علم أن فلانا ضل في الأزل ، وإنما الصحيح أن يقال : علم في الأزل ، فإنه سيضل ، فيكون كأنه يعلم أنه يضل فيكون اسم الفاعل بمعنى المستقبل وهو يعمل عمل الفعل ، فلا يقال : زيد أعلم مسألتنا من عمرو ، وإنما الواجب أن يقال : زيد أعلم بمسألتنا من عمرو ، ولهذا قالت النحاة في سورة الأنعام { إن ربك هو أعلم من يضل } يعلم من يضل وقالوا : { أعلم } للتفضيل لا يبنى إلا من فعل لازم غير متعد ، فإن كان متعديا يرد إلى لازم . وقولنا : علم كأنه من باب علم بالضم وكذا في التعجب إذا قلنا : ما أعلمه بكذا كأنه من فعل لازم . وأما أنا فقد أجبت عن هذا بأن قوله : { أعلم من يضل } معناه عالم ، وقد قدمنا ما يجب أن يعتقد في أوصاف الله في أكثر الأمر أن معناه أنه عالم ولا عالم مثله فيكون أعلم على حقيقته وهو أحسن من أن يقال : هو بمعنى عالم لا غير ، فإن قيل : فلم قال ههنا : { بمن ضل } وقال هناك : { يضل } ؟ قلنا : لأن / ههنا حصل الضلال في الماضي وتأكد حيث حصل يأس الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر بالإعراض ، وأما هناك فقال تعالى من قبل : { وإن تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن سبيله } ( الأنعام : 116 ) . ثم قال تعالى : { إن ربك هو أعلم بمن يضل } بمعنى إن ضللت يعلمك الله فكان الضلال غير حاصل فيه فلم يستعمل صيغة الماضي .
المسألة السادسة : قال في الضلال عن سبيله وهو كاف في الضلال لأن الضلال لا يكون إلا في السبيل ، وأما بعد الوصول فلا ضلال أو لأن من ضل عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلا أو ( لم ) يسلك وأما من اهتدى إلى سبيل فلا وصول إن لم يسلكه ، ويصحح هذا أن من ضل في غير سبيله فهو ضال ومن اهتدى إليها لا يكون مهتديا إلا إذا اهتدى إلى كل مسألة يضر الجهل بها بالإيمان فكان الاهتداء اليقيني هو الاهتداء المطلق فقال { بمن اهتدى } وقال { بالمهتدين } ( القلم : 7 ) [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولله ما فى السماوات وما فى الا رض ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } . > 7 ! < < النجم : ( 31 ) ولله ما في . . . . . > > إشارة إلى كمال غناه وقدرته ليذكر بعد ذلك ويقول : إن ربك هو أعلم من الغني القادر لأن من علم ولم يقدر لا يتحقق منه الجزاء فقال : { ولله ما فى السماوات وما في الارض } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الزمخشري : ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله : { ليجزى } كاللام في قوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها } ( النحل : 8 ) وهو جرى في ذلك على مذهبه فقال : { ولله ما فى السماوات وما في الارض } معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال ، وقال الواحدي : اللام للعاقبة كما في قوله تعالى : { ليكون لهم عدوا } ( القصص : 8 ) أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدوا ، والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان في المعنى ، لأن الغرض نهاية الفعل ، وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر ، يقال : سرت حتى أدخلها ولكي أدخلها ، فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع حتى للغاية ، ويمكن أن يقال : هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما وهو أن يقال : إن قوله : { ليجزى } متعلق بقوله : ضل واهتدى لا بالعلم ولا بخلق ما في السموات ، تقديره كأنه قال : هو أعلم بمن ضل واهتدى : { ليجزى } أن من ضل واهتدى يجزي الجزاء والله أعلم به ، فيصير قوله : { ولله ما فى السماوات وما في الارض } كلاما معترضا ، ويحتمل أن يقال : هو متعلق بقوله تعالى : { فأعرض } ( النجم : 29 ) أي أعرض عنهم ليقع الجزاء ، كما يقول المريد فعلا لمن يمنعه منه زرني لأفعله ، وذلك لأن ما دام النبي صلى الله عليه وسلم لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس ، وقوله تعالى : { ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } حينئذ يكون مذكورا ليعلم أن العذاب الذي عند إعراضه يتحقق ليس مثل الذي قال تعالى فيه : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) بل هو مختص بالذين ظلموا وغيرهم لهم الحسنى ، وقوله تعالى في حق المسيء { بما عملوا } وفي حق المحسن { بالحسنى } فيه لطيفة لأن جزاء المسيء عذاب فنبه على ما يدفع الظلم فقال : لا يعذب إلا عن ذنب ، وأما في الحسنى فلم يقل : بما عملوا لأن الثواب إن كان لا على حسنة يكون في غاية الفضل فلا يخل بالمعنى هذا إذا قلنا الحسنى هي المثوبة بالحسنى ، وأما إذا قلنا الأعمال الحسنى ففيه لطيفة غير ذلك ، وهي أن أعمالهم لم يذكر فيها التساوي ، وقال في أعمال المحسنين { الحسنى } إشارة إلى الكرم والصفح حيث ذكر أحسن الإسمين والحسنى صفة أقيمت مقام الموصوف كأنه تعالى قال بالأعمال الحسنى كقوله تعالى : { الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) وحينئذ هو كقوله تعالى : { لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون } ( العنكبوت : 7 ) أي يأخذ أحسن أعمالهم ويجعل ثواب كل ما وجد منهم لجزاء ذلك الأحسن أو هي صفة المثوبة ، كأنه قال : ويجزي الذين أحسنوا بالمثوبة الحسنى أو بالعاقبة الحسنى أي جزاؤهم حسن العاقبة وهذا جزاء فحسب ، وأما الزيادة التي هي الفضل بعد الفضل فغير داخلة فيه .
! 7 < { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الا رض وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } . > 7 < النجم : ( 32 ) الذين يجتنبون كبائر . . . . . > > ثم قال تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } الذين يحتمل أن يكون بدلا عن الذين أحسنوا وهو الظاهر ، وكأنه تعالى قال ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أحسنوا ، ويتبين به أن المحسن ليس ينفع الله بإحسانه شيئا وهو الذي لا يسيء ولا يرتكب القبيح الذي هو سيئة في نفسه عند ربه فالذين أحسنوا هم الذين اجتنبوا ولهم الحسنى ، وبهذا يتبين المسيء والمحسن لأن من لا يجتنب كبائر الإثم يكون مسيئا والذي يجتنبها يكون محسنا ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهو أن المحسن لما كان هو من يجتنب الآثام فالذي يأتي بالنوافل يكون فوق المحسن ، لكن الله تعالى وعد المحسن بالزيادة فالذي فوقه يكون له زيادات فوقها وهم الذين لهم جزاء الضعف ، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام تقديره الذين يجتنبون كبائر الإثم يغفر الله لهم والذي يدل عليه قوله تعالى : { إن ربك واسع المغفرة } وعلى هذا تكون هذه الآية مع ما قبلها مبينة لحال المسيء والمحسن وحال من لم يحسن ولم يسيء وهم الذين لم يرتكبوا سيئة وإن لم تصدر منهم الحسنات ، وهم كالصبيان الذين لم يوجد فيهم شرائط التكليف ولهم الغفران وهو دون الحسنى ، ويظهر هذا بقوله تعالى بعده : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة } أي يعلم الحالة التي لا إحسان فيها ولا / إساءة ، كما علم من أساء وضل ومن أحسن واهتدى ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : إذا كان بدلا عن الذين أحسنوا فلم خالف ما بعده بالمضي والاستقبال حيث قال تعالى : { الذين أحسنوا } ( النجم : 31 ) وقال : { الذين يجتنبون } ولم يقل اجتنبوا ؟ نقول : هو كما يقول القائل الذين سألوني أعطيتهم ، الذين يترددون إلى سائلين أي الذين عادتهم التردد والسؤال سألوني وأعطيتهم فكذلك ههنا قال : { الذين يجتنبون } أي الذين عادتهم ودأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة وقدموا عليها أخرى ، فإن قيل : في كثير من المواضع قال في الكبائر { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ( الشورى : 37 ) وقال في عباد الطاغوت : { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله } ( الزمر : 17 ) فما الفرق ؟ نقول : عبادة الطاغوت راجعة إلى الإعتقاد والاعتقاد إذا وجد دام ظاهرا فمن اجتنبها اعتقد بطلانها فيستمر ، وأما مثل الشرب والزنا أمر يختلف أحوال الناس فيه فيتركه زمانا ويعود إليه ولهذا يستبرأ الفاسق إذا تاب ولا يستبرأ الكافر إذا أسلم ، فقال في الآثام : { الذين يجتنبون } دائما ، ويثابرون على الترك أبدا ، وفي عبادة الأصنام : { اجتنبوا } بصيغة الماضي ليكون أدل على الحصول ، ولأن كبائر الإثم لها عدد أنواع فينبغي أن يجتنب عن نوع ويجتنب عن آخر ويجتنب عن ثالث ففيه تكرر وتجدد فاستعمل فيه صيغة الاستقبال ، وعبادة الصنم أمر واحد متحد ، فترك فيه ذلك الاستعمال وأتى بصيغة الماضي الدالة على وقوع الاجتناب لها دفعة .
المسألة الثانية : الكبائر جمع كبيرة وهي صفة فما الموصوف ؟ نقول : هي صفة الفعلة كأنه يقول : الفعلات الكبائر من الإثم / فإن قيل : فما بال اختصاص الكبيرة بالذنوب في الاستعمال ، ولو قال قائل : الفعلة الكبيرة الحسنة لا يمنعه مانع ؟ نقول : الحسنة لا تكون كبيرة لأنها إذا قوبلت بما يجب أن يوجد من العبد في مقابلة نعم الله تعالى تكون في غاية الصغر ، ولولا أن الله يقبلها لكانت هباء لكن السيئة من العبد الذي أنعم الله عليه بأنواع النعم كبيرة ، ولولا فضل الله لكان الاشتغال بالأكل والشرب والإعراض عن عبادته سيئة ، ولكن الله غفر بعض السيئات وخفف بعضها . المسألة الثالثة : إذا ذكر الكبائر فما الفواحش بعدها ؟ نقول : الكبائر إشارة إلى ما فيها من مقدار السيئة ، والفواحش إشارة إلى ما فيها من وصف القبح كأنه قال : عظيمة المقادير قبيحة الصور ، والفاحش في اللغة مختص بالقبيح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف في التقاليب يدل عليه فإنك إذا قلبتها وقلت : حشف كان فيه معنى الرداءة الخارجة عن الحد ، ويقال : فحشت الناقة إذا وقفت على هيئة مخصوصة للبول فالفحش يلازمه القبح ، ولهذا لم يقل : الفواحش من الإثم وقال في الكبائر : { كبائر الإثم } لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة إلى الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش . المسألة الرابعة : كثرت الأقاويل في الكبائر والفواحش ، فقيل : الكبائر ما أوعد الله عليه بالنار / صريحا وظاهرا ، والفواحش ما أوجب عليه حدا في الدنيا ، وقيل : الكبائر ما يكفر مستحله ، وقيل : الكبائر مالا يغفر الله لفاعله إلا بعد التوبة وهو على مذهب المعتزلة ، وكل هذه التعريفات تعريف الشيء بما هو مثله في الخفاء أو فوقه ، وقد ذكرنا أن الكبائر هي التي مقدارها عظيم ، والفواحش هي التي قبحها واضح فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار ، والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية ، كما يقال مثلا : في الأبرص علته بياض لطخة كبيرة ظاهرة اللون فالكبيرة لبيان الكمية والظهور لبيان الكيفية وعلى هذا فنقول على ما قلنا : إن الأصل في كل معصية أن تكون كبيرة ، لأن نعم الله كثيرة ومخالفة المنعم سيئة عظيمة ، غير أن الله تعالى حط عن عباده الخطأ والنسيان لأنهما لا يدلان على ترك التعظيم ، إما لعمومه في العباد أو لكثرة وجوده منهم كالكذبة والغيبة مرة أو مرتين والنظرة والقبائح التي فيها شبهة ، فإن المجتنب عنها قليل في جميع الأعصار ، ولهذا قال أصحابنا : إن استماع الغناء الذي مع الأوتار يفسق به ، وإن استمعه من أهل بلدة لا يعتدون أمر ذلك لا يفسق فعادت الصغيرة إلى ما ذكرنا من أن العقلاء إن لم يعدوه تاركا للتعظيم لا يكون مرتكبا للكبيرة ، وعلى هذا تختلف الأمور باختلاف الأوقات والأشخاص فالعالم المتقي إذا كان يتبع النساء أو يكثر من اللعب يكون مرتبكا للكبيرة ، والدلال والباعة والمتفرغ الذي لا شغل له لا يكون كذلك ، وكذلك اللعب وقت الصلاة ، واللعب في غير ذلك الوقت ، وعلى هذا كل ذنب كبيرة إلا ما علم المكلف أو ظن خروجه بفضل الله وعفوه عن الكبائر .
المسألة الخامسة : في اللمم وفيه أقوال : أحدها : ما يقصده المؤمن ولا يحققه وهو على هذا القول من لم يلم إذا جمع فكأنه جمع عزمه وأجمع عليه وثانيها : ما يأتي به المؤمن ويندم في الحال وهو من اللمم الذي هو مس من الجنون كأنه مسه وفارقه ويؤيد هذا قوله تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ( آل عمران : 135 ) ثالثها : اللمم الصغير من الذنب من ألم إذا نزل نزولا من غير لبث طويل ، ويقال : ألم بالطعام إذا قلل من أكله ، وعلى هذا فقوله : { إلا اللمم } يحتمل وجوها : أحدها : أن يكون ذلك استثناء من الفواحش وحينئذ فيه وجهان : أحدهما : استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش وثانيهما : غير منقطع لما بينا أن كل معصية إذا نظرت إلى جانب الله تعالى وما يجب أن يكون عليه فهي كبيرة وفاحشة ، ولهذا قال الله تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة } ( الأعراف : 28 ) غير أن الله تعالى استثنى منها أمورا يقال : الفواحش كل معصية إلا ما استثناه الله تعالى منها ووعدنا بالعفو عنه ثانيها : { إلا } بمعنى غير وتقديره والفواحش غير اللمم وهذا للوصف إن كان للتمييز كما يقال : الرجال غير أولي الإربة فاللمم عين الفاحشة ، وإن كان لغيره كما يقال الرجال غير النساء جاؤوني لتأكيد وبيان فلا وثالثها : هو استثناء من الفعل الذي يدل عليه قوله تعالى : { الذين يجتنبون } لأن ذلك يدل على أنهم لا يقربونه فكأنه قال : لا يقربونه إلا مقاربة من غير مواقعة وهو اللمم . / ثم قال تعالى : { إن ربك واسع المغفرة } وذلك على قولنا : { الذين يجتنبون } ابتداء الكلام في غاية الظهور ، لأن المحسن مجزى وذنبه مغفور ، ومجتنب الكبائر كذلك ذنبه الصغير مغفور ، والمقدم على الكبائر إذا تاب مغفور الذنب ، فلم يبق ممن لم تصل إليهم مغفرة إلا الذين أساؤا وأصروا عليها ، فالمغفرة واسعة وفيه معنى آخر لطيف ، وهو أنه تعالى لما أخرج المسيء عن المغفرة بين أن ذلك ليس لضيق فيها ، بل ذلك بمشيئة الله تعالى ، ولو أراد الله مغفرة كل من أحسن وأساء لفعل ، وما كان يضيق عنهم مغفرته ، والمغفرة من الستر ، وهو لا يكون إلا على قبيح ، وكل من خلقه الله إذا نظرت في فعله ، ونسبته إلى نعم الله تجده مقصرا مسيئا ، فإن من جازى المنعم بنعم لا تحصى مع استغنائه الظاهر ، وعظمته الواضحة بدرهم أو أقل منه يحتاج إلى ستر ما فعله .
ثم قال تعالى : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن } وفي المناسبة وجوه أحدها : هو تقرير لما مر من قوله : { هو أعلم بمن ضل } ( النجم : 30 ) كأن العامل من الكفار يقول : نحن نعمل أمورا في جوف الليل المظلم ، وفي البيت الخالي فكيف يعلمه الله تعالى ؟ فقال : ليس عملكم أخفى من أحوالكم وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، والله عالم بتلك الأحوال ثانيها : هو إشارة إلى الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله ، فإن الحق علم أحوالهم وهم في بطون الأمهات ، فكتب على البعض أنه ضال ، والبعض أنه مهتد ثالثها : تأكيد وبيان للجزاء ، وذلك لأنه لما قال : { ليجزى الذين أساءوا بما عملوا } ( النجم : 31 ) قال الكافرون : هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر ، وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط غير ممكن ، فقال تعالى : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم } فيجمعها بقدرته على وفق علمه كماأنشأكم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : العامل في : { إذ } يحتمل أن يكون ما يدل عليه : { أعلم } أي علمكم وقت الإنشاء ، ويحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريرا لكونه عالما ويكون تقديره : { هو أعلم بكم } وقد تم الكلام ، ثم يقول : إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب . المسألة الثانية : ذكرنا مرارا أن قوله : { من الارض } من الناس من قال آدم فإنه من تراب ، وقررنا أن كل أحد أصله من التراب ، فإنه يصير غذاء ، ثم يصير نطفة . المسألة الثالثة : لو قال قائل : لا بد من صرف { إذ أنشأكم من الارض } إلى آدم ، لأن { وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم } عائد إلى غيره ، فإنه لم يكن جنينا ، ولو قلت بأن قوله تعالى / { إذ أنشأكم } عائد إلى جميع الناس / فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات ، وهو قول الفلاسفة ؟ نقول ليس كذلك ، لأنا نقول : الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب ، وقوله تعالى : { هو أعلم بكم } خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول ، ومع من حضر وقت الإنزال على قول ، ولا شك أن كل هؤلاء من الأرض وهم كانوا أجنة . المسألة الرابعة : الأجنة هم الذين في بطون الأمهات ، وبعد الخروج لا يسمى إلا ولدا أو سقطا ، فما فائدة قوله تعالى : { فى بطون أمهاتكم } ؟ نقول : التنبيه على كمال العلم والقدرة ، فإن بطن الأم في غاية الظلمة ، ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد . المسألة الخامسة : لقائل أن يقول : إذا قلنا إن قوله { هو أعلم بكم } تقرير لكونه عالما بمن ضل ، فقوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } تعلقه به ظاهر ، وأما إن قلنا إنه تأكيد وبيان للجزاء ، فإنه يعلم الأجزاء فيعيدها إلى أبدان أشخاصها ، فكيف يتعلق به { فلا تزكوا أنفسكم } ؟ نقول : معناه حينئذ فلا تبرئوا أنفسكم من العذاب ، ولا تقولوا تفرقت الأجزاء فلا يقع العذاب ، لأن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة ، وعلى هذا قوله : { أعلم بمن اتقى } أي يعلم أجزاءه فيعيدها إليه ، ويثيبه بما أقدم عليه .
المسألة السادسة : الخطاب مع من ؟ فيه ثلاثة احتمالات الأول : مع الكفار ، وهذا على قولنا إنهم قالوا كيف يعلمه الله ، فرد عليهم قولهم الثاني كل من كان زمان الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار الثالث هو مع المؤمنين ، وتقريره : هو أن الله تعالى لما قال : { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } ( النجم : 29 ) قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : قد علم كونك ومن معك على الحق ، وكون المشركين على الباطل ، فأعرض عنهم ولا تقولوا : نحن على الحق وأنتم على الضلال ، لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك ، وفوض الأمر إلى الله تعالى ، فهو أعلم بمن اتقى ومن طغى ، وعلى هذا فقول من قال : { فأعرض } منسوخ أظهر ، وهو كقوله تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) والله أعلم بجملة الأمور ، ويحتمل أن يقال : على هذا الوجه الثالث إنه إرشاد للمؤمنين ، فخاطبهم الله وقال : هو أعلم بكم أيها المؤمنون ، علم ما لكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم ، فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء ، ولا تقولوا لآخر أنا خير منك وأنا أزكى منك وأتقى ، فإن الأمر عند الله ، ووجه آخر وهو إشارة إلى وجوب الخوف من العاقبة ، أي لا تقطعوا بخلاصكم أيها المؤمنون ، فإن الله يعلم عاقبة من يكون على التقي ، وهذا يؤيد قول من يقول : أنا مؤمن إن شاء الله للصرف إلى العاقبة ثم قال تعالى : ! 7 < { أفرأيت الذى تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى } . > 7 ! / < < النجم : ( 33 ) أفرأيت الذي تولى > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعض المفسرين : نزلت الآية في الوليد بن المغيرة جلس عند النبي صلى الله عليه وسلم وسمع وعظه ، وأثرت الحكمة فيه تأثيرا قويا ، فقال له رجل : لم تترك دين آبائك ، ثم قال له : لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك ، فأعطاه بعض ما التزمه ، وتولى عن الوعظ وسماع الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : نزلت في عثمان رضي الله عنه ، كان يعطي ماله عطاء كثيرا ، فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح : يوشك أن يفنى مالك فأمسك ، فقال له عثمان : إن لي ذنوبا أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء ، فقال له أخوه : أنا أتحمل عنك ذنوبك إن تعطي ناقتك مع كذا ، فأعطاه ما طلب وأمسك يده عن العطاء ، فنزلت الآية ، وهذا قول باطل لا يجوز ذكره ، لأنه لم يتواتر ذلك ولا اشتهر ، وظاهر حال عثمان رضي الله عنه يأبى ذلك ، بل الحق أن يقال : إن الله تعالى لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم من قبل { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيواة الدنيا } ( النجم : 29 ) وكان التولي من جملة أنواعه تولى المستغني ، فإن العالم بالشيء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشيء ، ويسعى في تحصيل غيره ، فقال { أفرأيت الذى تولى } عن استغناء ، أعلم بالغيب ؟ .
المسألة الثانية : الفاء تقتضي كلاما يترتب هذا عليه ، فماذا هو ؟ نقول : هو ما تقدم من بيان علم الله وقدرته ، ووعده المسيء والمحسن بالجزاء وتقديره هو أن الله تعالى لما بين أن الجزاء لا بد من وقوعه على الإساءة والإحسان ، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم ، فلم يكن الإنسان مستغنيا عن سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، فبعد هذا من تولى لا يكون توليه إلا بعد غاية الحاجة ونهاية الافتقار . المسألة الثالثة : { الذى } على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم ، وهو ذلك الرجل وهو الوليد ، والظاهر أنه عائد إلى مذكور ، فإن الله تعالى قال من قبل { فأعرض من تولى عن ذكرنا } وهو المعلوم لأن الأمر بالإعراض غير مختص بواحد من المعاندين فقال : { أفرأيت الذى تولى } أي الذي سبق ذكره ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقول الذين تولوا ، لأن ( من ) في قوله : { الذى تولى } للعموم ؟ نقول : العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى : { من جاء بالحسنة فله } ( القصص : 84 ) ولم يقل فلهم . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { وأعطى قليلا } ما المراد منه ؟ نقول : على ما تقدم هو المقدار الذي أعطاه الوليد ، وقوله : { وأكدى } هو ما أمسك عنه ولم يعط الكل ، وعلى هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذموما لأن الإعطاء كان بغير حق ، فالامتناع لا يذم عليه ، وأيضا فلا يبقى لقوله { قليلا } فائدة ، لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذموما ، نقول فيه بيان خروجهم عن العقل والعرف / أما العقل فلأنه منع من الإعطاء لأجل حمل الوزر ، فإنه لا يحصل به ، وأما العرف فلأن عادة الكرام من العرب الوفاء بالعهد ، وهو لم يف به حيث التزم الإعطاء وامتنع ، والذي يليق بما ذكرنا هو أن نقول : تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، يعني إعطاء ما وجب إعطاؤه في مقابلة ما يجب لإصلاح أمور الآخرة ، ويقع في قوله تعالى : { علم الغيب فهو } في مقابلة قوله تعالى : { ذلك مبلغهم من العلم } ( النجم : 30 ) أي لم يعلم الغيب وما في الآخرة < < النجم : ( 36 ) أم لم ينبأ . . . . . > > وقوله تعالى : { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى وإبراهيم الذى وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى } ( النجم : 36 38 ) في مقابلة قوله : { هو أعلم بمن ضل } إلى قوله : { ليجزى الذين } ( النجم : 30 31 ) لأن الكلامين جميعا لبيان الجزاء ، ويمكن أن يقال : إن الله تعالى لما بين حال المشركين المعاندين العابدين للات والعزى والقائلين بأن الملائكة بنات الله شرع في بيان أهل الكتاب ، وقال بعدما رأيت حال المشرك الذي تولى عن ذكرنا ، أفرأيت حال من تولى وله كتاب وأعطى قليلا من الزمان حقوق الله تعالى ، ولما بلغ زمان محمد أكدى فهل علم الغيب فقال شيئا لم يرد في كتبهم ولم ينزل عليهم في الصحف المتقدمة ، ووجد فيها بأن كل واحد يؤاخذ بفعله ويجازى بعمله ، وقوله تعالى : { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى وإبراهيم الذى وفى } يخبر أن المتولي المذكور من أهل الكتاب .
المسألة الخامسة : { أكدى } قيل هو من بلغ الكدية وهي الأرض الصلبة لا تحفر ، وحافر البئر إذا وصل إليها فامتنع عليه الحفر أو تعسر يقال : أكدى الحافر ، والأظهر أنه الرد والمنع يقال : أكديته أي رددته وقوله تعالى : { فأعنده علم الغيب فهو يرى أم } قد علم تفسيره جملة أن المراد جهل المتولي وحاجته وبيان قبح التولي مع الحاجة إلى الإقبال وعلم الغيب ، أي العلم بالغيب ، أي علم ما هو غائب عن الخلق وقوله : { فهو يرى } تتمة بيان وقت جواز التولي وهو حصول الرؤية وهو الوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه ، وهناك لا يبقى وجوب متابعة أحد فيما رآه ، لأن الهادي يهدي إلى الطريق فإذا رأى المهتدي مقصده بعينه لا ينفيه السماع ، فقال تعالى : هل علم الغيب بحيث رآه فلا يكون علمه علما نظريا بل علما بصريا فعصى فتولى وقوله تعالى : { فهو يرى } يحتمل أن يكون مفعول { يرى } هو احتمال الواحد وزر الآخر كأنه قال فهو يرى أن وزره محمول ألم يسمع أن وزره غير محمول فهو عالم بالحمل وغافل عن عدم الحمل ليكون معذورا ، ويحتمل أن لا يكون له مفعول تقديره فهو يرى رأي نظر غير محتاج إلى هاد ونذير . ! 7 < { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى وإبراهيم الذى وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } . > 7 ! وقوله تعالى : { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى وإبراهيم الذى وفى } حال أخرى مضادة للأولى يعذر فيها المتولي وهو الجهل المطلق فإن من علم الشيء علما تاما لا يؤمر بتعلمه ، والذي جهله جهلا مطلقا وهو الغافل على الإطلاق كالنائم أيضا لا يؤمر فقال : هذا المتولي هل علم الكل فجاز له التولي / أولم يسمع شيئا وما بلغه دعوة أصلا فيعذر ، ولا واحد من الأمرين بكائن فهو في التولي غير معذور ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { بما وفى } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد ما فيها لا بصفة كونه فيها ، فكأنه تعالى يقول : أم لم ينبأ بالتوحيد والحشر وغير ذلك ، وهذه أمور مذكورة في صحف موسى ، مثال : يقول القائل لمن توضأ بغير الماء توضأ بما توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فالكلام مع الكل لأن المشرك وأهل الكتاب نبأهم النبي صلى الله عليه وسلم بما في صحف موسى ثانيهما : أن المراد بما في الصحف مع كونه فيها ، كما يقول القائل فيما ذكرنا من المثال توضأ بما في القربة لا بما في الجرة فيريد عين ذلك لا جنسه وعلى هذا فالكلام مع أهل الكتاب لأنهم الذين نبئوا به . المسألة الثانية : صحف موسى وإبراهيم ، هل جمعها لكونها صحفا كثيرة أو لكونها مضافة إلى اثنين كما قال تعالى : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) ؟ الظاهر أنها كثيرة ، قال الله تعالى : { وأخذ الالواح } ( الأعراف : 154 ) وقال تعالى : { وألقى الالواح } ( الأعراف : 150 ) وكل لوح صحيفة .
المسألة الثالثة : ما المراد بالذي فيها ؟ نقول قوله تعالى : { ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 38 ، 39 ) وما بعده من الأمور المذكورة على قراءة من قرأ أن بالفتح وعلى قراءة من يكسر ويقول : { وأن إلى ربك المنتهى } ففيه وجوه أحدها : هو ما ذكر بقوله : { ألا تزر وازرة وزر أخرى } وهو الظاهر ، وإنما احتمل غيره ، لأن صحف موسى وإبراهيم ليس فيها هذا فقط ، وليس هذا معظم المقصود بخلاف قراءة الفتح ، فإن فيها تكون جميع الأصول على ما بين ثانيها : هو أن الآخرة خير من الأولى يدل عليه قوله تعالى : { إن هاذا لفى الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 18 ، 19 ) ثالثها : أصول الدين كلها مذكورة في الكتب بأسرها ، ولم يخل الله كتابا عنها ، ولهذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : { فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) وليس المراد في الفروع ، لأن فروع دينه مغايرة لفروع دينهم من غير شك . المسألة الرابعة : قدم موسى ههنا ولم يقل كما قال في { سبح اسم ربك الاعلى } ( الأعلى : 1 ) فهل فيه فائدة ؟ نقول : مثل هذا في كلام الفصحاء لا يطلب له فائدة ، بل التقديم والتأخير سواء في كلامهم فيصح أن يقتصر على هذا الجواب ، ويمكن أن يقال : إن الذكر هناك لمجرد الإخبار والإنذار وههنا المقصود بيان انتفاء الأعذار ، فذكر هناك على ترتيب الوجود صحف إبراهيم قبل صحف موسى في الإنزال ، وأما ههنا فقد قلنا إن الكلام مع أهل الكتاب وهم اليهود فقدم كتابهم ، وإن قلنا الخطاب عام فصحف موسى عليه السلام كانت كثيرة الوجود ، فكأنه قيل لهم انظروا فيها تعلموا أن الرسالة حق / وأرسل من قبل موسى رسل والتوحيد صدق والحشر واقع فلما كانت صحف موسى عند اليهود كثيرة الوجود قدمها ، وأما صحف إبراهيم فكانت بعيدة وكانت المواعظ التي فيها غير مشهورة فيما بينهم كصحف موسى فأخر ذكرها . المسألة الخامسة : كثيرا ما ذكر الله موسى فأخر ذكره عليه السلام لأنه كان مبتلى في / أكثر الأمر بمن حواليه وهم كانوا مشركين ومتهودين والمشركون كانوا يعظمون إبراهيم عليه السلام لكونه أباهم ، وأما قوله تعالى : { وفى } ففيه وجهان أحدهما : أنه الوفاء الذي يذكر في العهود وعلى هذا فالتشديد للمبالغة يقال وفى ووفى كقطع وقطع وقتل وقتل ، وهو ظاهر لأنه وفى بالنذر وأضجع ابنه للذبح ، وورد في حقه : { قد صدقت الرؤيا } ( الصافات : 105 ) وقال تعالى : { إن هاذا لهو البلاء المبين } ( الصافات : 106 ) وثانيهما : أنه من التوفية التي من الوفاء وهو التمام والتوفية الإتمام يقال وفاه أي أعطاه تاما ، وعلى هذا فهو من قوله : { وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ( البقرة : 124 ) وقيل : { وفى } أي أعطى حقوق الله في بدنه ، وعلى هذا فهو على ضد من قال تعالى فيه : { وأعطى قليلا وأكدى } مدح إبراهيم ولم يصف موسى عليه السلام ، نقول : أما بيان توفيته ففيه لطيفة وهي أنه لم يعهد عهدا إلا وفى به ، وقال لأبيه : { سأستغفر لك ربي } ( يوسف : 98 ) فاستغفر ووفى بالعهد ولم يغفر الله له ، فعلم { ءان ليس للإنسان إلا ما سعى } وأن وزره لا تزره نفس أخرى ، وأما مدح إبراهيم عليه السلام فلأنه كان متفقا عليه بين اليهود والمشركين والمسلمين ولم ينكر أحد كونه وفيا ، وموفيا ، وربما كان المشركون يتوقفون في وصف موسى عليه السلام ، ثم قال تعالى : { ألا تزر وازرة وزر أخرى } وقد تقدم تفسيره في سورة الملائكة ، والذي يحسن بهذا الموضع مسائل :
الأولى : أنا بينا أن الظاهر أن المراد من قوله : { بما فى صحف موسى } هو ما بينه بقوله { ألا تزر } فيكون هذا بدلا عن ما وتقديره أم لم ينبأ بألا تزر وذكرنا هناك وجهين أحدهما : المراد أن الآخرة خير وأبقى وثانيهما : الأصول . المسألة الثانية : { ألا تزر } أن خفيفة من الثقيلة كأنه قال : أنه لا تزر وتخفيف الثقيلة لازم وغير لازم جائز وغير جائز ، فاللازم عندما يكون بعدها فعل أو حرف داخل على فعل ، ولزم فيها التخفيف ، لأنها مشبهة بالفعل في اللفظ والمعنى ، والفعل لا يمكن إدخاله على فعل فأخرج عن شبه الفعل إلى صورة تكون حرفا مختصا بالفعل فتناسب الفعل فتدخل عليه . المسألة الثالثة : إن قال قائل : الآية مذكورة لبيان أن وزر المسيء لا يحمل عنه وبهذا الكلام لا تحصل هذه الفائدة لأن الوازرة تكون مثقلة بوزرها فيعلم كل أحد أنها لا تحمل شيئا ولو قال لا تحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ تقول ليس كما ظننت ، وذلك لأن المراد من الوازرة هي التي يتوقع منها الوزر والحمل لا التي وزرت وحملت كما يقال : شقاني الحمل ، وإن لم يكن عليه في الحال حمل ، وإذا لم تزر تلك النفس التي يتوقع منها ذلك فكيف تتحمل وزر غيرها فتكون الفائدة كاملة . وقوله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } تتمة بيان أحوال المكلف فإنه لما بين له / أن سيئته لا يتحملها عنه أحد بين له أن حسنة الغير لا تجدي نفعا ومن لم يعمل صالحا لا ينال خيرا فيكمل بها ويظهر أن المسيء لا يجد بسبب حسنة الغير ثوابا ولا يتحمل عنه أحد عقابا ، وفيه أيضا مسائل : الأولى : { ليس للإنسان } فيه وجهان أحدهما : أنه عام وهو الحق وقيل عليه بأن في الأخبار أن ما يأتي به القريب من الصدقة والصوم يصل إلى الميت والدعاء أيضا نافع فللإنسان شيء لم يسمع فيه ، وأيضا قال الله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) وهي فوق ما سعى ، الجواب عنه أن الإنسان إن لم يسع في أن يكون له صدقة القريب بالإيمان لا يكون له صدقته فليس له إلا ما سعى ، وأما الزيادة فنقول : الله تعالى لما وعد المحسن بالأمثال والعشرة وبالأضعاف المضاعفة فإذا أتى بحسنة راجيا أن يؤتيه الله ما يتفضل به فقد سعى في الأمثال ، فإن قيل : أنتم إذن حملتم السعي على المبادرة إلى الشيء ، يقال : سعى في كذا إذا أسرع إليه ، والسعي في قوله تعالى : { إلا ما سعى } معناه العمل يقال : سعى فلان أي عمل ، ولو كان كما ذكرتم لقال : إلا ما سعى فيه نقول على الوجهين جميعا : لا بد من زيادة فإن قوله تعالى : { ليس للإنسان إلا ما سعى } ليس المراد منه أن له عين ما سعى ، بل المراد على ما ذكرت ليس له إلا ثواب ما سعى ، أو إلا أجر ما سعى ، أو يقال : بأن المراد أن ما سعى محفوظ له مصون عن الإحباط فإذن له فعله يوم القيامة الوجه الثاني : أن المراد من الإنسان الكافر دون المؤمن وهو ضعيف ، وقيل بأن قوله : { ليس للإنسان إلا ما سعى } كان في شرع من تقدم ، ثم إن الله تعالى نسخه في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع وهو باطل إذ لا حاجة إلى هذا التكلف بعدما بان الحق ، وعلى ما ذكر فقوله : { ما سعى } مبقى على حقيقته معناه له عين ما سعى محفوظ عند الله تعالى ولا نقصان يدخله ثم يجزى به كما قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ( الزلزلة : 7 ) .
المسألة الثانية : أن { ما } خبرية أو مصدرية ؟ نقول : كونها مصدرية أظهر بدليل قوله تعالى : { وأن سعيه سوف يرى } أي سوف يرى المسعي ، والمصدر للمفعول يجيء كثيرا يقال : هذا خلق الله أي مخلوقه . المسألة الثالثة : المراد من الآية بيان ثواب الأعمال الصالحة أو بيان كل عمل ، نقول : المشهور أنهما لكل عمل فالخير مثاب عليه والشر معاقب به والظاهر أنه لبيان الخيرات يدل عليه اللام في قوله تعالى : { للإنسان } فإن اللام لعود المنافع وعلى لعود المضار تقول : هذا له ، وهذا عليه ، ويشهد له ويشهد عليه في المنافع والمضار ، وللقائل الأول أن يقول : بأن الأمرين إذا اجتمعا غلب الأفضل كجموع السلامة تذكر إذا اجتمعت الإناث مع الذكور ، وأيضا يدل عليه قوله تعالى : { ثم يجزاه الجزاء الاوفى } والأوفى لا يكون إلا في مقابلة الحسنة ، وأما في السيئة فالمثل أو دونه العفو بالكلية . المسألة الرابعة : { إلا ما سعى } بصيعة الماضي دون المستقبل لزياد الحث على السعي في العمل الصالح وتقريره هو أنه تعالى لو قال : ليس للإنسان إلا ما يسعى ، تقول النفس إني أصلي غدا / كذا ركعة وأتصدق بكذا درهما ، ثم يجعل مثبتا في صحيفتي الآن لأنه أمر يسعى وله فيه ما يسعى فيه ، فقال : ليس له إلا ما قد سعى وحصل وفرغ منه ، وأما تسويلات الشيطان وعداته فلا اعتماد عليها ثم قال تعالى : ! 7 < { وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزآء الأوفى } . > 7 ! < < النجم : ( 40 ) وأن سعيه سوف . . . . . > > أي يعرض عليه ويكشف له من أريته الشيء ، وفيه بشارة للمؤمنين على ما ذكرنا ، وذلك أن الله يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ، أو يكون يرى ملائكته وسائر خلقه ليفتخر العامل به على ما هو المشهور وهو مذكور لفرح المسلم ولحزن الكافر ، فإن سعيه يرى للخلق ، ويرى لنفسه ويحتمل أن يقال : هو من رأى يرى فيكون كقوله تعالى : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } ( التوبة : 105 ) وفيها وفي الآية التي بعدها مسائل : الأولى : العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه ؟ نقول فيه وجهان : أحدهما : يراه على صورة جميلة إن كان العمل صالحا ثانيهما : هو على مذهبنا غير بعيد فإن كل موجود يرى ، والله قادر على إعادة كل معدوم فبعد الفعل يرى وفيه وجه ثالث : وهو أن ذلك مجاز عن الثواب يقال : سترى إحسانك عند الملك أي جزاءه عليه وهو بعيد لما قال بعده : { ثم يجزاه الجزاء الاوفى } . المسألة الثانية : الهاء ضمير السعي أي ثم يجزى الإنسان سعيه بالجزاء ، والجزاء يتعدى إلى مفعولين قال تعالى : { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا } ( الإنسان : 12 ) ويقال : جزاك الله خيرا ، ويتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بحرف يقال : جزاه الله على عمله الخير الجنة ، ويحذف الجار ويوصل الفعل فيقال : جزاه الله عمله الخير الجنة ، هذا وجه ، وفيه وجه آخر وهو أن الضمير للجزاء ، وتقديره ثم يجزى جزاء ويكون قوله : { الجزاء الاوفى } تفسيرا أو بدلا مثل قوله تعالى : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ( الأنبياء : 3 ) فإن التقدير والذين ظلموا أسروا النجوى ، الذين ظلموا ، والجزاء الأوفى على ما ذكرنا يليق بالمؤمنين الصالحين لأنه جزاء الصالح ، وإن قال تعالى : { فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } ( الإسراء : 63 ) وعلى ما قيل : يجاب أن الأوفى بالنظر إليه فإن جهنم ضررها أكثر بكثير مع نفع الآثام فهي في نفسها أوفى .
المسألة الثالثة : { ثم } لتراخي الجزاء أو لتراخي الكلام أي ثم نقول يجزاه فإن كان لتراخي الجزاء فكيف يؤخر الجزاء عن الصالح ، وقد ثبت أن الظاهر أن المراد منه الصالح ؟ نقول : الوجهان محتملان وجواب السؤال هو أن الوصف بالأوفى يدفع ما ذكرت لأن الله تعالى من أول زمان يموت الصالح يجزيه جزاء على خيره ويؤخر له الجزاء الأوفى ، وهي الجنة أو نقول الأوفى إشارة إلى الزيادة فصار كقوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) وهي الجنة : { وزيادة } وهي الرؤية فكأنه / تعالى قال وأن سعيه سوف يرى ثم يرزق الرؤية ، وهذا الوجه يليق بتفسير اللفظ فإن الأوفى مطلق غير مبين فلم يقل : أوفى من كذا ، فينبغي أن يكون أوفى من كل واف ولا يتصف به غير رؤية الله تعالى . المسألة الرابعة : في بيان لطائف في الآيات الأولى : قال في حق المسيء : { ألا تزر وازرة وزر أخرى } وهو لا يدل إلا على عدم الحمل عن الوازرة وهذا لا يلزم منه بقاء الوزر عليها من ضرورة اللفظ ، لجواز أن يسقط عنها ويمحو الله ذلك الوزر فلا يبقى عليها ولا يتحمل عنها غيرها ولو قال : لا تزر وازرة إلا وزر نفسها كان من ضرورة الاستثناء أنها تزر ، وقال في حق المحسن : ليس للإنسان إلا ما سعى ، ولم يقل : ليس له ما لم يسع لأن العبارة الثانية ليس فيها أن له ما سعى ، وفي العبارة الأولى أن له ما سعى ، نظرا إلى الاستثناء ، وقال : في حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه ، وفي حق المحسن بعبارة تقطع خوفه / كل ذلك إشارة إلى سبق الرحمة الغضب [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأن إلى ربك المنتهى } . > 7 ! < < النجم : ( 42 ) وأن إلى ربك . . . . . > > القراءة المشهورة فتح الهمزة على العطف على ما ، يعني أن هذا أيضا في الصحف وهو الحق ، وقرىء بالكسر على الاستئناف ، وفيه مسائل : الأولى : ما المراد من الآية ؟ قلنا فيه وجهان : أحدهما : وهو المشهور بيان المعاد أي للناس بين يدي الله وقوف ، وعلى هذا فهو يتصل بما تقدم لأنه تعالى لما قال : { ثم يجزاه } كأن قائلا قال لا ترى الجزاء ، ومتى يكون ، فقال : إن المرجع إلى الله ، وعند ذلك يجازى الشكور ويجزي الكفور وثانيهما : المراد التوحيد ، وقد فسر الحكماء أكثر الآيات التي فيها الانتهاء والرجوع بما سنذكره غير أن في بعضها تفسيرهم غير ظاهر ، وفي هذا الموضع ظاهر ، فنقول : هو بيان وجود الله تعالى ووحدانيته ، وذلك لأنك إذا نظرت إلى الموجودات الممكنة لا تجد لها بدا من موجد ، ثم إن موجدها ربما يظن أنه ممكن آخر كالحرارة التي تكون على وجه يظن أنها من إشراق الشمس أو من النار فيقال الشمس والنار ممكنتان فمم وجودهما ؟ فإن استندتا إلى ممكن آخر لم يجد العقل بدا من الانتهاء إلى غير ممكن فهو واجب الوجود فإليه ينتهي الأمر فالرب هو المنتهى ، وهذا في هذا الموضع ظاهر معقول موافق للمنقول ، فإن المروي عن أبي بن كعب أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وأن إلى ربك المنتهى ، لا فكرة في الرب ) أي انتهى الأمر إلى واجب الوجود ، وهو الذي لا يكون وجوده بموجد ومنه كل وجود ، وقال أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا ذكر الرب فانتهوا ) وهو محتمل لما ذكرنا ، وأما بعض الناس فيبالغ ويفسر كل آية فيها الرجعى والمنتهى وغيرهما بهذا التفسير حتى قيل : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) بهذا المعنى وهذا دليل الوجود ، وأما دليل الوحدانية فمن حيث إن العقل انتهى إلى واجب الوجود من حيث إنه واجب الوجود ، لأنه لو لم يكن واجب / الوجود لما كان منتهى بل يكون له موجد ، فالمنتهى هو الواجب من حيث إنه واجب ، وهذا المعنى واحد في الحقيقة والعقل ، لأنه لا بد من الانتهاء إلى هذا الواجب أو إلى ذلك الواجب فلا يثبت الواجب معنى غير أنه واجب فيبعد إذا وجوبه ، فلو كان واجبان في الوجود لكان كل واحد قبل المنتهى لأن المجموع قبله الواجب فهو المنتهى وهذان دليلان ذكرتهما على وجه الاختصار .